نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج4

- العلامة الحلي المزيد...
476 /
105

بل ثبت اعتبار خصوص الوصف في خصوص الحكم سمّي المناسب الغريب.

و إن كان المناسب لم يشهد له أصل من الأصول بالاعتبار بطريق من الطرق و لا ظهر إلغاؤه في صورة من الصور فهو المرسل، و هذا المرسل إن اعتبر جنسه البعيد في جنس ذلك الحكم سمّي ملائما أيضا، كما يقول: إنّ قليل النبيذ و إن لم يسكر حرام قياسا على قليل الخمر، و يعلل تحريم قليل الخمر بأنّه يدعو إلى كثيرها، و هذا مناسب و لم يعتبره الشرع لكن اعتبر جنسه البعيد، فإن الخلوة لمّا كانت داعية إلى الزنا حرّمها الشارع بتحريم الزنا، فكان هذا من هذه الجهة ملائما لجنس تصرف الشرع؛ و إن لم يعتبر جنس ذلك الوصف البعيد في جنس ذلك الحكم سمّي أيضا غريبا، كالتعليل بالفعل المحرم و هو القتل، و التطليق بالثلاث في مرض الموت لغرض فاسد و هو استعجال الميراث في القاتل و الفرار من توريثها في حمل من يطلق ثلاثا في المرض على القاتل في الحكم بالمعارضة بنقيض مقصود القاتل و الزوج حتى صار توريث البينونة كحرمان القاتل، فيقال:

المطلقة ثلاثا في مرض الموت ترث، لأنّ الزوج قصد الفرار فيعارض بنقيض مقصوده قياسا على القاتل فإنّه لا يرث لأنّه استعجل الميراث، فعورض بنقيض مقصوده كأنّ تعليل حرمان القاتل بهذا تعليلا بمناسب لا يلائم جنس تصرف الشرع، لأنّا لا نرى الشرع في موضع آخر التفت إليه.

فالمرسل إذا كان غريبا أو ثبت إلغاؤه كان مردودا بالاتّفاق؛ و إن كان‏

106

ملائما فقد اختلفوا فيه، فقبله الجويني و الغزالي و هو منقول عن الشافعي و مالك، و ذهب آخرون إلى ردّه لأنّ ما لا يكون معتبرا في الشرع بعينه و لا بجنسه القريب لا يكون دليلا شرعيا.

و شرط الغزالي‏ (1) في هذا النوع أن تكون المصلحة ضرورية قطعية كلية، كما لو تترّس الكفّار بجمع من المسلمين و نعلم أنّا لو تركناهم استولوا على المسلمين و قتلوا الترس، و لو رمينا الترس لخلص أكثر المسلمين، فخرج بقيد الضرورية ما لو تترّس الكافر في قلعة بمسلم فلا يحلّ رمي الترس لعدم الضرورة، و بالقطعية ما إذا لم نعلم تسلطهم لو كففنا عن رمي الترس؛ و بالكلية امتناع طرح واحد من السفينة المشرفة على الهلاك، لأنّ المصلحة ليست كلية، إذ يحصل بغرق السفينة هلاك عدد مخصوص بخلاف استئصال كافّة المسلمين.

و اعلم أنّ الذي أثر نوع الوصف في نوع الحكم و أثر جنسه في جنسه متّفق على قبوله بين القائسين، كقياس القتل على الجارح في وجوب القصاص، فخصوص كونه قتلا معتبر في خصوص كونه قصاصا و عموم جنس الجناية معتبر في عموم جنس العقوبة.

و أمّا المناسب الّذي ليس بملائم و لا شهد له أصل، فهو مردود بالإجماع، كحرمان القاتل من الميراث معارضة له بنقيض قصده لو قدرنا عدم النص.

____________

(1). المستصفى: 1/ 175.

107

و أمّا المناسب الملائم الّذي لا يشهد له أصل معين بالاعتبار، بل اعتبر جنسه في جنسه لكن لم يوجد له أصل يدلّ على اعتبار نوعه في نوعه، فهو المصالح المرسلة.

و أمّا المناسب الّذي شهد له أصل معيّن لكنّه غير ملائم، أي شهد نوعه لنوعه لكن لم يشهد جنسه لجنسه كمعنى الإسكار، فإنّه يناسب تحريم تناول المسكر صيانة للعقل، و قد شهد لهذا المعنى الخمر بالاعتبار لكن لم يشهد له سائر الأصول، و هذا هو المسمّى بالمناسب الغريب، و قد تقدّم.

المطلب الثالث: في أنّ المناسبة هل تبطل بالمعارضة؟ (1)

الأكثر على أنّ المناسبة لا تبطل بالمعارضة، لأنّ كون الوصف مناسبا إنّما هو لاشتماله على جلب منفعة أو دفع مفسدة، و ذلك لا يبطل بالمعارضة لوجوه:

الأوّل: المناسبتان المعارضتان إن تساويا لم يكن إبطال إحداهما بالأخرى أولى من العكس، فإمّا أن تبطل كلّ واحدة منهما بالأخرى و هو محال، لأنّ المقتضي لعدم كلّ منهما وجود الأخرى، و العلّة حاصلة مع المعلول فيوجدان معا حال عدمهما. و إمّا أن لا تبطل إحداهما بالأخرى حالة التعارض و هو المطلوب. و إن كانت إحداهما أقوى لم يلزم التفاسد

____________

(1). ذكره الآمدي في الإحكام: 3/ 303- 308، الفصل الخامس.

108

أيضا، لأنّه لو لزم التفاسد لكان باعتبار التنافي بينهما، لكنّا بيّنّا عدمه، لأنّهما اجتمعا، و إذا زالت المنافاة لم يلزم من وجود إحداهما عدم الأخرى.

و لهذا يحسن من العاقل أن يقول: الداعي إلى إثبات الحكم موجود غير أنّه يمنعني عنه مانع و لو اختلت المناسبة لم يحسن ذلك.

الثاني: المفسدة الراجحة إذا صارت معارضة بمصلحة مرجوحة، فإن لم ينتف من الراجح لأجل المرجوح شي‏ء لزم مساواة المفسدة المعارضة لمصلحة مرجوحة للمفسدة الخالصة عن شوائب المصلحة، و هو باطل بالضرورة.

و إن انتفى من الراجح شي‏ء لأجل المرجوح، فهو باطل، لأنّ القدر الذي يندفع من المفسدة بالمصلحة يكون مساويا لتلك المصلحة، فيعود التقسيم في القدرين المتساويين بأنّه ليس اندفاع أحدهما بالآخر أولى من العكس، فإمّا أن يندفعا معا أو لا، و الأوّل محال و الثاني المطلوب.

و أيضا ليس اندفاع بعض أجزاء الراجح بالمرجوح و بقاء بعضه أولى من اندفاع الباقي و بقاء المرتفع لتساوي الأجزاء في الماهية.

الثالث: تقرّر في الشرع إثبات الأحكام المختلفة باعتبار الجهات المختلفة، كالصلاة في الدار المغصوبة فإنّها سبب الثواب، من حيث إنّها صلاة، و سبب العقاب من حيث الغصب، و الجهة المقتضية للثواب مشتملة على المصلحة، و المقتضية للعقاب مشتملة على المفسدة، فالمصلحة و المفسدة إن تساويا ارتفع كلّ منهما بالأخرى، فلا تبقى مصلحة و لا

109

مفسدة فلا يترتب عليهما مدح و لا ذم، و قد فرض ترتّبهما عليهما، هذا خلف.

و إن ترجّحت إحداهما كانت المرجوحة معدومة، فيكون الحاصل إمّا المدح وحده أو الذم وحده، و قد فرضنا حصولهما معا. هذا خلف، و هذا مبني على أنّ الصلاة في الدار المغصوبة عبادة من جهة و معصية من أخرى.

الرابع: العقلاء يقولون في فعل معين: إنّ الإتيان به مصلحة في حقي لو لا ما فيه من المفسدة، و لو لا صحّة اجتماع وجهي المصلحة و المفسدة، و إلّا لما صح هذا الكلام.

الخامس: قد يتعارض في نظر الملك عند الظفر بجاسوس عدوه قتله، زجرا له و لأمثاله عن الحبس المضرّ به و الإحسان إليه و إكرامه إمّا للاستهانة بعدوه، أو لقصد كشف أسراره، و أيّهما سلك لم يعد خارجا عن قانون الحكمة و مقتضى المناسبة.

السادس: إذا اجتمع الأخ من الأب مع الأخ من الأبوين في الميراث، فقد يتعارض في نظر الناظر تقديم الأخ من الأبوين لاختصاصه بقرابة الأمومة، و التسوية [بينهما] لاشتراكهما في جهة العصوبة و إلغاء قرابة الأمومة. و تفضيل الأخ من الأبوين لاختصاصه بمزيد القرابة، و مع ذلك فالعقل يقتضي بتأذي النظر من غير احتياج إلى ترجيح بأنّ ورود الشرع بالاحتمال الأوّل مناسب غير خارج عن قانون الحكمة، و لو كان ترجيح‏

110

الوصف المصلحي معتبرا في مناسبته لما كان كذلك.

اعترض على الأوّل: بأنّك إن أردت أنّ مناسبة الوصف تبتني على أنّه لا بدّ في المناسبة من المصلحة على وجه لا يستقل بالمناسبة فمسلم، لكن لا يلزم من وجود بعض ما لا بدّ منه في المناسبة تحقّق المناسبة. و إن أردت أنّها مستقلة بتحقّق المناسبة، فممنوع، لأنّ المصلحة و إن كانت متحقّقة في نفسها فالمناسبة أمر عرفي، و أهل العرف لا يعدون المصلحة المعارضة بالمفسدة المساوية أو الراجحة مناسبة، و لهذا فإنّ من حصل مصلحة درهم على وجه يفوت عليه عشرة، يعدّ سفيها خارجا عن تصرفات العقلاء، و لو كان مناسبا لما كان كذلك، و على هذا لا يلزم من اجتماع المصلحة و المفسدة تحقّق المناسبة.

و قول القائل: «الداعي موجود» فالمراد به المصلحة دون المناسبة، و قوله: «يمنعني عنه مانع» و إن كان صحيحا في العرف، فليس ذلك إلّا لإخلال المانع المفسدي بمناسبة المصلحة، لا بمعنى أنّ الانتفاء محال على المفسدة مع وجود المناسب للحكم.

و على هذا نقول بأنّ مناسبة كلّ واحدة من المصلحة و المفسدة تختل بتقدير التساوي و بتقدير مرجوحية إحداهما فالمختل مناسبتها دون مناسبة الراجحة ضرورة فوات شرط المناسبة، لا لأنّ كلّ واحدة علة للإخلال بمناسبة الأخرى ليلزم في ذلك ما قيل.

و على الثالث: بأنّ الكلام إنّما هو مفروض في إثبات حكم لمصلحة

111

يلزم من إثباته تحصيلا للمصلحة مفسدة مساوية أو راجحة. و ما ذكر من مفسدة تحريم الغصب، و هي شغل ملك الغير غير لازمة في ترتيب حكم المصلحة عليها و هو صحّة الصلاة، فانّا و إن لم نقض بصحّة الصلاة فالمفسدة اللازمة من الغصب لا تختل بل هي باقية بحالها، و لو كانت لازمة من حكم المصلحة لا غير لانتفت المفسدة المفروضة بانتفاء حكم المصلحة، و ليس كذلك، و حيث لم تكن مفسدة تحريم الغصب لازمة عن حكم مصلحة، كان من المناسب اعتبار كلّ واحد منهما في حكمهما، و هي المصلحة و المفسدة، إذ لا معارضة بينهما على ما تقرر.

و على الخامس: أنّه ما لم يترجّح في نظر الملك و أهل العرف مصلحة ما عيّنه من أحد الطريقين من الإحسان أو الإساءة خرج عن قانون الحكمة.

و على السادس: نمنع الجزم بمناسبة ما عيّن دون ظهور الترجيح في نظر الناظر، و بعد ظهور الترجيح فليس الجزم بمناسبة الوصف في نفس الأمر قطعا لجواز أن يكون في نفسه مرجوحا و إن لم يطلع عليه.

و قيل تحرم المناسبة بمفسدة تلزمه راجحة أو مساوية لقضاء العقل بأن لا مصلحة مع مفسدة مثلها.

و إذا ثبت هذا وجب على المجتهد في آحاد المسائل النظر إلى وجه ترجيح إحداهما على الأخرى إمّا بطريق إجمالي يطرد في جميع المسائل بأن يقول لو لم يقدر ترجيح المصلحة على ما عارضها من المفسدة مع‏

112

البحث و عدم الاطّلاع على ما يمكن إضافة الحكم إليه في محل التعليل سوى ما ذكرته، لزم ثبوت الحكم تعبّدا.

و هو خلاف الأصل؛ لأنّ غالب الأحكام التعقّل دون التعبّد، فإدراج ما نحن فيه تحته أولى؛ و لأنّ معقول المعنى أقرب إلى الانقياد و أدعى إلى القبول فكان أفضى إلى المقصود من شرع الحكم أو بطريق تفصيلي بحسب المسائل.

و اعترض بأنّ ما ذكرتم من البحث عن وصف آخر يمكن إضافة الحكم إليه مع عدم الظفر به، و إن دلّ على ترجيح جهة المصلحة فهو معارض بما يدلّ على عدم ترجيحها، و هو عدم الاطلاع على ما به تكون راجحة على معارضها مع البحث عنه و عدم الظفر به، و ليس أحد البحثين أولى من الآخر.

لا يقال‏ (1): ما ذكرناه أولى من جهة أنّ بحثنا عن وصف صالح للتعليل، و ذلك لا يتعدى محل الحكم، فمحله متحد، و بحثكم إنّما هو عمّا به الترجيح، و هو غير منحصر في محل الحكم، فإن ما به الترجيح قد يكون بما يعود إلى ذات العلّة، و قد يكون بأمر خارج عنها كما يأتي، فكان ما ذكرناه أولى.

لأنّا نقول: ما به الترجيح إن كان خارجا عن محل الحكم، فلا يتحقّق به الترجيح في محل الحكم.

____________

(1). ذكر الإشكال و الجواب عنه الآمدي في الإحكام: 3/ 307.

113

و إن كان في محل الحكم فقد استوى البحثان في اتّحاد محلّهما و لا ترجيح بهذه الجهة.

و بتقدير تسليم اتحاد محل بحث المستدل و التعدّد في محل بحث المعترض، فإنّ الظنّ الحاصل من البحثين إمّا أن يكون متساويا، أو متفاوتا.

و بتقدير المساواة و رجحان ظن المعترض، فلا ترجيح في جانب المستدل و إنّما يترجّح بتقدير ان يكون ما ظنه راجحا.

و معلوم أنّ ما يقع على تقدير من تقديرين أغلب ممّا لا يقع إلّا على تقدير واحد. و يجب أن يعلم أنّ اشتراط الترجيح في تحقق المناسبة إنّما يتحقّق على رأي من لا يرى تخصيص العلّة.

و أمّا من يرى جواز تخصيصها و جواز إحالة انتفاء الحكم على تحقّق المعارض مع وجود المقتضي فلا بدّ له من الاعتراف بالمناسبة، و إن كانت المصلحة مرجوحة أو مساوية فإنّ انتفاء الحكم بالمانع مع وجود المقتضي إمّا أن يكون لمقصود راجح على مقصود المقتضي للإثبات أو مساويا له أو مرجوحا بالنسبة إليه، فإن كان راجحا فقد قيل بمناسبة المقتضي للإثبات مع كون مقصوده مرجوحا، و إلّا فلو لم يكن مناسبا كان الحكم منتفيا لانتفاء المناسب لا لوجود المانع.

و إن كان مساويا فكذلك أيضا.

114

و إن كانت مفسدة المانع مرجوحة، فقد قيل بانتفاء الحكم له، و لو لا مناسبته للانتفاء لما انتفى الحكم به، فإنّه لو جاز أن ينتفي الحكم بما ليس بمناسب، لجاز أن يثبت بما ليس بمناسب.

المطلب الرابع: في أنّ المناسبة هل تدلّ على العلية أم لا؟ (1)

ذهب القائسون إلى أنّ المناسبة و الاعتبار يدلّ على كون الوصف علّة، لأنّ المناسبة تفيد ظن العلّية لوجهين:

الأوّل: أنّه تعالى شرع الأحكام لمصالح العباد، و هذه مصلحة، فيحصل ظنّ أنّه تعالى إنّما شرعه لهذه المصلحة. فالمقدّمات ثلاث، و يدلّ على الأوّل وجوه:

أ. أنّه تعالى خصّص الواقعة المعيّنة بالحكم المعيّن لمرجّح لاستحالة ترجيح أحد المتساويين لا لمرجّح، فذلك المرجّح يستحيل عوده إليه تعالى إجماعا، فهو عائد إلى العبد و ليس مفسدة له و لا ما ليس بمصلحة و لا مفسدة إجماعا، فهو لمصلحة العبد.

ب. أنّه تعالى حكيم إجماعا، فلا يفعل إلّا لمصلحة و إلّا لكان عابثا، و العبث على اللّه تعالى محال، لقوله: أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً (2)،

____________

(1). ذكره الرازي في المحصول: 2/ 327.

(2). المؤمنون: 115.

115

رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا (1)، ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِ‏ (2).

و للإجماع.

و لأنّ العبث سفه، فيكون نقصا، و اللّه تعالى منزّه عنه، و تلك المصلحة ليست عائدة إليه إجماعا فهي إلى العبد.

ج. أنّه تعالى كرّم الآدمي، لقوله تعالى: وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ‏ (3)، فالسعي في تحصيل مطلوبه ملائم لأفعال العقلاء، مستحسن عندهم، فظنّ الإكرام للآدمي يستلزم ظن أنّه لا يشرع إلّا ما يكون مصلحة له.

د. أنّه تعالى خلق الآدمي للعبادة، لقوله تعالى: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏ (4)، و الحكيم إذا أمر عبده أزاح عذره و سعى في تحصيل منافعه، ليفرغ باله فيتمكن من الاشتغال بأداء المأمور و اجتناب المنهي، فإذن كونه مكلّفا يقتضي أنّه تعالى لا يشرع إلّا ما هو مصلحة له.

ه. النصوص الدالة على أنّ مصالح الخلق و دفع مضارّهم مطلوب للشرع.

كقوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ‏ (5).

____________

(1). آل عمران: 191.

(2). الدخان: 39.

(3). الإسراء: 70.

(4). الذاريات: 56.

(5). الأنبياء: 107.

116

خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً (1).

يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (2).

وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ (3).

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «بعثت بالحنيفية السهلة السمحة». (4)

[و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏]: «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام». (5)

ز. أنّه تعالى وصف نفسه بأنّه رءوف رحيم بعباده، و أنّ رحمته وسعت كلّ شي‏ء و شرع ما لا مصلحة للعبد فيه ليس برحمة و لا رأفة.

فثبت بذلك أنّه تعالى شرع الأحكام لمصالح العباد.

ثمّ إنّ المعتزلة صرّحوا بذلك و كشفوا الغطاء حتى قالوا: إنّه تعالى يقبح منه فعل القبيح و العبث، بل يجب أن يكون فعله مشتملا على مصلحة و غرض.

و أمّا الفقهاء فقد صرّحوا بأنّه تعالى إنّما شرع هذا الحكم لهذا المعنى،

____________

(1). البقرة: 29.

(2). البقرة: 185.

(3). الحج: 78.

(4). مسند أحمد: 5/ 266؛ مجمع الزوائد: 2/ 260 و ج 4/ 302 و ج 5/ 279؛ المعجم الكبير للطبراني: 8/ 170 و 216 و 223؛ شرح نهج البلاغة: 15/ 144؛ تفسير الرازي: 7/ 118 و 135 و 157؛ بحار الأنوار: 64/ 136 و ج 65/ 319 و ج 66/ 42 و ج 69/ 234.

(5). مسند أحمد: 1/ 313؛ مجمع الزوائد: 4/ 110؛ سنن ابن ماجة: 2/ 784 برقم 2340- 2341؛ من لا يحضره الفقيه: 4/ 334 برقم 5718؛ بحار الأنوار: 73/ 345.

117

و لأجل هذه الحكمة هم يكفرون من قال بالغرض مع أنّ معنى اللام للغرض لا غير.

و يقولون: إنّه و إن كان لا يجب على اللّه تعالى رعاية المصالح، إلّا أنّه تعالى لا يفعل إلّا ما يكون مصلحة لعباده تفضّلا منه و إحسانا لا وجوبا.

و أمّا المقدّمة الثانية: و هي اشتمال الفعل على هذه المصلحة فظاهر، لأنّا إنّما نحكم بعلّيّة الوصف إذا عرفنا كونه كذلك.

و أمّا الثالثة: و هي أنّ الداعي له تعالى إلى شرع ذلك الحكم هو هذه المصلحة فلوجهين:

أ. المصلحة المقتضية لشرع الحكم ليس غير هذه المصلحة، لأنّ ذلك الغير لم يكن مقتضيا لهذا الحكم في الأزل، و إلّا لكان الحكم ثابتا في الأزل، و ذلك يفيد ظن استمرار هذا السّلب على ما يأتي في الاستصحاب.

ب. العلم بكون الحاكم حكيما مع العلم باشتمال الحكم على هذه الجهة من الحكمة يفيد في الشاهد تعليل مشروعية ذلك الحكم بتلك الحكمة. فانّا لو اعتقدنا في ملك البلد أنّه لا يفعل إلّا لحكمة، ثمّ دفع إلى فقير مالا، و معلوم أنّ فقره يناسب الدفع إليه و لم تخطر صفة أخرى تناسب الدفع، ظنّنا أنّ علّة الدفع الفقر، و إن كنّا نجوز غيره، لكنّه مرجوح فلا يقدح في الظن.

118

و لو ظهر وجهان كالفقر و العلم، فإن تساويا انتفى ظن العلّة في واحد بعينه. فإذن العلم بحكمة الفاعل و بحصول جهة معينة من الحكمة و الغفلة عن غيرها يقضي بظن استناد الفعل إلى تلك الحكمة فيكون في الغائب كذلك، لأنّ الظن دار مع العلمين وجودا و عدما، و الدوران دليل العليّة ظاهرا، فيحصل ظنّ أنّ العلم بحكمة الفاعل و باشتمال الفعل على جهة مصلحة مع الغفلة عن سائر الجهات علّة لحصول الظن بأنّ ذلك الحكيم أتى بذلك الفعل لتلك الحكمة، و العلّة تستلزم الحكم أينما حصلت. فإذا حصل ذلك العلمان في أفعاله تعالى و أحكامه حصل ظن أنّه تعالى إنّما شرع الحكم لتلك المصلحة، فالمناسبة تفيد ظن العلّيّة.

الوجه الثاني: في أنّ المناسبة تفيد ظنّ العلّيّة بعد تسليم أنّ فعله ليس لغرض.

إنّ دوران الأفلاك و طلوع الكواكب و غروبها و بقاءها على أشكالها و أنوارها غير واجب، لكنّ اللّه تعالى لمّا أجرى عادته على البقاء على حالة واحدة لا جرم يحصل ظن البقاء، و كذا نزول المطر عند الغيم الرطب، و حصول الشبع و الري عقيب الأكل و الشرب، و الاحتراق عند ملاقاة النار غير واجب، لكن العادة لما اطّردت حصل ظن يتاخم العلم بالبقاء على مناهجها.

و الحاصل: أنّ تكرر الشي‏ء مرارا كثيرة يقتضي ظنّ أنّه متى حصل فإنّما يحصل على ذلك الوجه. و حينئذ نقول: لما تأمّلنا الشرائع وجدنا

119

اقتران الأحكام و المصالح بحيث لا ينفك أحدهما عن الآخر.

فإذن العلم بحصول أحدهما يقتضي ظن حصول الآخر و إن انتفى التأثير بينهما. فالمناسبة دليل العلّيّة، لوجوب العمل بالظن لإجماع الصحابة عليه و وجوب اتّباعه في أحكام الشرع. كما اشتهر في زمن عمر تقدير حد الشارب ثمانين لقول علي (عليه السلام): إنّه إذا شرب سكر، و إذا سكر هذى، و إذا هذى افترى، فأرى أن يقام عليه حدّ المفتري إقامة للشرب الذي هو مظنة الافتراء مقام الافتراء في حكمه. (1)

و كحكمهم في إمامة أبي بكر بالظن، و قياسهم العقد على العقد في الإمامة.

و كقول أبي بكر: أقول في الكلالة برأيي. (2)

و قول عمر: أقول في الجد برأيي، و قضى فيه بآراء مختلفة. (3)

و الاعتراض‏ (4) أن يقول: لم قلتم: إنّه تعالى شرع الأحكام لمصلحة العباد؟

قوله: تخصيص الصورة المعينة بالحكم المعين لا بدّ له من مرجّح.

____________

(1). مستدرك الحاكم: 4/ 376؛ سنن البيهقي: 8/ 321؛ فتح الباري: 12/ 59؛ سنن الدارقطني: 3/ 117؛ الكافي: 7/ 215 ح 7؛ تهذيب الأحكام: 10/ 90 ح 3؛ الإحكام: 3/ 317.

(2). بحار الأنوار: 34/ 377؛ إحقاق الحق: 335 و 339؛ الإحكام: 3/ 318؛ المستصفى: 289.

(3). الإحكام: 3/ 318؛ المستصفى: 287.

(4). ذكره الرازي مع الجواب عنه في المحصول: 2/ 332- 333.

120

قلنا: سواء ادّعيت احتياج التخصيص إلى مخصّص أو لم تدع لا يمكنك القول بتعليل أحكامه تعالى بالمصالح؛ أمّا مع الاحتياج فلأنّ فعل العبد و إن وقع منه تعالى استند الكفر و المعصية إليه، فيستحيل القول بأنّه لا يفعل إلّا لمصلحة العبد.

و إن وقع من العبد، فإن لم يتمكّن من ترك المعصية مع أنّ القدرة و الداعي الموجبين لها من فعله تعالى كان قد فعل في العبد ما يوجب المعصية، و يمتنع عقلا انفكاكه عنهما، فلا يمكن القول بأنّه تعالى يراعي مصلحة العبد.

و إن تمكن من الترك افتقر في ترجيح أحد الممكنين إلى مرجّح، فإن كان من العبد عاد التقسيم، و إن كان منه تعالى فإن وجب الترجيح عنده عاد الأمر إلى أنّه تعالى فعل فيهما ما يوجب المعصية فلا يراعي المصالح، و إن لم يجب افتقر إلى مرجح آخر و يتسلسل أو ينتهي إلى الوجوب.

لا يقال‏ (1): عند حصول المرجّح يكون الفعل أولى بالوقوع من غير انتهاء إلى حد الوجوب.

لأنّا نقول: حصول الترجيح و لا حصوله مع الأولوية ان كانا ممكنين فلنفرض وقوعهما، فنسبة الأولوية إلى الترجيح و اللّاترجيح على السواء، فاختصاص أحد زماني الأولوية بالوقوع دون الثاني ترجيحا للممكن المتساوي من غير مرجّح، و هو محال.

____________

(1). ذكره الرازي مع الجواب عنه في المحصول: 2/ 334.

121

فاذن القول بافتقار التخصيص إلى المخصّص، يمنع من تعليل أحكامه تعالى بالمصالح، و أمّا مع عدم احتياج التخصيص إلى المخصص فامتناع القول بتعليل أفعاله و أحكامه بالمصالح ظاهر.

و أيضا فإنّ هذا يدلّ على امتناع تعليل أفعاله بالمصالح، و هو من وجوه‏ (1):

الأوّل: أنّه تعالى خلق أفعال العباد، فلا يراعي في أفعاله المصالح و بيان الأولى من وجوه:

أ. أنّ العبد لو كان موجدا لأفعاله لكان عالما بتفاصيلها، و التالي باطل فالمقدّم مثله.

بيان الشرطية: أنّ فعله واقع على كيف و كم مخصوصين مع جواز وقوعه على غيرهما، و لا بدّ لذلك الاختصاص من مخصّص، و إلّا لزم القدح في إثبات الصانع، إذ المقتضي للعلم به اختصاص حدوث العالم بوقت و قدر معينين مع جواز وقوع غيرهما، و التخصيص مسبوق بالعلم، لأنّه عبارة عن قصد إيقاعه على ذلك الوجه، و القصد إلى إيقاعه كذلك مشروط بالعلم بذلك الوجه، لاستحالة قصد الغافل.

و أمّا بطلان التالي أنّ الفعل يصدر من النائم مع عدم خطور شي‏ء من التفاصيل بباله، بل الغافل يفعل أمورا كثيرة لا يعلمها، كالبطء في الحركة فإنّه إن كان عبارة عن تحلّل السكنات، فالفاعل للحركة البطيئة يفعل حركة

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 334- 341.

122

في بعض الأحيان و سكونا في البعض الآخر مع عدم علمه بذلك. و إن كان عبارة عن كيفية قائمة بالحركة فكذلك ان فاعل الحركة لا يعرفها، ثمّ ذلك البطء يختلف فقد فعل عرضا مخصوصا في عرض آخر مع جواز أن يحصل سائر مراتب البطء مع عدم خطور شي‏ء بباله، فعلمنا أنّه قد يفعل ما لا يعلم فالعبد غير موجد.

ب. مقدور العبد مقدور للّه تعالى، لأنّه ممكن و الإمكان علة المقدورية، فيجب وقوعه بقدرته تعالى، لأنّ قدرة العبد لو صلحت للإيجاد، و فرضنا أنّ كلا منهما أراد إيجاده اجتمع على الفعل مؤثّران مستقلّان، و هو محال، لوجوبه مع المؤثّر المستقل فيستغني بكلّ منهما حال احتياجه إليهما.

ج. لو أراد العبد تحريك جسم حال ما أراد اللّه تعالى تسكينه، و قدرة كلّ منهما مستقلة بالإيجاد لم يكن وقوع أحد المقدورين أولى، فإمّا أن يقعا معا و هو جمع بين الضدين أو يرتفعا معا، و هو محال، لأنّ المانع من وجود كلّ منهما وجود الآخر، و المانع حاصل حال تحقّق الامتناع، فيوجدان معا حالة عدمهما.

لا يقال: قدرته تعالى أولى بالإيجاد، لأنّها أقوى.

لأنّا نقول: إنّها أقوى بمعنى أنّها مؤثّرة في أمور أخر لا تؤثر فيها قدرة العبد، أمّا ما يتعلّق بذلك المقدور، فلا لأنّا لو فرضناه واحدا فيستحيل فيه التفاوت، فيستحيل التفاوت في التأثير فيه.

د. لو قدر العبد على مقدور ما لقدر على الجميع، و التالي باطل‏

123

بالضرورة، فإنّه لا يقدر على خلق السماوات و الأرض فالمقدّم مثله.

و بيان الشرطية: أنّ المصحّح للمقدورية الإمكان و هو واحد في الجميع، فقد ثبت أنّ العبد غير موجد لأفعاله، بل اللّه تعالى، فالمعاصي من فعله تعالى، و معلوم أنّ الغالب على العالم الكفر و المعاصي فيمتنع القول بأنّه تعالى لا يفعل إلّا لمصلحة العبد.

لا يقال: لا نسلّم انّه تعالى الخالق لأفعال العبد، لكنّ للمكلّف اختيار الإيمان و الكفر، و اللّه تعالى أجرى عادته بخلق ما يختاره العبد منهما، فمنشأ المفسدة اختيار المكلّف.

لأنّا نقول: حصول اختياره أحدهما إن كان من فعل العبد خاصة لم يكن اللّه تعالى فاعلا لجميع أفعال العبد، و إن كان من فعله تعالى توجّه الإشكال.

[الوجه‏] الثاني: أنّ القادر على الكفر إن لم يقدر على الإيمان، لزم الجبر، و هو يقدح في رعاية المصالح. و إن قدر فلا بدّ و أن ينتهي إلى مرجّح من فعله تعالى يجب عنده الفعل، فيلزم الجبر و هو يقدح في اعتبار المصلحة.

الثالث: أنّ تكليف ما لا يطاق واقع، فيمتنع رعاية المصالح.

و بيان الأوّل من وجوه:

أ. أنّه تعالى كلّف بالإيمان من علم كفره و صدور الإيمان منه محال، لاستحالة انقلاب علمه جهلا.

124

ب. ان كلّفه حال استواء الداعي (مع أنّ الفعل) (1) حينئذ محال، لامتناع الرجحان حال الاستواء، فقد كلّف بالمحال أو حال الرجحان و الراجح واجب و المرجوح ممتنع، و بأيهما كلّف لزم تكليف المحال، لأنّ ترجيح المرجوح جمع بين الضّدين و ترجيح الراجح تحصيل الحاصل.

ج. القدرة إذا حصلت في العبد فإن أمر بإيقاع الفعل في ذلك الزمان لزم المحال، لأنّه إذا وجد المقدور في ذلك الزمان، فلو أمر اللّه تعالى بإيقاعه في ذلك الزمان كان أمرا بإيجاد الموجود.

و إن أمر في الزمان الثاني لزم المحال أيضا، لأنّه إذا لم يتمكّن منه في الزمان الأوّل كان أمره بالفعل أمرا لغير القادر.

لا يقال: لم يؤمر في الحال بإيقاعه فيه بل في ثانيه.

لأنّا نقول: إن لم يكن لقولك يوقعه مفهوم زائد على الفعل لم يكن لقولك: إنّه أمر في الحال بإيقاع الفعل في الثاني إلّا أنّه أعلم في الحال بأنّه لا بدّ و أن يكون في الزمن الثاني بحيث يصدر عنه الفعل، ففي هذا الزمان لم يحصل إلّا الإعلام، فأمّا الإلزام فإنّما يحصل في الثاني، فيعود الأمر إلى أنّه أمر بإيقاع الفعل حال وقوعه.

و إن كان له مفهوم زائد، فإن حصل في الزمن الأوّل و قد أمر في الأوّل به، لزم كونه مأمورا بالشي‏ء حال وقوعه.

____________

(1). في «ب» و «د»: فالفعل.

125

و إن لم يحصل إلّا في الثاني عاد ما ذكرنا من الحاصل في الأوّل إعلام لا إلزام، و الإلزام إنّما يحصل في الثاني فيلزم ما ذكرنا من الأمر بالإيقاع حالة الوقوع.

د. قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ‏ (1) المخبر عنهم فيه كانوا مأمورين بالإيمان، و منه تصديق اللّه تعالى في كلّ ما أخبر عنه فقد امروا بتصديق اللّه تعالى في إخبارهم انّهم لا يؤمنون و هو تكليف ما لا يطاق.

ه. فعل العبد إنّما يحصل إذا خلق اللّه فيه داعية تلجئه إلى الفعل، و إذا ألجئ إلى فعل الكفر كان تكليف الإيمان تكليفا بما لا يطاق.

و. الأمر بالمعرفة إن توجّه حال المعرفة لزم الأمر بتحصيل الحاصل، و إن توجّه لا حالها استحال حينئذ أن يكون عارفا فحال كونه بحيث يستحيل أن يعرف أمر اللّه تعالى لما توجّه عليه الأمر، كان تكليفا بما لا يطاق.

ز. أنّه تعالى أمر بالترك و هو غير مقدور، لأنّ معناه بقاؤه على العدم الأصلي و العدم نفي محض و القدرة مؤثرة، فالجمع بينهما متناقض، و لأنّ التأثير في الباقي محال.

لا يقال: الترك فعل الضد، و هو وجودي.

____________

(1). البقرة: 6.

126

لأنّا نقول: الإلزام قائم، لأنّ الواحد منّا قد يؤمر بترك الشي‏ء الذي لا يعرف له ضدا، فلو أمرنا في ذلك الوقت بفعل ضده لكنّا قد أمرنا بفعل شي‏ء لا نعرف ماهيّته، فيكون ذلك تكليفا بالمحال. و إذا ثبت تكليف ما لا يطاق امتنع تعليل أفعاله تعالى بالمصالح.

[الوجه‏] الرابع: تخصيص خلق العالم بوقت حدوثه دون ما قبله و ما بعده لا لغرض، لانتفاء الوقت و الزمان قبل العالم، بل ليس إلّا (اللّه تعالى و) (1) العدم الصرف، و يستحيل أن يحصل فيه وقت يكون منشأ للمصلحة و آخر للمفسدة.

الخامس: أنّ تقدير الأفلاك و الكواكب و العناصر و الجبال و البحار بمقاديرها المعيّنة لا يجوز أن يكون لمصلحة الخلق، للعلم بأنّه لو زاد في مقدار الفلك [مقدار] جزء لا يتجزّأ لم يتغيّر بسببه شي‏ء من مصلحة العباد و لا مفاسدهم.

السادس: أنّه [تعالى‏] خلق الكافر الفقير بحيث يكون في المحنة من أوّل عمره إلى آخره، و في الآخرة يكون معذّبا دائما مع أنّه تعالى يعلم في الأزل أنّه إذا خلقه و كلّفه بالإيمان لم يستفد من ذلك إلّا البلاء و المحنة، فكيف يقال: إنّ ذلك مصلحة له؟!

السابع: أنّه تعالى خلق الخلق و ركّب فيهم الشهوة و الغضب حتى ربّما قتل بعضهم بعضا، و فجر بعضهم ببعض، و قد كان يقدر على خلقهم‏

____________

(1). ما بين القوسين من المحصول: 2/ 340.

127

في الجنة ابتداء و يغنيهم بالمشتهيات الحسنة عن القبيحة.

لا يقال: إنّما فعل ذلك ليعطيه العوض و ليكون لطفا لمكلّف آخر.

لأنّا نقول: لو أعطاه العوض ابتداء كان أولى، و لا يحسن إيلام زيد ليكون لطفا لعمرو.

الثامن‏ (1): الأمّة بين قائلين: منهم من جعل أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى، فيلزم أن يكون خالقا للكفر و المعاصي و أنواع الشرور مع انتفاء الحكمة و المقاصد في خلقها؛ و منهم من قال أنّها مخلوقة للعبد، و إنّما كانت مخلوقة له بواسطة خلق اللّه تعالى القدرة على ذلك، و خلق القدرة الموجبة لهذه الأمور لا يكون لحكمة.

التاسع: لو استلزم فعله الحكمة، لما أمات الأنبياء و انظر ابليس، و لما أوجب تخليد أهل النار فيها، لعدم الحكمة فيه.

العاشر: لو كان فعله لحكمة و مقصود، فعند تحقّقها إن وجب الفعل كان اللّه تعالى مضطرا غير مختار، و إن لم يجب أمكن وجوده تارة و عدمه أخرى، فإن ترجّح أحدهما لمقصود تسلسل، و إن كان لا لمقصود فالمطلوب.

الحادي عشر: لو كان فعله لغرض و مقصود، فإن كان ذلك المقصود قديما لزم قدم الصنع و المصنوع، و إن كان حادثا فإن توقّف على مقصود تسلسل، و إلّا فالمطلوب.

____________

(1). من الوجه الثامن إلى الوجه التاسع عشر ذكرها الآمدي في الإحكام: 3/ 318- 321.

128

الثاني عشر: أنّ حكم اللّه تعالى كلامه، و هو قديم، و المقصود يستحيل أن يكون قديما لاستحالة وجود قديم غير اللّه تعالى و صفاته، و إذا كان حادثا لزم تعليل القديم بالحادث و هو محال.

الثالث عشر: لو كان فعله لغرض، فإن كان فعله لذلك الغرض أولى من تركه، لزم أن يستكمل بذلك الفعل، و إن لم يكن أولى امتنع الفعل لعدم الأولوية.

الرابع عشر: الحكم و المقاصد خفية، و في ربط الأحكام الشرعية بها ما يوجب الحرج في حقّ المكلّف باطّلاعه عليها و البحث عنها، و الحرج منفي بقوله تعالى: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ (1).

الخامس عشر: أنّ وجود الحكمة ممّا يجب تأخّره عن وجود شرع الحكم، و المتأخّر يمتنع أن يكون علّة للمتقدّم.

السادس عشر: لو شرع الأحكام للحكم، لكانت مفيدة لها قطعا، لأنّه تعالى قادر على تحصيل تلك الحكمة قطعا، فلو فعل ما فعله قصدا لتحصيل تلك الحكمة، لكان الظاهر منه أنّه يفعله على وجه تحصل به تلك الحكمة قطعا، و أكثر الأحكام من الزواجر و غيرها لا يفيد ما قيل إنّها حكم لها قطعا.

السابع عشر: أنّه تعالى قادر على تحصيل الحكمة من دون شرع الحكم، فيكون توسط شرعه عبثا.

____________

(1). الحج: 78.

129

الثامن عشر: أنّ الحكمة إنّما تطلب في حقّ من تميل نفسه إلى جلب نفع أو دفع ضرر، و اللّه تعالى منزه عنه.

التاسع عشر: أنّ الحكمة إنّما تطلب في حق من لو خلا فعله من الحكمة لحقه الذم و كان عابثا، و اللّه تعالى منزّه عنه، لأنّه يتصرّف في ملكه كيف شاء.

فظهر بذلك أنّه ليس الغالب في أفعاله تعالى رعاية المصالح و لا يغلب على الظن تعليل أحكامه بالمصالح، كما لو رأينا شخصا غالب أفعاله عدم الالتفات إلى المصالح ثمّ رأيناه حكم بحكم لا يغلب على الظن اشتمال ذلك الحكم على المصلحة، هذا في حق الإنسان المحتاج إلى رعاية المصلحة و الإله يتعالى عن المصالح، ثم رأينا غالب أفعاله ما لا يكون مصلحة للخلق كيف يظن تعليل أحكامه بالمصالح؟!

سلّمنا أنّ أفعاله تعالى معلّلة بالمصالح، و أنّ هذا الفعل مصلحة من هذا الوجه، فلم قلت: إنّ هذا القدر يقتضي ظنّ أنّ ذلك الحكم معللا بهذه المصلحة؟ و اعتمادكم على الوجه الأوّل مبني على الاستصحاب و الثاني مبني على الدوران.

و على الوجه الثاني لم قلت: إنّه لما حصل الظنّ في المثال المذكور وجب حصوله في حقّه تعالى. و الدوران إنّما يفيد الظن إذا لم يظهر وصف آخر في الأصل، و قد وجد هنا لوجهين‏ (1):

____________

(1). ذكرهما الرازي في المحصول: 2/ 342.

130

أ. إنّما حكمنا بذلك في حقّ الملك، لعلمنا بميل طبعه إلى جلب المصلحة و دفع المفسدة، و هو مفقود في حقّه تعالى.

ب. المعتبر ليس دفع عموم الحاجة، بل دفع الحاجة المخصوصة، فمن عرف عادة الملك أنّه يراعي هذا النوع أو ذاك حصل له ظن انّ غرض الملك من هذا الفعل إمّا هذا أو ذاك، و عادة اللّه تعالى في رعاية أجناس المصالح و أنواعها مختلفة، و لذلك قد يكون الشي‏ء قبيحا عندنا و هو حسن عند اللّه تعالى و بالعكس، و لهذا المعنى نقطع الآن بقبح شريعة موسى و عيسى (عليهما السلام) و بحسن شريعتنا، و التفاوت غير معلوم الآن، فظهر الفرق بين الصورتين.

سلّمنا أنّ ما ذكرتم يدلّ على قولكم لكنّه معارض بوجوه‏ (1):

الأوّل: انّ أفعاله لو كانت لدفع حاجة العبد لارتفعت جميع الحاجات لاشتراكها في أصل كونها حاجة و تباينها بخصوصياتها، و ما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فما به الامتياز لكلّ نوع من أنواع الحاجة عن باقي أنواعه لا يكون حاجة.

فإذن التعليل بكونه حاجة يوجب سقوط تلك الزوائد عن العلّيّة، و ارتباط الحكم بمسمّى الحاجة الذي هو القدر المشترك بين كلّ أنواعه، فإذا كان المسمّى علّة لشرع ما يصلح أن يكون دافعا له، لزم اندفاع كلّ الحاجات، لكن اللازم باطل قطعا، فيبطل التعليل بالحاجة.

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 342.

131

الثاني: تعليل أحكامه تعالى بالمصالح يفضي إلى مخالفة الأصل، لأنّ العبادات التي كانت في شرع موسى و عيسى (عليهم السلام) كانت حسنة في ذلك الزمان و صارت قبيحة الآن، فلا بدّ و أن يكون ذلك، لأنّه حصل في ذلك الزمان شرط لم يحصل الآن، أو وجد الآن مانع لم يكن موجودا في ذلك الوقت، و لكن توقيف المقتضي على وجود الشرط أو تخلّف حكمه لمانع، خلاف الأصل.

الثالث: الحكم لا يجوز تعليله بالحكمة، لعدم انضباطها فتكون خفية؛ و لا بالوصف المشتمل عليها، لأنّه إنّما يكون علّة للحكم لاشتماله على الحكمة، فتكون الحكمة علّة لعلّة الحكم، فيعود المحذور.

سلّمنا استلزام شرع الحكم للحكمة لكن لا يلزم أن يكون ما ظهر من المناسب علّة، و لو دلّ لزم كون أجزاء العلّة المناسبة عللا، فجاز أن يكون جزء علة فلا يلزم من وجوده في الفرع وجود الحكم.

و هذه الشبه أورد أكثرها الإمام فخر الدين الرازي ثمّ أجاب‏ (1) بأنّ أفعال اللّه تعالى مشروعة للمصالح على ما بيّنّا، و الوجوه العقلية التي ذكرت لو صحّت لقدحت في التكليف، و الكلام في القياس نفيا و إثباتا فرع على القول بالتكليف، فلا تكون مسموعة.

و أمّا الفرقان المذكوران بين الشاهد و الغائب فإنّما يقدح في قول من‏

____________

(1). المحصول: 2/ 343.

132

يوجب عقلا تعليل أحكامه تعالى بالمصالح. و من لا يوجبه لكن يفعل تفضلا و إحسانا لم يقدح الفرق في قوله.

و المعارضات الثلاثة الأخيرة منقوضة بتعليل أفعالنا بالدواعي و الأغراض فإنّها آتية فيها.

و فيه نظر، لامتناع الجمع بأنّه تعالى يفعل لا لغرض و أنّه شرّع أفعاله للمصالح.

و أجاب غيره‏ (1) عن الأوّل: بأنّ القدرة إنّما تتعلّق بالحدوث و الوجود لا غير، و الكفر و أنواع المعاصي و الشرور راجعة إلى مخالفة نهي الشارع، و ليس ذلك من متعلّق القدرة في شي‏ء.

سلّمنا أنّ الجميع مخلوقة للّه تعالى، فنحن لا ندّعي ملازمة الحكمة لأفعاله مطلقا حتى يطرد ذلك في كلّ مخلوق، بل إنّما ندّعي ذلك فيما يمكن مراعاة الحكمة فيه، و ذلك فيما عدا الشرور و المعاصي، و لا ندّعي ذلك قطعا بل ظاهرا.

سلّمنا لزوم الحكمة لأفعاله مطلقا، لكن لا نسلّم امتناع ذلك فيما ذكروه من الصور قطعا، لجواز أن يكون لازمها حكم لا يعلمها سوى الرب تعالى و هو الجواب عن الثامن و التاسع.

و فيه نظر، لأنّ الكفر و المعاصي و الظلم و غيرها من الأفعال متحقّقة ثابتة في الخارج فلا بدّ لها من مؤثر سواء أثر في حقيقتها أو وجودها، و ذلك‏

____________

(1). المجيب هو الآمدي في الإحكام: 3/ 322.

133

المؤثر إن كان هو اللّه تعالى انتفت حكمته، و هو محال.

سلّمنا لكن المخالفة لنهي الشرع إن لم يكن متعلّق القدرة و المؤثر امتنع اللوم و الذنب على العبد و بطل التكليف، و إلّا عاد الإشكال. و إذا لم يجب ملازمة الحكمة لأفعاله، بل فيما عدا الشرور لم يحصل الظن برعاية هذه الحكمة لجواز إلحاقها بالشرور في عدم مراعاتها أو في نفسها، و تجويز كون الشرور لحكم، و كذا المعاصي و أنواع الظلم و الكفر، يخرجها عن حقائقها، و هو غير محلّ النزاع.

بل الحق في الجواب أن يقول: لا نسلّم استناد الأفعال إليه تعالى و لا يستلزم الفعل العلم مفصّلا، بل و لا مجملا، فإنّ العلل مؤثّرة و فاعلة لآثارها مع انتفاء الشعور، نعم الفاعل بالقصد لا بدّ و أن يكون عالما لكن لا يجب التفصيل في علمه، بل الشرط تعلّق العلم بما تعلّق به الاختيار، و الاختيار إنّما يتعلّق به على الإجمال لا التفصيل، فإن تعلّق به على التفصيل وجب فيه العلم كذلك و قدرة العبد مع قدرته تعالى لا يستلزم وقوع الفعل منهما، لعدم استلزام القدرة التأثير، و نمنع عدم الأولوية لإمكان تخصيص استناد الوقوع إلى اللّه تعالى، لأنّه أقوى. و هذا دليل أخذه الأشاعرة من المتكلّمين في الوحدانية، و هو هناك يتمشّى و لا يتمشّى هنا. و لا يلزم من قدرته تعالى على شي‏ء عموم قدرته، و لا يلزم من الوجوب المستند إلى مجموع القدرة و الداعي الجبر، على ما سلف، و وجوب المعرفة عقلي و الترك مقدور و هو إمّا نفس اللايفعل أو أن يفعل الترك.

134

و في الرابع نظر، لأنّ المصلحة لا تتوقف على حصول وقت، فإنّ الوقت نفسه لا بد في وجوده من المصلحة و لا يفتقر إلى وقت آخر.

و في الخامس نظر، لأنّ خفاء المصلحة لا يستلزم عدمها و كذا المفسدة، فجاز أن يكون زيادة جزء لا يتجرى مفسدة و عدمها مصلحة.

و أجيب عن السادس و السابع: بأنّ الحكمة في ذلك إن كانت ممتنعة لم يلزم امتناعها في ما هي ممكنة فيه، و إن كانت جائزة أمكن وجودها و نحن لا نطّلع عليها.

و الحق في الجواب انّ خلق الكافر مصلحة، فإنّ الإيجاد لا نزاع في كونه مصلحة، و كذا الإقدار و التكليف، فإذا اختار المكلّف المعصية المستلزمة لذاتها العقاب لم يخرج الحسن بسببه عن حسنه.

و عن العاشر: أنّ وجود الفعل و ان قدر تحقّق الحكمة، غير واجب، بل هو تبع لتعلّق القدرة و الإرادة به. و مع ذلك فالباري لا يكون مضطرا بل مختارا.

و عن الحادي عشر: أنّ المقصود حادث لا يفتقر إلى مقصود آخر، فإنّا إنّما ندّعي ذلك فيما هو ممكن، و افتقار المقصود إلى مقصود آخر غير ممكن لإفضائه إلى التسلسل الممتنع، و إن كان مفتقرا إلى مقصود، فذلك المقصود هو نفسه لا غيره، فلا تسلسل.

135

و عن الثاني عشر: أنّ الحكم ليس هو نفس الكلام القديم، بل الكلام بصفة التعلّق، فكان حادثا، و إن كان الحكم قديما و المقصود حادثا، فإنّما يمتنع تعليله به لو كان موجبا للحكم، و ليس كذلك، بل إمّا بمعنى الأمارة، و الحادث يجوز أن يكون أمارة على القديم، و أمّا بمعنى الباعث فلا مانع في تجويز كونه متأخّرا، و يكون حكم اللّه تعالى القديم لأجل ما سيوجد من المقصود الحادث.

و فيه نظر، فإنّ الحكم لو كان حادثا و هو مفسر بأنّه خطاب من اللّه تعالى المتعلّق بأفعال المكلّفين، كانت صفة اللّه تعالى حادثة، و هو محال.

و عن الثالث عشر: أنّ الغرض أولى من تركه، لكن بالنظر إلى المخلوق.

و فيه نظر، فإنّ هذا العذر إنّما يصحّ من المعتزلة، لأنّ عمدة الأشاعرة في نفي الغرض على هذا الحرف، فلا يجوز لهم إنكاره، و إلّا لبطل أصل مذهبهم.

و عن الرابع عشر: نمنع الحرج في ربط الأحكام بالحكم المضبوطة بأنفسها، أو بأوصاف ظاهرة ضابطة لها لعدم العسر في معرفتها، و إن كان في استخراج ذلك نوع حرج لكن فيه فائدة و هي زيادة الثواب.

و عن الخامس عشر: أنّ المتأخّر يجوز أن يكون غاية، و كلّ العلل الغائية متأخّرة في الوجود و إن كانت متقدّمة في الماهية.

136

و عن السادس عشر: يجوز أن يكون المقصود من شرع الحكم حصول الحكمة ظاهرا لا مطلقا.

و عن السابع عشر: بإمكان أن يكون حصول الحكمة بدون شرع الحكم محالا، فلا يكون مقدورا و لا يستلزم العجز.

سلّمنا الإمكان و القدرة عليه فلا يلزم أن يكون شرع الحكم غير مفيد مع حصول الفائدة به و ان قدر إمكان حصول الفائدة بطريق آخر.

و عن الثامن عشر: نمنع ما ذكروه في رعاية الحكمة، بل الحكمة إنّما تطلب من فعل من لو وجدت الحكمة في فعله لم يكن ممتنعا، بل واقعا في الغالب.

و عن التاسع عشر: بأنّ ما ذكروه إنّما يلزم في حقّ من يجب مراعاة الحكمة في فعله، و اللّه تعالى ليس كذلك.

و فيه نظر، لما بيّنّا من المنافاة بين ذلك و بين التعليل في القياس، بل الحق في الجواب ما قاله المعتزلة من أنّه تعالى لو أخلّ بالحكمة لحقه الذم، لكن لمّا امتنع لحوق الذم له من حيث الحكمة، امتنع إخلاله بالحكمة من هذه الحيثية و إن كان قادرا على الإخلال.

و اعلم أنّ التحقيق يقتضي أن هذا الطريق لا يصلح لإثبات العلّيّة، أمّا على رأي الأشاعرة فظاهر، لامتناع تعليل أفعاله تعالى عندهم بالحكم و الأغراض، فكيف يصحّ مع ذلك القول بأنّ اللّه حكم في الأصل بكذا لأجل كذا.

137

و أمّا على رأي المعتزلة فلأنّ جهات المصالح إنّما تقتضي الإيجاب عليه تعالى لو خلا الفعل في نفس الأمر عن المفاسد، و لا يلزم من حصول المصلحة المعيّنة انتفاء المفاسد، و لا من عدم العلم بها انتفاؤها، فجاز أن يشتمل التعليل بما ذكروه على نوع مفسدة، فلا يصدر منه تعالى.

و عند هذا ظهر صحّة ما قلناه من بطلان القياس إلّا مع النصّ على العلّيّة.

البحث الخامس: في المؤثر (1)

و هو أن يكون الوصف مؤثرا في جنس الحكم في الأصول دون وصف آخر، فيكون أولى بأن يكون علّة من الوصف الذي لا يؤثر في جنس ذلك الحكم و لا في عينه، و ذلك كالبلوغ الذي يؤثر في رفع الحجر عن المال فيؤثّر في رفع الحجر عن النكاح دون البنوّة، لأنّها لا تؤثر في جنس هذا الحكم و هو رفع الحجر. و كقولهم: إذا قدّم الأخ من الأبوين على الأخ من الأب في الميراث فينبغي أن يقدّم في ولاية النكاح.

لا يقال: لم قلتم إنّ الأخوّة من الأبوين لمّا أثّرت في التقديم في الإرث أثّرت في التقديم في النكاح.

لأنّا نقول: بيّنوا ذلك بالمناسبة أو بأن لا فارق بين الأصل و الفرع إلّا كذا، و هو ملغى. فهذا الطريق لا يتمشى إلّا بطريق المناسبة و السبر.

____________

(1). ذكره الرازي في المحصول: 2/ 344.

138

البحث السّادس: في الشبه‏ (1)

و فيه مطلبان:

المطلب الأوّل: في ماهيته‏

اختلف الناس في تفسيره مع أنّ اسم الشبه و إن أطلق على كلّ قياس ألحق الفرع فيه بالأصل بجامع بشبهه فيه.

فقال قوم: إنّه ما تردّد الفرع فيه بين أصلين، و وجد فيه المناط الموجود في كلّ واحد من الأصلين، إلّا أنّه يشبه أحدهما في أوصاف هي أكثر من الأوصاف التي بها مشابهته للآخر، فإلحاقه بما هو أكثر مشابهة هو الشبه، كالعبد المقتول خطأ إذا زادت قيمته على دية الحرّ، فإنّه قد اجتمع فيه مناطان متعارضان:

النفسية و هو مشابه للحر فيها، و مقتضاه عدم الزيادة على الدية.

و المالية و هو مشابه للدابة، و مقتضاه الزيادة.

إلّا أنّ مشابهته للحر في الآدمية و استحقاق الثواب و العقاب، و مشابهته للدابة في كونه مملوكا مقوما في الأسواق، فكان إلحاقه بالحر لكثرة مشابهته أولى، و ليس هذا من الشبه في شي‏ء، لأنّ كلّا من المناطين مناسب و ما ذكر من كثرة المشابهة إن كانت مؤثرة فهي من باب الترجيح‏

____________

(1). ذكره الرازي في المحصول: 2/ 344.

139

لأحد المناطين على الآخر، و ذلك لا يخرجه عن المناسب و إن افتقر إلى نوع ترجيح.

و فسّره آخرون بما عرف فيه المناط قطعا غير أنّه مفتقر في آحاد الصور إلى تحقيقه. كما في طلب المثل في جزاء الصيد بعد أن عرف أنّ المثل واجب بقوله تعالى: فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ‏ (1)، و ليس هذا أيضا شبهي، فإنّ الكلام مفروض في العلّة الشبهية، و النظر هنا إنّما هو في تحقيق الحكم و هو الأشبه، لا في تحقيق المناط و هو معلوم بدلالة النصّ.

و دليل أنّ الواجب هو الأشبه أنّه أوجب المثل، و معلوم أنّ الصيد لا يماثله شي‏ء من النعم، فكان ذلك محمولا على الأشبه، كيف و هو مقطوع به، و الشبه مختلف فيه، و كيف يكون المتفق عليه هو المختلف فيه.

و منهم من فسّره بما اجتمع فيه مناطان مختلفان، لا على سبيل الكمال إلّا أن أحدهما أغلب من الآخر، فالحكم بالأغلب حكم بالأشبه، كاللعان الموجود فيه لفظ الشهادة و اليمين، و ليسا بمتمحضين، لأنّ الملاعن مدّع فلا تقبل شهادته لنفسه و لا يمينه. و هذا و إن كان أقرب ممّا تقدّم إلّا أنّه متى غلبت إحدى الشائبتين ظهرت المصلحة الملازمة لها في نظرنا، فيجب الحكم بها و لكنّه خارج‏ (2) عن التعليل بالمناسب. (3)

____________

(1). المائدة: 95.

(2). في الإحكام: 3/ 326: غير خارج.

(3). راجع الإحكام: 3/ 325- 326.

140

و قال القاضي أبو بكر (1): الوصف إن كان مناسبا للحكم بذاته سمّي المناسب؛ و إن لم يكن مناسبا بذاته فإن كان مستلزما لما يناسبه بذاته فهو الشبه، كتعليل التحريم بالرائحة الفاتحة المستلزمة للشدّة المطربة؛ و إن لم يكن مناسبا بذاته و لا مستلزما للمناسب بذاته فهو الطرد، فجعل الشبه قياس الدلالة و هو الجمع بين الأصل و الفرع بما لا يناسب الحكم و لكن بما يستلزم ما يناسب.

و قال قوم: الوصف الذي لا يناسب الحكم إمّا أن يكون قد عرف بالنصّ تأثير جنسه القريب في الجنس القريب لذلك الحكم، و إمّا أن لا يكون كذلك.

و الأوّل الشبه، لأنّه من حيث إنّه غير مناسب يظنّ عدم اعتباره في حقّ ذلك الحكم، و من حيث علم تأثير جنسه القريب في الجنس القريب لذلك الحكم مع أنّ سائر الأوصاف ليس كذلك يكون ظنّ استناد الحكم إليه أقوى من ظنّ استناده إلى غيره.

و الشافعي يسمّي هذا القياس قياس غلبة الأشباه. و هو تردّد الفرع بين أصلين، فإذا كانت مشابهته لأحدهما أقوى ألحق به، فأمّا الذي يقع فيه الاشتباه فالمحكيّ عن الشافعي أنّه كان يعتبر الشبه في الحكم كمشابهة العبد المقتول للحر و لسائر المملوكات.

____________

(1). نقله عنه الرازي في المحصول: 2/ 344.

141

و عن ابن عليّة (1) ان كان يعتبر الشبه في الصورة كردّ الجلسة الثانية في الصلاة إلى الجلسة الأولى في عدم الوجوب.

و الوجه أنّه متى حصلت المشابهة فيما يظن كونه علّة الحكم، أو مستلزما لما هو علّة له صحّ القياس سواء كان ذلك في الصورة أو في الأحكام.

و منهم من فسّره‏ (2) بما يوهم المناسبة من غير اطّلاع عليها، لأنّ الوصف المعلّل به إمّا أن تظهر فيه المناسبة بوقوف من هو أهل معرفة المناسبة عليها، و ذلك أن يكون ترتيب الحكم على وفقه ممّا يفضي إلى تحصيل مقصود من المقاصد المبيّنة أوّلا، فهو المناسب.

و إن لم تظهر فيه المناسبة بعد البحث التام ممّن هو أهله، فإمّا أن يكون مع ذلك لم يؤلف من الشرع الالتفات إليه في شي‏ء من الأحكام، أو قد ألف.

و الأوّل الطردي الذي لا التفات إليه، كما لو قال الشافعي في إزالة النجاسة بالخل مانع‏ (3) لا تبني القنطرة على جنسه فلا تجوز إزالة النجاسة به كالدهن، و كما لو علّل في مسألة من المسائل بالطول و القصر و السواد و البياض و نحوه.

و إن كان الثاني فهو الشبهي، و ذلك لأنّه بالنظر إلى عدم الوقوف على‏

____________

(1). نقله عنه الرازي في المحصول: 2/ 345.

(2). ذكره الآمدي في الإحكام: 3/ 326.

(3). في الإحكام: 3/ 327: في إزالة النجاسة بمائع.

142

المناسبة فيه بعد البحث يجزم المجتهد بانتفاء مناسبته، و بالنظر إلى اعتباره في بعض الأحكام يوجب إيقاف المجتهد عن الجزم بانتفاء المناسبة، فهو مشابه للمناسب في عدم الجزم بنفي المناسبة عنه، و مشابه للطردي في عدم الجزم بظهور المناسبة فيه فهو متوسط بين المناسب و الطردي بحيث ينحط عن الأوّل و يرتفع عن الثاني.

مثاله قول الشافعي في إزالة النجاسة طهارة تراد لأجل الصلاة، فلا تجوز بغير الماء كطهارة الحدث، فإنّ الجامع هو الطهارة، و مناسبتها لتعيين الماء فيها بعد البحث التام غير ظاهرة. و بالنظر إلى كون الشارع اعتبرها في بعض الأحكام كمسّ المصحف و الصلاة و الطواف يوهم اشتمالها على المناسبة.

و أقرب الاصطلاحات الأخير، و هو الّذي ذهب أكثر القائسين إليه، ثمّ يتلوه في القرب قول القاضي.

المطلب الثاني: في أنّ الشبه ليس بحجّة

هذا مذهب القاضي أبي بكر (1) لوجهين:

الأوّل: الوصف الذي سمّي بالشبه إن لم يكن مناسبا فهو طردي مردود بالاتّفاق، و إن كان مناسبا خرج عن كونه شبها إلى كونه مناسبا، و هو مقبول عند القائسين إجماعا.

____________

(1). نقله عنه الرازي في المحصول: 2/ 345- 346.

143

الثاني: المعوّل في العمل بالقياس و إثباته على عمل الصحابة، و لم يثبت عنهم التمسّك بالشبه.

و اعلم انّا لمّا بيّنّا أنّ المناسبة لا تصلح دليلا على العلّيّة، فالشبه أولى بالمنع.

و ذهب جماعة (1) إلى أنّه يفيد العلّيّة، لأنّه يفيد ظنّ العلّيّة، لأنّه لمّا استلزم العلّة كان الاشتراك فيه يفيد الاشتراك في العلّة.

و على التفسير الآخر لمّا ثبت احتياج الحكم إلى علّة، فهي إمّا هذا الوصف، أو غيره. ثمّ رأينا جنس هذا الوصف أثر في جنس ذلك الحكم، و لم يوجد هذا المعنى في باقي الأوصاف حصل ميل القلب إلى اسناد الحكم إلى ذلك الوصف أقوى من مثله إلى اسناده إلى غير ذلك الوصف؛ و إذا ثبت الظنّ وجب أن يكون حجّة، لوجوب العمل بالظنّ.

و اعترض‏ (2) على الأوّل: بمنع ردّ الوصف لو لم يكن مناسبا، بل إذا كان مستلزما للمناسب، أو عرف بالنصّ تأثير الجنس القريب لذلك الحكم لم يكن مردودا فإنّه المتنازع.

و على الثاني: بالتعويل في إثبات هذا النوع من القياس على عموم [قوله تعالى:] فَاعْتَبِرُوا (3) أو على أنّه يجب العمل بالظن.

____________

(1). منهم: الرازي في المحصول: 2/ 345.

(2). المعترض هو الرازي في المحصول: 2/ 346.

(3). الحشر: 2.

144

و فيه نظر، فإنّا قد بيّنّا أنّ المناسب ليس بعلّة، فملزومه لا يكون ملزوما للعلّة، و نمنع احتياج كلّ حكم إلى علّة و إلّا تسلسل.

سلّمنا، لكن نمنع الحصر لإمكان أن يكون العلّة ما عداهما.

سلّمنا، لكن جاز أن تكون العلّة مجموعهما.

سلّمنا، لكن جاز أن تكون العلّة أحد جزئيات أحدهما.

سلّمنا، لكن جاز وجود مانع في الفرع أو عدم شرط في الأصل.

البحث السابع: في الدوران‏

و هو ثبوت الحكم عند ثبوت وصف، و عدمه عند عدمه: إمّا في صورة واحدة، كالعصير لمّا انتفى الإسكار عنه أولى انتفى التحريم، و لمّا حدث وصف الإسكار فيه حدثت الحرمة فلمّا زال السّكر و صار خلّا زال التحريم.

أو في صور متغايرة، و هو غير دالّ على العلّيّة عند الأكثر.

و قال بعض المعتزلة: إنّه يفيد يقين العلّيّة. و قال آخرون: إنّه يفيد ظنّ العلّيّة. (1) و الحقّ الأوّل لوجهين:

الأوّل: أنّ بعض الدورانات لا يفيد ظنّ العلّيّة، فلا يفيد شي‏ء منها ذلك.

و بيان الأوّل من وجوه: (2)

____________

(1). ذكره الرازي في المحصول: 2/ 347.

(2). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 349.

145

أحدها: أنّ العلّة و المعلول متلازمان، فالدوران مشترك بينهما، و العلّيّة غير مشتركة.

ثانيها: الفصل مساو للنوع، فالنوع إذا أوجب حكما، فالدّوران كما حصل مع النوع حصل مع الفصل الّذي هو جزء العلّة مع أنّه ليس علّة.

ثالثها: العلّة كما يدور الحكم معها فقد يدور مع شرطها المساوي وجودا و عدما، مع أنّه ليس بعلّة إجماعا.

رابعها: المعلولات المتساوية و كلّ منها دائر مع الآخر وجودا و عدما و لا علّية بينها.

خامسها: الجوهر و العرض متلازمان و لا علّية، و كذا ذاته تعالى و صفاته، و كذا صفاته بعضها مع بعض.

سادسها: المضافان متلازمان وجودا و عدما مع انتفاء العلّة، لاستلزامها تقدّم العلّة.

سابعها: المكان و المتمكّن و الحركة و الزمان متلازمان مع عدم العلّيّة.

ثامنها: الجهات الستّ لا ينفك بعضها عن البعض مع انتفاء العلّيّة.

تاسعها: علمه تعالى دائر مع كلّ معلوم وجودا و عدما، فإذا كان المعلوم جوهرا علمه جوهرا، و كذا إذا لم يكن جوهرا يعلمه أنّه غير جوهر مع انتفاء العلّيّة، لأنّ شرط كون العلم علما تعلّقه بالشي‏ء على ما هو به، فما لم يكن المعلوم في نفسه واقعا على ذلك الوجه استحال تعلّق العلم به‏

146

على ذلك الوجه، فتعلّق العلم به على ذلك الوجه مشروط بوقوعه على ذلك الوجه، فلو كان وقوعه على ذلك الوجه مشروطا بعلمه به دار.

و يستحيل أن يكون المعلوم علّة للعلم، لأنّ علم اللّه تعالى صفة واجبة، فلا علّة لها. ثمّ إنّ علمه تعالى واقع بما لا يتناهى من المعلومات فهنا دورانات لا نهاية لها بدون العلّيّة.

عاشرها: الاعراض عند الأشاعرة غير باقية، و الألوان و الأشكال تحدث شيئا فشيئا، فحين عدم اللون و الشكل فنيت الألوان و الأشكال و غيرهما من جميع الأعراض عن جميع الأجسام، و حين حدث فيه لون و شكل حدثت سائر الأعراض في جميع الأجسام، فقد حصل دورانات كثيرة من دون علّيّة.

حادي عشرها: الفلك بل كلّ جسم إذا تحرك تحرّكت جميع أجزائه، فحركة كلّ جزء إنّما حدثت عند حدوث حركة جميع الأجزاء، و حين كانت حركة ذلك الجزء معدومة كانت حركات سائر الأجزاء معدومة، فقد حصلت دورانات كثيرة بدون العلّيّة.

ثاني عشرها: كلّ حيوان يتنفّس، و معلوم أنّ تنفّس كلّ واحد مقارن لتنفّس الآخر، أو متأخّر بشي‏ء لا يعتدّ به، فقد وجدت هذه الدورانات بدون العلّيّة.

ثالث عشرها: الحكم كما دار مع الوصف المفروض علة كذا دار مع تعيّنه وجودا و عدما، و خصوص المحل، و خصوص وقوعه في الزمان‏

147

المعيّن و المكان، و كلّ ذلك لا يصلح للعلّية، لأنّها عدميّات.

رابع عشرها: الحد و المحدود كلّ منهما دائر مع الآخر وجودا و عدما، و كذا لوازم المعلول و لوازم العلّيّة كالرائحة المخصوصة المقترنة بالشدة المطربة في الخمر الموجودة عند وجودها المعدومة عند عدمها مع انتفاء العلّيّة في جميع ذلك. و بالجملة فالكلام في ذلك غير منحصر و إذا انفك بعض الدورانات عن العلّيّة انتفى ظنها؛ لأنّه إذا انفك بعضها عن العلّيّة فإن استلزم البعض الآخر العلّيّة، فإمّا لذاته و هو محال، و إلّا لزم الترجيح من غير مرجّح لوجود الذات في الموضعين؛ و إمّا لغيره فلا يكون المدار نفسها يقتضي العلية، بل هي مع شي‏ء آخر و المجموع المركب من شيئين مغاير لإفراده.

[الوجه‏] الثاني: و هو الّذي عوّل عليه المتقدّمون في القدح ان الاطّراد وحده ليس طريقا إلى علّيّة الوصف إجماعا. و الانعكاس غير معتبر في العلل الشرعية، فإذا كان كلّ منهما ليس طريقا، فالمجموع كذلك.

و اعترض‏ (1) على الأوّل: بأنّا لا نوجب ظنّ العلّيّة من مطلق الدوران، بل يشترط عدم دليل قادح في كونه علّة.

و على الثاني: لا يلزم من عدم إفادة كلّ واحد ظن العلّيّة عدم إفادته في المجموع، لأنّ المجموع قد يخالف الآحاد.

و فيه نظر، لأنّ مطلق الدوران لا يفيد العلّة، و عدم دليل القدح لا

____________

(1). المعترض هو الرازي في المحصول: 2/ 352.

148

يستلزم دليل الإثبات، و المجموع و إن خالف الآحاد لكن العلّة هنا ليست مسندة إلى مطلق الدوران، لما تقدّم و لا خصوصية يشار إليها بالعلّيّة.

و احتجّوا بوجهين‏ (1):

الأوّل: هذا الحكم لا بدّ له من علّة، فإمّا هذا الوصف، و هو المطلوب.

أو غيره، فإن كان موجودا قبل حدوث هذا الحكم، لزم تخلّف الحكم عن علّته، و هو خلاف الأصل. أو لم يكن و الأصل البقاء على ما كان فيحصل ظنّ أنّه بقى كما كان علّة؛ و إذا حصل ظنّ أنّ غيره ليس علّة، حصل ظنّ أنّه العلّة.

لا يقال‏ (2): الحكم كما دار مع حدوث ذلك الوصف وجودا و عدما، فكذا دار مع حدوث تعينه بعينه و خصوصيته المحل، فيكون تعيّنه بعينه و حدوثه في ذلك المحل معتبرا في العلّية و هو يمنع التعدية.

لأنّا نقول: معنى التعيّن أنّه ليس غيره، و هو أمر عدمي، و إلّا لساوى التعيّنات القائمة بسائر الذوات في كونها تعيّنا، و يمتاز عنها بالخصوصية، فيكون للتعيين تعيّن آخر، و يتسلسل و حصول الوصف في المحل لو كان وجوديا لكان وصفا لذلك الوصف، فكونه وصفا للوصف زائد عليه و يتسلسل. و إذا كان التعيّن و الحصول في المحل المعيّن عدميين، استحال كونه علّة، لأنّ قولنا إن كذا علّة نقيض قولنا ليس بعلّة، و هو عدمي لصحّة

____________

(1). منهم الرازي في المحصول: 2/ 347.

(2). ذكره مع الجواب عنه: الرازي في المحصول: 2/ 348.

149

اتّصاف المعدوم به في الجملة، و وصف المعدوم لا يكون موجودا و نقيض العدمي ثبوتي، فالعلّة ثبوتية فلا يصحّ وصف المعدوم بها، لامتناع قيام الموجود بالمعدوم. و يستحيل أن يكون جزء علة، لأنّ مع حصول غيره من الأجزاء إن حصلت العلّية فسائر الأجزاء من دون العدمي علّة تامة، فلا يكون العدمي جزءا؛ و إن لم يحصل و حصلت بحصوله فالعليّة إنّما حدثت لأجل هذا الجزء فجزء العلّة علّة تامّة لعلية العلّة، و قد تقدم بطلان كون العدم علّة.

الثاني: بعض الدورانات يفيد ظنّ العلّيّة؛ لأنّ من دعي باسم فغضب، ثم تكرّر الغضب مع الدعاء بذلك الاسم، حصل هناك ظن استناد الغضب إلى الدعاء بذلك الاسم و ذلك الظنّ حصل من الدوران، لأنّ الناس يعلّلون به فيقولون: رأينا الغضب مع الدعاء بذلك الاسم مرة بعد أخرى؛ فيكون كلّ دوران كذلك، لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ‏ (1).

و العدل: التسوية، و لا تحصل بين الدورانات إلّا بعد اشتراكها في إفادة الظن.

و في الأوّل: نظر من وجوه.

أ. نمنع تعليل كلّ حكم على ما سبق، و إلّا لزم التسلسل.

ب. نمنع الحصر، لجواز أن تكون العلّة المجموع أو جزئيات أحد القسمين.

____________

(1). النحل: 90.

150

ج. التخلّف و إن كان على خلاف الأصل، إلّا أنّ التعليل بالمدّعى على خلاف الأصل أيضا.

د. التخلّف يلزم لو كان السابق علّة تامّة، أمّا إذا كان جزءا أو مشروطا بمتجدّد حالة الحكم فلا.

ه. التقسيم وارد في هذا الوصف، فإنّه إن كان سابقا لزم التخلّف، و إن كان مقارنا لم يكن ثابتا أو لا فلا تكون علّيّته ثابتة، و الأصل البقاء.

و. و التعيّن جزء من الموجود فلا يكون عدما.

ز. نمنع الاشتراك المعنوي بين التعيّنات.

ح. يجوز اشتراكها في كونها تعيّنات، و هو اعتباري فلا تسلسل.

ط. لو كان عدميا لم يكن عدما مطلقا، بل عدما ما فله خصوصية، فجاز تعليل العلّيّة به، لأنّها وصف اعتباري أيضا، و إلّا لزم التسلسل، و كذا حصول الوصف في المحلّ.

ي. كما أنّ قولنا ليس علة عدميّ الاتصاف العدمي به، كذا قولنا: إنّه علّة، و لا يجب في نقيض العدمي الثبوت لجواز الانقسام.

ك. لا يلزم من توقّف العلّيّة على حصول الجزء العدمي كونه علّة تامّة فيها.

و في الثاني نظر، إذ لنا بل أن يقول للمستدلّ به: إنّه قد شارك الحمار في الحيوانية، فيجب اعتقاد مشاركته في جميع صفاته للآية.

151

البحث الثامن: في السبر و التقسيم‏

اعلم أنّ التقسيم إن كان منحصرا في طرفي النقيض كان حقّا، كما يقول: الحكم إمّا معلّلا، أو لا. فإن كان معلّلا فإمّا بالوصف الفلاني، أو بغيره و يبطل الاقسام إلّا التعليل بالمدّعى، و هذا هو المعوّل عليه في معرفة العلل العقلية.

و قد يوجد مثل ذلك في الأمور الشرعية، كما لو ثبت الإجماع على أنّ حرمة الربا معلّلة، و على انحصار علّتها في المال أو القوت أو الكيل أو الطعم ثمّ تبطل الثلاثة الأول، فيتعيّن الرابع.

و أمّا التقسيم الّذي لا يدّعى الحصر فيه فإنّه يكون منتشرا كما إذا لم يدّع الإجماع، بل يقال: الحكم إمّا معلّل أو لا. و التالي باطل، لأنّه خلاف المتعارف من أنّ الحكم لا يخلو عن علّة إمّا على جهة الوجوب كما يقول المعتزلة، أو على جهة الإمكان كما يقول الأشاعرة. (1)

و بتقدير جواز خلوّه عن العلّة يكون الخلو على خلاف الغالب المألوف من شرع الأحكام، و هو يدلّ ظاهرا على تعليل الحكم، فتلك العلّة، إمّا ظاهرة أو خفيّة.

و الثاني باطل، و إلّا لكان الحكم تعبّدا، و هو خلاف الأصل لوجوه‏ (2):

____________

(1). كما ذكره الآمدي في الإحكام: 3/ 289؛ المسلك الرابع.

(2). ذكره الآمدي في الإحكام: 3/ 289.

152

الأوّل: إثبات الحكم بجهة التعقّل أغلب من إثباته بجهة التعبد، و إدراج ما نحن فيه تحت الغالب أغلب على الظنّ.

الثاني: الحكم إذا كان معقول المعنى، كان على وفق المألوف من تصرّفات العقلاء و أهل العرف، و الأصل تنزيل التصرّفات الشرعية على وزان التصرّفات العرفية.

الثالث: إذا كان معقول المعنى، كان أقرب إلى الانقياد و أسرع في القبول، فكان أفضى إلى تحصيل مقصود الشارع من شرع الحكم فكان أولى.

و إذا كان لا بدّ من علّة ظاهرة، فإذا قال الناظر: بحثت فوجدت محلّ الحكم قد اشتمل على وصفين أو ثلاثة مثلا، و لم اطّلع على ما عداه، و الأصل في الأشياء العدم، ثمّ إنّ الوصف الفلاني غير صالح للتعليل و كذا الوصف الآخر، فيتعيّن المدّعى.

و الاعتراض من وجوه‏ (1):

أ. ليس كلّ حكم معلّلا و إلّا لزم التسلسل، فلم لا يجوز أن يكون هذا الحكم من قبيل ما لا يعلّل.

ب. سلّمنا العلّيّة لكن نمنع الحصر.

لا يقال: لو وجد وصف آخر لعرفه الفقيه الباحث.

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 353- 354؛ و الآمدي في الإحكام: 3/ 290.

153

لأنّا نقول: لعلّه قصّر في البحث و السبر.

سلّمنا، لكن لعلّه عرف وصفا آخر و ستره ترويجا لكلامه.

ج. سلّمنا عدم الاطّلاع، لكن عدم العلم لا يستلزم العلم بالعدم، و لئن دلّ على عدمه بالنسبة إلى الباحث فلا يدلّ على عدمه بالنسبة إلى الخصم، فإنّه ربّما كان عالما بوجود وصف آخر وراء المذكور، فحينئذ لا ينتهض بحث المستدلّ دليلا في نظر خصمه على العدم.

د. سلّمنا الانحصار، لكن لا نسلم فسادها.

ه. سلّمنا فساد المفردات، فلم لا يجوز أن يكون مجموع وصفين أو ثلاثة منها علّة واحدة.

و. سلّمنا فساد جميع الأقسام مفردا و مركبا إلّا المدّعى لكن [لم‏] لا يجوز انقسامه إلى نوعين و يكون العلّة أحدهما؟ و هذه الأسئلة كلّها ترجع إلى منع الحصر.

و استدلّوا على الحصر بوجهين‏ (1):

الأوّل: المناظر تلو الناظر، فلو اجتهد الناظر و بحث عن الأوصاف، و لم يطّلع إلّا على القدر المذكور، و وقف على فسادها إلّا الواحد فلا بدّ و أن يحكم قلبه بربط ذلك الحكم بذلك الوصف، و يكون ظنّه أقوى من ظنّ ربطه بغيره، و الظنّ يجب العمل به. و إذا ثبت ذلك في حق المجتهد وجب‏

____________

(1). ذكرهما الرازي في المحصول: 2/ 354.

154

أن يكون كذلك في حق المناظر، إذ لا معنى للمناظرة إلّا إظهار مأخذ الحكم.

الثاني: جميع الأوصاف كانت معدومة، و كانت بحيث يصدق عليها أنّها لا توجب هذا الحكم، و الأصل في كلّ أمر بقاؤه على ما كان. فهذا القدر يفيد ظنّ عدم سائر الأوصاف، فيحصل ظنّ الحصر، و مطلوبنا هذا القدر.

قوله: لا نسلم فساد سائر الأقسام.

قلنا: يمكن إفسادها بجميع المبطلات للعلّيّة، كالنقض و عدم التأثير و غيرهما، و لا يمكن إفسادها بعدم المناسبة، لاحتياجه حينئذ إلى أن يبيّن خلوّ ما يدّعيه عن هذا المفسد، و إنّما يتمّ ذلك ببيان مناسبته، و لو بيّن ذلك استغنى عن طريقة السبر لدلالة المناسبة و الاقتران على كون المعنى علّة.

و اعلم أنّ طرق الحذف أربعة (1):

الأوّل: أن يبيّن المستدلّ أنّ الوصف المدّعى كونه علّة قد ثبت به الحكم في صورة بدون الوصف المحذوف، و يسمّى الإلغاء، و هو شديد الشبه بنفي العكس الّذي ليس بمقبول. و لا بدّ من بيان ثبوت الحكم مع الوصف المدّعى كونه علّة، فإنّه لو ثبت دون المحذوف كان ذلك إلغاء للمستبقي أيضا، فحينئذ يظهر استقلال المستبقي بالتعليل، و مع ظهور ذلك يمتنع إدخال الوصف المحذوف في التعليل في محل التعليل، لأنّه يلزم منه‏

____________

(1). ذكرها الآمدي في الإحكام: 3/ 291- 293.