نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج4

- العلامة الحلي المزيد...
476 /
55

و إيجادها أوّل مرّة بلا سابق وجود، و بين القدرة على إحيائها من جديد، بل القدرة على الثاني أولى، فإذا ثبتت الملازمة بين القدرتين و المفروض أنّ الملزوم و هي القدرة على إنشائها أوّل مرّة موجودة، فلا بدّ أن يثبت اللازم، و هي القدرة على إحيائها و هي رميم، فأين هو من القياس؟!

و لو صحّت تسمية الاستدلال قياسا، فهو من باب القياس الأولوي الذي فرغنا عن كونه خارجا عن مورد النزاع.

و يدلّ على ذلك أنّه سبحانه لم يقتصر على هذا البرهان، بل أشار إلى سعة قدرته بآية أخرى بعدها و قال: أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى‏ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى‏ وَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ. (1)

و الآيات كسبيكة واحدة، و الهدف من ورائها تنبيه المخاطب على أنّ استبعاد إحياء العظام الرميمة في غير محلّه، إذ لو كانت قدرته سبحانه محدودة لكان له وجه، و أمّا إذا وسعت قدرته كلّ شي‏ء بشهادة أنّه خلق الإنسان و لم يكن شيئا مذكورا، و خلق السماوات و الأرض و خلقها أعظم من الإنسان، لكان أقدر على معاد الإنسان و إحياء عظامه الرميمة.

و ليس كلّ استدلال عقلي، قياسا.

و ثانيا: لو سلّمنا بدلالة الآية على حجّية القياس، فإنّ مصبّها هو قياس الأمور الكونيّة بعضها ببعض فيما إذا كانت الجهة المشتركة بين المقيس و المقيس عليه أمرا واضحا، كالشمس في رائعة النهار، و أين هذا من القياس‏

____________

(1). يس: 81.

56

في الأمور التشريعية الاعتبارية في الموارد الّتي يصل المجتهد فيها إلى الجهة المشتركة بالسبر و التقسيم و ربّما بالظن بوجود العلة المشتركة، فتعميم مفاد الآية، إلى التشريع لا يصحّ إلّا بضرب من القياس، و الاستدلال عليه بالآية عندئذ يستلزم الدور، كما مرّ نظيره.

الآية الرابعة: آية جزاء الصيد

قال سبحانه: لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ. (1)

[وجه الاستدلال:]

قال الشافعي: فأمرهم بالمثل، و جعل المثل إلى عدلين يحكمان فيه، فلمّا حرّم مأكول الصيد عامّا، كانت لدوابّ الصيد أمثال على الأبدان. فحكم من حكم من أصحاب رسول اللّه على ذلك، فقضى في الضّبع بكبش، و في الغزال بعنز، و في الأرنب بعناق، و في اليربوع بجفرة. (2)

و العلم يحيط أنّهم أرادوا في هذا، المثل بالبدن لا بالقيم، و لو حكموا على القيم اختلفت أحكامهم، لاختلاف أثمان الصيد في البلدان، و في الأزمان و أحكامهم فيها واحدة.

و العلم يحيط أنّ اليربوع ليس مثل الجفرة في البدن، و لكنّها كانت‏

____________

(1). المائدة: 95.

(2). العناق، هي الأنثى من أولاد المعز، ما لم يتمّ له سنة، و الجفرة ما لم يبلغ أربعة أشهر، و فصل عن أمّها و أخذ في الرعي.

57

أقرب الأشياء منه شبها، فجعلت مثله، و هذا من القياس، يتقارب تقارب العنز و الظبي، و يبعد قليلا بعد الجفرة من اليربوع. (1)

يلاحظ عليه أوّلا: أنّ الآية تدلّ على أنّه يشترط في الكفّارة أن تكون مماثلة لما قتله من النعم إمّا مماثلة في الخلقة كما هو المشهور أو المماثلة في القيمة كما هو المنقول عن إبراهيم النخعي، و على أيّ تقدير فلا صلة له بحجّية القياس في استنباط الأحكام الشرعية و كونه من مصادرها، لأنّ أقصى ما يستفاد من الآية أنّ المحرم إذا قتل الصيد متعمّدا فجزاؤه هو ذبح ما يشبه الصيد في الخلقة كالبدنة في قتل النعامة، و البقرة في قتل الحمار الوحشي و هكذا، و هل اعتبار التشابه في مورد يكون دليلا على أنّ الشارع أخذ به في جميع الموارد، أو يقتصر بمورده و لا يصحّ التجاوز عن المورد إلّا بالقول بالقياس غير الثابت إلّا بهذه الآية، و هل هذا إلّا دور واضح؟

إنّ وزان التمسّك بالآية في حجّية القياس نظير الاستدلال عليها بقول الفقهاء في ضمان المثلي بالمثلي و القيمي بالقيمي، حيث اقتصر في براءة الذمّة، بالمماثلة، في العين أو قيمتها.

و ثانيا: أنّ محطّ البحث هو كون القياس من مصادر التشريع للأحكام الشرعية الكلّية، و أين هذا من كون التشابه معيارا في تشخيص مصداق الواجب على الصائد؟

____________

(1). الرسالة: 490- 491.

58

و ربّما يستدلّ بالآية بوجه آخر، و هو انّه سبحانه أوجب المثل و جعل طريق تشخيص المماثلة هو الظن.

يلاحظ عليه: أنّ حجّية الظنّ في مورد لا يكون دليلا على اعتباره في سائر الموارد كما سيوافيك.

و قد استدلّ الشوكاني بوجه ثالث قريب من الوجه الثاني، و هو انّه سبحانه أوجب المثل و لم يقل أيّ مثل فوكّل ذلك إلى اجتهادنا و رأينا، نظيره أنّه أمر بالتوجّه إلى القبلة بالاستدلال و قال: حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ. (1)

يلاحظ عليه: أنّ الشارع و إن ترك لنا تشخيص الموضوعات، إلّا أنّه جعل لها طرقا كالبيّنة، و قال «يحكم به ذوا عدل» مضافا إلى الطرق العلمية في مورد القبلة.

ثمّ إنّ القوم استدلّوا بآيات أخرى تفتقد كثيرا إلى الدلالة، فالأولى صرف عنان الكلام إلى الاستدلال بالسنّة.

____________

(1). البقرة: 144.

59

الاستدلال بالسنّة

استدلّ مثبتو القياس بروايات متعدّدة، نذكر منها ما يصلح للدراسة في بدء النظر و نضرب صفحا عمّا لا يصلح لها.

1. حديث معاذ بن جبل‏

احتجّ غير واحد من مثبتي القياس بحديث معاذ. فقد روي أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لمّا بعث معاذا إلى اليمن قال له: بم تحكم؟ قال: بكتاب اللّه، قال:

فإن لم تجد؟ قال: بسنّة رسول اللّه، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي و لا آلو، قال: الحمد للّه الّذي وفّق رسول رسول اللّه لما يرضي اللّه و رسوله.

يقول الشلبي: هذا الحديث أقرّ مبدأ الاجتهاد بالرأي، حيث لا يوجد نصّ من القرآن و السنّة، و الاجتهاد بالرأي عام شامل للقياس و غيره، فيكون القياس مشروعا بإذن رسول اللّه. (1)

هذا و يظهر من الإمام الشافعي أنّ الاجتهاد يساوي القياس و ليس أعمّ منه. قال: فما القياس؟ أ هو الاجتهاد أم هما مفترقان؟ ثمّ أجاب: أنّهما اسمان لمعنى واحد.

____________

(1). أصول الفقه الإسلامي: 200.

60

و قال في موضع آخر: أمّا الكتاب و السنّة فيدلّان على ذلك، لأنّه إذا أمر النبيّ بالاجتهاد، فالاجتهاد أبدا لا يكون إلّا على طلب شي‏ء، و طلب الشي‏ء لا يكون إلّا بدلائل، و الدلائل هي القياس. (1)

و قال أبو الحسين البصري: وجه الاستدلال به أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) صوّبه في قوله: أجتهد رأيي عند الانتقال من الكتاب و السنّة، فعلمنا أنّ قوله: أجتهد رأيي، لم ينصرف إلى الحكم بالكتاب و السنّة. (2)

يلاحظ عليه:

أمّا أوّلا: فإنّ الاستدلال بحديث معاذ فرع صحّة السند و إتقان الدلالة.

و من سوء الحظ أنّ السند مخدوش و الدلالة مثله.

أمّا السند فينتهي إلى الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة، عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص. (3)

قال البخاري: لا يصحّ حديثه. و قال الذهبي: تفرّد به أبو عون محمد ابن عبيد اللّه الثقفي عن الحارث بن عمرو الثقفي ابن أخي المغيرة، و ما روى عن الحارث غير ابن عون، فهو مجهول. (4)

نعم ربّما يحاول تصحيح الحديث بما ذكره الغزالي بقوله: «إنّ الأمّة

____________

(1). الرسالة: 477 و 505.

(2). المعتمد: 2/ 222.

(3). مسند أحمد: 5/ 230؛ سنن الدارمي: 170؛ سنن أبي داود: 3/ 303 برقم 3593؛ سنن الترمذي: 3/ 616 برقم 1328.

(4). ميزان الاعتدال: 1/ 439 برقم 1635.

61

تلقّته بالقبول». و لكن خفي عليه أنّ الاستدلال به على القياس جعله مشهورا، و تصوّر أنّ الأمّة تلقّته بالقبول، حتّى أنّ الجوزجاني قد أورده في «الموضوعات» و قال: هذا حديث باطل، رواه جماعة عن شعبة، و قد تصفّحت هذا الحديث في أسانيد الكبار و الصغار، و سألت من لقيته من أهل العلم بالنقل عنه، فلم أجد له طريقا غير هذا ... إلى أن قال: فإن قيل: إنّ الفقهاء قاطبة أوردوه و اعتمدوا عليه. قيل: هذا طريقه و الخلف قلّد السلف. (1)

و أمّا الدلالة- إذا افترضنا صحّة الحديث- فيلاحظ عليها أنّها مبنيّة على مساواة الاجتهاد بالقياس أو شموله له، و كلا الأمرين ممنوعان، بل الظاهر أنّ المراد من الاجتهاد هو الاجتهاد في كتاب اللّه و سنّة رسوله حتّى يتوصّل إلى حكم اللّه عن طريقهما.

فإن قلت: لا يصحّ تفسير الاجتهاد في الحديث، بالاجتهاد في كتاب اللّه و سنّة رسوله، لأنّ الفقيه إنّما ينتهي إلى الاجتهاد بعد ما لم يجد حكم الموضوع في كتاب اللّه و سنّة رسوله، و عندئذ لا معنى أن يفسّر قوله:

«اجتهد رأيي» أي اجتهد في كتاب اللّه و سنّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

قلت: الأحكام الواردة في القرآن و السنّة على قسمين:

قسم موجود في ظواهر الكتاب و السنّة و لا يحتاج في الوقوف عليه إلى بذل الجهد، بل يعرفه كلّ من يعرف اللغة.

____________

(1). عون المعبود شرح سنن أبي داود: 9/ 510.

62

و قسم منه غير موجود في ظواهر الكتاب و السنّة لكن يمكن التوصّل إليها عن طريقهما بالتدبّر فيهما، و هذا هو الاجتهاد الدارج بين العلماء.

فأين هذا من القياس الّذي ورد فيه النصّ على حكم الأصل دون الفرع؟!

قال المرتضى: لا ينكر أن يكون معنى قوله: «أجتهد رأيي» أي أجتهد حتّى أجد حكم اللّه تعالى في الحادثة، من الكتاب و السنّة، إذ كان في أحكام اللّه فيهما ما لا يتوصّل إليه إلّا بالاجتهاد، و لا يوجد في ظواهر النصوص فادّعاؤهم أنّ إلحاق الفروع بالأصول في الحكم لعلّة يستخرجها القياس، هو الاجتهاد الّذي عناه في الخبر، ممّا لا دليل عليه و لا سبيل إلى تصحيحه. (1)

و الحاصل: أنّ الاستدلال بالحديث مبني على اختصاص الاجتهاد بالقياس أو شموله له و هو موضع شكّ، بل القدر المتيقّن من الحديث هو الاجتهاد المألوف في عصر النبي، و هو بذل الجهد في فهم الكتاب و السنّة و ما عليه المسلمون.

و ثانيا: كان مصب القضاء غالبا هو الشبهات الموضوعية دون الحكمية، و يمكن فصل الخصومة فيها بقاعدة العدل و الإنصاف، أو بما هو المعروف بين العرف و العقلاء، ممّا يرضى به المتخاصمان، و أين هو من القياس في الأحكام الشرعية؟!

و ثالثا: أنّ تجويز القياس في القضاء لا يكون دليلا على تجويزه في‏

____________

(1). الذريعة: 2/ 776.

63

الإفتاء، لأنّ القضاء أمر لا يمكن تأخيره، بخلاف الإفتاء، فالاستدلال بجواز القياس في القضاء على جوازه في الإفتاء، مبنيّ على صحّة القياس، و هو دور واضح.

و رابعا: أنّ القضاء منصب خطر، إذ به تصان الدماء و الأعراض و الأموال، كما به تباح النواميس و الشئون الخطيرة، فهل يمكن أن يبعث النبي رجلا و يخوّل له النبي التصرف في مهام الأمور، بإعمال الرأي من دون أن يحدّده على وجه يصونه عن الخطأ و مجانبة الواقع، و القائلون بحجّية القياس ذكروا لإعماله شروطا و موانع لم يكن معاذ يعرف معشارها، و معه كيف بعثه و قرر عمله بالقياس و هو غير عارف بالشروط و الموانع؟! و هذا إن دلّ على شي‏ء فإنّما يدلّ على أنّ المراد من الاجتهاد هو استخراج حكم الواقعة من المصدرين- الكتاب و السنّة- بالتأمّل فيهما، لا إعمال الرّأي بأقسامه المختلفة الّتي ربّما لا تمس الواقع غالبا.

و هذا يكشف عن وجود خصوصية في معاذ تصدّه عن استعمال الرأي الخارج عن حدود الكتاب و السنّة، و إلّا لما خوّله أمر القضاء من دون تحديده.

و يشهد على ما ذكرنا ما حكي من سيرة معاذ حيث إنّه لم يكن يجتهد برأيه في الأحكام و إنّما كان يتوقّف حتّى يسأل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

روى يحيى بن الحكم أنّ معاذا قال: بعثني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أصدّق أهل اليمن، و أمرني أن آخذ من البقر من كلّ ثلاثين تبيعا، و من كلّ أربعين‏

64

مسنّة قال: فعرضوا عليّ أن آخذ من الأربعين فأبيت ذاك، و قلت لهم: حتّى أسأل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن ذلك.

فقدمت، فأخبرت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فأمرني أن آخذ من كلّ ثلاثين تبيعا، و من كلّ أربعين مسنّة. (1)

فإذا كانت هذه سيرته فكيف يقضي بالظنون و الاعتبارات؟!

2. حديث الخثعمي‏

أخرج النسائي عن عبد اللّه بن الزبير قال جاء رجل من خثعم إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: إنّ أبي شيخ كبير لا يستطيع الركوب و أدركته فريضة اللّه في الحجّ فهل يجزئ أن أحجّ عنه؟ قال: أنت أكبر ولده، قال: نعم، قال:

أ رأيت لو كان عليه دين أ كنت تقضيه؟ قال: نعم، قال: فحجّ عنه. (2)

و أخرج النسائي عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول اللّه إنّ أبي مات و لم يحجّ أ فأحج عنه؟ قال: أ رأيت لو كان على أبيك دين أ كنت قاضيه؟

قال: نعم، قال: فدين اللّه أحقّ. (3)

و أخرج النسائي عن عبد اللّه بن عباس: أنّ رجلا سأل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّ أبي أدركه الحجّ و هو شيخ كبير لا يثبت على راحلته فإن شددته خشيت أن‏

____________

(1). مسند أحمد: 5/ 240؛ المسند الجامع: 15/ 230.

(2). سنن النسائي: 5/ 117، باب تشبيه قضاء الحج بقضاء الدين.

(3). المصدر نفسه.

65

يموت، أ فأحجّ عنه؟ قال: أ رأيت لو كان عليه دين فقضيته أ كان مجزئا؟ قال:

نعم. قال: فحجّ عن أبيك. (1)

و قد استدلّ بهذا الحديث بصورة المختلفة الّتي رواها النسائي و غيره، على حجّية القياس.

يقول السرخسي: هذا تعليم المقايسة و بيان لطريق إعمال الرأي. (2)

و قال الآمدي: إنّه ألحق دين اللّه بدين الآدمي في وجوب القضاء و نفعه، و هو عين القياس. (3)

[يلاحظ عليه:]

يلاحظ على الاستدلال بهذا الحديث بصورة المختلفة بوجهين:

الأوّل: أنّ القياس الوارد في كلام النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من باب القياس الأولوي، و ذلك لأنّه إذا وجب الوفاء بحقوق الناس حسب النص فحقوق اللّه أولى بالقضاء و الوفاء- كما نصّ عليه النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الحديث- و أين هذا من مورد النزاع؟! و قد تقدّم أنّ القياس الأولويّ عمل بالنصّ، لأنّه مدلول عرفي و ليس عملا بالقياس.

الثاني: أنّ القياس من أقسام الاستنباط و هو استخراج حكم الفرع من الأصل بالدقّة و إعمال النظر و بعد التأنّي و التفكير، و ذلك لأنّ الحكم يكون في الأصل منصوصا، و في الفرع غير منصوص، فيستنبط حكم الفرع من دليل الأصل بفضل القياس.

____________

(1). المصدر نفسه.

(2). أصول الفقه: 2/ 130.

(3). الإحكام: 3/ 78.

66

و لكن المقام يفقد هذا الشرط، فإنّ الأصل و الفرع على صعيد واحد، و منضويان تحت ضابطة واحدة، و هي وجوب قضاء الدين.

فإنّ اسم الدين يقع على الحجّ كوقوعه على المال، و إذا كان كذلك دخل في قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ‏ (1). و مع التنبيه على العلّة قد أثبت الحكم في الفرع و الأصل معا، و ما هذا حاله لا يدخل في القياس. (2)

و إن شئت قلت: إنّ المخاطب كان يحضره حكم أحد الموردين دون الآخر، فأرشده النبي إلى ما كان يحضره من قضاء دين الناس، حتّى ينتقل إلى حكم ما لا يحضره، بحجة أنّ الموردين من أقسام الضابطة الكلية، أعني: وجوب أداء الحق ممّن عليه، إلى من له، من غير فرق بين كونه من حقوق اللّه أو حقوق الناس.

إنّ ما ورد في هذه الأحاديث ليس من القياس في شي‏ء، بل من قبيل تطبيق الكبرى على الصغرى. فالكبرى- و هي مطوية- «كلّ دين يقضى» هي في واقعها أعمّ من ديون اللّه و ديون الآدميين، و قد طبقها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على دين اللّه لأبيه، فحكم بلزوم القضاء، و أين هذا من القياس المصطلح؟ (3)

إنّ المقام أشبه بما يقال: إنّ من شرائط الاستدلال بالقياس أن لا

____________

(1). النساء: 11.

(2). انظر عدّة الأصول: 2/ 718.

(3). الأصول العامّة للفقه المقارن: 329.

67

يتناول دليل الأصل، إثبات الحكم في الفرع، و إلّا لغى التمسّك بالعلّة المشتركة، كما إذا قيل: النبيذ حرام بجامع الإسكار الموجود في الخمر، فإنّ دليل الأصل كاف في إثبات الحكم له من دون حاجة إلى التعليل، و هو قوله:

«كلّ مسكر خمر و كلّ مسكر حرام». (1)

وجه الشبه: انّ الكبرى الشرعية: «يجب قضاء الدين» يتناول حكم الفرع كما يتناول حكم الأصل، غير أنّ المخاطب كان غافلا عن أحد الفردين، نبّه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بأنّه مثل حق الناس يجب قضاؤه.

3. حديث عمر

عن جابر بن عبد اللّه، عن عمر بن الخطاب، قال: هششت فقبّلت و أنا صائم، فقلت: يا رسول اللّه أتيت أمرا عظيما قبّلت و أنا صائم، فقال: «أ رأيت لو تمضمضت من الماء و أنت صائم؟» فقلت: لا بأس بذلك، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ففيم». (2)

قال السرخسي: هذا تعليم المقايسة، فإنّ بالقبلة يفتتح طريق اقتضاء الشهوة و لا يحصل بعينه اقتضاء الشهوة، كما أنّ بإدخال الماء في الفم يفتح طريق الشرب و لا يحصل به الشرب. (3)

و قال ابن قيّم الجوزية: و لو لا أنّ حكم المثل حكم مثله، و أنّ المعاني‏

____________

(1). انظر: مباحث العلّة في القياس: 225.

(2). سنن أبي داود: 2/ 311، كتاب الصوم رقم 2385؛ مسند أحمد: 1/ 21.

(3). أصول الفقه: 2/ 130.

68

و العلل مؤثرة في الأحكام نفيا و إثباتا، لم يكن لذكر هذا التشبيه معنى، فذكر ليدلّ به على أنّ حكم النظير حكم مثله، و أنّ نسبة القبلة الّتي هي وسيلة للوطء كنسبة وضع الماء في الفم الّذي هو وسيلة إلى شربه، فكما أنّ هذا الأمر لا يضرّ، فكذلك الآخر. (1)

يلاحظ عليه:

أوّلا: أنّ الحديث يمكن الاستدلال به على بطلان القياس لا على إثباته، لأنّ عمر ظنّ أنّ القبلة تبطل الصوم قياسا على الجماع، لاشتراكهما في كونهما من أسباب الالتذاذ الجنسي، فردّ عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بأنّ الأشياء المماثلة المتقاربة لا تتساوى أحكامها.

و ثانيا: أنّ القياس عبارة عن استفادة حكم الفرع من حكم الأصل، بحيث يستمد الفرع حكمه من الأصل، و ليس المقام كذلك، بل كلاهما على مستوى واحد كغصني شجرة.

و إن شئت قلت: إنّ المبطل هو الشرب لا مقدّمته (المضمضة)، كما أنّ المبطل هو الجماع لا مقدّمته (القبلة)، فبما أنّ المخاطب كان واقفا على ذلك الحكم في الشرب، دون الجماع، أرشده النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى تشبيه القبلة بالمضمضة إقناعا للمخاطب، لا استنباطا للحكم من الأصل.

و كم فرق بين كون المتكلم في مقام استنباط حكم الفرع من الأصل،

____________

(1). إعلام الموقعين: 1/ 199.

69

و كونه في مقام إرشاد المخاطب إلى حكم اللّه و إقناعه بالمثال؟ و هذا المورد و ما تقدّم من قبيل الثاني دون الأوّل.

4. حديث الأعرابي‏

روى البخاري عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) جاءه أعرابيّ فقال:

يا رسول اللّه إنّ امرأتي ولدت غلاما أسود (و إني أنكرته)، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «هل لك من إبل؟» قال: نعم، قال: «ما ألوانها؟» قال: حمر، قال:

«هل فيها من أورق‏ (1)»؟ قال: نعم، قال: «فأنّى كان ذلك؟»، قال: أراه عرق نزع، قال: «فلعلّ ابنك هذا عرق نزعه‏ (2)». (3)

يلاحظ عليه:

أوّلا: أنّ الأصل المقرر في الشرع هو أنّ الولد للفراش، و لمّا كان الأعرابي بصدد نفي الولد بحجة عدم التوافق في اللون حاول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن يبطل حجته بأنّ عدم التوافق لا يكون دليلا على عدم ولادته منه، و ذلك لأنّه يوجد نظير ذلك في الحيوانات، فربّما تلد الإبل الحمر ولدا أورق يغاير لونه لون والديه. و أين هذا من القياس؟

و إن شئت قلت: الحديث بصدد رفع استبعاده و إقناعه و إزالة شكّه ببيان انّ هذه القاعدة (لزوم التوافق في اللون) ليست ضابطة كلية، بل ربّما تنتقض كما في الأورق من الإبل.

____________

(1). الأورق: الإبل الأسود غير الحالك، أي الّذي يميل إلى الغبرة.

(2). نزع: أي رجع إليه.

(3). صحيح البخاري: 8/ 173، كتاب الحدود.

70

و ثانيا: أنّ القياس يتشكّل من أصل و فرع وجهة جامعة، و عندئذ يقاس الفرع على الأصل، و على ضوء هذا فما هو الأصل في الرواية و ما هو الفرع؟!

فهل ولادة الإبل أصل و ولادة الإنسان فرع، مع أنّ كلا النوعين في الإيلاد و اللقاح سواء؟

يقول ابن حزم: و هل من قال: إنّ توالد الناس مقيس على توالد الإبل، إلّا بمنزلة من قال: إنّ صلاة المغرب إنّما وجبت فرضا، لأنّها قيست على صلاة الظهر، و إنّ الزكاة إنّما وجبت قياسا على الصلاة. (1)

و حصيلة الكلام:

أوّلا: أنّ هذه الروايات روايات أحادية لا تفيد العلم اليقين، فكيف يمكن أن يستدلّ بما لا يفيده في المقام؟ و قد عرفت أنّ الأصل في العمل بالظن و منه القياس هو الحرمة، فلا يخرج عن الأصل إلّا بدليل قطعي.

و ثانيا: أنّ هذه الأحاديث ليست بصدد الاستدلال على الحكم الشرعي، بل بصدد رفع الاستبعاد و إرشاد الطرف إلى الحكم الشرعي بأسهل الطرق، و حاشا أن يكون النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد استدلّ بالقياس على الحكم الشرعي، فإنّه عالم بعامّة الأحكام عن طريق الوحي، و قد وصفه سبحانه‏

____________

(1). الإحكام في أصول الاحكام: 7/ 413.

71

بقوله: وَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً. (1)

و فضله سبحانه على نبيّه هو علمه، فمن وصف علمه بالعظمة، فهو غني عن أن يلتجئ إلى القياس، و إنّما ابتغى (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في هذه الموارد رفع الاستبعاد عن المخاطب أو إرشاده إلى الحكم الشرعي بأسهل الطرق.

و قد استدلّوا بروايات غير صحيحة و لا ظاهرة في المقصود أعرضنا عن ذكرها، و نتطرق هنا إلى استدلالهم بالعقل.

الاستدلال على حجّية القياس بالدليل العقلي‏

و يقرر بوجوه:

[الوجه‏] الأوّل: وحدة المناط تقتضي وحدة الحكم‏

إنّه سبحانه ما شرّع حكما إلّا لمصلحة، و أنّ مصالح العباد هي الغاية المقصودة من تشريع الأحكام، فإذا ساوت الواقعة المسكوت عنها، الواقعة المنصوص عليها في علّة الحكم الّتي هي مظنّة المصلحة، قضت الحكمة و العدالة أن تساويها في الحكم، تحقيقا للمصلحة التي هي مقصود الشارع‏

____________

(1). النساء: 113.

72

من التشريع، و لا يتّفق و عدل اللّه و حكمته أن يحرّم الخمر لإسكارها محافظة على عقول عباده، و يبيح نبيذا آخر فيه خاصيّة الخمر، و هي الإسكار، لأنّ مآل هذا، المحافظة على العقول من مسكر، و تركها عرضة للذهاب بمسكر آخر. (1)

يلاحظ عليه:

أنّ الكبرى مسلّمة، و هي أنّ أحكام الشرع تابعة للمصالح و المفاسد، إنّما الكلام في إمكان وقوف الإنسان على مناطات الأحكام و عللها على وجه لا يخالف الواقع قيد شعرة، و أمّا قياس النبيذ على الخمر فهو خارج عن محلّ الكلام، لأنّا نعلم علما قطعيا بأنّ مناط حرمة الخمر هو الإسكار، و لذلك روي عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) أنّه سبحانه حرّم الخمر و حرّم النبيّ كلّ مسكر. (2) و لو كانت جميع الموارد من هذا القبيل لما اختلف في حجّية القياس اثنان.

و لأجل إيضاح هذا المعنى، و تبيان أنّ المكلّف ربّما لا يصل إلى مناطات الأحكام، نقول:

إذا نصّ الشارع على حكم و لم ينصّ على علّته و مناطه، فهل للمجتهد التوصّل إلى معرفة ذلك الحكم عن طريق السبر و التقسيم بأن يحصر الأوصاف الّتي توجد في واقعة الحكم، و تصلح لأنّ تكون العلّة واحدة منها، و يختبرها وصفا وصفا، و بواسطة هذا الاختبار يستبعد الأوصاف الّتي لا يصحّ أن تكون علّة، و يستبقي ما يصحّ أن يكون علّة،

____________

(1). مصادر التشريع الإسلامي: 34- 35.

(2). الكافي: 1/ 266.

73

و بهذا الاستبعاد و هذا الاستبقاء يتوصّل إلى الحكم بأنّ هذا الوصف هو العلّة؟

و لكن في هذا النوع من تحليل المناط إشكالات واضحة مع غضّ النظر عن النهي الوارد عن العمل بالقياس:

أوّلا: نحتمل أن تكون العلّة عند اللّه غير ما ظنّه بالقياس، فمن أين نعلم بأنّ العلّة عندنا و عنده واحدة؟

ثانيا: لو افترضنا أنّ المقيس أصاب في أصل التعليل، لكن من أين نعلم أنّها تمام العلّة، فلعلّها جزء العلّة و هناك جزء آخر منضمّ إليه في الواقع و لم يصل المقيس إليه؟

ثالثا: نحتمل أن تكون خصوصية المورد دخيلة في ثبوت الحكم، مثلا لو علمنا بأنّ الجهل بالثمن علّة موجبة شرعا في فساد البيع، و لكن نحتمل أن يكون الجهل بالثمن في خصوص البيع علّة، فلا يصحّ لنا قياس النكاح عليه، إذا كان المهر فيه مجهولا، فالعلّة هي الجهل بالثمن، لا مطلق الجهل بالعوض حتّى يشمل المهر، و مع هذه الاحتمالات لا يمكن القطع بالمناط.

و قد ورد على لسان أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) النهي عن الخوض في تنقيح المناط.

و تجلية للأمر، نذكر هذا المثال، و هو أنّ الجارية تحت العبد إذا أعتقت فلها الخيار إن شاءت مكثت مع زوجها، و إن شاءت فارقته، أخذا

74

بالسنّة حيث إنّ «بريدة» كانت تحت عبد، فلمّا أعتقت، قال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «اختاري فإن شئت أن تمكثي تحت هذا العبد، و إن شئت أن تفارقيه». (1)

و قياسا على ذلك، قالت الحنفية بأنّ الجارية تحت الحرّ إذا أعتقت لها الخيار كالمعتقة تحت العبد، لاشتراكهما في كونهما جاريتين اعتقتا، و لكن من أين علم أنّ الانعتاق تمام المناط للحكم؟ فلعلّ كونها تحت العبد و افتقاد المماثلة جزء العلّة؟ فما لم يقطع بالمناط لا يمكن إسراء الحكم، و هذا هو الّذي دعا الشيعة إلى التحذير من خطورة العمل بالقياس و طرح تخريج المناط الظني الّذي لا يغني من الحقّ شيئا.

الثاني: النصوص متناهية و الوقائع غير محدودة

إنّ نصوص القرآن و السنّة محدودة و متناهية، و وقائع الناس و أقضيتهم غير محدودة و لا متناهية، فلا يمكن أن تكون النصوص المتناهية وحدها مصادر تشريعية لما لا يتناهى.

و بعبارة أخرى: القياس هو المصدر التشريعي الذي يساير الوقائع المتجدّدة، و يكشف حكم الشريعة فيما يقع من الحوادث، و يوفّق بين التشريع و المصالح. (2)

____________

(1). الكافي: 1/ 266، برقم 4.

(2). مصادر التشريع الإسلامي: 35، انظر المنخول: 327 و 359.

75

يلاحظ عليه:

أوّلا: أنّ عدم إيفاء النصوص عند أهل السنّة بالإجابة عن جميع الأسئلة المتكثّرة، لا يكون دليلا على حجّية القياس، فربّما تكون الحجّة غيره، إذ غاية ما في الباب أنّ عدم الوفاء يكون دليلا على أنّ الشارع قد حلّ العقدة بطريق ما، و أمّا أنّ هذا الطريق هو القياس، فلا يكون دليلا عليه.

إنّ فقهاء السنّة لو رجعوا إلى الطرق و الأمارات و الأصول العملية الأربعة (1) الّتي مضى الإيعاز إليها في الباب الأوّل لاستغنوا عن اعتبار القياس، و هذه الضوابط و الأمارات واردة في حديث أئمّة أهل البيت عن جدّهم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و القوم لما أعرضوا عن أحد الثقلين- أعني: العترة الطاهرة في حديث الرسول- وقعوا في هذا المأزق و زعموا انّ النصوص غير وافية ببيان الأحكام غير المتناهية، و قد غفلوا انّ غير المتناهي هي الجزئيات و المصاديق، و هو لا يوجد مشكلة إذا كانت الضوابط العامة قادرة على إعطاء حكمها.

و ثانيا: أنّ المستدلّ اتّخذ المدّعى دليلا و قال: «و القياس هو المصدر التشريعي الذي يساير الوقائع المتجدّدة»، مع أنّ الكلام في أنّ القياس هل هو مصدر تشريعيّ حتّى نأخذ به في مسايرته مع الوقائع المتجدّدة أو لا؟ و مجرّد كونه يساير الحوادث لا يكون دليلا على كونه حجّة، فانّ القوانين الوضعيّة في الغرب تساير الوقائع أيضا، فهل يصحّ لنا أخذها بذلك الملاك؟!

____________

(1) البراءة، الاحتياط، التخيير، الاستصحاب.

76

إنّ العمل بالقياس- ما لم يدعمه دليل قطعي- تشريع و بدعة و إدخال في الدين ما لم يعلم كونه منه، فهل ثمّة ضرورة لاقتحام البدعة مع إمكان الخروج من المأزق بروايات أئمّة أهل البيت الذين هم عدل الكتاب و قرناؤه في حديث الثقلين؟ و هل أنّ رواياتهم و أحاديثهم (عليهم السلام) المتصلة الإسناد برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و المستقاة من ينبوع علمه، أقلّ منزلة من القياس الظنّي؟!

الثالث: في العمل بالقياس دفع للضرر المظنون‏

القياس يفيد الظنّ بالحكم و هو يلازم الظنّ بالضرر فيجب دفعه.

قال الرازي: إنّ من ظنّ أنّ الحكم في الأصل معلّل بكذا و علم أو ظنّ حصول ذلك الوصف في الفرع، وجب أن يحصل له الظنّ بأنّ حكم الفرع مثل حكم الأصل. و معه علم يقيني بأنّ مخالفة حكم اللّه تعالى سبب العقاب، فتولّد من ذلك الظن، و هذا العلم، ترك العمل به سبب للعقاب، فثبت أنّ القياس يفيد ظن الضرر. (1)

و قال الأرموي: العمل بالقياس دفع ضرر مظنون، و أنّه واجب.

فيكون العمل بالقياس واجبا.

أمّا الأوّل: فلأنّه إذا ظن تعليل الحكم في الأصل بوصف، و ظن أنّ ذلك الوصف موجود في الفرع، فحينئذ يظن أنّ ذلك الحكم ثابت في الفرع. و عنده علم «أنّ مخالفة حكم اللّه سبب للعقاب». فيتولد من هذا

____________

(1). المحصول: 2/ 288.

77

«العلم» و ذلك «الظن» ظن أنّ خلاف القياس ضرر، و العمل يدفع ذلك.

و أمّا الثاني:- أي أنّ دفع الضرر واجب فواضح عند العقل- (1)

يلاحظ عليه:

أنّ الرازي و الأرموي خلطا بين موردي القاعدتين العقليتين المحكمتين:

1. قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

2. وجوب دفع الضرر المظنون بل المحتمل.

فإنّ القاعدتين لا غبار عليهما لكن لم يعرفا موردهما.

أمّا القاعدة الأولى، فهي قاعدة محكمة دلّ العقل و النقل على صحّتها، و دلالة العقل واضحة فإنّ استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان شي‏ء لا ينكر، و أمّا دلالة النقل فيكفي قوله سبحانه: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا. (2) و بعث الرسول كناية عن إتمام الحجّة و بيان التكليف.

فإذا لم يرد في واقعة دليل شرعي على الحرمة أو الوجوب يستقل العقل بقبح عقاب المكلّف إذا خالف ما ظنّ أنّه هو الحكم فيها، و ذلك لأنّ ما يترتب عليه إمّا أن يكون ظنا بالضرر الأخروي، أو ظنا بالضرر الدنيوي.

أمّا الضرر الأخروي فهو مقطوع الانتفاء بحكم تقبيح العقل مثل ذلك العقاب و تأييد الشرع له، ففي مثل ذلك المورد لا يكون الظن بالحرمة أو

____________

(1). الحاصل من المحصول: 3/ 119. لاحظ ذيل كلامه في أنّ دفع الضرر واجب، فقد أطال الكلام بما لا حاجة إليه.

(2). الإسراء: 15.

78

الوجوب، ملازما للظن بالضرر أبدا، لعدم تمامية الحجّة على المكلّف.

و أمّا الضرر الدنيوي، فهو و إن كان ملازما للظنّ بالحكم غالبا، نظرا إلى تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد، لكنّه ليس بواجب الدفع إلّا إذا كان ضررا عظيما لا يتحمل، ففي مثله يستقل العقل بدفعه.

و حصيلة الكلام: أنّ القياس لما لم تثبت حجّيته فالظن بالحكم لأجله، لا يلازم الظن بالضرر الأخرويّ أبدا، و أمّا الضرر الدنيوي فهو و إن كان يلازمه غالبا، لكنّه غير واجب الدفع دائما إلّا في المورد الذي ذكرناه.

و نتيجة ما تقدّم، هي: انّ الظنّ الحاصل بالحكم لأجل القياس الذي لم تثبت حجّيته لا يكون ملازما للظن بالعقوبة و لا يكون داخلا في قاعدة «لزوم دفع الضرر المظنون».

و أمّا القاعدة الثانية الّتي زعم الرازي أنّ المقام من مصاديقها و جزئياتها، فموردها ما إذا قام الدليل على الحكم الكلي، و على وجود الموضوع له، فعندئذ يجب دفع الضرر بصورة الثلاث:

أ. تارة يكون الضرر (العقاب) مقطوعا، كما إذا علم بأنّ الخمر حرام و انّ هذا المائع خمر.

ب. و أخرى يكون الضرر مظنونا، كما إذا علم بأنّ الخمر حرام، و علم أنّ أحد الإناءين خمر، فشرب أحدهما- لا كليهما- مظنة للضرر الأخروي.

ج. و ثالثة يكون الضرر (العقاب) مشكوكا، كما إذا تردّد الخمر بين أوان عشر، فشرب أحدها، يكون محتملا للضرر.

79

فالضرر بتمام صوره واجب الدفع للعلم بالكبرى، أعني: الحكم الكلّي، و العلم بالموضوع معينا أو مردّدا بين إناءين أو أوان كثيرة.

فاللازم على الفقيه تنقيح مصاديق القاعدتين حتّى لا يخلط بين مواردهما، كما خلط الرازي و غيره.

الاستدلال على القياس بالإجماع‏

استدلّ القائلون بحجّية القياس، بإجماع الصحابة على العمل به، كما عمل به من جاء بعدهم من التابعين و الفقهاء.

قال الغزالي: و الّذي ذهب إليه الصحابة (رضي اللّه عنهم) بأجمعهم و جماهير الفقهاء و المتكلّمين بعدهم رحمهم اللّه، وقوع التعبّد به شرعا. (1)

و قال الأرموي: العمل بالقياس مجمع عليه و الإجماع حجّة.

ثمّ قال: و إنّما قلت: «إنّه مجمع عليه» لوجوه:

أحدها: قول عمر: «اعرف الأشياء و النظائر، و قس الأمور برأيك» من غير إنكار أحد من الصحابة عليه.

و ثانيها: إنكار ابن عباس على زيد بن ثابت في عدم حجبه الأخ بالجد و قياس ابن عباس الجد على ابن الابن من غير إنكار من الصحابة.

و ثالثها: اتّفاقهم على القول بالرأي، مع أنّ «الرأي» هو: القياس.

____________

(1). المستصفى: 2/ 234.

80

أمّا «اتّفاقهم على القول بالرأي» فقول أبي بكر في الكلالة: «أقول فيها برأيي».

و عن عمر- في الجد- «أقضي برأيي» و عن علي (عليه السلام): «اجتمع رأيي و رأي عمر في أمّ الولد: أن لا تباع، و قد رأيت الآن بيعهن».

و أمّا «أنّ الرأي هو: القياس»: فلأنّهم يجعلونه قسيما للنص و «قسيم النص» هو: القياس.

فثبت إجماع الصحابة على القول بالقياس.

و أمّا «إنّ الإجماع حجّة»: فلما مرّ. (1)

أقول: يأتي أنّ العمل بالقياس كان مورد خلاف بعد رحيل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بين الصحابة و التابعين و من جاء بعدهم من الفقهاء، و ستوافيك نصوص الخلاف.

و أمّا ما احتجّ به من الوجوه على الإجماع فالجميع مخدوش.

أمّا الأوّل: أعني قول عمر: «اعرف الأشياء و النظائر و قس الأمور برأيك» فقد قاله لأبي موسى الأشعري حين ولّاه على البصرة. (2)

فلعلّ المراد هو معرفة مصاديق الشي‏ء الكلّي الّذي ورد النص على حكمه، إذ ربّما يغفل الإنسان عن حكم مصداق لضابطة كلية، فالمراد استخراج حكم مصاديق الضابطة الّتي ورد على وفقها النص كما هو الحال‏

____________

(1). الحاصل من المحصول: 3/ 110- 111.

(2) المستصفى: 2/ 244.

81

في الدين، ففي قوله سبحانه: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ. (1) ضابطة كلية تدفع الفقيه إلى الحكم بقضاء مطلق الدين من غير فرق بين ديون الناس و ديونه سبحانه.

و منه يظهر معنى قوله: «و قس الأمور برأيك».

و أمّا إنكار ابن عباس على زيد بن ثابت في عدم حجبه الأخ بالجد، فإنّما هو لأجل أنّ ابن الابن ابن، و أب الأب أب، فالأوّل يدخل في قوله سبحانه: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ. (2)

و الثاني يدخل في قوله تعالى: وَ وَرِثَهُ أَبَواهُ‏ (3). فيكون الجدّ حاجبا للأخ لكونه مصداقا ادّعائيا للأب.

و أمّا الثالث: أعني اتّفاقهم على الرأي فلم يعلم أنّ المراد بالرأي هو القياس و لم يثبت أنّ الرّأي مساوق للعمل بالقياس، بل لعلّهم اعتمدوا فيه على ضرب من الاستدلال و التأمّل.

و بشأن تعويل بعض الصحابة على الرأي، يقول الشيخ المظفر: يجب الاعتراف بأنّ بعض الصحابة استعملوا الاجتهاد بالرأي و أكثروا، بل حتّى فيما خالف النص تصرّفا في الشريعة باجتهاداتهم، و الإنصاف أنّ ذلك لا ينبغي أن ينكر من طريقتهم، و لكن لم تكن الاجتهادات واضحة المعالم عندهم من كونها على نحو القياس، أو الاستحسان، أو المصالح المرسلة، و لم يعرف عنهم، على أيّ كانت اجتهاداتهم، أ كانت تأويلا للنصوص، أم‏

____________

(1). النساء: 12.

(2). النساء: 11.

(3). النساء: 11.

82

جهلا بها، أم استهانة بها؟ ربّما كان بعض هذا، أو كلّه من بعضهم، و في الحقيقة إنّما تطوّر البحث عن الاجتهاد بالرأي في تنويعه و خصائصه في القرن الثاني و الثالث. (1)

و مع تعدّد أسباب العمل بالرأي و بعضها لا يمتّ إلى الشريعة بصلة، و تصريح بعض الصحابة بإنكار الرأي و القياس (كما يأتي)، كيف يمكن ادّعاء الإجماع على العمل بالقياس؟

الاستدلال بالإجماع ببيان آخر

ثمّ إنّ الرازي استدلّ بإجماع يعتمد على‏

مقدّمات ثلاث:

المقدّمة الأولى: إنّ بعض الصحابة ذهب إلى العمل بالقياس‏

و القول به.

المقدّمة الثانية: إنّه لم يوجد من أحدهم إنكار أصل القياس‏

، فلأنّ القياس أصل عظيم في الشرع نفيا أو إثباتا، فلو أنكر بعضهم لكان ذلك الإنكار أولى بالنقل من اختلافهم، و لو نقل لاشتهر، و لوصل إلينا، فلمّا لم يصل إلينا علمنا أنّه لم يوجد.

المقدّمة الثالثة: إنّه لمّا قال بالقياس بعضهم و لم ينكره أحد منهم فقد انعقد الإجماع على صحّته.

(2)

____________

(1). أصول الفقه: 2/ 172.

(2). المحصول: 2/ 262- 269. و قد صرح في ص 292: أنّ مذهب أهل البيت إنكار القياس.

83

[مناقشة المقدمات:]

و هذه المقدمات الثلاث قابلة للنقاش و الرد.

أمّا الأولى: فلنفترض أنّ بعض الصحابة عمل بالقياس على وجه الإجمال و لكن لم يشخّص تفاصيله، و انّهم هل عملوا بمنصوص العلّة أو بمستنبطها؟ و على فرض العمل بالثاني فلم يعلم ما هو مسلكهم في تعيين علّة الحكم و مناطه، فهل كان بالسبر و التقسيم أو من طريق آخر؟ و مع هذا الإجمال كيف يمكن أن يتّخذ عمل الصحابة دليلا على حجّية القياس في عامة الموارد و عامة المسالك إلى تعيين علّة الحكم و مناطه.

و أمّا الثانية: فلأنّ تسمية عمل البعض مع سكوت الآخرين إجماعا غير صحيح جدّا، لأنّ الإجماع عند الأصوليين عبارة عن اتّفاق علماء عصر واحد على حكم شرعي. (1)

و من المعلوم أنّ عمل البعض لا يعدّ دليلا على الإجماع و إن سكت الآخرون، فالسكوت قد يكون ناجما عن عدم إحاطة بعضهم بالأحكام، أو تعبيرا عن موافقة بعضهم للأخذ بالرأي على حساب التعبّد بالنصوص لمآرب خاصة، أو عدم امتلاك بعضهم للجرأة الأدبية التي تتيح له إبداء الموقف الرافض.

ثمّ إنّ الصحابة لم يكونوا مجتمعين في المدينة المنورة، بل توزّعوا على ميادين الجهاد و تفرّقوا في البلدان المفتوحة، فكيف علم اتّفاقهم على هذين الأمرين حتّى تحقّق الإجماع؟

____________

(1). المستصفى: 1/ 110.

84

و أمّا الثالثة: و هو عدم إنكار أحد منهم فهو أيضا محجوج بالروايات القطعية عن بعض الصحابة و التابعين في استنكار القياس. و سيوافيك بيانها.

استنكار الصحابة للعمل بالقياس‏

رويت كلمات عن بعض الصحابة تحذّر من العمل بالقياس، منها:

1. عن عمر بن الخطاب: إيّاكم و أصحاب الرأي، فإنّهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي، فضلّوا و أضلّوا. (1)

و قد شاع عند القائل بالقياس أنّ الرأي هو القياس أو أعمّ منه و من غيره.

و على كلّ تقدير يعمّ القياس.

2. و عن علي (عليه السلام) قال: «لو كان الدين يؤخذ قياسا لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره». (2)

3. و عن ابن عباس: يذهب قرّاؤكم و صلحاؤكم، و يتّخذ الناس علماء جهّالا: يقيسون الأمور بآرائهم. (3)

____________

(1). الإحكام لابن حزم: 6/ 779- 780، تحقيق أحمد شاكر؛ الفقه و المتفقّه للخطيب البغدادي:

5/ 181.

(2). الإحكام للآمدي: 4/ 44.

(3). المستصفى: 2/ 247 باختلاف يسير في المتن.

85

و قال: إذا قلتم في دينكم بالقياس: أحللتم كثيرا ممّا حرم اللّه، و حرّمتم كثيرا ممّا أحلّ اللّه.

4. عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد اللّه بن مسعود أنّه قال: ليس عام إلّا و الذي بعده شر منه، لا أقول عام أمطر من عام، و لا عام أخصب من عام، و لا أمير خير من أمير، و لكن ذهب خياركم و علماؤكم، ثمّ يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم فينهدم الإسلام و ينثلم.

5. عن جابر بن زيد، قال: لقيني ابن عمر قال: يا جابر إنّك من فقهاء البصرة و ستستفتى، فلا تفتينّ إلّا بكتاب ناطق أو سنّة ماضية.

6. عن زيد بن عميرة، عن معاذ بن جبل، قال: تكون فتن يكثر فيها الملل و يفتح فيها القرآن حتى يقرؤه الرجل و المرأة، و الصغير و الكبير، و المؤمن و المنافق، فيقرؤه الرجل فلا يتبع، فيقول: و اللّه لأقرأنّه علانية، فيقرؤه علانية فلا يتبع، فيتخذ مسجدا و يبتدع كلاما ليس من كتاب اللّه و لا من سنّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فإيّاكم و إيّاه، فإنّها بدعة ضلالة. قالها ثلاث مرات.

هذا و قد ذكر ابن حزم أحاديث أخرى على لسان الصحابة في ذم القياس أعرضنا عنها خوفا من الإطالة، و نقتصر على سرد أسمائهم:

أبو هريرة، و سمرة بن جندب، و عبد اللّه بن أبي أوفى، و معاوية. (1)

____________

(1). انظر الإحكام في أصول الأحكام: 6/ 508- 511؛ إعلام الموقعين عن ربّ العالمين: 1/ 240- 242، طبعة دار الكتاب العربي.

86

هذا بعض ما نقل عنهم حول إنكار العمل بالقياس.

و أمّا العترة الطاهرة (عليهم السلام) فحدّث عنهم و لا حرج فقد تواترت كلماتهم على إنكار القياس، و قد اعترف الرازي بإنكار العترة العمل بالقياس، و قال:

إنّ مذهب أهل البيت (عليهم السلام) إنكار القياس. (1)

و ها نحن نذكر كلماتهم (عليهم السلام):

القياس في كلمات العترة الطاهرة (عليهم السلام)

1. عن جعفر بن محمد (عليهما السلام)، عن أبيه (عليه السلام) أنّ عليا (عليه السلام) قال: «من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره في التباس، و من دان اللّه بالرأي لم يزل دهره في ارتماس».

2. كتب الإمام الصادق (عليه السلام) في رسالة إلى أصحابه أمرهم بالنظر فيها و تعاهدها و العمل بها، و قد جاء فيها: «لم يكن لأحد بعد محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن يأخذ بهواه و لا رأيه و لا مقاييسه ثمّ قال: و اتّبعوا آثار رسول اللّه و سنّته فخذوا بها و لا تتبعوا أهواءكم و رأيكم فتضلّوا».

3. روى سماعة بن مهران، عن أبي الحسن موسى الكاظم (عليه السلام): «ما لكم و للقياس، إنّما هلك من هلك من قبلكم بالقياس».

4. عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ السنّة لا تقاس، أ لا ترى أنّ المرأة تقضي صومها و لا تقضي صلاتها، يا أبان إنّ السنّة إذا قيست محق الدين».

____________

(1). المحصول: 2/ 292.

87

5. عن عثمان بن عيسى قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن القياس؟ فقال: «و ما لكم و للقياس، إنّ اللّه لا يسأل كيف أحلّ و كيف حرّم».

6. عن أبي شيبة الخراساني، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «إنّ أصحاب المقاييس طلبوا العلم بالمقاييس فلم تزدهم المقاييس من الحقّ إلّا بعدا، و إنّ دين اللّه لا يصاب بالمقاييس».

7. عن محمد بن مسلم قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) بمنى إذ أقبل أبو حنيفة على حمار له، فلمّا جلس قال: إنّي أريد أن أقايسك، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «ليس في دين اللّه قياس».

8. عن زرارة بن أعين قال: قال لي أبو جعفر محمد بن علي (عليهما السلام): «يا زرارة إيّاك و أصحاب القياس في الدين، فانّهم تركوا علم ما وكّلوا و تكلّفوا ما قد كفوه، يتأوّلون الأخبار، و يكذبون على اللّه عزّ و جلّ، و كأنّي بالرجل منهم ينادى من بين يديه فيجيب من خلفه، و ينادى من خلفه فيجيب من بين يديه، قد تاهوا و تحيّروا في الأرض و الدين». (1)

القياس في كلمات التابعين‏

إنّ لفيفا من التابعين ممّن يؤخذ عنهم العلم قد خالفوا القياس بحماس و ندّدوا به، و إليك نزرا من كلماتهم ليعلم أنّ القياس لم يكن أمرا متفقا عليه بين أوساط التابعين كما لم يكن كذلك بين الصحابة:

____________

(1). راجع الوسائل: 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي.

88

1. عن داود بن أبي هند قال: سمعت محمد بن سيرين، يقول:

القياس شؤم، و أوّل من قاس إبليس فهلك، و إنّما عبدت الشمس و القمر بالمقاييس.

2. قال ابن وهب: أخبرني مسلم بن علي أنّ شريحا القاضي قال: إنّ السنّة سبقت قياسك.

3. عن المغيرة بن مقسم، عن الشعبي، قال: السنّة لم توضع بالقياس.

4. و عن عامر الشعبي أيضا: إنّما هلكتم حيث تركتم الآثار و أخذتم بالمقاييس.

5. عن جابر، عن الشعبي، عن مسروق قال: لا أقيس شيئا بشي‏ء، قيل:

لم؟ قال: أخشى أن تزل رجلي.

و كان يقول: إيّاكم و القياس و الرأي، فإنّ الرأي قد يزل.

إلى غير ذلك من المواقف و الأقوال التي يطول بذكرها الكلام، و نكتفي هنا بسرد أسماء التابعين الذين نالوا من القياس:

إياس بن معاوية، مالك بن أنس، وكيع بن الجراح، حماد بن أبي حنيفة، ابن شبرمة، مطر الوراق، عطاء بن أبي رباح، أبو سلمة بن عبد الرحمن. (1)

أ فبعد هذا الإنكار المتضافر عن العترة و لفيف من الصحابة و التابعين‏

____________

(1). انظر: الاحكام في أصول الاحكام لابن حزم: 6/ 511- 514؛ اعلام الموقعين: 1/ 243- 246؛ عدّة الأصول: 2/ 688- 690.

89

يصحّ ادّعاء الإجماع على صحّة القياس و أنّه لم يخالفه أحد؟! هذا إذا لم نقل إنّ الإجماع قام على نفي القياس.

و هذا يدلّ على أنّ هذا العنصر قد دخل حيّز التشريع الإسلامي بموافقة بعض و مخالفة البعض الآخر له، و انّ ادّعاء الإجماع في مثل هذه المسألة أمر لا يليق بمن تتبّع كلمات الفقهاء في هذا الصدد، و قد نقل ابن قيم الجوزيّة كلمات الموافقين كما نقل كلمات المخالفين للقياس، و إن كان في كثير من المباحث عيالا على كتاب «الإحكام» لابن حزم الأندلسيّ.

الآن حصحص الحقّ‏

لقد أثبتت البحوث السابقة حول ما أقيم من الأدلّة على حجّية القياس انّه ليس هناك دليل صالح قاطع للنزاع، مفيد للعلم بأنّ الشارع جعل القياس حجّة فيما لا نصّ فيه، و هناك نكتة جديرة بالتأمّل، و هي انّه إذا كان للقياس في الشريعة المقدّسة هذه المنزلة في التشريع الإسلامي، فلما ذا لم يقع في إطار البيان الصريح من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، كما وقع قول الثقة أو حجّية البيّنة في إطاره؟

و قد عرفت أنّ ما استدلّوا من كلام الشارع في ذلك المجال كلّها انتزاعات شخصية فرضت عليه، و انّ عقيدة المستدلّ جرّته إلى أن يبحث عن الدليل حول عقيدته، فلذلك جمع أشياء من هنا و هناك ليثبت بها مدّعاه، و الجميع بري‏ء ممّا يرتئيه.

***

90

هذا ما أردنا بيانه حول القياس و آراء المثبتين و النافين له و قد تبيّن ممّا ذكرنا أنّ موقف الإمامية من هذه القاعدة هو القول الوسط فلا ترفضه بتاتا و لا تأخذ به بدون شرط و قيد.

و في الختام أود الإشارة إلى أنّ لجنة التحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) استفادت في هذا الجزء و الجزء الّذي يليه من نسخة خطية جديدة حصلنا عليها مؤخرا، و هي النسخة الموجودة في مركز إحياء التراث الإسلامي في قم المقدسة و الّتي تحمل الرقم 1685، و تاريخ نسخها سنة 1041 ه، و تحتوي على 940 ورقة، و هي نسخة جيدة واضحة الخط، و قد رمزت لها بحرف (د).

و قد جاء في آخرها: و كان الفراغ منه في ثامن شهر رمضان المبارك سنة أربع و سبعمائة، و مصنّف الكتاب حسن بن يوسف بن مطهر الحلّي.

و صلّى اللّه على سيد المرسلين محمد النبي و آله الطاهرين. تحريرا في تاريخ خمسة شهر ربيع الثاني 1041 ه.

فجزاهم اللّه خير الجزاء و وفقهم و وفقنا لما فيه خدمة لهذا الدين الحنيف و الحمد للّه رب العالمين.

جعفر السبحاني قم المقدسة مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

91

[تتمة المقصد الحادي عشر: في القياس‏]

[تتمة الفصل الثالث: في طرق التعليل‏]

البحث الرابع: في المناسب‏

و فيه مطالب:

المطلب الأوّل: في تعريفه‏

و له تعريفات:

[التعريف‏] الأوّل:

قال أبو زيد (1): المناسب عبارة عمّا لو عرض على العقول تلقته بالقبول.

و هو موافق للوضع اللغوي حيث يقال: هذا مناسب لذلك، أي ملائم له، غير أنّه لا طريق للمناظر إلى إثباته على خصمه، لأنّه قد يقول: إنّ عقلي لا يتلقّاه بالقبول فلا يكون مناسبا بالنسبة إلى، و إن تلقاه عقل غيري بالقبول فإنّه ليس الاحتجاج علي بتلقّي عقل غيري له بالقبول أولى من الاحتجاج على غيري بعدم تلقّي عقلي له بالقبول.

و بهذا الاعتبار منع أبو زيد و جماعة من التمسك في إثبات العلّة في المناظرة بالمناسبة و الإحالة و لم يمنع من التمسك في حقّ المناظر نفسه، لأنّ العاقل لا يكابر نفسه.

[التعريف‏] الثاني:

أنّه الّذي يفضي إلى ما يوافق الإنسان تحصيلا و إبقاء. و يعبّر

____________

(1). نقله عنه الآمدي في الإحكام: 3/ 294، الفصل الأوّل: في تحقيق معنى المناسب.

92

عن التحصيل بجلب النفع، و عن الإبقاء بدفع الضرر، لأنّ ما قصد إبقاؤه فإزالته مضرّة و إبقاؤه دفع المضرّة. ثمّ هذا التحصيل و الإبقاء قد يكون معلوما و مظنونا، و على التقديرين فقد يكون دينيا و دنيويا.

و المنفعة: اللذة أو ما يكون وسيلة إليها. و المضرة: الألم أو ما يكون وسيلة إليه. و اللذة قيل: إدراك الملائم. و الألم قيل: إدراك المنافي. و الحقّ أنّهما غنيان عن التعريف، لأنّهما من الوجدانيات، فإنّا ندرك بالضرورة التفرقة بينهما و بين كلّ واحد منهما و بين غيرهما، فهو أظهر من كلّ ما يعرّف به.

[التعريف‏] الثالث:

أنّه الملائم لأفعال العقلاء في العادات، فيقال: هذه اللؤلؤة تناسب هذه اللؤلؤة لملاءمة جمعهما في سلك واحد، و هذا الثوب يناسب هذه العمامة، أي الجمع بينهما ملائم. و هذا تعريف من يأبى تعليل أحكامه تعالى بالحكم و المصالح، أو السابق عليه تعريف من يعتقد التعليل. (1)

[التعريف‏] الرابع:

المناسب: وصف ظاهر منضبط يلزم من ترتيب الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودا من شرع ذلك الحكم. سواء كان الحكم وجوديا أو عدميا، و سواء كان المقصود جلب مصلحة أو دفع مفسدة.

و قد عرفت أنّ هذه المناسبة تسمى تخريج المناط، و هو تعيين العلّة بمجرّد إبداء المناسبة من ذاته لا من نص و لا غيره، كالإسكار في التحريم،

____________

(1). ذكر التعريفين الثاني و الثالث الرازي في المحصول: 2/ 319- 320.

93

و القتل العمد العدوان في القصاص، فإن كان الوصف خفيا أو غير منضبط اعتبر ملازمه و هو المظنة كالسفر للمشقّة، و الفعل المعروف عند العقلاء انّه عمد في العمدية، لأنّ الخفي لا يعرّف الخفي.

المطلب الثّاني: في تقسيم المناسب‏

و فيه أنواع:

[النوع‏] الأوّل:

كون المناسب مناسبا إمّا أن يكون حقيقيا، أو إقناعيا.

فالحقيقي إمّا أن يكون لمصلحة يتعلق بالدنيا، أو بالآخرة. و أقسام الأول ثلاثة:

أ. أن تكون رعاية المصلحة في محلّ الضرورة، و هي المتضمّنة حفظ أحد المقاصد الخمسة:

حفظ النفس بشرع القصاص، و قد نبّه عليه تعالى بقوله: وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ (1).

حفظ المال بشرع الضمان و الحدود.

و حفظ النسب بشرع زاجر الزنا، فإنّ المزاحمة في الأبضاع تفضي إلى اختلاط النسب المفضي إلى قطع التعهّد عن الأولاد و إلى التوثّب على الفروج بالتغلّب، و هو جالب للفساد و القتال.

____________

(1). البقرة: 179.

94

و حفظ الدين بشرع زاجر الردّة، و المقاتلة لأهل الحرب، و قد نبّه عليه تعالى في آيات الجهاد.

و حفظ العقل بشرع تحريم المسكر، و قد نبّه عليه تعالى بقوله: أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ (1). و يلحق به ما هو مكمّل للضروري، كحدّ قليل المسكر.

ب. أن تكون رعاية المصلحة في محل الحاجة من غير ضرورة، كتمكين الولي من تزويج الصغيرة، فإنّ مصالح النكاح غير ضرورية له في الحال إلّا أنّ الحاجة بوجه ما حاصلة، و هي تقييد الكف‏ء الّذي قد يفوت لا إلى بدل. و كذا المعاملات الّتي وضعها الشارع كالبيع و الإجارة و القراض و المساقاة و جميع المعاملات و بعضها آكد من بعض؛ و قد يوجد فيه ما يكون ضروريا، كالإجارة على تربية الطفل الصغير و شراء المطعوم و الملبوس له و لغيره؛ و مكمل له، كرعاية الكفاءة و مهر المثل في الصغيرة فإنّه أفضى إلى دوام النكاح.

ج. أن لا تكون في محلّ الضرورة و لا الحاجة، و هي الّتي تجري مجرى التحسينات، كسلب العبد أهلية الشهادة لنقصه عن المناصب الشريفة جريا على ما ألف من محاسن العادات و تقرير الناس على مكارم الأخلاق و محاسن الشّيم. و هذا على قسمين:

الأوّل: أن لا يقع على معارضة قاعدة معتبرة، كتحريم تناول‏

____________

(1). المائدة: 91.

95

القاذورات؛ و سلب أهلية الشهادة عن العبد، لأنّها منصب شريف، و العبد نازل القدر، و الجمع بينهما غير ملائم.

الثاني: أن يقع على معارضة معتبرة كالكتابة، فإنّها و ان استحسنت في العادة إلّا أنّها في الحقيقة بيع الرجل ماله بماله، و هو غير معقول. و أمّا الّذي يكون مناسبا لمصالح الآخرة فهي الحكم المذكورة في رياضة النفس، و تهذيب الأخلاق، و المداومة على فعل الشرائع و العبادات فإنّ منفعتها في سعادة الآخرة.

تذنيب‏

كلّ واحدة من هذه المراتب قد يقع فيه ما يظهر كونه من ذلك القسم، و قد يقع فيه ما يخفى، و يختلف ذلك بحسب اختلاف الظنون.

مثاله: أنّ حفظ النفس بشرع القصاص من باب المناسب الضروري و ممّا نعلم أنّه من هذا الباب شرع القصاص في المثقّل، فإنّا نعلم أنّه لو لا شرع القصاص فيه لحصل الهرج و المرج، و لتأدّى الأمر إلى أنّ كلّ من يريد قتل غيره يعدل عن المحدّد إلى المثقّل دفعا للقصاص عن نفسه، إذ ليس في المثقّل زيادة مئونة ليست في المحدّد، بل ربّما كان أسهل، فلا يجوز في كلّ شرع تراعى فيه مصالح الخلق عدم وجوب القصاص بالمثقّل.

أمّا إيجاب قطع الأيدي باليد الواحدة فإنّه و إن كان من هذا الباب، لأنّا لو لم نوجب قطع الأيدي باليد الواحدة لآل الأمر إلى أنّ كلّ من يريد قطع‏

96

يد إنسان استعان بغيره ليدفع القصاص عن نفسه، فتبطل حكمة شرع القصاص، إلّا أنّه محتمل لعدم الدخول فيه لاحتياجه إلى الاستعانة، و قد لا يحصل، فليس وجه الحاجة إلى وجه القصاص هنا كوجه الحاجة إلى شرعه في المنفرد.

تنبيه‏

الإجارة خارجة عن الأقيسة الحاجية (1)، فإنّ مقابلة العوض الموجود بالمعدوم خارج عن القياس الشرعي في المعاوضات، فإنّ قياسها مقابلة الموجود بمثله لكن احتمل ذلك في الإجارة لمكان الحاجة.

و اعلم أنّ الحاجة العامّة تجري مجرى الضرورة الخاصة في حقّ آحاد الأشخاص، و البيع ملتحق بقاعدة الضروري من جهة إمساس الحاجة إلى تناول العروض بالعروض، لأنّ العروض لا يراد لذاتها بل لمنافعها، و متعلّق تصرّفات الخلق في الأعيان محال على منافعهم منها، ثمّ المنافع إذا عرضت نوعا من العروض و ظهر من الحاجة إليها في المسكن و المركب و غيرهما التحق هذا بالأصول الكلية، و اشتراط مقابلة الموجود بالموجود من باب الاستصلاح و الحمل على الأصلح و الأرشد، و لا يظهر تعلّق هذا الفن بالحاجة و الضرورة، و لهذا يسمى القياس الجزئي لا بمعنى جزئياته في شخص واحد، بل الأصل الذي لا بدّ من رعاية الضرورة ثمّ الحاجة و الاستصلاح في حكم الوجوه الخاصة في حكم الجزئي عند النظر في المصالح و الضوابط الكلية.

____________

(1). في «أ» و «د»: الحاجة».

97

و أمّا المناسب الإقناعي فهو الذي يظن به في الظاهر كونه مناسبا، لكن يظهر مناسبته عند البحث، كتعليل الشافعية تحريم بيع الخمر و الميتة و العذرة بالنجاسة، و قياس الكلب عليه.

و وجه المناسبة: أنّ كونه نجسا يناسب إذلاله، و مقابلته بالمال في البيع إعزاز له، و الجمع بينهما باطل. و هذا و إن كان مظنون المناسبة في الظاهر لكنّه ليس في الحقيقة كذلك، لأنّ معنى نجاسته عدم جواز الصلاة معه، و لا مناسبة بين المنع من استصحابه في الصلاة و بين المنع من بيعه.

فائدة:

قد عرفت أنّ المقصود من الحكم إمّا جلب مصلحة، أو دفع مفسدة، أو مجموعهما. و هذا إنّما هو بالنسبة إلى العبد لا إلى الرب لتعاليه عن جلب النفع و دفع الضرر.

و النفع قد يكون مقصودا للعبد، لأنّه ملائم له و موافق لنفسه، و لهذا إذا خيّر بين وجود ذلك و عدمه اختار وجوده.

و تحصيل المصلحة و دفع المفسدة المتعلّقة بالدنيا إمّا أن يكون شرع الحكم فيها مقتضيا لتحصيل أصل المقصود ابتداء، أو دواما، أو تكميلا.

فالأوّل كالقضاء بصحّة التصرف الصادر من الأهل في المحل تحصيلا للأصل المقصود المتعلّق به من الملك أو المنفعة، كما في البيع و الإجارة و نحوهما.

98

و أمّا الثاني فكالقضاء بتحريم القتل و إيجاب القصاص على القاتل عمدا عدوانا لإفضائه إلى دوام المصلحة.

و أمّا الثالث فكالحكم باشتراط الشهادة و مهر المثل في النكاح.

النوع الثاني من القسمة (1)

المقصود إمّا أن يكون حاصلا من شرع الحكم يقينا أو ظنا، أو يتساوى الأمران، أو بترجيح عدم الحصول.

فالأوّل، كإفضاء الحكم بصحّة التصرف بالبيع إلى إثبات الملك.

و الثاني، كشرع القصاص المرتب على القتل العمد العدوان صيانة للنفس المعصومة عن الفوات، فإنّه مظنون الحصول راجح الوقوع، فإنّ غالب حال العاقل أنّه إذا علم أنّه يقتل إذا قتل، لم يقدم على القتل فتبقى نفس المجني عليه و أشباه ذلك من الزواجر، و ليس ذلك مقطوعا به إذ الإقدام على القتل مع شرع القصاص يقع كثيرا.

و الثالث تقريبا، كشرع الحد على شرب الخمر، لحفظ العقل، فإن أفضاه إلى ذلك متساو (2) حيث نجد كثرة الممتنعين عنه مقاومة لكثرة المقدمين عليه، لا على وجه الترجيح و الغلبة لأحد الفريقين على الآخر في العادة.

و الرابع، كإفضاء الحكم بصحة نكاح الآيسة إلى مقصود التوالد، فإنّه‏

____________

(1). ذكره الآمدي في الإحكام: 3/ 298، الفصل الثالث من المسلك الخامس.

(2). في الإحكام: «متردد».

99

و إن أمكن عقلا إلّا أنّه بعيد عادة، فكان الإفضاء إليه مرجوحا.

و هذه الأربعة و إن كانت مناسبة من حيث الموافقة للنفس، إلّا أنّ أعلاها القسم الأوّل للقطع به، ثمّ الثاني لرجحانه، ثمّ الثالث لتساويه، ثمّ الرابع لمرجوحيّته.

و قد اتّفق القائلون بالقياس على صحّة التعليل بالأولين و على صحّة التعليل بالآخرين في آحاد الصور الشاذة، و كان المقصود ظاهرا من الوصف في غالب صور المتن و إلّا فلا، كما في صحّة نكاح الآيسة لمقصود التوالد فإنّه و إن كان غير ظاهر بالنسبة إلى الآيسة إلّا أنّه ظاهر فيما عداها.

فعلى هذا لو خلا الوصف المرتب عليه الحكم من المقصود الموافق للنفس قطعا و إن كان ظاهرا في غالب صور الجنس لم يصحّ التعليل به لعدم مناسبته، كما في لحوق النسب في نكاح المشرقي للمغربية، و شرع الاستبراء في شراء الجارية ممّن باعها منه في مجلس البيع الأوّل، لعلمنا بفراغ رحمها من غيره قطعا، و إن كان ظاهرا في غالب صور الجنس فيما عدا هذه الصورة، لأنّ المقصود من شرع الأحكام هو الحكم المنوط به، فشرع الحكم مع انتفاء الحكمة يقينا لا يكون مفيدا، فلا يرد به الشرع خلافا لأبي حنيفة.

100

النوع الثالث:

الحكمة اللازمة لضابطها إمّا أن تكون ناشئة عنه، أو لا تكون.

و الثاني إمّا أن يكون للوصف دلالة على الحاجة إليها، أو لا.

فالأوّل كشرع الرخصة في السفر لدفع المشقّة الناشئة من السفر.

و الثاني كالحكم بصحّة البيع لإفضائه إلى الانتفاع بالعوض، فإنّ الانتفاع لازم لصحة البيع ظاهرا و ليس ناشئا عن البيع، لكن البيع و هو التصرف الصادر من الأهل في المحلّ و هو الإيجاب و القبول دلالة على الحاجة إليه.

و الثالث كما في ملك نصاب الزكاة، فإنّه يناسب إيجاب الزكاة من حيث إنّه نعمة، و النعمة تناسب الشكر لإفضائه إلى زيادتها على ما قال تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ‏ (1)، و الزكاة صالحة لئن تكون شكرا لما فيها من إظهار النعمة، و إظهار النعمة يعد في العرف شكرا، و لا يخفى أنّ مثل هذا المقصود و هو زيادة النعمة ملازم لترتيب إيجاب الزكاة على ملك النصاب و ليس زيادة النعمة ناشئة عن ملك نفس النصاب كما كانت المشقّة ناشئة عن السفر، و لا لملك النصاب دلالة على الحاجة إلى زيادة النعمة كدلالة البيع على الحاجة إلى الانتفاع.

____________

(1). إبراهيم: 7.

101

النوع الرابع: (1)

الوصف المناسب إمّا أن يعلم أنّ الشارع اعتبره، أو يعلم أنّه ألغاه، أو لا يعلم واحد منهما.

فالأوّل إمّا أن يكون اعتباره بنص، أو إجماع، أو ترتيب الحكم على وفقه في صورة بنص أو إجماع.

فإن كان معتبرا بنص أو إجماع يسمّى المؤثر.

و إن كان معتبرا بترتيب الحكم على وفقه في صورة فأقسامه العقلية تسعة.

لأنّه إمّا أن يكون معتبرا بخصوص وصفه، أو بعموم وصفه، أو بخصوصه و عمومه.

فإن كان معتبرا بخصوص وصفه دون عموم وصفه فإمّا أن يكون معتبرا في عين الحكم المعلل، أو في جنسه، أو في عينه و جنسه.

و إن كان معتبرا بعموم وصفه فإمّا أن يكون معتبرا في عين الحكم، أو جنسه، أو في عينه و جنسه.

و أما إنّ لم يكن الوصف معتبرا فإمّا أن يظهر مع ذلك إلغاؤه، أو لا يظهر ذلك. غير أنّ الواقع منها في الشرع لا يزيد على أربعة.

____________

(1). ذكره الرازي في المحصول: 2/ 323؛ و الآمدي في الإحكام: 3/ 311.

102

أ. ما يؤثر نوع الوصف في نوع الحكم، مثل السكر فإنّ حقيقته اقتضت حقيقة التحريم، فكان النبيذ ملحقا بالخمر، لأنّه لا تفاوت بين العلّتين و بين الحكمين إلّا اختلاف المحلّين، و هو لا يقتضي اختلاف الحال ظاهرا.

ب. تأثير النوع في الجنس كالأخوّة من الأب و الأم، فإنّها تقتضي التقديم في الميراث فيقاس عليه التقديم في النكاح، فالإخوة من الأبوين نوع واحد في الموضعين غير أنّ ولاية النكاح ليست مثل ولاية الإرث لكن بينهما مجانسة في الحقيقة. و هذا القسم دون الأوّل في الظهور، لأنّ المفارقة بين المثلين بحسب اختلاف المحلّين أقلّ من المفارقة بين نوعين مختلفين.

ج. تأثير الجنس في النوع، كإسقاط قضاء الصلاة عن الحائض تعليلا بالمشقّة، فإنّه قد ظهر تأثير جنس المشقّة في إسقاط قضاء الصلاة، و ذلك لتأثير المشقّة في السفر في إسقاط قضاء الركعتين الساقطتين.

د. تأثير الجنس في الجنس، كتعليل الأحكام بالحكم الّتي لا تشهد لها أصول معيّنة، كإقامة الشرب مقام القذف إقامة لمظنّة الشي‏ء مقامه قياسا على إقامة الخلوة بالزوجة مقام وطئها في الحرمة.

و اعلم أنّ للجنسية مراتب فأعمّ أوصاف الأحكام كونها حكما، ثمّ ينقسم إلى الخمسة.

و الواجب منها ينقسم إلى عبادة و غيرها، و العبادة إلى صلاة و غيرها، و الصلاة إلى فرض و نفل، فما ظهر تأثيره في الفرض أخصّ ممّا ظهر تأثيره‏

103

في الصلاة، و ما ظهر تأثيره في الصلاة أخصّ ممّا ظهر تأثيره في العبادة.

و كذا في جانب الوصف أعمّ أوصافه كونه وصفا يناط به الاحكام فيدخل فيه الأوصاف المناسبة و غيرها. و أخصّ منه المناسب و أخصّ منه الضروري، و أخصّ منه ما هو كذلك في حفظ النفس.

و بالجملة فالأوصاف إنّما يلتفت إليها إذا ظنّ التفات الشارع إليها، و كلّ ما كان التفات الشارع إليه كان ظن اعتباره أقوى، و كلّ ما كان الوصف و الحكم أخصّ كان ظنّ كون ذلك الوصف معتبرا في حقّ ذلك الحكم آكد، فيكون مقدّما على ما يكون أعمّ منه.

و أمّا المناسب الذي علم أنّ الشرع ألغاه و هو المناسب الّذي لم يشهد له أصل بالاعتبار بوجه من الوجوه و ظهر مع ذلك إلغاؤه و إعراض الشرع عنه في صوره، فهو ممّا اتفق على إبطاله و امتناع التمسّك به و عدم اعتباره أصلا، كقول بعض العلماء لبعض الملوك لمّا جامع في نهار رمضان و هو صائم: يجب عليك صوم شهرين متتابعين، فلمّا أنكر عليه حيث لم يأمره بالعتق مع اتّساع ماله قال: لو أمرته بذلك يسهل عليه و استحقر إعتاق رقبة في قضاء وطئه، فكانت المصلحة في إيجاب الصوم مبالغة في زجره. فهذا و إن كان مناسبا غير أنّه لم يشهد له شاهد في الشرع بالاعتبار مع ثبوت إلغائه بنص الكتاب.

و أمّا المناسب الذي لا يعلم أنّ الشرع ألغاه، و لا شهد له أصل من الأصول في الشريعة بالاعتبار بطريق من الطرق، فذلك إنّما يكون‏

104

بحسب أوصاف أخصّ من كونه وصفا مصلحيا، لأنّ عموم كونه وصفا مصلحيا مشهود له بالاعتبار، و هذا القسم هو المسمّى بالمصالح المرسلة، و سيأتي.

و اعلم أنّ كلّ واحد من هذه الأقسام الأربعة مع كثرة مراتب العموم و الخصوص قد يقع في كلّ واحد من هذه الأقسام الخمسة أعني:

الضّرورية و الحاجة و غيرهما، و يحصل هناك أقسام كثيرة و يقع فيما بينها معارضات و ترجيحات، و لا يمكن ضبط القول فيها لكثرتها.

النوع الخامس‏ (1)

الوصف باعتبار الملاءمة، و شهادة الأصل على أربعة أقسام: مؤثر، و ملائم، و غريب، و مرسل. لأنّ الوصف المناسب إمّا أن يكون معتبرا في نظر الشرع أو لا.

و الأوّل إن كان اعتباره بنصّ أو إجماع سمّي المؤثر.

و إن كان باعتبار ترتيب الحكم على وفقه في صورة، فإن ثبت بنصّ أو إجماع اعتبار عينه في جنس الحكم أو بالعكس، أو كان جنسه معتبرا في جنس الحكم فهو الملائم، و يراد بالجنس هنا القريب.

و إن لم يثبت بالإجماع و لا النصّ اعتبار عينه في جنس الحكم و لا العكس و لا جنسه في جنس الحكم و لا دلّ على كونه علّة نصّ و لا إجماع،

____________

(1). ذكره الرازي في المحصول: 2/ 325.