نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج4

- العلامة الحلي المزيد...
476 /
405

مشروعا، لأنّ ترك الخير الكثير، لأجل الشرّ القليل شر كثير.

الثالث: أن يتساويا؛ و هذا يكون عبثا فوجب أن لا يشرع.

الرابع: أن يخلو عن الأمرين؛ و هو أيضا عبث، فلا يكون مشروعا.

الخامس: أن يكون مفسدة خالصة، و يمتنع أن يكون مشروعا قطعا.

السادس: أن يكون المفسدة راجحة و هو أيضا غير مشروع، لأنّ المفسدة الراجحة واجبة الدفع بالضرورة.

و هذه الأحكام المذكورة في هذه الأقسام الستة كالمعلومة بالضرورة أنّها من دين الأنبياء، و هي المقصود من وضع الشرائع.

و الكتاب و السنّة دالّان على أنّ الأمر كذلك، تارة بالتصريح، و تارة بموافقة الأحكام لما قلناه. غاية ما في الباب: أنّا نجد بعض الوقائع داخلا تحت قسم من هذه الأقسام، و لا يوجد له في الشرع ما يشهد له بحسب جنسه القريب، لكن لا بدّ و أن يشهد الشرع بحسب جنسه البعيد و هو كونه خالص مصلحة أو مفسدة، أو غالب مصلحة أو مفسدة.

فظهر أنّه لا توجد مناسبة إلّا و لها في الشرع ما يشهد لها بالاعتبار، إمّا بحسب جنسها القريب أو البعيد.

فيجب القطع بكونه حجّة، لأنّا إذا علمنا اعتبار المصلحة الغالبة على المفسدة شرعا، ثم ظننا غلبة مصلحة هذا الحكم على مفسدته حصل ظن اعتبار هذه المصلحة شرعا. و العمل بالظن واجب لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أنا أقضي‏

406

بالظاهر». (1) و لأنّ ترجيح الراجح من مقتضيات العقول، و لقوله تعالى:

فَاعْتَبِرُوا (2) و هو يتناول المتنازع، لأنّ الاستدلال بكونه مصلحة على كونه مشروعا مجاوزة. و لأنّ الصحابة لم يعتبروا الشرائط الّتي اعتبرها المتأخّرون في الأصل و الفرع و العلّة، بل كانوا يعتبرون المصالح لعلمهم بأنّ القصد من الشرائع رعاية مطلق المصلحة.

____________

(1). ورد نحوه في سنن النسائي: 8/ 234.

(2). الحشر: 2.

407

الفصل الخامس: في شرع من قبلنا

و فيه مباحث:

[البحث‏] الأوّل: في أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هل كان متعبدا قبل النبوة بشرع من قبله أم لا؟

اختلف الناس في ذلك. فمنهم من نفى ذلك و قال: إنّه لم يكن قبل النبوة متعبّدا بشرع من تقدّمه من الأنبياء. و هو اختيار أبي الحسين البصري‏ (1) و جماعة.

و منهم من جزم بأنّه كان متعبّدا بشرع من تقدّمه. و هؤلاء اختلفوا فقال بعضهم: إنّه كان متعبّدا بشرع نوح، و قال آخرون: بشرع إبراهيم، و قال بعضهم: بشرع موسى، و قال آخرون: بشرع عيسى، و قال آخرون: بما ثبت أنّه شرع.

و أمّا الباقون من الأصوليّين كالسيد المرتضى‏ (2) و القاضي عبد الجبار و الغزالي‏ (3) و غيرهم فإنّهم توقّفوا في ذلك و جوّزوا كلا الأمرين. و هو

____________

(1). المعتمد في أصول الفقه: 2/ 337.

(2). الذريعة إلى أصول الشريعة: 2/ 595.

(3). المستصفى: 1/ 391.

408

الأقوى، لأنّ العبادة بالشرائع تابعة لما يعلمه اللّه تعالى من المصلحة بها في التكليف العقلي، و لا يمتنع أن يعلم اللّه تعالى أنّه لا مصلحة للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قبل نبوته في العبادة بشي‏ء من الشرائع، كما أنّه غير ممتنع أن يعلم أنّ له في ذلك مصلحة و إذا جاز كلّ منهما و لا دلالة توجب القطع على أحدهما وجب الوقف. (1)

احتجّ المنكرون بوجهين‏ (2):

الأوّل: لو كان متعبّدا بشرع أحد لوجب عليه الرجوع إلى علماء تلك الشريعة و الاستفتاء منهم‏

، و الأخذ بقولهم، و لو كان كذلك لاشتهر و لنقل بالتواتر قياسا على سائر احواله؛ و حيث لم ينقل، علمنا أنّه لم يكن متعبّدا بشرعهم.

الثاني: لو كان على ملّة قوم، لافتخر به أولئك و لنسبوه إلى أنفسهم‏

، و لو كان كذلك لاشتهر.

لا يقال: لو لم يكن متعبّدا بشرع أحد لاشتهر.

لأنّا نقول: الفرق أنّ قومه ما كانوا على شرع أحد، فبقاؤه لا على شرع البتّة لا يكون مخالفا للعادة، فلا تتوفّر الدواعي على نقله. أمّا كونه على شرع أحد لمّا كان بخلاف عادة قومه، وجب أن ينقل.

و الاعتراض: لا نسلم وجوب الرجوع‏

، لأنّ المتواتر معلوم و غيره لا

____________

(1). راجع الإحكام: 4/ 145.

(2). ذكرهما الرازي في المحصول: 1/ 518.

409

يفيد و نمنع وجوب الاشتهار، فإنّ كثيرا من الأحكام الّتي كلّفنا بمعرفتها وجدت في زمانه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و تعبّدنا بها لم تشتهر، كفصول الأذان، فكيف حال الأخفى؟

و احتج الآخرون بوجهين‏ (1):

الأوّل: دعوة من تقدّمه عامّة فيكون داخلا فيها لعدم النسخ قبل نبوته.

الثاني: انّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قبل البعثة كان يصلّي و يحج و يعتمر

، و يطوف بالبيت و يعظّمه، و يذكّي اللحم و يأكله، و يركب البهيمة و يتجنب الميتة، و العقل غير دالّ على ذلك.

و الاعتراض: لا نسلّم عموم دعوة من تقدّمه‏

، فإنّه لم ينقل في ذلك لفظ يدل على التعميم.

سلّمنا، لكن تلك الدعوة لم تنقل إليه بالتواتر و لا بالاشتهار الموجب للظن الغالب، بل تكون الشرائع قد اندرست و تعذّر التكليف بها لعدم نقلها و تفصيلها، و لذلك بعث (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في ذلك الزمان، و هو المراد من زمان الفترة.

و ركوب البهائم حسن في العقل، لأنّه طريق إلى حفظها و نفعها بالعلف و غيره.

و أكل اللحم المذكّى حسن، إذ لا مضرة فيه على حيوان و فيه نفع للآكل.

____________

(1). ذكرهما الرازي في المحصول: 1/ 519.

410

و الصلاة و الحج و العمرة و الطواف لا يدلّ على أنّه كان متعبّدا به شرعا، لاحتمال أن يكون ذلك بطريق التبرّك بفعل مثل ما نقل إجمالا عن الأنبياء، و اندرس تفصيله. و لو فعله من غير شرع لم يكن حراما، على أنّ بعض علماء الإمامية ذهب إلى أنّه كان متعبّدا بما يلهمه اللّه تعالى إيّاه، فجاز أن يكون من هذا القبيل.

إذا ثبت هذا، فإنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قبل البعثة لم يكن على ما كان قومه عليه، بل كان متجنّبا لأصنامهم، معرضا عن أزلامهم، و لا يأكل من ذبائحهم على النصب. هذا هو مذهب الإمامية، لما تقدّم من وجوب العصمة قبل النبوة و بعدها.

البحث الثاني: في جواز تعبّد نبي بمثل شريعة نبي تقدّمه‏

اعلم أنّ البحث في ذلك متعلّق بعلم الكلام، لكنّا ذكرناه هنا مختصرا لتوقّف البحث الآتي عليه، و هو أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بعد البعث هل كان متعبّدا بشرع من تقدّمه أم لا؟ لابتنائه عليه، إذ لو لم يجز تعبّد نبي بشرع من تقدّمه، سقط هذا البحث.

و قد قيل: إنّ ذلك يجوز بأحد الشرطين: إمّا بأن تندرس الأولى فيجدّدها الثاني، أو بأن يزيد فيها ما لم يكن منها. و يمنعون من جواز ذلك على غير أحد هذين الشرطين، و إلّا كان عبثا، فلا يجب النظر في معجزته مع أنّ النظر في المعجزات واجب.

411

و هذا ليس بشي‏ء، لأنّ بعثة النبي الثاني لا تكون عبثا إذا علم اللّه تعالى أنّه يؤمن عندها، و ينتفع من لم ينتفع بالأولى.

و لو لم يكن الأمر أيضا كذلك، كانت البعثة الثانية على سبيل ترادف الأدلّة على أمر واحد، و لا يمكن نسبة نصب الأدلّة على شي‏ء واحد إلى العبث.

و لا نسلّم وجوب النظر في معجزة كلّ نبي، لأنّ ذلك يختلف، فإن خاف المكلّف من الضرر لو لم ينظر وجب، و إلّا فلا.

البحث الثالث: في حاله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بعد النبوة

اختلف الناس في ذلك فذهب جماهير المعتزلة و الأشاعرة، و كثير من الفقهاء إلى أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يكن متعبّدا بشرع أحد. و هو مذهب السيّد المرتضى‏ (1) و أكثر الإمامية. (2)

و نقل عن أصحاب أبي حنيفة و أحمد بن حنبل في رواية و بعض الشافعية أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان متعبّدا بشرع من تقدّمه بطريق الوحي إليه، لا من‏

____________

(1). الذريعة إلى أصول الشريعة: 2/ 598.

(2). قال الشيخ الطوسي في «عدّة الأصول»: 2/ 590- 591؛ عندنا أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يكن متعبّدا بشريعة من تقدّمه من الأنبياء، لا قبل النبوّة و لا بعدها، و أنّ جميع ما تعبّد به كان شرعا له.

و يقول أصحابنا: إنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قبل البعثة كان يوحى إليه بأشياء تخصّه، و كان يعمل بالوحي لا اتباعا لشريعة قبله ... ثم قال: و الّذي يدلّ على ما ذهبنا إليه إجماع الفرقة المحقّة، لأنّه لا اختلاف بينهم في ذلك، و إجماعها حجّة.

و للمزيد من الاطلاع راجع: قوانين الأصول للميرزا القمي: 494.

412

جهة كتبهم المبدّلة و نقل أربابها. ثمّ اختلفوا فقال قوم: إنّه كان متعبدا بشرع إبراهيم، و قيل: بشرع موسى و قيل شرع عيسى (عليهم السلام). (1)

و الأصل في ذلك أنّ القائل بأنّه كان متعبّدا بشرع من قبله، إن أراد أنّه تعالى كان يوحي إليه بمثل الأحكام الّتي أمر بها من قبله في كلّ الشرع؛ فهو معلوم البطلان بالضرورة، لأنّ شرعنا خالف شرع من تقدّمنا في كثير من الأحكام أو في بعضه، و هو مسلم إجماعا، لكن ذلك لا يقتضي إطلاق القول بأنّه متعبّد بشرع غيره، لأنّ فيه إيهام التبعية لغيره، و هو (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يكن متّبعا لغيره، بل كان أصلا في شرعه.

و إن أراد أنّه تعالى أمره بأخذ الأحكام من كتبهم و الرجوع إلى أحكام من تقدّمه ممّا لم ينسخ فهو المتنازع. و الحق خلافه لوجوه: (2)

الأوّل: لو كان متعبّدا بشرع أحد لوجب أن يرجع في أحكام الحوادث النازلة إلى شرع المتبوع، و لم يتوقّف فيما لم يسبق إليه الوحي فيه على نزوله عليه، لكنّه لم يرجع في ذلك إلّا إلى ما يوحى إليه، و إلّا لاشتهر؛ و لأنّ عمر طالع ورقة من التوراة فغضب (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قال: «أ لم آت بها بيضاء نقية، لو كان أخي موسى حيا لما وسعه إلّا اتّباعي» (3) و هذا يدلّ على أنّه لم يكن متعبّدا بشرع أحد.

____________

(1). راجع الإحكام: 4/ 147؛ المحصول: 1/ 519.

(2). ذكرها الرازي في المحصول: 1/ 520- 523.

(3). تفسير الرازي: 8/ 123؛ المغني: 6/ 192. و ورد هذا الحديث بتفاوت في المصادر التالية:

دعوات الراوندي: 170 ح 475؛ عوالي اللآلي: 4/ 121 ح 199؛ تفسير القرطبي: 13/ 355؛ تفسير البيضاوي: 1/ 311.

413

لا يقال: نمنع الملازمة، لاحتمال أن يكون (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) غير متعبّد في تلك الصورة بشرع من قبله فتوقّف فيها إلى نزول الوحي عليه، أو أنّه علم خلو شرعهم عن حكم تلك الواقعة فانتظر الوحي؛ أو لأنّ أحكام تلك الشرائع إن كانت منقولة بالتواتر لم يحتج في معرفتها إلى الرجوع إليهم و إلى كتبهم، و إن كانت منقولة بالآحاد لم يجز قبولها، لأنّ أولئك الرواة كفّار فلا تقبل روايتهم.

سلّمنا الملازمة، لكن قد ثبت رجوعه إلى التوراة في الرجم لمّا احتكم إليه اليهود.

لأنّا نقول: لمّا لم يرجع في شي‏ء من الوقائع إليهم، علم أنّه غير متعبّد في شي‏ء منها بشرع من قبله.

و العلم بخلو كتبهم عن تلك الوقائع لا يحصل إلّا بالطلب الشديد و البحث الكثير، فكان يجب أن يقع منه ذلك الطلب و البحث.

و كون الدليل متواترا لا يمنع من النظر فيه لجواز تواتر مثله‏ (1)، و افتقاره في الدلالة على ما يدلّ عليه إلى بحث و تأمل و نظر دقيق؛ فلمّا لم يشتغل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالنظر في كتبهم و البحث عن كيفية الدلالة على الأحكام، علم أنّه غير متعبّد بها.

و الرجوع إلى التوراة في الرجم لم يكن لإثبات الشرع بها، لأنّها

____________

(1). في «أ»: عينه، و في «ج»: متنه.

414

محرّفة عنده فكيف يرجع إليها و يعتمد على ما تشتمل عليه؟ و لأنّه لم يرجع إليها في غير الرجم، و لأنّ من أخبره بوجوب الرجم في التوراة لم يكن ممّن يقع العلم بخبره. فثبت أنّ رجوعه إليها إنّما كان ليقرر عليهم أنّ ذلك الحكم ثابت في شرعهم كما هو ثابت عنده (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و أنّهم أنكروه كذبا و عنادا.

الثاني: لو كان متعبّدا بشرع من قبله لوجب على علماء الأمصار أن يرجعوا في الوقائع إلى شرع من قبله، ضرورة أنّ التأسي به واجب، و حيث لم يفعلوا ذلك علمنا بطلانه.

الثالث: لمّا بعث معاذا و قال: «بم تحكم؟ قال: بكتاب اللّه تعالى، قال:

فإن لم تجد؟ قال: بسنّة رسول اللّه، قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهد رأيي» و لم يذكر شيئا من كتب الأنبياء السابقين، و النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أقرّه على ذلك و دعا له و قال: «الحمد للّه الّذي وفق رسول اللّه لما يحبّه اللّه و رسوله». (1) و لو كانت من مدارك الأحكام الشرعية لجرت مجرى الكتاب و السنّة في وجوب الرجوع إليها، و لم يجز العدول عنها إلى اجتهاد الرأي إلّا بعد البحث عنها و اليأس من معرفتها.

لا يقال: إنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) صوبه على حكمه بالاجتهاد (إذا علم من الكتاب) (2)، و التوراة، كتاب و لأنّه لم يذكر التوراة، لأنّ في القرآن آيات تدل‏

____________

(1). مسند أحمد: 5/ 230 و 242؛ سنن أبي داود: 2/ 162 برقم 3592؛ سنن الترمذي: 2/ 394 برقم 1342؛ سنن الدارمي: 1/ 60.

(2). في المحصول: 1/ 522: إلّا إذا عدمه في الكتاب.

415

على الرجوع إليها، كما أنّه لم يذكر الإجماع لاشتمال القرآن على الرجوع إليه.

لأنّا نقول: إطلاق الكتاب انما يفهم منه القرآن خاصة، و لا يحمل على غيره إلّا بدليل. و لأنّ معاذا لم يعرف منه تعلّم التوراة و الإنجيل و العناية بتمييز المحرّف منها عن غيره، كما عهد منه تعلّم القرآن. و اشتمال القرآن على آيات تدلّ على الرجوع إليها سيأتي.

سلّمنا، لكن ذلك لا يكفي في الإسقاط و ترك الذكر كالسنّة و القياس.

الرابع: لو كانت كتب الأنبياء حجّة علينا لوجب حفظها على الكفاية كما في القرآن و الأخبار، و الرجوع إليها عند اختلافهم في الوقائع الّتي اختلفوا فيها، كمسألة العول و ميراث الجد، و المفوّضة، و بيع أم الولد، و حد الشرب، و الربا في غير النسيئة، و دية الجنين، و الردّ بالعيب بعد الوطي، و التقاء الختانين، و غير ذلك.

و لما لم ينقل عن أحد منهم مع كثرة الوقائع المختلف فيها و طول أعمارهم، مراجعة التوراة و غيرها من كتب الأنبياء، خصوصا و قد أسلم من أحبارهم من تقوم الحجّة بقولهم، كعبد اللّه بن سلام و كعب و وهب و غيرهم، و لا يجوز القياس إلّا بعد اليأس من الكتاب، و كيف يحصل اليأس قبل العلم؟

الخامس: لو كان متعبّدا بشرع من تقدّمه في الكلّ أو في البعض، لما نسب شي‏ء من شرعنا إليه على التقدير الأوّل، و لا كلّ الشرع إليه على‏

416

التقدير الثاني، كما لا ينسب شرعه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى من هو متعبّد بشرعه من أمته، و هو خلاف الاجماع.

لا يقال: ما ينسب إليه ممّا كان متعبّدا به من الشرائع أنّه من شرعه بطريق التجوّز لكونه معلوما لنا بواسطة و إن لم يكن هو الشارع له.

لأنّا نقول: إنّه ترك الظاهر المشهور المتبادر إلى الفهم من غير دليل فلا يسمع.

السادس: إجماع المسلمين على أنّ شريعة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ناسخة لشريعة من تقدّم، فلو كان متعبّدا بها لكان مقررا لها و مخبرا عنها، لا ناسخا لها و لا مشرعا، و هو محال.

لا يقال: نحن نقول بذلك و إن كان من شرعه مخالفا لشرع من تقدّم فهو ناسخ له، و ما لم يكن من شرعه بل كان متعبّدا فيه بشرع من تقدّمه فلا، و لهذا لا يوصف شرعه بأنّه ناسخ لبعض ما كان مشروعا قبله لوجوب الإيمان و تحريم الكفر و الزنا و القتل و السرقة و غيرها ممّا اتّفق فيه الكلّ.

لأنّا نقول‏ (1): إطلاق الأمّة بأنّ شرع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ناسخ للشرائع السالفة يفهم منه أمران: رفع أحكامها، و أنّها غير متعبّد بها. فما لم يثبت رفعه من تلك الأحكام بشرعه لا يكون ناسخا له. فيبقى المفهوم الآخر، و هو عدم تعبّده به، فلا يلزم من مخالفة دلالة الدليل على أحد مدلوليه مخالفته بالنظر إلى المدلول الآخر.

____________

(1). ذكره الآمدي في الإحكام: 4/ 151.

417

احتجّ المثبتون بوجوه‏ (1):

الأوّل: قوله تعالى: فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ‏ (2) أمره باقتدائه بالهدى المضاف إليهم، و شرعهم من هديهم، فوجب عليه اتّباعه.

الثاني: قوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى‏ نُوحٍ‏ (3)، و قوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً (4) فدلّ على وجوب اتّباعه لشريعة نوح.

الثالث: قوله تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً (5) أمره باتّباع ملّة إبراهيم (عليه السلام)، و الأمر للوجوب.

الرابع: قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ‏ (6) و النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من جملة النبيّين فيجب عليه الحكم بها.

الخامس: روي أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) راجع التوراة في رجم اليهودي. (7)

و روي عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه طلب منه القصاص في سن كسرت فقال: كتاب اللّه يقضي بالقصاص، و ليس في الكتب ما يقضي بالقصاص في السنّ‏

____________

(1). ذكرها مع الأجوبة عنها: الرازي في المحصول: 1/ 523- 524؛ و الآمدي في الإحكام: 4/ 149- 153.

(2). الأنعام: 90.

(3). النساء: 163.

(4). الشورى: 13.

(5). النحل: 123.

(6). المائدة: 44.

(7). راجع سنن ابن ماجة: 2/ 854، باب رجم اليهودي و اليهودية.

418

سوى التوراة، و هو قوله تعالى: وَ السِّنَّ بِالسِّنِ‏ (1). (2)

و روي عنه أنّه قال: من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلّها إذا ذكرها، و تلا قوله تعالى: وَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي‏ (3) و هو خطاب مع موسى (عليه السلام). (4)

و الجواب عن الأوّل. أنّه تعالى أمره بأن يقتدي بهدى مضاف إلى الجميع، و الهدى الّذي اتّفقوا عليه هو الأصول دون الأحكام الفرعية الّتي وقع النسخ فيها.

سلّمنا، لكن الاتّباع إنّما كان يوحى إليه و أمر مجدد، لا أنّه بطريق عموم خطابهم له (عليه السلام).

و عن الثاني. أنّه يقتضي تشبيه الوحي بالوحي لا تشبيه (الموحى به بالموحى به) (5).

و قوله: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً المراد بالدين أصل التوحيد لا ما نسخ من شرعه، و لهذا لم ينقل عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) البحث عن شريعة نوح (عليه السلام)، و ذلك مع التعبّد بها في حقّه ممتنع، و حيث خصص نوحا بالذكر

____________

(1). المائدة: 45.

(2). الإحكام: 4/ 150. و لم نعثر عليه في المصادر الحديثية.

(3). طه: 14.

(4). سنن الدارمي: 1/ 280؛ سنن النسائي: 1/ 293؛ مجمع الزوائد: 1/ 322؛ المعجم الأوسط:

6/ 182؛ المعجم الكبير: 22/ 107؛ كنز العمال: 7/ 540 برقم 20160؛ أحكام القرآن: 1/ 378 و 652؛ تفسير القرطبي: 11/ 177؛ الإحكام: 4/ 150.

(5). في «ب»: الموحى بالموحى به.

419

مع اشتراك جميع الأنبياء في الوصية بالتوحيد كان تشريفا له و تكريما، كما خصص روح عيسى بالإضافة إليه، و المؤمنين بلفظ العباد.

و عن الثالث. الملّة محمول على الأصول دون الفروع، لأنّه يقال: ملّة الشافعي و أبي حنيفة واحدة و إن اختلفا في الفروع، و لقوله بعد هذه الآية:

وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏ (1)، و لأنّ شريعة إبراهيم (عليه السلام) قد اندرست، و لقوله تعالى: وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ‏ (2) و لو كان المراد من الدين الأحكام الفرعية لكان من خالفه فيها من الأنبياء سفيها، و هو محال.

و عن الرابع. ان قوله: يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ‏ لا يمكن إجراؤه على ظاهره، فإنّ جميع النبيّين لم يحكموا بجميع ما في التوراة بالضرورة، فوجب التخصيص إمّا في الأنبياء بأن يكون بعض النبيّين حكم بجميع ما فيها و هو غير نافع لهم؛ أو فيما اشتملت عليه بأن يكون جميع الأنبياء حكموا ببعض ما فيها، و نحن نقول بموجبه، فإنّ نبينا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حكم بما اشتملت عليه من معرفة اللّه تعالى و ملائكته و كتبه و رسله و كيفية الخلق، و غير ذلك من القصص غير الأحكام الفرعية، على أنّ قوله‏ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ‏ صيغة إخبار لا أمر، و ذلك لا يدلّ على وجوب اتّباعها.

و عن الخامس. رجوعه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الرجم إلى التوراة ليعرفهم مساواة الشرعين على ما تقدّم.

____________

(1). النحل: 123.

(2). البقرة: 130.

420

و نمنع خلو كتابنا من وجوب القصاص في السنّ، و يدلّ عليه قوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ‏ (1).

و لم يذكر الخطاب مع موسى (عليه السلام)، لكونه موجبا لقضاء الصلاة عند النوم و النسيان، بل أوجب ذلك بوحي جديد، و نبّه على أنّ أمّته مأمورة بذلك كما أنّ موسى (عليه السلام) مأمور.

____________

(1). البقرة: 194.

421

الفصل السادس: في مذهب الصحابي‏

و فيه مباحث:

البحث الأوّل: في أنّه ليس بحجّة

اتّفق الناس كافّة على أنّ مذهب الصحابي في مسائل الاجتهاد ليس حجّة على غيره من الصحابة المجتهدين، إماما كان أو غيره، حاكما كان أو مفتيا؛ إلّا الإمامية فإنّ قول الإمام عندهم حجّة، لأنّهم يشترطون العصمة فيه. (1)

و اختلف الأصوليون في كونه حجّة على التابعين و من بعدهم من المجتهدين.

فذهب الإمامية، (2) و الأشاعرة، و المعتزلة، و الشافعي في أحد قوليه،

____________

(1). ان قول الصحابي ليس حجّة على الغير ما لم يستند إلى المعصوم، و اما إذا كان الصحابي إماما معصوما كعلي و الحسن و الحسين (عليهم السلام)، فقوله حجّة لا بما أنّه صحابي بل بما أنّه إمام معصوم حجّة من اللّه سبحانه على العباد، و إلى ما ذكرنا يشير المصنّف بقوله: لانهم يشترطون العصمة فيه.

(2). إنّ لقول الصحابي صورا يختلف حكمها باختلاف الصور:

422

و أحمد بن حنبل في إحدى الرّوايتين عنه، و الكرخي إلى أنّه ليس حجّة مطلقا.

و ذهب مالك بن أنس و أبو بكر الرازي و البرذعي من الحنفية، و الشافعي في القول الآخر، و أحمد في الرواية الأخرى إلى أنّه حجّة مقدّمة على القياس.

و قال قوم: إن خالف القياس فهو حجّة، و إلّا فلا.

و قال قوم: إنّ الحجّة في قول أبي بكر و عمر لا في غيرهما. (1)

و الحقّ الأوّل.

لنا وجوه‏ (2):

____________

أ. لو نقل قول الرسول و سنّته يؤخذ به إذا اجتمعت فيه شرائط الحجّية.

ب. لو نقل قولا و لم يسنده إلى الرسول و دلّت القرائن على أنّه نقل قول لا نقل رأي، فهو يعد في مصطلح أهل الحديث من الموقوف للوقف على الصحابي من دون إسناد إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فليس حجّة لعدم العلم بكونه قول الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

ج. إذا كان للصحابي رأي في مسألة و لم يقع موقع الإجماع إمّا لقلّة الابتلاء، أو لوجود المخالف، فهو حجّة لنفس الصحابي و ليس بحجّة للآخرين.

و قول الصحابي ليس بحجة عند الإمامية و الأشاعرة و المعتزلة.

و ثمّة كلمة قيمة للشوكاني (المتوفّى 1255 ه) قال فيها: و الحق أنّ رأي الصحابي ليس بحجّة ...

و هناك حقيقة مرّة و هي أنّ حذف قول الصحابي من الفقه السنّي الّذي يعدّ الحجر الأساس للبناء الفقهي على صعيد التشريع، يوجب انهيار صرح البناء الّذي شيّد، و بالتالي انهيار القسم الأعظم من فتاواهم، و لو حلّ محلّها فتاوى أخرى ربّما استتبع فقها جديدا لا أنس لهم به. الوسيط في أصول الفقه للعلّامة جعفر السبحاني: 2/ 88- 89.

(1). راجع الإحكام: 4/ 155.

(2). راجع المحصول: 2/ 562؛ الإحكام: 4/ 155- 157.

423

الأوّل: قوله تعالى: فَاعْتَبِرُوا (1) أمر بالاعتبار، و هو ينافي جواز التقليد.

و فيه نظر، فإنّ المجاوزة من الدليل إلى المدلول اعتبار، و كما يتناول النصّ و الإجماع و غيرهما من الأدلّة كذا يتناول قول الصحابي، لأنّه إذا كان حجّة و استدلّ به على الحكم كان اعتبارا.

الثاني: قوله تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ‏ (2) أوجب الردّ عند الاختلاف إلى اللّه و الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فالردّ إلى مذهب الصحابي يكون تركا للواجب، و هو ممتنع.

اعترض بمنع دلالة الأمر على الوجوب.

سلّمنا، لكن عند إمكان الرد، و هو أن يكون الحكم المختلف فيه مبيّنا في الكتاب أو السنّة، أمّا على تقدير عدم كونه مبيّنا فيهما فلا. و نحن إنّما نقول باتّباع مذهب الصحابي مع عدم الظفر بما يدلّ على حكم الواقعة من الكتاب.

و فيه نظر، لما تقدّم من أنّ الأمر للوجوب و الأمر بالردّ في المختلف إلى ما لا بيان فيه تكليف بما لا يطاق، فوجب اشتمال الكتاب و السنّة على كلّ مختلف فيه من الأحكام. و ظاهر اشتمالها عليه فإنّ العمومات و غيرها من قضايا العقل كالبراءة الأصلية و الاستصحاب و غيرهما وافية بجميع‏

____________

(1). الحشر: 2.

(2). النساء: 59.

424

الأحكام، و مذهب الصحابي إذا كان دليلا وجب البحث فيه و النظر في كيفية دلالته عند معارضة الكتاب أو السنّة، كما في الكتاب و السنّة فلا تكون دلالته مشروطة بعدمها (1) كغيره من أنواع الأدلّة.

الثالث: إجماع الصحابة على جواز مخالفة كلّ واحد من آحاد الصحابة، و لم ينكر أبو بكر و عمر على من خالفهما، بل ربّما رجعا إليه، كقضايا كثيرة رجع عمر فيها عن رأيه و اجتهاده و مذهبه إلى قول علي (عليه السلام) و غيره من الصحابة؛ و لم ينكر أبو بكر على عمر و لا عمر على أبي بكر في مخالفة كلّ منهما صاحبه. و لو كان مذهب الصّحابي حجّة لما كان كذلك، و كان يجب على كلّ واحد منهم اتّباع الآخر، و هو محال.

اعترض بأنّ الخلاف إنّما هو في كون مذهب الصحابي حجّة على من بعده من مجتهدي التابعين لا مجتهدي الصحابة، فلم يكن الإجماع دليلا على محلّ النزاع.

و فيه نظر، فإنّ الإجماع على عدم وجوب تقليد الصحابي لمثله يستلزم عدمه في حقّ التابعي، إذ علّة التقليد العلم و الزهد، و لو فرض وجودهما في التابعي وجب وجود المعلول لوجود علّته.

الرابع: الصّحابي من أهل الاجتهاد، و الخطاء ممكن عليه، فلا يجب على المجتهد التابعي العمل بمذهبه كالصحابيين و التابعيين.

اعترض‏ (2) بأنّه لا يلزم من امتناع وجوب العمل بمذهب الصحابي‏

____________

(1). في «أ» بعدمهما، و في «د»: بعدها.

(2). ذكره الآمدي في الإحكام: 4/ 156.

425

على صحابي مثله، و امتناع وجوب العمل بمذهب التابعي على تابعي مثله امتناع وجوب عمل التابعي بمذهب الصحابي مع تفاوتهما على ما قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «خير القرون القرن الذي أنا فيه». (1)

و فيه نظر، لما تقدّم من الاشتراك في العلّة فيجب الاشتراك في المعلول، و لأنّا نعلم أنّ في التابعين من هو أفضل من كثير من الصحابة في العلم و الزهد فلا يحسن القول بوجوب تقليده.

الخامس: الصحابة اختلفوا في مسائل كثيرة و ذهب كلّ واحد منهم إلى خلاف مذهب الآخر؛ كما في مسائل الجدّ مع الإخوة، و قوله: أنت عليّ حرام، (2) و غيرهما؛ فلو كان مذهب الصّحابي حجّة على غيره من التابعين، لكانت حجج اللّه تعالى مختلفة متناقضة، و لم يكن اتّباع أحدهم أولى من الآخر.

اعترض‏ (3) بأنّ اختلاف مذاهب الصحابة لا يخرجها عن كونها حججا في أنفسها، كأخبار الآحاد و النصوص الظاهرة، و يكون العمل‏

____________

(1). ورد هذا الحديث باختلاف في الألفاظ في المصادر التالية: صحيح مسلم: 7/ 184 و 185، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم؛ سنن أبي داود: 2/ 403 برقم 4657؛ سنن الترمذي:

3/ 340 برقم 2322؛ مسند أحمد: 2/ 228 و ج 4/ 440. و قد ورد هذا الحديث في بعض كتب الشيعة مع الردود عليه؛ راجع الإفصاح للمفيد: 49، باب الروايات الدالة على تنزيه كافة الصحابة و الرد عليها؛ الصوارم المهرقة: 19.

(2). صحيح البخاري: 6/ 166، كتاب الطلاق؛ سنن البيهقي: 7/ 350.

(3). ذكره الآمدي في الإحكام: 4/ 157.

426

بالواحد منها متوقّفا على الترجيح، و مع عدم الوقوف على الترجيح فالواجب الوقف أو التخيير.

و فيه نظر، لأنّ كون كلّ واحد منها حجّة يستلزم عدم كونه حجّة، لأنّ كلّ واحد منهم يعتقد حقّية ما ذهب إليه و بطلان ما ذهب إليه الآخر، و هذا يصلح أن يكون دليلا برأسه، و الفرق ظاهر بين أقوال الصحابة و الأخبار و النصوص الّتي يمكن الجمع بينهما.

السادس: قول الصحابي عن اجتهاد ممّا يجوز عليه الخطاء، فلا يقدّم على القياس، كالتابعي.

اعترض‏ (1) بأنّ اجتهاد الصحابي و إن جاز عليه الخطاء فلا يمنع ذلك من تقديمه على القياس كخبر الواحد، و لا يلزم من امتناع تقديم مذهب التابعي على القياس امتناع ذلك في مذهب الصحابي لما تقدّم من الفرق بينهما.

و فيه نظر، فإنّ خبر الواحد قدّم على القياس لجواز أن يكون أصله الخبر، و لمّا امتنع ترجيح الفرع على الأصل امتنع تقديم القياس على الخبر بخلاف مذهب الصحابيّ.

و قد تقدّم عدم الفرق بين التابعي و الصحابي، بل قد يوجد في التابعين من هو أفضل من بعض الصحابة.

____________

(1). ذكره الآمدي في الإحكام: 4/ 157.

427

السابع: التابعي المجتهد متمكّن من تحصيل الحكم بطريقه، فلا يجوز له التقليد فيه كالأصول.

اعترض‏ (1) بأنّ اتّباع مذهب الصحابي إنّما يكون تقليدا له لو لم يكن حجّة متّبعة، و هو محلّ النزاع، و خرج عليه الأصول فإنّ القطع و اليقين معتبر فيها، و مذهب الغير من أهل الاجتهاد فيها ليس بحجّة قاطعة، فكان اتّباعه في مذهبه تقليدا من غير دليل، و هو غير جائز.

و فيه نظر، فإنّ معنى التقليد ليس إلّا العمل بقول الغير من غير حجّة، و لو كان قول الصحابي حجّة لكان باعتبار الزهد و العلم، و إذا وجدا في غيره تساويا، فكما لم يكن قول غيره حجّة كذا قوله.

و احتجّ المخالف بوجوه‏ (2):

الأوّل: قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ‏ (3) و هو خطاب مع الصحابة، و المعروف واجب القبول.

الثاني: قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم» (4) جعل الاهتداء لازما للاقتداء بأي واحد كان منهم، و ذلك يقتضي أن يكون قوله حجّة.

____________

(1). ذكره الآمدي في الإحكام: 4/ 157.

(2). ذكرها مع الأجوبة عنها الرازي في المحصول: 2/ 562- 563؛ الآمدي في الإحكام: 4/ 158- 160.

(3). آل عمران: 110.

(4). راجع إحقاق الحق: 3/ 93- 96، حيث ذكر مصادر الحديث من كتب أهل السنّة ثم ناقش فيها سندا و دلالة.

428

الثالث: قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «اقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر و عمر». (1)

الرابع: أجمعوا على أنّ عبد الرحمن بن عوف ولّى عليا (عليه السلام) الخلافة بشرط الاقتداء بالشيخين، فامتنع، فولّى عثمان فقبل، و لم ينكر أحد ذلك على عثمان، و كان ذلك بمحضر جماعة من الصحابة فكان إجماعا.

الخامس: قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «عليكم بسنّتي و سنّة الخلفاء الراشدين من بعدي» (2) أشار بذلك إلى الخلفاء الأربعة، و قوله: «عليكم» للإيجاب، (3) و هو عامّ.

السادس: الصحابي إذا قال ما يخالف القياس فلا محمل له إلّا أنّه اتّبع الخبر، و إلّا كان قولا في الدين لمجرّد التشهي و هو حرام.

السابع: قول الصحابي إذا انتشر و لم ينكر عليه منكر كان حجّة، فكان حجة مع عدم الانتشار كقول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

الثامن: مذهب الصحابي إمّا أن يكون عن نقل أو اجتهاد، فإن كان الأوّل كان حجّة، و إن كان الثاني فاجتهاد الصحابي راجح على اجتهاد

____________

(1). مسند أحمد: 5/ 382؛ سنن البيهقي: 5/ 212 و ج 8/ 153. و راجع الإفصاح للمفيد: 219، مسألة إثبات أنّ حديث «اقتدوا باللذين ...» موضوع.

(2). سنن الترمذي: 5/ 44- 45، باب ما جاء في الأخذ بالسنّة و اجتناب البدع؛ سنن أبي داود:

2/ 261، باب في لزوم السنة؛ مسند أحمد: 4/ 126. و قد وردت هذه الفقرة بزيادة «المهديين» بعد «الراشدين» ضمن حديث في الكتب المذكورة أعلاه.

و راجع رسالة في حديث «عليكم بسنّتي و سنة الخلفاء ...» للسيد علي الميلاني.

(3). لم نعثر عليه في المصادر الحديثية، و لكنّه موجود في المستصفى: 1/ 401، و المحصول: 2/ 563.

429

التابعي و من بعده لترجّحه بمشاهدة التنزيل و معرفة التأويل، و وقوفه من أحوال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و معرفة مراده من كلامه على ما لم يقف عليه غيره، فكان حال التابعي إليه كحال العامي بالنسبة إلى المجتهد التابعي، فوجب اتّباعه له.

و الجواب عن الأوّل. المراد الإمام المعصوم على ما تقدّم.

سلّمنا، لكن لا يجوز إرادة كلّ واحد لوقوع الخلاف بينهم فيكون الخطأ واقعا من أحدهم فلا يكون معروفا، بل المراد مجموع الأمّة و لا اختصاص لذلك بالصحابة كما تقدّم في الإجماع.

و عن الثاني. بأنّه خطاب مشافهة فيكون راجعا إلى العوام. و يؤيّده قوله: «اقتديتم» و لأنّه و إن كان عاما في أشخاص الصحابة، فلا دلالة فيه على عموم الاقتداء في كلّ ما يقتدى فيه. و عند ذلك فقد أمكن حمله على الاقتداء بهم في كلّ ما يروونه عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و ليس الحمل على غيره أولى من الحمل عليه.

و فيه نظر، فإنّ الاقتداء لا يفهم من الرواية.

و عن الثالث. لو سلّمنا صحّة نقله قلنا بموجبه، فإنّه يجوز الاقتداء بهما في تجويزهما لغيرهما، مخالفتهما بموجب الاجتهاد. و أيضا فلو اختلفا كما اختلفا في التسوية في العطاء فأيّهما يتّبع.

و عن الرابع. أنّ قول عثمان معارض برد علي (عليه السلام)، و نمنع الإجماع و عدم الإنكار.

430

سلّمنا، لكن ترك الإنكار لأنّهم حملوا الاقتداء على المتابعة في السيرة و السياسة دون المتابعة في المذهب، لدلالة الإجماع على أنّ مذهب الصحابي ليس حجّة على غيره من الصحابة من المجتهدين.

و عن الخامس. أنّ السنّة هي الطريقة، و هي عبارة عن الأمر الّذي يواظب الإنسان عليه فلا تتناول ما يقوله الإنسان مرة واحدة. و أيضا لو سلّمنا صحّة السند فإنّا نقول بموجبه، لأنّه تحريض على ملازمة مجموع السّنتين، أو تقول: إنّه حرص على ملازمته سنّة الخلفاء و لا يجوز أن يتناول ما اختلفوا فيه و إلّا لزم التناقض أو الترجيح من غير مرجّح، فوجب أن يتناول ما اتّفقوا عليه، و هو مسلّم، لأنّ عليا (عليه السلام) أحدهم، و قوله حجّة.

و عن السادس. انّه ربّما صار إلى ما يظنّه دليلا و ليس في نفس الأمر كذلك. نعم لو تعارض قياسان و قال الصحابي بما يوافق أحدهما، جاز الترجيح بقول الصحابي أمّا جعله حجّة فلا. و أيضا فينتقض بقول التابعي مع أنّه ليس حجّة إجماعا.

و عن السابع. إن قلنا: إنّ قول الصحابي إذا انتشر و لم ينكر عليه منكر يكون إجماعا، فالحجّة في الإجماع لا في مذهب الصحابي، و هو غير متحقّق فيما إذا لم ينتشر؛ و إن لم يكن إجماعا، فلا حجّة فيه مطلقا مع أنّه ينتقض ما ذكرتم بمذهب التابعي فإنّه إذا انتشر في عصره و لم يوجد له منكر كان حجّة، و لا يكون حجّة بتقدير عدم انتشاره إجماعا.

و عن الثامن. لا نسلّم أنّ مستنده الفعل، إذ لو كان معه نقل لأبداه‏

431

و رواه، لأنّه من العلوم النافعة، و الظاهر من حال الصحابة نشر العلم و أقوال الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فلم يبق إلّا أن يكون عن رأي و اجتهاد. و حينئذ لا يبقى حجّة على غيره من المجتهدين بعده، لجواز أن يكون دون غيره في الاجتهاد و الصحبة، و إن كانت مميزة لكن رتبة الاجتهاد أعلى، و لهذا قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

«فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه». (1)

البحث الثاني: في تقليد الصحابي‏

الحق أنّه لا يجوز للعالم تقليد الصحابي في الفروع و هو أحد أقوال الشافعي، لأنّ المانع من تقليد العالم لغيره آت في حقّ الصحابي و غيره من غير فرق و سيأتي.

لا يقال: كيف لا يقع الفرق بين الصحابة و غيرهم و قد أثنى اللّه تعالى و رسوله عليهم حيث قال: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ‏ (2)، و قال: وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ‏ (3)، و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «خير القرون قرني».

لأنّا نقول: الثناء يوجب حسن الاعتقاد فيهم و أن يظن بهم خيرا، و لا يوجب تقليدهم، لورود الثناء في حق آحاد الصحابة مع إجماع الصحابة على جواز مخالفتهم.

____________

(1). الكافي: 1/ 403 ضمن ح 1 و 2؛ الخصال: 149؛ أمالي الصدوق: 432؛ بحار الأنوار:

2/ 148 و 161 و 164 و ج 21/ 138 ح 33 و ج 27/ 68؛ مسند أحمد: 4/ 80 و 82 و ج 5/ 183؛ سنن الدارمي: 1/ 74 و 75؛ سنن ابن ماجة: 1/ 84 و 86؛ سنن أبي داود: 2/ 179.

(2). الفتح: 18.

(3). التوبة: 100.

432

و للشافعي قول ثان قديم: إنّه يجوز تقليد الصّحابي في قوله إذا انتشر و لم يخالفه أحد.

و له ثالث: إنّه يقلّد و إن لم ينتشر. (1)

و قد فرّع الشافعية على القول القديم للشافعي فروعا سبعة: (2)

الأوّل: قال الشافعي في كتاب «اختلاف الأحاديث»، (3): روي عن علي (عليه السلام) أنّه صلّى في ليلة ست ركعات، في كلّ ركعة ست سجدات.

قال: لو ثبت ذلك عن علي (عليه السلام) لقلت به، فإنّه لا مجال للقياس فيه، فالظاهر أنّه فعله توقيفا.

الثاني: قال في موضع: قول الصحابي إذا انتشر، و لم يخالف، فهو حجّة. و ضعّفه الغزالي، لأنّ السّكوت ليس بقول، فأيّ فرق بين الانتشار و عدمه؟ و قد تمسّك الغزالي بمثل هذا الإجماع في القطع على أنّ خبر الواحد حجّة، و هو تناف.

الثالث: قال الشافعي: إذا اختلفت الصحابة فالأئمة الأربعة أولى، و إن اختلفت الأربعة، فقول أبي بكر و عمر أولى.

الرابع: قال في موضع آخر: يجب الترجيح بقول الأعلم و الأكثر قياسا، لأنّ زيادة علمه تقوي اجتهاده و تبعده عن التقصير.

____________

(1). راجع المحصول: 2/ 564.

(2). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 565.

(3). في المحصول: كتاب اختلاف الحديث.

433

الخامس: ان اختلف الحكم و الفتوى عن الصحابة فقد اختلف قوله، فقال مرّة: الحكم أولى، لأنّ العناية به أشد. و قال أخرى: الفتوى أولى، لأنّ سكوتهم عن الحكم محمول على الطاعة.

السادس: هل يجوز ترجيح أحد القياسين بقول الصحابي؟ الحق عندهم أنّه في محلّ الاجتهاد، فربّما يتعارض ظنّان، و الصحابي في أحد الجانبين فتميل نفس المجتهد إلى موافقة الصحابيّ، و يكون ذلك أغلب على ظنّه.

السابع: إذا حمل الصحابيّ لفظ (الخبر) على أحد معنييه. منهم من جعله ترجيحا. و قال القاضي أبو بكر: إذا لم يقل علمت ذلك من قصد الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لقرينة شاهدتها لم يكن ترجيحا.

434

الفصل السابع: في باقي أدلة شرعية اختلف فيها المجتهدون‏

و فيه مباحث:

[البحث‏] الأوّل: في حكم الأفعال‏

قد سبق فيما تقدّم هذا البحث على الاستقصاء و نحن الآن بصدد بيان أنّ الأصل في المنافع الإذن، و في المضار المنع بطرق شرعية لنفع هذين الأصلين في الشرع. أمّا الأوّل فيدلّ عليه وجوه‏ (1):

الأوّل: قوله تعالى: خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً (2)، و اللام تقتضي الاختصاص بجهة الانتفاع. و الاعتراض من وجوه:

أ. نمنع اقتضاء اللام الاختصاص بجهة الانتفاع، لقوله تعالى: وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها (3)، لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ‏ (4)، و ليس المراد

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 541.

(2). البقرة: 29.

(3). الإسراء: 7.

(4). البقرة: 284.

435

فيهما الاختصاص النافع، و لأنّ اللام عند النحاة للتمليك، و هو غير ما قلتم.

ب. سلّمنا ذلك لكن يفيد مسمّى الانتفاع أو كلّ الانتفاعات. الأوّل مسلّم، و الثاني ممنوع. و يكفي في العمل بالمسمّى حصول فرد من أفراد الانتفاعات، مثل الاستدلال بها على الصانع تعالى.

ج. سلّمنا عموم الانتفاع لكن بالخلق، لدخول اللام عليه، و نمنع أنّ المخلوق كذلك.

د. سلّمنا إفادة الانتفاع بالمخلوق، لكن لكلّ واحد في حال واحد، لأنّ هذا مقابلة الجمع بالجمع، فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد.

ه. سلّمنا إفادة العموم، لكن «في» للظرفية فيدل على إباحة كلّ ما في داخل الأرض، كالركاز و المعادن فلم قلتم: إنّ ما على الأرض كذلك؟

و. سلّمنا إباحة كلّ ما على الأرض، لكن في ابتداء الخلق، لأنّ قوله تعالى: خَلَقَ لَكُمْ‏ يشعر بأنّه حالما خلقها إنّما خلقها لنا، فلم قلتم: إنّه في الدوام كذلك؟

لا يقال: الأصل في الثابت البقاء.

لأنّا نقول: هذا فيما يحتمل الدوام، لكنّ كونه مباحا صفة، و لا بقاء للصفات.

ز. سلّمنا الإباحة للكلّ حدوثا و بقاء، لكن للموجودين وقت الخطاب، لأنّ قوله: لَكُمْ‏ خطاب مشافهة، فيختصّ بالحاضرين.

436

ح. سلّمنا أنّه يدلّ على اختصاصها بنا، لكن قوله: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ‏ ينافيه.

و الجواب عن أ. الدليل على أنّ اللام لعود المنفعة قوله تعالى: لَها ما كَسَبَتْ‏ (1) و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «النظرة الأولى لك و الثانية عليك» (2) و قوله: «له غنمه و عليه غرمه» (3). و يقال: هذا الكلام لك و هذا عليك، أقصى ما في الباب أنّها جاءت في سائر المواضع لمطلق الاختصاص، فنقول: لو جعلناه حقيقة في اختصاص المنافع أمكن جعله مجازا في مسمّى الاختصاص، لأنّه جزء فيكون لازما، فيصحّ التجوّز به باللفظ فيه، فإذا انتفى اللزوم انتفى حسن التجوّز.

و قول النحويين: لم يريدوا به حقيقة الملك و إلّا لبطل لقولنا (4): الجلّ للفرس، بل أرادوا الاختصاص النافع.

و عن ب. أنّه لا يمكن حمل الآية على هذا النفع، لحصوله لكلّ مكلّف من نفسه، إذ يمكنه الاستدلال بنفسه على الصّانع تعالى، و إذا حصل هذا النفع من نفسه امتنع تحصيل هذا الجنس من النفع من غيره، لاستحالة تحصيل الحاصل، أو كان قليلا جدا.

____________

(1). البقرة: 286.

(2). مجمع البيان: 8/ 433؛ نور الثقلين: 4/ 517.

(3). عوالي اللآلي: 1/ 221 برقم 95 و ج 2/ 114 و ج 3/ 234؛ مستدرك الوسائل: 3/ 422، الحديث 3؛ مستدرك الحاكم: 2/ 51؛ سنن البيهقي: 6/ 39 و 40؛ كنز العمال: 6/ 289.

(4). في المحصول: 2/ 543: بقوله.

437

و عن ج. انّ الخلق هو المخلوق لقوله تعالى: هذا خَلْقُ اللَّهِ‏ (1) أي مخلوقه. و بتقدير التغاير لا نفع للمكلف في صفته تعالى، فيكون المراد من الخلق: المخلوق.

و عن د. نمنع أنّه مقابلة الجمع بالجمع، بل هو جار مجرى تمليك دار واحدة لشخصين، و هو يقتضي تعلّق كلّ منهما لا بجزء معيّن، بل بجميع الأجزاء.

و عن ه. نمنع اختصاص «في» بما في باطن الأرض، لقوله تعالى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً. (2)

و عن و. الأصل في كلّ ثابت بقاؤه.

قوله: الاختصاص عرض فلا يقبل الدوام.

قلنا: حكم اللّه تعالى صفة، فهي واجبة الدوام.

و فيه نظر، فإنّ النسخ يدخل في الإباحة و غيرها من الأحكام على ما تقدّم، و هو ينافي الدوام.

و عن ز. حكمه تعالى في حق الحاضرين يستلزم حكم رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عليهم به، و حكم عليهم به يستلزم حكم علينا به، (3) لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): حكمي على الواحد حكمي على الكلّ. (4)

____________

(1). لقمان: 11.

(2). البقرة: 30.

(3). العبارة في المحصول: 2/ 544 كما يلي: لأن اللّه تعالى لمّا حكم بذلك في حقهم، و قد حكم به الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أيضا في حقهم، فوجب أن يكون قد حكم به أيضا في حقّنا.

(4). عوالي اللآلي: 1/ 456 برقم 197 و ج 2/ 98 برقم 270؛ بحار الأنوار: 2/ 272 ح 4 و ج 77/ 199.

438

و عن ح. التعارض إنّما يثبت لو كان الاختصاص في الموضعين بمعنى واحد، و هو محال، لأنّه في حقّنا الاختصاص النافع، و هو ممتنع في حقّه تعالى، بل بجهة الإيجاد و الخلق فلا يعارض.

الثاني: قوله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ‏ (1) إنكار على من حرّم الزينة و طيب الرزق فلا يكون حراما، فيمتنع ثبوت الحرمة في فرد من أفراد الزينة، لأنّ المطلق جزء من المقيّد، فلو ثبتت الحرمة في فرد من أفراد الزينة لثبتت الحرمة في زينة اللّه تعالى، و هو خلاف الأصل. و إذا انتفت الحرمة بالكليّة ثبتت الإباحة.

و فيه نظر، لأنّ إباحة الكلّي لا يستلزم إباحة الجزئيات.

الثالث: قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ‏ (2). و ليس المراد من الطيّب الحلال، و إلّا لزم التكرير، فيجب تفسيره بما يستطاب طبعا، و هو يقتضي حلّ المنافع بأسرها.

و فيه نظر، فإنّ الاستطابة من الأمور الإضافية المختلفة باختلاف الأمزجة و الطبائع، و مثل ذلك لا تناط به الأحكام الشرعية لاضطرابه، فليس المراد إلّا ما خلا عن وجه قبح، و لا تكرار حينئذ.

الرابع: أنّه انتفاع بما لا ضرر فيه على المالك قطعا، لأنّ المالك هو اللّه‏

____________

(1). الأعراف: 32.

(2). المائدة: 4.

439

تعالى و الضرر عليه ممتنع. و ملك العباد قد كان معدوما، و الأصل بقاؤه على العدم ترك العمل به فيما وقع الإجماع على كونه مانعا، فيبقى في غيره على الأصل و على المنتفع ظاهرا فيكون طلقا، كالاستضاءة بضوء السراج و الاستظلال بجدار الغير.

لا يقال: هذا يقتضي القول بإباحة جميع المحرمات، لانتفاع فاعلها به، و لا ضرر فيها على المالك، و يستلزم سقوط التكاليف بأسرها، و هو باطل قطعا.

و القياس على الاستضاءة و الاستظلال باطل، لأنّ المالك لو منع من الاستضاءة و الاستظلال قبح المنع منه، و اللّه تعالى لو منع من الانتفاع لم يقبح.

لانّا نقول: احترزنا عن إباحة المحرمات بقولنا: و لا ضرر على المنتفع ظاهرا، و هنا الضرر و هو العقاب بارتكاب ما نهى عنه ثابت؛ أمّا على قول المعتزلة فلأنّه لو لا اشتمال الفعل و الترك على جهة لأجلها حصل النهي، و إلّا لما جاز ورود النهي؛ و أمّا عند الأشاعرة فلأنّه تعالى لمّا توعّد بالعقاب عليه كان مشتملا على الضرر، فلم يكن واردا.

و فيه نظر، إذ على قول الأشاعرة لا يجب الإيفاء بالوعد و الوعيد، فانتفى الضرر.

و القياس على الاستضاءة لا يستلزم مساواة الفرع الأصل من كلّ الوجوه، بل المساواة من الوجه المقصود.

440

الخامس: خلق الأعيان لا لحكمة باطل، لقوله تعالى: أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً (1) و وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ‏ (2)؛ و لأنّ الفعل الخالي عن الحكمة عبث، و العبث لا يليق بالحكيم.

و إن كان لحكمة فإمّا عود النفع إليه، و هو محال، لاستحالة النفع عليه؛ أو إلينا، و هو المطلوب، و هذا يقتضي أن يكون المقصود من الخلق نفع المحتاج. و إذا كان كذلك كان نفع المحتاج مطلوب الحصول أين ما كان.

فإن منع منه فإنّما منع، لأنّه بحيث يلزمه رجوع ضرر إلى محتاج.

فإذا نهى اللّه تعالى عن بعض الانتفاعات علمنا أنّه تعالى إنّما منعنا منها للعلم باستلزامها للمضار حالا أو مستقبلا، و لكن ذلك على خلاف الأصل، فثبت أنّ الأصل في المنافع الإباحة.

قال فخر الدين الرازي‏ (3)- و نعم ما قال-: تحقيق القول فيه لا يتمّ إلّا مع القول بالاعتزال.

و أمّا الأصل الثاني و هو أصالة تحريم المضار فيستدعي بيان أمرين‏ (4):

الأوّل: تحقيق ماهية الضرر.

الثاني: الدليل على تحريمه.

____________

(1). المؤمنون: 115.

(2). الدخان: 38.

(3). المحصول: 2/ 546.

(4). ذكرهما الرازي في المحصول: 2/ 547- 549.

441

أمّا الأوّل. فقالوا: إنّه ألم القلب، لأنّ الضرب و تفويت منفعة الإنسان و الشتم و الاستخفاف يسمّى ضررا، فلا بدّ من معنى يشترك فيه يكون لفظ الضرر موضوعا بإزائه دفعا للاشتراك و المجاز، و ألم القلب معنى يشترك فيه فيكون حقيقة فيه.

اعترض بأنّ ألم القلب إن عنيت به الغم و الحزن، فهو باطل، لأنّ من أتلف ثوب غيره أو ملكه و المالك غافل يقال: إنّه قد أضرّ به مع انتفاء الألم و الحزن؛ و إن عنيت به شيئا آخر فبيّنه. نزلنا عن الاستفسار فلم قلتم: الضرر ألم القلب.

قوله: لا بدّ من معنى مشترك في مواضع الاستعمال.

قلنا: لم قلت إنّه لا مشترك إلّا ألم القلب، بل هنا أمر آخر و هو تفويت النفع، و هو أولى، لأنّ النفع مقابل الضرر، و النفع تحصيل المنفعة فوجب أن يكون الضرر إزالتها فلا يكون حقيقة فيما قلتم دفعا للاشتراك.

سلّمنا أنّ ما ذكرتم يدلّ على أنّ الضرر ألم القلب، لكنّه معارض بالمتلف مع غفلة المالك، فإنّ الضرر موجود و الألم مفقود لاستلزام ألم القلب الشعور.

و لقوله تعالى: قالَ أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَ لا يَضُرُّكُمْ‏ (1) أخبر أنّ عبادة الأصنام لا تضرّهم مع أنّها تؤلم قلوبهم يوم القيامة، لأنّهم يعاقبون بذلك.

____________

(1). الأنبياء: 66.

442

فثبت أنّ الضرر ليس ألم القلب.

أجيب بأنّ القلب إذا حصل له غم و حزن انعصر دمه في الباطن، و انعصار دم القلب لانعصار القلب في نفسه، و انعصار القلب مؤلم له، فإنّ أي عضو عصر تألم القلب، فالمراد من ألم القلب تألم تلك الحالة الحاصلة له عند الانعصار. فظهر أنّ ألم القلب مغاير للغم، و إن كان مقارنا له غير منفك عنه.

و من أحرق ثوب غيره العاقل يقال: أضرّ به بمعنى أنّه أوجد ما لو عرفه لحصل الضرر لا محالة، و هو إطلاق اسم المسبّب على السبب مجازا.

قوله: يجوز وجود مشترك آخر.

قلنا: إنّه كان معدوما، و الأصل بقاؤه على العدم.

قوله: تفويت النفع مشترك.

قلنا: لا يجوز جعله مسمّى الضرر، لأنّ في البيع و الهبة تفويت النفع، لأنّ البائع فوّت الانتفاع بالعين مع انتفاء الضرر.

و فيه نظر، فإنّ انتفاعه بالعوض جزء تفويت نفع العين فانتفى الضرر، إذ غالب المنافع بالقدر المشترك و هو مطلق المالية.

قوله: الضرر في مقابلة النفع.

قلنا: هب أنّه كذلك، لكن النفع عبارة عن تحصيل اللّذّة، أو ما يكون وسيلة إليها. و الضرر عبارة عن تحصيل الألم، أو ما يكون وسيلة

443

إليه. و نمنع تضررهم بالاصنام بل بعبادتها.

و أمّا الثاني. فلقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا ضرر و لا إضرار في الإسلام». (1)

و لقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (2)، و قوله تعالى: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ (3) و غيرها من الأدلّة.

البحث الثاني: في الاستقراء

و هو مأخوذ من قصد القرى قرية فقرية. و المراد به إثبات الحكم في كلّي كثبوته في جزئياته، فإن عمّ الاستقراء فهو دليل صحيح، و إن لم يعم فهو الاستقراء بقول مطلق و شابه الأصل؛ لأنّ المستقرئ يتبع الجزئيات جزئيا فجزئيا. مثاله قول من استدلّ على أنّ الوتر ليس بواجب بأنّه يؤدى على الراحلة، و لا شي‏ء من الواجب يؤدّى على الراحلة.

و المقدّمة الأولى إجماعية، و الثانية استقرائية، فإنّا لمّا رأينا القضاء و الأداء و سائر أصناف الواجبات لا تؤدّى على الراحلة، حكمنا على كلّ واجب بأنّه لا يؤدّى على الراحلة. و هو غير مفيد لليقين، لاحتمال أن يكون الوتر واجبا، بخلاف غيره من الواجبات، فإنّ تحريم الركوب في غيره إن كان لدليل شامل لكلّ واجب ثبت عدم وجوبه، و ليس ذلك من باب‏

____________

(1). دعائم الإسلام: 2/ 499؛ من لا يحضره الفقيه: 3/ 233 برقم 3859 و ج 4/ 334 برقم 5718؛ مسند أحمد: 1/ 313؛ المعجم الأوسط: 1/ 90؛ سنن الدارقطني: 4/ 146.

(2). البقرة: 185.

(3). الحج: 78.

444

الاستقراء و إن كان لدلائل خاصة بكلّ صورة صورة لم يجب الشمول، إذ لا يمتنع عقلا أن يكون حكم بعض أنواع الواجب مخالفا لحكم النوع الآخر من ذلك الجنس. و الأقرب أنّه لا يفيد الظن أيضا إلّا بدليل منفصل. و لو ثبت الظن به قيل يجب الحكم به، لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أقضي بالظاهر. (1)

البحث الثالث: في الأخف‏

ذهب قوم إلى أنّه يجب على المكلّف الأخذ بأخف القولين لوجوه‏ (2):

الأوّل: قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ. (3)

الثاني: قوله تعالى: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ. (4)

الثالث: قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا ضرر و لا إضرار في الإسلام».

الرابع: قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «بعثت بالحنفية السهلة السمحة». (5) و هو ينافي الشاق الثقيل.

الخامس: أنّه تعالى غني كريم، و العبد محتاج فقير و إذا تعارضا كان‏

____________

(1). لم نعثر عليه في المصادر الحديثية. راجع المحصول: 2/ 578.

(2). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 576- 577.

(3). البقرة: 185.

(4). الحج: 78.

(5). عوالي اللآلي: 1/ 381 برقم 3؛ بحار الأنوار: 64/ 136؛ مسند أحمد: 5/ 266؛ مجمع الزوائد: 2/ 260 و ج 4/ 302 و ج 5/ 279؛ المعجم الكبير: 8/ 170 و 216 و 223؛ شرح نهج البلاغة: 15/ 144؛ كنز العمال: 1/ 178 برقم 900 و ج 4/ 318 برقم 10689.

445

التحامل على جانب الغني الكريم أولى من جانب المحتاج.

السادس: الأخذ بالأخف أخذ بالأقل و هو أخذ بالإجماع فيكون أولى من الأثقل المختلف فيه، هذا إذا كان الأخف جزءا من الأثقل كالثلث بالنسبة إلى النصف و الكلّ، أمّا إذا لم يكن جزءا لم يكن مجمعا عليه.

و قال آخرون: يجب الأخذ بالأثقل لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الحقّ ثقيل مرّ، و الباطل خفيف وبي‏ء» (1). (2) و هو ضعيف، فإنّ الموجبة الكلّية لا تنعكس كنفسها، فلا يلزم من كلّ حق ثقيل صدق، كلّ ثقيل حق، و لا من قولنا:

الباطل خفيف صدق كلّ خفيف باطل.

و هنا طريقة أخرى و هي المسمّاة بالاحتياط؛ و هي إمّا الأخذ بأكثر ما قيل، أو بأثقل‏ (3) ليحصل يقين البراءة.

البحث الرابع: في الأخذ بالأقل‏

ذهب الشافعي إلى أنّه يجوز الاعتماد في إثبات الأحكام على الأخذ بأقل ما فيه؛ فإنّه حكى اختلاف الناس في دية اليهودي، فمنهم من قال بمساواتها لدية المسلم، و منهم من قال: هي النصف، و قيل: الثلث، و عند الإمامية ثمانمائة درهم‏ (4)، و بناء على أصلين: الإجماع، و أصالة البراءة.

____________

(1). الوبي‏ء: العليل، و الباطل وبي‏ء لا تحمد عاقبته. تاج العروس: 1/ 271، مادة «وبأ».

(2). نهج البلاغة: 4/ 90 برقم 376؛ أمالي الطوسي: 533، المجلس رقم 19؛ مكارم الأخلاق:

465؛ بحار الأنوار: 67/ 107 و ج 74/ 82؛ شرح نهج البلاغة: 2/ 104 و ج 19/ 313.

(3). يعني: بأثقل ما قيل.

(4). للعلّامة جعفر السبحاني رسالة في دية الذمّي و الذمّية طبعت ضمن الجزء الرابع من كتابه «رسائل و مقالات»: 61- 100، تناول فيه تفاصيل المسألة و أقوال العلماء و أدلّتهم، فراجع.

446

أمّا الإجماع فلأنّ القائل بوجوب الأكثر قائل بوجوب الأقل قطعا، فيكون وجوب الأقل مجمعا عليه.

و أمّا البراءة الأصلية فلأنّها تدلّ على عدم وجوب شي‏ء أصلا ترك العمل به في الأقل لدلالة الإجماع على وجوبه فيبقى كما كان. و ينبغي أن يشترط في الحكم بأقل ما قيل عدم ورود شي‏ء من الدلائل السمعية، فإنّه لو ورد شي‏ء كان ذلك الحكم لأجله لا للرجوع إلى أقل ما قيل، و لأجل ذلك لمّا اختلف في عدد الجمعة لم يأخذ الشافعي فيه بالأقل و هو الثلاثة لورود نص في الزائد، فكان الأخذ به أولى من الأخذ بالبراءة الأصلية. و كذا في غسل الإناء من الولوغ قيل: سبعة، و قيل: ثلاثة، و الشافعي أخذ بالأوّل لأنّه نقل فيه شيئا.

لا يقال: بل يجب الأخذ بالأكثر، لأنّه قد ثبت شي‏ء في الذمّة و اختلفت الأمّة في الكمية، فقيل: الكلّ، و قيل: النصف، و قيل: الثلث، و قيل: ثمانمائة درهم؛ فإذا لم يحصل مع واحد من هذه دلالة سمعية تساقطت، فلا يحصل يقين البراءة إلّا مع أداء الجميع، فيجب لتحصيل يقين الخروج عن العهدة.

لأنّا نقول: لمّا كان الأصل البراءة امتنع الحكم بشغل الذمّة إلّا بدليل سمعي، فإذا لم يوجد سوى الإجماع، و الإجماع لم يثبت إلّا في أقلّ المقادير، لم يثبت الشغل إلّا به.

لا يقال: سلّمنا عدم وجود دليل سوى الإجماع لكن لا يلزم من عدم‏

447

الدليل عدم المدلول، فلعلّه ثبت حق أزيد من أقل، و مع هذا الاحتمال لا يثبت الخروج عن العهدة إلّا بأداء الأكثر.

لأنّا نقول: لمّا لم يوجد سوى الإجماع، و الإجماع دالّ على الأقل خاصة كان إثبات الزائد بغير دليل و هو تكليف ما لا يطاق، و لأنّه تعالى تعبّدنا بالعمل بالبراءة الأصلية مع عدم وجدان دليل سمعي، و حيث لم يوجد دليل سمعي على الزيادة، علمنا أنّ اللّه تعالى تعبّدنا بالبراءة، فتحصل القطع بعدم وجوب الزائد.

البحث الخامس: في الاستدلال بعدم الوجدان على عدم الوجود

هذه طريقة عول عليها بعض الفقهاء. و تقريره: أنّ الحكم الشرعي لا بدّ له من دليل، و هو إمّا نصّ أو إجماع أو قياس، و لم يوجد واحد من هذه الثلاثة فلا يكون الحكم ثابتا.

أمّا وجوب الدليل، فلأنّ اللّه تعالى لو أمرنا بشي‏ء و لم يضع عليه دليلا، كان ذلك تكليف ما لا يطاق.

و أمّا انحصار الدليل فلوجوه‏ (1):

الأوّل: قصة معاذ الدالّة على انحصار الدليل في الكتاب و السنّة و الاجتهاد، زدنا الإجماع بدليل منفصل، فيبقى في الباقي على الأصل.

الثاني: دلائل الأحكام كانت معدومة أزلا و الأصل في كلّ ثابت بقاؤه‏

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 582.

448

على ما كان، و هو يقتضي عدم كلّ دليل ترك العمل به في النص و الإجماع و القياس، فيبقى ما عدا الثلاثة على الأصل.

الثالث: وجود دليل غير الثلاثة من الأمور العظيمة الّتي تتوفر الدواعي على نقلها للعلم القطعي بأنّ ما يرجع إليه في الشرع نفيا و إثباتا في كلّ زمان من الأمور العظام، فلو كان موجودا لاشتهر، و لو كان كذلك لكان معروفا، و لمّا لم يوجد بعد البحث و التأمّل علمنا عدمه.

و أمّا عدم الثلاثة فلأنّ النصّ لو وجد لعرفه المجتهدون ظاهرا، و لو عرفوه لما حكموا بخلافه، و لأنّا اجتهدنا في الطلب فلم نجد النص، و هو عذر في حقّ المجتهد إجماعا، فيكون عذرا في حقّ المناظر، إذ لا معنى للمناظرة إلّا بيان ما لأجله قال بالحكم.

و الإجماع منفي، لأنّ المسألة خلافية، و لا إجماع مع الخلاف.

و القياس لا بدّ له من أصل هو الصورة الفلانية و فارق كذا موجود، و معه لا يمكن القياس. أقصى ما في الباب أن يقال: يجوز القياس على أخرى. فنقول: لأنّا بعد الطلب لم نجد شيئا يمكن القياس عليه، إلّا هذه الصورة، و هو عذر للمجتهد، فكذا للمناظر. و لأنّ عدم سائر الأصول سابق، فيجب الاستمرار عملا بالاستصحاب. و هذه الدلالة إنّما تتم بمقدّمتين:

إحداهما: أنّ عدم الوجدان بعد الطلب يدلّ على عدم الوجود.

و ثانيهما: أنّ الأمر الفلاني كان معدوما، فيحصل ظن البقاء على العدم.

و لو صحّت هاتان المقدّمتان اشتغلنا بالمطلوب، فإنّه يقال: في أوّل‏

449

المسألة لا بدّ للحكم الشرعي من دليل، و لم يوجد دليل، لأنّي اجتهدت في الطلب فلم أظفر به، و هو يدلّ على العدم، أو يقال: و لم يوجد دليل، لأنّ الأدلّة كانت معدومة في الأزل، و الأصل في كلّ معدوم بقاؤه على العدم.

و إذا ثبت هذا حصل ظن عدم الدليل، فيتولد من القطع بأنّه لو وجد الحكم لوجد دليله، و من ظن عدم وجوده ظن عدم الحكم، و العمل بالظن واجب. و إذا كفت المقدّمتان كان إيرادهما على هذا الوجه أولى، إذ كلّ مقدّمة يتوقّف الدليل عليها لو كفت في الإنتاج، كان الاستدلال بها ابتداء أولى.

و الاعتراض من وجوه‏ (1):

الأوّل: حصرت الأدلّة في النصّ و الإجماع و القياس، و هو غير تام، لأنّك ذكرتها دليلا فيها و ليست أحدها، فيلزم إمّا أن لا يكون هذا الكلام دليلا في المسألة ليتم الحصر، أو يبطل الحصر ليتمّ كونه دليلا.

لا يقال: نحن قلنا دليل الحكم الشرعي إمّا نص أو إجماع أو قياس، و مدلول دليلنا انتفاء الصحّة، و قد كان حاصلا قبل الشرع، فالإخبار عنه يكون إخبارا عن أمر لا تتوقّف معرفته على الشرع فلا يكون شرعيا.

و لأنّا لا ننفي الصحّة إلّا بالإجماع لانعقاده على نفي الحكم عند عدم هذه الأشياء، فيكون الدليل هو الإجماع.

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 584- 585.

450

لأنّا نقول: لما ثبت انتفاء الصحة لزم ثبوت البطلان، لامتناع القول بالوقف، فيكون كلامك دليلا على البطلان بواسطة دلالته على انتفاء الصحة، فيكون دليلا على حكم شرعي و يعود المحذور.

و الإجماع لم يدلّ على عدم الصحّة ابتداء، بل على أنّه متى عدم النصّ و الإجماع و القياس، لزم عدم الحكم، فيكون الإجماع دليلا على أنّ عدم هذه الثلاثة دليل عدم الحكم، و عدم الثلاثة مغاير لها، فيعود الكلام.

الثاني: لما جعلت عدم دليل الثبوت دليل العدم، إن جعلت عدم دليل العدم دليل الثبوت لم يلزم انتفاء الوجود إلّا ببيان عدم عدم دليل العدم، و عدم العدم وجود، فلا يلزم انتفاء الوجود إلّا بوجود دليل العدم، لكن لو ذكرت دليل العدم استغنيت عمّا ذكرت من الدليل.

و لأنّ عدم دليل العدم دليل على عدم العدم، و عدم العدم وجود، فعدم دليل العدم دليل على الوجود. فقد حصل دليل آخر على الوجود غير الثلاثة، فيبطل الحصر.

و إن لم يجعل عدم دليل الثبوت دليل العدم ناقضت، لتساوي نسبة دليل الثبوت إلى الثبوت و نسبة دليل العدم إلى العدم، فإن لزم من عدم دليل الثبوت عدم الثبوت، لزم من عدم دليل العدم عدم العدم.

الثالث: اقتصرت في نفي النصّ على عدم الوجدان؛ فإن صحّ هذا، وجب الاكتفاء به في نفي القياس بحصوله فيه. و إن لم يصحّ، لم يجز التعويل عليه في هذا المقام.

451

لا يقال: إنّما تعرّضت لنفي قياس معيّن، لأنّ المخالف يعتقده قياسا و دليلا، و ليس في النصوص ما يعتقده دليلا.

لأنّا نقول: المخالف كما يعتقد في بعض الأقيسة كونه حجة، كذا يعتقد في بعض النصوص كونه حجّة له، فكان يجب التعرض للأمرين.

الرابع: لم قلت: يتعذّر القياس مع وجود الفرق، فإنّ الفرق إنّما ينقدح لو لم يجز تعليل الحكم الواحد بعلّتين؛ أمّا مع جوازه فلا، لاحتمال كون الحكم في الأصل معلّلا بالوصف المشترك و بالقاصر معا.

الخامس: يرد سؤال القلب هنا في هذا النظم، فإنّ المستدلّ لو قال: لم يوجد نص و لا إجماع و لا قياس على صحّة بيع الغائب، فوجب انتفاء صحّته.

قيل له: و تحريم أخذ المبيع من البائع بعد العقد على المشتري، أو تحريم أخذ الثمن من المشتري على البائع حكم شرعي، لا يثبت إلّا بنصّ أو إجماع أو قياس، و لم يوجد فلا يثبت.

و الجواب‏ (1) عن الأوّل. هذه الدلالة إنّما تتمّ مع التمسّك بأنّ الأصل في كلّ ثابت بقاؤه على ما كان، و أنّه لا يجوز العدول عنها إلّا بدليل يوجب العدول، و ذلك الدليل أحد الثلاثة.

و حينئذ يسقط السؤال، لأنّا نقول في مسألة بيع الغائب المبيع قبل‏

____________

(1). ذكر الرازي الأجوبة في المحصول: 2/ 586- 589.

452

العقد ملك البائع، و الأصل البقاء إلّا أنّا نترك الاستدلال بهذا الأصل عند وجود نص أو إجماع أو قياس يدلّ على خلافه، و لم يوجد أحدها فلم يوجد ما يقتضي العدول عن التمسّك بالأصل، فيجب الحكم ببقائه على ما كان.

و حاصل الكلام: أنّي إنّما ادّعيت الحصر فيما يدلّ على تغيّر الحكم عن مقتضى الأصل، و الحكم الّذي استنتجته من هذا الدليل ليس من باب تغيّر الحكم، بل من باب إبقاء ما كان على ما كان، فلا يكون ادّعاء الحصر في تلك الصورة قادحا في صحّة هذه الدلالة.

و إذا عرفت هذا فالصحيح في العبارة أن يقال: حكم الشرع إبقاء ما كان على ما كان، إلّا إذا وجدت دلالة شرعية مغيّرة، و الدلالة المغيّرة إمّا نصّ أو إجماع أو قياس، و لم يوجد واحد من الثلاثة فلم توجد الدلالة المغيّرة، فوجب البقاء على ما كان.

لا يقال: الاستصحاب كاف فلا حاجة إلى التطويل.

لأنّا نقول: المناظر تلو المجتهد، و لا يجوز للمجتهد التمسّك بالاستصحاب بحكم الأصل إلّا مع البحث و الاجتهاد في طلب الأدلة المغيّرة.

فإذا لم يجد حلّ له الحكم بالاستصحاب. و قبل البحث لا يجوز.

و إذا كان المجتهد كذلك فالمناظر مثله، إذ معنى المناظرة بيان وجه الاجتهاد.

453

و عن الثاني. أنّ الاستدلال بعدم المثبت على العدم أولى من الاستدلال بعدم النافي على وجوده.

أمّا أوّلا، فلأنّا لو استدللنا بعدم النافي على الوجود لزم إثبات ما لا نهاية له.

و أمّا ثانيا، فلأنّا نستدلّ بعدم ظهور المعجز على يد الإنسان على أنّه ليس بنبي، و لا نستدلّ بعدم ما يدلّ على أنّه ليس بنبي على كونه نبيا.

و أمّا ثالثا، فلأنّه لا يقال: إنّ فلانا ما نهاني عن التصرف في ماله فأكون مأذونا في التصرف، و يقال: لم يأذن فأكون ممنوعا.

و أمّا رابعا، فلأنّ كلّ دليل لا يقال بمدلوله، فدليل العدم عدم، و دليل الوجود وجود.

سلّمنا انتفاء أولوية أحد الطرفين، لكن ذلك يقتضي تعارضهما و تساقطهما، فيبقى مقتضى الأصل، و هو بقاء ما كان على حاله.

و عن الثالث. أنّه سؤال يتعلّق بالوضع و الاصطلاح [و] ليس سؤالا علميا.

و عن الرابع. ما تقدّم من امتناع تعليل الحكم الواحد بعلّتين مستنبطتين، و أنّ سؤال الفرق قادح.

و عن الخامس. إنّا لم نقل إنّه يلزم من عدم النصّ و الإجماع و القياس بقاء ما كان على ما كان إلّا بعد أن بيّنّا أصالة استمرار الثابت على ما كان،

454

فمعارضة الحكم إنّما تلزم لو ثبت أنّ الأصل عدم بقاء الشي‏ء على ما كان، و لمّا بطل ذلك بطلت المعارضة.

البحث السادس: في تقرير أدلّة يمكن التمسّك بها في الأحكام الشرعية

الحكم المطلوب إثباته إن كان عدميا أمكن أن يذكر فيه عبارات‏ (1):

الأولى: هذا حكم قد كان معدوما أزلا، و هو يقتضي ظن بقائه على العدم، و العمل بالظن واجب. أمّا عدمه فلأنّ المحكوم عليه كان معدوما في الأزل لحدوثه، فلا يكون الحكم المتعلّق به أزليا، لأنّ ثبوت حكم من غير ثبوت محكوم عليه سفه، و هو غير جائز عليه تعالى. و هذا لا يتمشّى على رأي الاشاعرة، لأنّ كلامه قديم و الحكم حادث قبل المراد من الحكم كون الشخص مقولا له: إن لم تفعل هذا الفعل عاقبتك. و معلوم بالضرورة حدوث هذا المعنى.

و فيه نظر، لأنّ حدوث هذا الحكم لا ينافي قدم الحكم الّذي يدعونه و هو ينقض المقدّمة، و أمّا حصول ظن البقاء فلما تقدّم في الاستصحاب.

الثانية: لو ثبت الحكم لثبت بدلالة أو أمارة. و الأوّل باطل، للإجماع على انتفاء الدلالة القاطعة في هذه المسائل الشرعية. و الثاني باطل، للنهي عن اتّباع الظن لقوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (2)، و عن‏

____________

(1). المحصول: 2/ 589- 592.

(2). يونس: 36.