نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج4

- العلامة الحلي المزيد...
476 /
305

و فيه نظر، لأنّ المفهوم من التعليم التوقيف، و لهذا يقال: لم تعلّمني الجميع بل البعض و استنبطت منه الباقي، و علمنا نحن بالقياس إنّما يصحّ مع ثبوت المناسبة، و هي غير معقولة هنا، لأنّا لا نعلم الداعي إلى تخصيص الألفاظ ببعض المعاني و لم يضعوا علامة عليه ليقاس عليه مشاركة.

و على الثاني. بادّعاء تواتر النقل عن أهل اللغة بأنّهم جوّزوا القياس، فإنّ كتب النحو و التصريف و الاشتقاق مشحونة بالأقيسة، و أجمع العلماء على وجوب الأخذ بها، لعدم إمكان التفسير للقرآن و الأخبار إلّا بتلك القوانين.

و على الثالث. بأنّ العلّة هي المعرّف لا الداعي و لا المناسب، فلا يقدح عدم المناسبة فيه. و قد تقدّم ضعفه.

و على الرابع. أنّ هذه الصورة لا تقدح في العمل بالقياس كصور النظّام.

و التحقيق أنّ اسم الخمر مثلا إن جعلتموه موضوعا للنبيذ باعتبار أنّه صادق عند تحقّق الإسكار و كاذب عند عدمه، فيكون الإسكار علّة في الوضع، لم يجب التعدية لعدم وجوبها في المأخوذ من المعنى، كالقارورة و الدبران و غيرهما، فهذا أولى.

و إن قلتم: «إنّه موضوع للخمر، لأنّه وضع للإسكار» فهو باطل، لانتفاء الاشتراك و المجاز حينئذ.

و إن قلتم: «إنّه علامة» لم يجب الاطراد كما قلناه.

306

المطلب الثالث: في منع القياس في الأسباب‏

اختلف الناس في ذلك. فذهب أكثر الشافعية إلى جواز القياس في الأسباب، و منع منه أبو زيد (1) و الحنفية، و هو الحقّ. (2)

مثاله: إثبات كون اللواط سببا للحد بالقياس على الزنا؛ لأنّ قياس اللواط على الزنا في كونه موجبا للحد إن كان بقولنا: إنّ كون الزنا موجبا للحدّ، لأجل وصف مشترك بينه و بين اللواط، كان الموجب للحدّ هو ذلك المشترك، فيخرج وصفا الزنا و اللواط عن السببية، لأنّ الحكم لما استند إلى القدر المشترك استحال استناده إلى خصوصية كلّ واحد منهما. فإذن:

شرط القياس بقاء حكم الأصل، و القياس في الأسباب ينافي بقاء حكم الأصل، بخلاف القياس في الأحكام فإنّ ثبوت الحكم في الأصل لا ينافي التعليل بالمشترك. و إن كان لا بذلك بل قيل: إنّ كون الزنا موجبا للحد ليس لوصف مشترك بينه و بين اللواط، استحال قياس اللواط عليه، لانتفاء الجامع.

لا يقال: الجامع بين الوصفين لا يكون له تأثير في الحكم، بل تأثيره‏

____________

(1). هو أبو زيد عبد اللّه بن عمر بن عيسى الدبوسي، نسبته إلى دبوسية و هي مدينة بين بخاري و سمرقند؛ له مصنّفات منها: «تأسيس النظر- ط» فيما اختلف به الفقهاء أبو حنيفة و صاحباه و مالك و الشافعي، «الأسرار» في الأصول و الفروع، «تقويم الأدلّة» في الأصول، و غيرها. توفّي في بخارى سنة 430 ه عن عمر يناهز 63 سنة. الأعلام: 4/ 109.

(2). و هو مختار الرازي في المحصول: 2/ 421، المسألة الثالثة، و الآمدي في الإحكام: 4/ 67، المسألة الخامسة.

307

في علّيّة الوصفين، و الحكم إنّما يحصل من الوصف.

لأنّا نقول‏ (1): هذا باطل، لأنّ علّيّة العلّة صالحة لعلّية الحكم، فلا حاجة إلى الواسطة.

و أيضا الحكمة الّتي يكون الوصف سببا بها في الحكمة الّتي لأجلها يكون الحكم المرتّب على الوصف ثابتا، و حينئذ فقياس أحد الوصفين على الآخر في حكم السببية لا بد و أن يكون لاشتراكهما في حكمة الحكم بالسببية.

و تلك الحكمة إمّا أن تكون منضبطة بنفسها غير مضطربة، أو خفية غير منضبطة.

فإن كان الأوّل، فإمّا أن يقال: بأنّ الحكمة إذا كانت منضبطة صحّ التعليل بها، فتكون مستقلة بإثبات الحكم المرتّب على الوصف، و لا حاجة إلى الوصف المحكوم عليه بكونه سببا للاستغناء عنه؛ و إمّا أن لا يصحّ، فيمتنع التعليل و الجمع بين الأصل و الفرع بها.

و إن كانت خفية مضطربة؛ فإن كانت منضبطة بضابط لها، فهو السبب، و هو القدر المشترك بين الأصل و الفرع و لا حاجة إلى النظر إلى خصوص كلّ من الوصفين المحكوم على أحدهما بالأصالة، و على الآخر بالفرعية.

____________

(1). ذكر الإشكال و أجاب عنه الرازي في المحصول: 2/ 422.

308

و إن لم تكن منضبطة بضابط، فالجمع بها ممتنع لاحتمال التفاوت فيها بين الأصل و الفرع، لاختلاف الحكم باختلاف الصور و الأشخاص و الأزمان و الأحوال.

لا يقال: يجوز أن يكون الجامع هو الحكمة، و التفاوت و إن احتمل إلّا أنّ احتمال التساوي أرجح؛ لأنّ الحكمة يحتمل أن تكون في الفرع مساوية لما في الأصل، و أن تكون راجحة، و أن تكون مرجوحة. و المساواة ثابتة على الأوّلين و كونها مرجوحة ثابتة على الثالث، و وقوع احتمال من اثنين أغلب من احتمال واحد بعينه؛ ثمّ ينتقض بجعل القتل بالمثقل سببا لوجوب القصاص بالقياس على القتل بالمحدد، و جعل اللواط سببا للحد بالقياس على الزنا، و النية في الوضوء شرطا لصحّة الصلاة بالقياس على نية التيمّم.

لأنّا نقول: ما ذكروه من ظهور التساوي في الحكمة إن كان كافيا في الجمع، فليجمع بين الأصل و الفرع في الحكم المرتب على السبب، و لا حاجة إلى الجمع بالسبب؛ و إن لم يكن كافيا، فهو المطلوب.

و ما ذكروه من إلزامات، فلا وجه لها.

أمّا قياس المثقل على المحدد، فليس في السببية، بل في إيجاب القصاص بجامع القتل العمد العدوان، و هو السبب لا غير.

و أمّا قياس اللواط على الزنا، فإنّما كان ذلك في وجوب الحد بجامع‏

309

إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعا، محرما شرعا و ذلك هو السبب مع قطع النظر عن خصوصيتي الزنا و اللواط.

و أمّا قياس الوضوء على التيمم، فإنّما هو في اعتبار النية بجامع الطهارة المقصودة للصلاة، و ذلك هو السبب لا أنّ القياس في الاشتراط.

المطلب الرابع: في القياس هل يجري في الحدود و الكفّارات و الرخص و التقديرات أم لا؟

اختلف الناس في ذلك. فجوّزه الشافعي، و منعه الإمامية و الحنفية، و كذا منع الكرخي من قطع النبّاش بالقياس و من تعليل الكفّارات و إثبات كفّارة أخرى بقياس و سوى بين الكفّارات الجارية مجرى العقوبات و بين ما لا يجري مجراها و هو الحق لنا بعد ما تقدّم من بطلان القياس انّ القياس انّما يثمر الظن و تجويز خلافه شبهة فيدرأ به الحد لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ادرءوا الحدود بالشبهات».

و التقديرات كنصب الزكاة و أعداد الركعات و مواقيت الصلاة غير معقولة المعنى، و العقل قاصر عن إدراكها و لا يهتدي إليها، فلا يجري فيها القياس.

و الرخص منحة من اللّه تعالى فلا يعدى بها مواضعها.

و الكفّارات على خلاف الأصل لكونها منفية بالنّص النافي للضرر.

و أيضا الشرع أوجب القطع في السرقة و لم يوجبه بمكاتبة الكفّار مع‏

310

أولوية القطع فيه، و أوجب الكفّارة في الظهار لكونه منكرا و زورا و لم يوجبها في الردّة مع أنّها أشد، فحيث لم يجب ذلك فيما هو أولى علم امتناع القياس فيه.

اعترض‏ (1) على الأوّل. بأنّ الحكم المعدّى من الأصل إلى الفرع هو وجوب الحدّ و الكفّارة من حيث هو وجوب، و هو معقول.

و يمتنع احتمال الخطأ في القياس إذا قلنا: كلّ مجتهد مصيب.

سلّمنا احتمال الخطأ لكن نمنع كون ذلك شبهة مع الظن بجواز إثبات الحدود و الكفّارات بخبر الواحد مع احتمال الخطأ لما كان الظنّ فيه غالبا.

و على الثاني. بأنّ غايته منع الشرع من إجراء القياس في بعض صور وجوب الحد و الكفّارة، و هو غير دالّ على المنع مطلقا. و بالفرق بين السرقة و مكاتبة الكفّار، لأنّ داعية السرقة موجودة في الأراذل و هم الأكثر، فلو لا شرع القطع غلبت مفسدة السرقة بخلاف مكاتبة الكفار.

و الحاجة في شرع الكفّارة في الظهار أكثر منها في الردّة ترتّب شرع القتل عليها.

و في الأوّل نظر، لأنّا نسلم أنّ الوجوب معقول، لكن ترتيب ذلك الوجوب على بعض الأفعال أو قدر الواجب غير معقول، و هو المطلوب بالقياس.

____________

(1). المعترض هو الآمدي في الإحكام: 4/ 66.

311

و في الثاني نظر، لأنّا لمّا رأينا الشرع أهمل القياس فيها و خالف بين الصور المتماثلة و ماثل بين المختلفة و لم نجد في موضع شرعية القياس فيه، علمنا عدم جريانه.

احتج الآخرون بوجوه‏ (1):

الأوّل. عموم قوله تعالى: فَاعْتَبِرُوا.

الثاني. إطلاق قول معاذ: «أجتهد رأيي» مع أنّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) صوبه على إطلاقه.

الثالث. حصل ظنّ الحكم فيجب العمل به، لوجوب الاحتراز عن الضرر المظنون.

و قد تقدّم الجواب عن ذلك كلّه. و الشافعي ناقض الحنفية في مسائل: أمّا الحدود فقد كثرت أقيستهم فيها حتى تعدّوها إلى الاستحسان حيث زعموا في شهود الزنا أنّ المشهود عليه يجب رجمه بالاستحسان مع أنّه خلاف العقل، فالعمل بما يوافق العقل أولى.

و أمّا الكفّارة فقد قاسوا الإفطار بالأكل على الإفطار بالوقاع، و قاسوا قتل الصيد ناسيا على قتله عمدا مع تقييد النص بالعمد.

لا يقال: هذا ليس بقياس، بل هو الاستدلال على موضع الخلاف بحذف الفوارق الملغاة.

____________

(1). و هو مختار الرازي في المحصول: 2/ 424.

312

لأنّا نقول‏ (1): ما لم يبيّنوا تعليل حكم الأصل، و أنّ العلّة إمّا المشترك أو المميز، و أنّ الثاني لا يصلح للعلّيّة، فيجب الأوّل و هو يستلزم حصول الحكم في الفرع؛ لم يتم الاستدلال، و هو عين القياس، و استخراج العلّة بطريق السبر و التقسيم.

و قيل: إن إيجاب الكفّارة بالإفطار بالأكل و الشرب ليس بالقياس على الوقاع، لأنّ العلّة مومى إليها في قصة الأعرابي، و هي عموم الإفساد، فالحكم في الأكل و الشرب يكون ثابتا بالاستدلال لا بالقياس، لافتقار القياس إلى النظر إلى حكم الأصل، إذ هو أحد أركان القياس لضرورة اعتبار العلّة الجامعة، و العلّة إذا كانت منصوصة أو مومى إليها، فقد ثبت اعتبارها بالنص لا بحكم الأصل، و مهما كان الحكم في الأصل غير ملتفت إليه في اعتبار العلّة لاستقلال النص باعتبارها، فلا يكون حكم الفرع ثابتا بالقياس لافتقار العمل بالقياس إلى النظر إلى حكم الأصل، و لا نظر إليه هنا، بل غايته دلالة النص في الوقاع على الحكم و على العلّة، و الحكم في الفرع إذا ثبت بعلّة منصوصة لا يكون حكما بالقياس و لا بالنص، لعدم دلالة النص عليه و إن دلّ على العلّة. و لا إجماع لوقوع الخلاف، بل ثبوته بما يسمّى استدلالا.

و أمّا المقدرات فقد قاسوا فيها حتى ذهبوا إلى تقديراتهم في الدلو و البئر.

و أمّا الرخص فقد بالغوا في القياس فيها، فإنّ الاقتصار على الأحجار

____________

(1). ذكر الإشكال و أجاب عنه الرازي في المحصول: 2/ 425.

313

من أعظم الرخص، ثم حكموا بذلك في جميع النجاسات، سواء كانت نادرة أو معتادة و انتهوا فيها إلى نفي إيجاب استعمال الأحجار.

و قالوا العاصي بسفره يترخّص، فأثبتوا الرخصة بالقياس مع أنّ القياس ينفيها، فإنّ الرخصة إعانة، و المعصية لا تناسبها. (1)

المطلب الخامس: في النفي و الحكم القطعي هل يثبت بالقياس أم لا؟

اختلفوا في النفي الأصلي هل يمكن التوصّل إليه بالقياس أم لا؟ بعد اتّفاقهم على اكتفاء حكم العقل فيه بالاستصحاب.

و الوجه استعمال قياس الدلالة فيه لا العلّة، للاستدلال بعدم الأثر و الخواص على عدم العلّة و ذي الخاصة، و الانتفاء الأصلي حاصل قبل الشرع، فلا يعلّل بوصف يوجد بعد ذلك.

اعترض: بأنّ علّة الشرع إنّما هي بمعنى المعرّف، و يجوز تأخير الدليل عن مدلوله.

و هذا إنّما هو في العدم خاصة، أمّا الأعدام فهو حكم شرعي متجدّد فجاز جريان القياس فيه.

و أمّا ما طريقه العلم فقد اختلفوا في جواز استعمال القياس فيه.

و الضابط أنّه إن أمكن حصول اليقين بالعلّيّة و حصولها في الفرع حصل‏

____________

(1). راجع المحصول: 2/ 424- 426 المسألة السادسة؛ و الإحكام: 4/ 64- 67، المسألة الرابعة.

314

العلم القطعي بمساواة حكم الفرع حكم الأصل، و جاز التكليف الشرعي به، لكن الإشكال في تحصيل العلم بهما في الأحكام الشرعية.

فأمّا ما طريقه الظن، فالإجماع بين القائسين على جواز استعمال القياس فيه.

المطلب السادس: في أنّه هل يمكن إثبات أصول العبادات بالقياس؟

اختلف الناس في أنّه هل يمكن إثبات أصول العبادات بالقياس؟

أمّا الإمامية فالمنع منه عندهم ظاهر، و وافقهم على ذلك الجبائي و الكرخي، و بنى الكرخي عليه أنّه لا يجوز إثبات الصلاة بإيماء الحاجب بالقياس.

و يمكن حمل الخلاف على وجهين‏ (1):

الأوّل: أن يقال: لو شرعت الصلاة بإيماء الحاجب لبيّنه النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بيانا ظاهرا، و ينقله أهل التواتر إلينا حتى يصير معلوما لنا قطعا، فلمّا لم يكن كذلك علمنا بطلان القول بها.

و يبطل بالوتر عند الحنفية فإنّه واجب عندهم مع عدم القطع بوجوبه.

لا يقال: لو جوّزنا في ذلك عدم بلوغ التواتر فلعله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أوجب صوم شوال، و إن لم ينقل ذلك بالتواتر.

____________

(1). ذكرهما الرازي في المحصول: 2/ 423.

315

لأنّا نقول: المعتمد في هذه الإجماع.

الثاني: أن يقال: لا ندّعي العلم قطعا على تقدير المشروعية، لكن نمنع من استعمال القياس فيه.

و هو تحكّم محض، لأنّه إذا جاز الاكتفاء بالظن كفى القياس، مع الاستدلال بعموم‏ فَاعْتَبِرُوا، و هذا لا يلزم الإمامية بل الحنفية خاصة.

تتمة: تشتمل على مسائل:

[المسألة] الأولى:

قال أبو إسحاق الشيرازي: لا يجري القياس فيما طريقه العادة و الخلقة، كأقل الحيض و النفاس و الحمل و أكثرها، لعدم العلم بأسبابها و عدم ظنّها، فيجب الرجوع فيها إلى قول الشارع.

[المسألة] الثانية:

لا يجوز إثبات القياس بما لا يتعلّق به عمل كدخول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مكة بقتال أو صلح، أو قرانه و إفراده، فإنّ أمثال هذه تطلب لتعرف لا ليعمل بها، فلا يجوز الاكتفاء فيها بالظنّ.

[المسألة] الثالثة:

القياس الوارد بخلاف النصّ المتواتر مردود إن نسخه إجماعا، (1) و إن خصّصه بخلاف سبق في العموم‏ (2)، و بخلاف الآحاد (3) تقدّم حكمه.

____________

(1). ذكر الرازي العبارة في المحصول: 2/ 426 كما يلي: القياس إذا ورد بخلاف النصّ، فالنصّ إمّا أن يكون متواترا أو آحادا. فإن كان متواترا فالقياس إن نسخه كان مردودا.

(2). أي ذكرنا الخلاف فيه في باب العموم و الخصوص.

(3). أي إذا ورد القياس بخلاف الخبر الواحد.

316

[المسألة] الرابعة:

يجوز التعبّد بالنص في جميع الأحكام، و هو ظاهر، بل هو الواجب عند الإمامية، فإنّه تعالى نصّ على جميع الأحكام إجمالا و دخلت تفاصيلها فيها، كالنصّ على البيع فيندرج فيه كلّ بيع، و كذا النصّ على تحريم الربا فيندرج فيه كلّ ما صدق عليه اسم الربا و لا يجوز التعبّد بالقياس في كلّ الأحكام عند الأشاعرة، (1) لتوقّفه على ثبوت الحكم في الأصل، و أحكام الأصول شرعية عندهم إذ العقل إنّما يدلّ على البراءة الأصلية فما عداها لا يثبت إلّا بالشرع، فلو كانت تلك الأحكام مثبتة بالقياس، دار.

و أمّا المعتزلة فلمّا كان العقل لا يفي بإدراك جميع الأحكام و أنّه لا بدّ له من كاشف شرعي لا جرم امتنع ذلك عندهم أيضا.

[المسألة] الخامسة:

ذهب شاذ إلى جواز إجراء القياس في جميع الأحكام الشرعية، لأنّها من جنس واحد، و لهذا تدخل جميعها تحت حدّ واحد، و هو حدّ الحكم الشرعي و يشترك فيه، و قد جاز على بعضها أن يكون ثابتا بالقياس، و الجائز على بعض المتماثلات جائز على الجميع؛ و هو باطل، لأنّ جميع الأحكام الشرعية و إن دخلت تحت حدّ الحكم الشرعي، و كان الحكم الشرعي من حيث هو حكم شرعي جنسا لها غير أنّها متنوّعة مختلفة بأمور موجبة لتمايزها و اختلافها؛ فجاز استناد ما جاز عليها إلى ما به التعيين و الامتياز لا إلى المشترك.

____________

(1). المحصول: 2/ 426، المسألة العاشرة.

317

و قد بيّنّا عدم جواز إجرائه في الأسباب و الشروط مع أنّ وصف السببية و الشرطية عند الأشاعرة شرعي. (1) و لأنّ من المعاني ما ليس بمعقول المعنى، كضرب الدية على العاقلة و نحوه، و ما كان كذلك فإجراء القياس فيه متعذّر لتوقّفه على تعقّل علّة حكم الأصل و تعديتها إلى الفرع.

____________

(1). راجع الإحكام: 4/ 69- 70.

318

الفصل السابع: في الاعتراضات‏

و هي مع كثرتها ترجع إلى قسمين: المنع في المقدّمات، و المعارضة في الحكم بذكر دليل يدلّ على نقيض دعوى المستدل.

أمّا المناقشات الجدلية و المؤاخذات اللفظية فهي عن التحقيق بمعزل، و إنّما الّذي يبحث عنه في هذا الكتاب ما يكثر نظر المحقّقين فيه، و هو خمسة و عشرون اعتراضا (1):

[الاعتراض‏] الأوّل: الاستفسار

و هو السؤال عن معنى اللفظ و طلب شرح دلالته، و إنّما يحسن هذا النوع من الاعتراض إذا كان اللفظ مشتملا على إجمال بحيث يتردّد بين مجملين أو أزيد ترددا على السواء، أو على غرابة يحتاج السامع معها إلى الاستفسار ليحصل له الوقوف على المعنى و على السّائل بيان ذلك لصحّة سؤاله، لأنّ شرط قبول الاستفسار الإجمال أو الغرابة.

____________

(1). ذكرها الآمدي في الإحكام: 4/ 73- 122، الباب الخامس: في الاعتراضات الواردة على القياس.

319

لا يقال: ظهور الدليل شرط في صحّته، و إنّما يتمّ الظهور لو لم يكن اللفظ مجملا، فنفي الإجمال إذن شرط في الدليل، و بيان شرط الدليل على المستدلّ لا المعترض.

لأنّا نقول‏ (1): ظهور الدليل و إن كان متوقّفا على نفي الإجمال غير أنّ الأصل عدم الإجمال. و سؤال الاستفسار يستدعي الإجمال المخالف للأصل، فكان بيانه على المستفهم، و لو قال: إنّي لا أفهم منه شيئا فيكون مجملا أو غريبا؛ فإن كان اللفظ ظاهرا مشهورا عند أهل اللغة و الشرع، لم يسمع منه لانتسابه إلى العناد إذ الغالب عدم خفائه عليه. أمّا لو بين الإجمال أو الاشتراك صحّ السؤال و يكفي السائل بيان تردّد اللفظ بين احتمالين من غير احتياج إلى بيان التسوية بينهما، لأنّ الأصل عدم الترجيح، و لعسر قدرته على بيان التسوية و قدرة المستدلّ على الترجيح.

و لو قال المعترض: «اللفظ مستعمل في كلا المعنيين و التفاوت يستدعي ترجيحا بأمر، و الأصل عدمه» كفاه.

و جواب هذا السؤال في دفع الإجمال بجهة الغرابة، التفسيران عجز عن إبطال غرابته.

و في دفع الإجمال بجهة الاشتراك منع تعدّد محامل اللفظ ان أمكن.

أو بيان الظهور في مقصوده إمّا بالنقل عن أهل اللغة، أو الشرع، أو بيان أنّه مشهور فيه و الشهرة دليل الظهور، أو بقرائن معه، أو بتفسيره. و لو قال: يلزم‏

____________

(1). ذكر الإشكال و أجاب عنه الآمدي في الإحكام: 4/ 74.

320

ظهوره في أحدهما دفعا للإجمال، أو قال: يلزم ظهوره فيما قصدت لعدم ظهوره في الآخر اتّفاقا، فقد اختلف فيه فصوّبه بعض أهل النظر دون بعض، بناء على أنّ المجاز هل هو أولى من الاشتراك أو لا؟

الاعتراض الثاني: فساد الاعتبار

و يشبه أن يكون حاصله راجعا إلى المنازعة في الاحتجاج بجنس الدليل المذكور كما لو استدلّ المعلّل بالقياس على مانعة فيقول الخصم: ما ذكرته فاسد الاعتبار، أي انّك اعتبرت ما لا يصلح أن يكون دليلا و جعلته دليلا.

و حاصله: منع اعتبار ما ذكره من القياس في بناء الحكم عليه، لا لفساد في وضع القياس و تركيب مقدّماته. كما لو خالف القياس النص فإنّه فاسد الاعتبار لعدم صحّة الاحتجاج به مع النص المخالف له، و هذا أقرب في التمثيل من قياس الكافر على المسلم في صحّة الظهار، و قياس الصّبي على البالغ في إيجاب الزكاة من جهة ظهور الفرق بين الأصل و الفرع؛ و كذا كلّ قياس ظهر فيه الفارق، لأنّ كلّ قياس ثبت النص على خلافه كان باطلا.

و هذه الأمثلة ترجع إلى إبداء الفارق بين الأصل و الفرع، و هو سؤال مغاير لسؤال فساد الاعتبار، و سيأتي.

و جواب هذا السؤال من وجوه‏ (1):

أ. الطعن في سند النص إن أمكن.

____________

(1). ذكرها الآمدي في الإحكام: 4/ 76.

321

ب. منع الظهور، أي كون النص ظاهرا في مقصود السائل.

ج. التأويل.

د. القول بالموجب، و هو تسليم الدليل مع بقاء النزاع و من جملته حذف صغرى غير مشهورة.

ه. المعارضة بنص آخر مثله ليسلم القياس الأوّل.

و. أن يبيّن أنّ القياس من قبيل ما يجب ترجيحه على النصّ المعارض له ببعض وجوه الترجيحات.

مثاله: قول بعض الشافعية في مسألة تارك التسمية: «ذبح من أهله في محلّه» فيحل كناسي التسمية، فيعترض بقوله تعالى: وَ لا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ‏ (1). فيقول المستدلّ: إنّه مأوّل بذبح الكفّار بدليل جري ذكر اللّه على قلب المؤمن و إن لم يسمّ، أو بترجيح الفرع و هو المتذكّر على الأصل و هو الناسي، لأنّ المتذكّر أقرب إلى مقصود الذكر من الناسي، و ذبح الناسي مخصوص بالاتّفاق فذبح المتذكّر أولى. و مثال الجواب القول بالموجب: انّ اعتراض المعترض إنّما ممنوع بأن يقول: هذا ذبح لم يذكر اسم اللّه عليه، و ما لم يذكر اسم اللّه عليه لا يحل للآية، فلو لم يذكر المعترض الصغرى سلّم المستدلّ الآية و نازع في حصول المقصود؛ فإن أبدى المعترض فارقا بين الأصل و الفرع كان ذلك سؤالا آخر، و هو من قبيل المعارضة في الأصل و الفرع لا من فساد الاعتبار.

____________

(1). الأنعام: 121.

322

الاعتراض الثالث: فساد الوضع‏

و يشبه أن يكون حاصله يرجع إلى المنازعة دلالة الدليل في محلّ الاستدلال بعد الموافقة على كونه دليلا في جنسه، و قد ضرب له أمثلة ثلاثة (1):

الأوّل: دعوى وقوعه فيما لا يمكن تعليله، كما إذا استدلّ الشافعي في الحدود و الكفّارات على الحنفي فإنّ له أن يقول: القياس إنّما هو فرع تعقّل العلّة في الأصل، و حكم الأصل غير معقول.

الثاني: دعوى وقوعه في مقابلة النص فيكون باطلا، إذ الظن المستفاد من النصوص أكثر من الظن المستفاد من الأقيسة و لا وجه للاحتجاج به.

الثالث: دعوى إشعار الوصف بنقيض الحكم، كما لو قيل في مسألة النكاح بلفظ الهبة: ما ينعقد به غير النكاح لا ينعقد به النكاح كالإجارة. و في معنى هذا كلّ تعليل أوجب تلقّي التوسع من التضييق، و التخفيف من التغليظ، و الإثبات من النفي، و بالعكس بأن يقول ما ذكرته يشعر بنقيض حكمك، لأنّ انعقاد غير النكاح نقيض انعقاد النكاح به، لا عدم الانعقاد، فإنّ الاعتبار يقتضي الاعتبار لا عدمه.

و على هذا فكلّ فاسد الوضع فاسد الاعتبار، و ليس كلّ فاسد الاعتبار فاسد الوضع، لأنّ القياس قد يكون صحيح الوضع و إن كان اعتباره فاسدا

____________

(1). راجع الإحكام: 4/ 76- 77.

323

بالنظر إلى أمر خارج. و لهذا قدّم سؤال فساد الاعتبار على سؤال فساد الوضع، لأنّ النظر في الأعم يجب أن يتقدّم على النظر في الأخص، لاشتماله على ما اشتمل عليه الأعم و زيادة. و أقرب الأمثلة الثاني فإنّ حاصل الأوّل يرجع إلى المطالبة و منع التأثير، و حاصل الثالث يرجع إلى منع التأثير و المعارضة.

و الجواب عن النوع الأوّل ببيان كون القياس حجّة على وجه يعمّ محلّ الاستدلال و موضع معرفة ذلك لا يقال بالأصول.

و عن الثاني بالقدح فيما يدّعيه ظاهرا بطريق من الطرق المثبتة (1) أو لا، أو أن يبيّن رجحان ما التجأ إليه على ما ادّعى ظاهرا من كتاب أو سنّة إن أمكن ذلك.

و عن الثالث ببيان كونه مناسبا للحكم من جهة أخرى لكن لا يكفي الاقتصار على ذلك ما لم يقدح في مناسبة المعترض، أو أن يرجّح ما ذكره على ما ذكره المعترض.

هذا كلّه إذا كان ما أبداه المعترض من المناسب معتبرا، و إلّا فيكفي المستدلّ بيان المناسبة (2) و قران الحكم بها لا غير.

و إذا عرف ما قرر في فساد الوضع فلقائل أن يقول: اقتضاء الوصف لنقيض الحكم المرتّب عليه إن ادّعي أنّه مناسب لنقيض الحكم من الجهة

____________

(1). في «أ»: المبنية، «ب»: المنفية.

(2). في «د»: الملازمة.

324

الّتي تمسّك بها المستدلّ، لزم منه كون وصف المستدلّ غير مناسب لحكمه، ضرورة كون الوصف الواحد لا يناسب حكمين متقابلين من جهة واحدة، إلّا أنّه يرجع إلى القدح في المناسبة و عدم التأثير، لا انّه سؤال آخر و إن كان ذلك من جهة أخرى، لم يمتنع مناسبة وصف المستدل لحكمه من الجهة الّتي تمسّك بها.

ثم لا يخلو إمّا أن يكون جهة المناسبة لنقيض الحكم معتبرة في صورة، أو لا.

فإن لم يعتبر كان ما يبديه المستدلّ من جهة المناسبة كافية في دفع السؤال، ضرورة كونها معتبرة و مناسبة المعترض غير معتبرة؛ و إن كانت مناسبة المعترض معتبرة فإن أورد المعترض ما ذكره في معرض المعارضة قد انتقل عن سؤاله الأوّل إلى سؤال المعارضة، و وجب على المستدلّ الترجيح لما ذكره ضرورة التساوي في المناسبة و الاعتبار. و إن لم يورد ذلك في معرض المعارضة، و بقي مصرا على السؤال الأوّل فلا يحتاج المستدلّ إلى الترجيح لكونه خاصا بالمعارضة.

و قيل: فساد الوضع كون الجامع قد ثبت اعتباره بنص أو إجماع في نقيض الحكم. كقول الشافعي: مسح فيسن فيه التكرار، كالاستطابة فيرد أنّ المسح معتبر في كراهة التكرار على الخف. و جوابه ببيان المانع لتعرضه للتلف، و هو نقض إلّا انّه يثبت النقيض، فإن ذكره بأصله فهو القلب فإنّ بين مناسبة النقيض من غير أصل من الوجه المدعى فهو القدح في‏

325

المناسبة و من غيره لا يقدح لإمكان اشتمال الوصف على جهتين، ككون المحل المشتهى فإنّه يناسب الإباحة لإراحة الخاطر و التحريم لقطع أطماع النفس.

الاعتراض الرابع: منع حكم الأصل‏

و لمّا كان منع حكم الأصل من قبيل النظر في تفاصيل القياس تأخّر عمّا قبله من الأسئلة، لكونها نظرا في القياس من جهة الجملة لا التفصيل.

و النظر في الجملة مقدّم على النظر في التفصيل.

كقول الشافعي في إزالة النجاسة بالخل: مائع لا يرفع الحدث، فلا يزيل حكم النجاسة كالدهن. فيقول الحنفي: أمنع الحكم في الأصل، فإنّ الدهن عندي مزيل لحكم النجاسة.

و قد اختلف الفقهاء (1) في انقطاع المستدلّ إذا توجّه منع حكم الأصل عليه.

فقال قوم: إنّه يكون منقطعا، لأنّه أنشأ الكلام للدلالة على حكم الفرع لا على حكم الأصل؛ فاذا منع حكم الأصل، فإن لم يشرع في الدلالة عليه لم يتمّ مطلوبه، و هو انقطاع.

و إن شرع فقد ترك ما هو بصدده و عدل عمّا أنشأه من الدليل على حكم الفرع إلى الدلالة على حكم الأصل، و هذا معنى الانقطاع.

____________

(1). ذكر الأقوال الآمدي في الإحكام: 4/ 79- 80.

326

و قال قوم: لا يكون منقطعا، لأنّه إنّما أنشأ الدليل على حكم الفرع و لا يتمّ مقصوده إلّا بالدلالة على حكم الأصل، فكما يتوقّف دليله على وجود علّة الأصل في الأصل و على وجودها في الفرع و على وصف العلّيّة، فكذا يتوقّف على إثبات حكم الأصل، لأنّه أحد أركان القياس، و كما لا يمنع أحد من تقرير القياس عند منع وجود علّة الأصل و منع كونها علّة فيه، و منع وجودها في الفرع بإثبات مطلوبه و الاستدلال على ما منع في ذلك، فكذا يجب أن لا يمنع هنا من الاستدلال على الحكم، لتساوي الكلّ في افتقار القياس إليه.

و قال آخرون: إن كان المنع خفيا بحيث يخفى على أكثر الفقهاء لم يكن منقطعا لظهور عذره بخفائه، و إن كان ظاهرا فهو منقطع. و اختاره أبو إسحاق الإسفرائني.

و قال قوم: يتبع في ذلك عرف كلّ مكان وقع البحث فيه و مصطلح أهله في ذلك. و هو اختيار الغزالي.

و قال آخرون: إن لم يكن له مدرك غيره جاز القياس، لئلّا تبطل الفائدة المطلوبة مخافة التطويل، و هو ممتنع؛ و إن كان له مدرك غيره، فإن كان المنع خفيا جاز و إلّا فلا، لما فيه من ارتكاب المحذور مع إمكان التوصل إلى المطلوب دونه.

و قال قوم: لا يعدّ منقطعا إذا دلّ على موقع المنع.

و قال أبو إسحاق الشيرازي: هذا المنع لا يسمعه المستدلّ، بل يقول:

327

إنّما قست على أصلي، و لا تجب الدلالة عليه و هو بعيد؛ فإنّ الحجّة إن قصد المستدلّ إثباتها لنفسه، فلا وجه للمناظرة؛ و إن قصد إثباتها على الخصم لم يستقم، إذ لا يقوم على الخصم مع منع الأصل، و إنّما يتصوّر الاستغناء عن الدلالة على حكم الأصل إذا كان اللفظ الدالّ على الأصل عامّا، و هو إمّا ممنوع أو غيره كالدّهن، فإنّه و إن منع الحكم في الطاهر منه، فهو غير ممنوع في الدهن النجس.

و عند ذلك فله أن يقول: إنّما قست على الدّهن النجس دون الطاهر؛ و إن كان قياسي عليهما، فغايته القياس على أصلين و قد بطل التمسّك بأحدهما، فيبقى التمسّك بالآخر. و إذا ذكر الدليل على موقع المنع.

قال قوم: يكون المعترض منقطعا ليبيّن فساد المنع و تعذر الاعتراض منه على دليل المستدلّ لإفضائه إلى التطويل فيما هو خارج عن المقصود الأصلي في أوّل النظر.

و منهم من قال: لا يعد منقطعا، و لا يمنع من الاعتراض على دليل المنع، و لا يكتفي من المستدلّ بما يدّعيه دليلا، و إلّا لما كان لقبول المنع معنى، بل الانقطاع إنّما يتحقّق في حقّ كلّ منهما لعجزه عن إثبات ما يروم إثباته أو نفي ما يروم نفيه.

و إذا ثبت المستدلّ حكم الأصل؛ فإن كان بنصّ، فشرطه أن لا يتناول حكم الفرع، كما لو قال: الأرز مطعوم فيجري فيه الربا كالذرة، و دلّ على ثبوت الحكم في الذرة بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لا تتبعوا الطعام بالطعام، لأنّه‏

328

قياس المنصوص على المنصوص، و لا وجه له.

و كذا إن أثبته بالإجماع. و إن كان طلب إثباته بالقياس قال قوم: لم يكن له ذلك، لأنّ الجمع في‏ (1) الحالتين إن كان الجامع متحد فلنقس على المتفق عليه من غير توسط المختلف فيه، إذ التطويل لغير فائدة عبث؛ و إن اختلف انقطع الإلحاق، إذ ليس من ضرورة تسليم الحكم في صورة وجد فيها علّة الأصل تسليمه فيما لم يوجد فيه.

الاعتراض الخامس: التقسيم‏

و هو في عرف الفقهاء عبارة عن ترديد اللفظ بين محامل أحدها ممنوع، و الآخر مسلّم؛ غير أنّ المطالبة متوجهة ببناء الغرض عليه إذ لو لم يكن يتردّد بين احتمالين لم يكن للترديد معنى، بل كان يجب حمل اللفظ على ما هو دليل عليه. و لا بدّ من تساويهما، إذ لو كان ظاهرا في أحدهما لم يكن للتقسيم وجه، بل كان يجب تنزيل اللفظ على ما هو ظاهر فيه، سواء كان ممنوعا أو مسلما.

مثاله قولهم: في تيمم الحاضر الصحيح وجد سبب التيمم بسبب تعذّر الماء، فساغ التيمم. فيقول المعترض: السبب تعذّر الماء مطلقا، أو تعذّر الماء في السفر، أو المرض. الأوّل ممنوع.

و كما لو قال المستدل في البيع بشرط الخيار، وجد سبب ثبوت‏

____________

(1). في «د»: بين.

329

الملك للمشتري، فوجب أن يثبت الملك و بين وجود السبب بالبيع الصادر من الأهل في المحلّ. فيقول المعترض: السبب هو مطلق البيع أو البيع المطلق الذي لا شرط فيه. الأوّل ممنوع، و الثاني مسلّم فلم قلتم بوجوده.

قيل: التقسيم و إن كان من شرطه تردّد اللفظ بين المحملين على السواء، فليس من شرطه كون أحدهما ممنوعا، و الآخر مسلما، بل قد يسلم كلا الاحتمالين بشرط اختلافهما باعتبار ما يرد على كلّ منهما من الاعتراضات، إذ مع اتّحادهما فيما يرد عليهما من الاعتراضات مع تساويهما في التسليم لم يبق للتسليم معنى، بل كان يجب تسليم المدلول و إيراد ما يختصّ به، و لو اشتركا في المنع انتفت فائدة التقسيم إجماعا. و لا يكلّف المعترض بيان تساوي الاحتمالين في دلالة اللفظ عليهما مفصّلا، و يكتفي في تصحيح التقسيم ببيان إطلاق اللفظ بإزائهما، لعسر الأوّل، فإنّ كلّ وجه يبيّن التساوي فيه للمستدلّ المطالبة بعدم التفاوت من وجه آخر و لو كلّف البيان الإجمالي في التساوي، فلا عسر بأن يقول: التفاوت يستدعي رجحان أحدهما، و الأصل عدمه.

و لو ذكر المعترض احتمالين لا دلالة للفظ المستدلّ عليهما و أورد الاعتراض عليهما، كما لو قال في تيمم الصحيح الحاضر: وجد السبب بتعذر الماء فساغ التيمم فيقول: السبب تعذّر الماء أو تعذّره في السفر أو المرض. الأوّل ممنوع، و الثاني مسلّم. و حاصله: منع وجود العلّة في الأصل لكنّه سمّي تقسيما لأنّه بعد تقسيم.

330

و لو ذكر المعترض احتمالين لا دلالة للفظ المستدل عليهما و أورد الاعتراض عليهما، كما لو قال المستدلّ في مسألة الملتجئ: وجد سبب استيفاء القصاص، فيجب استيفاؤه. و يبيّن وجود السبب بالقتل العمد العدوان، فيقول المعترض: متى يمكن القول بالاستيفاء مع وجود المانع و هو الالتجاء إلى الحرم، أو مع عدمه؟ الأوّل ممنوع، و الثاني مسلّم؛ لكن لم قلت: إنّه لم يوجد، و بيان وجوده أنّ الحرم مانع، و بينه بطريقة لم يخل إمّا أن يورد ذلك بناء على تردّد اللفظ المستدلّ بين الاحتمالين المذكورين، أو على دعواه التلازم بين الحكم و دليله.

و الأوّل باطل، لعدم تردّد لفظ السبب بين ما ذكر من الاحتمالين.

و إن كان الثاني فإن اقتصر على المطالبة ببيان انتفاء المانع فهو غير مقبول، لما تقرر في من حط مئونة ذلك عن المناظر في الموانع و المعارضات المختلف فيها، و إن أضاف إلى ذلك الدلالة على وجود المعارض، رجع حاصل السؤال إلى المعارضة، و لا حاجة إلى التقسيم.

و اعلم أنّ بعضهم منع من اتّجاه هذا السؤال، لأنّ الاحتمالات إن تساوت كفى سؤال الاستفسار عنه، و إن كان اللفظ في البعض أظهر منه في الآخر فلا وجه للتقسيم، لما فيه من ترك ظاهر كلام المستدلّ، بل الواجب أن يمنع ما هو الظاهر من كلامه إن كان ممنوعا، و إلّا فلا. و إن أبدى المعترض في تقسيم ما لا مدخل له تحت كلام المستدلّ و بنى كلامه عليه، كان ذلك عدولا عن كلام المستدلّ إلى غيره، و لا وجه لإيراده في التقسيم،

331

بل حاصله يرجع إلى المعارضة و الوجه سماعه على التقدير الأوّل.

و جوابه من وجوه‏ (1):

الأوّل: أن يعيّن المستدلّ بعض محامل لفظه و يبيّن وضع اللفظ بإزائه حقيقة لغة إمّا بالنقل اللغوي أو الشرعي أو العرفي، أو ببيان كونه مشهورا فيكون حقيقة، لأنّه الغالب. و حينئذ يبطل التقسيم، لأنّ شرطه التساوي في الدلالة و قد فات.

الثاني: أن يقول: إنّه و إن لم يكن ظاهرا بحكم الوضع فيما عيّنه من الاحتمال غير أنّه ظاهر بعرف الاستعمال، كلفظ الغائط و نحوه.

الثالث: أنّه و إن لم يكن ظاهرا بالأمرين، إلّا أنّه ظاهر في عرف الشرع كالصلاة.

الرابع: أنّه و إن تعذر ظهوره بأحد الاعتبارات المذكورة، لكنّه ظاهر بحكم القرائن المساعدة له في كلّ مسألة.

الخامس: أنّه و إن تعذّر بيان كونه ظاهرا بالطريق المفصّل من هذه الطرق، فله دفع التقسيم بوجه إجمالي، و هو أنّ الإجمال على خلاف الأصل فيجب اعتقاد ظهور اللفظ في بعض احتمالاته ضرورة نفي الإجمال عن اللفظ. ثمّ يثبت كونه ظاهرا فيما عيّنه بهذا الطريق الإجمالي، و هو أن يقول: إذا ثبت أنّه لا بدّ من ظهوره في بعض المحامل نفيا للإجمال، وجب اعتقاد ظهوره فيما عيّنه المستدلّ، ضرورة الاتّفاق على عدم ظهوره فيما

____________

(1). ذكرها الآمدي في الإحكام: 4/ 83.

332

عداه؛ أمّا عند المعترض، فلادّعائه الإجمال؛ و أمّا عند المستدلّ، فلادّعائه ظهوره فيما ادّعاه خاصة.

السادس: أن يبيّن أنّ اللفظ له احتمال آخر غير ما تعرّض له المعترض بالمنع و التسليم، و أنّه المراد فيندفع التقسيم إلّا أن يكون المعترض قد احترز عن ذلك بأن عين مجملا، و قال: إن أردت هذا فمسلّم، و إن أردت غيره فممنوع.

و إن أراد المستدلّ العدول إلى الفقه فإن كان قادرا على تنزيل كلامه على أحد القسمين: المسلّم و الممنوع، فالأولى في الاصطلاح الصناعي تنزيله على المسلّم دون الممنوع، و إن جمع بينهما فهو جائز شرعا لكنّه تطويل؛ و إن لم يمكنه تنزيل كلامه على غير الممنوع، فلا محيص له عنه و كان منقطعا.

و موقع سؤال التقسيم بعد منع حكم الأصل لكونه متعلّقا بالوصف المتفرع عن حكم الأصل، و أن يكون مقدّما على منع وجود الوصف لدلالة منع الوجود على تعيين الوصف و التقسيم على الترديد.

و أن يكون مقدّما على سؤال المطالبة بتأثير الوصف المدعى عليه، لكونه مشعرا بترديد لفظ المستدل بين أمرين. و المطالبة بتأثير الوصف مشعرة بتسليم كونه مدلولا للفظ لا غير ضرورة تخصيصه بالكلام عليه، و إلّا كان التخصيص به غير مفيد، و إيراد ما يشعر بالترديد بعد ما يشعر بتسليم اتّحاد المدلول يكون متناقضا.

333

الاعتراض السادس: منع وجود العلّة في الأصل‏

و لكون النظر في علّة الأصل متفرعا عن حكم الأصل، وجب تأخيره عن النظر في حكم الأصل، و عن التقسيم.

و مثاله: قول الشافعي في مسألة جلد الكلب: حيوان يغسل الإناء من ولوغه سبعا فلا يطهر جلده بالدباغ كالخنزير. فيقول الخصم: يمنع وجوب الغسل سبعا من ولوغ الخنزير.

و جوابه يذكر ما يدلّ على وجوده من عقل أو حسّ أو شرع، على حسب حال الوصف في كلّ مسألة، أو أن يفسر لفظه بما لا يمكن الخصم منعه و إن كان احتمال اللفظ له بعيدا، كما لو قال في المثال: أعني به ما إذا لم يغلب على ظنه الطهارة.

و إن فسّر لفظه بما له وجود في الأصل، غير أنّ اللفظ لا يحتمله، فقد اختلفوا في قبوله، فردّه جماعة و قبله بعض المتأخّرين. و الأوّل أقرب، لأنّ قصد الوضع تحصيل المعنى من اللفظ و تعريف الغير ما في الضمير و انّما يتم مع ضبط الوضع، فلو قبل من كلّ أحد تفسير كلامه بما لا يحتمله لغة عند عجزه في المناظرة، أدّى ذلك إلى اضطراب اللغة و إبطال فائدة وضعها.

334

الاعتراض السابع: منع علّيّة الوصف المذكور

و يلقّب بسؤال المطالبة و يسأل عنه بلم و الحاجة داعية إليه، إذ هو أعظم مقاصد النظر و أعظم الأسئلة الواردة على القياس، لعموم وروده على كلّ وصف يدّعى كونه علّة، و تشعب مسالكه، و اتّساع طرق إثباته.

و قد اختلفوا في قبوله، و الوجه قبوله، لأنّ ما يدّعى كونه علّة إمّا أن يكون معتقدا له أو ليس. فإن لم يكن معتقدا له، امتنع صحّة الإلحاق به؛ و إن كان معتقدا استحال أن يكون بمجرد التحكم، فلا بدّ له من دليل، فيجب إظهاره تحصيلا للفائدة و الانقياد إليه. و لا يمكن الالتجاء إلى كون الحكم ثابتا على وفقه، لأنّ الجامع في الأصل يجب أن يكون بمعنى الباعث، و الوصف الطردي لا يصحّ أن يكون باعثا فيمتنع التمسّك به في القياس، فلو لم يقبل منع تأثير الوصف و المطالبة بتأثيره أفضى [ذلك‏] إلى التمسّك بالأوصاف الطردية لعلمه بامتناع مطالبته بالتأثير و لا يخفى وجه بطلانه.

و قد احتجّ الرادّون له بوجوه‏ (1):

الأوّل: لو قبل هذا السؤال لزم التسلسل، إذ ما من دليل ينصب عليه و يذكره المستدلّ على كون الوصف علّة، إلّا و قد يتوجّه للمعترض أن يقول: لم قلت إنّه دليل.

الثاني: المستدلّ قد أتى بدليل الواجب عليه و هو القياس الّذي هو

____________

(1). ذكرها الآمدي مع الإجابة عنها في الإحكام: 4/ 87- 88.

335

عبارة عن رد الفرع إلى الأصل بجامع، فيخرج عن وظيفته، إذ الأصل انّ كلّ وصف ثبت الحكم عقيبه أن يكون علّة، إلّا أن يتبين فساده.

الثالث: أن يقول: ما وقفت عليه بعد البحث و السبر ليس إلّا هذا، فإن كان معك شي‏ء غيره فاذكره، و إلّا فيجب أن يعترض على ما أبديته أو يعترف بما قلته.

الرابع: أن يقول: يلزمك الاعتراض على ما أبديته، و إلّا فعجزك دليل صحّته. و استدلّ بكون المعجزة دليل صدق الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و ليس ذلك إلّا لعجز الناس عن الاعتراض عليها؛ و إذا كان ذلك دليل صدق الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مع أنّه من أعظم أصول الدين، فليس يثبت به كون ما نحن فيه دليلا بطريق الأولى.

الخامس: الأصل أن كلّ ما ثبت الحكم عقيبه في الأصل أن يكون علّة، فمن ادّعى أنّ الوصف الجامع ليس بعلة فعليه الدليل.

السادس: قولهم: حاصل هذا السؤال يرجع إلى المنازعة في علّة الأصل، و يجب أن يكون متنازعا فيها ليتصوّر الخلاف في الفرع.

السابع: حاصل القياس يرجع إلى تشبيه الفرع بالأصل، و الشبه حجّة، و قد تحقّق ذلك بما ذكر من الوصف الجامع، فلا حاجة إلى إبداء غيره.

الثامن: قولهم: هذا الوصف مطرد لم يتخلّف حكمه عنه في صورة، فكان صحيحا.

و الجواب عن الأوّل: بمنع التسلسل، فإنّه لو ذكر ما يفيد أدنى ظن‏

336

بالتعليل كفاه و لا يسمع بعد ذلك مطالبة أصلا، لأنّه يكون عنادا، لأنّ المطالبة بعلّية ما غلب على الظن كونه علّة بعد ذلك عناد محض، فيكون مردودا إجماعا. كيف و انّ هذا يوجب أن لا يقبل ما أتى به المستدلّ أيضا، فإنّ الفرق بينهما ممّا لا حاصل له.

و عن الثاني: بمنع تحقّق القياس بجامع لا يغلب على الظن كونه علّة.

و عن الثالث: بأنّ البحث مع عدم الاطّلاع على ما عدا الوصف المذكور استدلالا على تصحيح العلّة بالسبر و هو من الطرق المثبتة لها على ما تقدّم، و في ذلك قبول المطالبة و الجواب عنها و ليس برد لها في نفسها.

و عن الرابع: انّه لو كان عجز المعترض عن الاعتراض دليل صحة العلّة، لكان عجز المستدلّ عن تصحيح العلّة دليل فسادها، و لا أولوية؛ و لأنّه لو جاز أن يثبت كون الوصف علّة بعجز المعترض عن الاعتراض، لوجب أن يثبت الحكم المتنازع فيه بعجز المعترض عن الاعتراض على إبطال ما ادّعى من الحكم في الفتوى، و لم يقل به أحد؛ و الفرق بين العجز و ما نحن فيه ظاهر، فإنّ العلم الضروري حاصل في المعجزة باستنادها إلى غير قوة البشر.

و عن الخامس: بمنع أصالة علّيّة كلّ ما يثبت الحكم معه من الأوصاف.

و عن السادس: أنّ علّة الأصل و إن كان متنازعا فيها، فلا بدّ من دليل ظنيّ يدلّ على كونها علّة كما في الحكم المختلف فيه.

337

و عن السابع: أنّ إثبات الحكم في الفرع متوقّف على ظن إثباته، و لا نسلّم أنّ مطلق المشابهة بين الأصل و الفرع في مطلق وصف مفيد للظن.

و عن الثامن: بما تقدّم من إبطال التعليل بالوصف الطردي.

الاعتراض الثامن: القدح في مناسبة الوصف المعلّل به‏

بما يلزم من ترتيب الحكم على وفقه لتحصيل المصلحة المطلوبة منه وجود مفسدة مساوية لها، أو راجحة عليها، و قد سبق وجه الاختلاف فيه و بيان إبطاله، إلّا أن يبيّن ترجيح المصلحة على المفسدة بطريق إجمالي أو تفصيلي.

الاعتراض التاسع: القدح في صلاحية إفضاء الحكم إلى ما علّل به من المقصود

كما لو علّل حرمة المصاهرة على التأبيد في حق المحارم بالحاجة إلى ارتفاع الحجاب المؤدّي إلى الفجور، فإذا تأبّد انسدّ باب الطمع المفضي إلى مقدّمات الهم و النظر المفضية إلى ذلك. فيقول المعترض: بل سدّ باب النكاح أفضى إلى الفجور و النفس مائلة إلى ما منعت عنه.

و الجواب‏ (1): أنّ الحرمة المؤبدة ممّا يمنع من النظر إلى المرأة بشهوة عادة، و الامتناع العادي على مر الزمان يصير كالامتناع الطبيعي، و به يتحقّق انسداد باب الفجور، كالأمّهات.

____________

(1). ذكره الآمدي في الإحكام: 4/ 91.

338

الاعتراض العاشر: كون الوصف باطنا خفيّا

كالرضا و القصد لو علل بهما، فإنّهما من الأوصاف الباطنة الخفية الّتي لا يطّلع عليها بأنفسها و الحكم الشرعي خفي، فلا يعرّف بالخفي.

و جوابه‏ (1) بضبط الرضا بما يدلّ عليه من الصبغ‏ (2) الظاهرة، و ضبط القصد بما يدلّ عليه من الأفعال الظاهرة. و كلّ ذلك معلوم في المسائل الخلافية.

الاعتراض الحادي عشر: كون الوصف مضطربا غير منضبط

كالتعليل بالحكم و المقاصد، مثل التعليل بالجرح و المشقّة و الزجر و الردع. فإنّ هذه الأوصاف ممّا تضطرب و تختلف باختلاف الأشخاص و الأزمان و الأحوال و عادة الشرع في مثل هذه رد الناس إلى المظان الظاهرة الجلية، دفعا للمشقة و العسر في البحث عنها، و منعا عن الاضطراب في الأحكام عند اختلاف الصور بسبب الاختلاف في هذه الأوصاف بالزيادة و النقصان.

و جوابه‏ (3): إمّا ببيان انضباط ما علل به بنفسه أو بضابطه، كالسفر الّذي هو ضابط للحرج و المشقّة.

____________

(1). ذكره الآمدي في الإحكام: 4/ 92.

(2). في «أ» و «ج»: الصنع، و في «د»: الصيغ.

(3). ذكره الآمدي في الإحكام: 4/ 92.

339

الاعتراض الثاني عشر: المعارضة في الأصل بأمر آخر غير ما علّل به المستدلّ‏

و حاصله راجع إلى إبداء وصف في الأصل وراء ما ذكره المستدلّ يصلح أن يكون علّة، كمعارضة من علّل تحريم ربا الفضل في البر بالطعم بالكيل أو القوت؛ أو أن يكون جزءا من العلّة، كمعارضة من علّل وجوب القصاص في القتل بالمثقل بالقتل العمد العدوان بالجارح في الأصل و نحوه.

و قد اختلف الجدليون فيه: فقبله قوم، و منعه آخرون.

و احتج المانعون‏ (1) بأنّا لو قدرنا انفراد ما ذكره المستدلّ كان علّة، و ليس ذلك إلّا لصلاحية التعليل لا لعدم المعارض؛ فإنّ العدم لا يكون علّة، و لا جزءا منها، فإذا وجد المعارض فالصلاحية باقية بحالها لم ينجزم‏ (2)، فالتعليل به بعد وجود المعارض أيضا شائع، أقصى ما في الباب أنّه قد وجد أمر آخر صالح للتعليل، و لا امتناع من ازدحام علّتين على حكم واحد. و لأنّه لا معنى للعلّة إلّا ما ثبت الحكم عقيبها، و هذا المعنى موجود في الوصفين فكان كلّ منهما علّة.

و احتجّ من قبله بأنّه متى ظهر في الأصل ما يصلح للتعليل وراء ما

____________

(1). راجع الإحكام: 4/ 97، الاعتراض الخامس عشر.

(2). في «أ»: تنخرم.

340

ذكره المستدلّ فالاحتمال دائر بين أمور أربعة: بين أن يكون الحكم مضافا إليهما معا؛ أو إلى واحد منهما معين أو مبهم على وجه لو تعيّن أحدهما امتنع التعليل بالآخر؛ أو إلى كلّ واحد منهما، فإن كان مضافا إليهما امتنع الإلحاق، و إن كان معينا لزم الترجيح من غير مرجّح، و إن كان مبهما امتنع الإلحاق أيضا، إذ ليس اعتبار ما عيّنه المستدلّ على وجه يمتنع معه التمسّك بما عيّنه المعترض بأولى من العكس، فيتقابل الجانبان، و لا يمكن التعليل بكلّ منهما، لاستحالة تعدّد العلل.

و هل يجب على المعترض أن يبيّن في الفرع نقيض ما عارض به في الأصل و يردّه إلى الأصل، كما لو قال في البيع الفاسد مثلا: إنّه عقد معاوضة فيستوي بين صحيحه و فاسده كالكتابة؟ فقال المعترض: السبب في الأصل إنّما هو العتق، و ذلك ممّا ندب الشارع إلى تحصيله بأبلغ الطرق، بخلاف البيع فإنّه عقد تمليك فأشبه النكاح، فقد اختلفوا فيه:

فقال قوم: لا يجب عليه ذلك، فإنّه إن كان موجودا في الفرع فيفتقر المستدلّ إلى بيان وجوده فيه ليصح الإلحاق، و إن لم يبيّن ذلك انقطع الجمع.

و منهم من قال: لا بدّ له من نفيه عن الفرع، لأنّ مقصوده الفرق، و ذلك لا يتمّ دون نفيه عن الفرع.

و قيل بالتفصيل:

فإن المعترض إن قصد الفرق، فلا بدّ له من نفيه؛ و إن لم يقصد الفرق‏

341

بل إبطال التعليل بما عيّنه المعارض، لم يجب. و المختار أنّ له المعارضة في الأصل بأمر وراء ما ذكره المستدل.

و إن قدر كونه موجودا في الفرع، فإنّه إن كان صالحا للتعليل أو لدخوله فيه، فالمستدلّ لا يمكنه عدم إدراجه في التعليل مع صلاحيته، و إن أدرجه كان منقطعا حيث بيّنّا أنّ ما استند إليه أوّلا لم يكن هو المدرك بل غيره أو بعضه. هذا إن كان المقصود ليس هو قطع الإلحاق فقط بل التكسّب و بيان وجه الانقطاع، و أمّا إن كان المقصود بالمعارضة ليس إلّا قطع الإلحاق فقط، فلا بدّ من بيان انتفائه عن محلّ الاستدلال إمّا بطريق إجمالي أو تفصيلي و لا يفتقر إلى بيان كون نقيض الوصف في الفرع معتبرا، إذ القطع متحقّق دونه، اللّهم إلّا أن يقصد به المعارضة في الأصل و بنقيضه المعارضة في الفرع فإنّه حينئذ يجب أن يكون معتبرا.

هذا كلّه إذا كان المقيس عليه أصلا واحدا.

و إن تعدّد فقد منع قوم منه لإفضائه إلى النشر مع إمكان حصول المقصود بالواحد منها.

و منهم: من جوزه، لأنّه أقوى في إفادة الظن. و هو ضعيف، إذ ليس غرض المستدلّ من الدلالة تسهيل الكلام على المعترض، بل إفحامه و سدّ باب الكلام عليه و الاحتراز عنه على وجه يمنعه عن الوصول إليه، و هو مقصود عند أهل الجدل و الوجه المنع من ذلك لحصول المقصود بالاقتصار على الواحد منها، و الجمع و إن كان أغلب على الظن و أبلغ في‏

342

التحصيل، لكنّه تكلّف بما ليس بمطلوب، إذ المطلوب منه إنّما هو ما يحصل أصل الظن لا ما هو أغلب، و إلّا لم يتمّ للمستدلّ مطلوبه ضرورة أنّ فوق كلّ ظن ظنا أغلب.

و على القول بجواز القياس على أصول متعدّدة هل يجوز الاقتصار في المعارضة في الأصل على أصل واحد؟ منهم من جوّزه، لأنّ المستدل قصد إلحاق الفرع بجميع الأصول، فإذا وقع الفرق بين الفرع و بعضها تمّ مقصود المعترض من إبطال غرض المستدلّ.

و منهم من قال: لا بدّ من المعارضة في كلّ أصل، لأنّه إذا عارض في البعض دون البعض فقد بقي قياس المستدلّ صحيحا على الأصل الّذي لم يعارض فيه، و به يتمّ مقصوده من إثبات الحكم أو نفيه.

و اختلف الموجبون للمعارضة في جميع الأصول‏ (1):

منهم: من أوجب اتّحاد المعارضة في الكلّ بأن يعارض بما يشترك فيه الجميع، دفعا لانتشار الكلام، و لأن يكون مقابلا في اتّحاده لاتحاد وصف المستدلّ.

و منهم: من لم يوجب ذلك و جوز المعارضة في كلّ أصل بغير ما في الأصل الآخر، لجواز أن لا يساعده في الكلّ علّة واحدة. فلا يكون للحكم علّة واحدة عند تعدّد المحال، بل له في كلّ محل علّة، و لا مانع منه.

____________

(1). ذكر الاختلاف في الأقوال الآمدي في الإحكام: 4/ 99.

343

فإن اقتصر على المعارضة في أصل واحد فهل يجب على المستدل إبداء العذر عنه؟

قال بعضهم بوجوبه، لأنّه التزم صحّة القياس على الجميع.

و منهم من لم يوجب ذلك، لأنّ مقصوده إنّما هو إثبات الحكم، و هو لا يختل بتعذّر القياس على بعض الأصول دون البعض.

و الجواب عن سؤال المعارضة في الأصل بوجوه‏ (1):

الأوّل: منع وجود الوصف المعارض به في الأصل.

الثاني: المطالبة بتأثير الوصف إن كان طريق إثبات العلّة من جانب المستدلّ المناسبة أو الشبه دون السبر و التقسيم.

الثالث: أن يبيّن كونه ملغى في جنس الأحكام كالطول و القصر و نحوه.

الرابع: أن يبيّن أنّه ملغى في جنس الحكم المعلّل، و إن كان مناسبا كالذكورة في باب العتق.

الخامس: أن يبيّن أنّه عدم معارض في الفرع، مثل قياس المكره على المختار بجامع القتل، فيعترض بالطواعية (2)، فيجيب بأنّ عدم الإكراه المناسب نقيض الحكم، و ذلك طرد.

____________

(1). ذكرها الآمدي في الإحكام: 4/ 99- 100.

(2). في «أ»: بتوابعه.

344

السادس: أن يبيّن أنّه قد استقلّ بالحكم في صورة دون الوصف المعارض به، بظاهر أو إجماع. مثل: لا تبيعوا الطعام بالطعام في معارضة المطعوم بالكيل، و مثل: من بدّل دينه في معارضة التبديل بالكفر بعد الإيمان غير متعرض للتعميم. لأنّ الطعم في الأوّل علّة مستقلّة بظاهر لا تبيعوا الطعام، فإنّ تعليق الحكم على الوصف مشعر بالعلّيّة، و التبديل في الثاني علّة بظاهر من بدل، و لا يتعرض المستدلّ لعموم صورة التبديل لئلّا ينتقض عليه تبديل الكفر بالإيمان.

و حينئذ يمتنع أن يكون علّة مستقلة في محلّ التعليل، لما فيه من إلغاء المستقل و اعتبار غير المستقل.

و يمتنع دخوله في التعليل لما فيه من إلغاء ما علّل به المستدلّ في الفرع مع استقلاله لفوات ما لم يثبت استقلاله، و هو ممتنع. اللهم إلّا أن يبدي المعارض في صورة الإلغاء وصفا آخر غير ما عارض به في الأصل، فلا بدّ من إبطاله، و إلّا فالقياس متعذر.

و لا يمكن أن يقال في جوابه: إنّ كلّ وصف اختصّ بصورة، فهو ملغى بالصورة الأخرى.

و هذا هو المسمّى في الاصطلاح بتعدّد الوضع.

فإنّ للمعترض أن يقول: العكس غير لازم في العلل الشرعية لجواز ثبوت الحكم في كلّ صورة بعلّة غير علّة الصورة الأخرى.

و إذا جاز ثبوت الحكم في صورتين بعلّتين مختلفتين فلا يلزم من‏

345

إثبات الحكم في كلّ صورة بعلّة مع عدم علّة الصورة الأخرى فيها، إلغاء ما وجد في تلك الصورة.

السابع: أن يبيّن رجحان ما ذكره على ما عارض به المعترض بوجه من وجوه الترجيحات الآتية فيما بعد.

فيتعين التعليل بما عينه، إذ لا سبيل إلى التعليل بما أبداه المعترض، لما فيه من المحافظة على المرجوح و إلغاء الراجح. و لا سبيل إلى إدخاله أيضا في التعليل، إذ يلزم منه تخلّف الحكم في الفرع مع وجود الراجح، و هو ممتنع.

و هنا ترجيح آخر، و هو أن يكون أحد الوصفين في الأصل المستنبط منه متعدّيا و الآخر قاصرا فإمّا أن يكون في طرف الإثبات، أو النفي.

فإن كان الأوّل فإمّا أن يكون الوصف المتعدي جزءا من العلّة، أو خارجا عنها بأن يكون المعارض في الأصل بالوصف القاصر لا غير. فإن كان خارجا، فإمّا أن يكون المتعدي مساويا للقاصر في جهة اقتضائه، أو أنّ الترجيح لأحدهما.

فإن كان مساويا في جهة الاقتضاء، فالتعليل بالمتعدي أولى، للاتّفاق عليه و الخلاف في القاصر، و المتّفق عليه أولى بالعلّيّة.

و لأنّ فائدة المتعدّي أكثر، إذ فائدة القاصر إنّما هي في ظهور الحكمة الباعثة في الأصل لسرعة الانقياد، و هو ثابت في المتعدي و زيادة تعريف‏ (1) الحكم في الفرع، و هو أعظم فوائد العلّيّة.

____________

(1). في «أ»: تقريب.

346

لا يقال: إنّه يلزم منه إهمال المناسب القاصر.

لأنّا نقول‏ (1): إنّه معارض بمثله، حيث يلزم من التعليل بالقاصر إهمال المناسب المتعدّي مع رجحانه، و التعليل بالقاصر و إن وافق النفي الأصلي في الفرع، بخلاف المتعدّي إلّا أنّه مخالفة لما وقعت مخالفته في الأصل بما لم تظهر مخالفته، و لو علمنا بالقاصر لموافقته النفي الأصلي، لكان فيه العمل بموافقة ما وقع الإجماع عليه على مخالفته و مخالفة ما لم يقع الاتّفاق على مخالفته، و هو المتعدي، فكان مرجوحا.

لا يقال: التعليل بالمتعدي يستلزم مخالفة ما لم يتّفق على مخالفته من الوصف القاصر و ما اتّفق على مخالفته من النفي الأصلي، فكان فيه مخالفة ظاهرين:

أحدهما متّفق على مخالفته، و الآخر غير متّفق على مخالفته. و التعليل بالقاصر يلزم منه العمل بهذين الظاهرين و مخالفة ظاهر واحد، و هو المتعدي.

لأنّا نقول‏ (2): إنّه معارض بمثله، فإنّه بعد أن ثبت الحكم في الأصل لمعنى و إن كان قاصرا، فالأصل أن يثبت في الفرع بما وجد مساويا لوصف الأصل في الاقتضاء، نظرا إلى تماثل مقصود الشارع، و المحافظة على هذا الأصل أولى من المحافظة على النفي الأصلي، لكون النفي الأصلي مخالفا

____________

(1). ذكر الإشكال و أجاب عنه الآمدي في الإحكام: 4/ 101.

(2). ذكر الإشكال و أجاب عنه الآمدي في الإحكام: 4/ 102.

347

في الأصل بمثل ما قيل باقتضائه للحكم في الفرع.

فحينئذ يترجّح ما ذكرناه من جهة أنّ العمل بالمتعدّي عمل به و بأصل مترجّح على النفي الأصلي، و العمل بالقاصر عمل به و بأصل مرجوح بالنظر إلى الأصل المعمول به من جانبنا، فكان إمكان ما ذكرناه أولى.

و اعلم أنّه لا يكفي في جواب المعارضة إثبات الحكم في صورة دون الوصف المعارض به، لجواز إثبات الحكم بعلّة أخرى. و كذا لو أبدى المعترض في صورة الإلغاء وصفا آخر يخلف ما ألغى المستدل فيه إلغاء الوصف المعارض به و ما يقوم مقامه، و إلّا كان وصف المستدل في كلّ صورة جزء العلّة، و كذا كلّ واحد من الوصف المعارض به و ما يقوم مقامه، و إذ ذاك يكون معتبرا لا ملغى، و إنّما سمّي هذا تعدّد الوضع لتعدّد أصل العلّة، لأنّها تعدّدت بأصلين.

مثاله: أمان من مسلم عاقل فيصحّ كالحر، لأنّهما مظنتان لإظهار مصالح الإيمان، فيعترض بالحرية (1)، فإنّها مظنّة الفراغ في النظر فيكون أكمل، فلا يجوز الإلحاق فبلغها بالمأذون له في القتال.

فيقول المعترض: خلف الاذن الحرية إمّا لأنّ الإذن مظنّة لبذل الوسع و الفراغ في النظر، أو لعلم السيد بصلاحية العبد المأذون للأمان.

و جوابه: إلغاء الوصف الّذي ذكره المعترض خلفا للإلغاء، فإن أبدى‏

____________

(1). في «ب» و «ج»: بالخبرية.

348

وصفا آخر كان جوابه الإلغاء أيضا إلى أن يقف إمّا المعترض أو المستدل، و لا يكفي إلغاء الوصف بضعف المعنى مع تسليم مظنّة الحكم؛ كما لو علّل المستدلّ قتل المرتدّة بالردة بالقياس على قتل المرتدّ بها، فيعترض بالرجولية فإنّها مظنّة الإقدام على القتال و هي العلّة في الأصل، فيلغيها بمقطوع اليدين فإنّ الرجولية فيه ضعيفة، و إنّما لم ينفعه لأنّه لمّا سلّم كونها مظنّة فلا ينفعه ضعفها في صورة، كما لو علّل القصر في السفر بالمشقّة مع أنّها تضعف في المرفّة له.

الاعتراض الثالث عشر: سؤال التعدية

هو أن يعين المعترض في الأصل معنى و يعارض به ثمّ يقول للمستدلّ: ما علّلت به و إن تعدّى إلى فرع مختلف فيه، فالذي علّلت به أيضا قد تعدّى إلى فرع مختلف فيه و لا أولوية. كقول الشافعي في مسألة إجبار البكر البالغ: فجاز إجبارها كالبكر الصغيرة. فيقول الحنفي: البكارة و إن تعدّت إلى البالغ البكر فالصغر متعد إلى الثيب الصغيرة. و اختلفوا في قبوله.

و الوجه أنّه لا يخرج عن سؤال المعارضة في الأصل مع زيادة التسوية في التعدية.

و جوابه بإبطال ما عارض به المعترض و حذفه عن درجة الاعتبار بما سبق في سؤال المعارضة في الأصل.

349

الاعتراض الرابع عشر: منع وجود الوصف المدّعى علّة في الفرع‏

كقولهم في أمان العبد: أمان صدر من أهله في محلّه فيصح كالمأذون، فيمنع المعترض الأهلية في الفرع و هو العبد الغير المأذون له في الحرب.

و جوابه ببيان وجود ما أراد من الأهلية في الفرع، و هو كجواب منع وجود الوصف في الأصل.

و اختلفوا في أنّه هل للسائل أن يقرر هذا السؤال أم لا؟

منع منه قوم، لأنّ المستدلّ مدّع لوجوده في الفرع فعليه إثباته، و ليس على المعترض نفيه، و إلّا لانتشر الكلام.

الاعتراض الخامس عشر: المعارضة في الفرع بما يقتضي نقيض حكم المستدلّ‏

إمّا بنصّ، أو بإجماع ظاهر، أو بوجود مانع الحكم في الفرع، أو بفوات شرط الحكم عنه و لا بد من بيان تحقّقه بطريق كونه مانعا، أو شرطا على أحد الطرق الّتي أثبت المستدلّ بها كون الوصف الّذي علّل به علّة من التأثير أو الاستنباط.

و قد اختلفوا في قبول هذا السؤال، فقبله قوم و ردّه آخرون.

احتجّ الأوّلون‏ (1) بأنّ قصد المعترض هدم ما بناه المستدلّ، و هو

____________

(1). و هو مختار الآمدي في الإحكام: 4/ 107.

350

حاصل هنا، إذ دليله مقاوم لدليله، و لا منع عليه في سلوك طريق للهدم دون طريق، و لو منع من ذلك لزم سدّ باب فائدة البحث و الاجتهاد و المناظرة.

و احتجّ الآخرون بأنّ من شأن المعترض الهدم و لكن الدليل المعارض يكون استدلالا و تبيانا لا هدما و يلزم منه القلب.

و جواب هذا السؤال أن يقدح فيه المستدلّ بكلّ ما للمعترض أن يقدح فيه أن لو كان المستدلّ متمسّكا به.

و إن عجز المستدلّ عن ذلك كان له دفع السؤال بالترجيح عند قوم لأنّه مهما ترجح ما ذكره المستدلّ بوجه ما من وجوه الترجيح تعيّن العمل به، و هو المقصود.

و منع من ذلك قوم، لأنّ ما ذكره المعترض و إن كان مرجوحا فهو اعتراض، و اختلفوا في أنّه هل يجب على المستدلّ أن يذكر في دليله الإيماء إلى الترجيح؟

فأثبته قوم، لتوقّف العمل بالدليل عليه فكان من أجزاء الدليل، فلو لم يذكره لم يكن ذاكرا للدليل.

و نفاه آخرون، لأنّه مسئول عن الدليل و قد أتى به، و الترجيح خارج عن مسمّى الدليل فلا يجب ذكره، و توقّف العمل بالدليل على الترجيح من توابع ورود المعارضة لدفعها لا أنّه جزء من الدليل.

351

الاعتراض السادس عشر: اختلاف ضابط الحكمة في الأصل و الفرع مع اتحاد الحكمة

كما في مسألة شهود القصاص تسبّب بالشهادة إلى القتل فوجب عليهم القصاص زجرا لهم عن التسبّب، قياسا على المكره فإنّه يجب عليه القصاص لتسببه في القتل بالإكراه.

فيقول المعترض: الضابط في الفرع الشهادة، و في الأصل الإكراه، و المقصود فيهما و إن كان واحدا- و هو الزجر- فلا يمكن تعدية الحكم به، لأنّ الضابط في الأصل غير موجود في الفرع، و الضابط في الفرع يحتمل قصوره عن ضابط الأصل في الإفضاء إلى المقصود.

و الجواب عنه: أنّ الجامع ما اشتركا فيه من التسبب المنضبط عرفا، أو تبيين المساواة بين ضابط الفرع و ضابط الأصل في الإفضاء إلى المقصود، لأنّ احتمال التساوي أرجح و ان اقتضاءه أكثر من اقتضاء ضابط الأصل. كما لو كان أصل هذا القياس المغري للحيوان بأن يقال في المسألة تسبّبوا إلى القتل عمدا عدوانا فوجب القصاص زجرا لهم عن التسبّب، قياسا على وجوب القصاص على المغري للحيوان على الآدمي بأنّ إفضاء الضابط إلى المقصود في الفرع أرجح من إفضاء ضابط الأصل إليه، من حيث إنّ انبعاث الولي للتشفّي و الانتقام في الفرع أغلب من انبعاث الحيوان بالإغراء بسبب نفرته من الآدمي و عدم علمه بجواز القتل و عدمه.

352

و إذا كان كذلك فلا يضر اختلاف أصلي التسبّب، و هو كون أصل أحدهما شهادة و أصل الآخر إكراها أو إغراء، فإنّه اختلاف في فرع و أصل، فكأنّه قبل الشهادة يوجب القصاص قياسا على الإكراه و الإغراء و الجامع كون كلّ واحد منهما سببا، و اختلاف الأصل و الفرع و كونه شرطا في القياس غير قادح في صحّته و إن بلغ الاختلاف إلى التضاد، كما يقاس الإرث في طلاق المريض على القاتل في منع الإرث، كما تقدّم في المناسبة.

و لا يفيد المستدلّ أن يقول: التفاوت بين ضابط الأصل و الفرع ملغى مراعاة لحفظ النفس، كما أنّه ألغى التفاوت بين قطع الأنملة و قطع الرقبة، لوجوب القصاص على قاطع الأنملة عند اقتضاء القطع إلى الهلاك قياسا على قاطع الرقبة، و إن كان التفاوت بينهما ظاهرا غير خفي مبالغة في صيانة النفس. و إنّما لا يفيد، لأنّه لا يلزم من إلغاء تفاوت القاتل إلغاء كلّ تفاوت، فإنّه قد ألغى التفاوت بين العالم و الجاهل فيقتل أحدهما بالآخر و لم يلغ التفاوت بين الحر و العبد.

الاعتراض السابع عشر: اختلاف جنس المصلحة مع اتّحاد الضابط بين الأصل و الفرع‏

كقوله في اللواط: أولج فرجا في فرج مشتهى طبعا، محرّم شرعا، فيجب الحدّ كالزاني.

فللمعترض أن يقول: الضابط و إن اتّحد إلّا أنّ جنس المصلحة

353

مختلف، لأنّ الحكمة في الفرع هي صيانة النفس عن رذيلة اللواط، و في الأصل دفع محذور اختلاف الأنساب. و قد يتفاوتان في نظر الشرع فمناط الحكم بإحدى الحكمتين دون الأخرى، و حاصل هذا السؤال يرجع إلى المعارضة.

و جوابه كجوابه، و هو أنّ التعليل إنّما وقع بالضابط المشترك المستلزم لدفع المحذور اللازم من عموم الجماع، و التعرّض لحذف ما اختصّ به الأصل بأحد الطرائق الموجبة للحذف، كالسبر و التقسيم و غير ذلك.

الاعتراض الثامن عشر: مخالفة حكم الفرع لحكم الأصل‏

بأن يقال: حكم الفرع بخلاف حكم الأصل، فلا قياس، لأنّ القياس عبارة عن تعدية حكم الأصل إلى الفرع بواسطة الجامع بينهما، و مع اختلاف الحكم لا تحصل التعدية من الأصل.

و الجواب عنه‏ (1) ببيان اتّحاد الحكم:

إمّا عينا كما في قياس وجوب الصوم على وجوب الصلاة، و قياس صحّة البيع على صحّة النكاح و انّ الاختلاف إنّما هو عائد إلى المحلّ، و هو غير قادح في صحّة القياس لكونه شرطا فيه.

و امّا جنسا، كما في قياس وجوب قطع الأيدي باليد الواحدة على وجوب قتل الأنفس بالنفس الواحدة، و انّ الاختلاف إنّما هو في عين‏

____________

(1). ذكره الآمدي في الإحكام: 4/ 110.

354

الحكم، فكان ملائما إن كان الاشتراك في جنس العلّة، أو مؤثرا إن كان الاشتراك في عينها، و هو غير مبطل للقياس عند القائلين به.

و أمّا إن اختلف الحكم جنسا و نوعا، كما في إلحاق الإثبات بالنفي أو الوجوب بالتحريم، و بالعكس، فقد تقدّم الخلاف في صحّته و فساده.

و باقي الاعتراضات من القلب و النقض و الكسر و القول بالموجب و غير ذلك قد تقدّم. (1)

و اعلم أنّ الاعتراضات إمّا أن تكون من جنس واحد، كالنقوض أو المعارضات في أحد ركني القياس- أعني: الأصل أو الفرع- أو من أجناس متعددة، كالمنع و المطالبة، و النقض و المعارضة.

فإن كان الأوّل جاز إيرادها معا باتّفاق الجدليّين إذ لا يلزم منه تناقض، و لا خروج من سؤال إلى غيره.

و إن كان الثاني فإن كانت الأسئلة غير مترتّبة جاز الجمع بينها عند الجمهور، و منع منه أهل سمرقند فإنّهم أوجبوا الاقتصار على سؤال واحد لقربه إلى الضبط و بعده عن الخبط. (2)

و إن كانت مترتّبة فقد اختلفوا، (3) فمنع الأكثر من إيرادها معا، لأنّ المناظر إذا طالب بتأثير الوصف بعد منع وجوده فقد نزل عن المنع و أشعر

____________

(1). راجع الفصل الرابع: في مبطلات العلّة، ص 168 من هذا الجزء.

(2). ذكره الآمدي في الإحكام: 4/ 122.

(3). راجع الإحكام: 4/ 122- 124.