نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج4

- العلامة الحلي المزيد...
476 /
255

عوارض ذات العلّة، فكانت مفتقرة إلى تلك الذات، و كانت ممكنة، فكانت علّيّة العلّة لتلك العلّة زائدة عليها و يتسلسل.

و عن الثاني.

أنّ العلّة و إن كانت متميّزة عمّا ليس بعلّة، لكن التميّز لا يستدعي كون التميّز ثبوتيا، فإنّ عدم أحد الضدين يصحّح حلول الضد الآخر فيه، و عدم ما ليس بضد ليس كذلك. و عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم، و عدم غيره لا يقتضيه فقد وقع الامتياز في العدمات.

و عن الثالث.

أنّ العلّة عدم مخصوص، و لا نسلم أنّ الخصوصية ثبوتية، و إلّا لكانت في نفسها أمرا مخصوصا، و يتسلسل.

و عن الرابع.

لا نسلم أنّ المجتهد لا يبحث في السبر و التقسيم عن الأوصاف العدمية. سلّمنا لكن سقط التكليف لتعذّره لعدم تناهي العدمات.

و عن الخامس.

انّا نعلم بالضرورة كوننا مكلّفين بالامتناع فالعدم ينتفي، و لا يجوز أن يكون الامتناع فعلا ترتب عليه ذلك العدم، و إلّا لكان الممتنع عن الفعل فاعلا، و هو محال.

و فيه نظر، لمنع استحالته، فإنّ الامتناع عن فعل لو كان فعلا خاصا مغايرا لذلك الفعل لم يلزم منه محال.

و في السادس. نظر

، إذ لا عبرة في أمثال هذه المباحث العقلية بالألفاظ الصادرة عن العامة.

سلّمنا، لكنّهم قد يقولون أي شي‏ء حدث أو أي سلطان عدم حتى حصل الأمر الفلاني.

256

و احتجّ المجوّزون بأنّه يحصل دوران الحكم مع بعض العدمات، و الدوران‏ (1) يفيد ظنّ العلّية.

تذنيب:

الإضافات عدمية، لأنّ جزءها و هو مطلق الإضافة عدمي، إذ لو كان وجوديا لكان أينما حصل هذا المسمّى كان وجوديا. فإذا فرضنا في إضافة انّها وجودية كانت صفة حالّة في المحل، و حلولها إضافة بينها و بين ذلك المحل، فكان مسمّى الإضافة حاصلا في حلول تلك الإضافة في ذلك المحل.

و إذا كان ذلك المسمّى وجوديا كانت إضافة الإضافة أمرا وجوديا زائدا على الإضافة الأولى إلى غير النهاية، و هو محال، فثبت أنّ مسمّى الإضافة يمتنع أن يكون وجوديا. فلا يكون شي‏ء من الإضافات المخصوصة وجوديا، لأنّ الإضافة المخصوصة ماهيّة مركّبة من الإضافة و من قيد الخصوصية، فلو كانت وجودية لكان الوجودي إمّا قيد الإضافة، أو قيد الخصوصيّة.

و الأوّل باطل، لما قلنا. و الثاني أيضا باطل، لأنّ خصوصية الإضافة صفة للإضافة، فلو كانت الخصوصية أمرا ثبوتيا لزم حلول الوجودي في النفي المحض، و هو محال. فثبت أنّ شيئا من الإضافات يمتنع أن يكون وجوديا. إذا ثبت هذا فمن منع التعليل بالأمور العدمية منع من التعليل بالأمور الإضافية، و من سوّغ هناك سوّغه هنا.

____________

(1). في «أ»: الاقتران.

257

و فيه نظر، فإنّه لا يلزم من كون المطلق وجوديا كون أنواعه كذلك، لجواز أن تكون المخصّصات عدمية.

البحث التاسع: في تعليل الحكم الشرعي بمثله‏

اختلف الناس في جواز تعليل الحكم الشرعي بحكم آخر شرعي فجوّزه الأكثر، و نفاه الأقل.

احتجّ الأوّلون بأنّ الدّوران يفيد ظن العلّيّة، فإذا حصل في الحكم الشرعي حصل ظن العلّيّة، و لأنّا نعلّل تحريم البيع بالنجاسة.

و احتجّ الآخرون بوجوه‏ (1):

الأوّل: ما جعل علّة يحتمل أن يكون متقدّما على ما جعل معلولا، فلا يصلح للعلّيّة حينئذ، و إلّا لزم تخلّف الحكم عن العلّة و هو نقض للعلّة، و الأصل عدمه.

و أن يكون متأخّرا فلا يصلح للعلّيّة أيضا، لأنّ المتأخّر لا يكون علّة للمتقدّم.

و أن يكون مقارنا فليس جعله علّة أولى من العكس، و لأنّه حينئذ يحتمل أن يكون هو العلّة و أن يكون غيره. فهو على ثلاثة تقادير ليس علّة و على تقدير واحد يكون علّة، و العبرة في الشرع إنّما هو بالغالب، فعدم‏

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 397.

258

العلّيّة أغلب على الظن من ثبوتها، و كلّ حكم غلب على الظن عدم التعليل به، امتنع أن يكون علّة.

الثاني: العلّة إمّا أن تفسّر بالدّاعي أو بالمؤثر أو بالمعرّف. و الأوّلان باطلان هنا، لأنّ القائل بهما يقول المؤثر و الداعي جهات المصالح و المفاسد، فالقول بأنّ الحكم الشرعي مؤثرا أو داع خلاف الإجماع، و هو باطل و كذا الثالث، لأنّ المعرف بحكم الأصل هو النص لا غير.

الثالث: شرط العلّة تقدّمها على المعلول، و تقدّم أحد الحكمين على الآخر غير معلوم، فلا يجوز الحكم بالعلّية.

الرابع: إذا أثبت الشرع حكمين في صورة واحدة فليس لأحدهما مزيّة في الوجود و الافتقار و المعلومية، فليس جعل أحدهما علّة أولى من العكس، فإمّا أن يحكم بالعلّيّة بينهما من كلا الطرفين و هو دور، أو نفيها من كليهما و هو المطلوب.

و أجيب عن الأوّل. بجواز التأخير، لأنّ المراد من العلّة المعرّف، و المتأخّر قد يعرف المتقدّم.

و بجواز التقدّم و لا يلزم النقض، فإنّ الحكم ليس علّة لذاته، بل باعتبار الشرع له بقران الحكم الآخر به، كما في تعليل تحريم شرب الخمر بالشدة المطربة، فإنّ الشدة و إن كانت متقدّمة على التحريم فلا يقال أنّها علّة قبل اعتبارها في الشرع بقران الحكم بها، و ليس تخلف الحكم مقتضيا بعضها قبل ورود الشرع.

259

و بجواز التقارن و أولوية العلّيّة لأحدهما، لأنّا نفرض الكلام فيما إذا كان أحد الحكمين مناسبا للحكم الآخر من غير عكس.

و عن الثاني. أنّ المراد من العلّة المعرّف، و النص و إن كان علّة لثبوت الحكم في الأصل لكن في الفرع عرف الحكم بالعلّة.

و عن الثالث: نمنع اشتراط التقدّم في العلّيّة.

و عن الرابع. بجواز أن يكون كلّ منهما علّة لصاحبه، بمعنى كون كلّ منهما معرّفا لصاحبه.

تذنيب‏

إذا جعلنا العلّة بمعنى المعرّف جاز أن يكون الحكم الشرعي علّة في الحكم الحقيقي، كما يعلّل إثبات الحياة في الشّعر بأنّه يحرم بالطلاق، و يحلّ بالنكاح، فيكون حيّا كاليد، لإمكان جعل الحكم الشرعي معرفا للأمر الحقيقي.

فائدة

يجوز التعليل بالأوصاف العرفية عند مجوّزي القياس، كالشرف و الخسّة و الكمال و النقصان، بشرط الضبط و الاطّراد حتى يكون متميّزا عن غيره و لا يختلف باختلاف الأوقات، إذ لو اختلف باختلافهما جاز تجدّده بعد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فلا يجوز التعليل به.

260

البحث العاشر: في الوصف المركّب‏

اختلف الناس في جواز التعليل بالعلّة المركّبة، كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان، فجوّزه الأكثر، و منعه الأقل. و نحن لمّا اشترطنا في العلّة التنصيص و جاز أن ينص الشارع على التعليل بمجموع أمرين أو أمور بحيث لا يكون الحكم مسندا إلى بعض تلك الأوصاف جاز أن تكون مركبة، و من لم يشترط النص اختلفوا على ما قلناه.

[احتجاج المجوّزين:]

و احتجّ المجوّزون‏ (1) بإمكان قيام الدليل على أن تكون الهيئة الاجتماعية من الأوصاف المتعدّدة علّة إمّا لمناسبة أو شبه، أو سبر أو تقسيم، أو غير ذلك من طرق الاستنباطات و التخريج مع اقتران الحكم أو الدوران و بالجملة دليل علّيّة الوصف الواحد يمكن ثبوته هنا.

[احتجاج المانعين:]

احتجّ المانعون بوجوه‏ (2):

[الوجه‏] الأوّل:

لو كانت العلّة مركّبة لزم النقض في العلّة العقلية، و التالي باطل فالمقدّم مثله.

بيان الشرطية: أنّ عدم كلّ جزء من أجزاء المركب علّة تامة لعدم علّيّة تلك الماهية، لأنّ كون الماهية علّة صفة من صفات الماهية، و تحقّق الصفة موقوف على تحقّق الموصوف، فعدم كلّ جزء علّة تامة لعدم علّيّة تلك‏

____________

(1). الإحكام: 3/ 234، المسألة السادسة.

(2). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 399.

261

الماهية، فإذا عدم جزء من أجزائها عدمت العلّيّة، فإذا عدم آخر لم يؤثر شيئا لانتفاء العلّيّة بعدم الجزء الأوّل فلا يحصل مرة أخرى فقد عدم جزء من الماهية و لم يترتب عليه عدم علّيّة تلك الماهية فقد حصل النقض في العلّة العقليّة، لأنّ اقتضاء عدم جزء الماهية عدم علّيّة تلك الماهية أمر حقيقي، سواء كانت علّة الشي‏ء عقلية أو وضعية.

لا يقال: هذا يقتضي نفي المركّبات، لأنّ عدم كلّ جزء من أجزاء المركب علّة مستقلّة لعدم تلك الماهية، فيعود المحال.

لأنّا نقول: الماهية هي نفس مجموع تلك الأجزاء، فلم يكن عدم بعض تلك الأجزاء علّة لعدم شي‏ء آخر، بخلاف العلّيّة فإنّها حكم زائد على الماهية و عدمها معلّل بعدم كلّ جزء فافترقا.

[الوجه‏] الثاني:

كون الشي‏ء علّة لغيره صفة لذلك الشي‏ء زائدة عليه، سواء حصلت لذاته أو بالفاعل لإمكان تصوّر الشي‏ء حال الجهل بالعلية و لصحة كذا علّة، فإن كان مركبا فإن حصلت بكلّ جزء تمامها فكلّ جزء علّة و هو محال، لاستحالة تعدد محل الواحد الشخصي و لاستلزامه كون كل واحد من تلك الأجزاء علّة تامّة، إذ معنى كون الشي‏ء علّة حصول صفة العلّيّة له، و إن حصل في كلّ جزء جزء منها لزم انقسام الصفة العقلية فيكون للعلّيّة نصف و ثلث، و هو غير معقول.

[الوجه‏] الثالث:

كلّ جزء ليس بعلّة فإن لم يحصل عند الاجتماع زائد لم تكن الأجزاء بمجموعها علّة كما لم يكن بافرادها، و إن حصل فالمقتضي له إن‏

262

كان كلّ واحد من الأجزاء فكلّ جزء علّة فهو علّة، هذا خلف. و إن كان المجموع فالكلام في اقتضاء المجموع لذلك الأمر الحادث كالكلام في اقتضاء ذلك المجموع للعلّة، فيلزم أن يكون بتوسط حدوث أمر آخر و يتسلسل.

[الوجه‏] الرابع:

لو كانت العلّة مركّبة لتوقّف وجودها على وجود كلّ واحد من أجزائها، و يلزم منه كون عدم كلّ جزء علّة مستقلّة لعدمها، و التالي باطل فالمقدّم مثله.

و الشرطية ظاهرة ممّا تقدّم، و بطلان التالي انّ تلك الأجزاء لو عدمت فإن كان عدم كلّ جزء علّة مستقلّة لعدم العلّة. و معنى الاستقلال أنّه المفيد لذلك دون غيره، لزم امتناع استقلال كلّ واحد منها، و إلّا كان البعض لزم الترجيح من غير مرجّح، و إن لم يكن شي‏ء منها علّة لزم خروج كلّ جزء عن كونه مستقلا؛ و قيل: إنّه كذلك، هذا خلف.

[الوجه‏] الخامس:

كلّ واحد من تلك الأوصاف إن كان مناسبا للحكم كان علّة مستقلّة لوجود المناسبة و الاقتران، و إن لم يكن مناسبا و لا شي‏ء منها، فضم ما لا يصلح للتعليل إلى ما يصلح له لا يكون مفيدا للتعليل، و إن كان البعض فهو العلّة.

[الجواب:]

و أجيب عن [الوجه‏] الأوّل.

بأنّ النقض إنّما يلزم لو جعلنا عدم الجزء علّة لعدم علّية الماهية، و هي بناء على كون العدم علّة، و هو ممنوع.

و ليس بجيد، لما مر من أنّ العلّيّة صفة اعتبارية، فجاز اتّصاف العدم‏

263

بها. و أيضا ليس عدم كلّ جزء علّة لعدم صفة العلّيّة، لأنّ وجود كلّ جزء شرط للعلّيّة فعدمه يكون عدما لشرطية العلّيّة. و التحقيق في الجواب: انّ عدم الماهية مستندا إلى عدم أي جزء كان لا إلى عدم كلّ واحد، بل عدم كلّ واحد لما اشتمل على عدم أي جزء كان صار علّته بالعرض لاشتماله عليها.

و عن [الوجه‏] الثاني.

أنّ العلّيّة ليست صفة ثبوتية، و إلّا لزم التسلسل، فلا يصحّ أن يقال: إمّا أن يحلّ كلّ واحد من الأجزاء بتمامها، أو ينقسم بحسب انقسام أجزاء الماهية؛ و لأنّ معنى كون المجموع علّة قضاء الشارع بالحكم رعاية لما اشتملت عليه الأوصاف من الحكم و ليس ذلك صفة لها، و لأنّه ينتقض بكون الشي‏ء خبرا أو أمرا أو غير ذلك.

و عن [الوجه‏] الثالث.

أنّه منقوض لكلّ واحد من العشرة، فإنّه ليس بعشرة، و عند الاجتماع تحصل العشرة.

فإذا عرفت هذا فنقول: نقل أبو إسحاق الشيرازي عن بعضهم أنّه لا يجوز أن تزيد الأوصاف على سبعة. و لا وجه له.

تنبيه‏

قد عرفت أنّ الشرط هو الّذي يلزم من عدم الحكم و لا يكون جزءا من العلّة، أو أنّه الّذي يلزم من عدمه مفسدة دافعة لوجود الحكم.

إذا ثبت هذا فاعلم أنّ بعضهم لم يفرّق بين جزء العلّة و محلّها و شرط

264

ذات العلّة و شرط علّتها، و هم المثبتون للطرد المنكرون لتخصيص العلّة، لأنّ العلّة الشرعية ما يكون معرّفا للحكم، و إنّما يكون معرّفا عند اجتماع كلّ القيود من الشرط و الإضافة إلى الأهل و المحلّ، فكلّ قيد جزء المعرّف فيكون جزء العلّة.

نعم قد يكون بعض هذه القيود أقوى في الوجود من بعض، فإنّ حقيقة القتل أقوى في الوجود من صفته، أعني: إضافته إلى القاتل و إلى المقتول، لاحتياج هذه إليها. و قد يناسب بعض القيود دون بعض، أو يكون أقوى مناسبة (1)، و لا يخرج المجموع عن كونه هو المعرف لهذا التفاوت، فلا فرق بين الجزء و الشرط.

و فائدة هذا البحث أنّه لو صدر بعض الأجزاء عن إنسان و الباقي عن آخر، فإن تساوت في القوة و المناسبة اشتركا و إلّا نسب الفعل إلى فاعل الجزء الأقوى. و هذه فائدة حاصلة على تقدير تسميته جزء العلّة أو شرطها.

و منهم من سلّم الفرق، و زعم أنّ العلّة إن عرفت بالنص فما دلّ النصّ على كونه مناطا، هو العلّة. و سائر القيود الّتي عرف اعتبارها بدلائل منفصلة [نجعلها] شرائط.

و إن عرفت بالاستنباط فالمناسب هو العلّة و المعتبر في تحقّق المناسبة، و لا يكفي فيها جزء العلّة و ما ليس مناسبا و لا جزءا منه فهو الشرط و إن عرفنا العلّة بغير المناسبة من باقي الطرق لم يظهر الفرق و النزاع لفظي.

____________

(1). في المحصول: 2/ 402: أو يكون بعضها أقوى في المناسبة من بعض.

265

تنبيه‏

الإجماع على أنّه لا يجوز التعليل بالاسم، كتعليل تحريم الخمر بأنّ العرب سمّته خمرا، للعلم الضروريّ بأنّ مجرّد الألفاظ لا تأثير لها في الأحكام. فإن أريد به تعليله بمسمّى هذا الاسم من كونه مخامرا للعقل، كان تعليلا بالوصف لا بالاسم.

البحث الحادي عشر: في التعليل بالصفات المقدّرة

المشهور أنّه لا يجوز التعليل بذلك خلافا لبعض الفقهاء. كقولهم:

الملك معنى مقدّر شرعي في المحل أثره إطلاق التصرّفات، أو أنّ الملك الحادث يستدعي سببا حادثا و هو قوله: بعت و اشتريت، و هاتان مركّبتان من حروف متتالية لا يوجد أحدهما مع الآخر، فلا وجود حقيقي لهاتين الكلمتين، بل وجودهما تقديري بمعنى أنّ الشارع قدّر بقاء تلك الحروف إلى وقت حدوث الملك لوجوب وجود العلّة عند وجود المعلول. و قد يذكرون هذا التقدير في جانب الأثر فيقولون: إنّ من عليه الدين يكون ذلك الدين مقدّرا في ذمّته.

و هذا الكلام تخيّل لا تحقيق فيه، لأنّ الوجوب إمّا خطاب الشرع كقول الأشعري، أو كون الفعل في نفسه بحيث يكون للإخلال به مدخل في استحقاق الذم كقول المعتزلة.

و على التقدير الأوّل لا حاجة في تعلّق الخطاب إلى معنى حادث‏

266

يكون علة له، لأنّ ذلك التعلّق قديم فلا يكون معلّلا بالمحدث.

و فيه نظر، فإنّ التعلّق أمر إضافي لا يعقل قدمه إلّا بقدم مضافة (1)، نعم المتعلّق يمكن دعوى قدمه عندهم.

و على التقدير الثاني فالمؤثّر في الأحكام إنّما هي جهات المصلحة و المفسدة فلا حاجة إلى بقاء الحروف.

و أيضا المقدّر على وفق الواقع، و الحروف لو وجدت مجتمعة خرجت عن أن تكون كلاما، فلو قدّر الشارع بقاء الحروف الّتي حصل منها قوله: «بعت و اشتريت» لم يحصل عند اجتماعها هذا الكلام، لعدم أولوية سماعها على هذه الصيغة على سماعها على باقي تعاليها. (2)

و تقدير المال في الذمّة باطل، و معناه أنّ الشرع مكّنه إمّا في الحال، أو في المستقبل بأن يطالبه بذلك القدر من المال، فهذا معقول شرعا و عرفا.

فأمّا التقدير في الذمّة فلا حاجة في العقل و الشرع إليه.

و اعترض بأنّ تفسير الوجوب بتعلّق الخطاب ينافي قول الأشاعرة بحدوثه فيفتقر إلى سبب حادث، و كون الحكمة مؤثرة في الحكم لا ينافي كون الوصف مؤثرا لما تقدّم، و كون التقدير على وفق الواقع ليس معناه أنّ المقدّر يعطى حكمه‏ (3) لو كان موجودا بل معناه أن يعطى حكم مؤثر موجود.

____________

(1). في «أ»: إضافية.

(2). كذا في النسخ و لعلّ الصحيح: على باقي صيغها.

(3). في «أ»: حكمة، و في «ج»: حكم.

267

البحث الثاني عشر: في التعليل بالأمارة

اختلفوا في جواز كون العلّة في الأصل بمعنى الأمارة المجرّدة، فأثبته قوم و منعه آخرون.

و شرطوا (1) في العلّة أن تكون في الأصل بمعنى الباعث، أي تكون مشتملة على حكمة صالحة تصلح أن تكون مقصودة للشارع في شرعية الحكم؛ إذ لو كانت وصفا طرديا لا حكمة فيه بل مجرد أمارة على التعليل، لزم الدور؛ لأنّ علّة الأصل مستنبطة من حكمه و متفرّعة عنه، فلو كانت معرفة لحكم الأصل لكان متوقّفا عليها و متفرّعا عنها، و هو دور.

و أيضا لا فائدة في الأمارة سوى تعريف الحكم، و الحكم في الأصل معلوم بالنصّ لا بالعلّة المستنبطة منه.

و فيه نظر، فإنّ العلل عند الأشاعرة كلّها أمارات و لا يجوز إثبات الفرضية في شي‏ء منها.

تذنيب‏

إذا كانت العلّة بمعنى الباعث، فشرطها أن يكون ضابط الحكمة المقصودة للشرع من إثبات الحكم أو نفيه، بحيث لا يثبت الحكم مع علم انتفاء الحكم في صور ما، و إلّا كان فيه إثبات الحكم مع انتفاء الحكم المطلوبة منه قطعا، و هو ممتنع، كما لو قيل حكمة القصاص إنّما هي صيانة

____________

(1). و هو قول الآمدي في الإحكام: 3/ 224، المسألة الثانية.

268

النفس المعصومة عن الفوات، فمن ضبط صيانة النفس عن الفوات بالجرح خاصة لزمه شرع القصاص في جارح الميت ضرورة وجود الضابط مع تيقّن انتفاء الحكمة أو نفي الحكم مع وجود علّته، و هو محال.

لا يقال‏ (1): و إن لزم من ذلك إثبات الحكم في صورة بدون حكمة ذلك الضابط في الأصل المذكور، فإنّما يمتنع الضبط به إن لو لم يكن له سوى حكمة واحدة. أمّا إذا جاز أن يكون الوصف الواحد ضابطا في كلّ صورة لحكمة، فانتفاء حكمة إحدى الصورتين عن الأخرى لا يوجب أن يكون ثبوت الحكم في الصورة الّتي انتفت عنها تلك الحكمة عريا عن الفائدة، بل يكون ثبوته بالحكمة الخاصة بتلك الصورة، فالضابط لها و لحكمة الحكم في الصورة الأخرى شي‏ء واحد.

لأنّا نقول: إذا اتّحد الضابط فاختصاصه في كلّ صورة بحكمة مخالفة للحكمة المختصّة به في الصورة الأخرى، أمّا أن يكون ذلك لذاته و المخصص يخصص بتلك الصورة دون الأخرى.

و الأوّل باطل، و إلّا لزم الاشتراك بين الصورتين في الحكمتين ضرورة اتّحاد المستلزم لها.

و إن كان الثاني فما به التخصيص في كلّ واحدة من الصورتين، و لا وجود له في الأخرى يكون من جملة الضابط، فالضابط للحكمتين يكون مختلفا و إن كان مركبا من الوصف المشترك و ما به تخصّصت كلّ صورة.

____________

(1). ذكر الآمدي الإشكال و الجواب عنه في الإحكام: 3/ 262- 263.

269

فائدة

شرط جماعة (1) في ضابط الحكمة أن يكون جامعا بحيث لا توجد الحكمة يقينا في صورة دونه، لأنّ الحكم إن ثبت في الصورة التي وجدت الحكمة فيها دون الضابط، لزم استناد الحكم إلى الحكمة دون ضابطها و هو محال لما فيه من الاستغناء عن الضابط لإمكان إثبات الحكم بالحكمة دونه؛ و إن لم يثبت لزم إهمال تبيين الحكمة مع العلم بأنّ الحكم لم يثبت إلّا بها، كمن ضبط العمدية باستعمال الجارح، حيث إنّه يلزم منه إهمال العمدية مع تيقّن وجودها في الحرق أو التغريق أو المثقل كالحجر العظيم.

اعترض‏ (2) بأنّ المحذور إنّما يلزم لو امتنع تعليل الحكم في صورتين بعلّتين. و مع جوازه فلا يمتنع أن تكون حكمة الحكم في الصورتين واحدة، و لها في كلّ صورة ضابط بحسب تلك الصورة، و ذلك لا يستلزم إهمال الحكمة و لا إلغاء الضابط.

البحث الثالث عشر: في تعليل الأصل بعلّة متأخّرة

اختلفوا في جواز تعليل حكم الأصل بعلّة متأخّرة عن ذلك الحكم في الوجود، كتعليل إثبات الولاية للأب على الصغير الّذي عرض له الجنون بالجنون، فإنّ الولاية ثابتة قبل عروض الجنون.

____________

(1). نقله الآمدي في الإحكام: 3/ 263، المسألة الخامسة عشرة.

(2). ذكره الآمدي في الإحكام: 3/ 264.

270

فذهب جماعة إلى منعه‏ (1)؛ لأنّ العلّة إمّا بمعنى الباعث، و يلزم من تأخّرها عن الحكم ثبوت الحكم بغير باعث، أو بباعث غير العلّة المتأخّرة عنه، لاستحالة ثبوت الحكم بباعث لا تحقّق له مع الحكم.

و إمّا بمعنى الأمارة، و هو باطل، لامتناع التعليل بمجرد الأمارات؛ و لأنّها إذا كانت بمعنى الأمارة ففائدة الأمارة إنّما هو في تعريف الحكم، و قد عرف قبلها ضرورة سبقه في الوجود عليها، و تعريف المعروف محال.

لا يقال: إنّما يستقيم ما ذكرتم لو امتنع تعليل الحكم الواحد بعلّتين، أمّا على تقدير جوازه فلا يمتنع تعليله بعلّة مصاحبة و أخرى متأخّرة.

لأنّا نقول‏ (2): قد بيّنّا امتناع تعليل الحكم بعلّتين في صورة واحدة، و لو قدرنا جوازه فإنّما يجوز بتقدير أن لا تكون إحدى العلّتين متقدّمة على الأخرى.

و فيه نظر، لجواز أن يكون بمعنى الباعث و الغاية متأخّرة في الوجود، و بمعنى المعرّف و يجوز تأخّره، لأنّ المعرّف في الأصل النص و في الفرع العلّة المتأخّرة.

____________

(1). و هو مختار الآمدي في الإحكام: 3/ 264.

(2). ذكر الإشكال و الجواب عنه في الإحكام: 3/ 264- 265.

271

البحث الرابع عشر: في أنّ تعليل العدمي بالوجودي لا يتوقّف على وجود المقتضي‏

الحكم إذا كان عدما و كانت العلّة له وجود مانع أو فوات شرط اختلفوا في اشتراط وجود المقتضي لإثباته. و هذا البحث متفرّع على جواز تخصيص العلّة، فإنّا لو أنكرناه امتنع الجمع بين المقتضي و المانع. أمّا على تقدير جوازه فإنّه ممكن.

احتجّ المانع من اشتراطه بوجوه‏ (1):

الأوّل. الوصف الوجودي إذا كان مناسبا للحكم العدمي، أو كان دائرا معه وجودا أو عدما حصل ظنّ العلّيّة، و الظن حجّة.

الثاني. بين وجود المقتضي و وجود المانع معاندة و مضادّة، و الشي‏ء لا يتقوّى بضدّه، بل يضعف به. فإذا جاز التعليل بالمانع حال ضعفه لوجود المقتضي كان التعليل به حال قوته بانتفاء المقتضي أولى بالجواز.

الثالث. لو شرطنا وجود المقتضي لزم منه التعارض بينه و بين المانع أو فوات الشرط، و التعارض على خلاف الأصل لما فيه من إهمال أحد الدليلين، و عند انتفاء المقتضي لو أحلنا نفي الحكم على نفي المقتضي مع تحقّق ما يناسب نفي الحكم من المانع أو فوات الشرط. لزم منه إهمال‏

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 410؛ و الآمدي في الإحكام: 3/ 265، المسألة 17.

272

مناسبة المانع أو فوات الشرط مع اقتران نفي الحكم به، و هو خلاف الأصل.

اعترض على الثاني. بأنّه لا يلزم من انتفاء الحكم بالمانع أو فوات الشرط مع وجود المقتضي الشرط في أعماله لما يأتي انتفاؤه له مع فوات شرط أعماله.

و فيه نظر، لما بيّنّا أنّ المقتضي مناف للمانع فلا يعقل علّيّة المانع مع المضاد و نفيها مع عدمه.

و على الثالث. أنّه و إن لزم من وجود المقتضي التعارض بينه و بين المانع أو فوات الشرط، فهو أهون من نفيه لوجود المانع مع فوات شرط أعماله؛ و لهذا كان نفي الحكم بالمانع و فوات الشرط مع وجود المقتضي متّفقا عليه بين مجوّزي تخصيص العلّة، مختلفا فيه مع انتفاء المقتضي.

و بتقدير انتفاء المقتضي فنفي الحكم له دون ما ظهر من المانع و فوات الشرط و إن أفضى إلى إلغاء مناسبة المانع و فوات الشرط مع اعتباره إلّا أنّه أولى من انتفائه للمانع أو فوات الشرط. و لهذا اتّفقوا على استقلاله بالنفي عند عدم المعارض و وقع الخلاف في استقلال المانع أو فوات الشرط بالنفي، فكان النفي له أولى.

و لا يمكن إحالة النفي على نفي المقتضي و المانع معا، لأنّ كلّ منهما إن استقل بالنفي لزم تعليل الحكم الواحد في صورة واحدة بعلّتين‏

273

مستقلّتين، و إن لم يستقلّ واحد منهما فهو محال، لأنّ نفي المقتضي بتقدير انتفاء معارضه مستقل بالنفي إجماعا، و فيه إخراج المستقل عن الاستقلال و هو ممتنع.

و إذا ثبت أنّه لا بدّ في التعليل بالمانع و فوات الشرط من وجود المقتضي فلا بدّ من بيانه إمّا بطريق إجمالي أو تفصيلي يدلّ على وجوده و علّيّته بما يساعد من الأدلّة.

و إن اتّفق أن كان الشارع قد نصّ على نفي الحكم، فهو دليل ظاهر على وجود المقتضي، لأنّه لو لم يكن المقتضي موجودا كانت فائدة التنصيص على النفي التأكيد لاستقلال نفي المقتضي بالنفي.

و الأصل أن يحمل كلام الشرع على فائدة التأسيس، لكونها أصلا، و إنّما يتمّ ذلك بالنظر إلى وجود المقتضي.

لا يقال: اعتقاد وجود المقتضي- حملا للكلام على فائدة التأسيس- يستلزم نفي الحكم مع وجود ما يقتضيه، و هو خلاف الأصل أيضا. و ليس مخالفة محذور مخالفة المقتضي مع كونه على خلاف الأصل دفعا لمحذور حمل الكلام على فائدة التأكيد أولى من العكس.

لأنّا نقول‏ (1): المحذور اللازم من نفي الحكم مع وجود المقتضي مخالفة المقتضي خاصة و هو غالب في الشرع، و محذور التأكيد مع كونه‏

____________

(1). ذكر الإشكال و الجواب عنه الآمدي في الإحكام: 3/ 267.

274

نادرا فيه مخالفة لما ظهر من مناسبة المانع و اعتباره، مع أنّ الغالب من حال الشرع اعتبار المناسبات لا إلغاؤها.

و لا يخفى أنّ التزام محذور قد عهد التزامه في الشرع غالبا و ليس فيه التزام محذور آخر، أولى من التزام محذور لم يعهد التزامه في الشرع غالبا و فيه التزام محذور آخر.

احتجّ المشترطون بوجوه‏ (1):

الأوّل. إذا علّلنا انتفاء الحكم بالمانع فالمعلّل إمّا عدم مستمر، أو متجدّد.

و الأوّل باطل، لحصول العدم المستمر قبل حصول هذا المانع، بل قبل الشرع فلا يكون شرعيا، إذ الشرعي ما لو سكت الشرع عنه لثبت، و الحاصل قبل يمتنع تعليله بالمتأخّر.

و الثاني تسليم المقصود، لأنّ عدم الحكم لا يحصل فيه التجدّد، إلّا إذا منع من الدخول في الوجود بعد أن كان بعرضية الدخول في الوجود، و ذلك لا يتحقّق إلّا عند قيام المقتضي.

الثاني. استناد انتفاء الحكم إلى انتفاء علّته أظهر من إسناده إلى حصول المانع، فإن تساوى ظن انتفاء العلّة و ظنّ وجود المانع امتنع التعليل بوجود المانع، لأنّ عدم العلّة و وجود المانع لمّا تساويا ظنا و اختصّ عدم العلّة بمزيّة أولوية إسناد الحكم إليه من إسناده إلى وجود المانع، كان تعليل‏

____________

(1). ذكرها الرازي مع الأجوبة عنها في المحصول: 2/ 410- 413.

275

عدم الحكم بعدم علّته أقوى من تعليله بوجود المانع؛ و الأقوى راجح فلا يجوز تعليل عدم الحكم بالمانع و إن كان ظنّ عدم العلّة أظهر، فالتقريب‏ (1) أقوى. و إن كان مرجوحا بالنسبة إلى وجود المانع فظنّ العدم إنّما يكون مرجوحا لو كان ظنّ الوجود راجحا، و هو يدلّ على توقّف التعليل بالمانع على رجحان وجود المقتضي، و هو المطلوب.

الثالث. التعليل بالمانع يتوقّف على وجود المقتضي عرفا، لأنّ من قال: «الطير إنّما لا يطير لأنّ القفص منعه» كان تعليله موقوفا على العلم بحياة الطير و قدرته، إذ بتقدير موته يمتنع التعليل بالقفص، فكذا شرعا لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن، و ما رآه المسلمون قبيحا فهو عند اللّه قبيح» (2).

الرابع. عدم المقتضي مستلزم لعدم الحكم، فلو حصل عدم المقتضي امتنع استناد ذلك العدم إلى وجود المانع، لأنّ تحصيل الحاصل محال، فثبت أنّه لا بدّ من وجود المقتضي.

و أجيب عن الأوّل. بأنّ العلّة الشرعية معرّفة فيجوز تأخيرها.

قوله: إنّما يصير الحكم شرعيا إذا كانت بحيث لو سكت الشرع لثبت.

____________

(1). في المحصول: 2/ 411: فالتقدير.

(2). مستدرك الحاكم: 3/ 78؛ مجمع الزوائد: 1/ 177؛ المعجم الأوسط: 4/ 58، نقلت الرواية في هذه المصادر عن ابن مسعود؛ تفسير الرازي: 1/ 200 و 204 و ج 2/ 226 و ج 3/ 198 و ج 4/ 151 و ج 11/ 176؛ تفسير الآلوسي: 29/ 113؛ شرح نهج البلاغة: 12/ 86.

276

قلنا: نحن لا نعني بكون هذا الاقتضاء شرعيا إلّا أنّه لم يعرف إلّا من قبل الشرع، و هو حاصل بدون ما قلتموه.

و عن الثاني. أنّ مجرّد النظر إلى وجود المانع يقتضي ظنّ عدم الحكم، بدون الالتفات إلى الأقسام الّتي ذكرتموها.

و عن الثالث. لا نسلّم أنّ ظن إسناد عدم الحكم إلى وجود المانع يتوقّف على العلم بوجود المقتضي عرفا؛ أ لا ترى أنّا إذا علمنا وجود سبع في طريق، كفى في ظن عدم حضور الإنسان و إن لم يخطر ببالنا في ذلك الوقت سلامة أعضائه، بل يجعل هذا القدر دليلا لنا ابتداء فنقول: مجرّد النظر إلى المانع يفيد ظنّ عدم الحكم عرفا، فليفده شرعا.

و عن الرابع. لا نسلّم أنّ ترادف الأدلّة و المعرّفات على الشي‏ء الواحد خلاف الأصل.

البحث الخامس عشر: في بقايا مباحث العلّة

[المبحث‏] الأوّل:

يجب أن لا تكون العلّة المستنبطة من الحكم المعلّل به ممّا ترجع إلى الحكم الّذي استنبطت منه بالإبطال عند من جوز التعليل بالمستنبطة؛ كتعليل وجوب الشاة في باب الزكاة بدفع حاجة الفقير، لاشتماله على رفع وجوب عين الشاة لقيام غيرها مقامها، و ارتفاع الأصل المستنبط منه يوجب إبطال العلّة المستنبطة منه ضرورة توقّف علّتها على اعتبارها.

277

و أن لا تكون طردية محضة، كالطول و القصر، و السواد و البياض، و نحوه؛ لأنّ الوصف الطردي لا يكون باعثا.

و فيه نظر، لأنّ العلّة عند الأشاعرة بمعنى الأمارة. و بالجملة فهم لا يقفون في هذا الباب على شي‏ء، بل إذا أورد عليهم إشكال ينحل بكون العلّة معرفا التجئوا إليه، فإذا أورد عليهم ما يلزم من التعليل بالأوصاف الطردية التجئوا إلى أنّها بمعنى الباعث.

و أن لا يكون لها في الأصل معارض لا تحقّق له في الفرع، و أن لا تكون مخالفة لنص خاص أو إجماع.

و شرط قوم‏ (1) أن لا تكون مخصّصة لعموم القرآن، و هو حق عندنا حيث أبطلنا تخصيص القرآن بالقياس.

و أن لا تعارضها علّة أخرى تقتضي نقيض حكمها. و إنّما يصحّ ذلك لو كانت العلّة المعارضة لها راجحة عليها و ممتنعة التخصيص.

و شرط قوم انتزاعها من أصل مقطوع بحكمه، و جوّز آخرون القياس على ما ثبت أصل حكمه بدليل ظني.

و شرط آخرون‏ (2) عدم مخالفتها لمذهب الصحابي مستندا إلى علّة مستنبطة من أصل آخر، إلّا أن تكون علّته مع ظهورها راجحة.

____________

(1). راجع الإحكام: 3/ 268، المسألة الثامنة عشرة.

(2). راجع الإحكام: 3/ 268.

278

و شرط قوم‏ (1) أن يكون وجودها في الفرع مقطوعا به، و منعه الباقون، لأنّ وجودها من جملة المقدّمات الّتي يتوقّف عليها الحكم في الفرع، فيكفي فيه الظن كما في وجودها في الأصل و في كونها علّة، و في نفي المعارض عنها في الأصل و الفرع.

[المبحث‏] الثاني:

اتّفقت الأشاعرة (2) على أنّ نصب الوصف سببا و علّة من الشارع، و أنّ دليله لا بد و أن يكون شرعيا. و سواء كان كونه سببا و علّة و حكما شرعيا، أو لا.

و إنّما اختلفوا في الدليل الدالّ على العلّة الجامعة في القياس.

فقال بعضهم: يشترط فيه أن لا يتناول إثبات الحكم في الفرع، كقول الشافعي في مسألة الفواكه: مطعوم، فجرى فيه الربا قياسا على البر، ثمّ يستدلّ على علّيّة الطعم بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا تبيعوا الطعام بالطعام إلّا مثل بمثل» (3) فإنّه و إن دلّ على كون الطعم علّة من حيث الإيماء، إلّا أنّه يدلّ على تحريم الربا في الفواكه بعموم لفظه.

و قد يتناول دليل العلّيّة حكم الفرع بخصوصه دون حكم الأصل؛ كقول الحنفي في مسألة الخارج من غير السبيلين: خارج نجس، فينقض الوضوء كالخارج من السبيلين. ثمّ يستدلّ على علّيّة الخارج النجس‏

____________

(1). راجع الإحكام: 3/ 268.

(2). راجع الإحكام: 3/ 268- 270، المسألة التاسعة عشرة.

(3). صحيح مسلم: 5/ 47، باب بيع الطعام مثلا بمثل؛ مسند أحمد: 6/ 400.

279

للنقض بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من قاء أو رعف أو أمذى فليتوضّأ». (1) فإنّ القي‏ء و الرعاف و المذي من حيث هو خارج نجس عنده مناسب لنقض الوضوء، فترتّب الحكم عليه في كلام الشارع يدلّ على التعليل به، لكنّه مع ذلك يتناول حكم الفرع بخصوصه دون حكم الأصل؛ لأنّ دليل العلّة إذا استقلّ بالدلالة على الحكم فالاستدلال بالعلّة على الحكم على وجه لا بد من إثباتها بدليل يستقلّ بإثبات الحكم المتنازع فيه تطويل بغير فائدة.

و اعترض بأنّ الاقتضاء إلى التطويل مناقشة جدلية لا يقدح في صحّة القياس.

[المبحث‏] الثالث:

قد يستدلّ بذات العلّة على الحكم، كقولنا: قتل عمد عدوان، فيكون موجبا للقصاص.

و قد يستدلّ بوصف العلّيّة كقولنا: القتل العمد العدوان سبب لوجوب القصاص، و قد وجد فيجب القصاص.

و الأوّل صحيح دون الثاني، للفرق بين القتل و بين كونه سببا للقصاص، لانفكاكهما في التصوّر و السببية إضافية فيتوقّف ثبوتها على كلّ واحد من المضافين؛ فدعوى سببية القتل لوجوب القصاص يتوقّف على ثبوت القتل، و ثبوت وجوب القصاص لأنّ قولنا: هذا سبب لذلك يستدعي تحقّق هذا و تحقّق ذاك حتى يحكم على هذا بكونه سببا لذلك. فإذا كان‏

____________

(1). سنن البيهقي: 1/ 142؛ سنن الدارقطني: 1/ 161.

280

دعوى السببية يتوقّف على ثبوت الحكم لم يجز إثبات الحكم بها، و إلّا دار، فلا يمكن الاستدلال بالعلّيّة على الحكم.

[المبحث‏] الرابع:

لو سلّمنا توقّف التعليل بالمانع على وجود المقتضي فلا حاجة إلى ذكر دليل منفصل على وجود المقتضي، بل يكفي إمّا أن لا يكون المقتضي ثابتا في الفرع فينتفي الحكم فيه و هو المطلوب، أو يكون لكنه إنّما يثبت فيه تحصيلا لمصلحة و دفعا لحاجة، و هذا المعنى قائم في الأصل، فيثبت المقتضي في الأصل. و إذا ثبت ذلك صحّ جواز تعليل عدم الحكم فيه بالمانع.

[المبحث‏] الخامس:

قال قوم‏ (1): يجب أن يكون ثبوت الوصف الّذي جعله علّة في الأصل متّفقا عليه. و هو باطل. لأنّه لما أمكن إثباته بالدليل حصل المقصود، و الحق أنّ ذلك قد يعلم بالضرورة، أو بالبرهان، و قد يظنّ بالأمارة.

[المبحث‏] السادس:

حكى عن أبي عباس ابن شريح أنّ الثابت بالقياس إنّما هو الأسماء في الفروع ثمّ تعلّق عليها الأحكام، و كان يتوصل بالقياس إلى أنّ الشفعة شركة ثمّ يجعلها موروثة، و انّ وطي البهيمة زنا ثمّ تعلّق به الحد، و بعض الشافعية كان يقيس النبيذ على الخمر في تسميته خمرا لاشتراكهما في الشدة ثمّ يحرمه بالآية.

و أكثر الفقهاء على أنّ العلل تثبت بها الأحكام؛ فإن قصد ابن شريح‏

____________

(1). راجع المحصول: 2/ 413.

281

المنع من إثبات الأحكام في الفروع بالعلل، فهو قول بإبطال القياس في أكثر المسائل عندهم، لأنّها إنّما تعلّل فيها أحكامها دون أسمائها، و الامارة إنّما تدلّ على أنّ الوصف له تأثير في الحكم لا في الاسم، فإنّ علّة تحريم البرّ كونه مكيلا مثلا لا مسمّى بأنّه برّ، و الأمارة إنّما تدلّ على أنّ للكيل أو للطعم تأثيرا في تحريم التفاضل لا في كونه مسمّى بأنّه بر ثم يرد الأرز إليه ليثبت فيه حكمه ابتداء لا تبعا للاسم، لأنّا نطلب بالقياس التسمية.

و ان أراد أنّ العلل قد يتوصّل بها إلى الأسماء في بعض المواضع و لم يمنع من أن يتوصّل بها إلى الأحكام؛ فإن أراد بالعلل العلل الشرعية و بالأسماء الأسماء اللغوية، فهو باطل، لسبق اللغة على الشرع، فلا يجوز إثبات أسمائها بأمور طارئة عليها؛ و لأنّ جميع أمارات الشرع يتعلّق بالأحكام لا باللغات.

و إن أراد أنّ الأسماء قد ثبتت في اللغة بقياس غير شرعي نحو (1) أن يعلم أنّهم سمّوا الجسم الأبيض الذي حضرهم لوجود البياض فيه، لعلمنا أنّه إذا انتفى عنه البياض لم يسمّوه بذلك، فإذا وجد فيه سمّوه بذلك، ثمّ يقيس عليه ما غاب عنه من الأجسام البيض، فغير بعيد.

و إن أراد أنّ من الأسماء الشرعية ما ثبت بالعلل، فغير بعيد أيضا، لأنّا نعلم أنّ الشريعة سمّت الصلاة صلاة لصفة من الصفات متى انتفت عنها لم تسمّ في الشريعة صلاة، فيعلم أنّ ما يشاركها في تلك الصفة يسمّى صلاة.

____________

(1). في «ب»: بجواز، و في «ج»: يجوز.

282

الفصل السادس: في باقي أركان القياس‏

و فيه مباحث:

[البحث‏] الأوّل: في أصل الحكم‏

في الأصل المقيس عليه قسمان:

[القسم‏] الأوّل: أن يكون على وفق قياس الأصول‏

و شرائط الأصل فيه ستة (1):

الأوّل: ثبوت حكم الأصل، لأنّ القياس تشبيه الفرع بالأصل في ذلك الحكم، و إنّما يمكن بعد ثبوت الحكم في الأصل، فلا يجوز القياس على أصل نسخ حكمه، لأنّ الحكم إنّما تعدّى من الأصل إلى الفرع بناء على الوصف الجامع، و ذلك يتوقّف على اعتبار الشارع، فإذا لم يكن الحكم المترتّب على وفقه ثابتا شرعا لم يكن معتبرا.

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 427، الباب الثاني: في شرائط الأصل.

283

الثاني: أن يكون طريق معرفة حكم الأصل سمعيا إن كان القياس شرعيا، أمّا عند الأشاعرة فظاهر، (1) لأنّ جميع الأحكام عندهم إنّما تعرف بالسّمع.

و أمّا عند المعتزلة، فلأنّه لو كان الطريق عقليا لكانت معرفة ثبوت الحكم في الفرع عقلية، و كان القياس عقليا لا سمعيا.

اعترض‏ (2) بأنّ ثبوت الحكم في الفرع يتوقّف على ثبوته في الأصل، و على تعليله بالوصف المعين. و على حصوله في الفرع فلو قدرت المعرفة الأولى عقلية جاز أن يكون الباقيان سمعيين، فتكون معرفة حكم الفرع بمقدّمات سمعية، و المبني على السّمعي سمعي، فيكون ثبوت حكم الفرع سمعيا.

الثالث: أن لا يتناول دليل الأصل الفرع، و إلّا كان اتّصاف أحدهما بالأصالة و الآخر بالفرعية ترجيحا من غير مرجّح.

و فيه نظر، لأنّ المراد إن كان عدم التناول و لو بوجه ما، خرج عنه القياس المنصوص على علّته، مثل حرمت الخمر للإسكار، لتناوله النبيذ بنوع نظر و اجتهاد؛ و إن كان عدم‏ (3) التناول من بعض الوجه جاز أن يكون أحدها أصلا لقوة الدلالة فيه و الآخر فرعا بضعفها فيه.

____________

(1). و هو قول الرازي في المحصول: 2/ 427.

(2). المعترض هو الرازي في المحصول: 2/ 427.

(3). ليس في «د».

284

الرابع: وجوب ظهور كون ذلك [الأصل‏] معلّلا بوصف معين، لافتقار ردّ الفرع إليه إلى هذه الواسطة.

الخامس: عدم تأخّر حكم الأصل عند بعضهم، كقياس الوضوء على التيمّم المتأخّر عن الهجرة في وجوب النية، و قد سبق الخلاف فيه. و الوجه أن يقال: إن لم يوجد دليل على حكم الفرع سوى ذلك القياس امتنع تقديم حكم الفرع، و إلّا لزم حصول الحكم من غير دليل، و هو تكليف ما لا يطاق، أو أنّه لم يكن حاصلا فيكون كالنسخ، و إن وجد دليل غيره جاز لجواز تعدّد الأدلّة دفعة و مترتّبة.

السادس: أن لا يكون حكم الأصل ثابتا بالقياس و لا متفرعا عن أصل آخر. و هو مذهب أكثر الشافعية و الكرخي، خلافا للحنابلة و أبي عبد اللّه البصري، (1) لأنّ المشترك بين الأصلين إن كان هو المشترك بين الفرع و الأصل القريب أمكن رد الفرع إلى البعيد فبلغوا ذكر القريب. مثاله قول الشافعي في السفرجل: «مطعوم» فيجري فيه الربا قياسا على التفاح، ثم يقيس التفاح في تحريم الربا على البر بواسطة الطعم و إن تغايرا؛ فإن كانت العلّة في القريب مؤثرة- أي ثابتة بنص أو إجماع- أمكن إثبات الحكم في الفرع بالعلّة المؤثّرة، و لا حاجة إلى القياس على القريب ثم قياس القريب على البعيد؛ و إن كانت مستنبطة كقول الشافعي في فسخ النكاح بالجذام:

عيب ثبت به الفسخ في البيع فيثبت به الفسخ في النكاح قياسا على الرتق‏

____________

(1). ذكره الآمدي في الإحكام: 3/ 215، القسم الأوّل: في شرائط حكم الأصل.

285

و القرن، ثم يقيس الرتق و القرن على الجب و العنة بواسطة فوات الاستمتاع لم يصح القياس، لأنّ الحكم في الفرع المتنازع فيه أوّلا إنّما يثبت بما يثبت به حكم أصله، فإذا كان حكم أصله ثابتا بعلّة أخرى و هي ما استنبطت من الأصل الأخير، امتنع تعدية الحكم بغيرها؛ لأنّ غيرها لم يثبت اعتبار الشرع له ضرورة أنّ الحكم الثابت معه [ثابت‏] بغيره اتّفاقا؛ فلو ثبت الحكم به في الفرع الأوّل مع عدم اعتباره، كان ذلك إثباتا للحكم بالمعنى المرسل الخالي عن الاعتبار، و هو محال.

و لو قلنا بجواز تعليل الحكم بعلّتين امتنع هنا، لأنّه لا يمكننا إثبات الحكم في الأصل القريب إلّا بأن يتوصّل إليه بالعلّة الثابتة في البعيد، و متى توصّلنا إلى ثبوت تلك العلّة امتنع تعليله بالعلّة الثابتة في الفرع، لأنّ تلك العلّة إنّما عرفت بعد أن عرف تعليل الحكم بعلّة أخرى، و متى عرف ذلك كلّه كانت العلّة الثابتة (1) عديمة الأثر فيمتنع التعليل بها.

هذا كلّه إذا كان حكم الأصل مقبولا من جهة المستدلّ ممنوعا من جهة المعترض؛ و أمّا إن كان بالعكس، كقول الحنفي في مسألة تعيين النية:

إذا نوى النفل أتى بالمأمور به، فصحّ؛ كما لو نوى النفل في الحج الواجب، فإنّ حكم الأصل لا يقول به الحنفي بل الشافعي، فلا يصحّ من المستدلّ بناء الفرع عليه، لأنّه يتضمن اعترافه بالخطإ في الأصل لوجود العلّة فيه من دون الحكم.

____________

(1). في «أ» و «ب»: التامّة.

286

أمّا لو قال المستدلّ: هذا هو عندك علّة الحكم في الأصل، و هو موجود في محلّ النزاع، فيلزمك الاعتراف بحكمه، و إلّا فيلزم إبطال المعنى و انتقاضه لتخلف المعنى عنه من غير مانع، و يلزم من إبطال التعليل به امتناع إثبات الحكم به في الأصل؛ فهو أيضا كالأوّل في الفساد، فإنّ الخصم يقول: الحكم في الأصل ليس عندي ثابتا بناء على هذا الوصف؛ و لأنّ حاصل ما ذكر يرجع إلى إلزام المعترض بالتخطئة في الفرع ضرورة تصويبه في اعتقاده كون الوصف الجامع علّة للحكم في الأصل المقيس عليه و هو غير لازم، إذ ليس تخطئته في الفرع و تصويبه في التعليل بأولى من العكس، و حينئذ لا يتم الإلزام.

القسم الثاني: أن يكون الحكم في المقيس عليه بخلاف قياس الأصول‏

و قد اختلفوا فقال بعض الشافعية و الحنفية: يجوز القياس عليه مطلقا. (1)

و قال الكرخي‏ (2): لا يجوز إلّا باعتبارات ثلاثة:

الأوّل: أن يكون قد نصّ على علّة الحكم، فإنّ النصّ عليه كالتصريح بوجوب القياس عليه.

الثاني: أن يجمع الأمّة على تعليله و إن اختلفوا في تعيين العلّة.

____________

(1). ذكره عنهم الرازي في المحصول: 2/ 429.

(2). نقله عنه الرازي في المحصول: 2/ 429.

287

الثالث: أن يكون القياس عليه موافقا للقياس على أصول أخر.

و الوجه أنّ الوارد بخلاف قياس الأصول إن كان مقطوعا به كان أصلا بنفسه، لأنّه المراد بالأصل في هذا الموضع، فساوى القياس عليه القياس على غيره، فوجب أن يرجّح المجتهد بين القياسين.

و توضيحه: أنّ العموم إذا لم يمنع من قياس يخصّه فأولى أن لا يكون القياس على العموم مانعا من قياس يخالفه، لأنّ العموم أقوى من القياس.

احتجّ المخالف: بأنّ الخبر يخرج من القياس ما ورد فيه، و ما عداه باق على قياس الأصول.

و اعترض‏ (1): بأنّه إذا خرج ما ورد فيه و دلّت أمارة على علّيّته اقتضى إخراج ما شاركه في تلك العلّة. ثمّ ليس بأن لا يخرج لشبهه بالأصول بأولى من أن يخرج لشبهه بالمنصوص عليه. أمّا إذا كان غير مقطوع به فإن لم يكن علّة حكمه منصوصة، و إلّا كان القياس عليه أقوى من القياس على الأصول، فالقياس على الأصول أولى من القياس عليه، لأولوية القياس على ما طريق حكمه معلوم على ما لا يكون الطريق معلوما. و إن كانت منصوصة استوى القياسان، لاختصاص القياس على الأصول بعلم طريق حكمه، و إن كان طريق علّته غير معلوم بل مظنون و هذا بالعكس فقد حصل لكلّ منهما مزية قوة.

و إذا عرفت أنّ شرط حكم الأصل أن لا يكون معدولا به عن سنن‏

____________

(1). المعترض هو الرازي في المحصول: 2/ 429- 430.

288

القياس، فاعلم أنّ المعدول به عن سنن القياس:

إمّا أن لا يعقل معناه، فإمّا أن يكون مستثنى عن قاعدة كلّية عامّة، كقبول شهادة خزيمة وحده. فإنّه مع كونه غير معقول المعنى مستثنى عن قاعدة الشهادة؛ أو غير مستثنى، كأعداد الركعات و قدر نصب الزكاة و مقادير الحدود و الكفّارات فإنّه مع كونه غير معقول المعنى غير مستثنى من قاعدة سابقة عامّة. و على كلا التقديرين يمتنع فيه القياس.

و إمّا أن يكون قد شرع ابتداء و لا نظير له، فلا يجري فيه القياس لعدم النظير، سواء عقل معناه كرخص السفر لدفع المشقة، أو لا كاليمين في القسامة و ضرب‏ (1) الدية على العاقلة و نحوه.

تتمة

يشتمل على ما جعل شرطا عند بعضهم دون بعض و هو ثلاثة (2):

الأوّل: زعم عثمان البتّيّ‏ (3) أنّه لا يقاس على الأصل إلّا بعد أن تقوم دلالة على جواز القياس عليه.

____________

(1). في «ب» و «د»: وجوب.

(2). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 430- 431.

(3). هو أبو عمرو عثمان بن مسلم بن جرموز البتّي البصري، كان يبيع البتوت- ثيابا بالبصرة- فنسب إليها. روى عن: أنس بن مالك، و الحسن البصري، و أبي الخليل صالح بن أبي مريم، و عامر الشعبي. و روى عنه: إسماعيل بن علية، و أشعث بن عبد الملك، و حماد بن سلمة، و سفيان الثوري، و غيرهم. تهذيب الكمال: 19/ 493 برقم 3862.

289

و خالف الباقون لعموم: فَاعْتَبِرُوا (1)، و لأنّ ظن التعليل و حصوله في الفرع يقتضي ظن مساواة حكم الفرع حكم الأصل و العمل بالظن واجب، و لعدم اشتراط الصحابة ذلك في قياساتهم كمسألة الحرام و الجدّ و غيرهما.

الثاني: زعم بشر المريسي‏ (2) أنّ شرط الأصل انعقاد الإجماع على تعليل حكمه و ثبوت النص على عين تلك العلّة.

و خالف فيه الباقون لما تقدّم، و لمّا شرطنا نحن التنصيص على العلّة كان قول بشر هو الوجه.

الثالث: قال قوم: الأصل المحصور بالعدد و لا يجوز القياس عليه.

كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «خمس يقتلن في الحرم». (3) قالوا: لا يجوز القياس عليه، لأنّ التخصيص بالذكر يدلّ على نفي الحكم عمّا عداه، و لأنّ جواز القياس عليه يبطل الحصر.

و جوّزه الباقون للعموم، و قد ورد القياس عندهم على الأشياء الستة في الربا.

____________

(1). الحشر: 2.

(2). هو أبو عبد الرحمن بشر بن غياث بن أبي كريمة العدوي البغدادي المريسي، كان عين الجهمية في عصره، له تصانيف منها: كتاب الإرجاء، كتاب الرد على الخوارج، و كتاب الاستطاعة، و الرد على الرافضة في الإمامة و غيرها. توفّي في آخر سنة ثماني عشرة و مائتين و قد قارب الثمانين. سير أعلام النبلاء: 10/ 199 برقم 45.

(3). بداية المجتهد: 292. و في صحيح البخاري: 4/ 99، كتاب بدء الخلق؛ و صحيح مسلم: 4/ 18، باب ما يندب للمحرم: خمس فواسق يقتلن في الحرم.

290

البحث الثاني: في القياس المركّب‏ (1)

و نعني به أن يكون حكم الأصل متّفقا عليه بين المناظرين و يكون مختلفا فيه بين الأمّة و لا يكون حكم الأصل منصوصا عليه و لا مجمعا عليه.

أمّا مركب الأصل أو الوصف فالأوّل ما اتّفق فيه الخصمان على حكم الأصل و اختلفا في العلّة؛ كقول الشافعي في مسألة قتل الحر بالعبد: عبد فلا يقتل به الحر كالمكاتب، فإنّ الأصل و هو المكاتب غير منصوص عليه و لا مجمعا عليه بين الأمّة، لوقوع الخلاف في وجوب القصاص على قاتله، و إنّما هو متّفق عليه بين الشافعي و أبي حنيفة.

فللحنفي أن يقول: العلّة في المكاتب المتّفق عليه جهالة المستحقّ للقصاص من السيد أو الورثة لا العبودية. فإن سلمت العلّة بطل إلحاق العبدية، و إن بطلت منعت الحكم في الأصل، لأنّ الحكم فيه إنّما ثبت بناء على هذه العلّة. و قلت بوجوب القصاص في المكاتب فيمتنع القياس لعدم انفكاكه عن عدم العلّة في الفرع أو منع الحكم في الأصل و لا محذور في نفي الحكم لانتفاء مدركه، إذ لم يلزم منه مخالفة نص و لا إجماع.

و سمّي هذا النوع قياسا مركبا لاختلاف الخصمين في علّة الأصل.

و اعترض‏ (2): بأنّه لو كان علّة التسمية ذلك اطّرد (3) في كلّ قياس‏

____________

(1). راجع الإحكام: 3/ 218- 221، الشرط السادس.

(2). المعترض هو الآمدي في الإحكام: 3/ 219.

(3). في «أ» و «ج»: لطرد، و في «ب»: اطراد.

291

اختلف في علّة أصله و إن كان منصوصا عليه أو متّفقا عليه بين الأمّة.

و فيه نظر، لعدم وجوب اطّراد الاسم باطّراد علّته.

و قيل: العلّة في التسمية اختلاف الخصمين في تركيب الحكم على العلّة في الأصل، فإنّ المستدلّ يزعم أنّ العلّة مستنبطة من حكم الأصل و هي فرع له. و المعترض يزعم أنّ الحكم في الأصل فرع على العلّة و هي مثبتة له؛ و أنّه لا طريق إلى إثباته غيرها، و أنّها غير مستنبطة منه و لا هي فرع عليه، و لذلك منع ثبوت الحكم عند إبطالها. و سمّي مركب الأصل، لأنّه نظر في علّة حكم الأصل.

و الثاني و هو مركب الوصف ما وقع الاختلاف فيه في وصف المستدلّ هل له وجود في الأصل أم لا؟ كقول المستدلّ في تعليق الطلاق بالنكاح تعليق فلا يقع قبل النكاح، كما لو قال: زينب الّتي أتزوّجها طالق.

فللخصم أن يقول: لا نسلّم وجود التعليق في الأصل، بل هو تنجيز فإن ثبت أنّه تعليق منعت الحكم و قلت بصحّته، كما في الفرع، و لا محذور في المنع لعدم النص و الإجماع. و سمّي مركّب الوصف، لأنّه خلاف في نفس الوصف الجامع.

إذا عرفت أقسامه‏ (1) فنقول: المجتهد إن كان له مدرك في ثبوت حكم الأصل غير النص أو الاجماع فالقياس صحيح عند القائلين به، لأنّه غلب في ظنّه صحّة القياس فلا يكابر نفسه فيما أوجب ظنّه؛ و إن لم يكن‏

____________

(1). أي أقسام القياس المركّب.

292

له مدرك غيرهما تعذّر القياس لتعذّر إثبات حكم الأصل.

و أمّا المناظر فإمّا أن يكون الخصم مجتهدا أو مقلّدا.

فإن كان مجتهدا و ظهر في نظره إبطال المدرك الّذي بني عليه حكم الأصل، فله منع حكم الأصل، و حينئذ لا ينتفع بالقياس بالنسبة إلى الخصم.

و إن كان مقلّدا فليس له منع حكم الأصل و تخطئة إمامه فيه، لعجزه عن تقرير (1) كلامه مع المستدلّ لاحتمال أن يكون المأخذ لإمامه غير ما عنيه المعترض، و لو كان فلا يلزم من عجز المقلّد عجز إمامه، لأنّه أعرف بوجه ما ذهب إليه.

و قيل: إنّه و إن كان لا بدّ من تخطئة إمام المعترض إمّا في أصل القياس أو فرعه، فليس للخصم تخطئة إمامه في حكم الأصل دون الفرع، و هو خطأ؛ لأنّه كما ليس للخصم تخطئة إمامه في حكم الأصل دون الفرع، فليس للمستدل تخطئة إمام المعترض في الفرع دون الأصل و لا أولوية.

لا يقال: التخطئة في الفرع أولى لوقوع الخلاف بين إمام المستدلّ و إمام المعترض، بخلاف حكم الأصل.

لأنّا نقول‏ (2): كما وقع الخلاف في الفرع بين الإمامين فكذا وقع في الأصل بين الأئمة، لعدم الإجماع فيه، و ليس موافقة إمام المستدل في الفرع أولى من موافقة المخالف في الأصل.

____________

(1). في «ب» و «د»: تقدير.

(2). ذكر الإشكال و الجواب عنه الآمدي في الإحكام: 3/ 221.

293

البحث الثالث: في الفرع‏

و يشترط فيه أمور (1):

[الأمر] الأوّل: أن يوجد فيه مثل علّة حكم الأصل من غير تفاوت‏

لا في الماهية و لا في الزيادة و لا النقصان؛ لأنّ القياس التعدية من محلّ إلى آخر، و إنّما تحصل إذا كان الحكم المثبت في الفرع مثل المثبت في الأصل.

و لا ينتقض بقياس العكس لما بيّنّا: أنّ قياس العكس عبارة عن التمسّك بنظم التلازم ابتداء، ثمّ إنّا نثبت مقدّمته الشرطية بقياس الطرد.

و فيه نظر، لأنّ العلّة لو كانت موجودة في الفرع أزيد كان ثبوت الحكم فيه أولى.

[الأمر] الثاني: أن يكون خاليا عن معارض‏

راجح يقتضي نقيض ما اقتضته علّة القياس إن جوّزنا تخصيص العلّة، و إلّا فلا حاجة إلى اشتراطه.

[الأمر] الثالث: أن تكون علّة الفرع مشاركة لعلة الأصل‏

، إمّا في عينها كتعليل تحريم شرب النبيذ بالشدة المطربة المشتركة بينه و بين الخمر، أو في جنسها كتعليل وجوب القصاص في الأطراف بجامع الجناية المشتركة بين القتل و القطع، لأنّ التعدية إنّما تثبت لو شارك الفرع الأصل في عموم علّته أو خصوصها.

____________

(1). راجع المحصول: 2/ 431- 433، الباب الثالث في الفرع؛ الإحكام: 3/ 273- 276، القسم الثالث في شروط الفرع.

294

[الأمر] الرابع: إنّما يماثل حكم الفرع حكم الأصل في عينه‏

، كوجوب القصاص في النفس المشترك بين المثقل و المحدّد، أو جنسه كإثبات الولاية على الصغيرة في نكاحها قياسا على إثباتها في مالها، فإنّ المشترك جنس الولاية لا عينها، و لولاه بطل القياس، لأنّ شرع الأحكام ليس مطلوبا لذاته، بل لاقتضائه إلى مقاصد العباد، سواء ظهر المقصود أو لا، فإذا ماثل حكم الفرع الأصل علمت المماثلة بين ما يحصل به من المقصود و بين ما يحصل من حكم الأصل لاتّحاد الوسيلة.

أمّا لو خالف حكم الفرع حكم الأصل مع أنّه الوسيلة إلى تحصيل المقصود فإفضاؤه إلى الحكمة المطلوبة يجب أن يكون مخالفا لإفضاء حكم الأصل إليها.

و المخالفة بينهما في الإفضاء إمّا أن يكون لزيادة في إفضاء حكم الأصل إليها، فلا يلزم من شرع الحكم في الأصل رعاية الأصل المقصود و زيادة الإفضاء إليه بشرع حكم الفرع تحصيلا لأصل المقصود دون زيادة الإفضاء إليه، لأنّ زيادة الإفضاء إلى المقصود مقصودة للعقلاء أو في إفضاء حكم الفرع، و هو ممتنع للاتّفاق على امتناع ثبوت مثل حكم الفرع في الأصل.

و عند ذلك فتنصيص الشارع على حكم الأصل دون حكم الفرع يدلّ على أنّ حكم الأصل أفضى إلى المقصود من حكم الفرع، إذ لو كان حكم الفرع أفضى لكان أولى بأن ينص عليه.

295

اعترض: بأنّ هذا فرع الاختلاف في الأحكام الشرعية. و هو باطل عند الأشاعرة (1)، لأنّ حكم اللّه تعالى كلامه، و ذلك لا اختلاف فيه، بل في تعلّقاته و متعلّقاته، و حكمه تعالى بالوجوب و التحريم من حيث هو كلام اللّه تعالى واحد لا تخالف بينهما؛ و إن اختلفا فلخارج، كالذمّ على الترك أو على الفعل بسبب اختلاف محل الخطاب؛ و ذلك لا يوجب اختلاف ماهية الحكم، كاشتراك الصّلاة و الصوم في الوجوب، و القتل و الزنا في التحريم.

سلّمنا الاختلاف لكن يجوز أن يكون إفضاء حكم الفرع إلى المقصود أتمّ من إفضاء حكم الأصل إليه. و لا يلزم التنصيص عليه بجواز قصد التنبيه بالأدنى على الأعلى، أو يحتمل وجود مانع من التنصيص عليه لا وجود له في حكم الأصل.

و أجيب بأنّ حكم الشرع ليس مطلق الخطاب، بل المقيد بتعلّق خاص، فإذا اختلفت المتعلّقات اختلفت الأحكام لدخولها في حقيقتها.

و لو كانت فائدة تخصيص حكم الأصل بالتنصيص عليه للتنبيه به على حكم الفرع لكان حكم الفرع ثابتا بحكم الموافقة لا بالقياس، و لجاز إثباته في الأصل، و هو ممتنع.

و المانع من التنصيص منتف؛ لأنّه إمّا أن يكون من لوازم صورة الأصل، أو من لوازم مثل حكم الفرع، أو من لوازم اجتماع الأمرين.

____________

(1). و هو قول الآمدي في الإحكام: 3/ 274.

296

فإن كان الأوّل، لزم منه امتناع إثبات حكم الأصل في الأصل بطريق الأولى ضرورة كون مقصوده أدنى من مقصود حكم الفرع على ما وقع به الفرض.

و إن كان الثاني، لزم منه امتناع ثبوته في الفرع أيضا ضرورة انّ ما هو المانع من إثباته في الأصل من لوازم نفس ذلك الحكم.

و إن كان الثالث، فالأصل عدمه.

و فيه نظر، لما تقدّم من أنّ التعلّق حادث، لأنّه إضافة متأخّرة عن المتعلّق الحادث، فلا يكون جزءا من حكمه تعالى لقدمه عندهم.

[الأمر] الخامس: قال بعضهم: يجب أن يكون حصول العلّة في الفرع معلوما لا مظنونا.

و الباقون على خلافه، (1) لعموم‏ فَاعْتَبِرُوا (2)؛ و لأنّ القاضي يحدّ الزاني و السّارق عند الظهور له و يقضي بوجوبه مع عدم علمه بوجود الزنا، لأنّ الشهادة تثمر الظن لا العلم؛ و لأنّه قد حصل ظنّ التعليل بذلك الوصف و ظنّ وجوده في الفرع، فيحصل ظنّ أنّ الحكم في الفرع مثل الحكم في الأصل، فيجب العمل عليه.

[الأمر] السادس: قال أبو هاشم‏ (3): حكم الفرع يجب أن يكون منصوصا

____________

(1). و هو مذهب الرازي في المحصول: 2/ 431- 432.

(2). الحشر: 2.

(3). نقله عنه الرازي في المحصول: 2/ 432.

297

عليه إجمالا حتى يدلّ القياس على تفصيله، و الجدّ لو لا ورود الشرع بتوريثه جملة و إلّا لم يستعمل الصحابة القياس فيه مع الإخوة. و خالفه الباقون، لأنّ الأدلّة لا تقتضي ذلك.

[الامر] السابع: يشترط أن لا يكون الفرع منصوصا عليه‏

، و إلّا لثبت حكمه بالنصّ لا بالقياس، فإن وجد فيه نص جاز أن يستدلّ عليه بالقياس عند من جوّزه، لجواز ترادف الأدلّة على مدلول واحد. و منعه بعضهم، لأنّ معاذا إنّما عدل إلى الاجتهاد بعد فقد النص فلا يجوز استعماله مع وجوده. و لدلالة الدليل على بطلان العمل بالقياس، لإفادته الظنّ المنهي عن اتباعه ترك العمل به في غير المنصوص لحاجة، فيبقى المنصوص على الأصل.

و أجيب بدلالة قصة معاذ على جواز التمسّك بالقياس عند فقد النصّ، فأمّا عند وجود النصّ فلا دليل فيه على جوازه، و لا بطلانه.

و اعترض: بأنّ جواز القياس فيها معلّق بعدم وجدان النص بكلمة «ان»، و المعلّق بالشرط بكلمة «انّ» عدم عند عدمه.

و فيه نظر، لأنّ المعلّق ليس جواز القياس، بل فعل الاجتهاد، لأنّه قال:

فإن لم تجد قال: اجتهد رأيي، و هو يدلّ على أنّه إذا وجد لا يجتهد، أمّا بأنّه لا يجوز فلا.

298

البحث الرابع: في الأحكام المتعلّقة بالحكم‏

و فيه مطالب:

[المطلب‏] الأول: في القياس في العقليّات‏

ذهب أكثر المتكلّمين إلى صحّة القياس في العقليّات، و منه نوع يسمّى إلحاق الغائب بالشاهد. و لا بدّ فيه من جامع عقلي. (1)

أمّا العلّة، كقول الأشاعرة (2): العالمية شاهدا معلّلة بالعلم، فوجب في الغائب ذلك.

و أمّا الحدّ كما يقال: حد العالم شاهدا من له العلم، فيجب طرد الحد في الغائب.

و أمّا الشرط كما يقال: العلم مشروط بالحياة شاهدا، فكذا الغائب.

و أمّا الدليل كما يقال: التخصيص و الأحكام يدلّان شاهدا على الإرادة و العلم، فكذا في الغائب.

و أقواها العلّة، و يتوقّف القياس بها على مقدّمتين: التعليل بالعلّة، و وجودها في الفرع.

فإن حصل العلم بالمقدّمتين، حصل بثبوت الحكم في الفرع. و إن‏

____________

(1). في المحصول: 2/ 414 بزيادة العبارة التالية: و الجامع اربعة: العلّة، و الحدّ، و الشرط، و الدليل.

(2). و هو مذهب الرازي في المحصول: 2/ 414.

299

كانت إحداهما ظنية، كان الحكم فيه ظنيا. و إنّما قلنا بحصول العلم عند حصوله بالمقدّمتين؛ لأنّه إذا ثبت تأثير ذلك المعنى فإمّا أن يعتبر في المؤثر به حصوله في صورة الأصل، فيلزم إدخال قيد كون المعنى هناك في تمام العلّة، إذ مرادنا به كلّ ما لا بد منه في المؤثرية، و إمّا أن لا يعتبر فيلزم التعليل في الفرع و إلّا لكان في الأصل تمام العلّة و مستلزما للحكم و هو في الفرع تمام العلّة و ليس مستلزما فيكون ترجيحا من غير مرجّح، لعدم اختلافه في الصورتين لا باعتبار زوال شي‏ء كان، و لا باعتبار تحدد ما لم يكن، و لا فرق في العقليات و غيرها.

لا يقال: حاصله الاستدلال بحصول العلّة على حصول المعلول، و ليس ذلك بقياس.

لأنّا نقول‏ (1): بل هو القياس، فإنّا إذا رأينا الحكم في صورة ثمّ دلّ الدليل على أنّ المؤثر هو كذا و على حصوله في الفرع حصل علم ثبوته فيه.

نعم تعيّن المقدّمتين مشكل، لأنّ الحاصل في الفرع و إن كان مثل الحاصل في الأصل لكن لا بدّ من مغايرة تمايز و هوية و إلّا اتّحدا شخصا، فجاز أن يكون للتعيين مدخل في العلّية في الأصل أو في المانعية في الفرع.

و قد استدلّ المتكلّمون على تعيين العلّة بوجوه‏ (2):

الأوّل: التقسيم غير الحاصر تعويلا على أنّهم بحثوا فلم يجدوا قسما آخر، و هو دليل العدم، كالمبصر إذا لم يشاهد في الدار مطلوبه بعد النظر

____________

(1). ذكر الإشكال و الجواب عنه الرازي في المحصول: 2/ 415.

(2). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 416.

300

إلى جوانبها نهارا، فإنّه يقطع بعدمه. و هو ضعيف، إذ كثير من الموجودات غير معلوم لنا بعد الطلب و البحث، و القياس على البصر خال عن الجامع، و معه فهو إثبات القياس بنفسه.

الثاني: الدوران الخارجي. و قد تقدّم ضعفه.

الثالث: الدوران غير الخارجي، كقولهم: متى عرفنا كون التكليف أمرا بالمحال، عرفنا قبحه و إن جهلنا غيره. و متى لم نعرف كونه أمرا بالمحال لم يعرف قبحه و إن عرفنا جميع الصفات فقد دار العلم بقبحه مع العلم بكونه أمرا بالمحال في الذهن. و هذا الدّوران الذهني يفيد الجزم باستناد القبح إلى الأمر بالتكليف و هو يشتمل [على‏] أمرين:

أ. لمّا لزم من علم الأمر بالتكليف العلم بقبحه، لزم تعليل قبحه بكونه أمرا بالتكليف.

ب. لمّا لم يلزم من علم باقي صفاته العلم بقبحه لم يؤثر باقيها في القبح و لا بدّ من الدلالة عليهما، لأنّهما نظريان.

و ينتقض الأوّل بالمضافين‏ (1)، فإن علم أبوّة شخص يستلزم بنوة آخر، و بالعكس مع استحالة تعليل أحدهما بالآخر لوجوب مقارنتهما و تقدّم العلّة.

و أمّا الثاني. فلا يمكن القطع بأنّ معرفة سائر الصفات لا يحصل معها علم القبح إلّا بعد معرفة جميع الصفات، إذ لو جوّزنا وجود صفة لا نعرفها

____________

(1). في «د»: بالمضاف.

301

جوزنا وجوب العلم بالقبح عند العلم بها، و مع التجويز لا تتم المقدّمة.

سلّمنا عدم لزوم علم القبح من العلم بسائر الصفات فلم قلت: إنّه يدلّ على أنّ سائر الصفات ليست مؤثرة في القبح؟

و هاتان المقدّمتان أحدهما من الفلاسفة: فإنّ العلم بالعلّة علّة علم المعلول، و كلّ ما هو علّة للقبيح يلزم من العلم به العلم بالقبح.

و زعموا: أنّ اليقين بوجود المعلول إنّما يحصل من العلم بعلّته، فلمّا لزم علم القبح عند علم كونه أمرا بالتكليف [بالمحال‏]، علمنا أنّ علّة القبح ذلك. و هاتان المقدّمتان قد بيّنا ضعفهما في كتاب «النهاية».

المطلب الثاني: في القياس هل يجري في اللغة أم لا؟

قد سبق البحث في ذلك في أوّل الكتاب، و لمّا تعلّقت هذه المسألة بالقياس و أهملنا بعض الحجج من الجانبين أثبتناها هنا أيضا.

قال ابن جني في «الخصائص»: إنّه قول أكثر علماء العربية، كالمازني و أبي علي الفارسي.

و هو قول ابن سريج، و أنكره أكثر الشافعية و جمهور الحنفية. (1)

احتجّ الأوّلون بوجوه‏ (2):

الأوّل: عصير العنب لا يسمّى خمرا قبل الشدة، فإذا حصلت سمّي‏

____________

(1). نقله عنهم الرازي في المحصول: 2/ 418.

(2). و هي مذهب الرازي في المحصول: 2/ 418- 419.

302

به، فإذا تكرر ذلك حصل ظن انّ علّة ذلك الاسم هو الشدة؛ فإذا رأيناها حاصلة في النبيذ، حصل ظن ثبوت الاسم لظن وجود علّته؛ و إذا حصل ظن أنّه مسمّى بالخمر و علمنا أو ظننّا تحريم الخمر، حصل ظن أنّ النبيذ حرام و الظن حجّة، فوجب الحكم بحرمة النبيذ.

اعترض: بأنّ الدّوران يفيد ظن العلّيّة فيما يحتملها، و هنا لم يوجد الاحتمال لعدم المناسبة بين شي‏ء من الألفاظ و شي‏ء من المعاني، فاستحال أن يكون المعنى داعيا للواضع إلى التسمية.

سلّمنا ظنّ العلّيّة، لكن إنّما يلزم من وجودها في الفرع حصول الحكم فيه لو جعلها الشرع علة، فإنّه لو قال: «أعتقت غانما لسواده» لم يعتق سودان عبيده، لأنّ ما يجعله الإنسان علّة لحكم لا يجب أن يتفرّع عليه الحكم في صورة وجوده، فكذا هنا لا يلزم من كون الشدة علّة (للاسم حصوله في صورة وجود الشدّة) (1)، إلّا إذا عرف أنّ الواضع هو اللّه تعالى.

و أجيب عن: أ. أنّه لا يمكن جعل المعنى علّة للاسم إذا فسّرت العلّة بالداعي أو المؤثر، و يمكن لو فسّرت بالمعرف كما جعل [اللّه‏] الدلوك علّة لوجوب الصلاة، لا بمعنى أنّه مؤثر أو داع بل أنّه معرف.

و فيه نظر، لأنّ المعرّف إنّما يجب وجود المعرف معه لو استند التعريف إلى اللّه تعالى، أمّا إلى غيره فلا.

و عن ب. أنّ اللّغات توقيفية، و هو ممنوع لما تقدّم.

____________

(1). العبارة في المحصول: 2/ 419 كما يلي: لذلك الاسم حصول ذلك الاسم أينما حصلت الشدة.

303

الثاني: و هو اعتماد المازني و الفارسي أنّ أهل اللغة أجمعوا على رفع كلّ فاعل و نصب كلّ مفعول، و كذا وجوه الإعرابات، و لم يثبت إلّا قياسا، لأنّهم لما وصفوا بعض الفاعلين به و استمروا فيه، علم أنّه ارتفع لكونه فاعلا، و انتصب لكونه مفعولا.

و لا يعارضه وجود فاعل غير مرتفع و لا مفعول غير منتصب، لجواز تخلّف المعلول لمانع، و هو غير قادح في العلّيّة عند من جوّز تخصيصها، و من يمنعه يجعل القيد العدمي جزءا منها.

و فيه نظر، لأنّ التعميم ليس بالقياس، بل بالوضع كأسماء الأجناس.

الثالث: إجماع أهل العربية على رفع ما لم يسمّ فاعله لشبهه بالفاعل في إسناد الفعل إليه. و لم تزل النحاة من البصريين و الكوفيّين يعلّلون أحكام الإعراب بأنّ هذا يشبه ذاك في كذا، فيشبهه في الإعراب، و إجماعهم في اللغة حجّة.

و فيه نظر، فإنّ النحويّين لم يدّعوا التعليل في الموضع، بل ذكروا وجه الحكم. (1)

احتجّ الآخرون بوجوه‏ (2):

الأوّل: قوله تعالى: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها (3) دالّ على أنّ الأسماء بأسرها توقيفية، فلا يثبت شي‏ء منها بالقياس.

____________

(1). في «أ»: الحكمة.

(2). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 420.

(3). البقرة: 31.

304

الثاني: لو صرّح أهل اللغة و قالوا: «قيسوا» لم يجز القياس، كقوله:

«أعتقت غانما لسواده» ثمّ يقول: «قيسوا» فإنّه لا يجوز، فإذا لم يجز عند التصريح بالأمر بالقياس، فمنع الجواز مع أنّه لم ينقل عن أهل اللغة نص في ذلك أولى.

الثالث: القياس إنّما يجوز عند تعليل حكم الأصل المتوقّف على المناسبة، و هي منفية بين اللفظ و المعنى، و إذا امتنع التعليل امتنع القياس.

الرابع: وضع اللغة ينافي جواز القياس فإنّهم لم يطردوا الأسماء مع الاتّفاق فيما يظن علّة، فقد سمّوا الفرس الأسود أدهم و لم يسمّوا الحمار الأسود به، و سمّوا الفرس الأبيض أشهب دون الحمار الأبيض، و [سمّوا] صوت الفرس: «صهيلا» و صوت الحمار: «نهيقا» و صوت الكلب: «نباحا»، و القارورة سمّيت به للاستقرار، و هو (1) موجود في الحياض و الأنهار مع انتفاء التسمية، و الخمر سمّي باسمه لمخامرتها العقل، ثمّ المخامرة حاصلة في الأفيون و غيره مع انتفاء الاسم، و القطع في الأنف يسمى جدعا دون غيره.

اعترض‏ (2) على الأوّل. أنّه تعالى لم يبيّن أنّه علّم الكلّ توقيفا فجاز أن يكون البعض توقيفا و البعض الآخر تنبيها بالقياس، أو أنّ آدم علمها توقيفا و علمناها نحن قياسا كالقبلة قد تدرك حسا و اجتهادا.

____________

(1). أي ذلك المعنى الحاصل من التسمية.

(2). المعترض هو الرازي في المحصول: 2/ 421.