نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج2

- العلامة الحلي المزيد...
638 /
355

المبحث العاشر: في أنّ قصد المدح و الذمّ غير مقتض للتّخصيص‏

اللّفظ العامّ إذا قصد به المخاطب المدح أو الذمّ، كقوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ. وَ إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ‏ (1) و قوله: وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ‏ (2) لا يخرج عن عمومه بقصدهما عند أكثر المحقّقين.

و قال الشافعي: انّه يخرج عن عمومه. (3)

لنا: أنّه لفظ وضع للعموم فرضا و لا منافي لإرادته، إذ ليس إلّا قصد المدح أو الذمّ، و هو غير صالح للمانعيّة، لإمكان إرادة العموم مع إرادة أحدهما، فيحمل على موضوعه، كغيره من الألفاظ.

احتجّ الشافعي: بأنّ الآية سيقت بقصد (4) المبالغة في الحثّ أو الزجر، و لم يكن العموم مقصودا، و منع من التمسّك بهذه الآية في ثبوت الزكاة في الحليّ.

و الجواب: فهم الذمّ من الآية، لدلالة اللّفظ عليه، و هو يدلّ على العموم، فوجب إثباته، و ليس دلالتها على الذمّ مانعة من دلالتها على العموم، بل العموم أبلغ.

____________

(1). الانفطار: 12- 13.

(2). التوبة: 34.

(3). نقله الآمدي في الإحكام: 2/ 384.

(4). في «أ»: لقصد.

356

المبحث الحادي عشر: في أنّ المعطوف هل يجب أن يضمر فيه جميع ما يمكن إضماره ممّا في المعطوف عليه؟

و هل إذا وجب ذلك، و كان المضمر في المعطوف عليه مخصوصا، وجب أن يكون المعطوف، عليه مخصوصا أم لا؟

اختلف الناس في ذلك، فقال العراقيّون بذلك كلّه، و منع الشافعيّة منه، مثاله قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا يقتل مؤمن بكافر و لا ذو عهد في عهده» (1).

استدل الشافعي به على أنّ المسلم لا يقتل بالذّميّ، و كذا أصحابنا، لأنّ اللّفظ عامّ بالنسبة إلى كلّ كافر حربيّا كان أو ذميّا.

اعترضه الحنفيّة: بأنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عطف عليه ذا العهد، فيكون معناه: و لا ذو عهد في عهده بكافر، لأنّ حكم المعطوف حكم المعطوف عليه، و معلوم أنّ ذا العهد يقتل بالكافر الذميّ، و لا يقتل بالحربيّ، فكان قوله: «لا يقتل مؤمن بكافر» معناه:

«كافر حربيّ» لأنّ المضمر في المظهر هو المظهر في المعطوف عليه، فأضمروا في المعطوف ما هو مظهر في المعطوف عليه، من القتل و الكافر.

و لمّا رأوا أنّ ذلك إن أضمر في المعطوف، كان مخصوصا في الحربيّ، أوجبوا تخصيص المعطوف عليه أيضا بالحربيّ.

و أجاب قاضي القضاة بوجهين:

____________

(1). تقدّم تخريج الحديث:

357

الأوّل: منع إضمار الكافر في المعطوف، لأنّ المعطوف إنّما يضمر فيه من المعطوف عليه ما يضمر به مستقلّا، لأنّ فقد استقلاله هو الموجب للإضمار، و من المعلوم استقلال قوله: «و لا ذو عهد في عهده» بإضمار القتل، فإنّ قولنا:

«و لا يقتل ذو عهد في عهده» كلام مستقلّ.

الثاني: سلّمنا إضمار «الكافر» لكن لا يجب تخصيص المعطوف عليه لو كان المضمر مخصّصا بالحربيّ، لأنّ مقتضى العطف مطلق الاشتراك، لا الاشتراك من كلّ الوجوه، فلا يجب ما قالوه، و لهذا لو قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا يقتل مؤمن بكافر و لا ذو عهد في عهده بكافر» ثمّ علمنا بدلالة أنّ ذلك مخصوص بالحربيّ، لم يجب أن يكون المعطوف عليه كذلك.

اعترض أبو الحسين على الأوّل: بأنّ الإضمار لا يقف على ما يستقلّ به الكلام، فإنّ من قال: «لا يقتل اليهود بالحديد و لا النصارى» لكان معناه: و لا يقتل النصارى بالحديد و لا يقتصر فيه على إضمار القتل فقط.

و كذا [لو قال:] «لا تشتر اللحم بالدراهم الصّحاح و لا الخبز» لأفاد «و لا تشتر الخبز بالدراهم الصّحاح» لأنّ العطف يفيد الاشتراك في حكم المعطوف عليه، و هاهنا المنع هو الشراء بالدّراهم الصّحاح دون المنع بالشراء بالدّراهم مطلقا، لأنّ المنع بالشراء بالدراهم مطلقا غير مذكور.

فلو قلنا: إنّ قولنا: «لا تشتر اللحم بالدّراهم الصحاح و لا الخبز» معناه: «و لا تشتر الخبز أصلا» لم يكن قد شركنا بينهما في الحكم المذكور.

و على الثاني: أنّ العطف يفيد اشتراك المعطوف و المعطوف عليه في‏

358

حكمه، و حكمه هو ما شاء المتكلّم و أراده، دون ما لم يعنه، فلو جعل الكافر في المعطوف عليه عامّا، و في المعطوف خاصّا لم يكن العطف مفيدا لاشتراكهما فيما قصده المتكلّم، لأنّه قصد بالأوّل العموم، و بالثاني الخصوص، و لكان الثاني معطوفا على بعض الأوّل، و ظاهر العطف يمنعه.

و لا يمكن أن يقال: العطف يفيد اشتراك المعطوف و المعطوف عليه في لفظ الكافر، لأنّ اللّفظ ليس موجودا في المعطوف، و انّما حكم المعطوف عليه يوجد فيه، فإنّ المتكلّم يقصد بالعطف اشتراكهما في معنى قصده، دون اللفظ.

ثمّ أجاب عن كلام الحنفيّة: بأنّ المعطوف إذا قيّد بصفة، لم يجب أن يضمر فيه من المعطوف عليه إلّا ما يصير به مستقلّا، فإنّ الإنسان لو قال: «لا تقتل اليهود بالحديد، و لا النصراني في الأشهر الحرم» لم يجب أن يضمر فيه إلّا القتل حتى يكون معناه: «و لا تقتل النصارى في الأشهر الحرم» و لا يجب إضمار «الحديد» حتّى يصير «و لا تقتل النصارى بالحديد في الأشهر الحرم» لأنّه لمّا قيّد المعطوف بزيادة ليست في المعطوف عليه، علم أنّه أراد المخالفة بينهما في كيفيّة القتل، و أن يشرك بينهما في القتل فقط، لا في الزيادة الّتي في المعطوف عليه‏ (1).

و هذا الكلام جيّد، لأنّ قوله: «و لا ذو عهد في عهده» كلام تامّ، لأنّه لو قال:

«لا يقتل ذو العهد» لكان من الجائز أن يتوهّم أنّ من وجد منه العهد، ثمّ خرج‏

____________

(1). المعتمد: 1/ 284- 287 نقله المصنّف بتلخيص.

359

عن عهده، فإنّه لا يجوز قتله، فلمّا قال «في عهده» علمنا أنّ النهي اختصّ بكونه في العهد.

و إذا كان تامّا، لم يجر إضمار الزّيادة، لأنّ الإضمار على خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلّا لضرورة.

لا يقال: إنّ قوله: «في عهده» كالتأكيد لقوله: «و لا ذو عهد» و لا يفيد حكما آخر، لأنّه لو لم يقله لعلمنا بقوله «و لا ذو عهد» أنّه لا ينبغي أن يقتل في عهده، لأنّ زوال العهد يخرجه عن كونه ذا عهد، و إذا كانت للتأكيد، و كان قوله: «و لا ذو عهد» يفيد بكافر، فكذا قوله: «و لا ذو عهد في عهده».

و ليس يقال: إنّ قوله: «في عهده» يفيد فائدة مجدّدة، و هي أنّ المانع من قتله هو العهد، لأنّه لو أفاد لاستفيد من قوله: «و لا ذو عهد».

لأنّا نقول: نمنع اقتضاء زوال العهد، لخروجه عن كونه ذا عهد، لما تقدّم من عدم وجوب بقاء المشتقّ منه في الاشتقاق.

سلّمنا، لكن ما ذكرتم يقتضي أنّه لو قال: لا يقتل مؤمن بكافر، و لا رجل في عهده، أن لا يضمر فيه «الكافر» حتّى يكون معناه «و لا يقتل رجل في عهده بكافر» لأنّه يكون قوله: «في عهده» قد استفيد منه فائدة مجدّدة، فيجب أن يكون قوله: «و لا ذو عهده» يمنع من أن يضمر فيه «بكافر» لأنّه ينزّل منزلة قوله:

«و لا رجل في عهده» في إفادة صفة قد منع من القتل معها، فإذا كان قوله: «في عهده» للتأكيد لم يضمر في المنع من هذا الإضمار.

360

و إذا امتنع إضمار الكافر فيه، امتنع تخصيص ما تقدّم.

قال أبو الحسين: إن وجب إضمار الكافر في المعطوف، فالأولى القول بالوقف، لأنّه ليس التمسّك بظاهر العطف و ترك ظاهر عموم أوّل الكلام و حمله على الخصوص أولى‏ (1) من التمسك بظاهر العموم، و ترك ظاهر العطف في وجوب اشتراك المعطوف و المعطوف عليه في خصوص ما اتّفقا فيه. (2)

و احتجّ أصحابنا و الشافعي بأمور:

الأوّل: المعطوف لا يستقلّ بنفسه في إفادة حكمه، و اللّفظ الدالّ على حكم المعطوف عليه، لا دلالة له على حكم المعطوف بصريحه، و إنّما أضمر حكم المعطوف عليه في المعطوف، ضرورة الإفادة، و حذرا من التعطيل، و الإضمار على خلاف الأصل، فيجب الاقتصار على ما تندفع به الضرورة، و هو التّشريك في أصل الحكم دون تفصيله من صفة العموم و غيره، تقليلا لمخالفة الدّليل. (3)

و فيه نظر، إذ فيه تسليم إضمار حكم المعطوف عليه في المعطوف، فلو كان الكافر الأوّل للعموم، أو لم يقيّد الثاني بالكافر، لكان المضمر غيره.

الثاني: قد ورد عطف الخاصّ على العامّ في قوله تعالى: وَ الْمُطَلَّقاتُ‏

____________

(1). في المصدر: بأولى.

(2). المعتمد: 1/ 287- 288.

(3). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2/ 370.

361

يَتَرَبَّصْنَ‏ (1) فإنّه عامّ في الرجعيّة و البائن، و قوله: وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَ‏ (2) خاصّ.

و ورد عطف الواجب على المندوب في قوله: وَ آتُوهُمْ‏ (3) فإنّ الإيتاء واجب، و الكتابة مستحبّة، و عطف الواجب على المباح في قوله: وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ‏ (4) و لو اقتضى العطف التسوية في أصل الحكم و تفصيله، لكان العطف في ذلك على خلاف الأصل. (5)

و فيه نظر، للمنع من عموم‏ وَ الْمُطَلَّقاتُ‏ على ما يأتي، و عطف الأحكام المختلفة جائز، لم ينازع فيه أحد، و ليس البحث فيه، بل في أنّ التقييد في المعطوف عليه بعامّ، و كان مضمرا في المعطوف، هل يقتضي تقييد المضمر أو لا.

الثالث: الاشتراك في أصل الحكم متيقّن، و في صفته محتمل، فجعل العطف أصلا في المتيقّن دون المحتمل أولى. (6)

و فيه نظر، فإنّ أصل الحكم هو عدم القتل، و لا يمكن التشريك فيه.

الرابع: لو كان التقييد مشتركا لكان نحو: «ضربت زيدا يوم الجمعة و عمرا» أي يوم الجمعة.

____________

(1). البقرة: 228.

(2). البقرة: 228.

(3). النور: 33 و قوله: وَ آتُوهُمْ‏ عطف على قوله: فَكاتِبُوهُمْ‏ الّذي هو أمر مستحبّ.

(4). الأنعام: 141، و قوله: وَ آتُوا حَقَّهُ‏ عطف على قوله: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ‏ الّذي هو أمر مباح.

(5). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2/ 370.

(6). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2/ 371.

362

و اعترض بالتزامه، و بالفرق بأنّ ضرب عمرو في غير يوم الجمعة، ليس بممتنع و احتجّت الحنفيّة بوجوه:

الأوّل: لو لم يقدّر شي‏ء لامتنع قتله مطلقا، و هو باطل، فيجب الأوّل للقرينة.

و فيه نظر، فإنّ الإطلاق إن عني به عدم قتله و إن خرج عن العهد، منعنا الملازمة، و إن عني عدم قتله ما دام في عهده مطلقا، منعنا بطلان التالي‏

الثاني: حرف العطف يوجب جعل المعطوف و المعطوف عليه في حكم جملة واحدة، فالحكم على أحدهما يكون حكما على الآخر.

و اعترض: (1) بأنّ العطف يقتضي اتّحادهما فيما فيه العطف، لا فيما زاد على أصل الحكم.

الثالث: المعطوف إذا لم يستقلّ، فلا بدّ من الإضمار، و ليس غير حكم المعطوف عليه إجماعا، و لا بعضه، لأنّ غير المعيّن يقتضي الإجمال، و هو خلاف الأصل، و المتعيّن‏ (2) منتف، فوجب إضمار كلّ ما ثبت للمعطوف عليه.

اعترض‏ (3): بالتشريك في أصل الحكم المذكور دون صفته، و هو مدلول اللّفظ من غير إبهام و لا إجمال.

____________

(1). المعترض هو الآمدي في الإحكام: 2/ 371.

(2). في «أ»: و المتيقّن.

(3). المعترض هو الآمدي في الإحكام: 2/ 371.

363

المبحث الثاني عشر: في أنّ رجوع الضمير إلى البعض، هل يقتضي التخصيص أم لا؟

اعلم أنّ العموم إذا تعقّبه ضمير يرجع إلى بعضه خاصّة، إمّا في استثناء، أو صفة، أو حكم، هل يجب أن يكون المراد بذلك العموم ذلك البعض أو لا؟

أمّا الاستثناء، فكقوله تعالى: لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ (1) ثمّ قال: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ‏ (2) فاستثنى العفو، و علّقه بكناية راجعة إلى النساء.

و معلوم أنّ العفو إنّما يصحّ من المالكات لأمورهنّ دون الصغيرة و المجنونة، فهل يقال: الصغيرة و المجنونة غير مرادتين من لفظ النساء في أوّل الكلام.

و أمّا الصّفة، فكقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ‏ (3) ثمّ قال: لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً (4) يعني الرّغبة في مراجعتهنّ، و معلوم أنّه لا يتأتّى في البائنة.

و أمّا الحكم، فكقوله تعالى: وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ‏

____________

(1). البقرة: 236.

(2). البقرة: 237.

(3). الطلاق: 1.

(4). الطلاق: 1.

364

ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (1) ثمّ قال: وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَ‏ (2) و هذا لا يتأتّى في البائنة.

فنقول: اختلف الناس في ذلك، فذهب قاضي القضاة إلى أنّه لا يجب تخصيص ذلك العموم بتلك الأشياء، و هو اختيار جماعة من المعتزلة و الأشاعرة.

و ذهب آخرون إلى وجوب التخصيص، و هو الحقّ.

و توقّف السيد المرتضى‏ (3)، و أبو الحسين البصري‏ (4)، و الجويني‏ (5)، و فخر الدين الرازي‏ (6).

احتجّ القاضي عبد الجبار: بأنّ اللّفظ عامّ يجب إجراؤه على عمومه إلّا أن يضطرّنا شي‏ء إلى تخصيصه، و كون آخر الكلام مخصوصا، لا يقتضي تخصيص أوّله. (7)

و احتجّ غيره: بأنّ مقتضى اللّفظ إجراؤه على ظاهره من العموم، و مقتضى اللّفظ الثاني عود الضّمير إلى جميع ما دلّ عليه اللّفظ المتقدّم إذ لا أولويّة

____________

(1). البقرة: 228.

(2). البقرة: 228.

(3). الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 249.

(4). المعتمد: 1/ 284.

(5). البرهان في أصول الفقه: 1/ 266.

(6). المحصول: 1/ 456.

(7). نقله أبو الحسين البصري في المعتمد: 1/ 284.

365

لاختصاص بعض المذكور السابق به دون البعض، و إذا قام الدّليل على تخصيص الضمير ببعض المذكور السابق، و خولف ظاهره، لم يلزم منه مخالفة الظاهر الآخر، بل يجب إجراؤه على ظاهره إلى أن يقوم دليل على تخصيصه.

و الدّليل على ما قلناه، أنّ الضّمير لا بدّ و أن يرجع إلى السّابق قطعا، فإمّا أن يرجع إلى كلّه، أو بعضه.

و الثانى محال، لعدم الأولويّة، و لاستلزامه الإجمال، فثبت الأوّل، و إنّما يصحّ لو كان المراد بالأوّل من يصحّ العود إليه.

و الجواب عن حجّة القاضي: أنّ التخصيص يقتضي تخصيص أوّل الكلام، لوجوب رجوع الضمير إلى جميع ما تقدّم، لأنّ معنى‏ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ‏ (1) إلّا أن يعفو النّساء اللّواتي طلّقتموهنّ، و لو أنّه تعالى صرّح بذلك، لكان لفظ النّساء مقصورا على من يصحّ عفوه.

و عن الثاني: أنّ الضمير ليس للعموم، و هو عبارة عمّا تقدّم، إذ الضّمير هو المظهر في الحقيقة، و إنّما اختلفا في الإضمار و الإظهار، فلا يكون الأوّل للعموم.

احتجّ المتوقّفون: بأنّ ظاهر العموم المتقدّم يقتضي الاستغراق، و ظاهر الكناية يرجع إلى كل ما تقدّم، لأنّ الكناية يجب رجوعها إلى المذكور المتقدّم، و هو المطلّقات، و ليست رعاية ظاهر العموم أولى من رعاية ظاهر الكناية فوجب التوقف.

____________

(1). البقرة: 237.

366

أجاب القائلون بالعموم: بأنّ إجراء اللّفظ على عمومه، و تخصيص المتأخّر أولى من العكس، لأنّ دلالة الأوّل ظاهرة، و دلالة الثاني غير ظاهرة، و لا يخفى أنّ دلالة المظهر، أقوى من دلالة المضمر. (1)

أعترضه أبو الحسين: بأنّه ليس القول بأنّ العموم أولى، لأنّه ظاهر، بأولى من أنّ التمسّك بالكناية أولى، لأنّها كناية (2).

و ليس بجيّد، لأنّ الظاهر لا يتوقّف على الكناية في الدلالة، و الكناية تتوقّف على الظاهر، و الموقوف عليه أولى.

و الجواب الصحيح: أنّ مراعاة ظاهر الكناية أولى، لأنّ تعميم الظاهر يقتضي إلى الإضمار و الإجمال.

أمّا الإضمار، فلأنّ التقدير يصير: «إلّا أن يعفو بعضهنّ» و مراعاة ظاهر الكناية يقتضي التخصيص، و قد تقدّم أنّ التخصيص خير من الإضمار.

و أمّا الإجمال، فلعدم إشعار المضمر بالمراد منه.

قيل: لو خصّص الأوّل لزم تخصيصهما معا، فيلزم مخالفة ظاهرين. (3)

و ليس بجيّد، لأنّ الثاني بعد تخصيص الأوّل لا يكون عامّا، فلا يلزم مخالفة ظاهر آخر.

____________

(1). لاحظ الإحكام للآمدي: 2/ 425.

(2). المعتمد: 1/ 284- 285.

(3). لاحظ رفع الحاجب في مختصر ابن الحاجب: 3/ 353، قسم المتن.

367

المبحث الثالث عشر: في الحكم الخاص المقترن بالعلة

إذا حكم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بحكم في واقعة خاصّة، و ذكر العلّة، فقال الشافعي: إنّه يعمّ من وجدت تلك العلّة في حقّه، كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في حقّ أعرابيّ محرم وقصت‏ (1) به ناقته: «لا تخمروا رأسه، و لا تقربوه طيبا، فإنّه يحشر يوم القيامة ملبّيا» (2). و كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في قتلى «أحد»: «زمّلوهم بكلومهم‏ (3) و دمائهم، فإنّهم يحشرون يوم القيامة، و أوداجهم تشخب دما» (4). و كما لو قال: حرّمت الخمر لكونه مسكرا.

و منعه القاضي أبو بكر (5).

و الحقّ أن يقال: إنّ عموم الحكم ليس بالنظر إلى الصيغة الواردة، فإنّه لو كان كذلك لكان إذا قال لوكيله: «أعتق سالما لكونه أسود» لاقتضى عتق كلّ عبد أسود، كما لو قال: «أعتق عبيدي السّودان» نعم أنّه مستفاد من العلّة إن قيل به، على ما يأتي البحث فيه.

فإن قلنا به، لم يندرج قوله لوكيله: «أعتق سالما لكونه أسود» لأنّ الوكيل‏

____________

(1). وقصت الناقة: رمت براكبها فدقت عنقه. المصباح المنير.

(2). صحيح البخاري، كتاب الجنائز باب الكفن في الثوبين برقم 1265؛ و مستدرك الوسائل: 2/ 177، الباب 13 من أبواب غسل الميّت، الحديث 5 و 6.

(3). الكلم: الجرح، و الجمع كلوم و كلام. لسان العرب.

(4). مسند أحمد بن حنبل: 5/ 431؛ و مستدرك الوسائل: 2/ 180، الباب 14 من أبواب غسل الميت، الحديث 8 و لاحظ وسائل الشيعة: 2/ 701، الباب 13 من أبواب غسل الميت، الحديث 11.

(5). التقريب و الإرشاد: 3/ 236- 237.

368

إنّما يتصرّف فيما يأمره الموكّل نصّا، لا بالقياس على ما يأمره به، و الفائدة في ذكر العلّة معرفة كون الحكم معلّلا، إلّا أن يكون اللّفظ عامّا لغير محلّ التخصيص.

قال القاضي أبو بكر (1): يحتمل أن يكون النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) علّل ذلك في حقّ الأعرابيّ بما علمه من كونه مات مسلما مخلصا في عبادته، محشورا ملبّيا و قصت به ناقته، لا بمجرّد إحرامه، و في قتلى «أحد» لعلوّ درجتهم في الجهاد، و تحقّق شهادتهم، لا بمجرّد الجهاد، و في تحريم الخمر، لكونه خمرا مسكرا.

و هذا و إن كان موجّها، إلّا أنّه على خلاف ما ظهر من تعليله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بمجرّد الإحرام و الجهاد، و سيأتي.

المبحث الرّابع عشر: في أنّ خطابه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقتضي تخصيصه به‏

إذا خاطب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) واحدا من أمّته لم يكن ذلك خطابا للباقين إلّا بدليل منفصل عند أكثر المحقّقين.

و قال جماعة من الحنابلة أيضا: إنّه يكون خطابا للباقين.

لنا [ان نقول‏]:

أنّ الخطاب توجّه إلى الواحد، و هو موضوع في اللّغة لذلك الواحد، فلا يكون متناولا لغيره بوضعه.

احتجّوا بوجوه:

____________

(1). المصدر السابق.

369

الأوّل: قوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ‏ (1).

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «بعثت إلى النّاس كافّة» (2).

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «بعثت إلى الأسود و الأحمر» (3) و هو يقتضي التشريك.

الثاني: قوله: «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» (4) نصّ في التعميم عند خطاب الواحد.

الثالث: إجماع الصحابة على الاحتجاج في الحوادث بحكمه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على آحاد الأمّة كحكمهم في الزنا بما حكم به على «ماعز» و ضرب الجزية على المجوس بضربها على مجوس هجر (5) و لو لا أنّ حكمه على واحد يقتضي التعميم، لم يجز التّعدية إلّا بدليل، و الأصل عدمه.

و لأنّه لو كان، لبيّنوه.

الرابع: أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) خصّص بعض الصحابة بأحكام دون غيره، و نصّ عليه،

____________

(1). سبأ: 28.

(2). مسند أحمد بن حنبل: 1/ 301؛ و المعجم الكبير للطبراني: 7/ 155 برقم 6674؛ كنز العمال:

11/ 426 و 439 و 555.

(3). مسند أحمد بن حنبل: 3/ 304 و ج 4/ 416 و ج 5/ 145؛ و كنز العمال: 11/ 438 برقم 32061 و 32064؛ و نقله ابن أبي الحديد في شرح النهج: 5/ 54.

(4). تقدم تخريج الحديث ص 194.

(5). «هجر» اسم لمناطق مختلفة ... منها «هجر البحرين» و «هجر نجران» و قيل: «هجر» ناحية البحرين كلّها و هو الصواب. معجم البلدان: 5/ 393.

و في كلام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في رسالته إلى معاوية: فكنت في ذلك كناقل التمر إلى هجر.

نهج البلاغة، قسم الرسائل برقم 28.

370

كتخصيص أبي بردة (1) في التضحية بعناق، و قال: «تجزئك و لا تجزئ أحدا بعدك» (2) و تخصيص خزيمة (3) بقبول شهادته وحده، و تخصيص عبد الرحمن بن عوف‏ (4) بلبس الحرير.

و لو لا أنّ الحكم بإطلاقه على الواحد حكم على الأمّة، لما احتاج إلى التنصيص بالتخصيص.

و الجواب عن الأوّل: أنّا نقول بموجبه، فإنّه مرسل إلى النّاس كافّة، و مبعوث إلى كلّ واحد، و لكن لا يجب تساويهم في الأحكام، بل بمعنى لكلّ شخص حكمه الخاصّ به، كأحكام المريض، و الصحيح، و المقيم، و المسافر، و الحرّ، و العبد، و الحائض، و الطاهر، و غير ذلك، و لا يلزم من ذلك اشتراك الجميع في كلّ حكم.

و عن الثاني: أنّ التعميم ثبت حينئذ من هذا الحديث، لا من مجرّد حكمه على الواحد، لأنّ الحكم هو الخطاب، و خطاب الواحد ليس خطابا لغيره، فإنّه لو كان خطابا لغيره لزم منه التخصيص بإخراج من لم يكن‏

____________

(1). تقدمت ترجمته ص 195.

(2). تقدّم تخريج الحديث ص 195.

(3). خزيمة بن ثابت بن الفاكه الأنصاري، أبو عمارة صحابيّ من أشراف الأوس في الجاهلية و الإسلام و هو ذو الشهادتين، جعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) شهادته بشهادة رجلين، شهد مع عليّ (عليه السلام) «صفّين» و استشهد فيها سنة 37 ه. لاحظ أسد الغابة: 2/ 119 برقم 1446؛ و الأعلام للزركلي: 2/ 305.

(4). تقدّمت ترجمته ص 195.

371

موافقا لذلك الواحد، في السبب الموجب للحكم عليه.

و لأنّه لو كان خطابه المطلق خطابا للجماعة، لما احتاج إلى قوله:

«حكمي على الواحد» أو كانت فائدته التأكيد، و الأصل في دلالة اللّفظ التأسيس.

سلّمنا، لكن حكمه على الواحد، لو كان حكما على الجماعة لهذا الحديث، لم يلزم أن يكون حكمه للواحد حكما للجماعة، و الفرق ظاهر، و الخلاف واقع في الجميع. (1)

و فيه نظر، فإنّ المراد بحكمه عليه التشريع في حقّه، سواء كان له أو عليه، لأنّ قبول الأمر و الانقياد إلى حكمه و إن كان له، واجب.

و لأنّه إذا ثبت الأوّل ثبت الثّاني، لعدم القائل بالفرق.

و عن الثالث: أنّه حكاية حال، فلا يقتضي التعميم، و لأنّ حكمهم إنّما كان لعلمهم بالمشاركة في السبب، للإجماع على أنّهم لو لم يعلموا السبب و تساويهم فيه، لما حكموا بالتشريك في الحكم.

و عن الرابع: أنّ الفائدة زوال توهّم المساواة أو التأكيد.

____________

(1). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2/ 374.

372

المبحث الخامس عشر: في أنّ قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً (1) هل هو للعموم أم لا؟

ذهب الأكثر إلى عموم هذا، و أنّه يقتضي أخذ الصدقة من كلّ نوع من أنواع مال كلّ مالك.

و خالف فيه الكرخي‏ (2) و قصره على أخذ صدقة واحدة من نوع واحد.

احتجّ الأوّلون: بأنّ «أموالا» جمع أضيف إلى مثله، فيفيد العموم، لما تقدّم، فيصير التقدير: «خذ من كلّ نوع من أموالهم صدقة» فتتعدّد الصّدقة بتعدّد الأموال.

قال الكرخي: «صدقة» نكرة مضافة إلى جملة الأموال، فإذا أخذ من نوع واحد من المال صدقة، صدق قوله: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً لأنّ المال الواحد جزء من جملة الأموال، فإذا أخذت الصّدقة من جزء المال، صدق أخذها من المال، و لهذا وقع الإجماع على أنّ كلّ درهم و دينار موصوف بأنّه مال، و لا يجب أخذ الصدقة منه، و الأصل أن يكون ذلك لعدم دلالة اللّفظ عليه لا للمعارض. (3)

____________

(1). التوبة: 103.

(2). تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 219.

(3). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2/ 384.

373

و فيه نظر، فإنّ القائل بالتعميم لم يقل به بالنظر أي صدقة النكرة، بل بالنظر إلى الجمع المضاف، و قد سبق أنّه للعموم، و نمنع صدق أخذ الصدقة من أموالهم عند أخذها من مال واحد.

و التحقيق: أنّ الجمع هنا إن كان بمنزلة كلّ واحد، وجب أن يأخذ من كلّ واحد صدقة، و إن كان للكلّ، من حيث هو كليّ مجموعيّ‏ (1)، صدق بأخذ صدقة واحدة من مال واحد.

خاتمة تشتمل على مسائل:

[المسألة] الأولى: قد بيّنا أنّه لا يجوز التّمسّك بالعامّ قبل المخصّص‏

، و لا يشترط القطع، بل الظّنّ المستند إلى البحث التامّ بحيث لو كان لظهر عليه.

و قال القاضي أبو بكر: يشرط القطع بنفي المخصّص، لأنّ الاعتقاد الجازم من غير دليل قاطع جهل، و قد سلك في العلم بنفي المخصّص مسلكين:

أحدهما: إذا بحث في مسألة قتل المسلم بالذّمّي مثلا من مخصّصات قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا يقتل مؤمن بكافر» و قال: هذه مسألة كثر الجدال فيها، و طال خوض العلماء، فيستحيل عادة أن يشذّ عن جميعهم دليل، و الأدلّة المنقولة عنهم علم بطلانها فأعلم انتفاء المخصّص.

الثاني: يمكن أن يدّعي المجتهد اليقين، و إن لم يدّع الإحاطة بجميع‏

____________

(1). في «ب»: كلّ مجموع.

374

المدارك، إذ يقول: لو كان الحكم خاصّا لنصب اللّه عليه دليلا للمكلّفين، و لبلغهم ذلك، و ما خفى عليهم.

و اعترض الغزالي على الأوّل بوجهين:

الأوّل: أنّه حجر على الصّحابة أن يتمسّكوا بالعموم في كلّ واقعة لم يكثر الخوض فيها، و لم يطل البحث عنها، و لا شكّ في عملهم معه، و جواز التخصيص، بل مع جواز نسخ لم يبلغهم، كما حكموا بصحّة المخابرة بدليل عموم إحلال البيع، حتّى روى رافع بن خديج‏ (1) النّهي عنه.

الثاني: أنّه بعد طول الخوض لا يحصل اليقين، بل إن سلّم أنّه لا يشذّ المخصّص عن جميع العلماء، و من أين عرف أنّه بلغه كلام جميعهم؟ فلعلّ منهم من تنبّه لدليل، و لم يكتبه في تصنيف، و لا نقل عنه.

و الثاني‏ (2) كالأوّل، فإنّه لو اجتمعت الأمّة على شي‏ء أمكن القطع بأن لا دليل يخالفه، إذ يستحيل إجماعهم على الخطأ، أمّا في مسألة الخلاف كيف يتصور ذلك؟ (3)

و فيه نظر، فإنّه لم يحجر على أحد بل ادّعى أنّ العموم إذا لم يعلم انتفاء

____________

(1). رافع بن خديج بن رافع الأنصاريّ الأوسي الحارثي، صحابيّ، كان عريف قومه في المدينة، فشهد أحدا و الخندق و أكثر المشاهد، و أصابه يوم أحد سهم في ترقوته، فنزع السهم و بقي النصل إلى أن مات، توفّي سنة 74 ه. لاحظ أسد الغابة: 2/ 160 برقم 1580؛ و الأعلام للزركلي: 3/ 12.

(2). أي المسلك الثاني.

(3). المستصفى: 1/ 177- 178.

375

المخصّص لا يجوز التمسّك به، و الصحابة عارفون بالأحكام، لقرب عهدهم بالرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقلّ أن يخفى عنهم بعد البحث اليسير، بخلاف غيرهم، لتطاول الأزمنة المقتضي لاندراس الأقوال و أدلّتها، و العلماء المشهورون قلّ أن يخفى كلامهم، و المعتبر إنّما هو قول من بلغ رتبة الاجتهاد، و قلّ خفاء مثله، و مع ذلك فالوجه ما قلناه من الاكتفاء بالظّنّ.

[المسألة] الثانية: ظنّ قوم أنّ قوله تعالى: وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ (1) من العامّ‏

، و تمسّكوا به على إيجاب الوتر، و إخراج ما دلّ على عدم وجوبه عنه لا يمنع التمسّك به، و قد بيّنا أنّ المفرد المحلّى باللّام لا يقتضي العموم، نعم أنّ قوله تعالى: مَا اسْتَطَعْتُمْ‏ (2) قرينة تدلّ على حثّ فعل كلّ ما صدق عليه اسم الخير، أمّا لفظ الخير فلا.

و قال الغزاليّ: إنّه مجمل‏ (3).

و ليس بمعتمد.

[المسألة] الثالثة: قوله تعالى: وَ لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (4) للعموم‏

، فيجوز التمسّك به في منع قتل المسلم بالذّميّ، لأنّه يفيد نفي السّلطنة، إلّا ما دلّ [عليه‏] الدليل من الدّية، و الضمان، و السرقة، و طلب الثمن، و غيره.

____________

(1). الحجّ: 77.

(2). التغابن: 16.

(3). المستصفى: 1/ 147.

(4). النساء: 141.

376

و الأصل فيه: أنّه نكرة في معرض النفي، و قد بيّنا أنّها للعموم.

و قال الغزالي: إنّه مجمل. (1)

و ليس بجيّد، و كذا قال في نفي الاستواء (2): إنّه مجمل. (3)

[المسألة] الرابعة: قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «فيما سقت السماء العشر» (4) من قبيل العامّ‏

إلّا ما خصّه الدليل، لما تقدّم من أنّ «ما» للعموم.

و قال قوم: لا يجوز أن يتمسّك بعمومه، لأنّ المقصود ذكر الفصل بين العشر و نصف العشر، و هو غلط، لعدم التنافي.

[المسألة] الخامسة: قوله تعالى: وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ (5) ليس عامّا و لا مجملا

، و تردّد الشافعي في كونه مجملا أو عامّا، من حيث إنّ الألف و اللام احتمل أن تكون فيه للتعريف، و معناه: أحلّ اللّه البيع الّذي عرّف الشرع‏ (6) شرطه.

[المسألة] السادسة: قال الغزّالي: اسم المفرد يفيد العموم في مواضع‏

ثلاثة:

الأوّل: ان يحلّى بلام التعريف مثل «لا تبيعوا البرّ بالبرّ».

الثاني: دخول النّفي عليه مثل: «ما رأيت رجلا» فإنّ النفي لا خصوص فيه، بل هو مطلق، فإذا أضيف إلى منكّر مبهم لم يتخصّص، بخلاف: «رأيت‏

____________

(1). المستصفى: 1/ 147.

(2). إشارة إلى قوله سبحانه و تعالى: لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ الحشر: 20.

(3). المستصفى: 1/ 147.

(4). تقدم تخريج الحديث ص 290.

(5). البقرة: 275.

(6). في «أ»: الشارع.

377

رجلا» فإنّه إثبات، و الإثبات يتخصّص في الوجود، فإذا أخبر عنه لم يتصوّر عمومه، فإذا أضيف إلى مفرد اختصّ به.

الثالث: أن يضاف إليه أمر أو مصدر، و الفعل بعد غير واقع، بل منتظر، مثل:

«أعتق رقبة» أو «فتحرير رقبة» فإنّه تمثيل بعتق أيّ رقبة كانت، و الاسم متناول لها، فنزّل منزلة العموم، بخلاف: «أعتقت رقبة» فإنّه إخبار عن فعل ماض دخل في الوجود، و لا يدخل إلّا فعل خاصّ‏ (1).

أمّا الأوّل، فقد تقدّم أنّه ليس للعموم.

و أمّا الثاني، فقد بيّنا أنّه للعموم.

و أمّا الثالث، فإنّه مطلق لا عامّ.

***

____________

(1). المستصفى: 1/ 148- 149.

378

الباب الرّابع: في المطلق و المقيّد

و فيه مباحث:

المبحث الأوّل: في ماهيّتهما

و قد عرفت فيما سبق أنّ المطلق هو اللّفظ الدالّ على الماهيّة من حيث هي هي، لا يفيد العموم، و لا الخصوص، و لا يفيد الوحدة و الكثرة (1) بل نفس الماهيّة و نريد به هنا أعمّ من ذلك، و هو هذا و النكرة المثبتة، إمّا في معرض الأمر مثل: «أعتق رقبة» أو مصدر الأمر مثل: «فتحرير رقبة» أو الإخبار عن المستقبل مثل: «سأعتق رقبة» و لا يتصوّر المطلق في معرض الخبر عن الماضي مثل:

«ضربت رجلا» ضرورة تعيّنه باعتبار إسناد الضرب إليه.

و رسم: «بأنّه اللّفظ الدالّ على مدلول شائع في جنسه». (2)

____________

(1). في «ب» و «ج»: أو الكثرة.

(2). كذا عرّفه الآمدي في الإحكام: 3/ 3.

379

فاللفظ كالجنس للمطلق و غيره، و خرج بالدّال المهمل، و قولنا: «على مدلول» ليعمّ الوجود و العدم، و خرج بالشائع في جنسه، أسماء الأعلام و المعارف، و العمومات، لاستغراقها.

و في إخراجها به نظر، فالأولى زيادة «على البدل».

و أمّا المقيّد، فيقال لمعينين:

الأوّل: ما كان من الألفاظ دالّا على معنى، كزيد، و هذا الرّجل.

الثاني: ما كان من الألفاظ دالّا على وصف مدلوله المطلق بصفة زائدة كقولنا: «ثوب مصريّ» و هذا و إن كان مطلقا في جنسه من حيث هو ثوب مصريّ، إلّا أنّه مقيّد بالنّسبة إلى مطلق الثوب، فهو مطلق و مقيّد باعتبارين.

و رسم: بأنّه ما أخرج من شياع بوجه، ك «رقبة مؤمنة». (1)

____________

(1). التعريف لابن الحاجب في مختصره، لاحظ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 3/ 366، قسم المتن.

380

المبحث الثاني: في حكم الجمع بينهما

كلّما تقدّم في باب تخصيص العموم من المتّفق عليه، و المختلف فيه، و المزيّف، و المختار، فإنّه جار في تقييد المطلق، و إذا تعقّب التقييد جملة واحدة، فلا خلاف في أنّه يغيّر حكمها من الإطلاق إلى التقييد.

ففي هاهنا البحث عن حكم الجمع بينهما، فنقول: المطلق و المقيّد إذا وردا فإمّا أن يكون حكم أحدهما مخالفا لحكم الآخر، كقوله: آتُوا الزَّكاةَ و أعتقوا رقبة مؤمنة، أو أطعم طعاما من أطعمة العراق، و اكس ثوبا، و هذا لا خلاف في أنّه لا يحمل المطلق هنا على المقيّد، و لا يتقيّد الثوب بقيد العراق، لإمكان الجمع بينهما من غير تناف.

و لعدم تعلّق أحدهما بالآخر، إلّا في صورة واحدة، و هي في مثل: أعتق رقبة، في كفّارة الظهار، ثمّ يقول: لا تملك رقبة كافرة، فإنّه يقتضي تقييد الرقبة بعدم الكفر، لكنّ القيد هنا في المطلق ضدّ القيد في المقيّد، لامتناع الجمع بينهما.

و إمّا أن لا يكون مخالفا، فإمّا أن يتّحد السّبب، أو يتكثّر، إمّا مع التماثل، أو لا، و على كلّ تقدير، فالخطاب الوارد إمّا أمر، أو نهي، فالأقسام ستّة:

381

الأوّل: أن يتّحد السبب في الأمر، كقوله في الظهار: أعتق رقبة، ثمّ يقول فيه: أعتق رقبة مؤمنة، فهاهنا تجب رقبتان بظاهر الأمرين إن كان الأمر المتكرّر يفيد تكرار المأمور، و إن علم اتّحاد العتق في الموضعين و عدم تكرّره، وجب تقييده بالإيمان، و يحمل المطلق على المقيّد إجماعا بيانا لا نسخا، لأنّ المطلق جزء من المقيّد و الآتي بالكلّ آت بالجزء لا محالة، فالآتي بالمقيّد يكون عاملا بالدليلين، و الآتي بالمطلق يكون مهملا لأحدهما.

و العمل بالدّليلين أولى من إهمال أحدهما، مع إمكان العمل به.

لا يقال: نمنع من كون المطلق جزءا من المقيّد، فإنّهما ضدّان، فلا يجتمعان.

سلّمنا، لكنّ حكم المطلق عند عدم التّقييد يمكّن المكلّف من الإتيان بأيّ فرد شاء من أفراد تلك الحقيقة، و خروج عهدة المكلّف بالإتيان بأيّ فرد، و التقييد يمنع من ذلك، فيضاد حكماهما، و زالت المكنة، فليس تقييد المطلق بالمقيّد أولى من حمل المقيّد على المندوب، و المطلق على أصله.

لأنّا نقول: المطلق هو الحقيقة، و المقيّد هي مع قيد زائد، فالحقيقة أحد جزئي المقيّد.

و يمنع التّضادّ بين الإطلاق و التقييد، فإنّ الإطلاق كون اللّفظ دالّا على الحقيقة من حيث هي هي مع حذف القيود الإيجابيّة و السلبيّة، و هو لا ينافي التقييد حينئذ.

و لا نريد بالإطلاق دلالة اللّفظ على الحقيقة من حيث هي عارية عن القيود.

382

فالأوّل هو أخذ الحقيقة لا بشرط شي‏ء و الثاني أخذها بشرط لا شي‏ء، و بينهما فرق.

و لأنّ شرط الخلوّ عن كلّ القيود غير معقول، لأنّ الخلوّ قيد، و دلالة المطلق على التمكّن من أيّ فرد ليست لفظيّة وضعيّة، و دلالة المقيّد على وصف التقييد وضعيّة من حيث اللّغة، فهو أولى بالرّعاية. (1)

و فيه نظر، فإنّ حمله على الندب لا يقتضي ضعف دلالته على معناه، و لا إهمال شي‏ء منها، أقصى ما في الباب، أنّه حمل الأمر فيه على الندب، إمّا على سبيل المجاز أو لا على الخلاف، و دلالة المقيّد على التقييد لا يتعيّن في حالتي الحمل على الوجوب أو الندب.

بل الوجه في الجواب أن يقال: حمله على الوجوب يقتضي يقين البراءة و الخروج عن العهدة بيقين، بخلاف حمله على الندب، فإنّ يقين البراءة لا تحصل، بل و لا ظنّها، لقوّة كون الأمر للوجوب أو للاشتراك اللفظيّ، و معها لا براءة يقينيّة.

أو يقال: حمل المطلق على المقيّد لا يخرجه عن حقيقته إلى مجازه قطعا، بل يكون العامل برقبة مؤمنة موفيا (2) للعمل باللّفظ المطلق في حقيقته، و لهذا لو أنّه أدّاه قبل ورود التقييد، لكان قد عمل باللّفظ في حقيقته، بخلاف تأويل المقيّد و صرفه عن حقيقته إلى مجازه، و لا شكّ في أولويّة استعمال اللّفظ في حقيقته من مجازه.

____________

(1). الاستدلال للرازي في محصوله: 1/ 458.

(2). في «ب» و «ج»: برقبة موفيا.

383

و لأنّ الإطلاق يجري مجرى العامّ، و التّقييد يجري مجرى الخاصّ، و الخاصّ مقدّم.

على أنّ هذا الحمل ممتنع لو صرّح في المقيّد بالوجوب.

و قيل: إن تأخّر المقيّد عن المطلق كان نسخا. (1)

و ليس بجيّد، و إلّا لكان التخصيص نسخا، و لكان تأخّر المطلق نسخا.

احتجوا: بأنّه لو كان تقييدا، لكان المراد باللّفظ المطلق إنّما هو المقيّد، فيكون المراد من لفظ الرّقبة إنّما هو المؤمنة، لأنّ المعنيّ بكونه بيانا كونه مبيّنا لمراد المتكلّم، لكنّ دلالة الرّقبة على المؤمنة، إنّما هو بالمجاز، لأنّ المطلق لم يوضع للمقيّد، و إذا كان مجازا، و الأصل عدمه، كان نسخا لا تقييدا.

و الجواب: أنّه آت فيما إذا تقدّم المقيّد على المطلق، مع أنّكم تحملون المطلق على المقيّد.

و ينتقض‏ (2) بتقييد الرقبة في الظهار بالسّلامة عن العيوب، لأنّ الرقبة مطلقة فدلالتها على السليمة مجاز.

و التحقيق: أنّ المطلق دالّ على عتق أيّ رقبة كانت، فيكون المرجع بالتّقييد إلى التّخصيص.

الثاني: أن يتّحدا في السبب في النهي أو النّفي، مثل أن يقول في‏

____________

(1). لاحظ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 3/ 368، قسم المتن.

(2). لاحظ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 3/ 370، قسم المتن.

384

كفّارة الظّهار: لا تعتق مكاتبا، ثمّ يقول فيه: لا تعتق مكاتبا كافرا، و لا خلاف في العمل بهما، و الجمع بينهما في النهي، لإمكانه فيجري المطلق على إطلاقه في المنع من عتق المكاتب في الظهار أصلا على التأبيد، لأنّ النّهي يفيده و لا يخصّه‏ (1) النّهي المقيّد بالكفر، لأنّه بعض ما دخل تحته، و العموم لا يخصّص بذكر بعضه.

فإن علمنا بدليل خارجيّ انّ المنهيّ عنه بأحد النّهيين، هو المنهيّ عنه بالآخر، من غير فرق بينهما في عموم و لا خصوص، وجب أن يقيّد المطلق بالكفر، فيصير التّكليف في الموضعين النّهي عن التكفير بالكافرة.

الثالث: أن يتّحد الحكم و يختلف السّبب، كإطلاق الرّقبة في كفّارة الظهار، و تقييدها في القتل بالإيمان.

و للناس فيه ثلاثة مذاهب، طرفان و واسطة.

الأوّل: قال بعض الشافعية: تقييد أحدهما يقتضي تقييد الآخر لفظا، لأنّ الشافعي ينزّل المطلق على المقيّد، فناوله‏ (2) بعضهم بالحمل على التقييد مطلقا، من غير حاجة إلى دليل آخر.

و منهم من حمله على ما إذا وجد بينهما علّة جامعة مقتضية للإلحاق.

الثاني: قول جماعة الحنفيّة: إنّه لا يجوز تقييد المطلق بطريق ما البتّة.

____________

(1). في «أ»: و لا يخصّصه.

(2). أي تلقّاه.

385

الثالث: قول أكثر المحقّقين كأبي الحسين‏ (1)، و السيد المرتضى، (2) و غيرهما: إنّه يجوز تقييد المطلق بالمقيّد على تقدير تسويغ القياس مع وجود شرائطه، لا أنّه يجب التقييد بالقياس مطلقا.

و الأوّل باطل، فإنّه لو قال: «أوجبت في كفّارة القتل رقبة مؤمنة، و أوجبت في الظّهار أيّ رقبة كانت» لم يكن أحد الكلامين مناقضا للآخر، فليس تقييد أحدهما مقتضيا تقييد الآخر (3).

و فيه نظر، فانّ «أعتق أيّ رقبة شئت» سيق في التخيير، بخلاف «أعتق رقبة» فلا يجوز حمل الثاني على الأوّل نعم أعتق رقبة، كما يجامع التقييد، فكذا التخيير بين أيّ فرد، و لا دلالة للعامّ على الخاصّ.

و لأنّ ظاهر المطلق يقتضي إجراء الحكم على إطلاقه، فلو خصّ بالمقيّد، لوجب أن يكون بينهما ربط يوجب تقييد أحدهما بما قيّد به الآخر، و إلّا لم يكن تقييده به أولى من عدم تقييده.

و الربط إمّا من حيث اللّفظ أو الحكم.

أمّا اللفظ، فبأن يكون بين الكلامين تعلّق بحرف عطف أو إضمار، و هو منتف هنا.

____________

(1). المعتمد: 1/ 291.

(2). الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 277.

(3). الاستدلال للرازي في محصوله: 1/ 459.

386

و أمّا الحكم، فبأن يتّفق الحكمان في علّة التقييد بالصّفة، و هو تقييد بالقياس، و ليس هو المتنازع، أو بأن يمتنع في التقييد أن يكون الحكم مقيّدا في كفّارة و غير مقيّد في أخرى، و هذا غير ممتنع لأنّه كما يجوز أن تكون المصلحة فيهما التقييد، جاز أن تكون المصلحة فيهما أن يختلفا في التقيد.

فلو جاز مع فقد الوصلة و الربط أن يقيّد أحدهما بما يقيّد به الآخر، جاز أن يثبت لأحدهما بدل، لأنّ للآخر بدلا، أو يخصّ أحد العمومين، لأنّ الآخر مخصوص، هذا دليل أبي الحسين‏ (1).

و فيه نظر، لأنّا نمنع الأولويّة لو انتفى الربط، فإنّها ثابتة، إذ التقييد بالإيمان يدلّ على أولويّته و رجحانه، فيجب التقييد به، طلبا للمصلحة الراجحة، و الحصر ممنوع.

احتجوا بوجوه:

الأوّل: القرآن كالكلمة الواحدة، و إذا ثبت التقييد في أحد الحكمين، ثبت في الآخر، و إلّا لزم الاختلاف المنافي للوحدة.

الثاني: الشهادة لمّا قيّدت بالعدالة مرّة واحدة، و أطلقت في سائر الصّور، حمل المطلق على المقيّد، فكذا هنا.

الثالث: قوله تعالى: وَ الذَّاكِراتِ‏ (2) حمل على قوله [في أوّل الآية:]:

وَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً من غير دليل خارج.

____________

(1). المعتمد: 1/ 290- 291.

(2). الأحزاب: 35.

387

و الجواب عن الأوّل: ان عنيت بوحدة القرآن عدم تناقضه، فهو مسلّم، لكن لا تناقض هنا.

و إن عنيت اتّحاده في كلّ الأشياء فهو باطل بالضرورة، فإنّ فيه العامّ، و الخاصّ، و المجمل، و المبيّن، و الظاهر، و المأوّل، و الأمر، و النهي، و غير ذلك، فلم لا يكون فيه الإطلاق و التقييد؟

على أنّهم سلّموا ثبوته في غير الأحكام المتماثلة.

و عن الثاني: التقييد في الشهادة في كلّ حكم بالإجماع، لا من كونها مقيّدة في أحد الحكمين.

و عن الثالث: أنّ التقييد لدليل اقتضاء العطف التسوية، لعدم استقلال المعطوف بالدلالة، فوجب ردّه إلى ما هو معطوف عليه، و مشارك له في حكمه.

و لأنّ الفرق حصول الرّبط هنا بالعطف، بخلاف صورة النزاع.

و أمّا الحنفيّة، فإنّهم اختلفوا، فقال بعضهم: سبب المنع من التقييد بالإيمان، أنّ قوله: أعتق رقبة، يقتضي تمكّن المكلّف من إعتاق أيّ رقبة شاء من رقاب الدّنيا، فلو دلّ القياس على أنّه لا يجوز إلّا المؤمنة، لكان القياس دليلا على زوال تلك المكنة الثابتة بالنّصّ، فيكون القياس ناسخا، و أنّه غير جائز.

و لأنّ تقييده بالإيمان زيادة على النصّ، و الزيادة على النصّ نسخ، و النسخ لا يجوز بالقياس.

و قال آخرون: إنّ تقييده بالإيمان زيادة على حكم قد قصد استيفاؤه.

388

و قال آخرون: إنّ تخصيصه و تقييده بالإيمان، هو مخصّص لحكم‏ (1) قد قصد استيفاؤه.

و الجواب عن الأوّل: نمنع تحقّق النسخ، فإنّه رفع حكم ثبت بخطاب سابق، و ليس ذلك ثابتا هنا، بل هو تقييد لمطلق، و هو لا يزيد على تخصيص العامّ، و عندكم يجوز التخصيص بالقياس، فكذا التقييد، فينتقض كلامكم.

و أيضا، انّكم اعتبرتم سلامة الرقبة من كثير من العيوب، فإن كان اشتراط الإيمان نسخا، كان نفي تلك العيوب نسخا.

و عن الثاني‏ (2): بالمنع من الاستيفاء بدون القيد لأنّ الخصم يقول: قيام الدلالة على صحّة علّة القياس يدلّ على أنّه تعالى لم يستوف حكم المطلق بهذا الكلام كما في العموم.

و لأنّ تقييد المطلق بالقياس إمّا لأنّ المطلق لا يتأتّى فيه التخصيص، كما لا يتأتّى في العين الواحدة، و هو باطل، فإنّ المطلق يشتمل على جميع الصفات و الأحوال، أو لأنّ القياس غير دليل، أو هو دليل لكن لا يخصّ به العامّ، و نحن إنّما بحثنا على تقديره، و باقي الأقسام ظاهر ممّا تقدّم.

____________

(1). في «ب» و «ج»: بحكم.

(2). في «أ» و «ب»: و عن الباقين.

389

المبحث الثالث: في الجمع بين المطلق و المقيد

إذا أطلق الحكم في موضع، و قيّد مثله في موضعين بقيدين متضادّين، كقضاء رمضان، ورد مطلقا في قوله تعالى‏ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ (1) و قيّد صوم التمتّع بالتفريق في قوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ‏ (2) و قيّد صوم كفّارة الظّهار بالتتابع في قوله تعالى: فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ‏ (3).

فالحنفيّة، منعوا من التقييد هنا، لأنّه مع القيد الواحد باق على إطلاقه، فمع المقيّد بالضّدّين أولى بالبقاء.

و أمّا القائلون بأنّ المطلق يتقيّد بالمقيّد لفظا، فإنّه منع هنا من ذلك، لأنّه ليس تقييده بأحدهما أولى من تقييده بالآخر.

و أمّا من حمل المطلق على المقيّد بقياس، فإنّه يحمله هنا على أحدهما إن كان القياس عليه أولى من الآخر، و إلّا بقى على إطلاقه.

***

____________

(1). البقرة: 184.

(2). البقرة: 196.

(3). المجادلة: 4.

390

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

391

المقصد السادس: في باقي صفات الدلالة

و فيه أبواب:

[الباب‏] الأوّل: في المجمل و المبيّن‏

و فيه فصول:

[الفصل‏] الأوّل: في المجمل‏

و فيه مباحث:

[المبحث‏] الأوّل: في الماهيّة

قد عرفت فيما تقدّم انّ اللفظ إن لم يحتمل غير ما أريد به كان نصّا، فإن احتمل، فإن تساويا، فالمجمل بالنسبة إلى كلّ منهما، و إن ترجّح أحدهما، فالرّاجح ظاهر، و المرجوح مأوّل.

392

أمّا النصّ، فهو كلّ كلام تظهر إفادته لمعناه، و لا يتناول أكثر منه، هذا ما ذكره فخر الدين الرازي‏ (1) و احترز بالكلام عن أدلّة العقل و الأفعال، الّتي لا تسمّى نصوصا، و عن المجمل مع البيان، فإنّه لا يسمّى نصّا، لأنّ قولنا: نصّ، عبارة عن خطاب واحد دون ما يقترن به.

و لأنّ البيان قد يكون غير القول، و النصّ لا يكون إلّا قولا.

و احترزنا بقولنا: تظهر إفادته لمعناه، عن المجمل.

لا يقال: إنّه قد يقال: نصّ اللّه تعالى على وجوب الصلاة و إن كان قوله:

أَقِيمُوا الصَّلاةَ مجملا.

لأنّا نقول: إنّه نصّ في إفادة الوجوب، و ليس بمجمل فيه، بل في متعلّقه.

و احترزنا بقولنا: لا يتناول أكثر منه، لأنّ الرّجل إذا قال لغيره:

اضرب عبيدي، لم يقل أحد إنّه نصّ على ضرب سالم من عبيده، لأنّه لا يفيده على التّعيين، و يقال: إنّه نصّ على ضرب جملة عبيده، لأنّه لا يفيد سواهم. (2)

و فيه نظر، لأنّ إدخال لفظي الكلّ و البعض في الحدّ غلط.

و لأنّه يدخل فيه الظاهر، و هو قسيم له.

و الاعتذار بإخراج المجمل مع البيان، بأنّ النصّ كلام واحد غير مفيد لانتقاض الحدّ بصدقه على ما لا يصدق المحدود عليه.

____________

(1). المحصول: 1/ 462.

(2). الاستدلال للرازي في محصوله: 1/ 462.

393

و قوله: «لا يتناول أكثر منه» لا يقع احترازا عن ضرب سالم من عبيده، لأنّه بعض المعنى.

و قال الشافعي: النّصّ خطاب يعلم ما أريد به من الحكم، سواء كان مستقلّا بنفسه، أو علم المراد بغيره، و كان يسمّي المجمل نصّا. (1)

و هو خلاف المتعارف من الفرق بينهما، و مع ذلك فإنّه ليس بجيّد، لأنّ الحكم عنده هو خطابه تعالى المتعلّق بأفعال المكلّفين، و يصير الحدّ: النّصّ خطاب يعلم ما أريد به من خطاب اللّه تعالى المتعلّق بأفعال المكلّفين بالاقتضاء أو التخيير.

و فيه تخصيص للنصّ بما يستفاد منه خطاب اللّه تعالى خاصّة، و تخصيص بما يتعلّق بأفعال المكلّفين.

و قال قاضي القضاة: النّصّ هو خطاب يمكن أن يعرف به المراد (2).

و يدخل فيه المجمل و الظاهر.

و قال أبو الحسين: يجب أن يشترط النصّ على ثلاث شرائط:

أن يكون كلاما.

و أن لا يتناول إلّا ما هو نصّ فيه، و إن كان نصّا فى أشياء كثيرة وجب أن لا يتناول سواها.

____________

(1). نقله أبو الحسين البصري في المعتمد: 1/ 294- 295.

(2). نقله أبو الحسين البصري في المعتمد: 1/ 295.

394

و أن تكون إفادته لما يفيده ظاهرة غير مجملة.

أمّا كونه عبارة، فلأنّ أدلّة العقول‏ (1) و الأفعال لا تسمّى نصوصا.

و أمّا ظهور الدلالة، فلأنّ المفهوم من قولنا: إنّ العبارة نصّ في هذا الحكم، إفادتها على جهة الظهور.

و لأنّ النصّ لغة مأخوذ من الظهور، و بهذا يقال: «منصّة العروس» لما ظهرت و ارتفعت.

و أمّا اشتراط افادة ما هو نصّ فيه فقط، لأنّ الإنسان إذا قال لغيره: «اضرب عبيدي» لم يقل [أحد] إنّه نصّ على ضرب «زيد» من عبيده، لما أفاده و أفاد غيره، و يقال: إنّ كلامه نصّ في ضرب جملة عبيده، لما لم يفد سواهم، فإذا كان كذلك، وجب أن يحدّ بأنّه كلام تظهر إفادته لمعناه، و لا يتناول أكثر ممّا قيل:

إنّه نصّ.

و فخر الدين أخذه، و أفسد الحدّ بإدخال لفظة كلّ، و أصلحه بإسقاط لفظة نصّ، لئلّا يدور.

و أمّا المجمل، فهو في اللّغة عبارة عن الجمع، يقال: «أجمل الحساب» إذا جمعه، و لهذا يوصف العموم بأنّه «مجمل» بمعنى أنّ المسمّيات قد أجملت تحته.

و قيل: [هو] المحصّل و منه «أجملت الشي‏ء إذا حصّلته».

____________

(1). في «ب» و «ج»: المعقول.

395

و أمّا في الاصطلاح فقد حدّه بعض الأشاعرة بأنّه اللّفظ الّذي لا يفهم منه عند الإطلاق شي‏ء. (1)

و هو باطل، فإنّه ليس بمانع لدخول المهمل فيه، و ليس بمجمل، لأنّ الإجمال و البيان من صفات الألفاظ الدالّة، و لا دلالة في المهمل.

و يدخل فيه قولنا: مستحيل، فإنّه لا يفهم منه عند الإطلاق شي‏ء، و ليس بمجمل، لأنّ مدلوله ليس بشي‏ء.

و ليس بجامع، لأنّ المجمل المتردّد بين محامل، يفهم منه انحصار المراد به في أحدها، و إن لم يكن معيّنا، و كذا ما هو مجمل من وجه، و مبيّن من آخر، كقوله تعالى: وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ‏ (2).

لا يقال: المراد به أنّه الّذي لا يفهم منه شي‏ء عند إطلاقه من جهة ما هو مجمل.

لأنّا نقول: إنّه تعريف المجمل بالمجمل، و لا يصحّ تعريف الشي‏ء بنفسه.

و لأنّ الإجمال قد يكون في دلالة الأفعال، كما في دلالة الأقوال، فإنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لو قام مصلّيا تردّد بين الوجوب و الندب، فلا يصحّ تقييده باللّفظ.

و قال الغزالي: إنّه اللّفظ الصّالح لأحد معنيين، الّذي لا يتعيّن معناه لا بوضع اللغة و لا بعرف الاستعمال. (3)

و يبطل بأنّه خصّصه باللّفظ، و ينتقض بالمطلق.

____________

(1). نقله الآمدي في الإحكام عن بعض أصحابه، لاحظ الإحكام: 3/ 6.

(2). الأنعام: 141.

(3). المستصفى: 2/ 28.

396

و قال السيّد المرتضى: إنّه الخطاب الّذي لا يستقلّ بنفسه في معرفة المراد به. (1)

و ذكر أبو الحسين له، ثلاثة حدود:

الأول: أنّه ما أفاد جملة من الأشياء.

و يدخل فيه العامّ و المركّبات.

الثاني: ما لا يمكن معرفة المراد [به‏].

و يبطل بالمهمل، و بالمجاز إذا أريد، فإنّه لا يفهم المراد منه‏ (2).

و فيه نظر، لاحتمال أن يريد ما لا يمكن معرفة المعنى الّذي أريد باللّفظ، فيخرج المهمل، و المجاز المراد مجمل.

الثالث: ما أفاد شيئا من جملة أشياء هو متعيّن في نفسه، و اللّفظ لا يعيّنه، و لا يلزم «اضرب رجلا» لإفادته «ضرب رجل» و ليس بمتعيّن في نفسه، بل أيّ رجل ضربته جاز، بخلاف اسم القرء، فإنّه يفيد الطّهر وحده، أو الحيض وحده، و اللّفظ لا يعيّنه.

و قوله تعالى: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ (3) يفيد وجوب فعل متعيّن في نفسه، غير شائع‏ (4).

____________

(1). الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 333.

(2). هذا ما استشكله الآمدي على صاحب المعتمد، لاحظ الإحكام: 3/ 7.

(3). البقرة: 43.

(4). المعتمد: 1/ 293.

397

و هو يشعر بتقييد الحدّ باللّفظ حيث قال: «و اللفظ لا يعيّنه» فلا يكون جامعا، لخروج الإجمال في دلالة الفعل.

و قيل‏ (1): المجمل ما لم تتّضح دلالته.

و ينتقض بالمجاز، و يمنع عدم دخوله.

و قيل: ما له دلالة على أحد أمرين، لا مزيّة لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه، و لا يمكن حمله على المراد منه إلّا بدليل من خارج.

فقولنا: «ما له دلالة» يعمّ القول و الفعل و غيرهما من الأدلّة المجملة.

و قولنا: «على أحد أمرين» ليخرج ما له دلالة على واحد لا غير.

و قولنا: «لا مزية لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه» احتراز عن اللّفظ الّذي هو ظاهر في معنى و بعيد عن غيره كالحقيقة و المجاز، و القيد الآخر احتراز عن المطلق.

المبحث الثاني: في أقسام المجمل‏

الدليل الشرعيّ إمّا أن يكون أصلا، أو مستنبطا منه.

و الأوّل، إمّا أن يكون لفظا، أو فعلا.

فاللفظ إمّا أن يكون مجملا، أو لا.

و المجمل، إمّا أن يحكم عليه بالإجمال، حال كونه مستعملا في‏

____________

(1). القائل هو ابن الحاجب، لاحظ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 3/ 377، قسم المتن.

398

موضوعه، أو حال كونه مستعملا في بعض موضوعه، أو حال كونه مستعملا لا في موضوعه، و لا في بعض موضوعه.

فالأوّل أن يكون اللّفظ محتملا لمعان كثيرة، فلا يكون حمله على البعض أولى.

فإن كان وضعه لتلك المعاني بحسب معنى واحد مشترك فيه، فهو المتواطئ كقوله: وَ آتُوا حَقَّهُ‏ أو لا بحسب معنى واحد، و هو المشترك كالقرء.

و الثاني، و هو أن يحكم عليه بالإجمال حال كونه مستعملا في بعض موضوعه، فهو كالعامّ المخصوص بصفة مجملة، كقوله تعالى: وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ‏ (1) فلو لا قيد الإحصان لم يحتج إلى بيان، فبالقيد صار مجملا، لعدم العلم بالإحصان، فلم ندر ما أبيح لنا.

أو باستثناء، كقوله تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى‏ عَلَيْكُمْ‏ (2).

أو بدليل منفصل مجهول، كما لو قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في قوله تعالى‏ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ‏ (3): المراد بعضهم.

و الثالث: و هو أن يحكم عليه بالإجمال حال كونه مستعملا، لا في موضوعه، و لا في بعضه، فهو الأسماء الشرعيّة و غيرها.

____________

(1). النساء: 24.

(2). المائدة: 1.

(3). التوبة: 5.

399

فالأوّل: كأمره بالصّلاة، و لم نعلم انتقال الأسماء إلى هذه فإنّا نفتقر إلى البيان.

و الثّاني: أن يدلّ الاسم على عدم إرادة الحقيقة، و المجازات متعدّدة، و لا أولويّة لإرادة أحدهما، فيفتقر إلى البيان.

و أمّا الفعل فإنّ مجرّد وقوعه لا يدلّ على وجه وقوعه إلّا أن يقترن به ما يدلّ على الوجه، فيستغنى عن البيان، كما لو قام إلى صلاة بأذان و إقامة، فإنّا نعلم وجوبها، و كما إذا داوم على الإتيان بالسجودين، فإنّا نعلم أنّه من أفعال الصلاة.

و أمّا إذا لم يقترن به قرينة تدلّ على الوجه، فلا بدّ من البيان.

و أمّا المستنبط، فهو القياس، و لا إجمال فيه حتّى يحتاج إلى بيان.

و أمّا غير المجمل، فهو المبيّن، فإن اكتفى بنفسه و صريحه في معرفة المراد، فلا يحتاج إلى بيان، إذ لو احتاج لناقض قولنا: إنّه يكفي بنفسه، نحو قوله [تعالى‏]: وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ (1).

و إن لم يكف بنفسه، فإمّا أن لا يختلّ بيانه على السّامع أو يختلّ.

و الأوّل إمّا أن يكون بيانه بالتعليل أو لا، و الأوّل إمّا بطريق الأولى، كتحريم التأفيف في دلالته على المنع من الضرب، لأنّه تقرّر في العقل أنّ من منع من شي‏ء لغرض فإنّه يمنع ممّا ساواه فيه أو زاد عليه في معنى ذلك‏

____________

(1). الأنعام: 101.

400

الغرض، فاللّفظ يدلّ عليه، و إن لم يكن موضوعا له.

أو لا بطريق الأولى كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الهرّة: «إنّها ليست بنجسة، إنّها من الطوّافين عليكم و الطّوّافات» (1) فيعلم بذلك العلّة في الطهارة، و مشاركة غيرها، لأنّ العلّة يتبعها حكمها.

و أمّا البيان الّذي لا يختلّ و ليس بتعليل فضربان:

الأوّل: أن يكون الخطاب أمرا بشي‏ء، فيعلم وجوب ما لا يتمّ إلّا به، و إلّا كان إيجابا، لما لا يطاق.

الثاني: أن يظهر في العقل كون ظاهر الخطاب غير مراد، و يعلم بالعادة أنّه مستعمل في وجه من وجوه المجاز، فيعلم أنّه المراد نحو: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ (2).

و أمّا الّذي يختلّ على السامع بيانه، فقد تقدّم في أقسام المجمل.

و اعلم أنّ الإجمال قد يكون في لفظ مفرد إمّا بالأصالة، كالمشترك عند القائلين بامتناع تعميمه، و ذلك إمّا بين مختلفين، كالعين، أو نقيضين كالقرء، للطّهر و الحيض، أو ضدّين، كالجون للأسود و الأبيض، و كالمجازات المتعدّدة بعد تعذّر الحقيقة، أو بالإعلال، كالمختار (3) للفاعل و المفعول.

____________

(1). مسند أحمد بن حنبل: 5/ 303؛ سنن أبي داود: 1/ 19 برقم 75؛ صحيح الترمذي: 1/ 153 برقم 92؛ سنن ابن ماجة: 1/ 131 برقم 367؛ و سنن النسائي: 1/ 55.

(2). يوسف: 82.

(3). فإنّه بواسطة اعتلاله صالح للفاعل و المفعول.

401

و قد يكون في مركّب، كقوله تعالى: أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ‏ (1) فإنّ جميع هذه الألفاظ متردّدة بين الزّوج و الوليّ.

و قد يكون بسبب التردّد في عود الضمير إلى ما تقدّم كقولنا: كلّ ما علمه الفقيه فهو كما علمه» فإنّ الضمير متردّد بين العود إلى الفقيه و إلى معلومه، و يختلف المعنى باعتبار ذلك.

و قد يكون بسبب تردّد اللّفظ بين جمع الأجزاء و جمع الصفات، كقولنا:

«الخمسة زوج و فرد» فيصدق على تقدير جمع الأجزاء و يكذب على تقدير جمع الصفات. (2)

و قد يكون بسبب الوقف و الابتداء، كقوله تعالى: وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ‏ (3) فالواو متردّدة بين العطف و الابتداء، و هو داخل تحت المشترك.

و قد يكون بسبب تركيب المفصل كطبيب ماهر في الخياطة، فإذا قيل:

طبيب ماهر، احتمل فيه و في غيره. (4)

و ليس بجيّد، فإنّه لا إجمال هنا، لظهور رجوعه إلى المذكور.

____________

(1). البقرة: 237.

(2). يريد أنّ لعدد الخمسة أجزاء، حيث إنّها تتشكّل من «اثنين» و «ثلاثة» (5- 3+ 2) فيصحّ أن يقال: إنّها باعتبار الأجزاء زوج و فرد، و أمّا الصّفات فليس لها إلّا وصف واحد، و هو كونها فردا لا غير.

(3). آل عمران: 7.

(4). لاحظ الإحكام للآمدي: 3/ 8.

402

المبحث الثالث: في إمكان ورود المجمل في كلامه تعالى و كلام رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

اتّفق المحقّقون عليه، لأنّه قد وقع كما في الآيات المتقدّمة و الأحاديث المشهورة، و الوقوع دليل الجواز.

احتجّ المانعون: بأنّ الكلام إن لم يقصد به الإفهام كان عبثا، و هو غير لائق من الحكيم، و إن قصد به الإفهام، فإن قرن بالمجمل ما يبيّنه، كان تطويلا من غير فائدة، لأنّ التنصيص عليه أسهل و أدخل في الفصاحة من ذكر المجمل، ثمّ يعقّبه ببيان.

و لاشتماله على المفسدة، إذ يجوز أن يسمع المكلّف المجمل و لا يسمع بيانه، فيختلّ المقصود به.

و إن لم يقترن به ما يدلّ عليه، كان تكليفا بما لا يطاق، لأنّ إرادة الإفهام مع عدم لفظ يدلّ عليه و لا قرينة تكليف بالمحال.

و الجواب: إن أردت بعدم الإفهام من كلّ وجه، فهو مسلّم، و إن أردت من بعض الوجوه منعنا كونه عبثا، فإنّه يجوز أن يخاطب بالمجمل، ليعلم المكلّف أنّه قد كلّف بشي‏ء فيشتغل للامتثال أو المنع، فيحصل له ثواب أو عقاب.

و يمنع عدم الفائدة لو قرن به ما يبيّنه، لجواز اشتمال ذكر المجمل ثمّ إردافه بالبيان على مصلحة لا يطّلع عليها البشر، و مع هذا التجويز ينتفي القطع.

403

المبحث الرابع: في أنّ إضافة الأحكام إلى الأعيان ليس مجملا

ذهب المحقّقون من الأشاعرة و المعتزلة إلى أنّ إضافة الحكم إلى العين كقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ‏ (1) و حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (2) لا إجمال فيه.

و قال أبو عبد اللّه البصري‏ (3) و أبو الحسن الكرخي‏ (4) و قوم من القدريّة:

إنّه مجمل.

لنا: أنّه يسبق إلى الفهم بحسب العرف إضافة الحكم إلى الفعل المتعلّق بتلك العين المناسب له، فيفهم من قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ‏ تحريم الاستمتاع، و من قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ تحريم الأكل، كما يقال:

«حرّمت عليك طعامي».

و يفهم من قوله: «هذا طعام حرام» تحريم أكله، و من تحريم الثوب تحريم لبسه، دون النظر و اللمس، و المبادرة دليل الحقيقة و إن كان مجازا من حيث الوضع اللّغوي إلّا أنّه حقيقة من حيث العرف، كما يفهم الخيل عند إطلاق اسم الدابّة من حيث العرف، و لا إجمال هنا.

____________

(1). النساء: 23.

(2). المائدة: 3.

(3). تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 219.

(4). تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 219.

404

و أيضا، قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) «لعن اللّه اليهود حرّمت عليهم الشحوم فجمّلوها فباعوها» (1) فدلّ على أنّ تحريم الشّحوم أفاد تحريم كلّ أنواع التصرّف و إلّا لم يتوجّه الذّم عليهم بالبيع.

و أيضا، يفهم من قولنا: «فلان يملك الدّار» قدرته على التّصرّف فيها بالسّكنى و البيع، و من قولنا: « [فلان‏] يملك الجارية» قدرته عليها بالتّصرّف بالبيع، و الوطء، و الاستخدام، و إذا جاز أن تختلف فائدة الملك على هذا النحو، جاز مثله في التحليل و التحريم.

احتجّوا: بأنّ الأعيان غير مقدورة لنا لو كانت معدومة، فكيف لو كانت موجودة؟ فيستحيل تعلّق التحليل و التحريم بها، و إضافتهما إليها، فلا يمكن إجراء اللّفظ على ظاهره، بل المراد: تحريم فعل من الأفعال المتعلّقة بتلك الأعيان، و ذلك الفعل غير مذكور، فيجب إضمار ما يكون متعلّقا بذلك الحكم من الأفعال، حذرا من إهمال الخطاب بالكليّة.

و لا يجوز إضمار الجميع، لأنّ الإضمار على خلاف الأصل، فيجب أن يتقدّر ما تندفع به الضرورة تقليلا للإضمار المخالف للأصل.

و ليس إضمار البعض أولى من البعض الآخر، لعدم دلالة دليل على تعيينه، فيتحقّق الإجمال.

و أيضا فالآية لو دلّت على تحريم فعل معيّن، لوجب أن يتعيّن ذلك الفعل‏

____________

(1). صحيح البخاري كتاب البيوع، باب بيع الميتة و الأصنام برقم 2236؛ سنن أبي داود: 3/ 279 برقم 3486؛ صحيح الترمذي: 3/ 591 برقم 1297؛ سنن النسائي: 7/ 309- 310؛ و سنن ابن ماجة: 2/ 732 برقم 2167؛ و مسند أحمد بن حنبل: 3/ 324 و 326.