نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج4

- العلامة الحلي المزيد...
476 /
155

إلغاء وصف المستدلّ في الفرع مع استقلاله ضرورة تخلف ما لم يثبت كونه مستقلا، و هو ممتنع.

و يمتنع أيضا إضافة الحكم في محل التعليل إلى الوصف المحذوف لا غير، لأنّه إثبات الحكم بما لم يثبت استقلاله و إلغاء ما ثبت استقلاله، و هو باطل.

و اعترض‏ (1) بأنّ دعوى استقلال الوصف المستبقي في صورة الإلغاء بالتعليل من مجرد إثبات الحكم مع وجوده و انتفاء الوصف المحذوف غير صحيح، فإنّه لو كان مجرّد ثبوت الحكم مع الوصف في صورة الإلغاء كافيا في التعليل بدون ضميمة ما يدلّ على استقلاله بطريق من طرق إثبات العلّة لكان ذلك كافيا في أصل القياس، و لم يكن إلى البحث و السبر حاجة، و كذا غيره من الطرق فلا بدّ من بيان الاستقلال و نفي كون الباقي جزء علة بالاستدلال ببعض طرق إثبات العلّة، و عند ذلك إن شرع المستدل في بيان الاستقلال ببعض الطرق إثبات العلّة، فإنّ بين الاستقلال في صورة الإلغاء بالبحث و السبر، كما أثبت ذلك في الأصل الأوّل فقد استقلت صورة الإلغاء بالاعتبار و أمكن أن تكون أصلا لعلّته، و عرفنا انّ الأصل الأوّل لا حاجة إليه، فإنّ المصير إلى أصل لا يمكن التمسّك به في الاعتبار، إلّا بذكر صورة أخرى مستقلة بالاعتبار، يكون تطويلا بغير فائدة.

و إن بيّن الاستقلال بطريق آخر لزمه مع هذا المحذور محذور آخر،

____________

(1). الإحكام: 3/ 292.

156

و هو الانتقال في إثبات كون الوصف علّة من طريق إلى طريق آخر، و هو تشنيع في مقام النظر و يعني بنفي العكس بيان إثبات الحكم بعد انتفاء العلّة.

الثاني: طرد المحذوف إمّا مطلقا، و هو أن يكون ما يحذفه من جنس ما عهد من الشارع عدم الالتفات إليه في الأحكام، كالطول و القصر.

الثالث: و أمّا بالنسبة إلى ذلك الحكم، و هو أن يكون ما يحذفه من جنس ما ألف من الشارع عدم الالتفات إليه في جنس ذلك الحكم، كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من أعتق شريكا له من عبد قوم عليه نصيب شريكه». (1) فإنّه و إن أمكن تقرير مناسبة بين وصف الذكورة و سراية العتق، غير أنّا لمّا عهدنا من الشرع عدم الفرق بين الذكورة و الأنوثة في أحكام العتق ألغينا صورة الذكورة فيه دون بقية الأحكام.

الرابع: عدم ظهور المناسبة في الوصف المحذوف للحكم المعلل، و يكفي المناظر أن يقول: بحثت فلم أجد فيه مناسبة، و عدم الوجدان مع البحث التام ممّا يوجب الظن بعدمه.

فإن عارض المعترض و قال: بحثت في الوصف المستبقي فلم أجد فيه مناسبة فيلزم إلغاؤه.

فعند ذلك إن بيّن المستدل المناسبة فيه، فقد انتقل في إثبات العلّة من طريق السبر إلى طريقة المناسبة، و هو قبيح عند أهل النظر. و إن لم يبيّن‏

____________

(1). الإحكام: 3/ 292. و لم نجده في المصادر الحديثية.

157

ذلك لم يكن الوصف المعترض بالحذف أولى من وصف المستدل.

فنقول: إن كان قد سبق من المعترض تسليم مناسبة كلّ من الوصفين لم يسمع منه بعد بيان المستدلّ نفي المناسبة في الوصف المحذوف، منع المناسبة في المستبقي، لكونه مانعا لما سلمه؛ و لا يجب على المستدلّ بيان المناسبة في الوصف المستبقي. و إن لم يسبق من المعترض تسليم ذلك، فللمستدل ترجيح سبره على سبر المعترض بموافقته للتعدية.

و موافقته سبر المعترض للقصور، و التعدية أولى من القصور.

البحث التاسع: في الطردي‏

و هو عبارة عن الوصف الّذي لا يعلم مناسبته، و لا استلزامه للمناسب إذا جامع الحكم الوصف في جميع الصور المغايرة للمتنازع. و هذا هو معنى الاطّراد.

و بالغ بعضهم فيه فقال: إذا وجد الحكم مقارنا لوصف في صورة واحدة، حصل ظنّ العلّيّة.

و الحق أنّه لا يدلّ و إن كان ملازما لما تقدّم من أنّ الشيئين قد يتلازمان و لا علّيّة بينهما، كالجوهر و العرض، و كالحد و المحدود، و كالمضافين.

و لأنّ الاطّراد كون الوصف بحيث لا يوجد إلّا و قد وجد معه الحكم، و هذا لا يثبت إلّا إذا ثبت أنّ الحكم حاصل معه في الفرع، فلو توقّف معرفة

158

ثبوت الحكم في الفرع على كون الوصف علّة، و بيّنتم علّيّته بكونه مطّردا، لزم الدور.

و أمّا التفسير الثاني فإنّه أولى بعدم الدلالة مع أنّ تجويزه يفتح باب الهذيان كما يقال في إزالة النجاسة بالخل مانع لا تبنى القنطرة على جنسه، فلا تجوز إزالة النجاسة به، كالدهن. و كقول بعضهم في مسألة اللمس:

طويل مشقوق، فلا ينقض الوضوء بمسه كالبوق.

و أيضا تعيين الوصف للعلّيّة من دون باقي الأوصاف بحكم محض و شبه في الدين، و هو باطل، لقوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ‏ (1).

احتجّ القائلون‏ (2) بالعلّيّة على التفسير الأوّل بأنّ عادة الشرع إجراء النادر في كلّ باب بالغالب، فإذا رأينا الوصف في جميع الصور المغايرة لمحلّ النزاع مقارنا للحكم ثمّ رأينا الوصف حاصلا في الفرع وجب أن يستدلّ به على ثبوت الحكم. و بأنّا نحكم بجلوس القاضي في الدار التي يشاهد فرسه على بابها لإفادة اقترانهما في بيان سائر الصور اقترانهما هنا.

و فيه نظر، للمنع من إجراء النادر مجرى الغالب في مثل التلازم، بل مطلقا فإنّ أكثر العمومات مخصوصة و الاستدلال بفرس القاضي استدلال بالعلّة الموصلة للقاضي على المعلول و هو وصوله.

____________

(1). مريم: 59.

(2). راجع المحصول: 2/ 355- 356.

159

قالوا: (1) لا دور، لأنّا لا نستدلّ بالمصاحبة في كلّ الصور على العلّيّة، بل فيما عدا الفرع.

و فيه نظر، لأنّ المصاحبة لو دلّت على العلّيّة لدلّت في صور المصاحبة، و الشرع لم يثبت المصاحبة فيه.

و اعتذروا (2) عن انفكاك العلّيّة عن الاطّراد في بعض الصور بعدم قدحه في التعليل، كالغيم الرطب الدالّ على العلّيّة ظاهرا.

و فيه نظر، فإنّ دلالة الغيم على ظهور العلّيّة لا باعتبار المقارنة، بل باعتقاد أنّ الغيم الرطب له صلاحية التأثير و لم يوجد غيره فيظن أنّه سبب، فإذا وجد ظنّ وجود معلوله.

و أمّا التفسير الثاني فاعتذروا عن النقض بأنّ مجرّد المقارنة يفيد ظنّ العلّيّة بشرط عدم خطور وصف آخر هو أولى بالرعاية، لكن هذا الشرط ساقط عن المعلّل، لأنّ نفي المعارض ليس من وظيفته، و التمثيل بالدهن إنّما بطل بحصول العلم الضروري بوجود وصف آخر هو أولى بالاعتبار من الوصف المذكور، فإنّا متى علمنا أنّ لزوجة الدهن غير مزيلة للنجاسة، علمنا أنّ هذا الوصف أولى بالاعتبار من كونه بحيث لا تبنى القنطرة على جنسه.

و لا يكفي في القدح في مثل هذا التعليل خطور وصف آخر بالبال؛

____________

(1). القائل هو الرازي في المحصول: 2/ 356.

(2). المعتذر هو الرازي في المحصول: 2/ 356.

160

لأنّ ذلك الوصف الآخر إن لم يكن متعدّيا إلى الفرع كان ما اعتبرناه أولى للأمر بالقياس و من ضروراته تعليل حكم الأصل بعلّة متعدّية، إلّا أن يذكر الخصم وصفا آخر متعديا إلى فرع آخر، فهناك يحتاج المعلّل إلى الترجيح.

و إن كان متعديا إلى الفرع لم يضرّ، لأنّ المراد من العلّة هنا المعرّف، و قيام معرف آخر لهذا الحكم لا يمنع من كون ما ذكرته معرّفا له.

و فيه نظر، لأنّ مجرّد المقارنة لو دلّ على العلّيّة لزم الدور، أو الترجيح من غير مرجّح، أو تخلّف المدلول عن الدليل و هو على خلاف الأصل.

و أيضا ظنّ العلّيّة إنّما يحصل لو ظن انتفاء غيره من الأوصاف إمّا مع تجويزه فلا، و المعلّل انتهض‏ (1) لإثبات المدلول و لا يتمّ إلّا بنفي المعارض و إبطال مثال الدهن لا يقتضي إزالة الشياع لإمكان غيره.

قال: و الأمر بالقياس لو سلم فإنّما يتمّ مع وجود الشرائط الّتي من جملتها التعليل بالوصف المتعدّي، فلا يجوز جعله مقدّمة في المطلوب.

قال الغزالي‏ (2) و نعم ما قال: معنى الطرد سلامته عن المفسد واحد و هو النقض، و ذلك لا يقتضي صحّة التعليل، و هو كقول القائل: زيد عالم، لأنّه لا دليل يفسد دعوى علمه. و يعارضه أنّه جاهل، لأنّه لا دليل يفسد دعوى جهله. و الحقّ أنّه لا يعلم كونه عالما بانتفاء دليل الجهل، و لا كونه جاهلا بانتفاء دليل العلم، بل يتوقف فيه إلى ظهور الدليل، و كذا الصحّة و الفساد.

____________

(1). في «أ» و «ب»: انتقض.

(2). المستصفى من علم الأصول: 2/ 314- 315، المسلك الثاني.

161

و قولكم: ثبوت حكمها معها دليل كونها علّة؛ غلط، لأنّ قولكم:

«ثبوت حكمها» إضافة للحكم لا تثبت إلّا بعد قيام الدليل على كونها علّة، فإذا لم تثبت لم يكن حكمها، بل كان حكمه علّته، و اقترن بها. و الاقتران لا يدلّ على الإضافة، فقد يلازم الخمر لون و طعم يقترن به التحريم، و يطرد و ينعكس، و العلّة الشدّة. و اقترانه بما ليس بعلّة كاقتران الأحكام بطلوع كوكب و هبوب ريح.

و بالجملة فنصب العلّة مذهب يفتقر إلى دليل، كوضع الحكم، و كما لا يكفي في إثبات الحكم أنّه لا نقض عليه، و لا مفسدة، بل لا بدّ من دليل، فكذلك العلّة.

البحث العاشر: في تنقيح المناط

قال الغزالي‏ (1): إلحاق المسكوت بالمنصوص قد يكون باستخراج الجامع، و قد يكون بإلغاء الفارق فيقال: لا فرق بين الأصل و الفرع إلّا كذا، أو لا تأثير له في الحكم، فيشتركان في الحكم، و تسمّيه الحنفية بالاستدلال، و يفرّقون بينه و بين القياس.

و هذا يمكن إيراده على وجهين‏ (2):

الأوّل: أن يقال: هذا الحكم لا بدّ له من مؤثّر، فإمّا المشترك أو المميّز. (3)

____________

(1). نقله عنه الرازي في المحصول: 2/ 358- 359.

(2). ذكرهما الرازي في المحصول: 2/ 359.

(3). يعني به: القدر المشترك بين الأصل و الفرع، أو القدر الّذي امتاز به، الأصل عن الفرع.

162

و الثاني باطل، لأنّ الفارق ملغى، فيثبت علّيّة المشترك، فيلزم من حصوله في الفرع ثبوت الحكم، و هذا و إن كان جيدا، إلّا أنّه استخراج العلّة بالسبر و التقسيم من غير تفاوت البتة.

الثاني: أن يقال: الحكم لا بدّ له من محلّ، و ليس المميز جزءا من المحل، فهو المشترك فإذا حصل في الفرع ثبت الحكم فيه، مثل ما به امتياز الإفطار بالأكل عن الإفطار بالوقاع ملغى، فالمحلّ هو المفطر، فأين حصل مسمّى المفطر وجب حصول الحكم. و هو ضعيف، إذ لا يلزم من ثبوت الحكم في المفطر ثبوته في كلّ مفطر، فإنّه إذا صدق هذا الرّجل طويل صدق الرّجل طويل، لأنّ الرّجل جزء من هذا الرّجل؛ و لا يلزم من صدق قولنا: الرّجل طويل صدق كلّ رجل طويل، فكذا هنا.

و فيه نظر، فإنّ صدق الرجل طويل لا يعني به أنّ المحل هو مطلق الرجولية، بل الرّجل المخصوص، و كون الرجل من حيث هو جزءا من هذا الرجل لا يقتضي اتّصافه بما يتّصف به الرجل الخاص إذا استند الوصف إلى الخصوصية.

البحث الحادي عشر: في بقايا مسائل من هذا الباب‏

الأوّل: قال بعضهم: الدليل على أنّ هذا الوصف علّة عجز الخصم عن فساده. و هو باطل، إذ ليس جعل العجز عن الإفساد دليلا على الصحّة أولى من جعل العجز عن التصحيح دليلا على الفساد، بل هذا أولى، لأنّا لو أثبتنا كلّ ما لا يعرف دليل فساده لزم إثبات ما لا نهاية له، و هو باطل. أمّا لو لم‏

163

نثبت كلّ ما لا نعرف دليلا على صحّته لزمنا أن لا نثبت ما لا نهاية له، و هو حقّ.

الثاني: قال بعضهم: هذا القياس عبور من حكم الأصل إلى حكم الفرع فيدخل تحت الأمر بالاعتبار. أو يقال: هذا تسوية بين الأصل و الفرع فيدخل تحت الأمر بالعدل. و هو ضعيف، لأنّ أقصى ما في الباب عموم اللفظ في هاتين الآيتين، و تخصيص العموم جائز بالإجماع.

و أجمع السّلف على أنّه لا بدّ من دلالة على تعيين الوصف للعلّيّة.

الثالث: قال أبو حنيفة: مسح الرأس لا يتكرر، تشبيها له بمسح الخف، و التيمّم، و الجامع أنّه مسح، و للمانع أن يمنع أنّ الحكم في الأصل معلّل بكونه مسحا، بل لعلّه تعبّد و لا علّة له، أو معلّل بمعنى آخر مناسب لم يظهر لنا. و النزاع وقع في علّة الأصل، و هو أنّ مسح الخفّ لم لا يستحب تكراره؟

أ يقال: إنّه تعبّد لا يعلل، أو لأن تكراره يؤدي إلى تمزيق الخف. و الشافعي يقول: يستحب التكرار، لأنّه أصل يؤدّى بالماء فيتكرر، كالأعضاء الثلاثة. (1)

الرابع: تحقيق المناط و هو النظر في معرفة وجود العلّة في آحاد الصور بعد معرفتها في نفسها إمّا بنص أو اجماع أو استنباط، كما في القبلة فانّها مناط وجوب استقبالها، و هي معروفة بإيماء قوله تعالى: وَ حَيْثُ ما

____________

(1). راجع المستصفى من علم الأصول: 2/ 320.

164

كُنْتُمْ فَوَلُّوا (1)، و كون هذه الجهة هي جهة القبلة حالة الاشتباه، مظنون بالاجتهاد و النظر في الأمارات.

أمّا إذا كانت معلومة بالإجماع، فكالعدالة الّتي هي مناط وجوب قبول الشهادة و هي معلومة بالإجماع.

و كون هذا عدلا فمظنون بالاجتهاد.

و أمّا إذا كانت مظنونة بالاستنباط، فكما في الشدة المطربة الّتي هي مناط تحريم الشرب في الخمر و النظر في معرفتها في النبيذ هو تحقيق المناط، و قد وقع الإجماع على صحّة الاحتجاج بتحقيق المناط إذا علمت العلّة بنص أو إجماع، و إنّما الخلاف فيما إذا علمت بالاستنباط.

و أمّا تنقيح المناط فهو النظر و الاجتهاد في تعيين ما دلّ النص على كونه علّة من غير تعيين بحذف ما لا مدخل له في الاعتبار ممّا اقترن به من الأوصاف، كلّ واحد بطريقة كالتعليل بالوقاع في قضية الأعرابي، فإنّه و إن كان مومى إليه بالنص، غير أنّه يفتقر في معرفته عينا إلى حذف كلّ ما اقترن به من الأوصاف عن درجة الاعتبار بالرأي و الاجتهاد، بأن يبيّن أن كونه أعرابيا، و [كونه‏] شخصا معينا، أو ذلك الزمان، أو غير ذلك من كون الموطوءة زوجة أو امرأة معينة و شبهه، لا مدخل له في التأثير بما يساعد من الأدلّة، حتّى يتعدّى إلى كلّ من وطئ في نهار رمضان عامدا، و هو مكلّف صائم، و هذا دون الأوّل و إن اعترف به بعض منكرى القياس. و أمّا

____________

(1). البقرة: 144.

165

تخريج المناط فهو النظر و الاجتهاد في إثبات علّة الحكم الّذي دلّ عليه النصّ أو الإجماع دون علّته. كالاجتهاد في كون الشدة علّة لتحريم الخمر حتى يقاس عليه، و هذا دون النوعين السابقين، و لذلك أنكره الشيعة و الظاهرية و بعض معتزلة بغداد. (1)

____________

(1). راجع الإحكام: 3/ 335- 336.

166

الفصل الرابع: في مبطلات العلّة

و فيه مباحث:

[البحث‏] الأوّل: النقض و فيه مطالب:

[المطلب‏] الأوّل:

اختلف الناس في تخصيص العلّة فذهب أكثر الشافعية إلى أنّ وجود الوصف مع عدم الحكم يقدح في كونه علّة.

و ذهب الأكثر إلى أنّ علّيّة الوصف إذا ثبتت بالنصّ لم يقدح التخصيص في علّيّته؛ و إن ثبتت بالاستنباط، قال أكثر الحنفية و مالك و أحمد: يجوز تخصيصها، و منع منه آخرون.

و قال آخرون: إنّ علّيّة الوصف و إن ثبتت بالمناسبة أو الدوران، لكن إذا كان تخلّف الحكم عنه لمانع لم يقدح في علّيّته. أمّا إذا كان التخلّف لا لمانع فالأكثر على أنّه يقدح في العلّيّة. و منهم من قال: لا يقدح أيضا.

و قيل: العلّة إن كانت قطعية لم يتخلّف الحكم عنها بغير دليل؛

167

و لا بدليل قطعي، لاستحالة تعارض القطعيين؛ و لا بظنّي فلا تعارض القطعي.

و إن كانت ظنّية فإن كان التخلّف في معرض الاستثناء، كتخلّف إيجاب المثل في لبن المصراة عن العلّة الموجبة له، و هي تماثل الأجزاء بالعدول إلى إيجاب صاع من التمر.

و تخلّف وجوب الغرامة على مباشر الجناية في باب ضرب الدية على العاقلة.

و تخلّف حرمة الربا مع وجود الطعم في العرايا لم يقتض بطلان العلّة، و هي حجّة فيما عدا المستثنى، سواء كانت العلّة منصوصة أو مستنبطة، لأنّ الدليل من النصّ و الاستنباط قد دلّ على العلّة. و تخلّف الحكم حيث ورد بطريق الاستثناء عن قاعدة القياس مقرر لصحّة العلّة لا مانع لها.

و إن كان التخلّف لا في معرض الاستثناء، فالعلّة إن كانت منصوصة و أمكن حمل النصّ على أنّ المنصوص عليه جزء العلّة، كتعليل انتقاض الوضوء بالخارج من غير السبيلين المأخوذ من قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الوضوء مما خرج» (1)، فإنّه إذا تخلّف عنه الوضوء في الحجامة أمكن أخذ قيد الخارج من السبيلين في العلّة، و تأويل النصّ بصرفه عن عموم الخارج النجس إلى‏

____________

(1). السنن الكبرى: 1/ 116 و 159؛ الجامع الصغير: 2/ 722؛ كنز العمال: 9/ 331 برقم 26283 و ص 486 برقم 27087 و ص 493 برقم 27121.

168

الخارج من أحدهما، أو حمله على تعليل حكم آخر غير الحكم المصرّح به في النص، كقوله تعالى: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ‏ (1) معلّلا، بقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏ (2)، فإنّ الحكم المعلّل المصرّح به إنّما هو خراب البيت، و ليس كلّ من شاقّ اللّه و رسوله يخرب بيته، فأمكن حمل الخراب على استحقاق الخراب، وجد الخراب أو لم يوجد، وجب التأويل لما فيه من الجمع بين التعليل بتأويله و دليل إبطال العلّة المذكورة.

و إن لم يمكن تأويله بغير الوصف المذكور و الحكم المرتب عليه، فغايته امتناع إثبات حكم العلّيّة لما عارضها من النص النافي لحكمها، و العلّة المنصوصة في معنى النص و تخلف حكم النص عنه في صورة لما عارضه لا يوجب إبطال العمل به في غير صورة المعارضة، فكذا المنصوصة.

و إن كانت [العلّة] مستنبطة، فتخلف الحكم إن كان لمانع أو فوات شرط، كما في تعليل إيجاب القصاص على القاتل بالقتل العمد العدوان، و تخلف الحكم عنه في الأب و السيد بمانع السيادة و الأبوة لم يكن مبطلا للعلّيّة فيما عدا صورة المخالفة، لأنّ دليل الاستنباط يدلّ على العلّيّة بالمناسبة و الاعتبار، و قد أمكن إحالة نفي الحكم على ما ظهر من المانع لا على إلغاء العلّة، فيجب الحمل عليه جمعا بين دليل العلّيّة

____________

(1). الحشر: 2.

(2). الأنفال: 13.

169

و دليل مانعية الوصف النافي للحكم، و الجمع أولى من الإبطال.

احتج المانعون بوجوه‏ (1):

الأوّل: قال أبو الحسين البصري: إنّ تخصيص العلّة ممّا يمنع من كونها أمارة على الحكم في شي‏ء من الفروع، سواء ظنّ أنّها جهة المصلحة أو لا. لأنّا إذا علمنا أنّ علّة تحريم بيع الذهب بمثله متفاضلا هو كونه موزونا ثم علمنا إباحة بيع الرصاص بمثله متفاضلا مع أنّه موزون، فإن علمنا إباحته بعلة أخرى يقاس بها الرصاص على أصل مباح ككونه أبيض مثلا، فإنّا حينئذ لا نعلم تحريم بيع الحديد بمثله متفاضلا بمجرّد الوزن، بل بكونه موزونا غير أبيض، فإنّا لو شككنا في كونه أبيض لم نعلم قبح بيعه متفاضلا، كما لو شككنا في كونه موزونا فظهر أنّا لا نعلم بعد التخصيص تحريم شي‏ء لكونه موزونا فقط، فبطل أن يكون الموزون وحده علة، بل هو مع كونه غير أبيض. و على هذا يكون الكلام فيما إذا دلّ على إباحة بيع الرصاص نصّ، سواء علمت علّة الإباحة أو لم تعلم.

اعترض‏ (2) بتسليم أنّ علّة القياس أمارة على حكم الفرع معرفة له، و انّ التخلّف في صورة أخرى للمعارض لا يمكن معه إثبات الحكم في فرع من الفروع دون العلم بانتفاء ذلك المعارض، لكن لا يلزم أن يكون انتفاء المعارض من جملة المعرف للحكم، إنّما هو ما كان باعثا عليه في الأصل، و انتفاء المعارض إنّما توقّف إثبات حكم الأمارة عليه ضرورة أنّ‏

____________

(1). ذكرها الآمدي في الإحكام: 3/ 247- 248.

(2). ذكره الآمدي في الإحكام: 3/ 249.

170

الحكم لا يثبت مع تحقّق المعارض النافي له، فكان نفيه شرطا في إثبات حكم الأمارة (لا انّه) (1) داخل في مفهوم الأمارة.

و فيه نظر، فإنّ الأمارة هي ما يعرف منها ثبوت ما جعلت أمارة عليه، فإذا لم يحصل بمجرد الوصف بل يشترط عدم المانع كانت الأمارة المجموع، و لا تضرّ التسمية بكونه شرطا أو جزءا.

الثاني: اقتضاء العلّة للحكم إمّا أن يعتبر فيه انتفاء المعارض فلا تكون علة إلّا عند انتفاء المعارض، فالحاصل قبل انتفاء المعارض بعض العلّة لا تمامها، أو لا يعتبر، فيحصل الحكم و إن حصل المعارض فلا يكون معارضا.

اعترض بجواز توقّف الاقتضاء على الانتفاء و لا يلزم كون العلّة جزءا، لجواز كون انتفاء المعارض شرطا لتأثير العلّة في الحكم، فإنّ العلّة إن فسّرت بالمؤثّر، فإن كان قادرا جاز توقّف صحّة تأثيره على انتفاء المعارض لوجوه‏ (2):

أ. الفعل حال في الأزل لأنّه ما لا أوّل له، و هو ينافي الفعل الّذي له أوّل، فإذن تتوقّف صحّة تأثيره تعالى في الفعل على نفي الأزل، و القيد العدمي لا يجوز أن يكون جزءا من المؤثّر الحقيقي، فهو إذن شرط صحّة التأثير.

____________

(1). في الإحكام: 3/ 249: لأنّه.

(2). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 362.

171

ب. تحريك القادر الجسم إلى جهة مشروط بعدم معارضة حر قادر آخر إلى ضدها، و القيد العدمي لا يكون جزءا من المؤثّر الحقيقي.

ج. القدرة لا يصحّ منها إيجاد سواد في محلّ إلّا بشرط عدم البياض فيه، و العدم لا يكون جزءا.

و إن كان موجبا أمكن اشتراطه بالعدمي كالهويّ الصادر عن الثقيل بشرط عدم المانع، و سلامة الحاسّة توجب الإدراك بشرط عدم الحجاب.

و إن فسّرت بالداعي لم يكن العدم جزءا منه، كمن أعطى فقيرا، إذا جاءه آخر فقال: لا أعطيه لأنّه يهودي؛ فعدم كون الأوّل يهوديا لم يكن جزءا من المقتضي في إعطاء الأوّل، لأنّه حين أعطى الفقير الأوّل لم تكن اليهودية خاطرة بباله فضلا عن عدمها، و ما لا يكون خاطرا بالبال لم يكن جزءا من الداعي.

و إن فسّرت بالمعرّف فكذلك، فإنّ العام المخصوص دليل على الحكم، و عدم التخصيص ليس جزءا من المعرّف، و إلّا لوجب ذكره في الاستدلال. فقد ثبت أنّ عدم المعارض و إن كان معتبرا، لكنّه ليس جزءا من العلّة.

سلّمنا كونه جزءا، لكن يرجع النزاع إلى اللفظ للاتّفاق بين مجوّز تخصيص العلّة و مانعة على افتقار التعليل إلى ذلك العدم، و أنتم سلّمتم أنّ المعلّل لو ذكر ذلك القيد في ابتداء التعليل استقامت العلّة، فلم يبق النزاع إلّا في كون القيد العدمي هل يسمّى جزء من العلّة أم لا؟ و هو لفظي.

172

و أجيب‏ (1) بسبق بيان: أنّه لو توقّف اقتضاء العلّة على نفي المعارض لم يكن الحاصل عند وجود المعارض تمام العلّة، بل جزءها.

قوله: يلزم جعل القيد العدمي جزءا.

قلنا: إن فسّرنا العلّة بالموجب أو الداعي امتنع جعل القيد العدمي جزءا من علّة الوجود، فحينئذ لا يجعل عدم المعارض جزء العلّة، بل انّه يدلّ على حدوث أمر وجودي انضم إلى ما كان موجودا قبل. و صار المجموع علّة تامّة، فلم يلزم من قولنا: العلّة التامّة إنّما وجدت حال عدم المعارض أن يجعل عدم المعارض جزء العلّة.

و إن فسّرنا العلّة بالمعرّف لم يمتنع جعل القيد العدمي جزءا بهذا التفسير، كما نجعل انتفاء المعارضة جزءا من دلالة المعجز على الصدق.

قوله: لو كان عدم التخصيص جزءا من المعرّف لوجب على المتمسّك بالعام المخصوص ذكر عدم المخصّصات.

قلنا: معلوم عدم جواز التمسّك بالعام قبل ظنّ عدم المخصّصات، و عدم وجوب ذكره من أوضاع الجدليين، و التمسّك بها ممتنع في الأمور الحقيقية.

قوله: يصير الخلاف لفظيا.

____________

(1). ذكر الإشكال و الجواب عنه: الرازي في المحصول: 2/ 363.

173

قلنا: ممنوع، فإنّا إذا فسّرنا العلّة بالداعي أو الموجب لم نجعل العدم جزءا من العلّة، بل كان كاشفا عن حدوث جزء العلّة. و من يجوّز التخصيص لا يقول بذلك. و إن فسّرنا بالمعرف ظهر الخلاف في المعنى أيضا، لأنّ من أثبت العلّة بالمناسبة بحث عن ذلك القيد العدمي، فإن وجد فيه مناسبة صحّح العلّة، و إلّا أبطلها. و من يجوّز التخصيص لا يطلب المناسبة البتة من هذا القيد العدمي.

و فيه نظر، لأنّ من يجوّز تخصيص العلّة يمنع من كون الحاصل عند وجود المعارض جزء العلّة، بل العلّة نفسها. و الأصل فيه أنّ العلّة [إن‏] عنى بها جميع ما يوجد به الشي‏ء فهو جزء، و إن عنى مبدأ التأثير فهو تمام العلّة، فيرجع النزاع إلى اللفظ.

و اعترض على أصل الدليل بتسليم عدم توقّف اقتضاء علّة الحكم على عدم المعارض.

قوله: يلزم حصول الحكم و إن حصل المعارض.

قلنا: ممنوع، فإنّ العلّة و إن كانت مقتضية للحكم فإنّما يلزم وجود الحكم لو انتفى المعارض الراجح أو المساوي، و لا يلزم منه القدح في المعارض و لا في العلّة.

الثالث: بين كون المقتضي مقتضيا اقتضاء حقيقيا بالفعل و بين كون المانع مانعا حقيقيا بالفعل منافاة ذاتية، و شرط حدوث الضد انتفاء السابق فلا يعلّل انتفاء الأوّل بطريان الحادث، و إلّا دار، فلمّا كان شرط كون المانع‏

174

مانعا خروج المقتضي عن الاقتضاء لم يجز أن يكون خروجه عن الاقتضاء بالفعل لتحقّق المانع بالفعل، و إلّا دار، فإذن خرج المقتضي عن الاقتضاء بذاته لا بالمانع، و الإجماع على أنّ ما يكون كذلك لا يصلح للعلّيّة.

و فيه نظر، فإنّ المانع أن يقول بل شرط انتفاء السابق حدوث الطارئ، و لأنّه مانع من تعاقب الأضداد إذ الإيراد متّجه على كلّ ضد حدث على محلّ ضده، فإنّ طرده مشروط بعدم الأوّل، فلو علّل عدم الأوّل بطرده دار، بل يعدم لذاته فلا يكون ممكنا.

و اعترض أيضا بأنّه إن عنى بالشرط معنى يقتضي تقدّمه على المشروط فليس شرط أحد المتباينين انتفاء الآخر، و إلّا كان كلّ واحد من النقيضين مشروطا بنفسه ضرورة أنّ انتفاء كلّ واحد منهما عين ثبوت الآخر، و إن عنى بالشرط ما يتقدّم المشروط عند عدمه لم يلزم الدور.

و اعترض‏ (1) أيضا بمنع المنافاة بين اقتضاء المقتضي و اقتضاء المانع، لاستحالة الجمع بينهما، و إن استحال الجمع بين حكمهما. و حينئذ فلا يلزم من تحقّق المانع خروج المقتضي من جهة اقتضائه لا بذاته، و لا بغيره بخلاف المتنافيات بالذات.

الرابع: الوصف وجد في الأصل مع وجود الحكم، و في التخصيص مع عدمه، و وجوده مع الحكم لا يقتضي قطع العلّيّة، و وجوده في صورة التخصيص مع عدم الحكم يقتضي قطع عدم العلّيّة هناك. ثمّ الحاصل في‏

____________

(1). ذكره الآمدي في الإحكام: 3/ 250.

175

الفرع كما أنّه مثل وصف الأصل، فكذا هو مثل صورة النقض فليس إلحاقه بأحدهما أولى من الآخر، فلمّا تعارضا لم يجز إلحاقه بواحد منهما فلا يكون علّة.

اعترض المجوزون‏ (1) بأنّ الأصل في الوصف المناسب مع الاقتران العلّيّة، فإذا تخلّف الحكم عنه في صورة النقض و وجدنا فيها وصفا يصلح للمانعية أسندنا التخلّف إليه عملا بذلك الأصل.

أجاب المانعون‏ (2) بأنّ الأصل ترتيب الحكم على المقتضي، و حيث لا ترتيب، فلا علّيّة عملا بهذا الأصل، فيعارض هذا الأصل أصلكم فيتساقطا و يرجع إلى الأصل، و هو عدم العلّيّة.

اعترض المجوّزون‏ (3) بأنّ كلامهم أرجح:

أمّا أوّلا، فلأنّا لو اعتقدنا عدم تأثير هذا الوصف، لزم ترك العمل بالمناسبة مع الاقتران من كلّ وجه. و لو اعتقدنا أنّه مؤثّر علمنا بما ذكرتم من الدليل من بعض الوجوه، لإفادة الوصف الأثر في بعض الصور، و العمل بالدليل من وجه أولى من تركه بالكلية.

و أمّا ثانيا، فلأنّ الوصف المدّعى مانعيّته في صورة التخصيص يناسب انتفاء الحكم، و الانتفاء حاصل معه، فيحصل ظنّ استناد الانتفاء إلى المانع، فيمتنع استناده إلى عدم المقتضي.

____________

(1). ذكره الرازي في المحصول: 2/ 364.

(2 و 3). ذكره الرازي في المحصول: 2/ 365.

176

و حينئذ نقول: معكم أصل واحد هو أنّ الأصل ترتّب الحكم على العلّة و معنا أصلان؛ دلالة المناسبة مع الاقتران على علّيّة المانع لانتفاء الحكم، و العمل بالأصلين أولى من الواحد. (1)

أجاب المانعون‏ (2) عن الأوّل بمنع دلالة المناسبة مع الاقتران على العلّيّة، بل المناسبة مع الاقتران و الاطّراد دليل العلّيّة، فإن حذفتم الاطّراد فهو المتنازع.

و عن الثاني. نمنع جواز تعليل انتفاء الحكم في محل التخصيص بالمانع، لأنّه كان حاصلا قبل المانع، و الحاصل يستحيل تحصيله ثانيا.

أجاب المثبتون‏ (3) عن هذا بوجهين:

أ. العلل الشرعيّة معرّفات، فجاز تعليل المتقدّم بالمتأخّر.

ب. المانع علّة نفي الحكم لا لانتفائه، و النفي: المنع من الدخول في الوجود، بعد كونه بعرضية الدخول.

أجاب المانعون عن أ. بأنّه لو كان المراد المعرّف، لم يلزم من تعليل ذلك الانتفاء بعدم المقتضي امتناع تعليله بالمانع أيضا، لجواز اجتماع الأدلّة على مدلول واحد، و بعضها وجودي و بعضها عدمي.

____________

(1). العبارة في المحصول كما يلي: و معنا أصلان: أحدهما: أنّ المناسبة مع الاقتران دليل على كون الوصف في الأصل علّة لثبوت الحكم فيه. الثاني: أنّ المناسبة مع الاقتران في صورة التخصيص دليل على كون المانع علّة لانتفاء الحكم فيها، و معلوم أن العمل بالأصلين أو من العمل بالأصل الواحد.

(2). ذكره الرازي في المحصول: 2/ 365- 366.

(3). ذكره الرازي في المحصول: 2/ 366.

177

و عن ب. بأنّ المانع لا يؤثر في إعدام شي‏ء، لاستدعائه سابقية الوجود، و هنا لم يوجد الحكم فيمتنع إعدامه، فإذن المستند إلى المانع نفس العدم السابق.

و اعترض‏ (1) على أصل الدليل بأنّه و إن كان وجود الوصف مع الحكم فى الأصل لا يوجب القطع بكونه علّة، لإفادته ظنّ العلّيّة، فوجوده مع عدم الحكم في صورة النقض يمنع أنّه يقتضي القطع بأنّه ليس بعلّة، بل ظنّ العلّيّة باق بحاله، و انتفاء الحكم إنّما كان لوجود المعارض النافي للحكم على ما هو معلوم من قاعدة القائل بتخصيص العلّة.

الخامس: لا طريق إلى صحّة العلّة الشرعية سوى جريانها مع معلولها، فإذا لم تجر معه لم يكن إلى صحّتها طريق.

و اعترض‏ (2) بمنع أن اطّراد العلّة طريق إلى صحّتها فضلا عن كونه لا طريق سواه.

و فيه نظر، لأنّ الطرد و إن لم يدلّ على العلّيّة لكن عدمه يشعر بنفي العلّيّة.

السادس: الشرعية كالعقلية، و كما امتنع تخصيص العقلية فكذا الشرعية.

و اعترض‏ (3) بمنع التخلّف في العقلية، بل يجوز عند فوات القابل لحكمها.

____________

(1، 2، 3). ذكره الآمدي في الإحكام: 3/ 250.

178

سلّمنا: امتناع التخلّف، فليس ذلك لدلالة الدليل على تعلّق الحكم بها، و لا لكونها علة، بل لكونها مقتضية للحكم لذاتها، و هو غير متحقّق في الشرعية، لأنها لا تقتضي لذاتها، بل لوضع الشرع لها أمارة على الحكم في الفرع.

و فيه نظر، لأنّ القابل جزء من العلّة، و الشرعية عند المعتزلة مقتضية لذاتها و الشارع كاشف.

سلّمنا، لكن معنى جعل الشرع الحكم بوجود الحكم عند وجود الوصف، فالتخلّف مناف.

السابع: العلّة في القياس طريق إلى إثبات الحكم في الفرع، فإذا وجدت في فرعين امتنع أن تكون طريقا إلى العلم بحكم أحدهما دون الآخر، كما في الإدراكات و الأدلّة العقليّة.

اعترض‏ (1) بأنّه ليس العلّة في امتناع الافتراق في الدليل المتعلّق بمدلولين، و امتناع الافتراق في الإدراك المتعلّق بمدركين، كونه طريقا لا دليلا، بل لكون الدليل العقلي موجبا لذاته، و لكون الإدراك ممّا يجب العلم عنده عادة بخلاف العلل الشرعية، على ما تقدّم.

و فيه نظر، لأنّ معنى كونه طريقا ليس التأثير عندكم، بل ترتّب الحكم عليه، و إذا تخلّف انتفى كونه طريقا.

الثامن: لو جاز وجود العلّة الشرعية في فرع دون آخر لم‏

____________

(1). ذكره الآمدي في الإحكام: 3/ 251.

179

يكن البعض بالإثبات أولى من البعض الآخر.

اعترض‏ (1) بأنّ علّة اختصاص التخلّف في البعض اختصاصه بالمانع.

و فيه نظر، لأنّ انتفاء المانع حينئذ يكون جزءا من العلّة، لأنّها عندكم بمعنى الأمارة.

احتجّ من جوز تخصيص العلّة بوجوه‏ (2):

الأوّل: دلالة العلّة على الحكم في محالّها كدلالة العام على جميع الأفراد، و كما أنّ التخصيص العام لا يقدح في عمومه، فكذا تخصيص العلّة.

اعترض‏ (3) بالمطالبة بالجامع ثمّ بالفرق، فإنّ دلالة العام المخصوص على الحكم و إن كانت موقوفة على عدم المخصص، إلّا أنّ عدم المخصّص إذا ضم إلى العام صار المجموع دليلا على الحكم.

أمّا العلّة فإنّ دلالتها متوقفة على عدم المخصّص، و ذلك العدم لا يجوز ضمّه إلى العلّة على جميع التقديرات؛ لأنّ منهم من منع كون القيد العدمي جزءا من علّة الحكم الوجودي. و من جوّزه شرط فيه المناسبة فوجب ذكره في أول الأمر ليعرف أنّه هل يصحّ لأن يكون جزءا لعلّة الحكم أم لا؟

____________

(1). المصدر السابق.

(2). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 366- 367.

(3). المعترض هو الرازي في المحصول: 2/ 368.

180

الثاني: اقتضاء الوصف لذلك الحكم في ذلك المحلّ إن توقّف على اقتضائه الحكم في محل آخر، فإن لم ينعكس لزم الترجيح من غير مرجّح، و إن انعكس دار. و إن لم يفتقر أحدهما إلى الآخر لم يلزم من انتفاء أحدهما انتفاء الآخر، فلا يلزم من انتفاء كون الوصف مقتضيا لذلك الحكم في هذا المحل انتفاء كونه مقتضيا لذلك الحكم في المحلّ الآخر.

اعترض‏ (1) بأنّ العلّة إن فسّرت بالموجب أو الداعي كان شرط كونه علّة للحكم في محلّ أن يكون علّة له في جميع المحال؛ لأنّ العلّة إنّما توجب الحكم لماهيتها، و مقتضى الماهية الواحدة واحد، فإن كانت الماهية موجبة لذلك الحكم في موضع، وجب كونها كذلك في كلّ المواضع، و إلّا فلا.

و أيضا لا نسلّم لزوم الدور لو توقف كلّ منهما على الآخر، لأنّه توقّف معية لا توقّف تقدّم.

و فيه نظر، فإنّ التوقّف إنّما يتحقق في الشرط أو العلّة لا في المصاحبة، لأنّ معنى كونه متوقّفا ترتّبه عليه.

الثالث: أجمعوا على جواز ترك العمل بالدليل في بعض الصور لوجود أقوى، مع جواز التمسّك بالأوّل عند عدم المعارض، فإنّ الإنسان قد يلبس الثوب لدفع الحرّ و البرد، فإذا توعّده ظالم بالقتل لو لبسه، ترك [العمل‏] بمقتضى الدليل الأوّل، و إن عمل به في غير هذه الصورة. و إذا كان‏

____________

(1). المعترض هو الرازي في المحصول: 2/ 369.

181

حسنا في العادة فكذا في الشرع، لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن». (1)

و اعترض‏ (2) بتسليم ما قالوه، لكنّه ينعطف من الفرق بين الأصل و الفرع، و صورة التخصيص قيد على العلّة، و لم يدلّوا على فساده.

الرابع: العلّة الشرعيّة أمارة فوجودها في بعض الصور دون حكمها لا يخرجها عن كونها أمارة، لأنّه ليس من شرط الأمارة الاستلزام دائما، كالغيم الرطب في الشتاء مع المطر المتخلّف عنه أحيانا.

و اعترض‏ (3) بأنّ النظر في الأمارة إنّما يفيد ظنّ الحكم إذا ظنّ بانتفاء ما يلازمه انتفاء الحكم، فإنّ من رأى الغيم الرطب في الشتاء بدون المطر في وقت ثمّ رآه أخرى، لم يظن نزول المطر إلّا مع ظن انتفاء الأمر الّذي لازمه عدم المطر في الأولى، و هو غير قادح في قولنا.

الخامس: الوصف المناسب بعد التخصيص يقتضي ظنّ ثبوت الحكم. فإنّا إذا عرفنا من الإنسان كونه مشرّفا مكرّما مطلوب البقاء، ظننّا حرمة قتله، و إن لم يخطر ببالنا في ذلك الوقت ماهية الجناية فضلا عن عدمها فعلمنا أنّ مجرّد النظر إلى الإنسانية مع ما لها من الشرف يفيد ظن حرمة القتل، و أنّ عدم كونه جانيا ليس جزءا من المقتضي لهذا الظن؛ و إذا

____________

(1). شرح نهج البلاغة: 12/ 86؛ تفسير الرازي: 1/ 200 و 204 و ج 2/ 226 و ج 3/ 198 و ج 4/ 151 و ج 11/ 176؛ تفسير الآلوسي: 29/ 113.

(2 و 3). المعترض هو الرازي في المحصول: 2/ 369.

182

كان كذلك فأينما حصلت الإنسانية حصل ظن حرمة القتل. و إذا ثبت أنّه يفيد ظنّ الحكم وجب العمل به، لوجوب العمل بالظنّ.

اعترض‏ (1) بتسليمه، لكن ندّعي أنّه ينعطف من الفرق بين الأصل و صورة التخصيص قيد زائد على العلّة.

السادس: أنّ بعض الصحابة قال بتخصيص العلّة. روي عن ابن مسعود أنّه كان يقول: هذا حكم معدول به عن القياس، و كذا مثله عن ابن عباس، و لم ينكر عليهما أحد، فكان إجماعا.

اعترض‏ (2) بتسليم أنّهم قالوا بذلك، لكنّهم لم يقولوا إنّ ذلك القياس جائز أم لا.

السابع: وجد في الأصل المناسبة مع الاقتران في ثبوت الحكم و في البعض المناسبة مع الاقتران في انتفاء الحكم، فلو أضفنا في صورة التخصيص انتفاء الحكم إلى انتفاء حكم المقتضي لزم ترك العمل بالأصلين و العمل بأصل واحد، و هو أنّ الأصل استناد عدم الحكم إلى عدم المقتضي. و معلوم أولوية مخالفة أصل واحد لإبقاء أصلين من عكسه، فإحالة انتفاء الحكم على المانع أولى من إحالته على عدم المقتضي.

و اعلم أنّ بعضهم منع تعليل انتفاء الحكم بالمانع لوجهين‏ (3):

الأوّل: تعليل انتفاء الحكم بالمانع أو فوات الشرط في صورة

____________

(1 و 2). المعترض هو الرازي في المحصول: 2/ 369.

(3). الإحكام: 3/ 244.

183

التخلّف يتوقّف على وجود المقتضي للحكم فيها، إذ لو لم يكن موجودا كان انتفاء الحكم لانتفاء المقتضي لا للمانع و لا لفوات الشرط. و القول بكون الوصف المذكور علّة يتوقّف في صورة التخلّف على وجود المانع أو فوات الشرط، فإنّا إذا لم نتبين وجود المانع و لا فوات الشرط وجب أن يكون انتفاء الحكم لانتفاء علّته، و عند ذلك يظهر عدم علية الوصف فإذا توقّف كل من المقتضي و المانع على الآخر دار، و هو ممتنع نشأ من التعليل بالمانع أو فوات الشرط في صورة التخلّف.

اعترض‏ (1) بأنّا لا نسلّم أنّ تعليل انتفاء الحكم بالمانع يستدعي وجود المقتضي، لصحّة انتفائه بالمانع مع وجود المقتضي المعارض له فمع عدمه أولى.

سلّمنا توقّف التعليل بالمانع على وجود المقتضي لكن يمنع توقّف وجود المقتضي على وجود المانع، فإنّ كون المقتضي مقتضيا إنّما يعرف بدليله من المناسبة و الاعتبار، أو غير ذلك من الطرق. و هو متحقّق فيما نحن فيه، فيجب القضاء بكونه مقتضيا. و المانع معارض إن وجد انتفى حكم المقتضي مع بقاء المقتضي بحاله مقتضيا، و إن لم يوجد عمل المقتضي عمله.

سلّمنا توقّف كلّ منهما على الآخر، لكن توقّف معية لا توقّف تقدّم.

____________

(1). المعترض هو الآمدي في الإحكام: 3/ 244.

184

و فيه نظر، لأنّ عدم العلّة ذاتية لعدم المعلول، و المانع إنّما كان علّة للعدم لاقتضائه على عدم شي‏ء باعتباره كان المقتضي علّة، فالتعليل بعدم المقتضي أولى من التعليل بوجود المانع. و إذا فرضت العلّتان ثابتتان في فرع كان العدم مستندا إلى علّته الذاتية، فشرط التعليل وجود المقتضي. و لو سلّمنا صحّة انتفائه بالمانع مع وجود المقتضي فإنّه لعدم العلّة الأخرى.

و المناسبة و إن دلّت مع الاقتران على العلّيّة لكن المتخلّف يقتضي ظن عدمها. فإذن لا يصحّ الحكم بكونها علّة في صورة التخلّف.

الثاني: انتفاء الحكم في صورة التخلّف كان متحقّقا قبل وجود المانع، و في تعليله بالمانع تعليل المتقدّم بالمتأخّر، و هو محال، سواء كان المانع بمعنى الأمارة أو الباعث.

اعترض‏ (1) بأنّ الّذي تعلّل نفيه بالمانع إنّما هو انتفاء الحكم الّذي صار بسبب وجود المقتضي بعرضية الثبوت عرضية لازمة لا مطلق الحكم، و ذلك ممّا لا يسلّم تقدّمه على المانع المفروض.

و فيه نظر، فإنّ المعلّل هنا ليس الانتفاء لسبقه، فليس إلّا وصف عرضية الثبوت، و ذلك غير انتفاء الحكم.

____________

(1). المعترض هو الآمدي في الإحكام: 3/ 245.

185

المطلب الثاني: في جوابه‏

و إنّما يكون بأمرين‏ (1):

الأوّل: منع وجود تمام الأوصاف في صورة النقض.

و فيه مباحث‏ (2):

أوّلها: إذا منع المستدل من وجود العلّة في صورة النقض كان جوابا يندفع به السؤال.

مثاله لو قال: لا زكاة في الحلي لأنّه مال غير نام، فلا تجب فيه الزكاة كثياب البذلة.

فيقول المعترض: ينتقض بالحلي المحظور، فإنّه غير نام مع وجود الزكاة فيه.

فيقول المستدلّ: لا نسلم أنّ الحلي المحظور غير نام، و إنّما كان منع وجود العلّة في صورة النقض دافعا له، لأنّ النقض هو وجود العلّة و لا حكم، فإذا لم توجد العلّة في صورة النقض انتفى النقض.

و اختلفوا فقال قوم: لا يمكن المعترض من الاستدلال على وجود العلّة في صورة، لأنّه انتقال من مسألة إلى أخرى قبل تكميل الاستدلال على الأولى و هو قبيح، و لأنّه مشتمل على قلب القاعدة في‏

____________

(1). ذكرهما الرازي في المحصول: 2/ 369- 371.

(2). راجع المحصول: 2/ 370- 371؛ الإحكام: 4/ 93.

186

المناظرة بانقلاب المستدل معترضا و المعترض مستدلا.

نعم لو قال المعترض: ما دللت به على وجود المعنى في الفرع يقتضي وجوده في صورة النقض، فهذا إن صحّ كان نقضا على دليل وجود العلّة في الفرع لا على كون ذلك الوصف علّة للحكم، فيكون انتقالا من السؤال الّذي بدأ به إلى غيره.

و قال آخرون: له ذلك، لأنّ به يتحقّق انتقاض العلّة و هو قد انتصب لبيان ذلك و لا يتم الدعوى إلّا باستيفاء الدليل و ذكر مقدّماته.

و فصّل آخرون فقالوا: إن تعيّن ذلك طريقا للمعترض في هدم كلام المستدلّ وجب قبوله منه تحقيقا لفائدة المناظرة، و إن أمكنه القدح بطريق آخر أفضى إلى المقصود فلا.

و فيه نظر، لأنّه إن كان مسموعا لم يخرج عن ذلك بتعدّد الطرق الأخرى، و إن لم يكن لم يصر طريقا بانتفاء غيره.

نعم لو كان المستدلّ قد دلّ على وجود العلّة في محلّ التعليل بدليل هو موجود في صورة النقض، فإذا منع وجود العلّة، فإن قال المعترض: فقد انتقض الدليل الّذي دللت به على وجود العلّة، لا يكون مسموعا لكونه انتقالا من النقض على نفس العلّة إلى النقض على دليلها.

كما قلنا مثاله: لو قال في مسألة تبييت النية و تعيينها، أي بمسمّى الصوم، فوجب أن يصحّ كما في محلّ الوفاق، و دلّ على وجود الصوم بقوله: الصوم عبارة عن الإمساك مع النيّة، و هو موجود فيما نحن فيه.

187

فيقول المعترض: بما لو نوى بعد الزوال.

و إن قال المعترض للمستدل: ابتداء أمرك لا يخلو من حالين:

إمّا أن تعتقد وجود الصوم في صورة النقض، أو لا.

فإن كان الأوّل، انتقضت عليك.

و إن كان الثاني انتقض دليلك على وجود العلّة، كان متجها.

و إن أورد ذلك لا في معرض نقض دليل وجود العلّة، بل في معرض الدلالة به على وجود العلّة في صورة النقض، فالحكم فيه على ما سبق في الدلالة على نفي الحكم في صورة النقض.

ثانيها: المنع من وجود الوصف في النقض إنّما يمكن لوجود قيد في العلّة يندفع به النقض، و ذلك القيد قد يكون له معنى واحد و يكون وقوع الاحتراز به ظاهرا؛ كقولنا: طهارة عن حدث، فتفتقر إلى النية كالتيمّم فنقضه بإزالة النجاسة غير وارد. لأنّا قلنا: عن حدث، و إزالة النجاسة ليست عن حدث.

و قد يكون خفيّا كقولنا في السلم في الحال: عقد معاوضة، فلا يكون الأجل من شرطه، فلا ينتقض بالكتابة، لأنّها ليست معاوضة، بل عقد إرفاق.

و قد تتعدد المعاني فيقال اللفظ عليها إمّا بالتواطؤ أو بالاشتراك.

فالأوّل، كقولنا: عبادة متكررة فتفتقر إلى تعيّن النية كالصلاة.

فلو قيل: ينتقض بالحج، فإنّه متكرّر على زيد و عمرو.

188

فقولنا المتكرر مقول على المتكرر في الأزمان، و على المتكرر في الأشخاص، و الأظهر الأوّل، و هو مرادنا.

و مثال الثاني قولنا: جمع الطلاق في قرء واحد فلا يكون مبتدعا، كما لو طلّقها ثلاثا في قرء واحد مع الرجعة بين الطلقتين.

فلو قيل: ينتقض بما لو طلقها في الحيض.

قلنا: أردنا بالقرء الطّهر.

ثالثها: هل يجوز دفع النقض بوصف طردي؟

جوّزه القائلون بالطرد و بعض المانعين. و الوجه المنع، لأنّ أحد أجزاء العلّة إذا لم يكن مؤثّرا لم يكن المجمع مؤثّرا. و لأنّه لو جاز تقييده بالقيد الطردي لجاز تقييده بصرير الباب و نعيق الغراب، و لا نزاع في بطلانه.

الأمر الثاني: في الجواب كذا منع تخلّف الحكم، و فيه أبحاث‏ (1):

أحدها: إذا منع المعلل تخلّف الحكم في صورة النقض اندفع السؤال لما ذكرنا في منع وجود العلّة.

كما لو قال الشافعي في مسألة الثيب الصغيرة يثبت‏ (2) فلا يجوز إجبارها كالثيب البالغ.

فيقول المعترض: ينتقض بالثيب المجنونة، فإنّه يجوز إجبارها.

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 371- 372.

(2). في الإحكام: 4/ 94؛ (ثيب).

189

فيقول المستدلّ: بمنع صحّة إجبار الثيب المجنونة. و هل يمكن المعترض من الاستدلال على تخلّف الحكم في صورة النقض؟ البحث فيه كما تقدّم في دلالته على وجود العلّة.

ثانيها: انتفاء الحكم إن كان مذهبا للمستدلّ و المعترض معا كان متوجها، و كذا إن كان مذهبا للمعلّل، لأنّ المعلّل إذا لم يف بمقتضى علّته في الاطّراد فلئن لا يجب على غيره كان أولى.

كما لو قال في مسألة الرطب بالتمر، باع مال الربا بجنسه متفاضلا، فلا يصحّ كما لو باع صاعا بصاعين.

فيقول الحنفي ينتقض على أصلك بالعرايا، فإنّه يصحّ، و إن باع مال الربا بجنسه متفاضلا.

و جوابه بوجوه‏ (1):

أ. أن يبين في صورة النقض مناسبا يقتضي النفي من مانع أو فوات شرط مع اقتران الحكم به على أصله.

ب. أن يقول: النقض إنّما هو من قبيل المعارض لدليل العلّة. فتخلف الحكم عن العلّة إنّما هو على مذهب أحد الفريقين، و ثبوت الحكم على وفق العلّة المعلّل بها بالاتّفاق. و لا يتساوى المتّفق عليه و المختلف فيه، فلا يقع في معارضة دليل العلّة.

____________

(1). ذكرها الآمدي في الإحكام: 4/ 95.

190

ج. أن يبيّن أنّ تخلّف الحكم عن العلّة في معرض الاستثناء، و المستثنى لا يقاس عليه و لا يناقض به كالعرايا.

و إن كان مذهبا للمعترض فقط لم يتوجه، لأنّ خلاف المعترض في تلك المسألة كخلافه في الأولى، و هو محجوج بذلك في المسألتين معا.

كما لو قال المعترض: هذا الوصف لا يطرد على أصل، فلا يلزمني الانقياد إليه.

و جوابه أن يقول المستدل: ما ذكرته حجّة عليك في الصورتين، إذ هي محل النزاع، و مذهبك في صورة النقض لا يكون حجّة في دفع الاحتجاج، و إلّا كان حجّة في محل النزاع، و هو محال.

ثالثها: المنع من عدم الحكم قد يكون ظاهرا و هو ظاهر، و قد يكون خفيّا و هو على وجهين:

أ. كقولنا في السلم الحال: عقد معاوضة، فلا يكون الأجل من شرطه.

فإذا قيل: ينتقض بالإجارة. قلنا: الأجل ليس بشرط فيها، بل تقدير المعقود عليه.

ب. كقولنا: عقد معاوضة فلا ينفسخ بالموت كالبيع.

فإذا قيل: ينتقض بالنكاح. قلنا: هناك لا يبطل بالموت، لكن انتهى العقد.

رابعها: أقسام الحكم أربعة:

191

أ. أن يكون مجملا في طرف الثبوت، و يعني به أن يدّعي ثبوته، و لو في صورة ما؛ و هذا لا ينتقض بالنفي المفصل، و هو النفي عن صورة معينة، لأنّ الثابت مجملا يكفي ثبوته في صورة ما فجاز التغاير و إنّما يناقضه تعميم النفي.

ب. أن يكون مجملا في طرف النفي و هو أن لا يثبت البتّة و لا في صورة واحدة، و هو ينتقض بالثبوت المفصّل، لأنّ ادّعاء عموم النفي يناقضه الثبوت في صورة معيّنة، كقوله تعالى: قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى‏ بَشَرٍ مِنْ شَيْ‏ءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى‏ (1).

ج. أن يكون مفصّلا في طرف الثبوت و لا يناقضه النفي المفصّل إلّا مع اتّحاد المحل بل النفي المجمل، فإنّ نقيض الموجبة الجزئية سالبة كلية.

د. أن يكون مفصّلا في طرف النفي، فلا يناقضه الإثبات المفصّل إلّا مع اتّحاد المحل، و لا الإثبات المجمل، لأنّه في قوة الإثبات المفصّل، بل الإثبات العام، لأنّ نقيض السالبة الجزئية موجبة كلّية.

خامسها: الحكم الّذي لا يكون ثابتا تحقيقا بل تقديرا هل يدفع النقض؟ كقول الشافعي: علّة رق الولد ملك الأم، فإذا نقض بالمغرور بحرية الجارية فإنّ ولده ينعقد حرا، فقد وجد رقّ الأمّ و انتفى رق الولد تحقيقا لكنّه موجود تقديرا، فإنّ الغرم يجب على المغرور، و لو لا أنّ الرق في حكم الحاصل المندفع و إلّا لما وجبت قيمة الولد، فيه خلاف.

____________

(1). الأنعام: 91.

192

سادسها: هل يجب على المستدلّ بالعلّة المخصوصة ذكر نفي المانع في ابتداء دليله و الاحتراز عن النقض؟ اختلفوا.

فقال قوم: يجب، لأنّه مطالب بذكر ما يعرّف الحكم، و المعرّف ليس تلك الأمارة فقط، بل مع عدم المخصّص فيجب ذكرهما معا.

و لأنّه أقرب إلى الضبط و أبعد من النشر.

و لأنّ ما أشار إليه المعلّل من الوصف إذا كان منتقضا فإمّا أن يكون انتفاء الحكم في صورة النقض لا لمعارض، فلا يكون الوصف علّة.

و إمّا لمعارض فقد ثبت أنّ للعلّة معارضا متّفقا عليه، فلا بدّ من نفيه في الدليل، لأنّ المناظر تلو الناظر، و ليس للناظر الحكم جزما عند ظهور سببه دون ظهور انتفاء معارضه، فكذلك المناظر. و مقتضى هذا الدليل بيان نفي كلّ الموانع ابتداء، إلّا أنّ إيجاب ذلك يفضي إلى العسر و المشقّة.

فأسقطنا عنه كلفة نفي المعارض المختلف فيه لعسر نفيه، فتبقى الموانع المتفق عليها على حكم الأصل فيجب أن يذكر.

و قال آخرون: لا يجب، لأنّ المستدل مطالب بذكر ما هو الموجب للحكم و المؤثر فيه، و ذلك هو الوصف. أمّا نفي المانع فلا مدخل له في التأثير، فلا يجوز ذكره في الابتداء.

و أيضا ما يقع به الاحتراز عن النقض إن كان من أجزاء العلّة لم تكن العلّة علّة بدونه، و مثل هذا لا خلاف في وجوب ذكره في العلّة لعدم تمام‏

193

العلّة دونه، و من نازع فيه فقد نازع في أنّه هل يجب على المستدلّ ذكر العلّة أم لا؟ و هو معلوم البطلان.

و إن لم يكن فإن كان إشارة إلى نفي المعارض، فقد تعرض لما لا يسأل عنه لكونه مسئولا بعد الفتوى عن الدليل المقتضي للحكم، و انتفاء المعارض ليس من الدليل، و لو قيل إنّه من الدليل كان خلاف الغرض في هذا القسم، و إن لم يكن إشارة إليه فالنقض غير مندفع به، لأنّ النقض عبارة عن وجود العلّة و لا حكم، فإذا كان المذكور خارجا عن العلّة و لا إشارة فيه إلى نفي المعارض، فالعلّة ما دونه، و قد وجدت في صورة النقض و لا معارض فكان النقض متجها.

المطلب الثالث: في بقايا مباحث النقض‏

الأوّل: تخلّف الحكم عن العلّة لا لمانع يقدح في العلّيّة، لأنّها إن لم تكن مستلزمة للحكم لم تكن علة، و إن كانت مستلزمة وجب كونها كذلك أبدا، و لو كانت كذلك أبدا لم يزل هذا الحكم إلّا لمزيل، و هذا المزيل هو المانع فحيث زالت تلك المستلزمية لا لمزيل، علمنا عدم اتّصاف تلك الذات بالمستلزمية، فلا يكون علّة.

و فيه نظر، لأنّ نفي العلّيّة على تقدير عدم الاستلزام و وجوب دوامه نفس المتنازع.

و قيل: لا يقدح، لأنّا لم ندّع في هذه العلّة كونها مستلزمة للحكم‏

194

قطعا، بل ظاهرا، فتخلّف الحكم في بعض الصور لا يقدح في غالبية الاستلزام، فلا يكون مفسدا للعلّيّة.

الثاني: تخلّف الحكم عن العلّة على أقسام ثلاثة (1):

أ. أن يعرض في صوب جريان العلّة ما يمنع اطّرادها، و هو النقض.

و ينقسم إلى ما يعلم أنّه ورد مستثنى عن القياس مع استبقاء القياس، و قد اختلف في أنّه هل يقدح في العلّة أم لا؟

قال قوم: لا يقدح، سواء ورد على علّة مقطوعة، كإيجاب صاع من التمر في لبن المصراة، فإنّ علّة إيجاب المثل في المثليّات تماثل الأجزاء؛ و الشرع لم ينقض هذه العلّة، إذ عليها التعويل في الضمانات، لكن استثنى هذه الصورة، و كما يعلم أنّ من لم يقدم على الجناية لا يؤاخذ بضمانها ثم ينتقض بضرب الدية على العاقلة أو على علّة مظنونة كالتعليل بالطعم فإنّه لا ينتقض بمسألة العرايا، لأنّها وردت على سبيل الاستثناء و انّه رخصة للحاجة، و لم يرد ورود النسخ للربا. و دليل كونه مستثنى وروده على علّة الكيل، و كلّ علة (2) وردت على كلّ المذاهب.

و كذا إذا قلنا: عبادة مفروضة، فتفتقر إلى تعيين النية، لم ينتقض بالحج، فإنّه ورد على خلاف قياس العبادات، لأنّه لو أهلّ بإهلال زيد صحّ، و لم يعهد مثله في العبادات. و إنّما قلنا بعدم قدحه، لأنّ الإجماع لمّا انعقد على تعليل حرمة الربا بأحد الأمور الأربعة، و مسألة العرايا واردة على‏

____________

(1). ذكرها الغزالي في المستصفى: 2/ 354.

(2). في المستصفى: و على كلّ علّة.

195

الجميع، و هذه المسألة، واردة قطعنا بصحّتها، و النقض لا يقدح في مثل هذه العلّة.

و قيل: إنّه يقدح، و هل يجب الاحتراز عنه في اللفظ؟ منهم من أوجبه، و منهم من منعه.

و إلى ما لا يرد مورد الاستثناء فإن ورد على المنصوصة لم يتصور إلّا بأن ينعطف قيد على العلّة، و يظهر أنّ المذكور ليس تمام العلّة.

و إن ورد على المستنبط لا في معرض الاستثناء، و انقدح جواب من محل النقض من طريق الإخالة إن كانت العلّة مخيلة، أو من طريق الشبه إن كانت شبها، فهذا يبيّن أنّ المذكور لم يكن تمام العلّة، و انعطف قيد على العلّة من مسألة النقض، يندفع به النقض.

أمّا إذا كانت العلّة مخيلة و لم ينقدح جواب مناسب، و أمكن أن يكون النقض دليلا على فساد العلّة، و أمكن أن يكون معرفا اختصاص العلّة بمجراها بوصف من قبيل الأوصاف الشبهية و تفصيلها عن غير مجراها، فهذا الاحتراز عنه مهم في الجدل للمناظر. و هل يعتقد المجتهد في هذه العلّة: الانتقاض و الفساد، أم التخصيص؟

الأقوى أنّه في محل الاجتهاد، و يتبع كلّ مجتهد ما غلب على ظنّه.

كقولنا: صوم رمضان يفتقر إلى تبييت النيّة، لأنّ النية لا تنعطف على ما مضى، و صوم جميع النهار واحد، و أنّه لا يتجزأ فينتقض هذا بالتطوع فإنّه لا يصحّ إلّا بنية و لا يتجزأ على المذهب الحق، فيحتمل أن ينقدح عند

196

المجتهد فساد هذه العلّة بسبب التطوع، و أن ينقدح له أنّ التطوع ورد مستثنى رخصة لتكثير النوافل، فإنّ الشرع قد سامح في النفل بما لا يسامح به في الفرض. و المخيل الّذي ذكرناه يستعمل في الفرض، و يكون وصف الفرضية فاصلا بين مجرى العلّة و موقعها، و يكون ذلك وصفا شبهيا اعتبر في استعمال المخيل، و تميّز بمجراه عن موقعه. و من أنكر قياس الشبه جوّز الاحتراز عن النقض بمثل هذا الوصف الشبهي، فأكثر العلل المخيلة خصّص الشرع اعتبارها بمواضع لا ينقدح في تعيين المحل معنى مناسب على قانون أصل العلّة. و هذا التردّد إنّما ينقدح في معنى مؤثر لا يحتاج إلى شهادة الأصل، فإنّ مقدّمات هذا القياس مؤثّرة بالاتّفاق من قولنا: إنّ كلّ صوم واجب، و إنّ النيّة عزم لا ينعطف على الماضي، و إنّ الصوم لا يصحّ إلّا بالنيّة.

ب. أن ينتفي حكم العلّة لا لخلل في نفس العلّة، بل لمعارضة علّة أخرى، كعلّيّة ملك الأم في رق الولد، و لا ينتقض بالمغرور بحرية الجارية كما تقدّم.

ج. أن يكون النقض مائلا عن صوب جريان العلّة، و يكون تخلّف الحكم لا لخلل في ركن العلّة، لكن لعدم مصادفتها محلّها، أو شرطها، أو أهلها؛ كقولنا: السرقة علّة القطع، و قد وجدت في النبّاش فيجب القطع. فقيل يبطل بسرقة ما دون النصاب، و بسرقة الصبي، و من غير حرز.

197

و كقولنا: البيع علّة الملك. و قد جرى، فليثبت الملك في زمن الخيار.

فقيل: يبطل ببيع المستولدة، و الموقوف، و المرهون. لهذا لا يلتفت المجتهد إليه، لأنّ نظره في تحقيق العلّة دون شرطها و محلّها، فهو مائل عن صوب نظره.

الثالث: هل يجوز أن يقال في مثل مسألة المصراة أنّ العلّة، و هي تماثل الأجزاء موجودة، لكن اندفع إيجاب المثل إلى إيجاب الصاع بمانع البصريّة كما قلتم في مسألة المغرور بحرية الجارية (1)؟

قلنا: لا يجوز، لأنّ التماثل ليس علّة لذاته، بل بجعل الشرع إيّاه علامة على الحكم، فحيث لم يثبت الحكم، لم يجعله علامة، فلم يكن علّة؛ كما لا نقول: الشدة الموجودة قبل تحريم الخمر كانت علة، لكن لم يرتّب الشارع عليها الحكم، و إنّما صارت علّة حيث جعلها الشارع علّة، و ما جعلها علّة إلّا بعد نسخ إباحة الشرب. فكذلك التماثل ليس علّة في مسألة المصراة بخلاف مسألة المغرور، فإنّ الحكم فيه ثابت تقديرا، و كأنّه ثبت ثمّ اندفع، فهو في حكم المنقطع لا الممتنع.

و لو نصب شبكة ثم مات فحصل فيها صيد، كان في حكم مال الميت تقضى منه ديونه، و يستحقّه ورثته؛ لأن نصب الشبكة سبب ملك الناصب، لكن الموت حالة حصول الصيد دفع الملك فتلقّاه الوارث، و هو في حكم الثابت للميت و المنتقل إلى الوارث.

____________

(1). في المستصفى: 2/ 360: «الولد».

198

المطلب الرابع: في الكسر

و هو تخلف الحكم المعلّل عن معنى العلّة، و هو نقض يرد على المعنى دون اللفظ، و هو الحكمة المقصودة من الحكم، كما يقول في صلاة الخوف: صلاة يجب قضاؤها فيجب أداؤها قياسا على صلاة الأمن، فيظنّ المعترض أنّه لا تأثير لكون العبادة صلاة في هذا الحكم، و أنّ المؤثّر هو وجوب القضاء، فينقضه بصوم الحائض، فإنّه يجب قضاؤه و لا يجب أداؤه.

و فيه نظر، فإنّ هذا مثال النقض المكسور، و سيأتي.

و كقول الحنفي في مسألة العاصي بسفره فسافر، فوجب أن يترخّص في سفره كغير العاصي و يبين مناسبة السفر بما فيه من المشقّة.

فيقول المعترض: ما ذكرته من الحكمة و هي المشقة، منتقضة، فإنّها موجودة في حقّ الحمال و أرباب الصنائع الشاقة في الحضر، مع أنّه لا رخصة.

و اختلفوا في أنّه هل هو مبطل للعلّة؟

و الوجه أنّ الكلام إنّما هو مفروض في الحكمة التي ليست منضبطة بنفسها بل بضابطها، و لا يخفى أنّ مقدارها لا ينضبط، بل يختلف باختلاف الأشخاص و الأزمان و الأحوال. و عادة الشرع في مثل هذا الرد إلى المظان الظاهرة الجليّة دفعا لعسر التميز و التخبط في الأحكام. فحينئذ يمتنع التعليل بها دون ضابطها، و إذا لم يكن علّة فلا معنى لإيراد النقض عليها.

199

اعترض‏ (1) بأنّ المقصود من شرع الحكم هو الحكمة دون ضابطها، و حينئذ يحتمل أن يكون مقدار الحكمة في صورة النقض مساويا لمقدارها في صورة التعليل، و أن يكون أزيد، و أن يكون أنقص و على تقديري المساواة و الزيادة، فقد وجد في صورة النقض ما كان موجودا في صورة التعليل، و على تقدير النقصان لا يكون موجودا.

و ما يتم على تقديرين أغلب على الظن ممّا لا يتم إلّا على تقدير واحد، و حينئذ يظهر إلغاء ما ظنه المعلّل علّة.

و أجيب بأنّ الحكمة و إن كانت هي المقصودة، لكن على وجه تكون مضبوطة إمّا بنفسها، أو بضابطها، و ما فرض من الحكمة في صورة النقض مجردة عن ضابطها، فامتنع كونها مقصودة؛ و بتقدير القصد فالنقض من قبيل المعارض لدليل كونها معلّلا بها. و على هذا فانتفاء الحكم مع وجود الحكمة في دلالته على إبطال علّيّة الحكمة مرجوح بالنظر إلى دليل التعليل بها. و ذلك لأنّه من المحتمل ان يكون انتفاء الحكم في صورة النقض لمعارض، و مع هذا الاحتمال فتخلف الحكم عنها لا يدلّ على إبطالها.

فإن قلت‏ (2): بحثت و سبرت فلم أطّلع على ما يصلح معارضا في صورة النقص، فيظهر استناد الانتفاء إلى انتفاء العلّة. عورض بقول المعلّل:

____________

(1). ذكره مع الجواب عنه الآمدي في الإحكام: 3/ 253.

(2). ذكره مع الجواب عنه الآمدي في الإحكام: 3/ 253.

200

بحثت في محلّ التعليل، فلم أظفر بما يصلح للتعليل سوى ما ذكرته، فهو العلّة.

فإن رجّح المعترض بحثه باشتماله على موافقة انتفاء الحكم لانتفاء علّته، إذ هو الأصل، نفيا للتعارض. عورض بما في بحث المستدل من موافقة ما ظهر من دليل العلّة من المناسبة و الاعتبار، فيتعارضان. و يترجّح كلام المستدلّ بأنّ مقدار الحكمة في محل التعليل، و إن كان مظنون الوجود في صورة النقض، فيحتمل عدمه فيها و إلّا كان مقطوعا به لا مظنونا. و هو موجود في صورة التعليل قطعا مع اقتران الحكم به قطعا، و هو دليل العلّيّة، و ما هو دليل البطلان فوجوده في صورة النقض ظنّا مع انتفاء الحكم قطعا، و المقطوع به من وجهين راجح على ما هو مقطوع به من وجه و مظنون من آخر.

و هذا الترجيح غير آت في النقض على المظنّة، فلهذا كان النقض لازما على المظنّة دون الحكمة.

فإن قلت: لو فرض وجود الحكمة في صورة النقض قطعا فما حكمه؟ [قلنا:] منعنا وقوعه، و بتقديره قال بعضهم: لا التفات إليه لعسر معرفته في آحاد الصور مع خفائه و ندوره، بخلاف التوسّل إلى معرفة الضوابط الجلية فكان حط هذه الكلفة عن المجتهد و ردّ الناس إلى الضوابط الجلية المشتملة على احتمال الحكم غالبا مناسبا.

اعترض‏ (1) بأنّ المشقّة و إن وجدت على تقدير البحث عن وجود

____________

(1). ذكره الآمدي في الإحكام: 3/ 254.

201

الحكمة في آحاد المسائل، إلّا أنّا نعلم أنّ المقصد الأقصى في إثبات الأحكام هو المقاصد و الحكم، فعلى تقدير وجود الحكمة في بعض الصور كما وجدت في محل التعليل قطعا لو لم يجب التعليل بها في غير محل التعليل، لزم انتفاء الحكم مع وجود حكمته قطعا، و هو ممتنع. كما يمتنع إثبات الحكم مع انتفاء حكمته قطعا في ما عدا الصورة النادرة، و كذا لو لم نقل بإلغائها عند تخلّف الحكم عنها مع ثبوتها قطعا، لزم إثبات الحكم بها مع الضابط مع كونها ملغاة قطعا.

و معلوم أنّ المحذور بإثبات الحكم لحكمة ألغاها الشارع إذ نفي الحكم مع وجود حكمته يقينا أعظم من محذور المشقة بالبحث عن وجود الحكمة و المقاصد في آحاد المسائل.

و على هذا يكون الكلام فيما لو فرض وجود الحكمة في صورة النقض أزيد منها في محلّ التعليل يقينا. نعم إن ثبت في صورة النقض حكم هو أليق بها بأن النفي بتحصيل الحكمة و زيادة، و لو رتب عليها في تلك الصور الحكم المعلّل اختلّ الزائد في صورة النقض لم يكن نقضا للحكمة، و لا إلغاء، بل يجب تخلف الحكم المعلل و إثبات اللائق الوافي بتحصيل الزيادة لما فيه من رعاية أصل المصلحة و زيادتها كما لو علّل وجوب القطع قصاصا بحكمة الزجر فيقول المعترض:

مقصود الزجر في القتل العمد العدوان أعظم، و مع ذلك لا يجب به القطع فيقول المستدلّ: الحكمة في النقض و إن كانت أزيد لكن ثبت حكم آخر هو أليق، و هو وجوب القتل. و جواب الكسر بعد ما مرّ منع وجود المعنى‏

202

المشار إليه في صورة النقض، و منع تخلف الحكم عنه و باقي‏ (1) أجوبة سؤال النقض.

المطلب الخامس: في النقض المكسور

و هو النقض على بعض أوصاف العلّة؛ كقولنا في بيع الغائب: مبيع مجهول الصفة عند العاقد حالة العقد، فلا يصحّ، كما لو قال: بعتك عبدا.

فيقول المعترض: ينتقض بما لو تزوّج امرأة لم يرها.

و قد اختلفوا في سماعه فالأكثر على ردّه، لوقوع التعليل بالمجموع من كونه مبيعا و مجهولا، لا بمجرّد جهالة الصفة، و المنكوحة ليست مبيعة.

و إبطال التعليل ببعض أوصاف العلّة ليس إبطالا لها.

أمّا لو بيّن المعترض عدم تأثير الوصف الآخر الّذي وقع به الاحتراز عن النقض لا منفردا و لا منضما مع الآخر؛ فالمستدلّ حينئذ إن تمّ على التعليل بالمجموع، بطل التعليل لعدم التأثير لا بالنقض.

و إن ترك الكلام على التعليل بالوصف المنقوض، بطل التعليل بالنقض، لكونه واردا على جميع العلّة.

لا يقال‏ (2): المحذوف و إن لم يؤثر بنفسه و لا مع ضمه إلى غيره،

____________

(1). في أ: «و يأتي».

(2). ذكره مع الجواب عنه الآمدي في الإحكام: 3/ 256.

203

يمكن أخذه في التعليل (لتحرز به) (1) عن النقض، و إنّما يخرج عن التعليل لو عرى عن الفائدة.

لأنّا نقول: فائدة الاحتراز به تتوقف على كونه جزء العلّة، حتى لو لم يكن جزء كانت العلّة ما عداه، فالنقض حينئذ يكون واردا عليها، و كونه من أجزاء العلّة يتوقّف على إمكان الاحتراز به عن النقض، و هو دور.

البحث الثاني: عدم التأثير

قيل‏ (2): إنّه عبارة عن بقاء الحكم بدون ما فرض علّة. و هو قادح في العلّيّة؛ لأنّ الحكم لما بقي بعد عدمه و كان موجودا قبل وجوده، علمنا استغناءه عنه، و المستغني عن الشي‏ء لا يكون معلّلا به.

و هو حقّ إن فسّرنا العلّة بالمؤثر لا المعرّف، لجواز تعريف السابق بالحادث كالعالم مع الباري تعالى.

و قيل: عدم التأثير أبدأ (3) في الدليل لا تأثير له البتة، بل يكون وصفا طرديا كالطول و القصر و السواد و البياض، أو يكون وصفا ثبت اعتباره بالإحالة أو الشبه لكن قد استغنى في إثبات الحكم بما عداه، كما يقال في بيع الغائب مبيع غير مرئي، فلا يصح بيعه كالطير في الهواء و السمك في الماء، فإنّ عدم الرؤية و إن اشتمل على نوع إحالة لكن قد اكتفي‏

____________

(1). في الإحكام: لفائدة الاحتراز.

(2). القائل هو الرازي في المحصول: 2/ 375.

(3). في «أ» و «د» بزيادة «أجزى».

204

في إثبات الحكم في الأصل بدونه، و هو العجز عن التسليم.

و أقسامه أربعة (1):

الأوّل: عدم التأثير في الوصف، بأن يكون الوصف المأخوذ في الدليل طرديا لا مناسبة فيه و لا شبه، كما يقال في صلاة الصبح: صلاة لا يجوز قصرها، فلا تقدم في الأداء على وقتها كالمغرب، فإنّ عدم القصر وصف طردي بالنسبة إلى الحكم المذكور.

الثاني: عدم التأثير في الأصل بأن يكون الوصف قد استغني عنه في إثبات الحكم بغيره. كما قلنا في تعليل بيع الغائب بالجهالة قياسا على السمك في الماء، فإن عجز عن التسليم استقل بالحكم.

و قد اختلف في قبوله، فردّه أبو إسحاق الإسفرائيني و من تابعة، لأنّه إشارة إلى علّة أخرى في الأصل، و لا يمتنع تعليل الحكم بعلّتين.

و منهم من قبله بناء على امتناع التعليل بعلّتين، و سيأتي.

الثالث: عدم التأثير في الحكم بأن يذكر في الدليل وصفا لا تأثير له في الحكم المعلّل، كما في مسألة المرتدّين إذا أتلفوا ما لنا في دار الحرب:

مشركون أتلفوا مالا في دار الحرب فلا ضمان كالحربيّ فإنّ الإتلاف في دار الحرب طردي لا تأثير له في نفي الضمان ضرورة استواء الدارين في الإتلاف. و هذا يرجع إلى عدم التأثير في الوصف بالنسبة إلى الحكم إن كان طرديا، أو إلى سؤال الإلغاء إن كان مؤثّرا.

____________

(1). ذكرها الآمدي في الإحكام: 4/ 89.