نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج4

- العلامة الحلي المزيد...
476 /
205

الرابع: عدم التأثير في محلّ النزاع، و هو أن يكون الوصف المذكور في الدليل لا يطرد في جميع صور النزاع، و إن كان مناسبا كما لو قال في مسألة ولاية المرأة: زوّجت نفسها من غير كفو فلا يصحّ نكاحها، كما لو تزوّجت من غير كفو، فإنّ تزويجها نفسها من غير كفو و إن كان مناسبا للبطلان غير أنّه لا يطّرد في جميع صور النزاع من حيث إنّ النزاع وقع في التزويج من كفو و غيره.

و اختلف في قبوله أيضا، فردّه قوم بناء على منع جواز الفرض في الدليل مطلقا، و قبله من لم يمنع، و فصّل آخرون فقالوا: كلّ فرض جعله المستدلّ وصفا في العلّة مع اعترافه بطرده فهو مردود، و إن لم يكن كذلك فهو مقبول.

و إذا بطل القسم الرابع و هو عدم التأثير في محلّ النزاع، و رجع حاصل الثالث و هو عدم التأثير في الحكم إلى عدم التأثير في الوصف أو الإلغاء، لم يبق سوى عدم التأثير في الوصف و هو الأول، و عدم التأثير في الأصل و هو الثاني. و الأوّل راجع إلى بيان انتفاء مناسبة الوصف، و سؤال المطالبة يغني عنه، و جوابه جوابه فلا يجتمعان، و عدم التأثير في الأصل يرجع إلى المعارضة في الأصل، و جوابه جوابه.

و بعد هذا كلّه فقد يكون أخذ الوصف الذي لا يناسب الحكم في الدليل مقيدا بأن يكون مشيرا إلى نفي المانع الموجود في صورة النقض، أو وجود الشرط الفائت فيها، لقصد دفع النقض، أو مشيرا إلى قصد الفرض‏

206

في الدليل في بعض صور النزاع، كما في مثال أخذ الإتلاف في دار الحرب في مسألة المرتدين، و لا يكون عديم التأثير، إذ هو غير مستغن عنه في إثبات الحكم، إمّا لقصد دفع النقض، أو لقصد الفرض.

البحث الثالث: في العكس‏

العكس لغة ردّ أوّل الأمر إلى آخره و آخره إلى أوّله، و أصله شدّ رأس البعير بخطامه إلى ذراعه.

و عند قوم: جعل المحكوم عليه محكوما به و المحكوم به محكوما عليه مع بقاء الكيف.

و أمّا في اصطلاح الفقهاء و الأصوليّين فإنّه يطلق على معنيين‏ (1):

الأوّل: كقول الحنفي: لمّا لم يجب القتل بصغير المثقل لم يجب بكبيره بدليل عكسه في المحدود. و هو أنّه لما وجب بكبير الجارح وجب بصغيره، و هو باطل لإمكان إيجاب القصاص بكلّ جارح و بالكبير من المثقل خاصّة.

الثاني: انتفاء الحكم عند انتفاء العلّة و قبل أن يحصل مثل ذلك الحكم في صورة أخرى لعلّة تخالف العلّة الأولى.

و المراد هنا أحد هذين، و قد اختلفوا في اشتراطه في العلل:

فقالت المعتزلة كافّة: إنّ العكس غير واجب في العلل العقلية

____________

(1). ذكرهما الآمدي في الإحكام: 3/ 257.

207

و الشرعية، لاشتراك المختلفات في كون كلّ واحد منها مخالفا للآخر، و هذه المخالفة من لوازم الماهية و اشتراك اللوازم مع اختلاف الملزومات يعطي عدم الاشتراط، و أمّا في الشرعيات فسيأتي الدلالة على جواز تعليل الأحكام المتساوية بالعلل المختلفة في الشرعيات، و هو يقتضي عدم اعتبار العكس.

و الأشاعرة (1) أوجبوا العكس في العلّة العقلية دون الشرعية، و قيل:

جنس الحكم المعلل إن لم يكن له سوى علّة واحدة، كتعليل جنس وجوب القصاص في النفس بالقتل العمد العدوان، فإنّه لا علّة له سواء، لزم من انتفاء علّته انتفاؤه لا من حيث استلزام نفي العلّة الواحدة نفي الحكم، بل لأنّ الحكم لا بدّ له من دليل، و لا دليل.

و إن كان معلّلا بعلل في كلّ صورة بعلّة؛ كما في إباحة الدم بالقتل العمد العدوان، و الردّة عن الإسلام، و الزنا في الإحصان، و قطع الطريق، و كذا نواقض الوضوء، لم يلزم من نفي بعض العلل نفي جنس الحكم، لجواز وجود علّة أخرى و إنّما يلزم بتقدير انتفاء جميع العلل.

هذا حكم جنس الحكم المعلّل.

و أمّا آحاد أشخاص الحكم في آحاد الصور فإنّه يمتنع تعليله بعلّتين، بل بعلّة واحدة على البدل، فلا يلزم من نفي العلّة المعينة نفيه لجواز وجود بدلها.

____________

(1). راجع الإحكام: 3/ 256- 257.

208

لا يقال: العلّة كالدليل العقلي، و كما لا يلزم من نفي الدليل نفي المدلول كذا لا يلزم من نفي العلّة الواحدة نفي الحكم.

لأنّا نقول: نعني بانتفاء الحكم عند انتفاء علّة الواحدة نفي العلم به لا نفيه في نفسه.

و فيه نظر، لرجوع هذا على طوله إلى اختيار عدم العكس.

و اعلم أنّ المستدلّ لو سلّم وحدة العلّة ثمّ وجد الحكم دونها لزم الانتقاض.

البحث الرابع: في القلب‏

و فيه مطالب:

[المطلب‏] الأوّل: ماهيّة القلب‏

[و ماهيّته:] أن يعلّق على العلّة المذكورة في قياس نقيض الحكم المذكور فيه، و يردّ إلى ذلك الأصل بعينه. و إنّما شرطنا اتّحاد الأصل؛ لأنّه لو رد إلى أصل آخر لكان حكم ذلك الأصل الآخر إن كان حاصلا في الأوّل كان ردّه إليه أولى، لأنّ المستدلّ لا يمكنه منع وجود تلك الصلة فيه، و يمكنه منع وجودها في أصل آخر.

و إن كان غير حاصل، كان أصل القياس الأوّل نقضا على تلك العلّة، لأنّ ذلك الوصف حاصل فيه مع عدم الحكم.

209

المطلب الثاني: في أقسامه‏

و هي اثنان‏ (1):

الأوّل: قلب الدعوى‏

الثاني: قلب الدليل‏

أمّا الأوّل فضربان: أ. أن يكون الدليل مضمرا فيها؛ كقول الأشعري:

اعلم أنّ كلّ مرئي موجود، فهو دعوى يشتمل على إضمار الدليل.

و تقديره، لأنّه موجود، لأنّ الوجود هو مصحّح الرؤية عنده.

فيقول المعتزلي: اعلم بالضرورة أنّ كلّ ما ليس في جهة لا يكون مرئيا، فهو دعوى يقابل الأولى من حيث إنّ الموجود ينقسم إلى ما هو في جهة، و إلى ما ليس في جهة.

فالقول بأنّ ما ليس في جهة غير مرئي يقابل: انّ كلّ موجود مرئي.

و دليله مضمر فيه. و تقديره: أنّ انتفاء الجهة مانع من الرؤية.

ب. أن لا يكون الدليل مضمرا فيها، كقولنا: اعلم بالضرورة أنّ النظر يفضي إلى العلم.

فيقول المعترض: اعلم بالضرورة أنّ النظر لا يفضي إلى العلم. و هذا هو مقابل الفاسد بمثله، و المقصود منه استنطاق المدعي باستحالة دعوى‏

____________

(1). ذكرهما الآمدي في الإحكام: 4/ 110.

210

الضرورة من خصمه في محل الخلاف، فيقال: و هذا لازم لك أيضا.

و قد أورد في هذا الباب قلب الاستبعاد في الدعوى. كقول الشافعي في مسألة إلحاق الولد بأحد الأبوين المدّعيين له: تحكيم الولد في ذلك تحكم بلا دليل.

فقال الحنفي: و تحكيم القائف في ذلك أيضا بغير دليل و المقصود منه استنطاق المدّعي بأن ما ذكره ليس بتحكّم، بل له مأخذ صحيح، فيقول المعترض: و كذا ما ذكرته، و هو بعيد، لأنّ المعترض و إن عرف بأنّ ما ذهب إليه تحكّم لم تغن معارضته للمستدلّ بتحكّمه في مذهبه في إبطال دعواه تحكّم في مذهب خصمه. و ان يبين مأخذه فيه فهو الجواب و لا حاجة إلى القلب.

و أمّا قلب الدليل فهو أن يبيّن أنّ ما ذكره المستدلّ دليل عليه. فإمّا أن يسلّم المعترض ما ذكره المستدل من الدليل يدل له من وجه، أو يبيّن انتفاء الدلالة من كلّ وجه.

و الثاني قلّ أن يوجد مثاله في غير النصوص، و هو كما لو استدلّ في توريث الخال بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الخال وارث من لا وارث له». (1)

فيقول المعترض: المراد نفي توريث الخال بطريق المبالغة، كقولنا:

الجوع زاد من لا زاد له و الصبر حيلة من لا حيلة له. و معناه نفي كون الجوع‏

____________

(1). سنن الترمذي: 3/ 285 برقم 2186؛ سنن الدارمي: 2/ 380؛ سنن الدارقطني: 4/ 49 برقم 4076؛ كنز العمال: 11/ 5 برقم 30378 و ص 14 برقم 30417.

211

زادا و الصبر حيلة. و هو قلب في دلالة الألفاظ ببيان أنّ اللفظ يدلّ على المستدلّ لا له. قالوا: و لو لا ذلك لكان اللفظ متناقضا حيث إنّ الخال وارث و قد وصف مورثه بأنّه لا وارث له. و لا يمكن حمله على نفي ما عداه من الوارث، فإنّه يرث عند هذا القائل مع الزوج و الزوجة، و لا على نفي العصبات، فإنّ بنت الأخ و غيرها من ذوي الأرحام كذلك، فالتخصيص يكون عبثا. و من قلب الألفاظ أيضا أن يبين أنّه يدلّ على مناقضة مذهبه أيضا مع تسليم صلاحية دلالته على مذهب المستدل، كقول الحنفي في نصيب الساحة «لا ضرر و لا إضرار» فيقلب ذلك في حق المالك فإن قطع اختصاصه من العين المملوكة إضرار به و من ضرورة دلالته على نفي الضرر عن المالك دلالته على نقيض مذهب المستدل و هذا الضرب في الرتبة دون الأوّل و هما مختصان بالظواهر و لا اتحاد لهما.

امّا الأوّل فلأنّه مركب من بيان عدم الظهورية (1) و بيان دلالته على نقيض مذهبه، و حاصل أحدهما يرجع إلى منع الظهورية (2)، و حاصل الآخر إلى المعارضة و فيهما ضعف.

و أمّا الثاني فحاصله يرجع إلى المعارضة أيضا و فيه كلام و ان سلم المعترض أنّ ما ذكره المستدلّ يدل له من وجه فهو غير قلب دلالات ألفاظ، بل هو قلب العلل و أقسامه ثلاثة (3):

الأوّل: أن يتعرّض المعترض في القلب لتصحيح مذهبه.

____________

(1). في «ب» و «د»: الظهور به.

(2). في «ب» و «ج»: الظهور به.

(3). ذكرها الآمدي في الإحكام: 4/ 113.

212

الثاني: ان يتعرّض لإبطال مذهب المستدلّ صريحا بأن يجعله حكما للدليل بلا واسطة.

الثالث: أن يتعرّض لإبطال مذهب المستدل التزاما.

فالأوّل: كقول الحنفي في مسألة الاعتكاف: لبث محض فلا يكون قربة بنفسه كالوقوف بعرفة.

فيقول المعترض: لبث محض فلا يشترط فيه الصوم كالوقوف بعرفة. فالحكمان المذكوران في الأصل و القلب لا يتنافيان في الأصل و يتنافيان في الفرع، و كلّ منهما قد تعرض في دليله لتصحيح مذهبه، إلّا أنّ المستدلّ أشار بعلّيته إلى اشتراط الصوم بطريق الإلزام، و المعترض أشار إلى نفي اشتراطه صريحا.

و عند التحقيق فتعليل المستدل في هذا المثال لنفي القربة ليس تعليلا بمناسب يقتضي نفي القربة، بل بانتفاء المناسب من حيث إنّ اللبث المحض لا مناسبة فيه البتة للقربة. و تعليل المعترض بأمر طردي فإنّه لا مناسبة في اللبث المحض لنفي اشتراط الصوم.

و قد يتّفق أن يكون كلّ من المعترض و المستدلّ قد تعرض لتصحيح مذهبه صريحا، كقولنا: طهارة تراد لأجل الصلاة فلا تجوز بغير الماء كطهارة الحدث.

فيقول المعترض: طهارة تراد لأجل الصلاة فتصحّ بغير الماء كطهارة

213

الحدث، فقد تعرض كلّ منهما في الدليل لتصحيح مذهبه صريحا و العلّة في الطرفين شبيهة.

و أمّا الثاني: فكقول الحنفي في مسح الرأس: عضو من أعضاء الوضوء، فلا يكفي فيه أقلّ ما ينطلق عليه الاسم كسائر الأعضاء.

فيعارض بأنّه عضو من أعضاء الوضوء، فلا يعتذر بالربع كسائر الأعضاء. و هذان الحكمان لا يتناقضان لذاتيهما، لأنّهما حصلا في باقي الأعضاء، بل يتنافيان في الفرع بواسطة اتّفاق الخصمين، فكلّ منهما قد صرّح في دليله بإبطال مذهب خصمه، و ليس فيه ما يدل على تصحيح مذهب أحدهما، إذ لا يلزم من إبطال مذهب الخصم تصحيح مذهبه، لإمكان أن يكون الصحيح مسح الجميع كقول مالك.

نعم لو انحصر القول في مذهبين و اتّفق الناس على بطلان الثالث، لزم من تعرض كلّ منهما بإبطال مذهب خصمه تصحيح مذهبه.

و أمّا الثالث: فكقول الحنفي في بيع الغائب عقد معاوضة فيصحّ مع الجهل بالعوض كالنكاح.

فيقول الشافعي: عقد معاوضة فلا يشترط فيه خيار الرؤية، كالنكاح.

و هذان الحكمان غير متنافيين في الأصل، لأنّه اجتمع في النكاح الصحّة و عدم الخيار، لكن لا يمكن اجتماعهما في الفرع. فالمعترض لم يصرّح بإبطال مذهب المستدلّ في القول بالصحّة، بل بطريق الالتزام، فإنّ القائل بالصحّة قائل بخيار الرؤية، فالخيار لازم الصحّة، فإذا انتفى انتفى‏

214

الملزوم و منع بعضهم من قبول هذا النوع من القلب، لأنّ دلالة الوصف على ثبوت الحكم لا بواسطة أظهر من دلالته على انتفاء الحكم بواسطة.

و يلحق بالثالث قلب التسوية. كقول الحنفي في إزالة النجاسة بالمائع طاهر مزيل للعين و الأثر فتحصل به الطهارة كالماء.

فيعارض بأنّه مائع طاهر مزيل للعين و الأثر فيستوي فيه طهارة الحدث و الخبث كالماء، فإنّه يلزم من القول بالتسوية في الخل بين طهارة الحدث و الخبث عدم حصول الطهارة بالخل في الخبث لعدم حصولها به في الحدث و الحكم التسوية.

و كقوله في طلاق المكره: مكلّف مالك للطلاق فيقع طلاقه كالمختار، فيقول القالب: فيجب أن يستوي حكم إيقاعه و إقراره كالمختار.

و قدح بعضهم فيه بأنّ الحاصل في الأصل اعتبارهما معا و في الفرع عند القالب عدم وقوعهما معا، فكيف تتحقّق التسوية؟

و جوابه: أنّ عدم الاختلاف بيّن الحكمين حاصل في الفرع و الأصل، لكن في الفرع في جانب العدم، و في الأصل في جانب الثبوت، و ذلك لا يقدح في الاشتراك في أصل الاستواء.

و أعلى مراتب القلب ما بين فيه أنّه يدلّ على المستدلّ و لا يدلّ عليه، ثم يليه النوع الثاني و هو ما بيّن فيه أنّه يدل له و عليه.

و أعلى مراتب هذا النوع ما صرّح فيه بإثبات مذهب المعترض، و هو القسم الأوّل منه.

ثمّ ما صرّح فيه بإبطال مذهب المستدل فإنّه دون ما قبله من حيث إنّه‏

215

لا يستلزم تصحيح مذهبه كما تقدّم، و هو القسم الثاني منه.

الثالث فإنّه و إن شارك ما قبله من القسم الثاني في إبطال مذهب المستدلّ، إلّا أنّه يدلّ عليه بطريق الالتزام و ما قبله بصريحه.

و هذا النوع من القلب لا تعرض فيه لدلالة المستدل بالقدح، بل غايته بيان دلالة أخرى منه تدلّ على نقيض مطلوبه، فكان شبيها بالمعارضة، و إن فارقها من جهة أنّه معارضة نشأت من نقيض‏ (1) دليل المستدل.

المطلب الثالث: في أنّه مقبول أم لا

اختلف الناس في ذلك فردّه قوم لوجهين‏ (2):

الأوّل: الحكم الّذي علّقه القالب على العلّة لا بد و أن يكون مخالفا للحكم الّذي علّقه القائس عليها؛ و إلّا لكان تكريرا في اللفظ. ثمّ الحكمان إن أمكن اجتماعهما لم يقدح في العلّة، لإمكان تعدّد المعلول؛ و إن لم يمكن اجتماعهما فهو محال، لوجوب اتحاد أصلي القالب و القائس، و الصورة الواحدة يمتنع أن يحصل فيها حكمان متنافيان.

الثاني: العلّة المستنبطة يجب أن تكون مناسبة للحكم، و يمتنع مناسبة الوصف الواحد لحكمين متناقضين فيجب أن يكون طرديا بالنسبة إلى أحدهما؛ فإن كان طرديا بالنسبة إلى علّة المستدل، فالقياس باطل فلا

____________

(1). في الإحكام: 4/ 115: «نفس».

(2). ذكرهما الرازي في المحصول: 2/ 376.

216

حاجة إلى القلب؛ و إن كان بالنسبة إلى ما استند إليه المعترض، فهو باطل أيضا.

و أجيب عن الأوّل: بأنّ هنا احتمالا آخر و هو: أن لا يكون الحكمان متنافيين فيصحّ اجتماعهما في الأصل، و دلّ أمر خارج على تنافيهما في الفرع، فإذا بيّن القالب أنّ الوصف الحاصل في الفرع ليس بأن يقتضي امتناع أحد الحكمين أولى من الآخر، كان الأصل شاهدا لهما بالاعتبار، لما بيّنّا من عدم المنافاة بينهما في الأصل. و يقتضي امتناع حصول الحكم في الفرع لما أنّه ليس حصول أحدهما أولى من الآخر، و قد قامت الدلالة على امتناع حصولهما في الفرع. و هذا كما أنّه جواب فهو صالح للدلالة على إمكان القلب.

و عن الثاني: أنّ المناسبة لا تكون حقيقية، بل إقناعية، فبالقلب ينكشف أنّها ما كانت حقيقية. و الحقّ القبول، لأنّه نوع معارضة اشترك فيه الأصل و الجامع فكان أولى بالقبول.

المطلب الرابع: في مناسبته للمعارضة

القلب معارضة إلّا في شيئين‏ (1):

الأوّل: لا يمكن فيه الزيادة في العلّة بخلاف سائر المعارضات.

الثاني: لا يمكن منع وجود العلّة في الفرع و الأصل لاتّحاد أصله مع‏

____________

(1). ذكرهما الرازي في المحصول: 2/ 377.

217

أصل المستدلّ، و كذا فرعه مع فرعه. و أمّا سائر المعارضات فيمكن فيها ذلك التغاير، و لا فرق بينهما فيما عدا هذين الوجهين.

فعلى هذا للمستدلّ منع حكم القالب في الأصل و أن يقدح في تأثير العلّة فيه بالنقض، و عدم التأثير، و أن يقول بموجبه أمّا إذا أمكنه بيان اللازم من ذلك القلب لا ينافي حكمه، و أن يقلب قلبه إذا لم يكن قلب القلب مناقضا للحكم، لأنّ قلب القالب إذا فسد بالقلب الثاني سلم أصل القياس من القلب.

المطلب الخامس: في القول بالموجب‏

و هو تسليم ما جعله المستدلّ حكما لعلّته مع بقاء الخلاف.

و مهما توجّه على هذا الوجه كان المستدلّ منقطعا، لظهور أنّ ما ذكره من الدليل لم يكن متعلّقا بمحلّ النزاع و هو أقسام:

الأوّل: أن ينصب المستدلّ دليله على تحقيق مذهبه، و ما نقل عن إمامه. كقول الشافعي في الملتجئ إلى الحرم وجد سبب جواز استيفاء القصاص فجاز استيفاؤه. فيقول الخصم: أقول بموجب هذا الدليل و انّ استيفاءه القصاص عندي جائز، و إنّما النزاع في جواز هتك حرمة الحرم.

الثاني: أن ينصب دليلا على إبطال ما يظنه مدركا لمذهب خصمه.

كما لو قال في مسألة القتل بالمثقل: التفاوت في الوسيلة لا يمنع من وجوب القصاص، كالتفاوت في المتوسل إليه. فيقول الخصم: أقول‏

218

بموجب هذا الدليل و انّ التفاوت في الوسيلة لا يمنع من التفاوت في المتوسل إليه؛ إنّما النزاع في وجوب القصاص.

و لا يلزم من إبطال ما ذكر من الموانع إثبات وجوب القصاص، لجواز انتفاء المقتضي لذلك، أو وجود المانع، أو فوات شرط.

و ورود هذا النوع أغلب من الأوّل في المناظرات، فإنّ خفاء المدارك أغلب من خفاء الأحكام، لكثرة المدارك و تشعّبها و عدم الاطّلاع على معرفة ما هو دليل الخصم، بخلاف الأحكام، لقلة الذّهول عنها.

و لهذا يشترك الخواص و العوام في معرفة الحكم المنقول دون معرفة المدارك، فاحتمال الخطأ في اعتقاد كون المدرك المعيّن هو مدرك الإمام أقرب من احتمال الخطأ فيما ينسب إلى الإمام من الحكم المدلول عليه.

و اختلف الجدليون فقال قوم: يجب تكليف المعترض إبداء مستند القول بالموجب في هذا النوع، لاحتمال أن يكون هذا المأخذ عنده، فإذا علم عدم تكليفه بإبداء المأخذ عند إيراد القول بالموجب، فقد يعاند قول ذلك مع قصد إيقاف كلام خصمه، و لا كذلك إذا أوجب عليه بيان المأخذ فكان أفضى إلى انتفاء الخبط.

و منعه آخرون إذ لا وجه لتكليفه بذلك بعد قيامه بشرائط القول بالموجب، و هو استبقاء محل النزاع. و هو الأظهر، لأنّه عاقل متديّن، و هو أعرف بمأخذ إمامه، و ظاهر حاله الصدق فوجب تصديقه في ما ادّعاه.

219

ثمّ لو أوجبنا ذكر المأخذ فإن منعنا المستدلّ من إبطاله و الاعتراض عليه انتفت فائدة ذكر المأخذ لإمكان ادّعاء ما لا يصلح للتعليل ترويجا لكلامه لوثوقه بامتناع ورود الاعتراض عليه.

و إن مكنّاه لزم انقلاب المعترض مستدلا و بالعكس، و اشتماله على الخبط ظاهر.

الثالث: أن يسكت المستدلّ عن الصغرى غير مشهورة، مثل ما ثبت قربه فشرطه النية كالصلاة و يحمل قوله: و الوضوء قربة. فيقول المعترض:

أقول بالموجب و أمنع من إيجاب النية في الوضوء و لو ذكرها المستدلّ لم يكن للمعترض إلّا المنع. فقول الجدليّين في الثلاث انقطاع أحدهما صحيح في الأوّلين لما ذكر من توجيهها عليه، و بعيد في الثالث لاختلاف المرادين، فلا يرد النفي و الإثبات على محل واحد، لأنّ أحدهما أراد بالقربة غير ما أراد به الآخر. و حينئذ يصير النزاع لفظيا.

و جواب القول بالموجب بالاعتبار الأوّل من وجوه‏ (1):

الأوّل: أن يقول المسألة مشهورة بالخلاف فيما فرضت فيه الكلام إن أمكن و الشهرة بذلك دليل وقوع الاختلاف فيه.

الثاني: أن يبيّن لزوم محلّ الخلاف فيما فرض فيه الكلام.

كما لو قال: لا يجوز قتل المسلم بالذمّي.

فيقول المعترض: أقول بالموجب، لأنّه يجب، و الواجب ليس بجائز.

____________

(1). ذكرها الآمدي في الإحكام: 4/ 118.

220

فيقول المستدلّ: عنيت بقول: لا يجوز التحريم، و يلزم من ذلك نفي الوجوب لاستحالة لزوم التبعية بفعل الواجب.

الثالث: أن يقول المستدل: القول بالموجب فيه تغيير كلامي عن ظاهره فلا يكون قولا بموجبه.

كما لو قال المستدل في زكاة الخيل: حيوان يجوز المسابقة عليه فوجبت فيه الزكاة كالإبل.

فيقول المعترض: عندي يجب فيه زكاة التجارة، و النزاع إنّما هو في زكاة العين.

فيقول المستدل: إذا كان النزاع في زكاة العين، فظاهر كلامي منصرف إليها لقرينة الحال؛ و لظهور عود الألف و اللام في الزكاة إلى المعهود.

و أيضا لفظ الزكاة يعمّ العين و التجارة، فالقول به في زكاة التجارة قول بالموجب في صورة واحدة، و هو غير متّجه، لأنّ موجب الدليل التعميم فالقول ببعض الموجب لا يكون قولا بالموجب، بل ببعضه.

و كذا في مسألة إزالة النجاسة: مائع لا يزيل الحدث فلا يزيل الخبث، كالمرق.

فيقول المعترض: أقول بموجبه، فإنّ الخل النجس لا يزيل الحدث و لا الخبث.

فيقول المستدلّ: ظاهر كلامي إنّما هو الخل الطاهر، ضرورة وقوع‏

221

النزاع فيه؛ و إيراد القول بالموجب على وجه يلزم منه تغيير كلام المستدلّ عن ظاهره، لا يكون قولا بموجبه، بل بغيره فلا يكون مقبولا.

و الجواب عن القول بالموجب بالاعتبار الثاني من وجوه‏ (1):

الأوّل: أن يكون المستدلّ قد أفتى بما يقع مدلولا لدليله و فرض المعترض الكلام معه فيه، و طالبه بالدليل عليه، فإذا قال بالموجب بعد ذلك فقد سلّم ما وقع النزاع فيه؛ و أفسد عليه القول بالموجب، بالمطالبة بالدليل عليه أوّلا.

و بمثل هذا يمكن أن يجاب عن القول بالموجب بالقول بالاعتبار الأوّل.

الثاني: أن يبيّن أنّ المسح الماخذ و يبين اشتهاره بين النّظائر. (2)

الثالث: أن يبيّن أنّ محل النزاع لازم من مدلول دليله إن أمكن بأن يكون المعترض قد ساعد على وجود المقتضي لوجوب القصاص، و كانت الموانع الّتي يوافق المستدلّ عليها مرتفعة، و الشروط متحقّقة، فإذا أبطل كون المانع المذكور مانعا لزم منه الحكم المتنازع فيه.

و عن الثالث بأنّ الحذف لإحدى المقدّمتين شائع و دليلي‏ (3) عبارة عن مجموعهما.

____________

(1). ذكرها الآمدي في الإحكام: 4/ 119.

(2). كذا في النسخ الّتي بأيدينا، و في الإحكام: 4/ 120 العبارة كما يلي: الثاني: أن يبيّن أنّ لقب المسألة مشهور بذلك بين النظّار.

(3). في «ج» و «د»: و دليل.

222

المطلب السادس: في الفرق‏

و الكلام فيه مبني على جواز تعليل الحكم الواحد بعلّتين و عدمه.

و اختلف في ماهيته فقال بعضهم: إنّه لا يخرج عن المعارضة في الأصل أو الفرع.

و عند بعض القدماء: انّه عبارة عن مجموع الأمرين، حتى لو اقتصر على أحدهما لا يكون فرقا.

و لهذا اختلفوا فمنهم من قال: إنّه غير مقبول لما فيه من الجمع بين أسئلة مختلفة. و هي المعارضة في الأصل و المعارضة في الفرع.

و منهم من قال بقبوله، و اختلفوا مع ذلك في كونه سؤالين أو سؤالا واحدا.

فقال ابن سريج: إنّه سؤالان، و جوّز الجمع بينهما لكونه أدلّ على الفرق.

و قال غيره: بل سؤال واحد لاتّحاد مقصوده، و هو الفرق و إن اختلفت صيغته.

و قال بعض القدماء: ليس هذا سؤال الفرق، و إنّما هو عبارة عن بيان معنى في الأصل له مدخل في التأثير، و لا وجود له في الفرع فيرجع حاصله إلى بيان انتفاء علّة الأصل في الفرع، و به ينقطع الجمع.

و جوابه على كلّ التقادير لا يخرج عمّا ذكرناه في جواب المعارضة في الأصل و الفرع. و سيأتي باقي الاعتراضات إن شاء اللّه تعالى.

223

الفصل الخامس: فيما يصحّ التعليل به و ما يمتنع‏

و فيه مباحث:

[البحث‏] الأوّل: في التعليل بعلّتين‏

و فيه مطلبان:

الأوّل: في جواز ذلك في المنصوصة

لا خلاف في جواز تعليل الحكم الواحد بالنوع بعلل متعددة في كلّ صورة بعلّة، و إنّما الخلاف فيما إذا اتّحد المحل.

أمّا في المنصوصة فقد جوّزه الأكثر (1)، و منع منه القاضي أبو بكر و الجويني.

احتجّ الأوّلون‏ (2) بأنّ القتل و الردة و الزنا كلّ واحد لو انفرد كان‏

____________

(1). و أيّده الغزّالي في المستصفى: 2/ 364، الباب الرابع: في أركان القياس، قائلا: اختلفوا في تعليل الحكم بعلّتين، و الصحيح عندنا جوازه، لأنّ العلّة الشرعية علامة، و لا يمتنع نصب علامتين على شي‏ء واحد، و إنّما يمتنع هذا في العلل العقلية. و دليل جوازه وقوعه، فإنّ من لمس و مس و بال في وقت واحد ينتقض وضوؤه و لا يحال على واحد من هذه الأسباب.

(2). و هو قول الرازي في المحصول: 2/ 380.

224

مستقلّا بحلّ القتل، و هي غير متضادة، فيصحّ اجتماعها. و حينئذ إذا وجدت دفعة كان حل الدّم مستندا إليها كلّها لعدم الأولوية. فإمّا أن لا يصدر عن شي‏ء منها الإباحة و هو خلاف الإجماع، أو عن الكلّ و هو المطلوب. و كذا من أحدث أمرين دفعة وجب الوضوء بهما، و ثبوت الولاية على الصغير المجنون، و تحريم الوالدة المرضعة، و تحريم وطء الحائض المعتدة المحرمة، و نظائره كثيرة.

و الاعتراض من وجوه‏ (1): الأوّل. لا نسلّم وحدة الحكم، فإن حلّ القتل بسبب الردّة غير حلّه بسبب القتل. فإنّ الأوّل يسقط بالتوبة دون الثاني، و الثاني يسقط بعفو الولي دون الأوّل. و إذا تغايرت علّة العدم تغايرت علّة الوجود بالضرورة، لأنّها هي هي لا أنّها إذا حضرت اثرت الوجود و إن عدمت اثرت العدم. و لأنّ القتل المستحق بسبب الجناية يجوز لولي الدم العفو عنه و المستحق بسبب الردة لا يتمكّن الولي من إسقاطه و هو يدلّ على تغاير الحكمين.

الثاني: سلّمنا وحدة الحكم لكن نمنع اقتران العلل دفعة، بل لا بد و أن يتقدّم أحدها فيحال الحكم عليه.

الثالث: سلمنا الاقتران لكن يجوز اشتراكها بأسرها في أمر واحد هو العلّة، فتكون العلّة واحدة.

الرابع: سلّمنا عدم الاشتراك لكن يجوز أن يكون شرط كون كلّ‏

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 380- 381.

225

واحد علّة مستقلّة انتفاء الغير، فإذا وجد الغير زال شرط الاستقلال بالعلّيّة، فلا يكون كلّ واحد منها علّة تامّة عند الاجتماع، بل يصير كلّ واحد عند الاجتماع جزء العلّة، و المجموع العلّة التامّة.

الخامس: سلّمنا، لكن يجوز أن يكون البعض أولى كجهة الجناية فإنّ التعليل بها أولى من التعليل بالردّة، لأنّ حق الآدمي مقدّم، لأنّه مبني على الشح و المضايقة، و حقّ اللّه تعالى مبني على المسامحة و المساهلة من حيث تضرر الآدمي بفوات حقّه دون اللّه تعالى.

و الطهارة عن الاحداث متعدّدة، و لهذا لو نوى رفع أحدها ارتفع خاصة عند بعض الفقهاء.

و ثبوت الولاية على الصغير المجنون مستندا إلى الصغر لسبقه على الجنون لعدم العلم به إلّا بعد حين.

و تحريم نكاح الوالدة المرضعة مستندا إلى الولادة دون الرضاع لسبقها عليه.

و الوطء في حقّ الحائض المعتدة المحرمة غير محرم على التحقيق، و إنّما المحرم في حق الحائض ملابسة الأذى، و في حق المعتدة تطويل العدة، و في حق المحرمة إفساد العبادة، و هي أحكام متعدّدة لا حكم واحد.

و الجواب عن الأوّل‏ (1). انّ إبطال حياة الشخص الواحد أمر واحد،

____________

(1). ذكره الرازي في المحصول: 2/ 382.

226

و هو إمّا ممنوع عنه شرعا بوجه ما، أو لا. و الأوّل حرمة، و الثاني حل؛ فإذا كانت الحياة واحدة فالإزالة أيضا واحدة، و الإذن فيها أيضا واحد.

لا يقال: يجوز أن يكون الفعل الواحد حراما من وجه و حلالا من وجه، فجاز أن يتعدّد الحل لتعدّد جهاته، فيكون الشخص الواحد مباح الدم من حيث إنّه مرتدّ، و من حيث إنّه زان، و من حيث إنّه قاتل.

لأنّا نقول: القول بأنّ الفعل حلال من وجه حرام من آخر غير معقول، لأنّ معنى الحل قول الشرع: مكّنتك من هذا الفعل و لا تبعة عليك في فعله أصلا، و هذا المعنى إنّما يتحقّق إذا لم يكن وجه يقتضي المنع أصلا، بل ليس من شرط الحرمة أن يكون حراما من جميع جهاته؛ لأنّ الظلم حرام مع أنّ حدوثه و عرضيته و كونه حركة لا يقتضي الحرمة. و إذا ثبت هذا فنقول حلّ الدم على هذا الوجه يستحيل أن يتعدّد، لأنّ هذا الإطلاق يستحيل أن يتعدّد، و العلم به ضروري.

و فيه نظر، لأنّا لو سلّمنا وحدة بطلان الحياة إلّا أنّ إيقاعها متعدّد الجهات متكثّر الاعتبارات، فجاز أن يكون إيقاعها على وجه حراما، كما لو أوقعه على وجه الظلم؛ و أن يكون إيقاعها على وجه آخر مباحا، كما لو أوقعه على وجه الزجر أو الاستيفاء. و لا ينافي هذا قول الشارع: مكنتك من هذا الفعل و لا تبعة عليك، لجواز أن يقول: أبحتك القتل على وجه الاستيفاء.

قوله: لو أسلم زال أحد الحلّين و هو يعطي التغاير.

227

قلنا: لا نسلّم زوال أحد الحلّين، بل يزول كون ذلك الحلّ معلّلا بالردّة فالزائل ليس الحل، بل وصف كونه معللا بالردّة.

لا يقال: إذا كان ذلك الحل باقيا، سواء وجدت الردّة أو لا كان مستغنيا عن الردّة، و الغني عن شي‏ء لا يعلّل به.

لأنّا نقول: العلّة هنا بمعنى المعرّف، فيزول الإشكال.

قوله: ولي الدم مستقل بإسقاط أحد الحلين.

قلنا: ممنوع، بل هو متمكّن من إزالة أحد الأسباب، فإذا زال ذلك السبب زال انتساب الحكم إليه، فأمّا زوال الحكم نفسه، فممنوع.

و فيه نظر، لأنّ الردة حينئذ لا تكون علّة في الإباحة، بل في وصف العلّة، لأنّ الزائل الثاني دون الأوّل، و هو غير محلّ النزاع لتعدّد المعلولات حينئذ.

و عن الثاني‏ (1): بأنّه مكابرة لعدم المنافاة بين هذه الأمور فيصحّ اجتماعها، و نحن نبني الكلام على تقدير وقوع ذلك الجائز.

و فيه نظر، لأنّ المانع من تعليل الحكم الواحد بعلل مختلفة نمنع عدم المنافاة بينها، و لا يكون مكابرا في عدم الاجتماع لاستلزامه أمرا محالا.

و عن الثالث‏ (2): بالإجماع على أنّ الحيض من حيث إنّه حيض مانع‏

____________

(1 و 2). ذكره الرازي في المحصول: 2/ 383.

228

من الوطء، و كذا العدة و الإحرام؛ فالقول بأنّ العلّة هي [القدر] المشترك خلاف الإجماع. و لأنّ الحيض وصف حقيقي، و العدّة أمر شرعي، و الأمر الحقيقي لا يشارك الشرعي إلّا في عموم كونه أمرا، فلو كان هذا القدر هو العلّة لمنع الوطء لا ينتقض بما لا يتناهى من الأمور.

و فيه نظر، لمنع الإجماع على التعليل بالخصوصيات، فإنّ المانع لا يقول به، و كذا الثاني لأنّ العدّة و إن كانت أمرا شرعيا لكن ذلك لا يستلزم نفي الشركة بينهما و بين الحيض إلّا في مطلق الأمر به، فجاز أن يكون بينهما قدر مشترك علم الشارع بصلاحيته للتأثير، فاسند الحكم إليه و عدم العلم بالوجدان ليس علما بالعدم.

و عن الرابع‏ (1): بالإجماع على أنّ الحيض يمنع من الوطء شرعا، و هو يقتضي كونه علّة، سواء وجد القيد العدميّ الّذي هو عدم الإجزاء، أو لا.

و فيه نظر، لأنّ الاسناد إلى خصوصية الحيض إنّما كان لأصالة عدم غيره فتكون العلّة ثابتة مع حصول شرطها فيثبت التحريم.

و احتجّ الآخرون بوجوه‏ (2):

الأوّل: جواز تعليل الحكم الواحد بعلّتين يفضي إلى نقض العلّة، لأنّ الحكم إذا اجتمعت عليه علل متعدّدة فإذا وجد واحدة منها تعيّن حصول‏

____________

(1). ذكره الرازي في المحصول: 2/ 383.

(2). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 381.

229

الحكم، فإذا وجدت الثانية بعد ذلك فإن أوجبت حكما مثل الأوّل اجتمع المثلان، و إن أوجبت خلافه أو لم يوجب شيئا لزم النقض، لوجود العلّة من دون ذلك الحكم.

الثاني: العلل الشرعية مؤثّرة بجعل الشرع إيّاها مؤثّرة، فإذا اجتمع على المعلول الواحد علّتان فإن أثّر كلّ واحدة منهما في بعض ذلك الحكم لزم ببعض الحكم، و لأنّه إخراج لكلّ منهما عن علّيّة ذلك الحكم، و لأنّ معلول كلّ منهما حينئذ غير معلول الأخرى. و إن أثر في جميع الحكم لزم استغناؤه عن إحداهما، لأنّه لما وقع بإحداهما استحال وقوعه بالأخرى لاستحالة إيقاع الواقع.

الثالث: العلّة لا بد و أن تناسب الحكم، فلو تعدّدت علة الحكم الواحد لزم مناسبته لشيئين مختلفين، فيكون الواحد مساويا لمختلفين، و المساوي للمختلفين مختلف، فالشي‏ء الواحد يكون مخالفا لنفسه، و هو محال.

و أجيب عن الأوّل‏ (1). بأنّ الحكم الحاصل بالعلّة السابقة إنّما يمتنع حصوله باللاحقة إذا فسّرنا العلّة بالمؤثّر.

أمّا إذا فسّرناها بالمعرّف فلا.

و عن الثاني. بأنّه مبني على أنّ ما لا يكون مؤثّرا في الحكم لذاته يجعله الشارع مؤثرا فيه، و قد سبق بطلانه.

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 383- 384.

230

و عن الثالث. لا نسلم أنّ المناسبة شرط العلّية.

سلّمنا لكن يجوز أن يشترك الحكمان في جهة واحدة، ثمّ إنّ العلّة تناسبهما بحسب ذلك الوجه الواحد.

و أيضا فيه نظر، فإنّا لا نعني بالمناسبة المساواة في الماهية، بل إضافة الفعل الصالح لحصول المطلوب إلى حصول المطلوب.

و قد فرض الغزالي‏ (1) الكلام في صورة واحدة تسقط عنها كثير من الأسئلة، و هي ما إذا جمعت بين لبن زوجة أخيك و أختك و جعلته في حلق المرتضع دفعة واحدة فإنّها تحرم عليك، لأنّك خالها و عمها، و لا يتوجه في هذه أكثر الأسئلة.

المطلب الثاني: في أنّ المستنبطة هل يجوز تعدّدها؟

اختلف الناس في ذلك فجوّزه قوم، و منع منه آخرون و هو المعتمد (2) لوجوه:

الأوّل: من أعطى فقيها فقيرا قريبا احتمل أن يكون الداعي الفقه خاصة، أو الفقر خاصّة، أو القرابة خاصّة، أو مجموعها، أو اثنين منها، و هذه الاحتمالات الخمسة متنافية، لأنّ جعل الداعي الفقر لا غير ينافي كون غيره داعيا، أو جزءا منه. و إذا تنافت الاحتمالات، فإن‏

____________

(1). و هو قول الغزّالي في المستصفى: 2/ 365.

(2). و هو مختار الرازي في المحصول: 2/ 384.

231

بقيت متساوية، امتنع حصول ظن واحد منها على التعيين، فلا يجوز الحكم بكونها علّة. و إن ترجّح بعضها، فذلك الترجيح يحصل بأمر وراء المناسبة و الاقتران، لاشتراكه بين الخمسة. فإذن الراجح هو العلّة دون المرجوح.

الثاني: الصحابة أجمعوا على قبول الفرق؛ لأنّ عمر لمّا شاور عبد الرحمن في قضية المجهضة قال: إنّك مؤدّب و لا أرى عليك بأسا.

فقال علي (عليه السلام): «إن لم يجتهد فقد غشّك، و إن اجتهد فقد أخطأ، أرى عليك الغرّة». (1)

وجه الاستدلال: أنّ عبد الرحمن شبّهه بالتأديب المباح، و أنّ عليا (عليه السلام) فرّق بينه و بين سائر التأديبات بأنّ التأديب الّذي يكون من جنس التعزيرات لا يجوز فيه المبالغة المنتهية إلى حد الإتلاف، و هو يدلّ على إجماعهم على قبول الفرق. و هو يقدح في جواز تعليل الحكم الواحد بعلّتين مستنبطتين.

الثالث: لو كان معلّلا بعلّتين، فإن استقلت كلّ واحدة بالتعليل و معنى استقلاله التعليل به دون غيره، فهو خلاف الفرض، و إن استقلت إحداهما خاصة، أو لم تستقل إحداهما، فالعلّة ليست إلّا واحدة.

الرابع: لو جاز لما تعلّق الفقهاء في علّة الزنا بالترجيح، إذ من ضرورته صحّة الاستقلال.

____________

(1). أصول السرخسي: 1/ 304؛ المحصول: 2/ 384. و لم نعثر عليه في المصادر الحديثية.

232

اعترض بأنّهم تعرضوا للإبطال لا للترجيح، و لو سلّم فللإجماع على اتحاد العلّة هنا.

و أعلم أنّ القاضي أبا بكر جوّز في المنصوصة دون المستنبطة، و هو قول الغزالي‏ (1)، لأنّ المستنبطة تستلزم الحرمة (2) لدفع التحكم‏ (3)، فإن عيّنت بالنص رجعت منصوصة.

و اعترض: بأنّه يثبت الحكم في أفرادها فيستنبط القائس‏ (4).

و قال آخرون: يجوز في المستنبطة دون المنصوصة، لأنّ المنصوصة قطعية و المستنبطة وهمية، فلا يجوز التعدّد في الأولى كالعقلية، و يجوز في الثانية لتساوي إمكان التعليل بالنسبة إليهما، لأنّه لا يمكن أن لا يجعل شي‏ء منهما علّة لبقاء الحكم بلا علة و لا أن يجعل الكلّ علّة واحدة لثبوت الاستقلال في محال افرادها، فتعيّن أن يجعل كلّ منهما علّة.

و الجواب كما تقدم من أنّه لا يعد في المنصوصة، لأنّ كون المنصوصة قطعية لا ينافي اجتماعها، لأنّها أمارات.

و قال الجويني: إنّه جائز لكنّه لم يقع، لأنّه لو لم يكن تعليل الحكمين بعلّتين ممتنعا شرعا لوقع عادة و لو نادرا، لأنّه ممكن و لو وقع لعلم، و لكنّه لم يعلم فلا يكون واقعا. و زعم أنّ هذا برهان قاطع واضح لكلّ أحد، و هو ممنوع بكثير من الوقائع الّتي وقعت و لم يعلم، و بعدم استلزام الإمكان الوقوع.

____________

(1). نقله عنه الآمدي في الإحكام: 3/ 258.

(2). في «ب»: الجزئية.

(3). في «أ»: الحكم.

(4). في «ب»: العكس، و في «ج»: العاكس.

233

و اعلم أنّ القائلين بالوقوع اختلفوا فيما إذا اجتمعت، فقال قوم: إنّ كلّ واحد علّة مستقلة حالة الاجتماع كما لو انفردت، و قال آخرون: إنّها جزء العلّة، و قال قوم: إنّ العلّة واحدة لا بعينها.

احتجّ الأوّلون بأنّه لو لم يكن كلّ واحدة علّة فإمّا أن تكون العلّة هي المجموع أو واحدة منها لا بعينها، أو واحدة معيّنة.

و الكلّ باطل؛ أمّا الأوّل فلأنّ التقدير أنّ كلّ واحدة علّة مستقلّة فكيف يكون جزءا؟!

و أمّا الثاني و الثالث فلأنّه تحكّم محض.

و احتجّ الآخرون بأنّه لو كان كلّ واحد علّة لزم اجتماع المثلين، لاستلزام كلّ منهما حكما مساويا لما تستلزمه الأخرى، و لأنّ الحكم إن ثبت بالجميع فالمطلوب، و إلّا لزم التحكّم.

و احتجّ الفريق الثالث بأنّه لو لم تكن العلّة واحدة لا بعينها لزم إمّا أن تكون العلّة واحدة معيّنة و هو تحكم، أو كون العلّة المجموع و هو باطل، لأنّه يلزم كون كلّ واحد جزءا، فيتعيّن المطلوب.

قال أبو الحسين‏ (1): إذا علّل حكم الأصل بعلّتين، فإمّا أن تكون إحداهما هي الدليل على حكم الأصل أو لا، بل يكون الدليل نصا أو إجماعا. و الثاني يجوز أن يصحا معا، لأنّ العلّة إمّا أمارة و يجوز أن يدلّ على‏

____________

(1). المعتمد في أصول الفقه: 2/ 267.

234

الحكم أمارات، أو وجه مصلحة فجائز أن يكون الشي‏ء صلاحا من وجهين.

و إن كان إحداهما دليلا على حكم الأصل فإمّا أن تكون دليل حكمه من غير أن يقاس بها على أصل آخر، أو بأن يقاس.

مثال الأوّل: ردّنا التطاول في الشهادة على السرقة إلى التطاول في الشهادة على الزنا في أنّ الحاكم لا يحكم بهما بعلّة أنّ كلّ واحد منهما حق من حقوق اللّه تعالى، و ليست هذه العلّة هي الّتي لها لم يحكم الحاكم بالشهادة على الزنا إذا تطاول عهدها، لكن العلّة في ذلك أنّ الشهود على الزنا مخيّرون بين إقامة الشهادة بحق اللّه تعالى و بين الستر على المشهود عليه، فإذا أخّروا الشهادة علمنا أنّهم آثروا الستر على المشهود عليه فإذا شهدوا من بعد، تبيّنا أنّ عداوة تجددت لهم. و العداوة تتهم الشهود. و قد منع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من قبول شهادة العدو. فيظهر لنا أنّهم من ذوي العداوة، لا أنّا نقيسهم على ذوي العداوة. و هذه العلّة لا يمكن ذكرها في السرقة، لأنّه يجوز أن يكون الشهود إنّما أخّروا الشهادة، لأنّ المسروق منه أخّر المطالبة، فقد بان أنّ علّة حكم الأصل هو طريق الحكم. فجرت مجرى النصّ الدالّ على حكم الأصل، و كما يجوز أن تدلّ دلالة على أنّ لبعض أوصاف الأصل المنصوص على حكمه تأثيرا في ذلك الحكم، فيجعل علّته، و يقاس بها فرع من الفروع، جاز أيضا في بعض ما ثبت حكمه لعلّة من العلل أن تدل دلالة على أنّ لبعض أوصافه تأثيرا في ذلك الحكم، فتجعل علّة فيه، و يقاس بها على الفروع.

235

و أمّا الثاني و هو إذا كانت العلّة الّتي هي دليل حكم الأصل يقاس بها على ذلك الأصل على أصل آخر، فإن لم يمكن أن يقاس الفرع الآخر بتلك العلّة على الأصل الأوّل، فالخلاف فيه كالخلاف فيما تقدّم. و إن أمكن كرد الذرة إلى الارز بعلّة الكيل و ردّ الارز إلى البر بهذه العلّة، تطويل لا فائدة فيه، لإمكان ردّ الذرة إلى البر بهذه العلّة.

البحث الثاني: في جواز تعدّد معلول العلّة الواحدة

العلّة قد يكون لها حكم واحد و هو ظاهر، و قد يكون لها أكثر من حكم واحد فإمّا أن تكون متماثلة، أو متضادّة، أو مختلفة غير متضادّة.

و الأوّل إن كانت في ذات واحدة فهو محال، لاستحالة اجتماع المثلين، و من سوّغه سوّغ ذلك و إن تعدّد جاز، كالقتل الحاصل بفعل زيد و عمرو فإنّه يوجب القصاص على كلّ واحد منهما.

و الثاني لا يخلو إمّا أن يتوقّف إيجابها لها على شرط أو لا. فإن توقّف فالشرطان إن لم يجتمعا جاز ذلك، فتكون العلّة موجبة لحكمين متضادّين عند حصول شرطين لا يجتمعان، كاقتضاء الجسمية الحركة عند الخروج عن المكان الملائم و السكون عند الحصول فيه.

و إن أمكن اجتماعهما، فهو محال، لأنّهما إذا اجتمعا فلم تكن العلّة باقتضاء أحدهما أولى من اقتضاء الآخر، فوجب أن تقتضيهما جميعا، و هو محال، أو أن لا تقتضي واحدا منهما، فتخرج العلّة عن العلية، و بهذا يظهر بطلان عدم توقفها في اقتضائها المتضادين على شرط.

236

و أمّا الثالث فإنّه جائز، كتحريم الصوم و الصلاة و مسّ المصحف بالحيض، لأنّ العلّة إمّا بمعنى الباعث و لا امتناع في أن يكون الوصف الواحد باعثا للشرع على حكمين مختلفين، أي مناسبا لهما، كمناسبة شرب الخمر للتحريم و وجوب الحد، و كذا التصرف بالبيع من أهله في محلّه، فإنّه مناسب لصحّة البيع و لزومه.

أو بمعنى الإمارة و يمكن عقلا و شرعا نصب أمارة واحدة على حكمين مختلفين، كالحد و الضمان في السرقة.

لا يقال‏ (1): إذا كان الوصف مناسبا لأحد الحكمين، فمعناه أنّه لو رتب ذلك الحكم عليه لحصل مقصوده، فحينئذ يمتنع أن يكون مناسبا للحكم الآخر، لأنّه لو ناسبه لكان بمعنى أن ترتيبه عليه يحصل المقصود منه، و في ذلك تحصيل الحاصل لكونه حاصلا بالحكم الآخر.

و أيضا إذا كان الوصف الواحد مناسبا لحكمين مختلفين امتنع أن يناسبهما من جهة واحدة، فإنّ الشي‏ء لا يكون مناسبا لشي‏ء من جهة ما يناسب مخالفه، و إن ناسبهما من جهتين مختلفتين كانت علة الحكمين مختلفة لا أنّها متّحدة.

لأنّا نقول: إنّ معنى المناسب أعم ممّا ذكروه، لأنّ المناسب ينقسم إلى ما يترتب الحكم الواحد عليه، و يستقل بتحصيل مقصوده، و ذلك ممّا يمنع كونه مناسبا للحكمين بهذا التفسير.

____________

(1). ذكره مع الجواب عنه في الإحكام: 3/ 261.

237

و إلى ما يتوقّف حصول مقصوده على ترتيب الحكم عليه. و إن لم يكن ذلك الحكم وافيا بتحصيل المقصود دون الحكم الآخر.

و على هذا فامتناع مناسبة الوصف الواحد للحكمين بالتفسير الأوّل و إن كان لازما فلا يمتنع أن يكون مناسبا للحكمين بالتفسير الثاني.

و إذا عرف أنّ معنى مناسبة الوصف للحكمين توقف حصول المقصود منه على شرع الحكمين لم يمنع أن يكون الوصف مناسبا لهما من جهة واحدة. (1)

البحث الثالث: في أقسام التعليل‏

اعلم أنّ كلّ حكم ثبت في محلّ فإمّا أن يكون علّة ذلك الحكم نفس المحلّ، أو جزءا منه، أو خارجا عنه.

و الخارج إمّا أن يكون عقليا، أو عرفيا، أو شرعيا، أو لغويا.

و العقلي إمّا وصف حقيقي، أو إضافي، أو سلبي، أو ما يتركّب من هذه الأقسام، أعني الحقيقية مع الإضافية أو مع السلبية، أو الإضافية مع السلبية، أو الحقيقية مع السلبية، أو الحقيقية مع الإضافية و السلبية.

فالحقيقية مطعوم فيكون ربويا.

و الإضافية مكيل فيكون ربويا.

____________

(1). في نسخة «أ»: تمّ المجلد الثالث و يتلوه الرابع.

238

و السلبية في طلاق المكره لم يرض به، فلا يقع.

و الحقيقية مع الإضافية بيع صادر من أهله في محلّه.

و الحقيقية مع السلبية قتل بغير حق.

و الحقيقية و الإضافية و السلبية قتل عمد عدوان.

و الوصف الشرعي كقولنا في المشاع يجوز بيعه فيجوز رهنه.

و العرفي كقولنا في بيع الغائب مشتمل على جهالة مجتنبة في العرف.

و الاسم كقولنا في النبيذ يسمّى خمرا فيحرم، كالمعتصر من العنب.

و أمّا التعليل بالجزء فإن كانت العلّة قاصرة، فالجزء هو الفصل المميّز، إذ لو كان بالمشترك لكانت القاصرة متعدية. و إن كانت متعدية فالجزء هو المشترك و إلّا كانت قاصرة.

و اعلم أنّ العلّة إذا كانت خارجة عن الماهية فإمّا أن تكون وصفا لازما، كالطعم في البر، أو لا فتكون متجددا. فإمّا أن يكون التجدّد ضروريا بحسب العادة، كانقلاب العصير خمرا، أو بالعكس؛ أو لا يكون، فإمّا أن يتعلّق باختيار أهل العرف مثل كون البر مكيلا، أو باختيار الشخص الواحد كالردة و القتل.

و أيضا الوصف الّذي جعل علّة إمّا أن يعلم وجوده بالضرورة كالإسكار بالخمر، أو بالنظر؛ فإمّا أن يعلم كونه من الدين ضرورة مثل كون‏

239

الجماع في نهار رمضان مفسدا للصوم، و قد لا يكون و هو ظاهر.

و أيضا العلّة إمّا من فعل المكلّف كالقتل الموجب للقصاص، أو لا كالبكارة في ولاية الإجبار.

و أيضا العلّة و الحكم إمّا ثبوتيان أو عدميان، فلا نزاع فيهما. أو الحكم ثبوتي و العلّة عدمية، و فيه خلاف. أو الحكم عدمي و العلّة ثبوتية، و هو الّذي يسمّى في عرف الفقهاء التعليل بالمانع. و اختلفوا في أنّه هل هو مشروط بوجود المقتضي؟

و أيضا العلّة إمّا ذوات أوصاف كقولنا قتل عمد عدوان، أو لا كالطعم.

و أيضا العلّة قد تكون وجه المصلحة، مثل كون الصلاة ناهية عن الفحشاء، و كون الخمر موقعة للبغضاء. و قد تكون إمارة المصلحة، كجعلنا جهالة أحد البدلين في فساد البيع، مع أنّا نعلم أنّ فساد البيع في الحقيقة معلّل بما يتبع الجهالة من تعذّر التسليم، و لهذا جاز البيع عند بعضهم إذا لم يمنع الجهالة من صحّة التسليم، كالصبرة المشار إليها.

و أيضا اقتضاء العلّة الحكم قد يقف على شرط، كالزنا المتوقّف اقتضاء العلّة تعذّر اقتضاؤه للرجم على شرط الإحصان، و قد لا يكون.

و أيضا العلّة قد تكون علّة لإثبات الحكم في الابتداء فقط، كالعدّة في منع النكاح؛ و قد تكون العلّة في الابتداء و الانتهاء، كالرضاع في إبطال النكاح؛ و قد تكون العلّة قوته على الدفع لا على الرفع، كالعدّة و الردّة

240

فإنّهما يدفعان النكاح و لا يرفعانه و قد يكون قوته عليهما.

و اعلم أنّ من شرط العلّة اختصاصها بمن له الحكم، و إلّا لم يكن باقتضاء (1) حصول الحكم بشي‏ء أولى من اقتضائه لغيره. (2)

البحث الرابع: في التعليل بمحل الحكم‏

اختلف الناس في جواز التعليل بمحلّ الحكم أو جزئه، فذهب الأكثر إلى المنع، و آخرون إلى الجواز.

و الوجه التفصيل بناء على صحّة التعليل و هو الجواز إن كانت العلّة قاصرة.

أمّا في المتعدّية فلا يجوز بالمحل و يجوز بجزئه، سواء كانت العلّة منصوصة، أو مستنبطة؛ فإنّه لا استبعاد في أن يقول الشارع: حرمت الخمر لكونه خمرا، و لا في استلزام محلّ الحكم حكم باعثه إلى ذلك الحكم كاستلزام الأوصاف العامة لمحلّ الأصل و الفرع.

و أمّا في المتعدية فلا يجوز قطعا لامتناع وجود خصوصية المحل في الفرع.

لا يقال‏ (3): لو كان محل الحكم علّة للحكم لكان الشي‏ء الواحد قابلا فاعلا، و هو محال:

____________

(1). في «د»: ناقضا.

(2). راجع المحصول: 2/ 385- 387.

(3). ذكر الإشكال و الجواب عنه الرازي في المحصول: 2/ 387- 388.

241

أمّا أوّلا: فلأنّ المفهوم من كونه قابلا مغاير للمفهوم من كونه فاعلا، لصحّة تعقّل أحدهما دون الآخر؛ فإن كانا داخلين لزم التركيب في ذلك المحلّ، و كان الجزء الّذي هو موصوف بالقابلية غير الجزء الّذي هو موصوف بالفاعلية، فلا يكون القابل هو الفاعل.

و إن كانا خارجين عاد البحث في أنّ المفهوم من كون تلك الماهية علّة لأحد اللّاحقين غير المفهوم من كونه علة للّاحق الآخر، و يكون الكلام فيهما كالكلام في الأوّل و يتسلسل.

و إن كان أحدهما داخلا و الآخر خارجا، لزم تركيب الماهية، فإنّ كلّ ما له جزء فهو مركب، و يلزم إمّا كون الفاعلية جزءا أو القابلية؛ و كلاهما محال، لأنّهما نسبتان بين الماهية و غيرها، و النسبة خارجة عن المنتسبين، و الخارج لا يكون داخلا، فلا يمكن دخول شي‏ء منهما في الماهية.

و أمّا ثانيا: فلأنّ نسبة القابل إلى المقبول نسبة الإمكان، و نسبة الأثر إلى المؤثر نسبة الوجوب؛ فلو كان الشي‏ء الواحد موصوفا بهما بالنسبة إلى شي‏ء واحد، لزم اتصاف تلك النسبة الواحدة بالوجوب و الإمكان معا، و هو محال.

لأنّا نقول: القابلية و الفاعلية من الصفات الاعتبارية لا تحقّق لهما في الخارج، فلا يصحّ القسمة بأنّهما إمّا داخلان أو خارجان أو بالتفريق، و لا امتناع في اتّصاف الماهية بالنسبة بالوجوب و الإمكان باعتبارين.

242

البحث الخامس: في العلّة القاصرة

اختلف الناس في جواز التعليل بالعلّة القاصرة، و هي الوصف المختص بالأصل بعد اتّفاقهم على جوازه إن كانت منصوصة أو مجمعا عليها، و على اشتراط التعليل بالمتعدّية في صحّة القياس، كتعليل الشافعي تحريم الربا في النقدين بجوهر الثمنية.

فذهب أكثر المتكلّمين و الشافعي و أحمد بن حنبل و القاضي أبو بكر و القاضي عبد الجبار و أبو الحسين البصري و أكثر الفقهاء إلى الجواز.

و ذهب أبو حنيفة و أصحابه و أبو عبد اللّه البصري و أبو الحسن الكرخي إلى المنع.

و الوجه الأوّل لوجوه‏ (1):

الأوّل‏ (2): صحّة تعدية العلّة إلى الفرع موقوفة على صحّتها في نفسها، فلو توقّف‏ (3) صحّتها في نفسها على صحّة التعدية إلى الفرع، دار.

و إذا لم تتوقّف صحّة العلّة في نفسها و إن لم تكن متعدية.

و فيه نظر، فإنّ التعدية و التعليل وصفان عارضان للماهية، فجاز أن يكون صحّة الثانية موقوفة على ثبوت الأولى، و لا دور.

و اعترض‏ (4) بجواز أن يقال: صحّتها في نفسها لا تتوقّف على صحّة

____________

(1). ذكرها الآمدي في الإحكام: 3/ 239- 240.

(2). هذا الوجه يمثّل قول الرازي في المحصول: 2/ 403.

(3). في المحصول: 2/ 403: توقفت.

(4). ذكر الاعتراض و أجاب عنه الرازي في المحصول: 2/ 403- 404.

243

تعديتها، بل على صحّة وجودها في غير الأصل، فلا دور.

أجيب بأنّ الحاصل في محل آخر لا يكون هو بعينه، لاستحالة حلول الشي‏ء في محلّين، بل مثله، فكلّ ما يحصل له من الصفات عند حلول مثله في محلّ آخر يكون ممكن الحصول له عند عدم حلول مثله في محلّ آخر، لأنّ حكم الشي‏ء حكم مثله، و إذا أمكن حصول تلك الأمور فبتقدير تحقّق ذلك، وجب أن تكون علّة، لأنّ تلك العلّيّة ما حصلت إلّا بسبب تلك الأمور.

و اعترض‏ (1) أيضا بأنّ المراد بالتعدية الموقوفة على صحّة العلّة إن كان ثبوت الحكم بها في الفرع، فهو مسلم؛ و إن أردتم بالتعدية وجودها في الفرع لا غير، فهو ممنوع.

فنقول: التعدية بالاعتبار الأوّل ليست شرطا في صحة العلّة، فلا دور؛ و إنّما نقول بأنّ شرط صحّة العلّة التعدية بالاعتبار الثاني، و هو غير مستلزم للدّور، فإنّ صحّة التعدية و إن كانت مشروطة بوجودها في غير محلّ النص، فوجودها فيه غير متوقّف على صحّتها في نفسها، فلا دور.

سلّمنا توقّف التعدية على الصحّة و توقّف الصحّة على التعدية، فإنّما يلزم الدور لو كان ذلك التوقّف توقّف المشروط أو المعلول، أمّا إذا كان توقّف المعية كالمضافين، فلا.

الثاني: دار الحكم مع الوصف القاصر وجودا و عدما فكان علّة

____________

(1). ذكر الاعتراض و أجاب عنه الآمدي في الإحكام: 3/ 239.

244

كالمتعدي، و هو يتوقّف على كون الدوران دليلا.

الثالث: جاز أن يكون علّة عند دلالة النص عليها إجماعا، فكذا عند الاستنباط.

و اعترض بالفرق لأنّ علّيتها عند دلالة النص عليها مستفادة من النص، و دلالة النصّ عليها غير متحقّقة حال استنباطها، فلا يلزم أن يكون علّة.

أجيب بأنّ النصّ إذا دلّ على علّية الوصف القاصر، وجب الحكم بعلّته المستنبطة لما بينهما من الاشتراك في الحكمة.

اعترض بأنّه قياس في الأسباب، و سيأتي بطلانه.

الرابع: الوصف القاصر إذا كان مناسبا للحكم و الحكم ثابت على وفقه، غلب على الظن كونه علّة للحكم بمعنى كونه باعثا عليه، و لا معنى لصحّة العلّة سوى هذا.

احتجّ المانعون بوجوه‏ (1):

الأوّل: العلّة القاصرة غير مفيدة فلا تصلح للتعليل و إلّا كان عبثا.

و بيان الأوّل انّ الفائدة من ذلك ان يتوسل به إلى معرفة الحكم، و هي مفقودة هنا، لأنّه لا يمكن التوسل بها إلى معرفة الحكم في الأصل لاستفادته من النص أو الإجماع؛ و لأنّها مستنبطة منه فتكون فرعا عليه، فلا تكون مثبتة له، و إلّا لكان فرعا عليها، و هو دور. و لا في غيره لعرائه عنها و شرط التعليل الوجود.

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 404.

245

الثاني: الدليل ينفي القول بالعلّة المظنونة

، لأنّه اتّباع الظن المنهي عنه ترك العمل به في التعدية لفائدة التوسّل بها إلى معرفة الحكم في غير محلّ النص، و هي منفية في القاصرة فتبقى على الأصل.

الثالث: العلّة الشرعية أمارة، فلا بد و أن تكون كاشفة عن شي‏ء

، و القاصرة لا تكشف عن شي‏ء من الأحكام فلا تكون أمارة، فلا تكون علّة.

الجواب‏

: و الجواب عن الأوّل. نمنع حصر الفائدة في تعريف الحكم و هنا فوائد أخرى: (1)

[الفائدة] الأولى:

معرفة مطابقة الحكم الشرعي لوجه الحكمة و المصلحة، و هو أمر معتبر، لأنّ النفوس أقبل للأحكام المطابقة للحكم و المصالح، و أدعى إلى الانقياد بخلاف الحكم المحض و التعبّد الصرف. فيكون أفضى إلى تحصيل مقصود الشرع من شرع الحكم فكان مفيدا.

[الفائدة] الثانية:

لا فائدة أكثر من العلم بالشي‏ء، فإنّا إذا علمنا الحكم ثمّ اطلعنا على علّته، علمنا أو ظننّا ما كنّا غافلين عنه جاهلين به، و هو أمر مطلوب للعقلاء و فائدة كلية.

[الفائدة] الثالثة:

إذا كانت العلّة قاصرة، فبتقدير ظهور وصف آخر متعد في محلها يمتنع (تعدية) (2) الحكم به دون ترجيحه على العلّة القاصرة، و هو فائدة جليلة.

____________

(1). راجع المحصول: 2/ 405؛ الإحكام: 3/ 240.

(2). الإحكام: 3/ 240.

246

سلّمنا أنّه لا بدّ و أن يتوسّل بالعلّة إلى حكم، لكن في جانب الثبوت، أو العدم.

الأوّل ممنوع، و الثاني مسلّم. و هنا أمكن التوسّل به إلى عدم الحكم، فإنّه إذا غلب على الظن كون حكم الأصل معلّلا بعلّة قاصرة، امتنعنا من القياس عليه، فلا يثبت الحكم في الفرع.

لا يقال: يكفي في الامتناع من القياس عدم وجدان التعدية فلا حاجة إلى العلّة القاصرة.

لأنّا نقول: يجوز وجود وصف متعدّ مناسب، فلو لم يجز التعليل بالقاصرة بقي المتعدّي خاليا عن المعارض، فيثبت الحكم في الفرع؛ و مع جواز التعليل بالقاصرة صار معارضا، فلا يثبت الحكم في الفرع.

سلّمنا عدم الفائدة و نمنع البطلان، لإمكان أن يكون علّة مؤثرة في الحكم، مع أنّ الطالب لها يكون طالبا لما لا ينتفع به.

سلّمنا أنّ ما لا فائدة له لا يجوز إثباته، لكن لا يجوز ذلك قبل أن يعلم انتفاء الفائدة أو بعده. الأوّل ممنوع، و الثاني مسلّم. و هنا المستنبط للعلّة حال طلبه لا يعلم أنّها متعدّية أو قاصرة، فلا يمكنه منعه عن ذلك الطلب.

و بعد وقوفه على القاصرة لا يمكنه منعه عن معرفتها، لأنّ ذلك خارج عن وسعه.

و فيه نظر، لأنّ معرفته لا تستلزم التعليل بها، فإنّا نسلّم أنّه بحث و وجد العلّة القاصرة، لكنّا نقول: إذا عرف أنّها قاصرة منع من التعليل بها.

247

سلّمنا، لكن ينتقض ما ذكرته بالعلّة المنصوصة.

و عن الثاني‏ (1). نمنع عدم التمسك بالمظنون.

و قد سبق الجواب عن الآيات.

و عن الثالث‏ (2). انّ المتعدّية كما أنّها وسيلة إلى إثبات الحكم،

فالقاصرة وسيلة إلى نفيه، لكن القاصرة أولى لأنّها على وفق الأصل، و المتعدية على خلافه.

قوله: إنّها لا تكشف عن حكم.

قلنا: يكشف عن المنع من استعمال القياس.

البحث السادس: في مدرك حكم الأصل‏

اختلف الشافعية و الحنفية في حكم أصل القياس المنصوص عليه هل هو ثابت بالعلّة أو النصّ؟

فقالت الشافعية بالأوّل، لأنّ الحكم إنّما يستند إلى علّته.

و قالت الحنفية بالثاني لوجوه‏ (3):

الأوّل: الحكم في الأصل مقطوع به، و العلّة المستنبطة منه مظنونة فلا يستند المقطوع إليها.

____________

(1). راجع المحصول: 2/ 406.

(2). راجع المحصول: 2/ 406.

(3). ذكرها الآمدي في الإحكام: 3/ 270، المسألة العشرون.

248

الثاني: العلّة مستنبطة من حكم الأصل و متفرّعة عليه و تابعة له في الوجود، فلو ثبت الحكم بها دار.

الثالث: قد ثبت الحكم تعبّدا من غير علّة، فلو كان ثابتا بالعلّة لم يثبت مع عدمها.

و الخلاف هنا لفظي، لأنّ الشافعية عنوا بالعلّة الباعث للشارع على الحكم في الأصل لا أنّها معرفة لنا إثباته فيه، بل انّها أمر مناسب يغلب على الظن أنّ الشرع أثبت الحكم لأجله. و الحنفية وافقوا عليه و إذا قالوا: «العلّة غير مثبتة للحكم» لم يريدوا نفي أنّها باعثة، بل أنّها غير معرفة للحكم في الأصل بالنسبة إلينا، و الشافعية يسلّمونه‏ (1).

البحث السابع: في التعليل بالحكم هل هو جائز أم لا؟

اعلم أنّ الوصف الحقيقي إذا كان ظاهرا منضبطا جاز التعليل به بالنصّ عندنا و مطلقا عند القائلين بالقياس؛ و أمّا الّذي لا يكون كذلك، كالحاجة إلى تحصيل المصلحة و دفع المفسدة و هي الّتي يسمّيها الفقهاء بالحكمة فقد اختلفوا، فالأكثر على منعه، و جوّزه الأقل، و فصّل آخرون بين الحكمة الظاهرة المنضبطة بنصها و الحكمة المضطربة الخفية فجوّز التعليل بالأولى دون الثانية.

____________

(1). جاء في نسخة «أ»: و إلى هنا آخر الجزء الثالث من النسخة الّتي هي بخط المصنّف- أدام اللّه ظلاله-.

249

احتجّ الأوّلون بوجوه‏ (1):

[الوجه‏] الأوّل:

الحكم إن كان معلّلا بمطلق الحاجة، كان كلّ حاجة معتبرة؛ و إن كان لحاجة مخصوصة مع أنّها من الأمور الباطنة فلا يمكن الوقوف على مقاديرها، و امتياز كلّ مرتبة من المراتب الّتي لا تتناهى عن الأخرى، فيمتنع التعليل بالمعين الّذي لا يعلم.

[الوجه‏] الثاني:

لو صحّ التعليل بالحكمة لما صحّ تعليله بالوصف، و التالي باطل فكذا المقدّم.

بيان الشرطية: أنّ الحكم لا بدّ له من فائدة تعود إلى العبد، للإجماع على أنّ الشرائع مصالح إمّا وجوبا على رأي المعتزلة، أو تفضّلا على رأي الأشاعرة؛ فالمؤثّر في الحكم في الحقيقة هو الحكمة، و الوصف إنّما جعل مؤثرا لاشتماله عليها، فإذا أمكن استناد الحكم إلى الحكمة لم يجز استناده إلى الوصف، فإنّ كلّ ما قدح في استناده إلى الحكمة قدح في استناده إلى الوصف، لأنّ القادح في الأصل قادح في الفرع، و لا ينعكس، فاستناده إلى الوصف تكثير لإمكان الغلط من غير حاجة، و هو غير جائز، و لمّا جاز علمنا تعذّر التعليل بالحكمة.

[الوجه‏] الثالث:

لو جاز التعليل بالحكمة لوجب طلبها، لأنّه مأمور بالقياس و لا يمكن إلّا عند وجود العلّة و لا يمكن إلّا عند الطلب، و ما يتوقّف عليه الواجب واجب، و التالي باطل؛ لأنّ الحكمة لا تعرف إلّا بواسطة معرفة

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 389.

250

الحاجة، و الحاجة خفية لا يعرف مقدارها إلّا بمشقة عظيمة فلا تكون واجبة، لقوله تعالى: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ (1).

[الوجه‏] الرابع:

استقراء الشريعة يدلّ على أنّ الحكم معلّل بالأوصاف لا بالحكم؛ لأنّا لو فرضنا حصول الأوصاف كالنكاح و البيع و الهبة و العارية عارية عن المصالح، استندت الأحكام إليها؛ و لو فرضنا حصول المصالح دون هذه الأوصاف لم تثبت بها الأحكام الملاءمة لها، و هو يدلّ على امتناع التعليل بالحكم.

[الوجه‏] الخامس:

الدليل ينفي التمسّك بالعلّة المظنونة، لقوله‏ وَ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (2) خالفناه في الوصف الجلي لظهوره، و الحاجة ليست كذلك فتبقى على الأصل.

[الوجه‏] السادس:

الحكمة تابعة للحكم، لأنّ حصول الزجر تابع لحصول القصاص، و علّة الشي‏ء يستحيل تأخّرها عن الشي‏ء فالحكمة ليست علة.

[الجواب‏]

و الجواب عن الأوّل‏ (3).

لا نزاع في أنّ المناسبة طريق إلى علّة الوصف بمعنى أنّا نستدلّ باشتمال الوصف على المصلحة على كونه علّة؛ فإن كان دليل العلّية اشتماله على كلّ مصلحة، وجب كون كلّ وصف‏

____________

(1). الحج: 78.

(2). النجم: 28.

(3). ذكر الرازي الأجوبة في المحصول: 2/ 391- 392.

251

اشتمل على أي مصلحة كانت علة لذلك الحكم؛ أو اشتماله على مصلحة معينة، فإن امتنع الاطّلاع عليها امتنع الاستدلال باشتمال الوصف عليها على كونه علّة، لتوقّف العلم باشتمال الوصف عليها على العلم بها، و إن أمكن اندفع الإشكال.

و عن الثاني.

أنّ التعليل بالحكمة و إن كان راجحا على التعليل بالوصف باعتبار ما قلت، لكن التعليل بالوصف راجح باعتبار سهولة الاطّلاع على الوصف و ضبطه و عسر ذلك في الحكمة؛ فلمّا ترجّح كلّ منهما من وجه حصل التساوي.

و عن الثالث.

إنّا و إن اختلفنا في جواز التعليل بالحكمة، لكنّا أجمعنا على أنّ الوصف إنّما هو علّة لاشتماله على الحكمة؛ فإن لم يقتض ذلك وجوب طلب الحكمة مع ثبوت العلّية بطل قولك، و إن اقتضى بطل قولك أيضا.

و عن الرابع.

نمنع دلالة الاستقراء على التعليل بالوصف لوجود التعليل بالحكم في صور كثيرة، كالتوسط في إقامة الحد بين المهلك و غير الزاجر، و كذا الفرق بين العمل اليسير و الكثير.

و عن الخامس.

أنّ الحكمة علّة لعلّيّة الوصف، فهي أولى بالجواز أن تكون علّة للحكم من الوصف، فإن اقتضى منع العمل بالظن بطلان التعليل بالحكمة اقتضى في الوصف.

و عن السادس.

أنّ الحكمة ثمرة الحكم في الخارج لا الذهن.

252

و احتجّ المجوّزون بأنّ ظن استناد الحكم في مورد النص إلى الحكمة و حصول تلك الحكمة في صورة أخرى توجب ظن حصول الحكم في تلك الصورة و العمل بالظن واجب.

و الحكمة أيضا علّة لعلّيّة العلّة فأولى أن تكون علّة.

بيان الأولى أنّ الوصف إنّما يؤثر في الحكم إذا اشتمل على جلب نفع، أو دفع ضرر، و كونه علة معلل بهذه الحكمة؛ فإن لم يمكن العلم بتلك الحكمة المخصوصة، استحال معرفة كون الوصف علّة باعتباره. و إن أمكن و هو مؤثر في الحكم و الوصف غير مؤثر كان إسناد الحكم إلى الحكمة المعلومة المؤثرة أولى من إسناده إلى الوصف الّذي ليس بمؤثر.

البحث الثامن: في التعليل بالعدم‏

الحكم إن كان عدميا جاز تعليله بالعدمي؛ و إن كان ثبوتيا قيل لا يجوز تعليله بالوصف العدمي، و قيل بالجواز.

احتج الأوّلون بوجوه‏ (1):

[الوجه‏] الأوّل:

العلّية صفة ثبوتية لأنّها نقيض اللّاعلّية المحمولة على العدم فتكون عدمية؛ و إذا كان اللاعلّية عدمية فالعلية ثبوتية، لاستحالة اتّصاف النقيضين بالعدم؛ و إذا كانت العلّية ثبوتية استحال وصف العدم بها، لامتناع قيام الصفة الوجودية بالمحل المعدوم و إلّا لزم الشك في وجود الأجسام،

____________

(1) ذكرها الرازي مع الأجوبة عنها في المحصول: 2/ 393- 396.

253

لأنّا إنّما نشاهد من الجسم لونه و حصوله في مكان معين و مقداره، فلو جوّزنا قيام الموجود بالمعدوم جوّزنا قيام هذه الصفات بجسم معدوم، و هو سفسطة.

[الوجه‏] الثاني:

العلّة يجب أن تتميّز عمّا ليس بعلّة سواء أريد بها المعرّف أو الداعي أو المؤثر. و التمييز عبارة عن تخصيص كلّ من المتميّزين عن صاحبه بحيث لا يكون تعيّن هذا حاصلا لذلك، و بالعكس. و هذا إنّما يعقل في الأمور الثبوتية، فإنّ العدمات نفي محض و عدم صرف لا يعقل فيها الامتياز و التخصيص.

[الوجه‏] الثالث:

العدم إن عرى عن جميع النسب من كلّ وجه لم يكن مختصا بذات دون أخرى و لا بوقت دون آخر، فلا يكون علّة لحكم معيّن، و لا في شخص معين. و إن كان له انتساب بوجه ما كان ذلك الانتساب ثبوتيا لكونه نقيض اللّاانتساب، فيكون العدم موصوفا بالثبوت و هو محال.

[الوجه‏] الرابع:

المجتهد إذا بحث عن العلّة لم يجب عليه سبر الأوصاف العدمية لعدم تناهيها، و يجب عليه سبر كلّ وصف يمكن أن يكون علّة، فإذن الوصف العدمي لا يصلح للعلّيّة.

[الوجه‏] الخامس:

قوله تعالى: وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى‏ (1) و العدم نفي محض، فلا يكون من سعيه فلا يترتب الحكم عليه، لأنّ كلّ حكم فإنّه يحصل للإنسان بسببه جلب نفع أو دفع ضرر، فالعدمي لا يكون علّة.

____________

(1). النجم: 39.

254

لا يقال: الامتناع عن الفعل عدم مع صحّة الأمر به و كونه منشأ لمصلحة أو مفسدة.

لأنّا نقول: الامتناع عبارة عن فعل أمر يترتّب عليه عدم ذلك الشي‏ء، فلا يكون الامتناع عدما محضا.

[الوجه‏] السادس:

يصحّ قول القائل: «أي شي‏ء وجد حتى حدث هذا الأمر؟» و لو لم يكن الحدوث متوقّفا على وجود شي‏ء لما صحّ هذا الكلام، كما لو قال: «أي رجل مات حتى حدث لفلان هذا المال؟» حيث لم يكن حدوث المال متوقّفا على ما قيل.

[الوجه‏] السابع:

لو كان عدما لكان مناسبا أو مظنة و العدم المطلق باطل و المخصص إن كان وجوده منشأ مصلحة فباطل إن يكون عدمه مناسبا أو مظنة، لاستلزام عدمه فوات تلك المصلحة و إن كان منشأ مفسدة كان مانعا فعدمه عدم المانع، فلا يكون مناسبا و لا مظنة. و إن كان وجوده ينافي وجود المناسب لم يصلح عدم ذلك الأمر مظنّة لها، بل ذلك الأمر و هو ما ينافيه، أعني: المناسب؛ لأنّ المناسب إن كان ظاهرا تعيّن للعلّيّة بنفسه فلا يحتاج إلى مظنّة، و إن كان خفيا فنقيضه خفي و الخفي لا يعرف الخفي. و إن لم يكن وجود ذلك الأمر ينافي المناسب كان وجوده كعدمه بالنسبة إلى ذلك الحكم، إذ وجوده ليس منشأ مصلحة و لا مفسدة.

[الوجه‏] الثامن:

لم يسمع أحد يقول العلّة كذا أو عدم كذا.

[الجواب:]

و الجواب عن الأوّل.

المعارضة بأنّ العلّيّة لو كانت ثبوتية لكانت من‏