نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج4

- العلامة الحلي المزيد...
476 /
355

بتسليم وجوده، لأنّه لو بقي على منع وجود الوصف لما طالب بتأثيره، لأنّ تأثير ما لا وجود له محال، و حينئذ فلا يستحق المعترض جوابا إلّا عن السؤال الأخير.

و جوّزه آخرون بأن يطلب تأثير الوصف بعد منع وجوده على تقدير التسليم لوجوده بأن يقول: لو سلّمنا وجوده تقديرا، فلا نسلّم تأثيره، و إذا كان كذلك فلترتّب الأسئلة و إلّا كان منعا لتسليم ما ثبت تسليمه.

فأوّل ما يقدّم سؤال الاستفسار فإنّ من لا يعرف مدلول اللفظ لا يعرف ما يتّجه عليه.

ثم سؤال فساد الاعتبار، لأنّه نظر في فساده من حيث الإجمال.

ثمّ فساد الوضع، لأنّه أخصّ من سؤال فساد الاعتبار، و النظر في الأعم مقدّم.

ثمّ منع الحكم في الأصل.

ثمّ منع وجود العلّة فيه، لأنّ العلّة مستنبطة من حكم الأصل فيتأخّر السؤال عنها عن السؤال عنه.

ثمّ ما يتعلق بعلّية الوصف، كالمطالبة، و عدم التأثير و القدح في المناسبة، و التقسيم، و كون الوصف غير ظاهر و لا منضبط، و كون الحكم غير صالح لإفضائه إلى المقصود.

ثم النقض و الكسر لكونه معارضا لدليل العلّة.

356

ثمّ المعارضة في الأصل، لانّه معارض لنفس العلّة فهو متأخّر عن النقض.

ثمّ التعدية و التركيب، لأنّهما في الحقيقة معارضة في الأصل.

ثمّ منع وجود العلّة في الفرع، و مخالفة حكمه لحكم الأصل، و مخالفته للأصل في الضابط، و المعارضة في الفرع، و سؤال القلب، و القول بالموجب.

357

المقصد الثاني عشر: في الاستدلال‏

و فيه مقدّمة و فصول:

[المقدمة:]

أمّا المقدّمة ففي بيان ماهية الاستدلال لغة [فهو]: استفعال من طلب الدليل و الطريق المرشد إلى المطلوب.

و أمّا في اصطلاح الفقهاء فإنّه يطلق تارة بمعنى ذكر الدليل، سواء كان نصّا أو إجماعا أو غيرهما.

و يطلق تارة على نوع خاص من أنواع الأدلّة- و هو المراد هنا- و هو عبارة عن دليل لا يكون نصّا و لا إجماعا و لا قياسا.

و قيل: و لا قياس علّة، فيدخل نفي الفارق و التلازم. و أمّا نحو وجد السبب أو المانع أو فقد الشرط هل هو دليل أم لا؟

قيل: إنّه دليل، و قيل: إنّه دعوى دليل.

و القائلون بأنّه دليل قبل انّه استدلال، لأنّه ليس بنصّ و لا إجماع و لا قياس.

و قيل: إذا اثبت السبب أو المانع أو الشرط بغير الإجماع و النصّ و القياس فهو استدلال، و إلّا فلا و إنّما عرفناه بسلب غيره لسبق معرفة غيره عليه، و أنواعه تذكر في فصول:

358

الفصل الأوّل: في التلازم‏

و هو عبارة عن الحكم بوجوب صدق قضية على تقدير صدق قضية أخرى، (1) و يسمّى الصادق الأوّل لازما و الثاني ملزوما، و هو نسبة بينهما عقلية، و لا يستلزم صدقها صدق كلّ واحد من متعلّقها، بل و لا صدق أحدهما، فإنّ التلازم قد يصدق بين كاذبين، أو كاذب و صادق، على أن يكون الملزوم كاذبا دون العكس، و إلّا لزم صدق الكاذب و كذب الصادق، و قد يمكن ذلك في الملازمة الجزئية.

و الملازمة إمّا كلّيّة، و هي الّتي يحكم فيها بوجوب صدق اللازم على تقدير صدق الملزوم في كلّ زمان، مع كلّ أمر لا يلزم من اجتماعه معه محال.

و إمّا جزئية و هي الّتي حكم فيها بوجوب صدق اللازم على تقدير صدق الملزوم في بعض الأزمنة، أو مع بعض الأمور الّتي لا يلزم من اجتماعه معه محال.

____________

(1). في «د» بزيادة: أو حكم آخر.

359

و الملازمة الكلّيّة إذا ضم إليها استثناء عين مقدمها انتج‏ (1) عين تاليها تحقيقا للعموم، و إن ضم استثناء نقيض التالي انتج‏ (2) عين المقدم تحقيقا للزوم. و لمّا كان اللازم في بعض القضايا غير مقصور على شي‏ء واحد، بل قد يكون لازما لأمور متعدّدة متباينة لا جرم لم يلزم من وجود اللازم و لا من عدم الملزوم شي‏ء تصحيحا للعموم، و لو كان اللازم مساويا لملزومه لزم من هذه الحيثية نتائج أربع، و إن كانت الملازمة جزئية اشترط في انتاج الاستثناء كلية، لجواز اختلاف زماني الاستثناء و صدق المقدّم لولاه.

و اعلم أنّ المتلازمين إمّا أن يكونا ثبوتيين، أو عدميين، أو الملزوم ثبوتيا و اللازم عدميا، أو بالعكس.

و أيضا المتلازمان إمّا أن يتلازما طردا و عكسا، أو طردا لا عكسا.

فإن تلازما طردا و عكسا جاز أن يكونا ثبوتيين و يقينيين، كالجسم و التأليف فإنّه لمّا كان الجسم ملزوما للتأليف و بالعكس طردا و عكسا، كان الجسم الثبوتي ملزوما للتأليف الثبوتي طردا و عكسا، و عدم الجسم السلبي ملزوما لعدم التأليف السلبي طردا و عكسا.

و إن تلازما طردا لا عكسا، كالجسم و الحدوث فإنّ الجسم مستلزم للحدوث دون العكس، و هما ثبوتيان تلازما ثبوتا (3) طردا، فإنّ كلّ‏

____________

(1). في «أ»: ابيح.

(2). في «أ» و «د»: ابيح.

(3). في «ب» و «د»: ثبوتيا.

360

جسم محدث، و تلازما نفيا (1) عكسا، فإنّ عدم الحدوث مستلزم لعدم الجسم.

و أمّا المتنافيان فإن تنافيا وجودا و عدما- أعني: طردا و عكسا- كالحدوث و وجوب البقاء حصل بينهما تلازم من ثبوت و نفي طردا و عكسا، فإنّ كلّ محدث ليس بواجب، و كلّ ما ليس بمحدث فهو واجب.

و إن تنافيا إثباتا كالتأليف و القدم حصل بينهما استلزام الثبوت للنفي طردا و عكسا، فإنّ التأليف مستلزم لعدم القدم و القدم مستلزم لعدم التأليف، فالأوّل طرد و الثاني عكس.

و إن تنافيا نفيا حصل التلازم بين نفي و ثبوت طردا و عكسا.

مثال الأوّل: من صحّ طلاقه صحّ ظهاره، و تثبت هذه الملازمة بالطرد، و تقوى بالعكس، فتثبت بدوران صحّة الظهار مع صحّة الطلاق وجودا و عدما حتى يلزم كون صحّة الطلاق علّة لصحّة الظهار فيستلزمها.

و يقرّر بأنّ الصحّتين أثران لمؤثر واحد، و يلزم من ثبوت أحد الأثرين ثبوت الآخر لثبوت المؤثر.

و يقرر أيضا بثبوت المؤثر بأن يقال: مؤثر صحّة الظهار ثابت مع صحّة الطلاق من غير تعيين للمؤثر بأن يقال: إنّما صحّ طلاقه لكذا بشهادة المناسبة، و تلك العلّة موجودة في ظهاره فيصحّ، و إلّا كان انتقالا إلى قياس العلّة و لم يكن استدلالا.

____________

(1). في «ب»: و ملازمته.

361

مثال الثاني: و هو التلازم بين العدمين: لو صح الوضوء بغير نيّة لصحّ التيمّم و يثبت بالطرد، كما تقدّم في جانب الثبوت.

و يقرر بانتفاء أحد الأثرين فينتفي المؤثر فينتفي الأثر الآخر، و يقرر أيضا بانتفاء المؤثر.

مثال الثالث: و هو أن يكون الملزوم ثبوتا و اللازم عدما: ما كان حلالا لا يكون حراما.

مثال الرابع: عكسه: ما لا يكون مباحا يكون حراما. أو تقررها بأنّ الملازمتان بثبوت التنافي بين الحكمين أو بين لوازمهما. فإذا تقرر ذلك و ثبت أحدهما لزم انتفاء الآخر، مثل الوجوب على المديون مع عدم الوجوب على الفقير بما (1) لا يجتمعان، و الثاني ثابت بالإجماع فيلزم انتفاء الأوّل.

و يمكن بيان عدم الاجتماع بالنص و بالقياس بواسطة التلازم بأن يقال: لو وجبت على المديون لوجبت على الفقير، أو: لو لم يجب على الفقير لم يجب على المديون. و يبيّن كلّا من الملازمتين بالنص أو القياس، و كلّ واحدة من هاتين الملازمتين مستلزمة لعدم الاجتماع بين الوجوب على المديون و عدمه على الفقير، أو بواسطة إثبات أحد الأمرين بأن يقال:

الثابت إمّا عدم الوجوب على المديون، أو الوجوب على الفقير لدلالة الدليل على كلّ منهما و هو؛ النص و القياس و التلازم، و إنّما كان يلزم عدم الاجتماع بين الأمرين.

____________

(1). في «أ» و «د»: ممّا.

362

و يرد على أنواع التلازم و التنافي منع المقدّمتين الشرطية و الاستثنائية أو إحداهما. و يرد ما تقدّم في القياس ما عدا أسئلة نقص الوصف الجامع الاختصاص بالقياس لعدم تعيين العلّة هنا و يختصّ التلازم بسؤال آخر إذا كان الجامع بين الأصل و الفرع أحد موجبي الأصل أي علته، كقولهم في قصاص الأيدي باليد الواحدة أحد موجبي علّة الأصل و هو تفويت النفس.

و إذا كان كذلك فيجب في الفرع بدليل وجود الموجب الثاني لعلّة الأصل و هو الدية على تقدير وجودها في الفرع. و تقرر وجوبها في القصاص في الفرع بأنّ الدية أحد الموجبين فيستلزم الموجب الآخر، لأنّ علّة الموجبين في الأصل- إن اتّحدت- كان لزوم المطلوب واضحا، لاستلزام وجود أحد موجبيها في الفرع وجودها المستلزم لوجود الموجب الآخر و هو القصاص على الكلّ. و إن تعددت فتلازم الحكمين في الأصل دليل تلازم العلّتين. فيعترض المعترض بما ذكر من السؤال و هو المختص بقياس الدلالة. و تقرير الاعتراض و الجواب قد سبق.

363

الفصل الثاني: في الاستصحاب‏ (1)

و فيه مباحث:

[البحث‏] الأوّل: في أنّه هل هو حجّة أم لا؟

اختلف الناس في أنّ استصحاب الحال هل هو حجّة أم لا؟

فذهب أكثر الحنفية و جماعة من المتكلّمين كأبي الحسين البصري و السيد المرتضى‏ (2) و غيرهما إلى أنّه ليس حجّة، و من هؤلاء من جوّز به الترجيح لا غير.

و ذهب جماعة من الشافعية كالمزني و الصّيرفي و الغزالي و غيرهم إلى أنّه حجّة. (3)

____________

(1). الاستصحاب في اللغة: أخذ الشي‏ء مصاحبا أو طلب صحبته، و في الاصطلاح: إبقاء ما كان على ما كان. و هو أمارة ظنية عند قدماء الأصوليين، لكن المعروف بين المتأخّرين أنّه أصل كسائر الأصول، بل مرتبته متقدّمة على سائر الأصول العملية، أعني: أصالة البراءة، و أصالة التخيير، و أصالة الاحتياط. راجع الوسيط في أصول الفقه لآية اللّه جعفر السبحاني: 2/ 150.

(2). الذريعة إلى أصول الشريعة: 2/ 345- 346.

(3). و هو مختار الآمدي في الإحكام: 4/ 133؛ و الرازي في المحصول: 2/ 549.

364

احتجّ الأوّلون بوجوه‏ (1):

الأوّل: التسوية بين الوقتين في الحكم إمّا باعتبار اشتراكهما في المقتضي للحكم فيكون قياسا أو لا باعتبار ذلك، فتكون التسوية بين الوقتين في الحكم من غير دليل، و هو باطل بالإجماع.

الثاني: لو كان الأصل في كلّ شي‏ء استمراره و دوامه، لكان حدوث جميع الحوادث على خلاف الدليل المقتضي لاستمرار عدمها، و هو خلاف الأصل.

الثالث: الإجماع منعقد على أنّ بيّنة الإثبات مقدّمة على بيّنة النفي، و لو كان الأصل في كلّ متحقّق دوامه، لكانت بيّنة النفي مقدّمة لاعتضادها بهذا الأصل.

الرابع: مذهب الشافعي أنّه لا يجزي عتق العبد الّذي انقطع خبره، عن الكفّارة و لو كان الأصل البقاء لأجزأ.

الخامس: المعتبر في الأحكام الشرعية ليس مطلق الظن، و إلّا لكانت شهادة العبيد و النساء و الفسّاق و الصبيان مقبولة لحصول أصل الظن، بل الظن الغالب و نحن نمنع انّ أصالة البقاء تفيد غلبة الظن، لأنّ الأصل عدم هذه الزيادة بعين ما ذكرتم.

السادس: ظن الاستمرار ثابت قبل الشرع أمّا بعده فلا، لعدم الأمن بالتغيّر، و ورود الدليل المغيّر، فلا يبقى ظن الاستمرار حاصلا.

____________

(1). راجع الإحكام: 4/ 136- 137.

365

و الاعتراض على الأوّل؛ بأنّ التسوية بين الزمانين ليست بالقياس، بل لأنّ العلم بثبوته في الحال يقتضي ظن ثبوته على ذلك الوجه في الزمان الثاني، و العمل بالظن واجب، و لا يلزم من نفي القياس نفي كلّ دليل، لأنّ القياس دليل خاص و لا يلزم من نفيه نفي كلّ دليل.

و على الثاني؛ بأنّا خالفنا الأصل في الحوادث لوجود السبب الموجب للحدوث، و نفي حكم الدليل مع وجوده لمعارض أولى من إخراجه عن الدلالة و إبطاله بالكلّيّة مع ظهور دلالته.

و على الثالث؛ بأنّ تقديم الشهادة المثبتة على النافية و إن كانت معتضدة بأصل براءة الذمة، فإنّما كان لاطّلاع المثبت على السبب الموجب لمخالفة براءة الذمّة و عدم اطّلاع النافي عليه لإمكان حدوثه حال غيبة النافي عن المنكر بتعذّر صحبته له و اطّلاعه على أحواله في سائر الأوقات.

و على الرابع؛ نمنع ما ذهب إليه الشافعي و قوله ليس حجّة، و بتقدير تسليمه فالفرق أنّ الذمّة مشغولة بالكفّارة يقينا و لا تحصل البراءة منها إلّا بيقين وجود العبد و لا يقين.

و على الخامس؛ نمنع اشتراط غلبة الظن، بل أصل الظن كاف، و ردّ الشهادة في الصور المذكورة لم يكن لعدم صلاحيتها، بل لعدم اعتبارها في الشرع، بخلاف ما نحن فيه من استصحاب الحال فإنّه معتبر.

و على السادس؛ أنّه بعد ورود الشرع إذا لم يظفر بدليل يخالف الأصل نفي ذلك الأصل تغلبا على الظن، نعم أنّه قبل ورود الشرع أغلب‏

366

على الظن لتيقّن عدم المعارض فيه بعد ورود الشرع لظن عدم المعارض.

و احتجّ الآخرون بوجوه‏ (1):

الأوّل. الإجماع منعقد على أنّ الإنسان لو شك في وجود الطهارة ابتداء لا تجوز له الصلاة، و لو شك في بقائها جازت له الصلاة، و لو لم يكن الأصل في كلّ متحقّق دوامه لزم إمّا جواز الصلاة في الصورة الأولى، أو عدم الجواز في الصورة الثانية، و هو خلاف الإجماع.

و إنّما قلنا ذلك، لأنّه لو لم يكن الراجح هو الاستصحاب لم يخل إمّا أن يكون الراجح عدم الاستصحاب، أو أنّ الاستصحاب و عدمه سيان.

فإن كان الأوّل لزم منه امتناع جواز الصلاة في الصورة الثانية، لظن فوات الطهارة.

و إن كان الثاني فإما أن يكون استواء الطرفين ممّا تجوز معه الصلاة أو لا تجوز. فإن كان الأوّل لزم منه جواز الصلاة في الصورة الأولى، و إن كان الثاني لزم عدم جواز الصلاة في الصورة الثانية، و كلّ ذلك ممتنع.

الثاني. العقلاء بأسرهم إذا تحقّقوا وجود شي‏ء أو عدمه و له أحكام مختصّة به، سوّغوا القضاء بها في المستقبل، حتى جوّزوا إنفاذ الودائع إلى من عرفوا بوجوده قبل ذلك بمدد متطاولة، و يشهدون ببقاء الدين على من أقرّ من مدة به، و لو لا أصالة البقاء لم يجز ذلك.

____________

(1). ذكرها الآمدي في الإحكام: 4/ 133.

367

الثالث. ظن البقاء أغلب من ظن التغيّر، لأنّ الباقي لا يتوقّف على أكثر من وجود الزمان المستقبل و مقارنة الباقي له، و أمّا التغيّر فيتوقّف على وجود الزمان المستقبل، و تبدّل الوجود بالعدم، أو بالعكس؛ و مقارنة الوجود أو العدم بذلك الزمان. و المتوقّف على شيئين أغلب ممّا يتوقف عليهما و على ثالث.

الرابع‏ (1): العلم بتحقّق أمر في الحال يقتضي ظنّ بقائه في الاستقبال، لأنّ الباقي مستغن عن المؤثّر و الحادث مفتقر إليه، و المستغني عن المؤثّر راجح الوجود بالنسبة إلى المفتقر إليه. أمّا استغناء الباقي، فلأنّه لو افتقر إلى المؤثّر لكان المؤثّر إمّا أن يصدر عنه أثر أو لا.

و الثاني مؤدّ إلى التناقض من حيث فرض المؤثّر و عدم التأثير.

و أمّا الأوّل فالأثر الصادر عنه إمّا أن لا يكون هو الموجود، أو لا بل أمر متجدّد، فلم يكن المؤثر مؤثّرا في الباقي بل في أمر حادث، و أمّا الباقي فإنّه مستغن عنه؛ أو يكون هو الموجود أو لا، و هو تحصيل الحاصل؛ أمّا احتياج الحادث فبالضرورة، و أمّا رجحان المستغني عن المؤثر على المفتقر إليه، لأنّ المستغني لا بدّ و أن يكون الوجود به أولى، إذ لو كان الوجود مساويا للعدم لاستحال الرجحان إلّا بمنفصل، فكان يلزم افتقاره إلى المؤثر، و قد فرضناه مستغنيا عنه؛ هذا خلف. فإذن وجود الباقي راجح على عدمه.

____________

(1). هذا الوجه ذكره الرازي في المحصول: 2/ 549.

368

و أمّا الحادث فليس أحد طرفيه راجحا على الآخر، إذ لو كان راجحا لاستحال افتقاره إلى المرجّح، و إلّا لكان ذلك المرجّح مرجّحا لما هو في نفسه مترجّح، فيكون تحصيلا للحاصل.

فإذن الباقي أولى بالوجود، و الحادث ليس أولى بالوجود، و لا معنى لظن وجوده إلّا أنّ اعتقاد وجوده أولى، فالباقي راجح الوجود بالنسبة إلى الحادث.

و لأنّ الباقي لا يعدم إلّا عند وجود المانع، و المفتقر إلى المؤثر كما يعدم عند وجود المانع فقد يعدم عند عدم المقتضي. و ما لا يعدم إلّا بطريق واحد أولى بالوجود ممّا يعدم بطريقين، و لا معنى للظن إلّا اعتقاد أنّه أولى بالوجود.

و أمّا وجوب العمل بالظن فلقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «نحن نحكم بالظاهر». (1)

و لأنّه لو لم يجب لزم ترجيح المرجوح على الراجح، و هو بديهي البطلان. و لأنّ العمل بالقياس و خبر الواحد و الفتوى و باقي الظنون المعتبرة شرعا إنّما وجب ترجيحا للأقوى على الأضعف. و هو قائم هنا فيثبت الحكم، و هو وجوب العمل به.

اعترض بمنع ظن بقاء المعلوم ثبوته في الحال إلى ثانيه.

قوله: الباقي مستغن.

____________

(1). تفسير الرازي: 3/ 215؛ تفسير الآلوسي: 15/ 73؛ سبل الهدى و الرشاد: 10/ 315؛ المحصول: 2/ 550.

369

قلنا (1): إن عنيتم أنّ كونه باقيا مستغن عن المؤثر، فهو ممنوع. و لأنّه مناقض لقولكم: الحادث مفتقر، لأنّ كونه باقيا حادث، إذ لم يكن باقيا حال الحدوث ثمّ تجدّد.

و إن عنيتم شيئا آخر فاذكروه.

سلّمنا لكن يجوز أن يكون للباقي مؤثر يؤثر في أمر لم يكن حاصلا، لأنّ معنى البقاء حصوله في هذا الزمان بعد أن كان حاصلا في آخر قبله، لكنّ حصوله في هذا الزمان لم يكن حاصلا قبل حصول هذا الزمان، لأنّه نسبة للحاصل بالقياس إلى هذا الزمان و النسبة متأخّرة. فإذن كونه باقيا حادث، و أثر المؤثر المنفي هو هذا الأمر.

لا يقال: يلزم كون أثر المبقي حادثا فلا يكون مبقيا بل محدثا.

لأنّا نقول‏ (2): المراد من افتقار الباقي إلى المبقي افتقار حصوله في الزمن الثاني إلى المؤثر، فيمتنع صدق البقاء عليه إلّا لمؤثر.

ثمّ البحث عن كون الواقع بذلك المؤثر أمر مستمر، أو جديد خارج عن المقصود.

سلّمنا لكن يجوز أن يكون أثره شيئا كان حاصلا قبل.

قوله: تحصيل للحاصل. (3)

____________

(1). ذكر الرازي الإشكال و الإجابة عنه في المحصول: 2/ 551.

(2). ذكر الرازي الإشكال و الاجابة عنه في المحصول: 2/ 551.

(3). في المحصول: 2/ 552: تحصيل الحاصل محال.

370

قلنا: ان عنيت بتحصيل الحاصل أن يجعل عين الوجود أوّلا حادثا في الثاني، فهو محال قطعا، لكن نمنع أن يكون استناد الباقي [إلى‏] المؤثر يوجبه. و إن عنيت أنّ الوجود الّذي صدق عليه في الزمن الأوّل أنّه إنّما ترجّح لهذا المؤثر، صدق عليه في الزمن الثاني أيضا أنّه ترجّح لهذا المؤثر منعنا استحالته.

سلّمنا أنّ ما ذكرتم يدلّ على استغناء الباقي لكن يعارضه أنّ الباقي حال بقائه ممكن لإمكانه حال الحدوث، و الإمكان من اللوازم، و كلّ ممكن له مؤثر، فالباقي حال بقائه له مؤثر. و أمّا افتقار الممكن إلى المؤثر، فلأنّه لمّا استوى طرفاه، افتقر في ترجيح أحدهما إلى مؤثر.

لا يقال: يجوز أن يكون الإمكان إنّما يحوج إلى المؤثر بشرط الحدوث، و هو منتف حالة البقاء، فلا يتحقّق الافتقار.

لأنّا نقول‏ (1): لا يجوز جعل الحدوث معتبرا في تحقق الاحتياج، لأنّ معناه مسبوقية الشي‏ء بالعدم، و مسبوقية الوجود بالعدم صفة للوجود، فتكون صفة الوجود متأخّرة عنه بالذات تأخر الصفة عن موصوفها، فالحدوث متأخر عن الوجود و المتأخر عن الإيجاد المتأخّر عن احتياج الأثر إلى المؤثر المتأخّر عن علّة احتياجه إليه؛ فلو كان الحدوث معتبرا في ذلك الاحتياج إمّا بأن يكون علّة له، أو جزءا منها، أو شرطا فيها، لزم الدور.

سلّمنا، استغناء الباقي و افتقار الحادث، لكن نمنع رجحان المستغني.

____________

(1). ذكر الرازي الإشكال و أجاب عنه في المحصول: 2/ 552- 553.

371

قوله: الباقي أولى بالوجود و الحادث ليس أولى، و لا معنى للظن إلّا اعتقاد أنّه أولى.

قلنا: إن عنيت بالأولوية امتناع العدم عليه، فهو باطل، لقبول الباقي العدم. و إن عنيت أمرا آخر فبيّنه. و لا يمكن الاعتذار بثبوت متوسط بين الاستواء الصرف الّذي هو الإمكان، و التعيّن المانع من النقيض الّذي هو الضرورة. لأنّ مع هذه الأولوية إن امتنع النقيض فهو الضرورة؛ و إن لم يمتنع فمع الأولوية يصحّ عليه الوجود تارة، و العدم أخرى، فحصول أحدهما بدلا عن الآخر إن توقّف على انضمام قيد إليه، لم يكن الحاصل قبله كافيا في تحقّق الأولوية. و إن لم يتوقّف فنسبة تلك الأولوية إلى الطرفين على السوية، فترجيح أحدهما على الآخر لا لمرجح زائد، ترجيح لأحد طرفي الممكن على الآخر، و هو محال.

قوله: الباقي لا يعدم إلّا عند وجود المانع، و المفتقر إلى المؤثر قد يعدم بذلك. و يعدم المقتضي، و ما يعدم بطريق واحد أولى بالوجود ممّا يعدم بطريقين.

قلنا: غايته انّه يمكن تحقيق عدم الحادث بطريقين، و لا يمكن تحقّق عدم الباقي إلّا بطريق واحد، فلم قلت: إنّ هذا القدر يقتضي رجحان الباقي في الوجود على الحادث؟

سلّمنا الرجحان من هذا الوجه، لكنّه يقتضي عدم الرجحان من وجه آخر. فإنّ الشي‏ء لا يصدق عليه كونه باقيا إلّا إذا حصل في الزمان الثاني،

372

فحصوله في الزمان الثاني أمر حادث، فإذا لم يكن وجود الحادث راجحا، لم يكن وجود الباقي المتوقّف عليه راجحا، لأنّ المتوقّف على ما لا يكون راجحا غير راجح.

سلّمنا أنّ الباقي راجح الوجود، و لكن ما لم يتحقّق كونه باقيا لا يتحقّق كونه راجح الوجود. و إنّما يصدق عليه البقاء إذا حصل في الزمن الثاني. فالحاصل: أنّا ما لم نعرف وجوده في الزمن الثاني لا نعرف كونه راجح الوجود، و أنتم جعلتم رجحان الوجود دليلا على وجوده في الزمن الثاني، فيدور.

سلّمنا رجحان الباقي في الوجود الخارجي على الحادث، لكن لم قلت: إنّه راجح في الظن؟

و اعترض على الأوّل، أيضا بوجوه‏ (1):

أ. نمنع الإجماع على الفرق، فإنّ مالكا ذهب هو و جماعة إلى التسوية في عدم الصحّة.

ب. سلّمنا أنّه لو لم يكن الأصل البقاء في كلّ متحقّق، للزم رجحان الطهارة أو المساواة في الصورة الأولى، و رجحان الحدث أو المساواة في الصورة الثانية. لكن لا يلزم من رجحان الطهارة في الصورة الأولى جواز الصلاة، لامتناع الصلاة بعد النوم و الإغماء و المسّ على الطهارة، و إن كان وجود الطهارة راجحا، و لامتناع الصلاة مع ظن الحدث في الصورة الثانية

____________

(1). ذكرها الآمدي في الإحكام: 4/ 135.

373

حيث قلتم: إنّ ظن الحدث لا يلحق بيقين‏ (1) الحدث.

ج. سلّمنا دلالة ما ذكرتم على أصالة البقاء في الصلاة (2) و الحدث، لكن نمنع أنّه يلزم من ذلك في الطهارة و الحدث أن يكون الأصل في كلّ متحقّق غيرهما البقاء، فإنّ كثيرا من الموجودات يستحيل فيها البقاء، كالحركة و الزمان.

و على الثاني، أنّه لا يدلّ على ظن البقاء بل إنّما كان ذلك مجوزا منهم لاحتمال إصابة الغرض فيما فعلوه، و ذلك كاستحسان الرمي إلى الغرض لقصد الإصابة، لاحتمال وقوعها و إن لم تكن الإصابة ظاهرة، بل مرجوحة أو مساوية.

و على الثالث، لا نسلم أنّ ظن البقاء أغلب من ظن التغيّر. و ما ذكرتموه من زيادة توقّف التغيّر على تبدّل الوجود بالعدم أو بالعكس، معارض بما يتوقّف عليه البقاء من تجدّد مثل السابق.

سلّمنا أنّ ما يتوقّف عليه التغيير أكثر، لكن لا نسلّم أنّه يدلّ على غلبة البقاء على التغيّر، لجواز أن تكون الأشياء المتعدّدة الّتي يتوقّف عليها التغيّر أغلب في الوجود من الأعداد الثلاثة الّتي يتوقّف عليها البقاء، أو مساوية لها و إن سلّمنا أنّ البقاء أغلب من التغيّر، لكن لا نسلّم كونه غالبا على الظن، لجواز أن يكون الشي‏ء أغلب من غيره، و إن غلب على الظن عدمه في نفسه.

____________

(1). في الإحكام: 4/ 135: بتيقّن.

(2). في الإحكام: 4/ 135: الطهارة.

374

سلّمنا دلالة ذلك على الأغلبية، لكن فيما يقبل البقاء لا فيما لا يقبله فلم قلتم: إنّ الأعراض الّتي وقع النزاع فيها قابلة للبقاء، خصوصا عند الأشاعرة المانعين من بقاء الأعراض.

و الجواب قوله‏ (1): ما المراد من استغناء الباقي؟

قلنا: لا شكّ في أنّ الباقي هو الّذي حصل في زمان بعد أن كان بعينه حاصلا في آخر، و هو يقتضي أن تكون الذات الحاصلة في هذا الزمان عين الذات الحاصلة في الآخر.

فتلك الذات الحاصلة في الزمانين إن حصل فيها في الزمن الثاني أمر لم يكن حاصلا في الأوّل، كان المتجدّد مغايرا للذات الباقية، فيكون الباقي في الحقيقة هو الذات، لا الكيفية المتجددة. فنحن ندّعي أنّ ذلك الباقي يستحيل استناده إلى المؤثر حال بقائه. و حينئذ لا يكون استناد الكيفية المتجدّدة إلى المؤثر قادحا في قولنا: الباقي غير مستند للتغاير بينهما.

و إن لم يحصل في الزمن الثاني أمر متجدّد، بل الحاصل فيه ليس إلّا الذات الحاصلة في الأوّل، بطل قولهم: إنّ كونه باقيا كيفية حادثة، و إنّها مفتقرة إلى المؤثر.

فعلى التقديرين يسقط السؤال.

و فيه نظر، لأنّ فرض البقاء فرض المتجدّد، و إذ البقاء لم يكن أوّلا

____________

(1). ذكره الرازي في المحصول: 2/ 555.

375

لكن تجدّد ثانيا، و حصول الذات في الزمن الثاني مفتقر إلى المؤثر لتجدّده، و الباقي مفتقر إليه، و المفتقر إلى المفتقر إلى شي‏ء مفتقر.

قوله: حصوله في الزمن الثاني كيفية زائدة على الذات، و هي مفتقرة إلى المؤثر.

قلنا: هذا باطل. و بتقدير ثبوته فهو غير قادح في الدليل. أمّا البطلان، فلأنّ حصوله في الزمن الثاني لو كان كيفية زائدة على الذات لكان حصوله في ذلك الزمان كيفية أخرى؛ فلزم التسلسل، و هو محال.

و لأنّ العدم قد يصدق عليه أنّه باق؛ فلو كان تحقّقه في الزمن الثاني كيفيّة ثبوتية، لزم قيام الصفة الموجودة بالموصوف الّذي هو نفي محض.

و إنّه محال.

و فيه نظر، فإنّ الموجود (1) في الزمن الثاني كالموجود (2) في الزمن الأوّل، فإن افتقر الثاني إلى المؤثر من غير تسلسل افتقر الأوّل، فإن اسند أصل الوجود إلى الفاعل في الثاني فكذا في الأوّل.

و أمّا أنّ بتقدير ثبوته فالمقصود حاصل، فلأنّ حصوله في الثاني لما كان حادثا كان إسناده إلى المؤثر إسنادا للحادث إلى المؤثر لا للباقي، و كلامنا ليس إلّا في الباقي.

و فيه نظر، لأنّ إسناد الباقي إلى المؤثر هو إسناد الحادث إليه على ما بيّنّاه.

قوله: ما الّذي تعني بتحصيل الحاصل؟

____________

(1). في «ب» و «ج»: الوجود.

(2). في «ب» و «ج»: كالوجود.

376

قلنا: يعني به أنّ الشي‏ء الّذي حكم العقل عليه بأنّه كان حاصلا قبل ذلك يحكم عليه بأنّ حصوله الآن لأجل هذا الشي‏ء، و هو محال بالبديهية، لأنّه لمّا كان حاصلا قبل ذلك، فلو أعطاه الآن هذا المؤثر حصولا، لكان قد حصل نفس ما كان حاصلا، و هو محال.

و فيه نظر، فإنّ الفاعل كما أعطى في الأوّل الوجود كذا أعطاه مقارنة الوجود للزمن الأوّل، فكذا يقول في الثاني تعطيه مقارنة الوجود للزمن الثاني.

قوله: الباقي حال بقائه ممكن، و كلّ ممكن مفتقر.

قلنا: لا نسلّم بل الممكن إنّما يفتقر إلى المؤثر بشرط كونه حادثا.

و فيه نظر، فإنّ العقل حاكم بأنّ علّة الاحتياج الامكان لوجوب افتقار المتساوي في ترجيحه، بخلاف الحدوث فإنّ العقل لو جوّز وجوب الحادث حكم باستغنائه حينئذ.

قوله: الحدوث متأخّر.

قلنا: لا نريد به أنّ كونه حادثا شرط للافتقار، بل نريد به أنّ كونه بحيث لو وقع بالمؤثر لكان حادثا شرط لافتقار الأثر إلى المؤثر، و كونه بهذه الحيثية أمر متقدّم.

و فيه نظر، فإنّ التلازم بين وجوده المستند إلى المؤثر و بين حدوثه لا يجوز أن يكون علّة، لافتقاره إلى المؤثر ما لم يثبت الملزوم، و هو محال، لاستلزامه توقّف الافتقار على الإيجاد و الحال بالعكس.

377

قوله: ما المراد من الأولوية؟

قلنا: درجة متوسطة بين التساوي و التعيين المانع من النقيض.

قوله: هذا محال لاقتضائه ترجّح أحد المتساويين على الآخر لا لمرجّح.

قلنا: لا نسلّم أنّ ذلك ممتنع مطلقا، بل ذلك إنّما يمتنع بشرط الحدوث.

و فيه نظر، لأنّ رجحان المتساوي لذاته إن كان لذاته، لزم اقتضاء الذات صفتين متناقضتين، و هو محال بالضرورة؛ و إن كان لغيره فالمطلوب لوجود (1) هذا الشرط لم يحتج إلى إثبات متوسط بين التساوي و الترجيح المانع من النقيض، فإنّ المتساوي حينئذ يجوز وجوده لا لمرجّح.

قوله: لم قلت: إنّه لمّا أمكن حصول عدم الحادث بطريقين، و عدم الباقي لا يحصل إلّا بطريق واحد، كان وجود الحادث مرجوحا.

قلنا: لأنّ عدم حدوث الحادث أكثر من عدم الباقي، لأنّه يصدق على ما لا نهاية له أنّه لم يحدث. و أمّا عدم الباقي بعد حدوثه فهو متناه لاشتراط وجوده في عدمه بعد وجوده. فإذا كان الوجود متناهيا، كان العدم بعد الوجود متناهيا. و إذا كان عدم الحادث أكثر من عدم الباقي بعد وجوده، و الكثرة موجبة للظن، ثبت أنّ عدم الحادث غالب على عدم الشي‏ء بعد بقائه، و لا معنى للظن إلّا ذلك.

____________

(1). في «د»: و لوجوب.

378

و اعلم أنّه يمكن الاستدلال بهذه الثلاثة ابتداء.

و فيه نظر، لأنّا نمنع أوّلا انحصار عدم الباقي بوجود المانع، بل قد يعدم لعدم المقتضي كالحادث، و إنّما يتم الانحصار لو كان مستغنيا عن المؤثر، و هو المتنازع، سلّمنا الانحصار، لكن كثرة عدم الحادث على عدم الباقي لا يقتضي كون عدم الحادث بطريقين و عدم الباقي بطريق واحد، موجبا لترجيح الباقي على الحادث، بل هو مقتض للترجيح.

قوله: كونه باقيا يتوقّف على حدوث حصوله في الزمن الثاني، فكونه باقيا يتوقّف على الحدوث الّذي ليس براجح، و المتوقّف على ما لا يكون راجحا ليس براجح.

قلنا: هذا إنّما يلزم لو كان حصوله في الزمن الثاني كيفية وجودية حادثة، و هو محال لإفضائه إلى التسلسل. ثمّ إن سلّمنا صحّة ذلك، لكنّا نقول: لمّا ثبت أنّ الحدوث مرجوح، و الذات إذا كانت حادثة، فهناك أمران حادثان: أحدهما: الذات، و الآخر: حصول الذات في ذلك الزمان.

و أمّا إذا كانت الذات باقية، فالحادث أمر واحد و هو حصوله في ذلك الزمان دون الذات. فإذن الحادث مرجوح من وجهين، و الباقي من وجه، فوجب أن يكون الباقي راجحا على الحادث من هذا الوجه.

و فيه نظر، إذ لا يلزم من توقّف البقاء على الحدوث اشتراط الوجود في البقاء، لجواز أن يكونا ذهنيين و أحدهما مشروط بالآخر، و الباقي محتاج إلى الحادث باعتبار ذاته و وصفه، إذ لا يراد بالحادث هنا ذات‏

379

حقيقية، بل ما يصدق عليه هذا الاسم، سواء كان ذاتا أو صفة.

قوله: ما لم يعرف كونه باقيا لا يثبت رجحانه.

قلنا: لا حاجة إلى ذلك، بل نقول: هذا الّذي وجد الآن لا يمتنع عقلا أن يوجد في الزمان الثاني، و أن يعدم، لكنّ احتمال الوجود راجح على احتمال العدم من الوجه الّذي ذكرناه، فالعلم بوجوده في الحال يقتضي اعتقاد رجحان وجوده على عدمه في ثاني الحال، فإذن العلم بالأوليّة مستفاد من العلم بوجوده في الحال. و على هذا التقدير؛ يسقط الدور.

قوله: الباقي راجح على الحادث في الوجود الخارجي، فلم قلت: إنّه يكون راجحا عليه في الوجود الذهني؟

قلنا: لأنّ الذهني مطابق للخارجي و إلّا كان جهلا (1).

و فيه نظر، فإنّ الجهل يلزم لو حكم الذهن بخلاف الخارج، أمّا إذا لم يحكم فلا.

و في هذا الباب مباحث لا يمكن ذكرها هاهنا، لأنّها من علم الكلام، و قد ذكرناها في كتاب «نهاية المرام».

قيل: (2) القول بالاستصحاب أمر لا بدّ منه في الدين و الشرع و العرف.

أمّا الدين: فلافتقاره إلى الاعتراف بالنبوّة المتوقّف على توسّط

____________

(1). راجع المحصول: 2/ 555- 558.

(2). في المحصول: 2/ 558: اعلم أنّ.

380

المعجز، و معناه ليس إلّا فعل خارق للعادة، و لا يحصل فعل خارق للعادة إلّا عند تقرر العادة، و لا معنى للعادة إلّا أنّ العلم بوقوعه على وجه مخصوص في الحال يقتضي اعتقاد انّه لو وقع لما وقع الّا على ذلك الوجه، و هو عين الاستصحاب.

و فيه نظر، فإنّ المعجز ليس هو فعل خارق للعادة مطلقا، بل ما يعجز البشر عن فعله، و ليس ذلك من الاستصحاب.

و أمّا في الشرع: فلأنا إذا عرفنا أنّ الشرع تعبّدنا بحكم ما كاجماع أو غيره، لم يمكننا العمل به إلّا إذا علمنا أو ظننا عدم طريان الناسخ. فإن علمنا ذلك بلفظ آخر افتقرنا فيه إلى اعتقاد عدم الناسخ، فإن كان ذلك بلفظ آخر تسلسل، فلا بدّ من الانتهاء إلى التمسّك بالاستصحاب، و هو: أنّ علمنا بثبوته في الحال يقتضي ظنّ وجوده في الزمن الثاني. و أيضا فالفقهاء بأسرهم على كثرة اختلافهم اتّفقوا على أنّا متى تيقّنا حصول شي‏ء و شككنا في حدوث المزيل، أخذنا بالمتيقّن. و هو عين الاستصحاب، لأنّهم رجّحوا بقاء الباقي على حدوث الحادث.

و فيه نظر، لأنّ الشرع إذا تعبّدنا بحكم فإمّا أن يدلّ على الاستمرار و الوحدة، أو يكون مطلقا. فإن كان الثاني و الثالث لم يحكم بالاستمرار و لا ظنّه، و إن كان الأوّل لم يكن ظن الاستمرار من حيث الاستصحاب، بل باعتبار نصّ الشارع عليه، و انّه‏ (1) لا يزول إلّا بالناسخ.

و أمّا العرف: فلأنّ من خرج من داره، و ترك أولاده فيها على حالة

____________

(1). في «أ» و «د»: لأنه.

381

مخصوصة كان اعتقاده لبقائهم على تلك الحالة الّتي تركهم عليها راجحا على اعتقاده لتغيّر تلك الحالة. و من غاب عن بلده فإنّه يكتب إلى أصدقائه في الأمور الّتي كانت موجودة حال حضوره، و ما ذاك إلّا لرجحان اعتقاد البقاء على اعتقاد التغيير، بل لو تأمّلنا بأنّ أكثر مصالح العالم و معاملات الخلق مبني على القول بالاستصحاب، و النوم سبب ظاهر لوجود الخارج الناقض للطهارة، فلهذا امتنع فعل الصلاة معه.

و عن الأوّل من الاعتراض على الأوّل‏ (1). أنّه يلزم من رجحان الطهارة في الصورة الأولى صحّة الصلاة تحصيلا للمصلحة مع ظن الطهارة كالصورة الثانية. و امّا النوم فإذا كان مظنة الخارج وجب إدارة الحكم عليه كما هو الغالب من تصرفات الشارع لا على حقيقة الخارج دفعا للعسر و الحرج. و هو جواب الإغماء و المس.

و يلزم من رجحان الحدث في الصورة الثانية امتناع صحّة الصلاة زجرا له عن التقرّب إلى اللّه تعالى و الوقوف بين يديه مع ظن الحدث، فإنّه قبيح عقلا و شرعا، و لذلك نهى عنه، و الشاهد له بالاعتبار الصورة الأولى.

قوله: إنّه لا تأثير للحدث المظنون عندكم.

قلنا: إنّما لا يكون مؤثرا بتقدير عدم القول بالاستصحاب كالتقدير الّذي نحن فيه، و إلّا فلا.

____________

(1). ذكره الآمدي في الإحكام: 4/ 137- 138.

382

و عن الثاني‏ (1). أنّه لو لم يكن الاستصحاب و الاستمرار مقتضي الدليل في كلّ متحقّق، لكان الاستمرار في هاتين الصورتين على خلاف حكم الأغلب الأعم. إن كان عدم الاستمرار هو الأغلب، أو أن يكون عدم الاستمرار على خلاف الغالب إن كان الاستمرار هو الأغلب، و هو على خلاف الأصل، فإن تساوى الطرفان فهو احتمال من ثلاثة، و وقوع احتمال من احتمالين أغلب من احتمال واحد بعينه.

و عن الثالث‏ (2). أنّا ندّعي أصالة البقاء فيما يمكن بقاؤه إمّا بنفسه كالجوهر، أو بتجدد أمثاله كالأعراض، و عليه بناء الأدلة المذكورة، و على هذا فالأصل في الزمان بقاؤه بتجدد أمثاله.

و أمّا الحركات فإن كانت من قبيل ما يمكن استمراره، فهو من جملة صور النزاع، و إن لم يكن اندفع النقض به.

و فيه نظر، لأن أصالة البقاء فيما يمكن بقاؤه بنفسه إنّما كان باعتبار استغنائه عن المؤثر كما قالوه، و هذا لا يتحقّق فيما لا يمكن بقاؤه.

و عن الاعتراض على [الوجه‏] الثاني‏ (3). أنّ الإقدام على الفعل لغرض موهوم غير ظاهر، إنّما يكون فيما لا خطر في فعله و لا مشقة كما ذكروه من المثال.

و أمّا ما يلزم الخطر و المشقة في فعله، فلا بدّ و أن يكون لغرض ظاهر

____________

(1). ذكره الآمدي في الإحكام: 4/ 138.

(2). ذكره الآمدي في الإحكام: 4/ 138.

(3). ذكره الآمدي في الإحكام: 4/ 138- 139.

383

راجح على خطر ذلك الفعل و مشقّته على ما تشهد به تصرّفات العقلاء و أهل العرف من ركوب البحار و معاناة المشاق من الأسفار، فإنّهم لا يركبون ذلك إلّا مع ظهور المصلحة لهم في ذلك، و من فعله لا مع ظهورها في نظره عدّ سفيها، و تنفيذ الودائع و الإرسال إلى الغائب من هذا القبيل، فكان الاستصحاب ظاهرا فيه.

و عن الأوّل. من الاعتراض على [الوجه‏] الثالث‏ (1). بزيادة افتقار التغيّر إلى تجدد علّة موجبة للتغيّر، بخلاف البقاء لإمكان اتّحاد علّة المتجددات.

و عن الثاني. بأنّ الشي‏ء إذا كان موقوفا على شي‏ء واحد و الآخر على شيئين، فما يتوقّف على شي‏ء واحد لا يتحقّق عدمه إلّا بتقدير عدم ذلك الشي‏ء، و ما يتوقّف تحقّقه على أمرين يتم عدمه بعدم كلّ واحد من ذينك الأمرين.

و لا يخفى أنّ ما يقع عدمه على تقديرين يكون عدمه أغلب من عدم ما لا يتحقّق عدمه إلّا بتقدير واحد، و ما كان عدمه أغلب كان تحقّقه أندر، و بالعكس مقابله.

لا يقال: عدم الواحد المعيّن إمّا أن يكون مساويا في الوقوع لعدم الواحد من الشيئين أو غالبا أو مغلوبا، و لا تتحقّق غلبة الظن فيما ذكرتموه بتقدير غلبة الواحد المعيّن و مساواته، و إنّما يتحقّق ذلك بتقدير كونه‏

____________

(1). ذكره الآمدي في الإحكام: 4/ 139.

384

مغلوبا، و وقوع أحد الأمرين لا بعينه أغلب من وقوع الواحد المعيّن لما ذكرتموه.

لأنّا نقول‏ (1): إذا نسبنا أحد الشيئين بعينه إلى ذلك الواحد المعين إمّا أن يكون عدمه أغلب من المعيّن، أو مساويا، أو مغلوبا. فإن كان الأوّل لزم ما ذكرناه، و إن كان الثاني فكذلك، لترجيحه بضم عدم الوصف الآخر إليه، و إن كان مغلوبا فنسبة الوصف الآخر إليه لا تخلو من الثلاثة، و يترجّح ما ذكرناه بتقديرين آخرين منها، و إنّما لا يترجّح ما ذكرناه بتقدير أن يكون كلّ من الوصفين مرجوحا، فإذن ما ذكرناه يتمّ على تقديرات أربعة و لا يتم على تقدير واحد.

قوله: البقاء و إن كان أغلب من التغيّر فلا يلزم أن يكون غالبا على الظنّ.

قلنا: إذا كان البقاء أغلب من مقابله فهو أغلب على الظن منه، و يجب المصير إليه نظرا إلى أنّ المجتهد مؤاخذ بما هو الأظهر عنده.

قوله: إنّما يدل ما ذكرتموه على غلبة الظن فيما هو قابل للبقاء.

قلنا: الأعراض إن كانت باقية فلا إشكال، و إن لم تكن باقية بأنفسها فممكنة البقاء بطريق التجدّد، كسواد الغراب و بياض الملح. و على كلّ تقدير فالكلام إنّما هو واقع فيما هو ممكن التجدّد من الأعراض، لا فيما هو غير ممكن.

____________

(1). ذكر الإشكال و أجاب عنه الآمدي في الإحكام: 4/ 139- 140.

385

البحث الثاني: في حكم استصحاب الإجماع في محلّ الخلاف‏

اختلف الناس فيه فقال الأكثر: إنّه ليس حجّة، و به قال الغزالي. (1)

و قال آخرون: إنّه حجّة. (2)

و مثاله: انّ من قال: المتيمّم إذا رأى الماء في خلال الصلاة مضى في الصلاة، لانعقاد الإجماع على صحّة صلاته و دوامها بطريان وجود الماء كطريان هبوب الريح و طلوع الشمس و سائر الحوادث، فنحن نستصحب دوام الصلاة إلى أن يدلّ دليل على كون رؤية الماء قاطعا.

و كقول الشافعي في مسألة الخارج من غير السبيلين: إذا تطهّر ثمّ خرج منه خارج من غير السبيلين فهو بعد الخروج متطهّر و لو صلّى فصلاته صحيحة، لانعقاد الإجماع على هذين الحكمين قبل الخارج، و الأصل في كلّ متحقّق دوامه إلى أن يوجد المعارض و الأصل عدمه.

لا يقال: القول بصحة الصلاة و ثبوت الطهارة في محلّ النزاع لا بدّ له من دليل و ليس نصّا و لا قياسا و إلّا لم يكن إثبات الحكم في محل الخلاف بناء على الاستصحاب، بل على ما ظهر من النصّ أو القياس و لا إجماعا لأنّه مختلف فيه و لا إجماع في محلّ الخلاف، و إن كان الإجماع قبل خروج الخارج ثابتا.

____________

(1). المستصفى من علم الأصول: 1/ 224.

(2). و هو مختار الآمدي في الإحكام: 4/ 141.

386

لأنّا نقول‏ (1): متى يفتقر الحكم في بقائه إلى دليل، إذا قيل إنّه ينزل منزلة الجواهر أو الأعراض؟ ممنوع، بل هو باق بعد ثبوته بالإجماع لا بدليل، لما سبق تقريره في مسألة الاستصحاب مسلّم، لكن لم قلتم بأنّه يتنزل منزلة الأعراض.

سلّمنا تنزله منزلتها، و أنّه لا بد له من دليل، لكن لا نسلّم انحصار الدليل المنفي فيما ذكروه من النص و الإجماع و القياس، إلّا إذا بيّنتم انّ الاستصحاب ليس دليلا، و هو نفس النزاع.

سلّمنا أنّ الاستصحاب بنفسه لا يكون دليلا على الحكم الباقي بنفسه، لكنّه دليل الدليل على الحكم. لما تقدّم في مسألة الاستصحاب من وجود غلبة الظن ببقاء كلّ ما كان متحقّقا على حاله، و هو يدلّ من حيث الإجمال على دليل موجب لذلك الظن.

قال الغزالي: المستصحب إن أقرّ بأنّه لم يقم دليلا في المسألة، بل قال: أنا ناف، و لا دليل على النافي، فسيأتي بيان وجوب الدليل على النافي؛ و إن ظن إقامة دليل فقد أخطأ، فإنّا نقول: إنّما يستدام الحكم الّذي دلّ الدليل على دوامه؛ و هو إن كان لفظ الشارع فلا بدّ من بيانه، فلعلّه يدلّ على دوامها عند عدم الخروج لا عند وجوده. و إن دلّ بعمومه على دوامها عند العدم و الوجود معا، كان ذلك تمسكا بالعموم، فيجب إظهار دليل التخصيص.

____________

(1). ذكر الآمدي الإشكال و أجاب عنه في الإحكام: 4/ 142.

387

و إن كان بإجماع، فالاجماع إنّما انعقد على دوام الصلاة عند العدم دون الوجود؛ و لو كان الإجماع شاملا حال الوجود كان المخالف له خارقا للإجماع، كما أنّ المخالف في انقطاع الصلاة عند هبوب الرياح و طلوع الفجر خارق للإجماع، لأنّ الإجماع لم ينعقد مشروطا بعدم الهبوب و انعقد مشروطا بعدم الخروج و عدم الماء. فإذا وجد فلا إجماع. فيجب أن يقاس حال الوجود على حال العدم المجمع عليه بعلّة جامعة؛ فأمّا أن يستصحب الإجماع عند انتفاء الإجماع، فهو محال. و هذا كما أنّ العقل دلّ على البراءة الأصلية بشرط عدم دليل السمع، فلا يبقى له دلالة مع وجود دليل السمع، فكذا هنا انعقد الاجماع بشرط العدم، فانتفى الإجماع عند الوجود.

و هذه الدقيقة، و هي أنّ كلّ دليل يضاده نفس الخلاف فلا يمكن استصحابه مع الخلاف؛ و الإجماع يضادّه نفس الخلاف، إذ لا إجماع مع الخلاف، بخلاف العموم و النص و دليل العقل، فإنّ الخلاف لا يضاده، فإنّ المخالف مقرّ بأنّ العموم يتناول بصيغته محل الخلاف، فإنّ قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا صيام لمن لم يبيّت» (1)، شامل بصيغته صوم رمضان مع خلاف الخصم فيه فيقول: أسلّم شمول الصيغة لكنّي أخصّه بدليل، فعليه الدليل؛ و هنا المخالف لا يسلّم شمول الإجماع محل الخلاف، لاستحالة الإجماع مع الخلاف و لا يستحيل شمول الصيغة مع الدّليل. فهذه دقيقة يجب التنبيه لها.

____________

(1). عوالي اللآلي: 3/ 132 ح 5؛ بحار الأنوار: 80/ 90.

388

و يرد عليه ما تقدّم من عدم الانحصار في النص و الإجماع و القياس.

قال: فان قيل الإجماع يحرّم الخلاف فكيف يرتفع بالخلاف؟

أجاب بأنّ هذا الخلاف غير محرّم بالإجماع و لم تكن المخالفة خارقة للإجماع، لأنّ الاجماع إنّما انعقد على حالة العدم، لا على حالة الوجود، فمن ألحق الوجود بالعدم فعليه الدّليل. (1)

لا يقال: دليل صحّة الشروع دالّ على الدوام إلى أن يقوم دليل على الانقطاع.

لأنّا نقول: ليس ذلك الدليل الإجماع، لأنّه مشروط بالعدم، فلا يكون دليلا عند العدم، فإن كان نصّا فيه فبيّنه لننظر هل يتناول حال الوجود أم لا؟

لا يقال: بم تنكرون على من يقول: الأصل أنّ ما ثبت دام إلى وجود قاطع فلا يحتاج الدوام إلى دليل في نفسه، بل الثبوت هو المحتاج، كما إذا ثبت موت زيد أو بناء دار كان دوامه بنفسه لا بسبب.

لأنّا نقول: هذا وهم باطل، فإنّ كلّ ثابت جاز دوامه و عدمه، فلا بدّ لدوامه من سبب و دليل سوى دليل الثبوت، و لو لا دليل العادة على أنّ الميت لا يحيا، و الدار لا تنهدم بعد البناء إلّا بهادم أو طول الزمان، لما عرفنا دوامه بمجرّد موته، كما لو أخبر عن قعود الأمير و أكله و دخوله الدار و لم تدل العادة على دوام هذه الأحوال فإنّا لا نقضي بدوامها، فكذا خبر الشرع‏

____________

(1). المستصفى من علم الأصول: 1/ 380- 381.

389

عن دوام الصلاة مع عدم الماء ليس خبرا عن دوامها مع وجوده فيفتقر دوامها إلى دليل آخر.

لا يقال: ليس مأمورا بالشروع فقط، بل به و بالإتمام.

لأنّا نقول: إنّه مأمور بالشروع مع العدم و بالإتمام معه، أمّا مع الوجود فهو المتنازع.

لا يقال: إنّه منهيّ عن إبطال العمل، و في استعمال الماء إبطال العمل.

لأنّا نقول: هذا دليل آخر غير الاستصحاب مع ضعفه، لأنّ المراد بالبطلان إن كان إحباط العمل، فلا نسلم أنّه لا يثاب على فعله؛ و إن كان أنّه أوجب عليه مثله، فليس الصحّة عبارة عن ما لا يجب مثله كما تقدّم.

لا يقال: الأصل أنّه لا يجب شي‏ء بالشك و وجوب استيناف الصلاة مشكوك فيه، فلا يرفع به اليقين.

لأنّا نقول: إنّه معارض بأنّ وجوب المضيّ في هذه الصلاة مشكوك فيه، و براءة الذمة بهذه الصلاة مع وجود الماء مشكوك فيه، ثمّ نقول: من يوجب الاستيناف يوجبه بدليل يغلب على الظن كما يرفع البراءة الأصلية بدليل يغلب على الظنّ، كيف و اليقين قد يرفع بالشّك في بعض المواضع؟

فالمسائل فيه متعارضة، كما إذا اشتبهت ميتة بمذكاة، و رضيعة بأجنبية، و ماء طاهر بماء نجس، و من نسى صلاة من خمس صلوات.

و احتجّ الآخرون بأنّه تعالى صوب الكفّار في مطالبتهم الرّسل بالبرهان حتى قال: تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا

390

بِسُلْطانٍ مُبِينٍ‏ (1) و قد اشتغل الرسل بالبرهان المغيّر للاستصحاب.

و الجواب: أنّهم لم يستصحبوا الإجماع، بل النّفي الأصلي الّذي دلّ العقل عليه، إذ الأصل في فطرة الآدمي أن لا يكون بيّنا و إنّما يعرف ذلك بآيات و علامات، فهم مصيبون في طلب البرهان و مخطئون في المقام على دين آبائهم بمجرّد الجهل من غير برهان. (2)

البحث الثالث: في أنّ النافي هل عليه دليل أم لا؟

اختلف الناس في ذلك فذهب قوم إلى أنّه لا دليل عليه.

و قال آخرون: لا بدّ له من دليل. و هو قول السيّد المرتضى‏ (3) و أبي الحسين البصري و الغزالي، (4) و هو الحقّ.

و فصّل آخرون بين العقليات و الشرعيات، فأوجبوا الدليل في العقليات دون الشرعيات.

لنا: انّ النافي مدّع كالمثبت، فإن كان ما ادّعاه نفي علمه أو نفي ظنه لم يطالب بدليل، لأنّه جاهل، و الجاهل لا يطالب بالدليل على جهله و لا يلزمه ذلك، كما لا يطالب على دعواه عدم الألم و الجوع. و إن كان العلم بنفي أمر فإن كان ضروريا لم يطالب ببرهان، لأنّه إن كان صادقا في دعوى الضرورة

____________

(1). إبراهيم: 10.

(2). المستصفى: 1/ 381- 383.

(3). الذريعة إلى أصول الشريعة: 2/ 827.

(4). المستصفى: 1/ 384.

391

فالضروري لا يطالب بالدّليل عليه، و إن لم يكن صادقا لم يطالب بالدليل أيضا و يكفي المنع في انقطاعه حيث إنّه لا يقدر على تحقيق الضرورة في ذلك و النظر لا يدّعيه، و إن ادّعى العلم بنفيه لا بالضرورة فلا بدّ له من طريق يفضي إليه، إذ حصول علم غير ضروري من غير طريق مقتض إليه محال، و إذا وجب أن يكون عن طريق وجب عند الدعوى و المطالبة بدليلها ذكره لينظر فيه كما يجب على مدّعي الإثبات.

و بالجملة فإنّ الممكن متساوي الطرفين، فلا يجوز الحكم بأحدهما إلّا لمرجح هو الدّليل، و لا فرق بين طرفيه في ذلك بالضرورة و قد وقع الإجماع على وجوب إقامة الدليل على مدّعي الوحدانية و قدم اللّه مع أنّ حاصل دعوى الوحدانية نفي الشريك، و حاصل دعوى القدم نفي الحدوث و الأولية، و قد نبّه اللّه تعالى في قوله: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (1) على ذكر دليل على النفي.

و لو لم يطالب النافي بالدليل، لزم أن يدّعي كافر نفي النبوّة و نفي الصانع و لا يطلب منه الدّليل، و هو باطل إجماعا.

و أيضا لو سقط الدليل عن النافي لم يعجز المثبت عن تعبير مقصوده الإثباتي بالنفي، فيقول بدل قوله: محدث: ليس بقديم، و بدل أنّه قادر: ليس بعاجز.

احتجّوا بوجهين:

____________

(1). الأنبياء: 22.

392

الأوّل: لا دليل على منكر الدين، لأنّه ناف، و لا على من أنكر النبوة من لم يقم على دعواه دليل، و لا على من أنكر وجوب صلاة سادسة أو صوم شوّال.

الثاني: الدليل على النفي متعذر كإقامة الدليل على براءة الذمّة.

و الجواب عن الأوّل من وجوه‏ (1):

أ. نفي الدليل عن المنكر ليس لكونه نافيا و لا لدلالة العقل على سقوط الدليل عن النافي، بل بحكم الشرع، و هو قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» (2) و لا يجوز قياس غيره عليه، لأنّ الشرع إنّما قضى به للضرورة، إذ لا يمكن إقامة دليل على النفي، لأنّ ذلك إنّما يعرف بملازمة عدد التواتر له من أوّل وجوده إلى وقت الدعوى فيعلم انتفاء أسباب اللزوم قولا و فعلا بمراقبة الخطاب، و هو محال، فكيف يكلّف البرهان على ما يستحيل إقامة البرهان عليه؛ بل المدّعى لا دليل عليه أيضا، لأنّ قول الشاهدين يحصل به الظن بجريان سبب اللزوم كإتلاف أو دين و ذلك في الماضي أمّا في الحال فلا يعلم الشاهد شغل الذمة بجواز البراءة بأداء أو براء فلا سبيل للخلق إلى معرفة شغل الذمة و براءتها إلّا بقوله تعالى أو قول رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فلا ينبغي أن يظن أنّ على المدّعى دليلا، فإنّ قول الشاهد صار دليلا بحكم الشرع.

____________

(1). ذكرها الغزالي في المستصفى: 1/ 385.

(2). عوالي اللآلي: 1/ 453 ح 188 و 190 و ج 2/ 258 و 345؛ سنن البيهقي: 8/ 123 و ج 10/ 252.

393

و فيه نظر، فإنّا لا نشترط في الدليل إفادته العلم، بل ما يحصل به الظن دليل أيضا، و هو هنا ثابت و هو الشهادة مع الاستصحاب.

ب. المدّعى عليه يدّعي علمه الضروري ببراءة ذمّته، و قد يعجز الخلق كلّهم عن معرفته فالنافي في العقليات إن ادّعى معرفة النفي ضرورة، فهو محال، و إن أقرّ بأنّه مختص بمعرفته اختصاصا لا يمكن أن يشاركه فيه إلّا اللّه، فعند ذلك لا يطالب بالدليل، كما إذا أخبر عمّا يجده من نفي الجوع و الشبع، فحينئذ يستوي النفي و الإثبات.

ج. النافي في مجلس الحكم عليه دليل و هو اليمين كما على المدّعي دليل، و هو البيّنة، و هو ضعيف، فإنّ اليمين يجوز أن تكون كاذبة فأي دلالة لها من حيث العقل لو لا حكم الشرع. نعم هو كالبيّنة لجواز أن يشهد بالزور فاستعماله من هذا الوجه صحيح، أو يقال كما وجب على النافي في مجلس الحكم أن يعضد جانبه بزيادة على دعوى النفي فليجب ذلك في فن الأحكام.

د. يد المدّعى عليه دليل على نفي ملك المدّعي، و هو ضعيف، لأنّ اليد تسقط دعوى المدّعي شرعا، فإنّ اليد قد تكون من غصب أو عارية له فلا دلالة.

و عن الثاني‏ (1). نمنع التعذّر، فإنّ النزاع إن كان في العقليات أمكن أن يدلّ على نفيها بأنّ إثباتها يفضي إلى محال فيكون محالا، كقوله تعالى: لَوْ

____________

(1). ذكره الغزالي المستصفى: 1/ 386.

394

كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا و معلوم أنّهما لم يفسدا، فيدلّ ذلك على نفي الشريك فيمكن، إثباته بالقياس الشرطي.

أو يقال للمثبت لو ثبت ما ادّعيته لعلم بالضرورة، و هو باطل للخلاف. أو بالدليل، و لا دليل هنا و هو باطل لانقلابه على النافي فإنّه يقال:

لو انتفى لعلم الانتفاء بضرورة أو استدلال، و هما منتفيان.

و اعلم أنّ الدليل المساعد على النفي إمّا نص وارد من الشارع يدلّ على النفي، أو إجماع من الأمة، أو استصحاب النفي الأصلي مع عدم الدليل المعتبر القاطع، أو الاستدلال بانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم، و هل يمكن الاستدلال على النفي بالقياس الشرعي؟

اختلف القائلون بالقياس فيه بناء على الاختلاف في جواز تخصيص العلّة، و لا فرق في ذلك بين قياس العلّة و الدلالة و القياس في معنى الأصل.

395

الفصل الثالث: في الاستحسان‏

و فيه بحثان:

[البحث‏] الأوّل: في ماهيته‏

و هو استفعال مأخوذ من الحسن، و يطلق على ما يميل إليه الإنسان و يهواه من الصور و المعاني و إن كان مستهجنا عند غيره. و ليس المتنازع فيه ذلك، بل و لا يتحقّق استحسان مختلف فيه.

و اختلف أصحاب أبي حنيفة في تعريفه‏ (1) فقال بعضهم: إنّه عبارة عن دليل ينقدح في نفس المجتهد و لا يقدر على إظهاره لعدم مساعدة العبارة عنه.

و أورد عليه أنّ المجتهد ان تردد فيه بين أن يكون دليلا محققا و وهما فاسدا، امتنع التمسّك به إجماعا؛ و إن تحقّق أنّه دليل شرعي، فلا خلاف في جواز التمسّك به، و إن كان بعيدا؛ و إنّما النزاع في تخصيصه باسم‏

____________

(1). راجع الإحكام: 4/ 163- 164.

396

الاستحسان عند العجز عن التعبير عنه دون حالة إمكان التعبير عنه، و هو نزاع لفظي.

و قال قوم: إنّه عبارة عن العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه يخرج من الاستحسان عندهم بالعدل عن موجب القياس إلى النصّ من الكتاب أو السنّة أو العادة.

أمّا الكتاب: فكما في قوله: «مالي صدقة» فإنّ القياس يقتضي لزوم التصديق له؛ و قد استحسن تخصيص ذلك بمال الزكاة لقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً (1) و لم يرد سوى مال الزكاة.

و أمّا السنّة: فكاستحسانهم أن لا قضاء على من أكل ناسيا في نهار رمضان، و العدول عن حكم القياس إلى قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لمن أكل ناسيا: «اللّه أطعمك و سقاك». (2)

و أمّا العادة: فكالعدول عن موجب الإجارات في ترك تقدير الماء المستعمل في الحمام و قدر اللبث، و تقدير الأجرة للعادة في ترك المضايقة في ذلك.

و قال بعضهم: إنّه عبارة عن تخصيص قياس بدليل هو أقوى منه، و يرجع حاصل ذلك إلى تخصيص العلّة.

و قال الكرخي‏ (3): الاستحسان هو العدول في مسألة عن مثل ما حكم‏

____________

(1). التوبة: 103.

(2). سنن البيهقي: 4/ 229؛ فتح الباري: 4/ 136؛ كنز العمال: 8/ 602 برقم 24338.

(3). نقله عنه الآمدي في الإحكام: 4/ 164.

397

به في نظائرها إلى خلافه، لوجه هو أقوى، و يدخل فيه العدول عن حكم العموم إلى (مقابله للدّليل) (1) المخصّص، و العدول عن حكم الدليل المنسوخ إلى (مقابله للدّليل) (2) الناسخ و ليس باستحسان عندهم.

و قال أبو الحسين البصري: الاستحسان ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ لوجه أقوى منه، و هو في حكم الطارئ على الأوّل. (3)

قال: و لا يلزم عليه العدول عن العموم إلى القياس المخصّص، لأنّ العموم لفظ شامل و لا يلزم عليه أن يكون أقوى القياس استحسانا، لأنّ الاقوى ليس في حكم الطارئ على الأضعف، فإن كان طارئا فهو استحسان.

فإن قلت: قد قال محمد بن الحسن الشيباني في عدّة مواضع من كتبه:

تركنا الاستحسان للقياس؛ كما لو قرأ آية السجدة في آخر السورة، فالقياس يقتضي الاجتزاء بالركوع، و الاستحسان يقتضي عدمه، بل يسجد لها. ثمّ إنّه قال بالقياس. (4)

فهذا الاستحسان إن كان أقوى من القياس، فكيف تركه؟ و إن لم يكن أقوى بطل الحد.

قلنا: ذلك المتروك إنّما يسمّى استحسانا، لأنّه و إن كان الاستحسان وحده أقوى من القياس وحده، لكن اتّصل بالقياس شي‏ء آخر، صار

____________

(1- 2). في «ج» و «د»: مقابلة الدليل.

(3). المعتمد في أصول الفقه: 2/ 296.

(4). نقله عنه الرازي في المحصول: 2/ 560.

398

المجموع أقوى من الاستحسان كما في هذه المسألة، فإنّه تعالى أقام الركوع مقام السّجود في قوله: وَ خَرَّ راكِعاً وَ أَنابَ‏ (1). و هذا الحدّ يقتضي كون الشريعة بأسرها استحسانا، لأنّ مقتضى العقل هو البراءة الأصلية، و إنّما يترك ذلك لدليل أقوى منه، و هو نصّ أو إجماع أو قياس. و هذا الأقوى في حكم الطارئ على الأوّل، فيكون الكلّ استحسانا، و هم لا يقولون بذلك، لأنّهم يقولون: تركنا القياس للاستحسان، و هو يقتضي المغايرة بينهما، فالواجب أن يزاد في الحد قيد آخر فيقال: ترك وجه من وجوه الاجتهاد مغاير للبراءة الأصلية، و العمومات اللفظية، لوجه أقوى منه، و هو في حكم الطارئ على الأوّل. (2)

البحث الثاني: في أنّه ليس بحجّة

اختلف الناس في ذلك فذهب أبو حنيفة و أصحابه إلى أنّه حجّة. و به قال أحمد بن حنبل. و أنكره الإمامية (3) و الشافعي و باقي الجمهور (4) حتى‏

____________

(1). ص: 24.

(2). راجع المحصول: 2/ 560- 561.

(3). رأي الإمامية في الاستحسان هو: إنّ المجتهد إذا استند إلى ما يستقل به العقل من حسن العدل و قبح الظلم، أو إلى دليل شرعي فلا إشكال في كونه حجة، لأنّه أفتى بالدليل لا بمجرّد الاستحسان؛ و أمّا إذا استند لمجرد استحسان فكره و ذوقه فهو تشريع باطل و محرّم.

فالاستحسان ليس له قيمة في مجال الإفتاء، بل الاعتبار بالدليل، فلو كان هناك دليل للعدول فالمنكر و المثبت أمامه سواء، و إن لم يكن فلا وجه للعدول. راجع الوسيط في أصول الفقه للعلّامة السبحاني: 2/ 79- 80.

(4). و هو مختار الرازي في المحصول: 2/ 561 حيث قال: اتّفق أصحابنا على إنكار الاستحسان.

و راجع الإحكام: 4/ 162.

399

قال الشافعي: من استحسن فقد شرّع. (1)

و هذا الخلاف ليس راجعا إلى اللفظ، لوروده في القرآن. قال تعالى:

فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ‏ (2)، وَ أْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها (3) و غير ذلك.

و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن» (4).

و كذا ورد في ألفاظ سائر المجتهدين؛ قال الشافعي في المتعة:

«استحسن أن يكون ثلاثين درهما» و قال (في باب الشفعة) (5): «استحسن ان يثبت للشفيع الشفعة إلى ثلاثة أيام».

و قال في المكاتب: «استحسن أن يترك له شي‏ء».

فإذن الخلاف ليس في اللفظ، بل في المعنى و لا يتحقّق موضع الخلاف، لأنّ من قال: إنّه دليل ينقدح في نفس المجتهد يعتبر عبارته عنه، فلا نزاع فيه؛ لأنّه إن شك فيه فمردود إجماعا، و إن تحقّق فمعمول به إجماعا.

و من قال: هو العدول عن قياس إلى قياس أقوى، فلا نزاع فيه.

____________

(1). نقله عنه الرازي في المحصول: 2/ 561؛ و الآمدي في الإحكام: 4/ 162؛ و الغزالي في المستصفى: 1/ 409، و غيرهم.

(2). الزمر: 18.

(3). الأعراف: 145.

(4). عوالي اللآلي: 1/ 381؛ بحار الأنوار: 22/ 45. و رواه في مسند أحمد: 1/ 379؛ مستدرك الحاكم: 3/ 78؛ مجمع الزوائد: 1/ 177 عن عبد اللّه بن مسعود.

(5). ما بين القوسين من المحصول: 2/ 561.

400

و من قال: تخصيص قياس بأقوى منه، فلا نزاع معه أيضا.

و من قال: إنّه العدول إلى خلاف النظير لدليل أقوى، فلا نزاع معه.

و أمّا من قال: إنّه العدول عن حكم الدليل إلى العادة لمصلحة الناس، كدخول الحمام و شرب الماء من السقّاء، فإن استند إلى جريانه في زمانه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو زمان المجتهدين من الصحابة مع علمهم به و عدم الإنكار، صار حجّة إجماعا، و إلّا فهو مردود، لأنّ الشرع هو الحاكم على العادة دون العكس، فإن تحقّق استحسان مختلف فيه فليس بحجّة على ما اخترناه، إذ لا دليل عليه، فلا يجوز الحكم به، لأنّه يكون حكما في الدين بغير دليل، إذ لا فرق بين تشريع الحكم و بين تشريع ما يدلّ عليه و ليس دليلا في نفس الأمر.

احتجّوا (1) بأنّه تعالى أورد: فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ‏ في معرض الثناء و المدح لمتبع أحسن القول، و أمر بقوله: وَ اتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ‏ (2) باتّباع أحسن ما أنزل، و لو لا أنّه حجّة لما كان كذلك.

و بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن» و لو لا أنّه حجّة لما كان عند اللّه حسنا.

و اجتمعت الأمّة على استحسان دخول الحمام من غير تقدير زمان السكون و الماء و الأجرة.

____________

(1). ذكرها الآمدي في الإحكام: 4/ 165- 166.

(2). الزمر: 55.

401

و الجواب: ليس في الآيات دليل على أنّ الاستحسان حجّة.

سلّمنا، لكن المراد به ما هو دليل، و الدليل منحصر في النصّ و الإجماع و غيرهما من الأدلّة المشهورة لا المتنازع.

و قوله: «ما رآه المسلمون حسنا» يريد ما أجمعوا عليه، و الإجماع لا بدّ له من دليل.

و دخول الحمام شائع لجريانه في زمانه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا من حيث الاستحسان.

402

الفصل الرابع: في المصالح المرسلة

قد عرفت فيما تقدّم حقيقة المصلحة و أقسامها في ذاتها، و انقسامها باعتبار شهادة الشارع لها بالاعتبار و عدمه إلى أقسام ثلاثة (1):

الأوّل: المعتبر و هو ما شهد الشرع باعتباره، و هو المناسب الّذي تقدّم بيانه.

الثاني: ما شهد الشرع ببطلانه و إلغائه كقول العالم للملك لمّا جامع في نهار رمضان: عليك صوم شهرين متتابعين، فلمّا أنكر عليه حيث لم يأمره بالإعتاق قال: لو أمرته بذلك يسهل عليه.

و هو باطل، لأنّه حكم على خلاف حكم اللّه تعالى لمصلحة تخيّلها الإنسان بحسب رأيه. ثم إذا عرف ذلك من العلماء ارتفعت ثقة الملوك بفتاويهم، و ارتفع غرضهم من الانقياد إلى قولهم و امتثال الشرائع الحقّة.

الثالث: ما لم يشهد له نصّ بالاعتبار، و لا الإلغاء و هو المناسب المرسل، و قد سبق أنّ المناسبة إمّا أن تكون في محلّ الضرورة أو الحاجة

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 578.

403

أو التتمّة، فقال الغزالي: الواقع في محل الحاجة و التتمّة لا يجوز الحكم فيها بمجرّد المصلحة، لأنّه يجري مجرى وضع الشرع بالرأي. و أمّا الواقع في رتبة الضرورة فلا يبعد أداء اجتهاد مجتهد إليه. كالكفّار إذا تترّسوا بجماعة من المسلمين، فلو كففنا عنهم استولوا على دار الإسلام و قتلوا المسلمين كافّة. و الترس أيضا. و لو رمينا الترس قتلنا مسلما لم يذنب، و لا عهد مثله في الشرع.

فيجوز أن يقول قائل: هذا الأسير مقتول بكلّ حال، فحفظ كلّ المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع من حفظ المسلم الواحد و اعتبرنا هذه المصلحة لاشتمالها على كونها ضرورية قطعية كلية. (1)

إذا عرفت هذا فنقول: اختلف الناس في الاستدلال بالمصالح المرسلة، فالإمامية و الشافعية و الحنفية و غيرهم على امتناع ذلك، و نقل عن مالك القول به و أنكر أصحابه ذلك عنه، و لعلّ النقل مختصّ بما ذكره الغزالي. (2)

لنا: إنّ المصالح منها ما ثبت اعتباره و عهد من الشارع الالتفات إليه، و منها ما ثبت إلغاؤه و عهد من الشرع إبطاله، و هذا القسم متردّد بين الأمرين، و ليس إلحاقه بأحد القسمين أولى من الآخر، فامتنع الاحتجاج به دون شاهد بالاعتبار يعرف أنّه من قبيل المعتبر دون الملغى.

____________

(1). المحصول: 2/ 578 بتصرف، نقلا عن المستصفى: 1/ 293- 295.

(2). المستصفى: 1/ 297.

404

لا يقال: ما ذكرتموه فرع تصوّر وجود المناسب المرسل، و هو غير متصور. لأنّا أجمعنا على أنّ هناك مصالح معتبرة في نظر الشرع في بعض الأحكام، و أي وصف قدر من الأوصاف المصلحية فهو من جنس ما اعتبر فكان من قبيل الملائم الّذي أثر جنسه في جنس الحكم، و قد قلتم به.

لأنّا نقول‏ (1): كما أنّه من جنس المصالح المعتبرة فهو من جنس المصالح الملغاة، فإن لزم من كونه من جنس المعتبر اعتباره لزم من كونه من جنس الملغى بالنظر إلى حكم واحد، و هو محال.

فإذن لا بدّ من كونه معتبرا بالجنس القريب منه لنأمن إلغاءه، فيما إذا لم يكن كذلك.

و احتجّ مالك‏ (2) بأنّ كلّ حكم يعرض فإمّا أن يستلزم مصلحة خالية عن المفسدة، أو مفسدة خالية عن المصلحة، أو يكون خاليا عن المصلحة و المفسدة بالكلّية، أو يكون مشتملا عليهما معا، و هذا على ثلاثة أقسام:

أن يكونا متساويين، أو تكون المصلحة راجحة، أو المفسدة.

فالأقسام ستة:

الأوّل: أن يستلزم مصلحة خالية عن المفسدة؛ و هذا يجب في الحكمة أن يكون مشروعا، لأنّ المقصود من الشرائع رعاية المصالح.

الثاني: أن يستلزم مصلحة راجحة؛ و هذا لا بدّ و أن يكون أيضا

____________

(1). ذكره الآمدي في الإحكام: 4/ 168.

(2). نقله عنه الرازي في المحصول: 2/ 579- 580.