نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج2

- العلامة الحلي المزيد...
638 /
405

في كلّ تلك المواضع، و ليس كذلك، لأنّ المراد من [قوله تعالى:] حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ‏ (1) حرمة الاستمتاع و من [قوله:] حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (2) حرمة الأكل.

و الجواب: المنع من عدم أولويّة إضمار البعض، فإنّ العرف يقتضي إضافة ذلك التحريم إلى الفعل المطلوب من تلك العين و نمنع الحاجة إلى الإضمار، لأنّه إنّما يجب إذا لم يكن اللفظ ظاهرا بعرف الاستعمال في الفعل المقصود من تلك العين، أمّا إذا كان ظاهرا فلا.

و بيان الظهور: أنّ كلّ من مارس ألفاظ العرب و اطّلع على عرف أهل اللّغة، يتبادر إلى فهمه عند قوله: «حرّمت الطعام و الشراب» تحريم الأكل و الشرب، و عند قوله: «حرمت عليك النّساء» تحريم الوطء.

سلّمنا (3)، لكن لم لا يجوز إضمار جميع التصرّفات المتعلقة بالعين، المضاف إليها التحليل و التحريم؟

قوله: «زيادة الإضمار على خلاف الأصل» قلنا: إضمار البعض إمّا أن يفضي إلى الإجمال أو لا.

و الثاني يبطل مذهبكم.

و الأوّل يوجب إضمار الجميع، حذرا من تعطيل دلالة اللّفظ.

____________

(1). النساء: 23.

(2). المائدة: 3.

(3). أي سلّمنا أنّه لا بدّ من الإضمار.

406

لا يقال: إضمار البعض و إن أفضى إلى الإجمال، فليس في ذلك ما يفضي إلى تعطيل دلالة اللّفظ مطلقا، لإمكان معرفة تعيين المراد بدليل آخر.

و أمّا محذور إضمار جميع التصرّفات فلازم مطلقا، و معلوم أنّ التزام المحذور الدّائم أعظم من التزام المحذور الّذي لا يدوم.

لأنّا نقول: بل إضمار الجميع أولى، لكثرة استعمال الإضمار في اللّغة، و قلّة المجمل بالنّسبة إليه، و لو لا أنّ المحذور في الإضمار أولى، لما كان استعماله أكثر.

و لانعقاد الإجماع على وجود الإضمار في اللّغة و القرآن، و اختلف في الإجمال، و هو يدلّ على قلّة محذور الإضمار.

و قال قوم: إنّ إضافة الحكم إلى العين من قبيل المحذوف، كقوله تعالى:

وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ (1) أي أهل القرية، [و] كذا قوله: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ‏ (2) أي أكل بهيمة الأنعام.

و هذا إن أراد به إلحاقه بالمجمل، فهو خطأ، و إن أراد حصول الفهم مع كونه محذوفا، فهو صحيح، و إن أراد به إلحاقه بالمجاز، فهو مسلم، كما أنّ الأسماء العرفيّة مجازات لغويّة حقائق عرفيّة.

____________

(1). يوسف: 82.

(2). المائدة: 1.

407

المبحث الخامس: في أنّ قوله تعالى‏ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ‏ (1) ليس بمجمل‏

ذهب المحققون إلى نفي الإجمال هنا.

و قال بعض الحنفية: إنّه مجمل، لأنّه يحتمل مسح جميع الرّأس، و مسح بعضه، و ليس أحدهما أولى من الآخر، فكان مجملا.

و ما روي أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مسح بناصيته، بيان لمجمل الآية.

و الحقّ نفيه، لأنّ ظاهر «الباء» في اللّغة للإلصاق.

قال قاضي القضاة قوله تعالى: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ‏ يفيد من حيث اللّغة، مسح جميع الرأس، لأنّ «الباء» المفيدة للإلصاق دخلت على المسح، و قرنته بالرأس، و هو اسم للجملة لا لبعض العضو، فإنّه لا توصف الناصية بأنّها رأس.

ثمّ قال: لكنّ العرف يقتضي إلصاق المسح بالرأس فقط، سواء عمّ المسح الجميع أو البعض، فإنّ من قال: «مسحت يدي بالمنديل» عقل منه أنّه ألصق المسح بالمنديل و جوّز السّامع أنّه مسحه بجميعه و بعضه، و لو أمره بالمسح بالمنديل خرج عن العهدة بالجميع و بالبعض أيضا.

____________

(1). المائدة: 6.

408

و إذا أفادت هذه اللفظة في العرف الأمر الكليّ الشامل للجميع و البعض، حمل عليه المسح في الآية، فلا إجمال. (1)

و قال ابن جني‏ (2): لا فرق في اللّغة بين أن يقال: «مسحت بالرّأس» و بين «مسحت الرّأس»، و الرأس اسم للعضو بتمامه فوجب مسحه أجمع. (3)

و قال بعض الشافعيّة: «الباء» للتبعيض، و هو يفيد مسح بعض الرأس.

و التحقيق أن نقول: «الباء» إمّا أن يفيد التبعيض أولا، و على كلا التّقديرين لا إجمال.

أمّا إذا أفادت، فلأنّ الأمر تناول البعض و هو اختيار الإماميّة و الشافعي، لكنّ المرتضى قال: إنّه مجمل حينئذ لانتفاء الدالة على التعيين و التخيير (4).

و اعترضه بأنّه لو كان معيّنا لبيّنه.

و أجاب بأنّه لو أراد التخيير. (5)

و ليس بجيّد، لأنّ الإطلاق يقتضي التخيير.

و أمّا إن لم تفد، فلأنّ الأمر من حيث اللّغة تناول الجميع، و هو قول مالك،

____________

(1). نقله في المعتمد: 1/ 308- 309.

(2). تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 169.

(3). نقله الرازي في محصوله: 1/ 468.

(4). الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 349.

(5). الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 249- 250.

409

و القاضي عبد الجبار، و الحسن البصري، و أبي علي الجبائيّ.

ثمّ إن قلنا: إنّ العرف أخرجه عن ذلك إلى الأمر المشترك بين الكلّ و البعض، حمل عليه، لصرف اللّفظ إلى الحقيقة العرفيّة، و كفى في العمل به مسح أقلّ جزء من الرّأس، لكنّ المرتضى قال هنا: إنّه مجمل لعدم العلم بإرادة الجميع أو بعض معيّن أو غير معيّن. (1)

و ليس بجيّد، لأنّ إرادة الجميع منفيّة بالأصل و إن احتملت، فلو أراده لبيّنه.

و على كلّ تقدير فلا إجمال، بل إنّما يتحقّق الإجمال لو قلنا: إنّ «الباء» لا تفيد التبعيض، و أنّ اللّفظ لا يحمل على الحقيقة اللغويّة أو العرفيّة إلّا بقرينة، فيبقى مشتركا مجملا، لكنّ الحقّ خلافه. (2)

و فيه نظر، فإنّ العرف إنّما اقتضى الأمر الكلّي في الأمر بالمسح بالمنديل لحصول الغرض بالبعض، و هو إزالة الرّطوبة من اليد، بخلاف الأمر بالمسح في الرأس، لأنّ التعبّد هنا وقع بالمسح، لا لما تقدّم من غرض مسح اليد بالمنديل، إلّا أنّه لا إجمال أيضا، لأنّ «الباء» إن لم تفد التبعيض، وجب مسح الجميع إلّا لدليل خارجيّ، و إن أفادته كفى البعض، فلا إجمال.

____________

(1). الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 249.

(2). لاحظ الإحكام للآمدي: 3/ 11.

410

المبحث السّادس: في أنّ الأفعال المنفيّة ليست مجملة

اختلف النّاس في الأفعال المنفيّة، كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب، (1) و لا عمل إلّا بنيّة، (2) و لا صيام لمن لم يبيّت الصّيام من الليل، (3) و نحوه.

فذهب الكلّ إلى نفي الإجمال فيه.

و قال القاضي أبو بكر (4)، و أبو عبد اللّه البصري‏ (5): إنّه مجمل.

و قسّم أبو الحسين الفعل الّذي دخل عليه حرف النفي إذا لم يكن على صفة من الصفات إلى قسمين:

أحدهما: أن يكون انتفاء الفعل متى لم تحصل تلك الصّفة ممكنا، بأن يكون النّفي داخلا على اسم شرعيّ، كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» لأنّ كلامه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يحمل على معانيه الشرعيّة، فظاهره يقتضي نفي الصّلاة الشرعيّة، و هو يقتضي كون القراءة شرطا، و يقتضي أن يكون قولنا: «صلاة

____________

(1). مستدرك الوسائل: 4/ 158، الباب 1 من أبواب القراءة، الحديث 5؛ سنن أبي داود: 1/ 216 برقم 820 و 822.

(2). وسائل الشيعة: 1/ 33- 35، الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 2، 9، 10.

(3). سنن النسائي: 4/ 196؛ السنن الكبرى للبيهقي: 4/ 202- 203؛ عوالي اللآلي: 3/ 132.

(4). لاحظ التقريب و الإرشاد: 3/ 88- 90.

(5). تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 219.

411

فاسدة» مجازا، أعني وصفنا لها بأنّها صلاة، و يكون المراد أنّها على صورة الصّلاة.

و كذا قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا صيام لمن لم يبيّت الصّيام من اللّيل».

الثاني: أن لا يمكن انتفاء ذلك الفعل، بأن يكون النفي داخلا على مسمّى حقيقيّ، كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الأعمال بالنيّات» (1) فإنّ أعظم متأوّله أن يجري مجرى قوله: «لا عمل إلّا بنيّة» و معلوم أنّه ليس يخرج العمل من كونه عملا إذا فقدت النّية، فعلمنا أنّ المراد به أحكام الفعل‏ (2) في الإجراء أو الكمال، و ليس بأن يحمل على أحدهما، أولى من الآخر، فيبقى مجملا. (3)

و احتجّ أبو عبد اللّه البصري على الإجمال: بأنّ الصّلاة و العمل موجودان، فلا يمكن صرف النفي إليهما، فوجب صرفه إلى حكم آخر، و ليس البعض أولى من البعض.

فإمّا أن يحمل على الكلّ، و هو إضمار من غير ضرورة.

و لأنّه قد يفضي إلى التناقض، لأنّا لو حملناه على نفي الصحّة و نفي الكمال معا، و في نفي الكمال ثبوت الصحّة، فيلزم التناقض. (4)

و فيه نظر، فإنّ نفي الكمال إنّما يقتضي ثبوت الصحّة لو لم تكن منفيّة

____________

(1). وسائل الشيعة: 1/ 35، الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 10؛ صحيح البخاري:

1/ 2 كتاب بدء الوحي برقم 1.

(2). في المصدر: أحكام العمل.

(3). المعتمد: 1/ 309.

(4). نقله الرازي في محصوله: 1/ 468.

412

أيضا، أمّا مع نفيها فلا، كما في تعميم نفي الصفات.

أو لا يحمل على شي‏ء، بل يتوقّف، و هو معنى الإجمال.

و الحقّ أنّه لا إجمال هنا، أمّا فيما له مسمّى شرعيّ فلإمكان نفيه، و الشرع أخبر عن انتفاء ذلك المسمّى عند انتفاء الوصف المخصوص.

لا يقال: إنّه قد يقال: هذه صلاة فاسدة، فدلّ على أنّ بقاء المسمّى مع الفساد، و الفاسد ليس صلاة شرعيّة.

لأنّا نقول: التوفيق بين الدليلين: أن نصرف ذلك إلى المسمّى الشرعيّ، و هذا إلى المسمّى اللّغوي‏ (1).

و ليس بجيّد، إذ ليس المراد بقولنا: صلاة فاسدة، أي دعاء فاسد، و لا غيره من المحامل اللغويّة، بل الوجه قول أبي الحسين: إنّه مجاز. (2)

و أمّا ما لا اسم شرعيّ له، كقوله: «لا عمل إلّا بنية» فلا إجمال فيه أيضا، خلافا لأبي الحسين، لأنّ الإجمال إنّما يتحقّق لو لم يكن اللفظ ظاهرا بعرف استعمال أهل اللّغة قبل ورود الشرع في شي‏ء، و هذا اللّفظ يدلّ ظاهرا على نفي الفائدة، فإنّ المتبادر إلى الأفهام من نفي كلّ فعل كان متحقّق الوجود، إنّما هو نفي فائدته مثل: «لا علم إلّا ما نفع» و «لا كلام إلّا ما أفاد» و «لا حكم إلّا للّه» و «لا ملك إلّا للسلطان» و غير ذلك، و كما يقال: هذا الشي‏ء لفلان، على معنى أنّه يعود نفعه إليه.

____________

(1). الاستدلال للرازي في محصوله: 1/ 469.

(2). لاحظ المعتمد: 1/ 309.

413

فقولنا: «لا عمل لمن لا نيّة له» معناه: أن لا يعود نفعه إليه، و لا فرق في ذلك بين أن يكون للفعل حكم واحد كقوله: «لا شهادة لمحدود في قذف» فإنّه لا يمكن صرف النفي إلى ذات الشهادة، لأنّها قد وجدت، فلا بدّ من صرفه إلى حكمها، و ليس لها إلّا حكم واحد، هو الجواز، لأنّ الشّهادة إذا كانت فيما ندبنا إلى ستره، لم يكن لإقامتها مدخل في الفضيلة، و كقوله: «لا إقرار لمن أقرّ بالزّنا مرة واحدة» لأنّ الأولى له أن يستر ذلك عن نفسه، فلا حكم له إلّا الجواز، فإذا لم يكن له إلّا هذا الحكم و قد انتفى، فلا إجمال.

و بين أن يكون له أكثر من واحد، كالفضيلة و الجواز.

سلّمنا أنّه لا عرف للشّرع و لا لأهل اللّغة، و أنّه لا بدّ من إضمار، لكنّ الاتّفاق وقع على أنّه لا خروج للمضمر هنا عن الصحّة، و الكمال، فيجب ظهوره فيهما.

أمّا أوّلا، فلأنّه أقرب إلى موافقة دلالة اللفظ على النّفي، لأنّ قوله: «لا صلاة» دلّ على نفي أصل الفعل بالمطابقة، و على صفاته بالالتزام، فإذا تعذّر العمل بدلالة المطابقة، تعيّن العمل بالالتزام، تقليلا لمخالفة الدّليل.

و أمّا ثانيا، فلأنّ اللّفظ دلّ على عدم الفعل، فيجب عند تعذّر حمل اللّفظ على حقيقته، حمله على أقرب المجازات الشبيهة به، و لا يخفى أنّ مشابهة الفعل الّذي ليس بصحيح و لا كامل للفعل المعدوم أكثر من مشابهة الفعل الّذي نفي عنه أحد الأمرين خاصّة، و كان الحمل عليه أولى.

لا يقال: يلزم [منه‏] زيادة الإضمار و التجوّز المخالف للأصل.

و لأنّ حمله على نفي الكمال خاصّة، متيقّن، إذ يلزم من نفي الصحّة نفي‏

414

الكمال، دون العكس، و إذا تقابلت الاحتمالات لزم الإجمال.

لأنّا نقول: ما ذكرناه أرجح، لأنّه على وفق النفي الأصليّ، و ما ذكرتموه على خلافه.

و لأنّ ما ذكرناه لا يلزم منه تعطيل دلالة اللفظ، بخلاف ما ذكرتموه.

سلّمنا وجوب إضمار أحدهما خاصّة، لكن صرفه إلى الجواز أولى من صرفه إلى الفضيلة، لأنّ المدلول [عليه‏] باللّفظ نفي الذات، و الدالّ على نفي الذات يدلّ على نفي جميع الصّفات، لاستحالة بقاء الصّفة مع عدم الذات، فقوله: «لا عمل» يدلّ على نفي الذات و نفي الصحّة و نفي الكمال، ترك العمل به في الذات، فيبقى معمولا به في الباقي.

لا يقال: دلالة الالتزام تابعة، فإذا انتفت دلالة المطابقة، انتفى تابعها.

و لأنّ هذا اللفظ قد جاء لنفي الفضيلة، و الأصل [في الكلام‏] الحقيقة.

لأنّا نقول: دلالة اللّفظ على نفي الصحّة و إن كانت تابعة لدلالته على نفي الذات، لكن بعد استقرار تلك الدلالة صار اللّفظ كالعامّ بالنّسبة إليها بأسرها، فإذا خصّ في بعض الصّور و هو الذات، وجب أن يبقى معمولا به في الباقي. (1)

و فيه نظر، فإنّ العموم إنّما حصل بسبب اعتبار الدلالتين معا، فإذا عدمت المطابقة الّتي هي الأصل، وجب عدم الأخرى.

بل الحقّ: أنّ الدّلالة الأصليّة باقية، و إن كان الحكم منتفيا، و وروده في نفي الفضيلة لدليل خارج، و لا امتناع في صرف اللّفظ عن حقيقته العرفيّة

____________

(1). الاستدلال للرازي في محصوله: 1/ 470.

415

أو اللغويّة إلى مجازه، و عن عمومه إلى خصوصه لدليل.

و لأنّ المشابهة بين المعدوم و بين ما لا يصحّ، و لا يفضل أتمّ من المشابهة بين المعدوم و بين ما يوجد و يصحّ و لا يفضل، و المشابهة إحدى أسباب المجاز، فكان حمله على نفي الصحّة أولى.

و لأنّ الخلل الحاصل في الذات عند عدم الصحّة أشدّ من الخلل الحاصل فيها عند بقاء الصحّة، و عدم الفضيلة.

لا يقال: [هذا] إثبات اللّغة بالترجيح.

لأنّا نقول: بل هو إثبات المجاز بالعرف في مثله.

و اعلم أنّ القاضي إنّما خالف أبا الحسين في الفرق بين الأسماء الشرعيّة و غيرها، من حيث إنّه نفى الأسماء الشرعيّة، و أنكر أن يكون للشرع فيها عرف يخالف الوضع، فيلزمه إضمار شي‏ء في قوله: «لا صيام» كما ألزم هو و أبو الحسين الإضمار في قوله: «لا عمل إلّا بنيّة».

احتجّ القائلون بالإجمال: بأنّ العرف الشرعيّ مختلف في الكمال و الصحّة، و متردّد بينهما على سواء، و ورودهما معا، فيتحقّق الإجمال.

و الجواب: عرف الشرع واحد، و هو نفي الحقيقة الشرعيّة، و التردّد إنّما هو لاختلاف الفقهاء في تقديره.

سلّمنا التردّد، لكن لا نسلّم الاستواء بين نفي الكمال و نفي الصحّة، بل الترجيح لنفي الصحّة، لقربه من المعدوم.

416

المبحث السابع: في أنّ آية السّرقة ليست مجملة

ذهب السيّد المرتضى و من تبعه، إلى أنّ آية السّرقة مجملة في اليد. (1)

و ربما توهّم آخرون أنّها مجملة في القطع أيضا.

و الباقون على خلاف القولين، عملا بالأصل، و هو أنّ اللّفظ له حقيقة واحدة، و عدم إرادة المجاز فينتفي الإجمال.

احتجّ السيد المرتضى: بأنّ لفظ «اليد» يطلق على العضو من المنكب، و عليه من المرفق، و من الكوع و من أصول الأنامل، و الأصل في الإطلاق الحقيقة، فثبت الاشتراك.

و أمّا القطع، فإنّه يطلق على الإبانة، كما يقال: قطعت الغصن. و على الشقّ كما يقال: «قطع يده عند بري القلم» و يراد الجرح.

و الجواب: نمنع الاشتراك بل اليد حقيقة في العضو من المنكب، لأنّه لا يقال: قطعت يد فلان كلّها و جميعها، إذا قطع الكفّ، فلو كان اسم اليد يتناول هذا المقدار حقيقة صحّ أن يقال ذلك، لأنّ الكفّ كلّ و جميع.

و الاستعمال لا يدلّ على الحقيقة دائما، و المجاز أولى من الاشتراك.

سلّمنا دلالته على الحقيقة، لكن يجوز أن يكون متواطئا، كما يجوز أن يكون مشتركا، و اعتقاد التواطؤ أولى من الاشتراك.

____________

(1). الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 350.

417

سلّمنا تساوي الاحتمالات، لكنّ الاشتراك أحد أمور ثلاثة، و الباقيان اثنان منها، و وقوع اثنين من ثلاثة أرجح من وقوع واحد منها.

قيل: إنّه إثبات اللّغة بالترجيح‏ (1)، و أنّه لا يكون مجمل أبدا.

لا يقال: الإجماع على عدم القطع من المنكب و المرفق، و عند جماعة من الكوع، و عند آخرين من أصول الأصابع، يدلّ على أنّ اليد حقيقة فيهما، و إلّا لما وجب الاقتصار على ذلك، لئلّا يلزم مخالفة الظاهر.

لأنّا نقول: نمنع الدلالة، فإنّ المجاز قد يستعمل، و مخالفة الظاهر أولى من الإجمال، لأنّ الإجمال يفضي إلى تعطيل اللّفظ في الحال إلى قيام دليل المرجّح، و لا كذلك في الحمل على المجاز، فإنّه و إن لم يظهر دليل التجوّز عمل بالحقيقة، فلا يتعطّل اللّفظ، فكان أولى.

و أمّا القطع، فهو الإبانة في اللّغة، فإذا أضيف إلى أيّ شي‏ء أفاد إبانة ذلك الشي‏ء، و الشقّ إذا حصل في جلد اليد حصلت الإبانة في تلك الأجزاء، لكن إطلاق اسم اليد عليه مجاز من باب اسم الكلّ على جزء، فيكون المجاز في اليد لا القطع. (2)

و فيه نظر، فإنّ أحدا لم يتجوّز باليد في الجلد، فجعله في القطع أولى.

____________

(1). لاحظ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 3/ 394، قسم المتن.

(2). الاستدلال للرازي في محصوله: 1/ 471- 472.

418

المبحث الثامن: في أنّ رفع الخطأ ليس مجملا

اختلف الناس في قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «رفع عن أمّتي الخطأ و النسيان» (1) هل هو مجمل أم لا؟

فقال أبو الحسين البصري‏ (2): إنّه مجمل، لأنّ الخطأ واقع غير مرفوع، و كذا النسيان، و كلام النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) صادق، فلا بدّ من نفي الحكم، فإمّا أن يضمر نفي جميع الأحكام، و هو باطل، لأنّ الإضمار على خلاف الأصل، و إنّما يصار إليه لدفع الضرورة اللّازمة من تعطيل العمل باللفظ، فيجب الاقتصار على ما تندفع به الضرورة، و هو بعض الأحكام.

و لأنّ من جملة الأحكام لزوم الضمان و قضاء العبادة، و غيرها، و ليس منفيّا بالإجماع.

و إما أن يضمر البعض، فإمّا أن يكون معيّنا، و هو باطل، لعدم دلالة اللفظ عليه فيبقى أن يكون غير معيّن، و هو نفس الإجمال.

و الجواب: إنّما يلزم الإضمار لو لم يكن اللّفظ ظاهرا بعرف استعمال أهل اللّغة قبل ورود الشرع في نفي المؤاخذة، لكنّ اللّفظ ظاهر فيه، فإنّ كلّ عاقل، يحكم عند سماع قول السيّد لعبده: «رفعت عنك الخطأ» بأنّه رفع عنه المؤاخذة و العقاب عليه، و التبادر دليل الحقيقة.

____________

(1). تقدّم تخريج الحديث ص 185.

(2). المعتمد: 1/ 301.

419

أمّا اللغويّة أو العرفيّة فلا إجمال، فكذا إذا قال الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لأمّته: «رفعت عنكم الخطأ» فهم ما يتوقّع من مؤاخذته لأمّته به، و هو الأحكام الشرعية، فكأنّه قال: رفعت عنكم الأحكام الشرعية في الخطأ.

لا يقال: لو كان عرف الاستعمال ما ذكرتم، لاندفع عنه الضمان، لأنّه من جملة المؤاخذات و العقوبات.

لأنّا نقول: نمنع كون الضّمان عقوبة، و لهذا يجب في مال الصّبي و المجنون، و ليسا أهلا للعقوبة، و يجب على المضطرّ في المخمصة إذا أكل مال غيره الضمان مع وجوب الأكل، حفظا لنفسه، و الواجب لا عقوبة عليه.

و كذا يضمن الرّامي إلى صفّ الكفّار إذا أصاب مسلما، مع أنّه مأمور بالرّمي، مثاب عليه.

و العاقلة يضمن من غير جناية، بل بسبب الغير، فالضّمان في هذه الأشياء إنّما وجب امتحانا ليثاب عليه، لا للانتقام.

سلّمنا أنّه عقاب، لكن غايته لزوم تخصيص عموم اللفظ الدالّ على نفي كلّ عقاب، و هو أسهل من الإجمال.

على أنّا نمنع العموم في المضمر و هو الحكم، لأنّه ليس من صيغ العموم حتّى يجعل عامّا في كلّ حكم، كما لم يجعل قوله‏ أُمَّهاتُكُمْ‏ (1) عامّا في كلّ فعل، مع وجوب إضمار الفعل كالحكم، هذا الّذي يجب إضماره، لإضافة الرفع إليه إضافة التحريم الى الفعل.

____________

(1). النساء: 23.

420

قال أبو الحسين: لو كان المراد هنا نفي المؤاخذة لم يبق لأمّته مزية. (1)

و ليس بجيّد، أمّا أوّلا فللمنع من قصد المزيّة لاحتمال بيانه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) رفع حكم الخطاء عن أمّته، كما ارتفع عن غيرهم.

و أمّا ثانيا فلاحتمال أن يكون من تقدّمه من الأمم مؤاخذين على الخطأ.

امّا لو ورد في موضع لا عرف فيه يدرك به خصوص معناه، فإنّه مجمل يحتمل نفي الأثر مطلقا، و نفي آحاد الآثار، و يصلح لإرادة الجميع، و لا يترجّح أحد الاحتمالات.

و من جعل للعموم صيغة لم يحكم بالعموم هنا، فإنّه لا صيغة للمضمرات، و هذا قد أضمر فيه أثر.

لا يقال: إنّه يقتضي نفي المؤثّر و الأثر معا، فإذا تعذّر نفي المؤثّر بقرينة الحسّ نفي الأثر متعيّنا.

لأنّا نقول: قوله: «رفع الخطأ» ليس عامّا في نفي المؤثّر و الأثر، حتى إذا تعذّر في المؤثّر بقي‏ (2) في الأثر بل هو لنفي المؤثر فقط و الأثر ينتفي بالتبعيّة، ضرورة انتفاء مؤثّره، لا باعتبار شمول اللفظ له و عمومه، فإذا تعذّر حمله على المؤثّر صار مجازا، إمّا عن جميع آثاره أو عن البعض، و لا تترجّح الجملة على البعض‏ (3).

و فيه نظر، لأنّ نفي جميع الصفات و الآثار مجاز أقرب.

____________

(1). المعتمد: 1/ 310.

(2). في «أ»: نفي.

(3). الاستدلال للغزاليّ في المستصفى: 2/ 30- 31.

421

المبحث التاسع: في باقي أمور ظنّ أنّها مجملة و هي ستة:

الأوّل: إذا ورد لفظ من الشارع يمكن حمله على ما يفيد معنيي، و حمله على ما يفيد معنى واحدا، قال الغزّالي و جماعة إنّه مجمل، لوروده بين هذين الاحتمالين من غير ترجيح. (1)

و قال الأكثر: إنّه ليس مجملا بل هو ظاهر فيما يفيد معنيين، لأنّ الكلام إنّما وضع للإفادة، خصوصا كلام الشّارع و ظاهر أنّ ما يفيد معنيي أكثر في الفائدة، فيجب اعتقاد ظهور اللّفظ فيه، كما لو دار بين ما يفيد و ما لا يفيد، فإنّه يتعيّن حمله على المفيد، لأنّ المعنى الثاني ممّا يقصر اللّفظ عن إفادته إذا حمل على الوجه الآخر، فحمله على الوجه المفيد بالإضافة إليه أولى.

لا يقال: هذا الترجيح معارض بترجيح آخر، و هو أنّ الغالب من الألفاظ الواردة إنّما هي الألفاظ المفيدة لمعنى واحد، بخلاف المفيدة لمعنيين، و عند ذلك فاعتقاد إدراج ما نحن فيه تحت الأعمّ الأغلب أولى.

لأنّا نقول: يجب اعتقاد الترجيح فيما ذكرناه، لأنّ القول بالتّساوي يستلزم تعطيل دلالة اللفظ و امتناع العمل به مطلقا، إلى أن يقوم دليل خارجيّ، و هو على خلاف الأصل، فلا بدّ من الترجيح، فإمّا أن يكون الرّاجح ما يفيد معنى واحدا، و هو باطل لعدم القائل به، أو الآخر و هو المراد.

____________

(1). المستصفى: 2/ 33.

422

و اعترض‏ (1): بأنّ فيه إثبات اللغة بالترجيح.

و ليس بجيّد، بل هو إثبات أولويّة الحمل على أحد معنيين المشترك.

و فرّق الغزّالي بين المهمل و بين ما يفيد معنى واحدا، بقبح الأوّل للعبث بخلاف الثّاني، و حمل كلامه على ما يفيد معنى واحدا أكثر. (2)

الثاني: إذا أمكن حمل اللّفظ على حكم شرعيّ مجدّد و حمله على الموضوع اللّغوي، أو التقرير على الحكم الأصليّ أو العقليّ.

قال الغزّالي: إنّه مجمل لتردّده بين الجميع، كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الاثنان فما فوقهما جماعة» (3) فإنّه يحتمل أن يكون المراد به أنّه يسمّى جماعة حقيقة، و أن يكون المراد به انعقاد الجماعة، أو حصول فضيلتها.

و كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الطواف بالبيت صلاة» (4) يحتمل أن يكون المراد به الافتقار إلى الطهارة أي هي كالصلاة حكما و يحتمل أنّ فيه دعاء كما في الصلاة، و يحتمل أن يسمّى صلاة شرعا، و إن كان لا يسمّى في اللّغة صلاة، لتطرّق الاحتمال بالنسبة إلى كلّ محمل من هذه المحامل.

و لم يثبت أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم ينطق بالحكم العقلي و لا الأصلي و لا الاسم اللّغوي، بل قد تكلّم بالجميع.

____________

(1). المعترض هو ابن الحاجب، لاحظ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 3/ 402، قسم المتن.

(2). المستصفى: 2/ 33.

(3). وسائل الشيعة: 5/ 380، الباب 4 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 6؛ كنز العمال: 7/ 555 برقم 20224.

(4). سنن الدارمي: 2/ 44؛ كنز العمال: 5/ 49 برقم 12002.

423

و ذهب الأكثر إلى أنّه ظاهر في الحكم الشرعي، لأنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إنما بعث ليعرّف الأحكام الّتي لا تعرف إلّا من جهته، فوجب حمل لفظه عليه، لما فيه من مواقعة مقصود البعثة.

و هذا هو الحقّ، لأنّ الواضع إنّما قصد بوضعه حمل اللّفظ إذا سمع منه أو ممّن يتحدّث، على لغته على ما وضعه له، و التقدير أنّ اللّفظ هنا له عرف شرعيّ، فيجب حمل كلامه عليه، تحصيلا لغرضه من الوضع، كما يحمل اللّفظ العرفي على المتعارف، لا على الوضع اللّغويّ.

لا يقال: حمل اللّفظ على الحكم الشرعيّ مخالف للنفي الأصليّ، بخلاف الحمل على الموضوع الأصليّ.

لأنّا نقول: حمله على اللّغوي يفيد التأكيد بتعريف ما هو معروف لنا، و حمله على الحكم الشرعيّ يفيد التأسيس، و يفيد ما ليس معروفا لنا، و لا شكّ أنّ التأسيس أولى.

الثالث: إذا ورد لفظ وضعه أهل اللّغة في معنى، و الشارع في آخر، قال القاضي أبو بكر (1) تفريعا على القول بالأسماء الشرعيّة، لأنّه ينكرها: إنّه مجمل.

و قال الغزّالي‏ (2): إن ورد في الإثبات حمل على الشرعيّ، كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لعائشة: «أ عندك شي‏ء؟ فقالت: لا، فقال: إنّي إذن أصوم» (3) إن حمل على‏

____________

(1). نقله عنه الآمدي في الإحكام: 3/ 16؛ و الغزّالي في المستصفى: 2/ 34.

(2). المستصفى: 2/ 35.

(3). سنن البيهقي: 4/ 203 و 275.

424

[الصّوم‏] الشرعيّ دلّ على صحّة الصّوم بنيّة من النهار، بخلاف حمله على الصوم اللّغويّ.

لكنّ الأوّل أظهر، لأنّ المتكلّم إنّما يحمل كلامه على مصطلحه.

و إن ورد في طرف النّهي‏ (1). كنهيه عن صوم يوم النحر فهو مجمل. (2)

و قال قوم: إنّه في النّهي محمول على اللّغوي، و في الإثبات مجمل.

و قال الباقون: إنّه محمول على الشرعي مطلقا.

و هو الحقّ، لنا: ما تقدّم من أنّ الأصل استعمال الواضع لفظه فيما وضع له عند إطلاقه.

احتجّ القاضي: بأنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يحاور العرب بلغتهم تارة، و بلغته أخرى، فثبت الإجمال‏ (3).

و هو ممنوع، لغلبة استعماله فيما وضعه له، هو فيحمل المطلق على الغالب، لظهوره.

احتجّ الغزّالي بما قلناه في طرف الإثبات، و أمّا النّفي كنهيه عن بيع الخمر، و الحرّ، و حبل الحبلة، و الملاقيح و المضامين، (4) فإنّه يحمل على اللّغوي، لاستحالة وقوع الشرعي فيه، و إلّا لزم أن يكون متصوّرا، لاستحالة النهي عما لا

____________

(1). في «ب» و «ج»: النّفي.

(2). في «أ» و «ب»: عن صوم يوم النحر حمل على مفهومه الشرعي.

(3). نقله الغزّالي في المستصفى: 2/ 34.

(4). مرّ تفسير هذه الكلمات في ص 101.

425

تصوّر له، و هو خلاف الإجماع، و أن يكون الشارع قد نهى عن التصرّف الشرعيّ، و هو محال، لما فيه من إهمال المصلحة المعتبرة شرعا، أو أن يقال مع ظهوره في المسمّى الشرعي بتناوله و يصرف إلى المسمّى اللّغوي، و هو خلاف الأصل (و قد استعمل أيضا في الشرعي في قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «دعي الصلاة أيّام أقرائك» (1) فيتحقق الإجمال). (2)

و الجواب: ليس معنى الشرعي الصّحيح، و إلّا لزم في قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «دعي الصلاة أيّام أقرائك» كون المنهيّ عنه الصّلاة الصحيحة، و هي مستحيلة التصوّر، فلا يمكن حمل النّهي على الصلاة اللغويّة لتسويغ الدعاء منها.

الرابع: قال بعض الشافعية: قوله تعالى: وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ. إِلَّا عَلى‏ أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ‏ (3) و قوله تعالى:

وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ (4) مجمل، لخروج الكلام مخرج المدح و الذمّ.

و الحقّ خلافه، لعدم التنافي بين العموم و قصد المدح أو الذمّ، كما أنّ قوله: وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ (5) حملوه على العموم، و إن كانت صيغته أضعف في الدلالة.

____________

(1). وسائل الشيعة: 2/ 538 و 546، الباب 3 من أبواب الحيض، الحديث 4، و الباب 7 من أبواب الحيض، الحديث 2؛ و مسند أحمد: 6/ 42.

(2). لاحظ المستصفى: 2/ 34- 35، نقله المصنّف بتلخيص. و ما بين القوسين يوجد في «ج».

(3). المؤمنون: 5- 6.

(4). التوبة: 34.

(5). المائدة: 38.

426

مع أنّ القصد به الزجر و التخويف، لعدم التنافي بينه و بين عموم الحكم، و قد تقدّم بطلانه.

الخامس: قال بعض الناس: لا يجوز التمسّك بلفظ الجمع الخالي عن الألف و اللام، كقوله: أعطه دراهم، لجواز أن يكون المراد به أكثر من ثلاثة، و جعلوه مجملا، فإن قصد عدم قصر هذه اللفظة على ثلاثة، فهو كما قال، لتناوله كلّ جمع، و إن قصد منع حمله على الثلاثة مطلقا من غير إشعار بالزّيادة و عدمها، فلا يكون مجملا.

السادس: قال بعض النّاس: قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «في الرّقة (1) ربع العشر» (2) مجمل، لأنّه إنّما يدل على وجوب ربع العشر في هذا الجنس، و يحتاج إلى بيان القدر الّذي يوجد منه ذلك، و جعلوا خبر الأواقيّ مبيّنا، لا مخصّصا، و اختاره المرتضى‏ (3).

و قال آخرون: إنّ قوله: «في الرّقة ربع العشر» يقتضي الاستغراق، حتّى لو خلّينا و مجرّده لأوجبنا ربع العشر في قليله و كثيره، فخبر الأواقيّ مخصّص لا مبيّن.

و نحن لمّا بيّنا أنّ اسم الجنس المحلّى باللّام لا يفيد الاستغراق، لم يكن للعموم، بل يدلّ على إيجاب ربع العشر في هذا الجنس.

____________

(1). الرّقة: الدراهم المضروبة. المعجم الوسيط مادّة (ورق).

(2). السنن الكبرى للبيهقي: 4/ 134؛ و عوالي اللآلي: 1/ 209.

(3). الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 347- 348.

427

الفصل الثاني في البيان و المبيّن‏

و فيه مباحث:

[المبحث‏] الأوّل: في ماهيّته‏

اعلم أنّ البيان في أصل اللّغة مشتقّ من البيّن، يقال بيّن و تبيينا و بيانا، كقولهم: كلّم تكليما و كلاما، و أذّن تأذينا و أذانا، فالبيّن يفرق بين الشي‏ء و ما شاكله، فلهذا قيل: البيان هو الدلالة.

إذا عرفت هذا فنقول: البيان لمّا كان متعلّقا بالتعريف و الإعلام بما ليس بمعلوم و كان ذلك ممّا يتوقّف على الدليل، و الدليل مرشد إلى المطلوب الّذي هو علم أو ظنّ حاصل عن الدليل، لا جرم أمكن تفسير البيان بهذه المتعلّقات، الّتي هي التعريف و الدليل و المطلوب الحاصل منه.

و قد اختلف الناس في ذلك، فقال أبو بكر الصيرفي‏ (1) و جماعة: إنّ البيان هو التعريف و فسّره بأنّه إخراج الشي‏ء عن حيّز الإشكال إلى حيّز الوضوح و التجلّي. (2)

____________

(1). تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 140.

(2). نقله الآمدي في الإحكام: 3/ 17.

428

و ليس بجامع، لخروج ما يدلّ على الحكم ابتداء من غير سابقة إجمال عنه، و هو بيان. (1)

و فيه نظر، للمنع من كونه بيانا، نعم يقال له مبيّن، أمّا أنّه بيان فلا.

و يبطل أيضا باستعمال المجاز فيه بذكر الحيّز، الّذي هو حقيقة في الجوهر.

و لأنّ فيه زيادة التجلّي، لدلالة الوضوح عليه، و الحدّ يجب أن يصان عن التجوّز و الزيادة.

و اعترضه أبو الحسين أيضا: بأنّ إخراج الشي‏ء عن حيّز الإشكال إلى حيّز التّجلّي حد للتبيين لا للبيان. (2)

و قال أبو عبد اللّه الحسن بن علي البصري: إنّ البيان هو العلم الحاصل من الدليل الّذي يتبيّن به الشي‏ء (3).

و أبطله المرتضى بصحّة قول القائل بيّنت لك هذا الشي‏ء، فما بيّنته، فلو كان البيان هو العلم، لتناقض، و يثبت هذا الوصف مع عدم العلم، فكيف يقال: إنّه حدوث العلم، و يلزم أن يكون من لم يعلم الشي‏ء لم يبيّنه اللّه تعالى له، و لا نصب له بيانا عليه و لا شبهة في بطلانه‏ (4).

____________

(1). أورده الآمدي على أبي بكر الصيرفي، و تنظّر فيه المصنّف.

(2). المعتمد: 1/ 294.

(3). نقله الآمدي في الإحكام: 3/ 17؛ و السيد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 329- 330.

(4). الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 330.

429

و اعترضه‏ (1) أيضا: بأنّ الحاصل عن الدليل كما يكون علما، فقد يكون ظنا فتخصيص اسم البيان بالعلم، دون الظنّ، لا معنى له، مع أنّ اسم البيان يعمّ الحالتين.

و قال السيد المرتضى‏ (2) و الشيخان أبو علي و أبو هاشم البيان هو الدلالة.

و قال أبو الحسين البصري: البيان منه عامّ و هو الدلالة، يقال: بيّن لي فلان كذا بيانا حسنا، فتوصف دلالته و كشفه بأنّه بيان، و يقال: دللت فلانا على الطريق و بيّنته له، فلمّا اطّرد ذلك، كان حقيقة.

و منه خاصّ، و هو المتعارف عند الفقهاء، و هو كلام أو فعل دالّ على المراد بخطاب لا يستقلّ بنفسه في الدلالة على المراد، و يدخل فيه بيان العموم. (3)

و فيه نظر، لخروج بيان الفعل عنه.

و قال الغزّالي و أكثر المعتزلة كأبي الحسين: إنّ البيان هو الدّليل، لأنّ من ذكر دليلا لغيره، فأوضحه غاية الإيضاح، يصحّ أن يقال: إنّه بيان حسن، و قد تمّ بيانه، و يشار به إلى الدليل المذكور.

و قيل‏ (4): البيان هو الذي دلّ على المراد بخطاب لا يستقلّ بنفسه في الدّلالة على المراد.

____________

(1). المعترض الآمدي في الإحكام: 3/ 18.

(2). الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 329.

(3). المعتمد: 1/ 293.

(4). القائل سراج الدين الأرموي في التحصيل من المحصول: 1/ 411.

430

و فيه نظر، لأنّه يخرج منه بيان الأفعال.

و قال الشافعي: البيان اسم جامع لمعان مجتمعة الأصول، متشعبة الفروع، و أقلّ ما فيه انّه بيان لمن نزل القرآن بلسانه. (1)

قال أبو الحسين: هذا ليس بحدّ، و إنّما هو وصف للبيان بأنّه يجمعه أمر جامع، و هو أنّه يتبيّنه أهل اللغة، و أنّه يتشعّب إلى أقسام كثيرة، فإن حده بأنّه «بيان لمن نزل القرآن بلغته» كان قد حدّ الشي‏ء بنفسه، و إن كان قد حدّ البيان العام، فإنّه يخرج منه الأدلّة العقليّة، و إن حدّ البيان الخاصّ، دخل فيه الكلام المبتدأ إذا عرف به المراد، كالعموم و الخصوص، و هذا ليس هو البيان الخاصّ. (2)

و قال قوم: البيان هو الكلام و الخطّ و الإشارة. (3)

و ليس بجيّد و إنّما هو تعديد و ليس مستوفيا لجميع أعداده، لأنّه يخرج منه الأدلّة العقليّة.

و أمّا المبيّن، فقد يراد ما هو محتاج إلى بيان، و قد ورد بيانه عليه، كالمجمل بعد بيان المراد منه، و العامّ بعد التّخصيص، و المطلق بعد التقيد، و الفعل المقترن بما يدلّ على وجهه، إلى غير ذلك.

و قد يراد به الخطاب المبتدأ المستغني عن البيان بنفسه.

و المفسّر كذلك قد يقال لما هو مستغن بنفسه عن التفسير، و لما ورد عليه تفسيره.

____________

(1). نقله أبو الحسين المعتزلي في المعتمد: 1/ 294.

(2). المعتمد: 1/ 294.

(3). نقله أبو الحسين المعتزلي في المعتمد: 1/ 294.

431

المبحث الثاني: في أقسام البيانات‏

بيان الأحكام الشرعيّة بكلّ ما يقع به المبيّن، و هو إمّا بالقول، أو بالفعل، أو بالترك.

أمّا القول، فظاهر.

و أمّا الفعل، فإمّا أن يكون الدالّ على البيان شيئا يحصل بالمواضعة، أو شيئا تتبعه المواضعة، أو شيئا تابعا للمواضعة.

و الأوّل، كالكتابة و عقد الأصابع، و قد وقع البيان بالكتابة في اللوح المحفوظ، و فيما كتبه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى عمّاله، و بعقد الأصابع، كما بين (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بقوله:

«الشهر هكذا و هكذا. و هكذا» و أشار بيده، و هذا مستحيل في حقّه تعالى. (1)

و الثاني: هو الاشارة، لافتقار المواضعة إليها، دون العكس، و إلّا افتقرت المواضعة إلى إشارة أخرى، و تسلسل.

و قد بيّن بها النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الحرير حيث وضعه في يده و قال: «هذا حرام على ذكور أمّتي».

و الثالث: كما لو قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «هذا الفعل بيان لهذه الآية» أو يقول: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي».

و الفعل يبيّن الصفة و لا يدلّ على الوجه.

____________

(1). لاستحالة الجوارح على اللّه تعالى.

432

و أمّا الترك‏ (1)، فإنّه يدلّ على نفي وجوب الفعل، و هو أقسام:

الأوّل: أن يقوم من الركعة الثانية إلى الثالثة، و يمضي في صلاته، فيعلم أنّ التّشهد ليس بواجب، لاستحالة أن يترك الواجب.

الثاني: أن يسكت عن حكم الحادثة، فيعلم أنّه ليس فيها حكم شرعيّ.

الثالث: أن يكون ظاهر الخطاب يتناوله و أمّته على السّواء، فإذا تركه دلّ على أنّه مخصوص الخطاب.

الرابع: أن يترك بعد فعله إيّاه، فيعلم أنّه قد نسخ عنه، ثمّ ينظر فإن كان حكم الأمّة حكمه، فقد نسخ عنهم أيضا، و إلّا كان‏ (2) حكمهم بخلافه.

المبحث الثالث: في أنّ الفعل يكون بيانا

اختلف الناس في ذلك، فالأكثر عليه، و منعه شاذّ.

لنا: الوقوع، فإنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عرّف الصلاة و الحجّ بفعله، حيث قال: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي» و «خذوا عنّي مناسككم».

و لانعقاد الإجماع على كون القول بيانا و الفعل أولى، فيكون أولى.

قال أبو الحسين: المانع إمّا أن يريد أنّه لا يصحّ وقوع البيان بالأفعال، أو لا يحسن من حيث الحكمة.

____________

(1). أي ترك الفعل.

(2). في «ج»: لكان.

433

و الأوّل إمّا أن يعنى أنّ الفعل لا يؤثّر في وقوع‏ (1) الشّي‏ء أصلا، أو لا يؤثّر إلّا مع غيره، بأن يقول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «هذا الفعل بيان لهذا الكلام».

و الأوّل باطل، لما مرّ، من أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بيّن الحجّ و الصلاة بفعله، و بيّن الصحابة الوضوء بفعله. (2)

و الثاني، و هو افتقار الفعل في كونه بيانا إلى الغير، فإجماع إلّا أنّ المبيّن هو الفعل خاصّة، لانّه هو المتضمّن لصفة الفعل، دون القول المعلّق للفعل الواقع بيانا على المجمل، و تحقيقه: أنّ الفعل بيان للمجمل، و القول بيان لكون الفعل بيانا.

و الثالث: و هو عدم حسنه في الحكمة، باطل، لجواز أن يعلم اللّه تعالى من المكلّف أنّ بيان المجمل بهذا الطريق أصلح له. (3)

احتجّوا: بأنّ الفعل قد يطول، فيتأخّر البيان عن وقت الحاجة، و هو غير جائز، و منعوا من بيان الصلاة و الحج بالفعل، بل لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «صلّوا» و «خذوا».

و الجواب: القول قد يكون أطول، فإنّ وصف أفعال الصلاة و تروكها على الاستقصاء أطول من الإتيان بركعة واحدة في كونها بيانا، مع أنّه أبعد في كونه بيانا.

و ربما احتيج إلى تكرير في أزمنة كثيرة أو إيقاع فعل مبيّن‏ (4).

____________

(1). هكذا في المصدر و لعلّ الصحيح: «بيان الشي‏ء».

(2). في المصدر: «بفعلهم» و الأصحّ ما في المتن.

(3). المعتمد: 1/ 311- 312، نقله المصنّف ملخّصا.

(4). في «أ»: فعل يتّفق.

434

سلّمنا أنّ البيان بالفعل قد يكون أطول، لكن جاز في الحكمة تأخير البيان ذلك القدر، و هي ظاهرة هنا، لإيجاد أقوى البيانين، و قد بيّنّا أنّ «صلّوا» و «خذوا» ليسا مبيّنين للعبادة.

تذنيب‏

يعلم كون الفعل بيانا للمجمل بأمور ثلاثة:

الأوّل: أن يعلم ذلك بالضرورة من قصده.

الثاني: أن يعلم بالدليل اللّفظيّ، بأن يقول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): هذا الفعل بيان لهذا المجمل، أو يقول: أقوالا يلزم من مجموعها ذلك.

الثالث: أن يدلّ العقل عليه، بأن يذكر المجمل وقت الحاجة إلى العمل به، ثمّ يفعل فعلا صالحا لأن يكون بيانا، و لا يفعل شيئا آخر فيعلم أنّه بيان، لئلّا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة.

المبحث الرابع: في أنّ القول هل يقدّم في البيان على الفعل أم لا؟

قال أبو الحسين: هذا البحث يشتمل على مسألتين:

إحداهما: أن يقال: إذا كان القول بيانا و الفعل بيانا فأيّهما أكشف؟

فالجواب: أنّ الفعل أكشف، لأنّه يوضح صفة المبيّن مشاهدة، و القول إخبار عن صفته.

الثانية: أن يرد بعد المجمل فعل و قول يحتمل أن يكون كلّ منهما بيانا،

435

فيقال: أيّهما قصد به البيان؟ فنقول: إن لم يتنافيا فالمتقدّم هو البيان، و المتأخّر مؤكّد لحصول التعريف بالأوّل، فلا حاجة إلى البيان، إلّا أن يكون الثاني دون الأوّل في الدّلالة، لاستحالة تأكيد الشّي‏ء بما هو دونه في الدلالة.

و إن لم يعلم المتقدّم، حكم على الجملة أنّ أحدهما بيان و الآخر مؤكّد.

و إن لم يعلم مفصّلا، إن تساويا في الدلالة و إن كان أحدهما أرجح على حسب اختلاف الوقائع و الأقوال، فالأشبه أنّ المرجوح هو المتقدّم، ليقع التأكيد بالراجح، و إلّا لكان الثاني غير مفيد البتة: إمّا للبيان، فلوقوعه بالأوّل، و إمّا للتأكيد فلامتناعه بالأدون.

و إن تنافيا، كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من قرن الحجّ إلى العمرة فليطف لهما طوافا واحدا» (1) مع ما روي عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قرن، و طاف طوافين، و سعى سعيين، (2) فإن تقدّم أحدهما كان هو البيان، لأنّ الخطاب المجمل إذا تعقّبه ما يجوز أن يكون بيانا له كان بيانا، فإن كان هو القول، كان الطواف الثاني غير واجب، و إن كان هو الفعل كان واجبا. (3)

و قيل‏ (4): إن كان القول متقدّما، فالثاني غير واجب، و فعل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يحمل على الندب، و إلّا لكان ناسخا لما دلّ عليه القول، و الجمع أولى من التعطيل.

____________

(1). مسند أحمد بن حنبل: 2/ 67.

(2). سنن الدارقطني: 2/ 263 برقم 130.

(3). المعتمد: 1/ 312- 313.

(4). القائل هو الآمدي في الإحكام: 3/ 20.

436

و إن كان الفعل متقدّما، فهو، و إن دلّ على وجوب الثاني، إلّا أنّ القول بعده يدلّ على عدم وجوبه، و لا يجوز إهمال دلالة القول، فيكون ناسخا لوجوب [الطواف‏] الثاني الّذي دلّ عليه الفعل، أو يحمل على بيان وجوب الأوّل في حقّ أمّته دونه، و هو أولى، لما فيه من الجمع بين البيانين من غير نسخ و لا تعطيل.

و قيل: يكون القول بيانا مطلقا، من غير تفصيل إلى تقدّمه و تأخّره، لأنّه بيان بنفسه، و الفعل لا يدلّ حتّى يعرف ذلك إمّا بالضّرورة أو بالاستدلال بدليل قوليّ أو عقليّ، فإذا لم ينقل ذلك لم يثبت كون الفعل بيانا. (1)

و ليس بجيّد، لأنّ الغرض كون كلّ منهما صالحا للبيان، فإذا فرضنا تقدّم الفعل، فهو بيان لوقوعه بعد إجمال ورود التعبّد به، فيكون بيانا له على ما تقدّم.

و إن جهل التاريخ، قال أبو الحسين‏ (2): يكون البيان هو القول، لأنّا لو جعلنا الفعل هو البيان، لأوجبنا إثبات ما تعلّقه بالمبيّن من قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّ هذا بيان لهذا» و إن لم يعلم ذلك باضطرار من قصده، و لا يجوز إثبات ذلك إلّا عن ضرورة، و لا ضرورة إلى ذلك مع إثبات قول يمكن أن يكون بيانا.

لا يقال: فليجز أن يكون الفعل هو لبيان و ان لم يقطعوا عليه.

لأنّا نقول: لا يجوز ذلك إلّا لضرورة، و لا ضرورة.

____________

(1). الاستدلال للرازي في محصوله: 1/ 476.

(2). المعتمد: 1/ 313.

437

و إذا كان الفعل إنّما يتمّ كونه بيانا لو اقترن به ما يعلم أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قصد به البيان، و كان القول مستغنيا عن ضميمة تقترن به، لاستقلاله بنفسه في الدلالة، كان جعل القول بيانا أولى.

و لأنّا لو قدّرنا تقدّم القول، أمكن حمل الفعل بعده على ندبيّة الطواف الثاني، كما تقدّم تعريفه و لو قدّرنا تقدّم الفعل يلزم منه [إمّا] إهمال دلالة القول، أو كونه ناسخا لحكم الفعل، أو أن يكون الفعل بيانا لوجوب الطواف في حقّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) دون أمّته، و القول دليل على عدم وجوبه في حقّ أمّته دونه.

و الإهمال و النسخ على خلاف الأصل، و الفرق بين النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الأمّة في وجوب الطواف الثاني مرجوح بالنظر إلى ما ذكرناه من التشريك الغالب دون الافتراق.

المبحث الخامس: في أنّ البيان كالمبيّن‏

قال أبو الحسين: هذا الباب يشتمل على مسألتين:

إحداهما أنّ البيان هل هو كالمبيّن في القوة؟

و الأخرى هل هو كالمبيّن في الحكم؟

أمّا الأولى، فقال الكرخي‏ (1): إنّ بيان المعلوم معلوم، و لا يجوز أن يكون المبيّن معلوما، و بيانه مظنون، و لهذا لم يقبل خبر الأوساق مع قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «فيما سقت السماء العشر» (2).

____________

(1). تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 219.

(2). المعتمد: 1/ 313، و الحديث تقدّم مع مصدره ص 290.

438

و فيه نظر، لأنّه تخصيص، و المحقّقون على خلاف ذلك، و أنّه يجوز أن يكون كلّ من البيان و المبيّن معلومين و مظنونين، و أن يكون المبيّن معلوما، و البيان مظنونا، و بالعكس، كما جاز تخصيص القرآن بخبر الواحد، لإمكان تعلّق المصلحة بذلك، هذا فيما يرجع إلى الطريق.

و أمّا ما يرجع إلى الدلالة، فنقول: إن كان المبيّن مجملا كفى في بيانه تعيين أحد احتماليه بأدنى ما يفيد الترجيح، و إن كان عامّا أو مطلقا، فلا بدّ و أن يكون المخصّص و المقيّد في دلالته أقوى من دلالة العامّ على صورة التخصيص، و دلالة المطلق على صورة التقييد، إذ لو تساويا لزم الوقف، و لو كان مرجوحا لزم إلغاء (1) الراجح بالمرجوح، و هو ممتنع.

و قال بعض الناس: المجمل فيما يعمّ به البلوى كأوقات الصلاة، و كيفيّتها، و عدد ركعاتها، و مقادير الركعات، و جنسها، لا يجوز أن يبيّن إلّا بطريق قاطع.

و أمّا ما لا يعمّ به البلوى، كقطع يد السّارق، و ما يجب على الأمّة في الحدود، و أحكام المكاتب، و المدبّر، فيجوز أن يبيّن بخبر الواحد، و سيأتي بيان التساوي.

و أمّا الثانية، فقال قوم: إنّ بيان الواجب واجب، و هؤلاء إن أرادوا أنّ المبيّن إذا كان واجبا، كان بيانه صفة شي‏ء واجب، فهو صحيح، و إن أرادوا أنّ الفعل إذا كان واجبا، و يتضمّن البيان صفاته و تفصيل أحواله، فهذه التفاصيل واجبة، لأنّها صفات الواجب، و كذلك المندوب يكون بيان أحواله و أوصافه كذلك، فهو صحيح أيضا.

____________

(1). في «ب»: إلقاء.

439

و إن أرادوا أنّه يدلّ على الوجوب كما يدلّ المبيّن، فغير صحيح، لأنّ البيان يتضمّن صفة المبيّن، و ليس يتضمّن لفظا يفيد الوجوب، فإنّ صورة الصلاة الواجبة و المندوبة واحدة.

و إن أرادوا به أنّه إذا كان المبيّن واجبا، كان بيانه على الرّسول واجبا، و إن لم يكن المبيّن واجبا، لم يجب على الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بيانه، فهو باطل، فإنّ بيان المجمل واجب سواء تضمّن فعلا واجبا، أو ندبا، أو مباحا، أو غيرها من الأحكام، و إلّا لزم تكليف ما لا يطاق.

و أيضا، لو تساويا في الحكم، و كان ما دلّ عليه البيان من الحكم هو ما دلّ عليه المبيّن، لم يكن أحدهما بيانا للآخر، و إنّما يكون أحد الأمرين بيانا للآخر إذا كان دالّا على صفة مدلول الآخر، لا على مدلوله، و مع ذلك، فلا اتّحاد في الحكم‏ (1).

و فيه نظر، لأنّه لا يلزم من تساويهما في الحكم التساوي من كلّ وجه.

لا يقال: المراد من الاتّحاد في الحكم أنّه إن كان حكم المبيّن واجبا، كان بيانه واجبا، و إن لم يكن واجبا، لم يكن البيان واجبا.

لأنّا نقول: إن لم تكن الحاجة داعية إلى البيان في الحال، لم يجب البيان عند قوم، و لا فرق بين أن يكون [حكم‏] المبيّن واجبا أو لا.

و إن دعت لم يجب البيان أيضا عند من يجوّز التكليف بالمحال، و إلّا كان واجبا إن كان المبيّن واجبا، لاستحالة التكليف بالمحال.

____________

(1). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 3/ 21.

440

و إن لم يكن المبيّن واجبا، لم يلزم من عدم إيجاب البيان التكليف بما لا يطاق، إذ لا تكليف فيما ليس بواجب، لأنّ ما لا يكون واجب الفعل، و لا واجب الترك، إمّا مندوب، أو مباح، أو مكروه، و كلّ واحد من هذه الأقسام الثلاثة، فلا تكليف فيه على ما تقدّم.

و لا يلزم من القول بالوجوب حذرا من تكليف ما لا يطاق الوجوب مع عدم التكليف أصلا، اللّهمّ إلّا أن ينظر إلى التكليف بوجوب اعتقاده، على ما هو عليه من إباحة أو ندب أو كراهة، فيكون من القسم الأوّل. (1)

و فيه نظر، فإنّ المندوب و المكروه و إن لم يكونا من التكليف إلّا أنّ أحدهما مطلوب الفعل و الآخر مطلوب الترك، فيجب فيهما البيان، لأنّ طلب الفعل و الترك يستدعي الفهم.

و لأنّ الخطاب بهما أو بالمباح، لا بدّ فيه من البيان، تحصيلا للغرض من الخطاب، و هو الإفهام.

المبحث السّادس: في وقت البيان‏

اتّفق العقلاء إلّا من جوّز التكليف المحال على امتناع تأخير بيان الخطاب عن وقت الحاجة، لأنّ التّكليف مع عدم الطريق إلى العلم به، تكليف بالمحال.

و أمّا تأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة، فقد اختلف فيه، و تقرير البحث في ذلك أن نقول:

____________

(1). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 3/ 21.

441

الخطاب المحتاج إلى البيان ضربان:

أحدهما، له ظاهر و قد استعمل في خلافه.

و الثاني، لا ظاهر له، كالمشترك. و الأوّل أقسام:

أحدها: بيان التخصيص.

و ثانيها: بيان النسخ.

و ثالثها: بيان الأسماء الشرعيّة.

و رابعها: بيان اسم النكرة إذا أريد به شي‏ء معيّن.

إذا عرفت هذا فنقول: ذهب جماعة من الأشاعرة و الحنفيّة إلى جواز تأخير البيان في ذلك كلّه.

و ذهب بعض الأشاعرة كأبي إسحاق المروزي‏ (1) و أبي بكر الصّيرفي‏ (2) و بعض الحنفيّة و الظاهريّة إلى امتناعه.

و قال السيّد المرتضى‏ (3) و الكرخي‏ (4) و جماعة من الفقهاء: يجوز تأخير البيان المجمل خاصّة.

____________

(1). إبراهيم بن أحمد المروزي، فقيه انتهت إليه رئاسة الشافعية بالعراق بعد ابن سريج، مات سنة 340 ه. لاحظ الأعلام للزركلي: 1/ 28.

(2). تقدمت ترجمته في الجزء الأوّل: 140.

(3). الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 363.

(4). تقدمت ترجمته في الجزء الأوّل: 219.

442

و قال آخرون: يجوز تأخير بيان الأمر دون الخبر.

و قال الجبائيّان و القاضي عبد الجبّار: يجوز تأخير بيان النسخ دون غيره. (1)

و قال أبو الحسين البصري‏ (2): يجوز تأخير بيان ما ليس له ظاهر كالمجمل، و أمّا ما له ظاهر و قد استعمل في غير ظاهره، كالعامّ و المطلق و المنسوخ، فيجوز تأخير بيانه التفصيلي، و لا يجوز تأخير البيان الإجمالي، بأن يقول وقت الخطاب: هذا العامّ مخصوص، و هذا المطلق مقيّد، و هذا الحكم سينسخ و إن لم يبيّن بأيّ شي‏ء و لا وقته.

و هو الحقّ، فهاهنا ثلاث دعاو.

الأوّل: المنع من تأخير بيان ما له ظاهر قد استعمل في خلافه.

الثاني: الاكتفاء بالبيان الإجمالي.

الثالث: جواز تأخير بيان ما لا ظاهر له.

أمّا الدعوى الأولى: فلأنّ العموم خطاب لنا في الحال إجماعا، فإن لم يقصد الإفهام لم يكن مخاطبا، إذ مفهوم أنّه «مخاطب» توجّه الخطاب نحونا، و معناه قصد إفهامنا.

و لانّه لو لم يقصد الإفهام في الحال، مع أنّ ظاهره يقتضي كونه خطابا لنا في الحال، كان إغراء لنا، بأن نعتقد انّه قصد إفهامنا في الحال، فيكون قد قصد أن‏

____________

(1). نقله أبو الحسين المعتزلي في المعتمد: 1/ 315، و الآمدي في الإحكام: 3/ 22.

(2). المعتمد: 1/ 316.

443

نجهل، لأنّ من خاطب قوما بلغتهم، فقد أغراهم بأن يعتقدوا فيه أنّه قد عنى ما عنوة.

و لأنّه لو لم يقصد إفهامنا كان عبثا، لأنّ الفائدة في الخطاب إفهام المخاطب.

و لأنّه لو جاز أن لا يقصد إفهامنا بالخطاب، لجاز مخاطبة الزّنجيّ بالعربيّة، و هو لا يحسنها، لعدم وجوب إفهام المخاطبين، بل ذلك أولى بالجواز، لأنّ الزّنجيّة ليس لها ظاهر عند العربيّ يدعوه إلى اعتقاد معناه، و لو جازت مخاطبة العربيّ بالزّنجيّة و بيّن له بعد مدّة، جازت مخاطبة النائم، و بيّن له بعد مدّة، و أن يقصد الإنسان بالتصويت و التّصفيق شيئا يبيّنه بعد مدّة.

لا يقال: خطاب الزّنجي لا يفهم منه العربيّ شيئا، فلم يجز أن يخاطبوا به، بخلاف خطاب العربيّ بالمجمل، الّذي يفهم منه شيئا، فإنّ قوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ (1) قد فهم منه الأمر بشي‏ء، و إن لم يعرف ما هو.

لأنّا نقول: لو جاز أن يكون اسم الصلاة واقعا على الدّعاء، و يريد اللّه تعالى به غيره، و لا يبيّن لنا، جاز أن يكون ظاهر قوله: أَقِيمُوا للأمر، و لا يستعمله في الأمر، و لا يبيّن لنا ذلك، و في ذلك مساواته لخاطب الزّنجيّ، لأنّا لا نفهم منه شيئا أصلا.

و إن قصد إفهامنا في الحال، فإمّا أن يريد أن يفهم منه ظاهره، أو

____________

(1). البقرة: 43.

444

غير ظاهره، فإن أراد الأوّل، فقد أراد منّا الجهل.

و إن اراد الثاني، فقد أراد منّا ما لا سبيل اليه.

و هذه الدلالة تتناول العامّ المستعمل في الخصوص، و المطلق، و المقيّد، و المنكّر، و المنسوخ، و الأسماء المنقولة الشرعيّة، و النكرة إذا أريد بها شي‏ء معيّن، لأنّ الكلّ مستعمل في غير ظاهره.

و أيضا، لو جاز تأخير البيان، لم يكن لنا طريق إلى معرفة وقت الفعل الّذي يقف وجوب البيان عليه، لأنّه لو قيل لنا: «صلّوا غدا» جوّزنا أن يكون المراد بقوله «غدا» بعد غد، و ما بعده أبدا، لأنّ كلّ ذلك يسمّى غدا مجازا، و لا يبيّنه لنا، و لا يقف وجوب البيان على غاية، و هو يقتضي تعذّر علمنا بمراد الخطاب.

لا يقال: يبيّن في غد صفة العبادة، ثمّ يقول: افعلوها الآن فيعلم وجوب فعلها حينئذ.

لأنّا نقول: نمنع ذلك، لجواز أن يريد بقوله الآن وقتا غيره مجازا، و لا يبيّنه [لنا] في الحال، بل يجوز أن يتجوّز بلفظة الأمر عن غيره، و بلفظة الصّلاة غيرها.

و أيضا، لو جاز تأخير البيان، فإمّا إلى مدّة معيّنة، و هو تحكّم لم يقل به أحد، أو إلى غير نهاية، فيلزم بقاء المكلّف عاملا أبدا بعموم قد أريد به الخصوص، و هو في غاية التجهيل.

و أمّا الدّعوى الثانية، فظاهرة، إذ المفسدة تنتفي مع البيان الإجماليّ، كانتفائه مع التفصيليّ.

445

و أمّا الثالثة، فلانتفاء المانع، و هو التجهيل مع وجود المقتضي، و هو إمكان تعلّق الغرض بالخطاب بالمجمل، لأنّه منشأ مصلحة تتعلّق به، كما في الخطاب بالمبيّن.

اعترض‏ (1) على الأوّل من حيث المعارضة و من حيث الجواب.

أمّا المعارضة، فمن وجوه أربعة:

الأوّل: العموم خطاب لنا في الحال مع أنّه لا يجوز اعتقاد استغراقه عند سماعه، بل لا بدّ من تفتيش الأدلّة السمعيّة و العقليّة لينظر هل فيها ما يخصّه؟ فإن لم يجد قضى بالعموم، ففي زمان التوقف الخطاب بالعموم قائم، مع أنّه لا يجوز اعتقاد ظاهره.

لا يقال: من لم يجوّز إسماع العامّ دون الخاصّ، لا يرد عليه، و من جوّزه يجيب بأنّ علم المكلّف بكثرة السنن و الأدلّة الّتي يجوز وجود ما يدلّ على خلاف الظاهر كالمشعر بالتّخصيص.

لأنّا نقول: منع إسماع المكلّف العامّ دون الخاصّ عندكم باطل، و تخريج النّقض بالمذهب الباطل باطل.

و تجويز إقامة علمه بكثرة السّنن مقام الإشعار بالتخصيص تجويز أن يكون احتمال قيام المخصّص في الحال مانعا من اعتقاد الاستغراق في الحال، و هو يقتضي أن يكون تجويزه لحدوث التخصيص في ثاني الحال، مانعا عن اعتقاد الاستغراق في الحال.

____________

(1). المعترض هو الرازي في محصوله: 1/ 490- 491.

446

الثاني: تجويز تأخير البيان المخصّص بزمان قصير، و عطف جملة من الكلام على [جملة] أخرى، ثمّ تبيّن عقيب الثانية، و أن يبيّن المخصّص بكلام طويل.

لا يقال: نمنع من تأخير البيان إلّا مقدار ما لا ينقطع عن السامع توقّع شرط يرد على الكلام، و إنّما نجوّز البيان بالطويل من القول أو الفعل لو لم يتمّ البيان إلّا بهما، و حينئذ لا يكون فيه تأخير البيان.

لأنّا نقول: ظاهر لفظ العامّ يفيد الاستغراق، فحال سماعه يتوجّه تقسيم المتكلّم، من أنّ الغرض إمّا الإفهام للظاهر أو لغيره، أو غير الإفهام.

فإن قلت: تجويز السامع بأن يأتي المتكلّم بعد كلامه بشرط أو استثناء يمنعه من حمل ذلك اللّفظ على ظاهره.

قلت: فيجوز في صورة النزاع أن نقول: تجويز السامع أن يأتي المتكلّم حال إلزام التكليف بدليل مخصّص يمنعه من حمل اللّفظ على ظاهره، و هذا هو أوّل المسألة.

الثالث: يجوز أن يأمر اللّه تعالى المكلّفين بالفعل، مع تجويز كلّ واحد منهم أنّه يموت قبله، و لا يكون مرادا بالخطاب، و هو يستلزم الشكّ فيمن أريد بالخطاب، و هذا التخصيص لم يتقدّم بيانه.

الرابع: أنّ أكثر المعتزلة اتّفقوا على جواز تأخير [بيان‏] النسخ إجمالا و تفصيلا، و ينتقض دليلهم به، لأنّ اللّفظ يفيد الدوام و هو غير مراد، فإن أراد ظاهره، فقد أراد منّا الجهل، و إن أراد غيره، لزم التكليف بما لا يطاق.

447

أمّا الجواب فمن وجهين:

الأوّل: إن عنيت بالإفهام في قولك «المخاطب إمّا أن يريد إفهامنا أو لا» إفادة القطع أو الاعتقاد الرّاجح المشترك بين المانع من النّقيض و غيره.

و الأوّل ليس غرضا، و لا يلزم من نفيه العبث و الإغراء بالجهل، بخلاف خطاب العربيّ بالزنجيّة، لعدم تمكّنه من الاعتقاد الرّاجح، إذ لا يفهم منه شيئا.

و الثاني مسلّم، لكن لا يمنع من ورود المخصّص، و إلّا لكان مانعا من النقيض، مع فرض خلافه.

ثمّ يدل على أنّ الغرض المشترك بين المانع من النقيض و الّذي يجوز معه النقيض أنّ دلالات الألفاظ ظنيّة، لما تقدّم من توقّفها على المقدّمات لتوقف الغير الظنيّة، و إذا احتمل النقيض لم يمنع التخصيص، فإنّ الغيم الرّطب يفيد ظنّ المطر، و قد يتخلّف عنه، و لا يقدح في الظنّ، و إلّا لتوقّف الظّنّ على انتفاء هذا العدم، فيكون قطعا لا ظنّا.

الثاني: اللّفظ العامّ إن وجد مع المخصّص دلّ المجموع على الخاصّ، و إن خلا عنه دلّ مع العدم على الاستغراق، و العامّ متردّد بين هاتين الحالتين، كتردّد المشترك بين مفهوماته، و المتواطئ بالنّسبة إلى جزئيّاته، و كما يجوز عندكم ورود اللّفظ المشترك و المتواطئ خاليا عن البيان، لإفادته إرادة أحد تلك المسمّيات، فكذا العامّ قبل العلم بوجود المخصّص معه، و بعدمه يعلم إرادة العموم و الخصوص، و يعلم أنّ اللّفظ إن وجد معه المخصّص أفاد الخاصّ، و إن‏

448

وجد معه عدمه أفاد العامّ، فلا فرق بينه و بين المشترك، فيجوز هنا تأخير البيان كما جاز.

لا يقال: هذا قول باشتراك الصّيغة بين العموم و الخصوص، و نحن نفرّع على أنّها للعموم خاصّة.

لأنّا نقول: نمنع أنّه قول بالاشتراك، بل هي وحدها موضوعة للاستغراق، فانفصل عن القول بالاشتراك.

لكنّا نقول: يجوز ورود المخصّص، فإذا ورد أفاد الخاصّ لا غير، فالشك في وجود المخصّص و عدمه، يستلزم الشكّ في أنّه هل يفيد الاستغراق أم لا، لأنّ الشكّ في الشّرط يوجب الشّك في المشروط.

و على الثاني بأنّ اللّفظ و إن كان محتملا، إلّا أنّه قد وجد في القرائن ما يفيد القطع بأنّ المراد من اللّفظ ظاهره، و حينئذ يزول السؤال.

فإن لم توجد قرينة و حضر وقت العمل وجب [العمل‏] لقيام الظنّ مقام العلم في وجوب العمل، لا فيما يتعلّق بالعمل، فظنّ كونه دالّا على وجوب العمل في الحال، يكفي في القطع بوجوب العمل في الحال، لكنّ عدم المخصّص لا يكفي في القطع بعدم التخصيص، فظهر الفرق.

و على الثالث، أنّه يجوز تأخيره إلى وقت الحاجة إلى البيان، و هو معيّن عنده تعالى، و أيّ وقت وجب على المكلّف العمل فهو وقت الحاجة إلى البيان، و قبل وقت الوجوب فلا عمل للمكلّف حتّى يقال: إنّه عامل بعموم أريد به الخصوص.

449

و الجواب عن الأوّل: أنّ العامّ قبل التفتيش و البحث عن المخصّص ليس دليلا، و إنّما تتمّ دلالته بعد البحث، فذلك الزّمان زمان طلب تتميم الدّليل، و المخاطب قصد إفادة ما يدلّ هو و المخصّص أو عدمه عليه من العموم و عدمه.

لا يقال: يأتي ذلك في المتنازع، بأن يقصد الإفهام لما يدلّ العامّ و ما يبيّنه بعد ذلك من التخصيص عليه.

لأنّا نقول: الفرق أنّ المخصّص في صورة النزاع ثابت، و التفريط من المكلّف، حيث لم يبحث في الأدلّة الثابتة في نظر الشرع، بخلاف صورة النقض.

و عن الثاني: أنّا إنّما نجوّز تأخيره في الزّمان القصير إذا لم يعدّ المتكلّم معرضا عن كلامه الأوّل، لأنّ كلامه الثاني حينئذ مع الأوّل يعدّ كالجملة الواحدة، و ذلك لا يعدّ تأخير البيان، بخلاف الزمان الطويل الّذي يعدّ المتكلّم معه معرضا عن كلامه، و لهذا فإنّه يجوز عرفا و لغة أن يتكلّم الإنسان بكلام يقصر فهم السامع عنه، و يبيّنه بعد الزمان القصير، فلا يلزم من التأخير ثمّ، التأخير هنا.

و الجمل المعطوفة تنزل منزلة الجملة الواحدة، فالبيان المتعقّب للجمل المعطوفة، ينزله منزلة تعقّبه للجملة الواحدة، فالاحتمال في هذه الصّور راجح على الاحتمال المذكور في صورة النزاع.

و منع الرّاجح من الحمل على الظاهر لا يستلزم منع المرجوح منه.

450

و الكلام الطويل، إنّما يجوز البيان به إذا لم يحصل [البيان‏] إلّا منه، أو كانت المصلحة فيه أتمّ من القصير و إلّا فلا. (1)

و فيه نظر، فانّه تخريج‏ (2) لتجويز البيان الطويل، و نحن نسلّم أنّه إذا لم يتمّ إلّا به أو كانت المصلحة منوطة به، وجب، لكنّ الإشكال عائد، لأنّ الخطاب من غير بيان قد وجد، سواء كان بيانه ممتنعا أو ممكنا، فإنّ النقض يتمّ بهما.

و عن الثالث: بالمنع من الشكّ بالمراد لتجويز الموت مع ظنّ البقاء، و الدليل اللّفظي يفيد الظنّ.

و عن الرابع: أنّه لا يرد علينا، و الفارق بين النسخ و غيره يقول: إنّ العلم حاصل بانقطاع التّكليف، فجاز تأخير بيان النسخ للعلم به، بخلاف غيره.

و عن الجواب الأوّل: أنّه لو كان الغرض إفادة الظنّ لما دلّ اللّفظ عليه ظاهرا، لزم منه إرادة الظنّ الكاذب، و هو ممتنع.

و عن الثاني: بالمنع من كون المشترك، و المتواطئ، كالعامّ بالنّسبة إلى الاحتمالين.

و عن الاعتراض على الثاني: بالمنع من حصول القطع، بل و من الظنّ مع تطرّق الاحتمال الّذي ذكرناه.

و احتجّت الأشاعرة على جواز التأخير مطلقا فيما له ظاهر و فيما لا ظاهر له بوجوه:

____________

(1). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 3/ 28.

(2). في «أ» و «ب»: يخرج.

451

الأوّل: قوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ. فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ‏ (1) و معنى‏ قَرَأْناهُ‏ أنزلناه إليك، و ثُمَ‏ للتراخي، و هو عامّ في الجميع.

الثاني: و هو خاصّ بالنكرة أنّه تعالى أمر بني إسرائيل بذبح بقرة موصوفة غير منكّرة، ثمّ لم يبيّنها، حتّى سألوا سؤالا بعد سؤال.

أمّا عدم التنكير فلقوله: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها (2) و قوله تعالى: إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَ لا بِكْرٌ (3)، إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ (4)، إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ‏ (5) ينصرف إلى ما أمروا بذبحه من قبل، و هذه الكنايات تدلّ على أنّ المأمور به إنّما هو ذبح بقرة معيّنة.

و لأنّ الصفات المذكورة في جواب السؤال الثاني إمّا أن تكون صفات البقرة الّتي أمروا بذبحها أوّلا، أو صفات بقرة وجبت عليهم عند السؤال، و انتسخ ما كان واجبا قبله.

و الأوّل هو المطلوب.

و الثاني يقتضي وقوع الاكتفاء بالصّفات الأخيرة، و هو باطل إجماعا.

و أمّا عدم البيان قبل السؤال فظاهر.

____________

(1). القيامة: 17- 19.

(2). البقرة: 69.

(3). البقرة: 68.

(4). البقرة: 69.

(5). البقرة: 71.

452

الثالث: و هو يدلّ على تأخير التخصيص أنّه لما نزل قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ‏ (1) قال ابن الزّبعرى‏ (2): قد عبدت الملائكة و عبد المسيح، فهؤلاء حصب جهنم؟ فتأخّر بيان ذلك إلى أن ينزل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى‏ أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ‏ (3).

الرابع: قوله تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ‏ (4) و (ثمّ) للتراخي.

الخامس: قوله تعالى: وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ إِلَيْكَ وَحْيُهُ‏ (5) و أراد به بيانه للناس.

السادس: قول الملائكة: إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ (6) و لم يبيّنوا إخراج لوط و من معه من المؤمنين عن الهلاك بقوله: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَ أَهْلَهُ‏ (7) إلّا بعد سؤال إبراهيم (عليه السلام)، و قوله: إِنَّ فِيها لُوطاً.

____________

(1). الأنبياء: 98.

(2). تقدّمت ترجمته ص 153.

(3). الأنبياء: 101.

(4). هود: 1.

(5). طه: 114.

(6). العنكبوت: 31.

(7). العنكبوت: 32.

453

السابع: أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بعث معاذا إلى اليمن ليعلّمهم الزكاة و غيرها، فسألوه عن الوقص‏ (1)، فقال: «ما سمعت فيه شيئا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حتّى أرجع إليه فأسأله» و هو يدلّ على أنّ بيانه لم يتقدّم.

الثامن: لو كان تأخير البيان ممتنعا، فإمّا أن يعرف بالضرورة، أو النظر، و هما منفيّان، فلا امتناع.

التاسع: لو قبح تأخير البيان، لكان ذلك لعدم تبيّن المكلّف، و ذلك يقتضي قبح الخطاب إذا بيّن له و لم يتبيّن، فإنّه لا فرق في ذلك بين ما إذا امتنع لأمر يرجع إلى نفسه أو غيره، و لهذا يسقط تكليف الإنسان إذا مات، سواء قتل نفسه أو قتله غيره، و اللازم باطل بالإجماع.

العاشر: قوله تعالى: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ (2) الآية، ثمّ بيّن بعد ذلك انّ السّلب للقاتل، و أنّ «ذوي القربى» هم بنو هاشم و بنو المطلب، دون بني أميّة و بني نوفل، لمنعهم من ذلك حتّى سئل عن ذلك، فقال: «إنّا و بنو المطلب لم نفترق في جاهليّة و لا إسلام و لم نزل هكذا» و شبّك بين أصابعه.

الحادي عشر: روي أنّ جبرئيل (عليه السلام) قال للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): اقرأ قال: و ما أقرأ؟

كرّر عليه ثلاث مرّات، ثمّ قال له: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ‏ (3) فأخّر بيان الأمر الأوّل و الثاني إلى الثالث، مع إجماله مع إمكان بيانه أوّلا.

____________

(1). الوقص: ما بين الفريضتين في الزكاة، نحو أن تبلغ الإبل خمسا ففيها شاة، و لا شي‏ء في الزيادة حتّى تبلغ عشرا، فما بين الخمس إلى العشر وقص. لاحظ المعجم الوسيط مادّة «وقص».

(2). الأنفال: 41.

(3). العلق: 1.

454

الثاني عشر: انّه تعالى خاطبنا بإقامة الصلاة، و ايتاء الزكاة، و لم يرد بهما حقائقهما اللغويّة، و لم يقترن بها البيان، بل أخّر بيان أفعال الصلاة و أوقاتها إلى أن ينزل جبرئيل (عليه السلام) بعد ذلك، و بيّنه للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بيّن بعد بيان جبرئيل (عليه السلام) لأمّته.

و كذا في الزكاة بيّن بعد الأمر المطلق مقدار الواجب، و صفته في الأثمان و المواشي و غيرهما.

و كذا آية السّرقة، (1) ورد القطع لليد مطلقا، ثمّ بيّن نصاب القطع و مقدار العضو المقطوع.

و كذا خاطب بالجهاد بقوله تعالى: وَ جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ‏ (2) ثمّ نزل تخصيصه بقوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَ لا عَلَى الْمَرْضى‏ (3) و بيّن العمومات الواردة في البيع و النكاح و الإرث على التدريج، و أوضح ما يصحّ بيعه و ما لا يصحّ، و من يباح نكاحها و يحرم، و صفات العقود و شروطها، و من يرث و من لا يرث، و مقادير المواريث، و نهى عن المزابنة. و شكا إليه الأنصار بعد ذلك، فرخّص في العرايا، و هي نوع من المزابنة، مع أنّه لم يقترن به بيان إجماليّ و لا تفصيليّ.

الثالث عشر: لو امتنع تأخير البيان، فإمّا لذاته، و هو محال، لأنّا لو فرضناه واقعا، لم يلزم منه محال.

____________

(1). وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما المائدة: 38.

(2). التوبة: 41.

(3). التوبة: 91.