تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب‏ - ج2

- محمد بن محمد رضا القمي المشهدي المزيد...
485 /
215

اللّه للنّاس إماما. و لذلك قال: وَ لَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَ رَأَوُا الْعَذابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ. وَ قالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا. كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ.

ثمّ قال أبو جعفر- (عليه السلام): هم، و اللّه، يا جابر! أئمّة الضّلال و أشياعهم.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (1): عن زرارة و حمران و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)‏- في قوله‏ وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً. يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ. وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ‏، قال: هم آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله).

و عن منصور بن حازم‏ (2). قال قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام): وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ؟

قال: أعداء عليّ- (عليه السلام). هم المخلّدون في النّار، أبد الآبدين و دهر الدّاهرين.

و في الكافي‏ (3): أحمد بن أبي عبد اللّه عن عثمان بن عيسى، عمّن حدثه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ: كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ‏ قال: هو الرّجل يدع ماله لا ينفعه‏ (4) في طاعة اللّه، بخلا. ثمّ يموت فيدعه لمن يعمل فيه بطاعة اللّه، أو معصية اللّه. فإن عمل به في طاعة اللّه، رآه في ميزان غيره. فرآه حسرة، و قد كان المال له. و إن عمل به في معصية اللّه، قوّاه بذلك المال، حتّى عمل به في معصية اللّه.

و في نهج البلاغة (5): و قال- (عليه السلام): إنّ أعظم الحسرات يوم القيامة، حسرة رجل كسب مالا في غير طاعة اللّه. فورثه رجلا (6). فأنفقه في طاعة اللّه سبحانه. فدخل به الجنّة. و دخل به الأوّل النّار.

و في مجمع البيان‏ (7): أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ‏ فيه أقوال: (إلى قوله) و الثّالث‏

____________

(1) تفسير العياشي 1/ 72، ح 143.

(2) نفس المصدر/ 73، ح 145.

(3) الكافي 4/ 42، ح 2.

(4) المصدر: ينفقه. (ظ)

(5) نهج البلاغة 552، حكمة 429.

(6) المصدر: رجل.

(7) مجمع البيان 1/ 251.

216

ما رواه أصحابنا عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال: هو الرّجل يكسب‏ (1) المال.

و لا يعمل فيه‏ (2) خيرا. فيرثه من يعمل فيه عملا صالحا. فيرى الأوّل ما كسبه، حسرة في ميزان غيره.

يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا:

نزلت في قوم، حرّموا على أنفسهم رفيع الأطعمة و الملابس‏ (3).

و «حلالا»، مفعول «كلوا»، أو صفته مصدر محذوف، أو حال من‏ مِمَّا فِي الْأَرْضِ‏.

و «من» للتّبعيض، إذ لا يؤكل كلّ ما في الأرض.

طَيِّباً: يستطيبه الشّرع، أو الشّهوة المستقيمة، أي: لا تأكلوا على امتلاء المعدة و الشّهوة الكاذبة.

وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ‏: لا تقتدوا به في اتّباع الهوى، فتحرّموا الحلال و تحللوا الحرام.

[و في مجمع البيان‏ (4):] (5) و روى عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام): أنّ من خطوات الشّيطان، الحلف بالطّلاق، و النّذور في المعاصي، و كلّ يمين بغير اللّه تعالى.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (6): عن محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ‏ قال: يحلّ‏ (7) يمين بغير (8) اللّه، فهي من خطوات الشّيطان.

و قرأ نافع و أبو عمرو و حمزة، بتسكين الطّاء. و هما لغتان في جمع خطوة. و هي ما بين قدمي الخاطي.

و قرئ بضمّتين و همزة، جعلت ضمّة الطّاء، كأنّها عليها. و بفتحتين على أنّه جمع خطوة. و هي المرة من الخطو.

إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ‏ (168): ظاهر العداوة، عند ذوي البصيرة، و إن كان‏

____________

(1) المصدر: يكتسب.

(2) أ: به.

(3) مجمع البيان 1/ 252.

(4) مجمع البيان 1/ 252.

(5) ليس في أ.

(6) تفسير العيّاشيّ 1/ 74، ح 150.

(7) ليس في أ.

(8) أ: غير.

217

يظهر الموالاة لمن يغويه. و لذلك سمّاه وليّا في قوله‏ (1): أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ‏.

إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَ الْفَحْشاءِ:

بيان لعداوته و وجوب التّحرّز عن متابعته. و استعير الأمر لتزيينه و بعثه لهم على الشّرّ، تسفيها لرأيهم و تحقيرا لشأنهم.

و «السّوء» و «الفحشاء» ما أنكره العقل و استقبحه الشّرع. و العطف لاختلاف الوصفين. فإنّه سوء لاغتمام العاقل به و فحشاء باستقباحه إيّاه.

و قيل‏ (2): «السوء» يعمّ القبائح، و «الفحشاء» ما تجاوز الحدّ في القبح من الكبائر.

و قيل‏ (3): الأوّل ما لا حدّ فيه. و الثّاني ما شرّع فيه الحدّ.

وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏ (169)، كاتّخاذ الأنداد و تحليل المحرّمات و تحريم المحلّلات.

وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ‏:

الضّمير للنّاس. و عدل عن الخطاب معهم للنّداء على ضلالتهم. كأنّه التفت إلى العقلاء. و قال لهم: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ما ذا يجيبون.

قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا: وجدنا، عَلَيْهِ آباءَنا:

نزلت في المشركين. أمروا باتّباع القرآن و سائر ما أنزل اللّه من الحجج و الآيات فجنحوا إلى التّقليد.

و قيل‏ (4): في طائفة من اليهود. دعاهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى الإسلام. فقالوا ذلك. و قالوا: إنّ آباءنا كانوا خيرا منّا.

أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ‏ (170):

الواو للحال، أو العطف. و الهمزة للرّدّ و التّعجيب. و جواب «لو» محذوف، أي:

لو كان آباؤهم جهلة لاتّبعوهم.

وَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَ نِداءً على حذف مضاف. تقديره: و مثل داعي الّذين كفروا كمثل الّذي ينعق، أو مثل الّذين كفروا،

____________

(1) البقرة/ 257.

(2) أنوار التنزيل 1/ 95.

(3) مجمع البيان 1/ 353+ أنوار التنزيل 1/ 95.

(4) أنوار التنزيل 1/ 95.

218

كمثل بهائم الّذي ينعق.

و المعنى: أنّ مثل الّذين كفروا في دعائك إيّاهم، أي: مثل الدّاعي لهم إلى الإيمان، كمثل النّاعق في دعائه المنعوق به من البهائم الّتي لا تفهم. و إنّما تسمع الصّوت.

و كما أنّ الأنعام لا يحصل لها من دعاء الدّاعي إلّا السّماع دون تفهّم المعنى، فكذلك الكفّار لا يحصل لهم من دعائك إيّاهم إلى الإيمان إلّا السّماع دون تفهّم المعنى. لأنّهم يعرضون عن قبول قولك. و ينصرفون عن تأمّله. فيكونون بمنزلة من لم يعقله و لم يفهمه. و هذا كما تقول العرب فلان يخافك كخوف الأسد، و المعنى كخوفه من الأسد. و أضاف الخوف إلى الأسد، و هو في المعنى مضاف إلى الرّجل.

قال‏ (1):

فلست مسلّما ما دمت حيّا* * * على زيد بتسليم الأمير

يراد بتسليمي على الأمير.

قيل‏ (2): هو تمثيلهم في اتّباع آبائهم على ظاهر حالهم جاهلين بحقيقتها بالبهائم التي تسمع الصّوت و لا تفهم ما تحته، أو تمثيلهم في دعائهم الأصنام بالنّاعق في نعقه و هو التّصويت على البهائم.

و الأوّل- هو المرويّ عن أبي جعفر- (عليه السلام)- على ما في مجمع البيان‏ (3).

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ‏: رفع على الذّمّ.

فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ‏ (171)، أي: بالفعل للإخلال بالنّظر.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ‏ لمّا وسع الأمر على النّاس كافّة و أباح لهم ما في الأرض، سوى ما حرّم عليهم أمير المؤمنين منهم أن يتحرّوا طيّبات ما رزقوا و يقوموا بحقوقها. فقال:

وَ اشْكُرُوا لِلَّهِ‏ على ما رزقكم و حلّل‏ (4) لكم، إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ‏ (172)، إن صحّ أنّكم تخصّونه بالعبادة و تقرّون أنّه مولى النّعم. فإنّ عبادته لا تتمّ إلّا بالشّكر. فالمعلّق بفعل العبادة، هو الأمر بالشّكر، لإتمامه. و هو عدم عند عدمه.

____________

(1) مجمع البيان 1/ 255.

(2) نفس المصدر و نفس الموضع.

(3) نفس المصدر و نفس الموضع.

(4) أ: أحلّ.

219

و عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)(1): يقول اللّه تعالى: أنّي و الإنس و الجنّ في نبأ عظيم، أخلق. و يعبد غيري و أرزق. و يشكر غيري.

إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ أكلها و الانتفاع بها. و هي الّتي ماتت من غير ذكاة.

و الحرمة المضافة إلى العين، تفيد عرفا حرمة التّصرّف فيها مطلقا، إلّا ما استثني، كما سيجي‏ء.

وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ:

إنّما خصّ اللّحم بالذّكر، لأنّه معظم ما يؤكل من الحيوان و سائر أجزائه كالتّابع له.

وَ ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ‏، أي: رفع به الصّوت عند ذبحه للصّنم.

و الإهلال، أصله، رؤية الهلال. لكن لما جرت العادة أن يرفع الصّوت بالتّكبير، إذ رئي، سمّي ذلك إهلالا. ثمّ قيل لرفع الصّوت، و إن كان لغيره.

و في كتاب عيون أخبار الرّضا- (عليه السلام)(2)- في باب ذكر ما كتب به الرّضا- (عليه السلام)- إلى محمّد بن سنان، في جواب مسائله من العلل: و حرّم الميتة لما فيها من فساد الأبدان و الآفة. و لمّا أراد اللّه- عزّ و جلّ- أن يجعل سبب التّحليل‏ (3) و فرقا بين الحلال و الحرام.

و حرّم اللّه الدّم، كتحريم الميتة، لما فيه من فساد الأبدان. و لأنّه يورث الماء الأصفر و يبخر الفم و ينتن الرّيح و يسي‏ء الخلق و يورث القسوة للقلب و قلّة الرّأفة و الرّحمة، حتّى لا يؤمن أن يقتل ولده و والده و صاحبه.

و حرّم الخنزير لأنّه مشوّه جعله اللّه تعالى عظة للخلق و غيره و تخويفا و دليلا على ما مسخ على‏ (4) خلقته لأنّ غذاءه أقذر الأقذار، مع علل كثيرة. و كذلك حرّم القرد (5). لأنّه مسخ مثل الخنزير. و جعل عظة و عبرة للخلق، دليلا على ما مسخ على خلقته و صورته.

و جعل فيه شبها من الإنسان ليدلّ على أنّه من الخلق المغضوب عليه.

و حرّم ما أهل به لغير اللّه للّذي أوجب اللّه- عزّ و جلّ- على خلقه من الإقرار به‏

____________

(1) الكشاف 1/ 214+ أنوار التنزيل 1/ 96.

(2) عيون أخبار الرضا 2/ 91- 92، ح 1.

(3) المصدر: سببا للتحليل. (ظ)

(4) ر: من.

(5) النسخ: القردة.

220

و ذكر اسمه على الذّبائح المحلّلة. و لئلا يسوّي‏ (1) بين ما تقرب به إليه و بين ما جعل عبادة للشّياطين و الأوثان. لأنّ في تسمية اللّه- عزّ و جلّ- الإقرار بربوبيّته و توحيده. و ما في الإهلال لغير اللّه من الشّرك‏ (2) و التّقرّب به إلى غيره، ليكون ذكر اللّه تعالى و تسميته على الذّبيحة فرقا بين ما أحلّ اللّه و بين ما حرّم اللّه.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (3)، بإسناده الى محمّد بن عذافر، عن بعض رجاله، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت له لم حرّم اللّه- عزّ و جلّ- الخمر و الميتة و الدّم و لحم الخنزير؟

فقال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لم يحرّم ذلك على عباده و أحلّ لهم ما سوى ذلك من رغبة فيما أحلّ لهم و لا زهد فيما حرّم‏ (4) عليهم. و لكنّه- عزّ و جلّ- خلق الخلق، فعلم ما تقوم‏ (5) به أبدانهم و ما يصلحهم. فأحلّه لهم. و أباحه. و علم ما يضرّهم. فنهاهم عنه.

و حرّمه عليهم. ثمّ أحلّه للمضطرّ في الوقت الّذي لا يقوّم بدنه إلّا به. فأمره أن ينال منه بقدر البلغة لا غير ذلك. ثمّ قال: أمّا الميتة فإنّه لم ينل أحد منها إلّا أضعف‏ (6) بدنه‏ (7) و أوهنت قوّته و انقطع نسله. و لا يموت آكل الميتة إلّا فجأة.

و أمّا الدم، فإنه يورث اكله الماء الأصفر. و يورث الكلب و قساوة القلب و قلّة الرّأفة و الرّحمة، حتّى لا يؤمن على حميمه. و لا يؤمن على من صحبه.

و أمّا الخنزير، فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- مسخ قوما في صور شتّى، مثل الخنزير و القرد و الدّبّ. ثمّ نهى عن أكل المثلة لكي ما ينتفع بها و لا يستحفّ بعقوبته.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب الخصال‏ (8): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: عشرة أشياء من الميتة: ذكيّة العظم و الشّعر و الصّوف و الرّيش و القرن و الحافر و البيض و الإنفحة و اللّبن و السّنّ.

و في الكافي‏ (9): محمّد بن يحيى و غيره، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن‏

____________

(1) المصدر: يساري.

(2) المصدر: من الشرك به.

(3) علل الشرائع 2/ 484، ح 1.

(4) المصدر: حرّمه.

(5) المصدر: يقوّم. (ظ)

(6) المصدر: لضعف.

(7) المصدر: أو.

(8) الخصال 2/ 434، ح 19.

(9) الكافي 6/ 259، ح 7.

221

عاصم بن حميد، عن عليّ بن المغيرة (1) قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام): جعلت فداك، الميتة ينتفع بشي‏ء منها؟

قال‏ (2): لا.

قلت: بلغنا أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مرّ بشاة ميتة، فقال: ما كان على أهل هذه الشّاة إذا لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها.

[قال: تلك شاة كانت لسودة بنت زمعة، زوجة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله).

و كانت شاة مهزولة لا ينتفع بلحمها. فتركوها، ماتت. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): ما كان على أهلها إذ لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها.] (3)، أي: تذكى‏ (4).

فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ:

قيل‏ (5): «الباغي»: المستأثر على مضطرّ آخر. و «العادي»: المتجاوز سدّ الرّمق.

و في كتاب معاني الأخبار (6)، بإسناده إلى البزنطيّ عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ- فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ قال: الباغي الّذي يخرج على الإمام العادل. و العادي الّذي يقطع الطّريق لا تحلّ لهما الميتة.

و في الكافي‏ (7): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ- فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ قال: الباغي، باغي الصّيد. و العادي، السّارق. ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرّا إليها. هي حرام عليهما. ليس هي عليهما كما هي على المسلمين.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (8): روى عبد العظيم بن عبد اللّه الحسنيّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الرّضا- (عليه السلام). قال: قلت يا بن رسول اللّه! فما معنى قوله- عزّ و جلّ- فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ؟ قال:

العادي، السّارق. و الباغي، الّذي يبغي الصّيد بطرا و لهوا. لا ليعود به على عياله.

____________

(1) أ: أبي المغيرة.

(2) المصدر: فقال.

(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(4) النسخ: تزكّى.

(5) أنوار التنزيل 1/ 96.

(6) معاني الأخبار/ 213، ح 1.

(7) الكافي 3/ 438، ح 7، و له تتمة.

(8) من لا يحضره الفقيه 3/ 217، ح 1007.

222

ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرّا. هي حرام عليهما في حال الاضطرار. كما هي حرام عليهما في حال الاختيار.

و بالاضطرار يحلّ عموم المحرّمات، يدلّ عليه ما رواه.

في الكافي‏ (1): عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز بن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن الرّجل و المرأة يذهب بصره، فيأتيه الأطبّاء، فيقولون: نداويك شهرا، أو أربعين ليلة مستقليا. كذلك يصلّي.

فرخّص في ذلك. و قال: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ‏.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (2): و في رواية محمّد بن عمرو بن سعيد، رفعه، عن امرأة أتت عمر. فقالت: يا أمير المؤمنين! إنّى فجرت. فأقم عليّ‏ (3) حدّ اللّه- عزّ و جلّ.

فأمر برجمها. و كان [عليّ‏] (4) أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حاضرا. فقال: سلها كيف فجرت؟

فسألها. فقالت: كنت في فلاة من الأرض. فأصابني عطش شديد. فرفعت لي خيمة. فأتيتها. فأصبت فيها رجلا أعرابيّا فسألته ماء. فأبى عليّ أن يسقيني إلّا أكون‏ (5) أن أمكّنه من نفسي. فولّيت منه‏ (6) هاربة. فاشتدّ بي العطش، حتّى غارت عيناي و ذهب لساني. فلمّا بلغ منّي العطش، أتيته فسقاني و وقع عليّ.

فقال عليّ- (عليه السلام): هي الّتي قال اللّه- عزّ و جلّ: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ. هذه غير باغية و لا عادية. فخلّى سبيلها.

فقال عمر: لو لا عليّ لهلك عمر.

و يجب تناول المحرّم، عند الاضطرار.

قال الصّادق- (عليه السلام)(7): من اضطرّ إلى الميتة و الدّم و لحم الخنزير، فلم يأكل من ذلك حتّى يموت، فهو كافر.

فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ‏ في تناوله.

إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما فعل،

____________

(1) الكافي 3/ 410، ح 4.

(2) من لا يحضره الفقيه 4/ 25، ح 60.

(3) المصدر: فيّ.

(4) يوجد في المصدر.

(5) ليس في المصدر. و عدم وجودها أبلغ.

(6) المصدر: عنه. (ظ)

(7) نفس المصدر 3/ 218، ح 1008.

223

رَحِيمٌ‏ (173)، بالرّخصة فيه.

فإن قلت: إنّما يفيد القصر على ما ذكر، و كم من محرّم لم يذكر.

قلت: المراد، قصر الحرمة على ما ذكر ممّا استحلّوه، لا مطلقا، أو قصر حرمته على حال الاختيار. كأنّه قيل: إنّما حرّم عليكم هذه الأشياء، ما لم تضطرّوا إليها.

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا: عوضا حقيرا، أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ: إمّا في الحال، لأنّه أكلوا ما يتسبّب إلى النّار. أو في المآل، أي: يوم القيامة.

و معنى «في بطونهم» ملئ بطونهم. يقال: أكل في بطنه، و أكل في بعض بطنه.

وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ: عبارة عن غضبه عليهم.

وَ لا يُزَكِّيهِمْ‏: و لا يثني عليهم.

وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏. (174) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى‏ في الدّنيا.

وَ الْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ في الآخرة، بكتمان الحقّ.

فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175):

تعجّب من حالهم، في الالتباس بموجبات النّار، من غير مبالاة.

و «ما» تامّة مرفوعة بالابتداء. و تخصيصها كتخصيص شرّ أهرّ ذا ناب، أو استفهاميّة و ما بعدها الخبر، أو موصولة و ما بعدها صلة. و الخبر محذوف.

و في أصول الكافي‏ (1): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن عبد اللّه بن مسكان، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ- فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ فقال: ما أصبرهم على فعل ما يعملون أنّه يصيّرهم إلى النّار.

و في مجمع البيان‏ (2): قول اللّه- عزّ و جلّ- فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ، فيه أقوال:

أحدها- أنّ معناه ما أجرأهم على النّار، رواه عليّ بن إبراهيم بإسناده، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام).

____________

(1) الكافي 2/ 268، ح 2.

(2) مجمع البيان 1/ 259.

224

و الثّاني- ما أعملهم بأعمال أهل النّار. و هو المرويّ عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام).

ذلِكَ‏، أي: العذاب، بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِ‏، أي: بسبب أنّ اللّه نزّل الكتاب بالحقّ، فرفضوه بالكتمان و التّكذيب.

وَ إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ‏:

الّلام فيه إمّا للجنس و اختلافهم إيمانهم ببعض و كفرهم ببعض آخر، أو للعهد.

و الإشارة، إمّا إلى التوراة، و «اختلفوا» بمعنى تخلّفوا. عن المنهج المستقيم، في تأويلها، أو خلّفوا خلاف ما أنزل اللّه مكانه، أي: حرّفوا فيها، أو «اختلفوا» بمعنى أنّ بعضهم آمنوا به و بعضهم حرّفوه عن مواضعه، و إمّا إلى القرآن. و اختلافهم قولهم سحر و تقوّل و كلام علّمه بشر و أساطير الأوّلين.

لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (176): لفي خلاف بعيد عن الحق‏ (1).

لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ‏:

«البرّ»، كلّ فعل مرضيّ.

و الخطاب لأهل الكتاب. فإنّهم أكثروا الخوض في أمر القبلة، حين حوّلت.

و ادّعى كلّ طائفة أنّ البرّ هو التّوجّه إلى قبلته. فردّ اللّه عليهم. و قال ليس البرّ ما أنتم عليه.

فإنّه منسوخ. و لكن البرّ ما نبيّنه و اتّبعه المؤمنون.

و قيل‏ (2): عامّ لهم و للمسلمين، أي: ليس البرّ مقصورا بأمر القبلة، أو ليس البرّ العظيم الّذي يحسن أن تذهلوا بشأنه عن غيره أمرها. و قرأ حمزة و حفص: ليس البرّ (بالنّصب‏ (3).) وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ الْكِتابِ وَ النَّبِيِّينَ‏، أي: و لكنّ البرّ الّذي ينبغي أن يهتمّ به، برّ من آمن، أو لكنّ ذا البرّ من آمن. و يؤيّده قراءة: و لكنّ البارّ.

و المراد بالكتاب، الجنس، أو القرآن.

____________

(1) «عن الحق»، ليس في أ.

(2) أنوار التنزيل 1/ 97.

(3) «البرّ» هو منصوب. فعلى أيّ شي‏ء نصبه حمزة و حفص. و هل المقصود في النصب، الإقامة و الرفع؟

225

و قرأ نافع و ابن عامر: و لكن (بالتّخفيف.) و رفع البرّ.

وَ آتَى الْمالَ عَلى‏ حُبِّهِ‏، على حبّ المال، أو على حبّ اللّه، أو على حبّ الإيتاء.

و الجارّ و المجرور، في موضع الحال.

ذَوِي الْقُرْبى‏:

قدّمه لأنّه أفضل. كما روى عنه- (عليه السلام)(1): صدقتك على المسكين، صدقة، و على ذي رحمك، اثنتان صدقة و صلة.

و في مجمع البيان‏ (2): ذوي القربى، يحتمل أن يكون المراد (3) قرابة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- [كما في قوله‏ (4): قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏.] (5) و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام).

وَ الْيَتامى‏: جمع يتيم. و هو من الأطفال من فقد أبوه.

وَ الْمَساكِينَ‏: جمع المسكين. و هو الّذي أسكنته الخلّة. و أصله دائم السّكون، كالمسكير: دائم السّكر.

وَ ابْنَ السَّبِيلِ‏: المسافر. سمّي به لملازمته السّبيل، كما سمّي القاطع، ابن الطّريق. و قيل‏ (6): الضّيف.

وَ السَّائِلِينَ‏: الّذين ألجأتهم‏ (7) الحاجة إلى السّؤال.

قال- (عليه السلام): للسّائل حقّ و إن جاء على فرسه.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (8)، في الحقوق المرويّة، عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام): و حقّ السّائل إعطاؤه على قدر حاجته. و حقّ‏ (9) المسئول إن أعطى فاقبل منه بالشّكر و المعرفة بفضله. و إن منع فاقبل عذره.

وَ فِي الرِّقابِ‏: في تخليصها، كمعاونة المكاتبين و فكّ الأسارى و ابتياع الرّقاب‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 97.

(2) مجمع البيان 1/ 263.

(3) المصدر: أراد.

(4) الشورى/ 23.

(5) ليس في أ.

(6) أنوار التنزيل 1/ 98.

(7) النسخ: ألجاهم.

(8) من لا يحضره الفقيه 2/ 380- 381.

(9) المصدر: و أمّا حقّ.

226

لعتقها.

وَ أَقامَ الصَّلاةَ المفروضة. وَ آتَى الزَّكاةَ:

المراد منها الزكاة المفروضة. و الغرض من الأوّل، إمّا بيان مصارفها، أو نوافل الصّدقات.

وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا: عطف على‏ مَنْ آمَنَ‏.

وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ: نصب على المدح. و لم يعطف لفضل الصّبر على سائر الأعمال.

و عن الأزهريّ‏ (1): «البأساء» في الأموال، كالفقر. و «الضّرّاء» في الأنفس، كالمرض.

في عيون الأخبار (2)، بإسناده إلى الحارث بن الدّلهاث، مولى الرّضا- (عليه السلام)- قال: سمعت أبا الحسن- (عليه السلام)- يقول: لا يكون المؤمن مؤمنا حتّى يكون فيه ثلاث خصال: سنّة من ربّه، و سنّة من نبيّه، و سنّة من وليّه- إلى قوله- و أمّا السّنّة من وليّه، فالصّبر (3) على البأساء و الضّرّاء. فإنّ اللّه يقول: وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قوله‏ وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ قال: في الجوع و الخوف و العطش و المرض.

وَ حِينَ الْبَأْسِ‏ قال‏ (5): عند القتل.

أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا في الدّين و اتّباع الحقّ و طلب البرّ.

وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ‏ (177) عن الكفر و سائر الرّذائل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): أنّ هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- لأنّ هذه الشّروط، شروط الإيمان و صفات الكمال. و هي لا توجد إلّا فيه و في ذرّيّته الطّيّبين- (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 98.

(2) عيون أخبار الرضا 1/ 200، ح 9.

(3) المصدر: في.

(4) تفسير القمي 1/ 64.

(5) نفس المصدر و نفس الموضع.

(6) نفس المصدر 2/ 249.

227

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى‏ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثى‏ بِالْأُنْثى‏.:

كان في الجاهليّة بين حيّين. من أحياء العرب دماء. و كان لأحدهما طول على الآخر. فأقسموا لنقتلنّ الحرّ منكم بالعبد و الذّكر بالأنثى. فلمّا جاء الإسلام، تحاكموا إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). فنزلت. و أمرهم ان يتباوؤا.

[و في تفسير العيّاشيّ‏ (1): محمّد بن خالد البرقيّ، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه تعالى‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ‏: هي لجماعة المسلمين. ما هي للمؤمنين خاصّة (2)] (3).

و عن سماعة بن مهران‏ (4)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله‏ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثى‏ بِالْأُنْثى‏ فقال: لا يقتل حرّ بعبد. و لكن يضرب ضربا شديدا، و يغرّم دية العبد. و إن قتل رجل امرأة. فأراد (5) اولياء المقتول أن يقتلوا، أدّوا نصف ديته إلى أهل الرّجل.

و في تهذيب الأحكام‏ (6): صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: قلت: قول اللّه تعالى‏ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى‏ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثى‏ بِالْأُنْثى‏.

قال: قال: لا يقتل حرّ بعبد. و لكن يضرب ضربا شديدا. و يغرّم ثمن العبد.

و في مجمع البيان‏ (7): نفس الرّجل، لا تساوي نفس المرأة. بل هي على النّصف منها. فيجب إذا أخذت النّفس الكاملة بالنّاقصة، أن يردّ فضل ما بينهما.

و كذلك رواه الطّبريّ في تفسيره‏ (8)، عن عليّ- (عليه السلام).

و فيه‏ (9): قال الصّادق- (عليه السلام)‏- لا يقتل حرّ بعبد. و لكن يضرب ضربا

____________

(1) تفسير العياشي 1/ 57، ح 159.

(2) المصدر: ا هي جماعة المسلمين؟ قال: هي للمؤمنين خاصّة.

(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(4) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 157.

(5) ر: فأرادوا.

(6) تهذيب الأحكام 10/ 191، ح 754.

(7) مجمع البيان 1/ 265.

(8) تفسير الطبري 2/ 62، باختلاف في اللفظ.

(9) مجمع البيان 1/ 265.

228

شديدا، و يغرّم دية العبد.

فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْ‏ءٌ، أي: شي‏ء من العفو. لأنّ «عفا» (1) لازم. و فائدته الإشعار بأنّ بعض العفو كالعفو التّامّ، في إسقاط القصاص.

و قيل‏ (2): «عفا» بمعنى ترك و شي‏ء مفعول به. و هو ضعيف إذ لم يثبت. «عفا الشي‏ء» بمعنى تركه. بل إعفاءه و عفا، يعدّى بعن الى الجاني و الى الذّنب. قال اللّه تعالى‏ (3): عَفَا اللَّهُ عَنْكَ‏ و قال عفا [اللّه‏] (4) عنها. و إذا عدّي به إلى الذّنب، عدّي إلى الجاني باللّام. و عليه ما في الآية. كأنّه قيل: فمن عفي له عن جنايته من جهة أخيه، يعني:

وليّ الدّم. و ذكره بلفظ الأخوّة الثّابتة بينهما، من الجنسيّة و الإسلام، ليرقّ له و يعطف عليه.

فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ‏، أي: فليكن اتّباع أو فالأمر اتّباع.

و المراد: وصيّة العافي بأن يطالب الدّية بالمعروف، فلا يعنف. و المعفوّ عنه، بأن يؤدّيها بإحسان. و هو أن لا يمطل و لا يبخس.

و في الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم عن أبيه‏ (6)، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ- فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْ‏ءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ.

قال: ينبغي للّذي له الحقّ، أن لا يعسر أخاه إذا كان قد صالحه على دية.

و ينبغي للّذي عليه الحقّ، أن لا يمطل‏ (7) أخاه إذا قدر على ما يعطيه. و يؤدّي إليه بإحسان.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن علي بن الحكم، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير. قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- في‏ (8) قول اللّه- عزّ و جلّ- فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْ‏ءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ.

قال: هو الرّجل يقبل الدّية. فينبغي للطّالب أن يرفق به و لا يعسره. و ينبغي للمطلوب أن يؤدّي إليه بإحسان‏ (9) و لا يمطله، إذا قدر.

____________

(1) ر: العفو.

(2) أنوار التنزيل 1/ 99.

(3) التوبة/ 43.

(4) يوجد في المصدر.

(5) الكافي 7/ 358، ح 1.

(6) ليس في الأصل.

(7) ر: لا يمطل عليه.

(8) المصدر: عن.

(9) «إليه بإحسان»، ليس في أ.

229

أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن عبد الكريم، عن سماعة (1)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ- فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْ‏ءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ‏، ما ذلك الشي‏ء؟

فقال: هو الرجل يقبل الدّية. فأمر اللّه- عزّ و جلّ- الرجل الّذي له الحقّ، أن يتّبعه بمعروف، و لا يعسره. و أمر الّذي عليه الحقّ، أي يؤدّي إليه بإحسان، إذا أيسر.

ذلِكَ‏، أي: الحكم المذكور في العفو و الدّية، تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ رَحْمَةٌ لما فيه من التّسهيل و النّفع.

و قيل‏ (2): كتب على اليهود القصاص، وحده، و على النّصارى العفو، مطلقا.

و خيّرت هذه الأمّة بينهما، و بين الدّية، تيسيرا عليهم.

فَمَنِ اعْتَدى‏ بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ (178):

و في الحديث السّابق‏ (3): قال سماعة: قلت: أ رأيت قوله- عزّ و جلّ- فَمَنِ اعْتَدى‏ بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ‏.

قال: هو الرّجل، يقبل الدّية، أو يصالح، ثمّ يجي‏ء بعد، فيمثّل، أو يقتل. فوعده اللّه عذابا أليما.

عليّ بن ابراهيم‏ (4)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ- فَمَنِ اعْتَدى‏ بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ.

فقال: هو الرّجل يقبل الدّية، أو يعفو، أو يصالح، ثمّ يعتدي، فيقتل. فله عذاب أليم، كما قال اللّه- عزّ و جلّ.

وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ:

كلام في غاية الفصاحة و البلاغة. من حيث جعل الشي‏ء محلّ ضدّه. و عرّف القصاص و نكّر الحياة، ليدلّ على أنّ في هذا الجنس من الحكم، نوعا من الحياة عظيما.

وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ‏ يحتمل أن يكونا خبرين «لحياة»، و أن يكون أحدهما خبرا

____________

(1) نفس المصدر 7/ 359، ح 3.

(2) أنوار التنزيل 1/ 99.

(3) الكافي 7/ 359، ح 3.

(4) نفس المصدر 7/ 358، ح 1.

230

و الآخر صلة له، أو حالا عن الضّمير المستكنّ فيه.

و قرئ «في القصص»، أي: فيما قصّ عليكم من حكم القتل حياة، أو في القرآن حياة القلوب.

يا أُولِي الْأَلْبابِ‏: ذوي العقول الكاملة.

لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏ (179) في المحافظة على القصاص و الحكم به و الإذعان له، أو عن القصاص، فتكفّوا عن القتل.

و في كتاب الاحتجاج‏ (1)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- بإسناده إلى عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)‏- في تفسير قوله تعالى‏ وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ (الآية): و لكم، يا أمّة محمّد! في القصاص حياة. لأنّ من همّ بالقتل، يعرف‏ (2) أنّه يقتصّ منه، فكفّ لذلك عن القتل، كان حياة للّذي‏ (3) كان همّ بقتله، و حياة لهذا الجانيّ الّذي أراد أن يقتل، و حياة لغيرهما من النّاس، إذا علموا أنّ القصاص واجب لا يجسرون على القتل، مخافة القصاص، يا أُولِي الْأَلْبابِ‏، أولي العقول‏ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قوله‏ وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ‏، قال: يعني: لو لا القصاص، لقتل بعضكم بعضا.

و في نهج البلاغة (5): فرض اللّه الإيمان تطهيرا من الشّرك، و القصاص حقنا للدّماء.

و في أمالي شيخ الطّائفة (6)، بإسناده إلى عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام). قال:

قلت: أربعا أنزل اللّه تعالى تصديقي‏ (7) بها في كتابه- إلى قوله (عليه السلام)- قلت: القتل يقلّ القتل. فأنزل اللّه‏ وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ‏.

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ‏، أي: أسبابه و أمارته، إِنْ تَرَكَ خَيْراً، أي: مالا كثيرا،

لما روى عن عليّ- (عليه السلام)(8): أنّه دخل على مولى له في مرضه. و له سبعمائة درهم، أو ستّمائة.

____________

(1) الاحتجاج 2/ 50.

(2) المصدر: فعرف. (ظ)

(3) ليس في المصدر. (ظ)

(4) تفسير القمي 1/ 65.

(5) نهج البلاغة/ 512، قطعتان من كلمه 252.

(6) أمالي الشيخ 2/ 108.

(7) أ: تصديقا.

(8) ر. مجمع البيان 1/ 267.

231

فقال: ألا أوصي؟

فقال: إنّما قال اللّه سبحانه‏ إِنْ تَرَكَ خَيْراً و ليس لك مال كثير.

الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ‏:

مرفوع «بكتب» و تذكير فعلها للفصل، أو على تأويل أن يوصي، أو الإيصاء.

و لذلك ذكر الرّاجع في قوله «فمن بدّله».

و العامل في «إذا» مدلول «كتب» لا «الوصيّة» لتقدّمه عليها.

و قيل‏ (1): مبتدأ، خبره «للوالدين». و الجملة جواب الشّرط، بإضمار الفاء، كقوله:

من يفعل الحسنات اللّه يشكرها.

و ردّ بأنّه لو صحّ، فمن ضرورات الشّعر. و كان هذا الحكم، أي: وجوب الوصيّة، في بدء الإسلام. فنسخ بآية المواريث.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (2): عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أحدهما- (عليهما السلام)‏- قوله‏ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ‏ قال: هي منسوخة. نسختها آية الفرائض الّتي هي المواريث. و يجوز الوصيّة للوارث‏ (3).

قال الكافي‏ (4): عدّة من أصحابنا، عن سهيل بن زيادة، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر (5)، عن ابن بكير، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن الوصيّة للوارث.

فقال: تجوز.

ثمّ تلا هذه الآية: إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (6): روى محمّد بن أحمد بن يحيى، عن محمّد بن عيسى‏ (7)، عن محمّد بن سنان، عن عمّار بن مروان، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد اللّه‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 100.

(2) تفسير العياشي 1/ 77، ح 167.

(3) المصدر: نسختها آية الفرائض الّتي هي المواريث. فمن بدّله بعد ما سمعه فانّما إثمه على الّذين يبدّلونه، يعني: بذلك الوصية.

(4) الكافي 7/ 10، ح 5.

(5) أ: أبي نصير.

(6) من لا يحضره الفقيه 4/ 175، ح 615.

(7) «عن محمد بن عيسى»، ليس في ر.

232

- (عليه السلام)‏- في قول اللّه تعالى: الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ، حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ‏، قال: هو الشي‏ء جعله اللّه- عزّ و جلّ- لصاحب هذا الأمر.

قال: قلت: فهل لذلك حدّ؟

قال: نعم.

قلت: و ما هو؟

قال: أدنى ما يكون، ثلث الثّلث.

و في كتاب الاحتجاج‏ (1)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن الزّهراء- (عليها السلام)- في حديث طويل. تقول فيه للقوم: و قد منعوها ما منعوها. و قال: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ‏ (2). و قال: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. (3) و قال: إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ.

و زعمتم أن لا حظ [لي‏] (4) و لا إرث [من أبي‏] (5) و لا رحم بيننا. أ فخصّكم اللّه بآية أخرج منها (6) آل رسول اللّه‏ (7)- (صلّى اللّه عليه و آله)؟

[و في مجمع البيان‏ (8): روى أصحابنا عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- أنّه سئل: هل يجوز (9) الوصية للوارث؟

فقال: نعم. و تلا هذه الآية.

و روى السّكونيّ، عن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام). قال: من لم يوص عند موته لذي قرابته، ممن لا يرث، فقد ختم عمله بمعصيته.

و فيه: اختلف في المقدار الّذي تجب الوصيّة عنده. قال ابن عبّاس: ثمانمائة درهم.

و روي عن عليّ- (عليه السلام)‏- أنّه دخل على مولا له فيه مرضه و له سبعمائة درهم، أو ستّمائة. فقال: ألا أوصي؟

____________

(1) الاحتجاج 1/ 138.

(2) النساء/ 11.

(3) البقرة/ 180.

4 و 5- يوجد في المصدر.

(6) المصدر: أبي منها.

(7) «آل رسول اللّه» ليس في المصدر.

(8) مجمع البيان 1/ 267.

(9) المصدر: تجوز (ظ)

233

فقال: لا. إنّما قال اللّه سبحانه: إِنْ تَرَكَ خَيْراً. و ليس لك مال كثير.

و هذا هو المأخوذ به عندنا] (1)

بِالْمَعْرُوفِ‏: بالعدل. فلا يفضل الغنى. و لا يتجاوز الثّلث.

حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ‏ (180):

مصدر مؤكّد، أي: حقّ ذلك حقّا.

فَمَنْ بَدَّلَهُ‏ غيره من الأوصياء و الشّهود، بَعْدَ ما سَمِعَهُ‏، وصل إليه و تحقّق عنده.

فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ‏: فما إثم التّبديل، إلّا على مبدّله. لأنّه هو الّذي خالف الشّرع.

إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏ (181): وعيد للمبدّل.

و في الكافي‏ (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن رجل أوصى بماله في سبيل اللّه.

فقال: أعطه لمن أوصى به له. و إن كان يهوديّا أو نصرانيّا. إنّ اللّه تعالى يقول:

فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ.

محمّد بن يحيى‏ (3)، عن محمّد بن الحسين، عن عليّ بن الحكم، عن العلا بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما- (عليهما السلام)‏- في رجل أوصى بما له في سبيل اللّه.

قال: أعطه لمن أوصى‏ (4) به له و إن كان يهوديّا أو نصرانيّا. إنّ اللّه- تبارك و تعالى- يقول: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ.

عدّة من أصحابنا (5)، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن مهزيار، قال: كتب أبو جعفر- (عليه السلام)- إلى جعفر و موسى: و فيما أمرتكما به من الإشهاد بكذا و كذا، نجاة لكما، في آخرتكما، و إنفاذ (6) لما أوصى به أبواكما، و برّ (7) منكما لهما. و احذرا أن لا تكونا بدّلتما وصيّتهما و لا غيّرتماها. عن حالها و قد خرجا (8) من ذلك رضي اللّه عنهما، و صار ذلك في‏

____________

(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(2) الكافي 7/ 14، ح 1.

(3) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 2.

(4) المصدر: أوصى له.

(5) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 3.

(6) المصدر: إنفاذا.

(7) المصدر: برّا.

(8) المصدر: عن حالهما لانّهما قد خرجا.

234

رقابكما. و قد قال‏ (1) اللّه- تبارك و تعالى- في كتابه، في الوصيّة: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ. إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.

عدّة من أصحابنا (2)، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الوليد، عن يونس بن يعقوب: أنّ رجلا كان بهمدان. ذكر أنّ أباه مات. و كان لا يعرف هذا الأمر. فأوصى بوصيّته‏ (3) عند الموت. و أوصى أن يعطى شي‏ء في سبيل اللّه.

فسئل عنه أبو عبد اللّه- (عليه السلام): كيف يفعل به؟ فأخبرناه أنّه كان لا يعرف هذا الأمر.

فقال: لو أنّ رجلا أوصى إلىّ أن أضع في يهوديّ أو نصرانيّ، لوضعته فيهما. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ. فانظروا (4) إلى من يخرج إلى هذا الوجه، يعني: الثّغور. فابعثوا [به‏] (5) إليه.

عدّة من أصحابنا (6)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن حجاج الخشّاب، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن امرأة أوصت إليّ بمال أن يجعل في سبيل اللّه. فقيل: لها يحجّ‏ (7) به. فقالت: اجعله في سبيل اللّه. فقالوا لها: نعطيه‏ (8) آل محمّد. قلت: اجعله في سبيله اللّه.

[فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): اجعله في سبيل اللّه،] (9) كما أمرت.

قلت: مرني كيف أجعله.

قال: اجعله كما أمرتك. إنّ اللّه- تبارك و تعالى- يقول: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. أ رأيتك لو أمرتك أن تعطيه يهوديّا، كنت تعطيه نصرانيّا؟

قال: فمكثت بعد ذلك ثلاث سنين: ثمّ دخلت عليه. ثمّ قلت‏ (10) له مثل الّذي قلت له‏ (11) أوّل مرّة. فسكت هنيئة.

____________

(1) أ: نزّل.

(2) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 4.

(3) المصدر: بوصية. (ظ)

(4) أ: فانظر.

(5) يوجد في المصدر.

(6) نفس المصدر 7/ 15، ح 1.

(7) المصدر: تحجّ.

(8) أ: فقال: تعطيه. المصدر: فنعطيه.

(9) ليس في ر.

(10) المصدر: فقلت. (ظ)

(11) ليس في المصدر.

235

ثمّ قال: هاتها.

قلت: من أعطيها؟

قال: عيسى شلقان.

عليّ بن إبراهيم‏ (1)، عن أبيه، عن الرّيّان بن شبيب قال: أوصت ماردة لقوم نصارى‏ (2) بوصيّة. فقال أصحابنا: أقسم هذا في فقراء المؤمنين من أصحابك. فسألت الرّضا- (عليه السلام). فقلت: إنّ أختي أوصت بوصيّة لقوم نصارى. و أردت أن أصرف ذلك إلى قوم من أصحابنا المسلمين‏ (3).

فقال: أمض الوصيّة على ما أوصت به. قال اللّه تعالى: فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ.

محمّد بن يحيى‏ (4)، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي سعيد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سئل عن رجل أوصى بحجّة. فجعلها وصيه في نسمة (5).

فقال: يغرمها وصيّه. و يجعلها في حجّة، كما أوصى به. فإنّ اللّه- تبارك و تعالى- يقول: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ.

فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ‏، أي: توقّع و علم من قولهم، أخاف أن ترسل السّماء.

جَنَفاً: ميلا بالخطإ في الوصيّة، أَوْ إِثْماً: تعمّدا للحيف، فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ‏: بين الموصى لهم بإجرائهم على نهج الشّرع.

فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ‏ في هذا التّبديل. لأنّه تبديل باطل إلى حقّ، بخلاف الأوّل.

إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ (182): وعد للمصلح. و ذكر المغفرة لمطابقة ذكر الإثم، و كون الفعل من جنس ما يؤثم به.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (6): حدّثنا محمّد بن الحسن قال: حدّثنا محمّد بن الحسن‏

____________

(1) نفس المصدر 7/ 16، ح 2.

(2) المصدر: نصارى فراشين.

(3) المصدر: مسلمين.

(4) نفس المصدر 7/ 22، ح 2.

(5) أ: وصية في نسمه.

(6) علل الشرائع 2/ 567، ح 4.

236

الصّفار، عن أبي طالب عبد اللّه بن الصّلت القميّ، عن يونس بن عبد الرّحمان. رفعه إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ- فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً (1) أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ‏.

قال: يعني: إذا اعتدى في الوصيّة. يعني‏ (2): إذا زاد عن الثّلث.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قال الصّادق- (عليه السلام): إذا وصّى الرّجل بوصيّته، فلا يحلّ للوصيّ أن يغيّر وصيّة يوصيها. بل يمضيها على ما أوصى. إلّا أن يوصي بغير ما أمر اللّه. فيعصى في الوصيّة و يظلم. فالموصى إليه جائز له أن يردّها (4) إلى الحقّ.

[مثل رجل يكون له ورثة يجعل‏ (5) المال كلّه لبعض ورثة و يحرم بعضا. فالوصي جائز له أن يردّها (6) إلى الحقّ.] (7) و هو قوله: جَنَفاً أَوْ إِثْماً. «فالجنف» الميل إلى بعض ورثتك‏ (8) دون بعض. و «الإثم» أن تأمر (9) بعمارة بيوت النّيران و اتّخاذ المسكر. فيحلّ للوصيّ أن لا يعمل بشي‏ء من ذلك.

و في الكافي‏ (10): عليّ بن إبراهيم، عن رجاله قال: قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- أطلق للموصى إليه، أن يغيّر الوصيّة، إذا لم تكن‏ (11) بالمعروف و كان فيها جنف‏ (12). و يردّها إلى المعروف، لقوله تعالى‏ فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ.

محمّد بن يحيى‏ (13)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن أبي أيّوب، عن محمّد بن سوقة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- تبارك و تعالى- فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ.

قال: نسختها الآية الّتي بعدها، قوله- عزّ و جلّ- فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ.

____________

(1) المصدر: حيفا.

(2) ليس في المصدر.

(3) تفسير القمي 1/ 65.

(4) المصدر: يردّه.

(5) المصدر: فيجعل.

(6) المصدر: يردّه.

(7) ليس في أ.

(8) المصدر: ورثته.

(9) المصدر: يأمر.

(10) الكافي 7/ 20، ح 1.

(11) المصدر: لم يكن.

(12) المصدر: حيف.

(13) نفس المصدر 7/ 21، ح 2.

237

قال: يعني: الموصى إليه إن خاف جنفا (1) فيما أوصى به إليه فيما (2) لا يرضى اللّه به، من خلاف الحقّ، فلا إثم على الموصى‏ (3) إليه أن يردّه‏ (4) إلى الحقّ و إلى ما يرضى اللّه به من سبيل الخير.

[و في مجمع البيان‏ (5): فإن قيل: كيف قال فمن خاف لما قد وقع. و الخوف إنّما يكون لما لم يقع؟

قيل: إنّ فيه قولين:

أحدهما- أنّه خاف أن يكون قد زلّ في وصيّة. و الخوف يكون للمستقبل. و هو من أن يظهر ما يدلّ على أنّه قد زلّ لأنّه من جهة غالب الظّن.

الثّاني- أنّه لمّا اشتمل على الواقع و على ما لم يقع، جاز فيه (إلى قوله) إنّ الأوّل عليه أكثر المفسّرين. و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)‏. و قوله‏ أَوْ إِثْماً، الإثم أن تميل‏ (6) عن الحق، على وجه العمد. و الجنف أن يكون على جهة الخطأ من حيث لا يدري أنّه يجوز. و هو معنى قول ابن عبّاس و الحسن. و روي ذلك عن أبي جعفر- (عليه السلام).] (7)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ‏، يعني: الأنبياء دون الأمم. فإنّ الأمم كان عليهم صوم، أكثر من ذلك، في غير ذلك الشّهر.

يدلّ عليه‏

ما في الصّحيفة الكاملة (8): ثمّ آثرتنا به على سائر الأمم. و اصطفيتنا بفضله دون أهل الملل. فصمنا بأمرك نهاره. و قمنا بعونك ليله.

و ما رواه في من لا يحضره الفقيه‏ (9)، قال: روى سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث النّخعيّ قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ شهر رمضان‏

____________

(1) المصدر: جنفا من الموصى.

(2) المصدر: ممّا.

(3) المصدر: فلا إثم عليه: أي: على الموصى.

(4) المصدر: يبدّله.

(5) مجمع البيان 1/ 269.

(6) المصدر: ان يكون الميل.

(7) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(8) الصحيفة الكاملة، في ضمن دعائه- (عليه السلام)- في وداع شهر رمضان (دعاء 45)

(9) من لا يحضره الفقيه 2/ 61، ح 267.

238

لم يفرض اللّه صيامه على أحد من الأمم قبلنا.

فقلت له: فقول اللّه- عزّ و جلّ- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ‏.

قال: فرض اللّه‏ (1) شهر رمضان على الأنبياء، دون الأمم. ففضّل‏ (2) اللّه به هذه الأمّة. و جعل صيامه فرضا على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و على أمّته.

و «الصّوم» في اللّغة، الإمساك عمّا تنازع النّفس إليه. و في الشّرع، الإمساك عن المفطرات. فإنّها معظم ما تشتهيه الأنفس. و الخطاب في عليكم عامّ.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (3): عن جميل بن درّاج قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ‏.

قال: فقال: هذه كلّها تجمع‏ (4) أهل‏ (5) الضّلال و المنافقين و كلّ من أقرّ بالدّعوة الظّاهرة.

و أمّا ما رواه البرقيّ‏ (6)، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ‏، قال: «هي للمؤمنين خاصّة»، فمعناه أنّ المؤمنين هم المنتفعون بها.

و في كتاب الخصال‏ (7)، عن عليّ- (عليه السلام). قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). فسأله أعلمهم عن مسائل. فكان فيما سأله أن قال: لأي شي‏ء فرض اللّه الصّوم على أمّتك بالنّهار، ثلاثين يوما و فرض على الأمم أكثر من ذلك؟

فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ آدم- (عليه السلام)- لمّا أكل من الشّجرة، بقي في بطنه ثلاثين يوما. ففرض على ذرّيّته ثلاثين يوما الجوع و العطش. و الّذين يأكلونه تفضّل من اللّه عليهم. و كذلك كان على آدم. ففرض اللّه تعالى ذلك على أمّتي.

ثمّ تلا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- هذه الآية: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏ أيّاما معدودات.

____________

(1) المصدر: إنّما فرض اللّه صيام:

(2) النسخ: فضّل.

(3) تفسير العياشي 1/ 78.

(4) المصدر: يجمع.

(5) ليس في المصدر. و عند وجودها فتكون الكلمة بعدها «الضّلال». و عند عدمها تكون «الضّلال».

(6) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 174.

(7) الخصال 2/ 530، ح 6.

239

قال اليهوديّ: صدقت يا محمّد!

و في الكافي‏ (1): عدّة من أصحابنا. عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب، عن يوسف بن عميرة، عن عبد اللّه بن عبد اللّه، عن رجل، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)‏- لمّا حضر شهر رمضان و ذلك في ثلاث بقين من شعبان- قال لبلال: ناد في النّاس. فجمع النّاس. ثمّ صعد المنبر. فحمد اللّه. و أثنى عليه. ثمّ قال: يا أيّها النّاس! إنّ هذا الشّهر قد خصّكم به. و هو حضركم. و هو سيّد الشّهور.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏ (183) المعاصي. فإنّ الصّوم يكسر الشّهوة الّتي هي مبدؤها.

و في عيون الأخبار (2)، في باب العلل الّتي ذكر الفضل بن شاذان، في آخرها: أنّه سمعها من الرّضا- (عليه السلام): فإن قال فلم أمر بالصّوم؟

قيل: لكي يعرفوا ألم الجوع و العطش. فيستدلّوا على فقر الآخرة. و ليكون الصّائم خاشعا ذليلا مستكينا موجودا محتسبا عارفا صابرا (3) لما أصابه من الجوع و العطش.

فيستوجب الثّواب مع ما فيه من الانكسار عن الشّهوات. و ليكون ذلك واعظا لهم في العاجل و رائضا لهم على أداء ما كلّفهم و دليلا في الآجل. و ليعرفوا شدّة مبلغ ذلك على أهل الفقر و المسكنة في الدّنيا، فيؤدّوا إليهم ما افترض اللّه تعالى لهم في أموالهم.

فإن قيل: فلم جعل الصّوم في شهر رمضان دون سائر الشّهور؟

قيل: لأنّ شهر رمضان هو الشّهر الّذي أنزل اللّه تعالى فيه القرآن هدى‏ (4) للنّاس و بيّنات من الهدى و الفرقان و فيه نبّئ محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله). و فيه ليلة القدر الّتي هي خير من ألف شهر. و فيها يفرق كلّ أمر حكيم. و فيه‏ (5) رأس السّنة. يقدّر فيها ما يكون في السّنة من خير أو شرّ أو مضرّة أو منفعة أو رزق أو أجل. و لذلك سمّيت ليلة القدر.

____________

(1) الكافي 4/ 67، ح 5.

(2) عيون أخبار الرضا 2/ 115.

(3) المصدر: على ما.

(4) المصدر: انزل اللّه تعالى فيه القرآن و فيه فرق بين الحق و الباطل، كما قال اللّه- عزّ و جلّ: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى ...

(5) المصدر: هو. (ظ)

240

فإن قال: فلم أمروا بصوم شهر رمضان لا أقلّ من ذلك و لا أكثر؟

قيل: لأنّه قوّة العباد (1) الّذي يعمّ في القويّ و الضّعيف. و إنّما أوجب اللّه تعالى الفرائض على اغلب الأشياء و أعظم‏ (2) القوى. ثمّ رخّص‏ (3) لأهل الضّعف. و رغّب أهل القوّة في الفضل. و لو كانوا يصلحون على أقلّ من ذلك، لنقصهم. و لو احتاجوا إلى أكثر من ذلك، لزادهم.

أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ‏ مؤقّتات بعدد معلوم و وقت معيّن، أو قلائل. فإنّ القليل من المال يعدّ عدّا. و الكثرة يهال هيلا.

و نصبها بإضمار «صوموا» أو ب «كما كتب» على الظّرفيّة،. أو بأنّه مفعول ثان على السّعة. و ليس بالصّيام للفصل بينهما.

فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً مرضا يضرّه الصّوم، أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ: أو راكب سفر، فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، أي: فعليه صوم عدد أيّام المرض و السّفر، من أيّام أخر.

و هذا على الوجوب.

في من لا يحضره الفقيه‏ (4)، روي عن الزّهريّ. أنّه قال: قال لي عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- و نقل حديثا طويلا، يقول فيه- (عليه السلام): و أمّا صوم السّفر و المرض، فانّ العامّة اختلفت فيه. فقال قوم: يصوم. و قال قوم: لا يصوم. و قال قوم: إن شاء صام، و إن شاء أفطر. و أمّا نحن فنقول: يفطر في الحالتين- جميعا. فإن صام في السّفر أو في حال المرض، فعليه القضاء في ذلك. لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (5): عن أبي بصير. قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن حدّ المرض الّذي يجب على صاحبه في الإفطار، كما يجب عليه في السّفر [في‏] (6) قوله‏ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ.

قال: هو مؤتمن عليه. مفوّض اليه. فإن وجد ضعفا. فليفطر. و إن وجد قوّة

____________

(1) المصدر: العبادة.

(2) المصدر: و أعم. (ظ)

(3) كذا في المصدر: و في النسخ: خصّ.

(4) من لا يحضره الفقيه 2/ 48، ح 208.

(5) تفسير العياشي 1/ 81، ح 188.

(6) يوجد في المصدر.

241

فليصم. كان المريض على ما كان.

عن محمّد بن مسلم‏ (1)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لم يكن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يصوم في السّفر تطوّعا و لا فريضة. يكذبون على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). نزلت هذه الآية و رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بكراع الغميم، عند صلاة الفجر. فدعا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بإناء. فشرب. فأمر (2) النّاس أن يفطروا. و قال قوم: قد توجّه النّهار. و لو صمنا يومنا هذا. فسمّاهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- العصاة. فلم يزالوا يسمّون بذلك الاسم، حتّى قبض رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).

و في كتاب الخصال‏ (3)، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أهدى إليّ و إلى أمّتي هدية لم يهدها إلى أحد من الأمم، كرامة من اللّه لنا.

قالوا: و ما ذلك يا رسول اللّه! قال: الإفطار في السّفر. و التّقصير في الصلوة. فمن لم يفعل ذلك، فقد ردّ على اللّه هديّته.

و في الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: رجل صام في السّفر.

فقال: إذا (5) كان بلغه أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نهى عن ذلك، فعليه القضاء. و ان لم يكن بلغه‏ (6)، فلا شي‏ء عليه.

أبو عليّ الأشعريّ‏ (7)، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن [صفوان بن يحيى، عن عيص‏ (8) بن القسم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من صام في السفر بجهالة، لم يقضه.] (9)

عن عبد اللّه بن مسكان‏ (10)، عن ليث المرادي، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-

____________

(1) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 190.

(2) المصدر: و أمر. (ظ)

(3) الخصال 1/ 12، ح 43.

(4) الكافي 4/ 128، ح 1.

(5) المصدر: إن. (ظ)

(6) أ: يبلغه.

(7) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 2.

(8) كذا في المصدر و في الأصل ور: العيص.

(9) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(10) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 3.

242

قال: إذا سافر الرّجل في شهر رمضان، أفطر. و إن صامه بجهالة لم يقضه.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (1): روى ابن بكير، عن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- ما حدّ المرض الّذي يفطر فيه الرّجل‏ (2) و يدع الصّلاة من قيام؟

قال: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. هو أعلم بما يطيقه.

و روى جميل بن درّاج‏ (3)، عن الوليد بن صبيح، قال: حممت بالمدينة يوما في شهر رمضان. فبعث إليّ أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- بقصعة. فيها خلّ و زيت. و قال لي: أفطر.

و صلّ، و أنت قاعد.

و في رواية حريز (4)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: الصّائم إذا خاف على عينيه من الرّمد، أفطر.

وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ‏، أي: على الّذين كانوا يطيقون الصّوم، فلم يطيقوه الآن لمرض، كعطاش‏ (5) أو كبر أو أفطروا لمرض أو سفر، ثمّ زال عذرهم و أطاقوا و لم يقضوا حتّى دخل رمضان آخر، فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ‏: بمدّ من كلّ يوم.

في الكافي‏ (6): محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن العلا بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ- وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ‏ قال: الشّيخ الكبير (7) و الّذي يأخذه العطاش.

أحمد بن محمّد (8)، عن ابن فضّال، عن ابن بكير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه تعالى: وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ‏ (9)»، قال: الّذين كانوا يطيقون الصّوم فأصابهم كبر أو عطاش‏ (10) أو شبه ذلك، فعليهم بكل‏ (11) يوم مدّ.

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 2/ 83، ح 369.

(2) المصدر: الصائم. (ظ)

(3) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 370.

(4) نفس المصدر 2/ 84، ح 373.

(5) أ: العطاش.

(6) الكافي 4/ 116، ح 1.

(7) أ: قال: الذين كانوا يطيقون الصوم الشيخ الكبير.

(8) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 5.

(9) أ: مسكين.

(10) ر: كبرا أو عطاشا.

(11) المصدر: لكلّ.

243

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قوله: وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ‏ (2)، قال: من مرض في شهر رمضان، فأفطر، ثمّ صحّ، فلم يقض ما فاته حتى جاء شهر رمضان آخر، فعليه ان يقضي و يتصدّق عن كلّ يوم بمدّ من الطّعام.

و قرأ نافع و ابن عامر بإضافة الفدية إلى «الطّعام» و جمع «المساكين‏ (3) فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً: فزاد في الفدية.

فَهُوَ، أي: التّطوّع أو الخير، خَيْرٌ لَهُ وَ أَنْ تَصُومُوا، أي: صومكم على تقدير عدم المانع، و تكلف الصّوم على تقدير وجوده.

خَيْرٌ لَكُمْ‏ من الفدية، أو تطوّع الخير، أو منهما، إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏ (184) ما في الصّوم من الفضيلة.

و جوابه محذوف، أي اخترتموه، أو إن كنتم من أهل العلم و التّدبّر، علمتم أنّ الصّوم خير لكم من ذلك.

شَهْرُ رَمَضانَ‏:

مبتدأ. خبره ما بعده. أو خبر مبتدأ محذوف. تقديره «ذلكم شهر رمضان.» أو بدل من الصّيام، على حذف المضاف، أي: كتب عليكم الصّيام، صيام شهر رمضان.

و قرئ بالنّصب على إضمار صوموا أو على أنّه بدل من‏ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ‏ أو مفعول‏ وَ أَنْ تَصُومُوا. و فيه ضعف.

و «رمضان» مصدر رمض، إذا احترق. فأضيف إليه الشّهر. و جعل علما له.

و منع من الصّرف للعلميّة و الألف و النّون.

و في أصول الكافي‏ (4): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد و محمّد بن الحسين، عن محمّد بن يحيى الخثعمىّ، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- عن أبيه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام): لا تقولوا «رمضان». و لكن قولوا «شهر رمضان». فانّكم لا تدرون ما رمضان؟

____________

(1) تفسير القميّ 1/ 66.

(2) أ: مسكين.

(3) مجمع البيان 1/ 272.

(4) بل في فروع الكافي، ر. الكافي 4/ 69، ح 1.

244

عدّة من أصحابنا (1)، عن أحمد بن محمّد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن هشام بن سالم، عن سعد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كنّا عنده ثمانية رجال. فذكرنا رمضان. فقال: لا تقولوا «هذا رمضان» و لا «ذهب رمضان» و لا «جاء رمضان». فإنّ «رمضان» اسم من أسماء اللّه- عزّ و جلّ. لا يجي‏ء و لا يذهب. و إنّما يجي‏ء و يذهب الزّائل.

و لكن قولوا «شهر رمضان». فالشّهر (2) مضاف إلى الاسم. و الاسم اسم اللّه عزّ ذكره. و هو الشّهر الّذي أنزل فيه القرآن. جعله مثلا وعيدا (3).

الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ‏، الموصول بصلته خبر لمبتدأ او صفته و الخبر «فمن شهد». أي:

أنزل في شأنه القرآن. و هو قوله‏ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ‏، أو أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ‏ جملة واحدة إلى البيت المعمور، ثمّ نزل منجّما.

و في أصول الكافي‏ (4)، عليّ بن إبراهيم، عن أبيه. و محمّد بن القاسم، عن محمّد بن سليمان، عن داود، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ- شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ. و إنّما أنزل في عشرين سنة بين أوّله و آخره. فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام):

نزل القرآن جملة واحدة في جملة شهر رمضان، إلى البيت المعمور. ثمّ نزل في طول عشرين سنة.

ثمّ قال: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله): نزلت صحف إبراهيم في أوّل ليلة من شهر رمضان. و أنزلت التوراة لستّ مضين من شهر رمضان. و أنزل الإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر رمضان. و انزل الزّبور لثمان عشرة خلون من شهر رمضان. و انزل القرآن في ثلاث و عشرين من شهر رمضان.

و في الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد اللّه بن المغيرة، عن عمرو الشّاميّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: و نزل القرآن في أوّل ليلة من شهر رمضان. و استقبل الشّهر بالقرآن.

و يمكن الجمع بين الخبرين، بحمل الإنزال جملة واحدة في ثلاث و عشرين‏

____________

(1) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 2.

(2) المصدر: فأن الشهر.

(3) ليس في أ.

(4) الكافي 2/ 628، ح 6.

(5) نفس المصدر 4/ 65، ح 1.

245

إلى البيت المعمور. و حمل الإنزال في أوّل اللّيلة، على ابتداء إنزاله منجّما إلى الدّنيا.

عدّة من أصحابنا (1)، عن سهيل بن زياد. و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه- جميعا- عن ابن محبوب، عن أبي حمزة، عن أبي يحيى، عن الأصبغ بن نباته قال: سمعت أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يقول: نزل القرآن أثلاثا: ثلث فينا و في عدوّنا، و ثلث سنن و أمثال، و ثلث فرائض و أحكام.

و في أصول الكافي‏ (2): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحجّال، عن عليّ بن عقبة، عن داود بن فرقد، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ القرآن نزل أربعة أرباع: ربع حلال، و ربع حرام، و ربع سنن و أحكام، و ربع خبر ما كان قبلكم و نبأ ما يكون بعدكم و فصل ما يكون بينكم.

أبو عليّ الأشعريّ، (3) عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: نزل القرآن أربعة أرباع: ربع فينا، و ربع في عدوّنا، و ربع سنن و أمثال، و ربع فرائض و أحكام.

و الجمع بين الخبر الأوّل و الثّاني، أنّ المراد بالخبر الأوّل، أنّ ثلث القرآن فينا و في عدوّنا، بحسب بطونه، و إن كان بحسب ظاهر ألفاظه في شي‏ء من السّنن و الأحكام و القصص و غير ذلك. و ثلثاه الآخران، ليسا كذلك.

و الجمع بينه و بين الثّالث، بأن قائله أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و له لاختصاص ببعض الآيات لم يشركه فيها باقي الأئمّة- (عليهم السلام). و قائل الخبر الثّالث، أبو جعفر- (عليه السلام). و مراده- (عليه السلام)- أنّ الرّبع يشترك فيه كلّنا.

و روى عليّ بن إبراهيم‏ (4)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن الفضيل بن يسار، قال: قلت: إنّ النّاس يقولون إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف.

فقال: كذبوا أعداء اللّه. و لكنّه نزل على حرف واحد من عند الواحد.

هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى‏ وَ الْفُرْقانِ‏:

حالان من القرآن، أي: أنزل و هو هداية للنّاس، باعجازه، و آيات واضحات ممّا يهدي إلى الحقّ، و يفرق به بينه و بين الباطل بما فيه من الحكم و الأحكام.

____________

(1) نفس المصدر 2/ 627، ح 2.

(2) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 3.

(3) نفس المصدر 2/ 628، ح 4.

(4) نفس المصدر 2/ 630، ح 13.

246

و في كتاب معاني الأخبار (1)، بإسناده إلى ابن سنان و غيره، عمّن ذكره قال:

سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن «القرآن» و «الفرقان» أ هما شيئان؟ أم شي‏ء واحد؟

قال: فقال: «القرآن» جملة الكتاب. و «الفرقان» المحكم الواجب العمل به.

فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ‏:

في الفاء إشعار بأنّ الإنزال فيه سبب اختصاصه بوجوب الصّوم فيه.

الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ‏ فيه.

وضع المظهر، موضع المضمر، للتّعظيم. نصب على الظّرف. و حذف الجارّ.

و نصب الضّمير على الاتّساع.

و قيل‏ (2): من شهد منكم هلال الشّهر، فليصمه على أنّه مفعول به، كقولك شهدت يوم الجمعة، أي: صلاتها.

في كتاب الخصال‏ (3)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه: ليس للعبد أن يخرج إلى سفر إذا حضر شهر رمضان، لقوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ‏.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (4): و سأل عبيد بن زرارة، أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ- فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.

[قال: ما أبينها من شهد فليصمه.] (5) و من سافر، فلا يصمه.

و روى الحلبيّ‏ (6)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن الرّجل يدخل شهر رمضان و هو مقيم لا يريد براحا. ثمّ يبدو له بعد ما يدخل شهر رمضان أن يسافر.

فسكت. فسألته غير مرّة.

فقال: يقيم أفضل إلّا أن تكون له حاجة لا بدّ له من الخروج فيها، أو يتخوّف على ماله.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (7): عن الصّباح بن سيابة، قال: قلت لأبي عبد اللّه‏

____________

(1) معاني الاخبار/ 189، ح 1.

(2) أنوار التنزيل 1/ 102.

(3) الخصال 2/ 614.

(4) من لا يحضره الفقيه 2/ 91، ح 404.

(5) ليس في أ.

(6) الكافي 4/ 126، ح 2.

(7) تفسير العياشي 1/ 80، ح 186.

247

- (عليه السلام): إن ابن يعقوب‏ (1) أمرني أن أسألك عن مسائل.

فقال: و ما هي؟

قال: يقول لك: إذا دخل شهر رمضان و أنا في منزلي إليّ أن أسافر؟

قال: إنّ اللّه يقول: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ. فمن دخل عليه شهر رمضان و هو في أهله، فليس له أن يسافر، إلّا إلى الحج‏ (2)، أو عمرة، أو في طلب مال يخاف تلفه.

وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ:

مخصّص لسابقه. لأنّ المسافر و المريض ممّن شهد الشّهر. و لعلّ تكريره لذلك.

يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ، أي: يريد أن ييسّر عليكم، و لا يعسّر عليكم. و لذلك أوجب الفطر للسّفر و المرض.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (3): عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ- يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ، قال: «اليسر» عليّ.

وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى‏ ما هَداكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ (185):

علل لفعل محذوف. دلّ عليه ما سبق، أي: شرع جملة ما ذكر من أمر الشّاهد بالصّوم و المسافر و المريض بالإفطار و مراعاة عدّة ما أفطر فيه، لتكملوا العدّة إلى آخرها، على سبيل اللّفّ. فإنّ قوله «و لتكملوا» علّة الأمر بمراعاة العدّة. وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ‏ علّة أمر الشّاهد بالصّوم. وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ علّة أمر المسافر و المريض بالإفطار، أو لأفعال كلّ لفعله، أو معطوفة على علّة مقدّرة، مثل: ليسهّل عليكم، أو لتعملوا ما تعملون، و لتكملوا. و يجوز أن يعطف على «اليسر»، أي: يريد لكم لتكملوا، كقوله‏ (4): يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا.

و المعنى بالتّكبير و تعظيم اللّه، بالحمد و الثّناء عليه. و لذلك عدّي بعلى. و من جملته تكبير يوم الفطر.

و قيل‏ (5): المراد التّكبير عند الإهلال. و «ما» يحتمل المصدر و الخبر، أي: الّذي‏

____________

(1) المصدر: ابن أبي يعفور. (ظ)

(2) المصدر: لحج.

(3) تفسير العياشي 1/ 82، ح 191.

(4) الصف/ 8.

(5) أنوار التنزيل 1/ 102.

248

هداكم إليه. و عن عاصم: و لتكملوا بالتّشديد.

و في الكافي‏ (1): عدّة من أصحابنا، عن سهيل بن زياد، عن محمّد بن إسماعيل، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: انّ اللّه- تبارك و تعالى- خلق الدّنيا في ستّة أيّام ثمّ اختزلها عن ايّام السّنة. و السّنة ثلاثمائة و أربعة (2) و خمسون يوما.

شعبان لا يتمّ أبدا. و رمضان لا ينقص، و اللّه أبدا. و لا تكون فريضة ناقصة. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول‏ وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ. و شوّال تسعة و عشرون يوما.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (3): عن ابن أبي عمير، عن رجل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت له: جعلت فداك! ما نتحدث‏ (4) به عندنا أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- صام تسعة و عشرين أكثر ممّا صام ثلاثين. أحقّ هذا؟

قال: ما خلق اللّه من هذا حرفا. ما صامه النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلّا ثلاثين. لأنّ اللّه يقول: وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ينقصه؟

و في الكافي‏ (5): عليّ بن محمّد، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن خلف بن حمّاد، عن سعيد النّقّاش. قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- لي: أما إنّ في الفطر تكبيرا و لكنّه مسنون‏ (6).

قال: قلت: و أين هو؟

قال: في ليلة الفطر، في المغرب و العشاء الآخرة، و في صلاة الفجر، و في صلاة العيد. ثمّ يقطع.

قال: قلت: كيف أقول؟

قال: تقول «اللّه أكبر. اللّه أكبر. لا إله إلّا اللّه. و اللّه أكبر. اللّه أكبر. و للّه الحمد.

اللّه أكبر على ما هدانا.» و هو قول اللّه تعالى: وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ، يعني: الصّيام. و لتكبّروا اللّه على ما هداكم.

و في محاسن البرقيّ‏ (7)، عنه عن بعض أصحابنا، رفعه‏، في قول اللّه‏

____________

(1) الكافي 4/ 78، ح 2.

(2) المصدر: و أربع.

(3) تفسير العياشي 1/ 82، ح 194.

(4) المصدر: يتحدث.

(5) الكافي 4/ 166، ح 1.

(6) المصدر: مستور.

(7) المحاسن/ 142، ح 36.

249

وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى‏ ما هَداكُمْ‏، [قال: التكبير، التّعظيم للّه و الهداية الولاية.

عنه‏ (1)، عن بعض أصحابنا، رفعه‏، في قول اللّه‏ وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى‏ ما هَداكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏، قال: التّكبير، التّعظيم للّه و الهداية الولاية.

عنه‏ (2)، عن بعض أصحابنا، في قول اللّه- تبارك و تعالى- وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى‏ ما هَداكُمْ‏ (3)] وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏، قال: الشّكر المعرفة.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (4)، و في العلل الّتي تروى عن الفضل بن شاذان النّيشابوريّ- رضي اللّه عنه. و يذكر أنّه سمعها عن الرّضا- (عليه السلام)‏- إنّه إنّما جعل يوم الفطر العيد- إلى أن قال-: و إنّما جعل التّكبير فيها أكثر منه في غيرها من الصّلوات. لأنّ التّكبير إنّما هو تعظيم اللّه و تمجيد على ما هدى و عافى، كما قال- عزّ و جلّ: وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى‏ ما هَداكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.

وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ‏: فقل لهم إنّي قريب.

و هو تمثيل لكمال علمه بأفعال العباد و أقوالهم و اطّلاعه على أحوالهم بحال من قرب مكانه منهم.

روى‏ (5) أنّ أعرابيّا قال لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): أ قريب ربّنا فنناجيه؟ أم بعيد فنناديه؟ فنزلت.

أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ‏:

تقرير للقرب و وعد للدّاعي بالإجابة.

فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي‏ إذا دعوتهم للإيمان و الطّاعة، كما أجيبهم إذا دعوني لمهمّاتهم.

وَ لْيُؤْمِنُوا بِي‏: أمر بالدّوام و الثّبات.

____________

1 و 2- نفس المصدر/ 149، ح 65، هكذا:

عنه، عن بعض أصحابنا، رفعه في قول اللّه- تبارك و تعالى- وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى‏ ما هَداكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ قال: الشكر المعرفة، و في قوله‏ وَ لا يَرْضى‏ لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ‏ فقال: الكفر، هاهنا، الخلاف. و الشكر، الولاية و المعرفة.

(3) ما بين المعقوفتين ليس في ر.

(4) من لا يحضره الفقيه 1/ 330، ح 1488.

(5) مجمع البيان 1/ 278.

250

لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ‏ (186): راجين إصابة الرّشد. و هو إصابة الحقّ.

و قرئ بفتح الشّين و كسرها.

و في أصول الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: قال لي أبو الحسن الرّضا- (عليه السلام): أخبرني عنك، لو أنّي قلت لك قولا، أ كنت تثق به؟

فقلت له: جعلت فداك! إذا لم أثق بقولك فبمن أثق؟ و أنت حجّة اللّه على خلقه.

قال فكن باللّه أوثق. فإنّك على موعد من اللّه. أ ليس اللّه- عزّ و جلّ- يقول:

وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ. و قال‏ (2): لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ‏ و قال‏ (3): و اللّه‏ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَ فَضْلًا. فكن باللّه- عزّ و جلّ- أوثق منك بغيره. و لا تجعلوا في أنفسكم إلّا خيرا. فإنّه مغفور لكم.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في روضة الكافي‏ (4)، خطبة طويلة مسندة لأمير المؤمنين- (عليه السلام). يقول- (عليه السلام) فيها: فاحترسوا من اللّه- عزّ و جلّ- بكثرة الذّكر. و اخشوا منه بالتّقى و تقرّبوا إليه بالطّاعة فإنّه قريب مجيب. قال اللّه تعالى: وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَ لْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ.

و في نهج البلاغة (5): قال- (عليه السلام): ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه، من مسألته فمتى شئت استفتحت بالدّعاء أبواب نعمه. و استمطرت شآبيب رحمته. فلا يقنطك إبطاء إجابته. فإنّ العطيّة على قدر النّيّة. و ربّما أخّرت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السّائل و أجزل لعطاء الآمل. و ربّما سألته‏ (6) الشي‏ء فلا تؤتاه و أوتيت خيرا منه عاجلا (7) و آجلا. (8) و صرف عنك لما هو خير لك. فلربّ أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته. فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله و ينفى عنك و باله. فالحال لا يبقى لك و لا تبقى له.

____________

(1) الكافي 2/ 1.

(2) الزمر/ 53.

(3) البقرة/ 268.

(4) الكافي 8/ 390، ح 586.

(5) نهج البلاغة/ 399، ضمن رسائله 31.

(6) المصدر: سألت.

7 و 8- المصدر: أو. (ظ)

251

و فيه‏ (1): قال- (عليه السلام): إذا كانت لك إلى اللّه سبحانه حاجة، فابدأ بمسألة الصلاة على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- ثمّ سل حاجتك. فإنّ اللّه أكرم من أن يسأل حاجتين، فيقضي إحداهما و يمنع الأخرى.

و في مجمع البيان‏ (2): روى عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: وَ لْيُؤْمِنُوا بِي‏»، أي: و ليتحقّقوا أنّي قادر على إعطائهم ما سألوه، لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ‏»، أي: لعلّهم يصيبون الحقّ و يهتدون إليه.

و روى‏ (3) عن جابر بن عبد اللّه. قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ العبد ليدعو اللّه و هو يحبّه. فيقول: يا جبرائيل! لا تقض‏ (4) لعبدي هذا حاجته. و أخّرها. فإنّي أحبّ أن لا أزال أسمع صوته. و إنّ العبد ليدعو اللّه و هو مبغضه‏ (5) فيقول: يا جبرئيل! اقض لعبدي هذا حاجته بإخلاصه و عجّلها. فإنّي أكره أن أسمع صوته.

ثمّ بيّن أحكام الصّوم، فقال:

أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى‏ نِسائِكُمْ‏:

لَيْلَةَ الصِّيامِ‏»، اللّيلة الّتي يصبح منها صائما.

و «الرّفث» كناية عن الجماع لأنّه لا يكاد يخلو من رفث. و هو الإفصاح بما يجب أن يكنّى عنه. و عدّي بإلى، لتضمّنه معنى الإفضاء و إيثاره، هاهنا، لتقبيح ما ارتكبوه.

و لذلك سمّاه خيانة. و قرئ الرّفوث.

و في كتاب الخصال‏ (6)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب. قال- (عليه السلام): يستحبّ للرّجل أن يأتي أهله أوّل ليلة من شهر رمضان، لقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى‏ نِسائِكُمْ.» و الرّفث، المجامعة.

و في الكافي‏ (7): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن القسم بن يحيى، عن جدّه الحسن بن راشد، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: حدّثني أبي، عن جدّي، عن آبائه- (عليهم السلام): أنّ عليّا- (صلوات اللّه عليه)- قال: يستحبّ للرّجل أن‏

____________

(1) نفس المصدر/ 538، حكمة 361.

(2) مجمع البيان 1/ 278.

(3) نفس المصدر 1/ 279.

(4) النسخ: اقض.

(5) المصدر: يبغضه.

(6) الخصال 2/ 612.

(7) الكافي 4/ 180، ح 3.

252

يأتي أهله (و ذكر كما في كتاب الخصال، سواء).

و في مجمع البيان‏ (1): و روى عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)‏- كراهية الجماع في أوّل ليلة من كلّ شهر، ألا أوّل ليلة من شهر رمضان. فإنّه يستحبّ ذلك، لمكان الآية.

هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ‏:

استئناف يبين سبب الإحلال، و هو قلّة الصّبر عنهنّ و صعوبة اجتنابهنّ، لكثرة المخالطة و شدّة الملابسة، و لما كان الرّجل و المرأة يعتنقان، و يشتمل كلّ منهما على صاحبه شبّه باللّباس، أو لأنّ كلّ واحد منهما يستر صاحبه و يمنعه عن الفجور.

عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ‏: تظلمونها بتعريضها للعقاب و تنقيص حظّها من الثّواب.

و الاختيان أبلغ من الخيانة، كالاكتساب من الكسب.

فَتابَ عَلَيْكُمْ‏ لمّا تبتم ما اقترفتموه.

وَ عَفا عَنْكُمْ‏: و محى عنكم أثره.

فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَ‏: نسخ عنكم التّحريم و المباشرة.

إلزاق البشرة بالبشرة، كنّى به عن الجماع.

وَ ابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ‏:

و اطلبوا ما قدّره لكم. و أثبته في اللّوح من الولد.

وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ:

شبّه أوّل ما يبدو في الفجر المعترض في الأفق و ما يمتدّ معه من غلس اللّيل، بخيطين أبيض و أسود. و اكتفى ببيان الخيط الأبيض، لقوله «من الفجر» عن بيان الخيط الأسود، لدلالته عليه. و بذلك خرجا عن الاستعارة إلى التّمثيل. و يجوز أن يكون «من» للتّبعيض. فإنّ ما يبدو بعض الفجر.

و في الكافي‏ (2): محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، و أحمد بن إدريس، عن محمّد بن عبد الجبّار، جميعا، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن‏

____________

(1) مجمع البيان 1/ 280.

(2) الكافي 4/ 98، ح 4.

253

أحدهما- (عليهما السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ- أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى‏ نِسائِكُمْ.» الآية. فقال: نزلت في خوات بين جبير الأنصاري. و كان مع النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- في الخندق. و هو صائم. فأمسى، و هو على تلك الحال. و كانوا قبل أن تنزل هذه الآية إذا نام أحدهم، حرّم عليه الطّعام و الشّراب. فجاء خوات إلى أهله حين أمسى.

فقال: هل عندكم طعام؟

قالوا (1): لا تنم حتى نصلح لك طعاما. فاتكا فنام.

فقالوا له: قد فعلت.

قال: نعم.

فبات على تلك الحال. فأصبح. ثمّ غدا إلى الخندق فجعل يغشى عليه فمرّ به رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). فلمّا رأى الّذي أخبره به كيف كان أمره، فأنزل اللّه- عزّ و جلّ- فيه الآية: كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ.»

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثني أبي- رفعه‏ (3). قال: قال الصّادق- (عليه السلام): كان النّكاح و الأكل، محرّمان‏ (4) في شهر رمضان، باللّيل بعد النّوم، يعني: كلّ من صلّى العشاء و نام و لم يفطر ثمّ انتبه، حرّم عليه الإفطار. و كان النّكاح حراما باللّيل و النّهار، في شهر رمضان. و كان رجل من أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقال له خوات بن جبير، أخو عبد اللّه بن جبير الّذي كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- وكّله بفم الشّعب، يوم أحد، في خمسين من الرّماة، ففارقه أصحابه، بقي في اثني عشر رجلا، فقتل على باب الشّعب. و كان أخوه هذا، خوات بن جبير شيخا كبيرا ضعيفا. و كان صائما.

فأبطأت عليه أهله بالطّعام. فنام قبل أن يفطر. فلمّا انتبه قال لأهله: «قد حرّم عليّ الأكل في هذه اللّيلة.» فلمّا أصبح حضر حفر الخندق فأغمي عليه. فرآه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فرّق له. و كان قوم من الشبّان ينكحون باللّيل، سرّا في شهر رمضان فأنزل اللّه: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى‏ نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ. عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ. فَتابَ عَلَيْكُمْ وَ عَفا عَنْكُمْ. فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَ‏

____________

(1) المصدر: فقالوا: لا.

(2) تفسير القمي 1/ 66، بتفاوت.

(3) أ: رفعة.

(4) كذا في أور و في المصدر و في الأصل: محرما.

254

وَ ابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ. وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ. ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ.» فأحلّ اللّه- تبارك و تعالى- النّكاح باللّيل، في شهر رمضان، و الأكل بعد النّوم إلى طلوع الفجر لقوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ».

قال: هو بياض النّهار من سواد اللّيل.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (1): و سئل الصّادق- (عليه السلام)- عن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.

فقال: بياض النّهار من سواد اللّيل.

و قال في خبر آخر (2): هو الفجر الّذي لا شكّ فيه.

و في الكافي‏ (3): عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن مهزيار قال: كتب أبو الحسن بن الحسين‏ (4) إلى أبي جعفر الثّاني- (عليه السلام)- معي: جعلت فداك! قد اختلف مواليك‏ (5) في صلاة الفجر. فمنهم من يصلّي إذا طلع الفجر الأوّل المستطيل في السّماء.

و منهم من يصلّي إذا اعترض مع أسفل الأفق و استبان. و لست أعرف أفضل الوقتين، فأصلّي فيه. فإن رأيت أن تعلّمنى أفضل الوقتين. و تحدّه لي. و كيف أصنع مع القمر و الفجر؟ لأتبيّن معه حتّى يحمرّ و يصبح؟ و كيف أصنع مع الغيم؟ و ما حدّ ذلك في السّفر و الحضر؟ فعلت- إن شاء اللّه.

فكتب- (عليه السلام)- بخطه و قراءته: الفجر- يرحمك اللّه- هو الخيط الأبيض المعترض، ليس هو الأبيض صعدا. فلا تصلّ في سفر و لا حضر، حتّى تتبيّنه. فإنّ اللّه- تبارك و تعالى- لم يجعل خلقه في شبهة من هذا. فقال‏ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ.» فالخيط الأبيض، هو المعترض الّذي يحرم به الأكل و الشّرب في الصّوم. و كذلك هو الّذي يوجب به الصّلاة.

محمّد بن يحيى‏ (6)، عن أحمد بن محمّد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة بن مهران و قال: سألته عن رجلين قاما فنظرا إلى الفجر. فقال أحدهما: هو ذا.» و قال الآخر: «ما

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 2/ 82، ح 363.

(2) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 364.

(3) الكافي 3/ 282، ح 1.

(4) المصدر: الحصين.

(5) المصدر: مواليك. (ظ)

(6) نفس المصدر 4/ 97، ح 7.

255

أرى شيئا.» قال: فليأكل الّذي لم يتبيّن له الفجر. و قد حرّم على الّذي زعم أنّه رأى الفجر. إنّ اللّه يقول: وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ.» من الفجر.

ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ‏:

بيان آخر وقته. و إخراج اللّيل عنه. فينفى صوم الوصال.

و في الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سألته عن قوم صاموا شهر رمضان، فغشيهم سحاب أسود عند غروب الشّمس، فظنّوا أنّه ليل، فأفطروا. ثمّ أنّ السّحاب انجلى. فإذا الشّمس.

فقال: على الّذي أفطر، صيام ذلك اليوم. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول‏ (2) ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ.» فمن أكل قبل أن يدخل اللّيل، فعليه قضاؤه. لأنّه أكل متعمّدا.

[عليّ بن إبراهيم‏ (3)، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن أبي بصير و سماعة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوم صاموا شهر رمضان، فغشيهم سحاب أسود عند غروب الشّمس، فرأوا أنّه اللّيل، فأفطر بعضهم، ثمّ أنّ السّحاب انجلى، فإذا الشّمس، قال: على الّذي أفطر، صيام ذلك اليوم. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول‏ (4): و أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ.» فمن أكل قبل أن يدخل اللّيل، فعليه قضاؤه. لأنّه أكل متعمّدا.] (5)

و في تفسير العيّاشيّ‏ (6): القاسم بن سليمان، عن جراح، عنه‏ (7) قال: قال اللّه: ثُمَ‏ (8) أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ‏»، يعني: صوم‏ (9) رمضان فمن رأى الهلال‏ (10) بالنّهار، فليتمّ صيامه.

وَ لا تُبَاشِرُوهُنَّ وَ أَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ: معتكفون فيها.

و الاعتكاف، هو اللّبث في المسجد، لقصد القربة.

او المراد بالمباشرة، الوطء.

و عن قتادة (11): كان الرّجل يعتكف، فيخرج إلى امرأته، فيباشرها، ثمّ يرجع فنهوا

____________

(1) الكافي 4/ 100، ح 1.

(2) الأصل و ر و المصدر: و.

(3) الكافي 4/ 100، ح 2.

(4) ثم. (ظ)

(5) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(6) تفسير العياشي 1/ 84، ح 201.

(7) المصدر: عن الصادق- (عليه السلام).

(8) كذا في أ. و في المصدر و الأصل ور: و.

(9) المصدر: صيام.

(10) المصدر: هلال الشوال.

(11) أنوار التنزيل 1/ 103.

256

عن ذلك.

و في كتاب الخصال‏ (1)، عن موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- أنّه قال: سئل أبي عمّا حرّم اللّه تعالى من الفروج في القرآن، و عمّا حرّمه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في سنّته‏ (2).

فقال: الّذي حرّم اللّه من ذلك، أربعة و ثلاثين وجها: سبعة عشر في القرآن، و سبعة عشر في السّنّة. و أمّا الّتي في القرآن: فالزّنا- إلى قوله (عليه السلام)- و النّكاح في الاعتكاف، لقوله تعالى: وَ لا تُبَاشِرُوهُنَّ وَ أَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ.»

و في الكافي‏ (3): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن محبوب، عن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام): ما تقول في الاعتكاف ببغداد، في بعض مساجدها؟

فقال: لا اعتكاف إلّا في مسجد جماعة قد صلّى فيه إمام عدل بصلاة جماعة.

و لا بأس أن يعتكف في مسجد الكوفة و البصرة و مسجد المدينة و مسجد مكّة.

سهل بن زياد (4)، عن أحمد بن محمّد، عن داود بن سرحان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لا اعتكاف إلّا في العشرين من شهر رمضان.

و قال: إنّ عليّا- (عليه السلام)- كان يقول لا أرى الاعتكاف إلّا في المسجد الحرام، أو مسجد الرّسول، أو مسجد جامع. و لا ينبغي للمعتكف أن يخرج من المسجد، إلّا لحاجة لا بدّ منها. ثمّ لا يجلس حتّى يرجع‏ (5). و المرأة مثل ذلك.

عليّ بن إبراهيم‏ (6)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سئل عن الاعتكاف.

قال: لا يصلح الاعتكاف الّا في مسجد الحرام، أو مسجد الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- أو مسجد الكوفة، أو مسجد جماعة. و تصوم ما دمت معتكفا.

و اعلم أنّه ينبغي حمل مسجد الجماعة في الأخبار الّتي وقع فيها، على مسجد جمع فيه‏

____________

(1) الخصال 2/ 532، ح 10.

(2) أور: سنة.

(3) الكافي 4/ 176، ح 1.

(4) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 2.

(5) ر: ثم لا يجلس يرجع حتى لا يرجع.

(6) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 3.

257

الإمام العدل، ليطابق الخبر الأوّل.

تِلْكَ‏، أي: الأحكام الّتي ذكرت، حُدُودُ اللَّهِ‏: حدود قرّرها اللّه.

فَلا تَقْرَبُوها: نهى أن يقرَب الحدّ الحاجز بين الحقّ و الباطل، لئلّا يدانى الباطل، فضلا على أن يتخطّى‏

، كما قال- (عليه السلام)(1): إنّ لكلّ ملك حمى. و إن حمى اللّه محارمه. فمن رتع حول الحمى، يوشك أن يقع فيه.

و هو أبلغ من قوله: «فلا تعتدوها.» و يجوز أن يريد بحدود اللّه، محارمه و مناهيه.

كَذلِكَ‏: مثل ذلك التّبيين، يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ‏ (187) مخالفة الأوامر و النّواهي.

وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ‏، أي: و لا يأكل بعضكم مال بعض بالوجه الّذي لم يبحه اللّه.

و «بين» نصب على الظّرف، أو الحال من «الأموال.» وَ تُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ‏: عطف على النّهي، أو نصب بإضمار «أن.» و الإدلاء: الإلقاء، أي: و لا تلقوا حكومتها إلى حكّام الجور، لِتَأْكُلُوا بالتّحاكم، فَرِيقاً: طائفة، مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ‏: بما يوجب إثما، كشهادة الزّور، أو اليمين الكاذبة، أو متلبّسين بالإثم، وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏ (188): أنّكم مبطلون. فإنّ ارتكاب المعصية مع العلم بها أقبح.

و في الكافي‏ (2): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن زياد بن عيسى قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ- وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ.» فقال: كانت قريش يتغامز (3) الرّجل بأهله و ماله فنهاهم اللّه عن ذلك.

محمّد بن يحيى‏ (4)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن عبد اللّه بن بحر، عن‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 104.

(2) الكافي 5/ 122، ح 1.

(3) كذا في الأصل ور. و في المصدر: تقامر. و الظاهر: تتقامر.

(4) نفس المصدر 7/ 411، ح 3.

258

عبد اللّه بن مسكان، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام):

قول اللّه- عزّ و جلّ- في كتابه‏ وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَ تُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ.» فقال: يا أبا بصير! إنّ اللّه- عزّ و جلّ- قد علم أنّ في الأمّة حكّاما يجورون. أما إنّه لم يعن حكّام أهل العدل و لكنّه عنى حكّام أهل الجور.

و في تفسير العيّاشى‏ (1): عن الحسن بن عليّ قال: قرأت في كتاب أبي الأسد.

إلى أبي الحسن الثاني‏ (2)- (عليه السلام)- و جوابه بخطّه سأل: ما تفسير قوله‏ وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَ تُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ‏»؟

قال: فكتب إليه الحكّام القضاة.

قال: ثمّ كتب تحته: هو أن يعلم الرّجل، أنّه ظالم عاص. هو غير معذور في أخذه ذلك الّذي حكم له به، إذا كان قد علم أنّه ظالم.

في من لا يحضره الفقيه‏ (3): روى سماعة بن مهران قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام): الرّجل منّا يكون عنده الشّي‏ء يتبلّغ به و عليه الدّين. أ يطعمه عياله حتّى يأتيه اللّه- عزّ و جلّ- بميسرة، فيقضي دينه؟ أو يستقرض على ظهره في خبث الزّمان و شدّة المكاسبة؟ أو يقبل الصّدقة؟

فقال: يقضي بما عنده دينه. و لا يأكل أموال النّاس إلّا و عنده ما يؤدّي إليهم. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ.»

و في مجمع البيان‏ (4): و روى عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- أنّه يعنى بالباطل:

اليمين الكاذبة، يقطع بها (5) الأموال.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): قوله‏ وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ‏» (الآية) فإنّه قال العالم- (عليه السلام): قد علم اللّه أنّه يكون حكّام‏ (7) يحكمون بغير الحقّ. فنهى أن يحاكم‏ (8) إليهم لأنّهم‏ (9) لا يحاكمون بالحقّ، فتبطل الأموال.

____________

(1) تفسير العياشي 1/ 85، ح 206.

(2) كذا في المصدر و في تفسير البرهان 1/ 188. و في النسخ: الثالث.

(3) من لا يحضره الفقيه 3/ 112.

(4) مجمع البيان 1/ 282.

(5) المصدر: يقتطع به. (ظ)

(6) تفسير القمي 1/ 67.

(7) المصدر: حكاما.

(8) المصدر: يتحاكم.

(9) المصدر: فانّهم.

259

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ:

سأله معاذ بن جبل و ثعلبة بن غنم‏ (1) فقالا: ما بال الهلال يبدو دقيقا كالخيط ثمّ يزيد حتّى يستوي ثمّ لا يزال ينقص حتّى يعود كما بدأ؟

قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِ‏:

إنّهم سألوا عن الحكمة في اختلاف حال القمر، و تبدّل أمره. فأمره اللّه أن يجيب بأنّ الحكمة الظّاهرة في ذلك أن يكون معالم للنّاس. يؤقّتون بها أمورهم و معالم للعبادات المؤقّتة. يعرف بها أوقاتها. و خصوصا الحجّ. فإنّ الوقت مراعى فيه، أداء و قضاء.

و المواقيت، جمع ميقات، من الوقت. و الفرق بينه و بين المدّة و الزّمان، أنّ المدّة المطلقة، امتداد حركة الفلك، من مبدئها إلى منتهاها. و الزّمان مدّة مقسومة. و الوقت، الزّمان المفروض لأمر.

و في تهذيب الأحكام‏ (2): عليّ بن حسن بن فضّال قال: حدّثني محمّد بن عبد اللّه بن زرارة، عن محمّد بن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن عبيد اللّه بن عليّ الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن الأهلّة.

قال: هي أهلّة الشّهور. فإذا رأيت الهلال، فصم. و إذا رأيته، فأفطر.

عليّ بن الحسن بن فضّال‏ (3)، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن أبي الجارود زياد بن المنذر العبديّ قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ- (عليه السلام)- يقول: صم حين يصوم الناس. و أفطر حين يفطر النّاس. فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- جعل الأهلّة مواقيت.

أبو الحسن محمّد بن أحمد بن داود (4) قال: أخبرنا محمّد بن أحمد بن سعيد عن الحسين‏ (5) بن القسم، عن عليّ بن إبراهيم. قال: حدّثني أحمد بن عيسى بن عبد اللّه، عن عبد اللّه بن عليّ بن الحسن، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ- قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِ‏»، قال: لصومهم و فطرهم و حجهم.

وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها. وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى‏:

وجه اتّصاله بما قبله أنّهم سألوا عن الأمرين، أو أنّه‏ (6) لمّا سألوا عمّا لا يعنونه، و لا

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 104.

(2) تهذيب الأحكام 4/ 161، ح 455.

(3) نفس المصدر 4/ 164، ح 462.

(4) نفس المصدر 4/ 166، ح 473.

(5) المصدر: الحسن.

(6) أ: أو أنّه لمّا سألوا عن الأمرين، أو انّه.

260

يتعلّق بعلم النّبوّة، و تركوا السّؤال عمّا يعنونه، و يختصّ بعلم النّبوّة، عقّب بذكره جواب ما سألوه، تنبيها على أنّ اللائق لهم أن يسألوا أمثال ذلك و يهتمّوا بالعلم بها. أو أنّ المراد به التّنبيه على تعكيسهم السّؤال و تمثيلهم بحال من ترك باب البيت و دخل من ورائه.

و المعنى: و ليس البرّ أن تعكسوا في مسائلكم و لكنّ البرّ من اتّقى ذلك، و لم يجسر على مثله.

وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها، إذ ليس في العدول برّ.

في مجمع البيان‏ (1): فيه وجوه:

أحدها- أنّه كان المجرمون لا يدخلون بيوتهم من أبوابها. و لكنّهم كانوا يتنقّبون‏ (2) في ظهور بيوتهم، أي: في مؤخّرها نقبا يدخلون و يخرجون منه. فنهوا عن التّديّن بذلك. رواه أبو الجارود عن أبي جعفر- (عليه السلام).

و ثانيها- أنّ معناه ليس البرّ بأن تأتوا الأمور (3) من غير جهاتها. و ينبغي أن تؤتى‏ (4) الأمور من جهاتها، أيّ الأمور كان. و هو المرويّ عن جابر عن أبي جعفر- (عليه السلام).

و ثالثها- و قال أبو جعفر- (عليه السلام)‏- آل محمّد أبواب اللّه و سبله و الدّعاة إلى الجنّة و القادة إليها و الأدلاء عليها، إلى يوم القيامة، و قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله): أنا مدينة العلم. و علىّ بابها. و لا تؤتى المدينة إلّا من بابها و يروى: أنا مدينة الحكمة.

و في كتاب الاحتجاج‏ (5)، للطبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن الأصبغ بن نباتة. قال: كنت عند أمير المؤمنين- (عليه السلام). فجاءه ابن الكوّاء فقال: يا أمير المؤمنين! قول اللّه- عزّ و جلّ- لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى‏ وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها».

فقال- (عليه السلام): نحن البيوت الّتي أمر اللّه أن تؤتى من أبوابها. نحن باب اللّه و بيوته الّتي يؤتى منها (6). فمن بايعنا و أقرّ بولايتنا، فقد أتى البيوت من أبوابها. و من خالفنا و فضّل علينا غيرنا، فقد أتى البيوت من ظهورها. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- لو شاء عرّف النّاس‏

____________

(1) مجمع البيان 1/ 284.

(2) كذا في النسخ. و في المصدر: ينقبون. (ظ)

(3) المصدر: البيوت.

(4) المصدر: تأتوا.

(5) الاحتجاج 1/ 338.

(6) المصدر: منه.

261

نفسه حتّى يعرفوه وحده و يأتوه‏ (1) من بابه و لكن جعلنا أبوابه و صراطه و سبيله و بابه الّذي يؤتى منه.

قال: فمن‏ (2) عدل عن ولايتنا و فضّل علينا غيرنا، فقد أتى البيوت من ظهورها.

و إنّهم عن الصّراط لنا كبون.

و عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)(3)- في حديث طويل و فيه: و قد جعل اللّه للعلم أهلا. و فرض على العباد طاعتهم بقوله: وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها. و البيوت هي بيوت العلم الّذي استودعته الأنبياء. و أبوابها أوصياؤهم.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (4): عن سعد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن هذه الآية وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى‏ وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها.

فقال: آل محمّد أبواب اللّه و سبله و الدّعاة الى الجنّة و القادة إليها و الادلّاء عليها، إلى يوم القيامة.

[و في شرح الآيات الباهرة (5):] (6) و يؤيّده ما رواه محمّد بن يعقوب- ره- عن عليّ‏ (7) بن‏ (8) محمّد بن جمهور، عن سليمان بن سماعة، عن عبد اللّه بن القسم‏ (9)، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): الأوصياء هم أبواب اللّه- عزّ و جلّ- التي يؤتى منها.

و لولاهم ما عرف اللّه- عزّ و جلّ. و بهم احتجّ على خلقه.

و روى في معنى «من يأتى البيوت من غير أبوابها» ما رواه أبو عمرو الزّاهد (10)، في كتابه، بإسناده إلى محمّد بن مسلم، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: قلت له: إنّا نرى الرّجل من المخالفين عليكم له عبادة و اجتهاد و خشوع. فهل ينفعه ذلك؟

فقال: يا أبا محمّد! إنّما مثلهم كمثل أهل بيت في بني إسرائيل. كان إذا اجتهد أحد منهم أربعين ليلة، و دعا اللّه أجيب. و إنّ رجلا منهم اجتهد أربعين ليلة، ثم دعا اللّه،

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: يعرفونه و يأتونه.

(2) المصدر: فقال فيمن.

(3) نفس المصدر 1/ 369.

(4) تفسير العياشي 1/ 86، ح 210.

(5) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط/ 29- 30.

(6) ليس في أ.

(7) المصدر: معلّى.

(8) المصدر و أ: عن.

(9) المصدر و ر و أ: القاسم.

(10) نفس المصدر و نفس الموضع.

262

فلم يستجب له فأتى عيسى بن مريم- (عليه السلام)- يشكو إليه ما هو فيه. و يسأله الدّعاء له.

قال: فتظهّر عيسى- (عليه السلام). ثمّ دعا اللّه. فأوحى اللّه إليه. يا عيسى! إنّه أتانى من غير الباب الّذي يؤتى‏ (1) منه. إنّه دعاني و في قلبه شكّ منك. فلو دعاني حتّى ينقطع عنقه و تنتشر أنامله، ما استجبت له.

قال: فالتفت عيسى- (عليه السلام)- [اليه.] (2) و قال [له‏]: (3) تدعو ربك و في قلبك شكّ من نبيّه؟

فقال: يا روح اللّه و كلمته! قد كان ما قلت. فأسال اللّه أن يذهب به عنّي.

فدعا له عيسى- (عليه السلام). فتقبّل اللّه فيه‏ (4). و صار الرّجل من جملة اهل بيته. و كذلك نحن أهل البيت. لا يقبل اللّه عمل عبد (5)، و هو يشك فينا.

وَ اتَّقُوا اللَّهَ‏ في تغيير أحكامه، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏ (189): لكي تظفروا بالهدى و البرّ.

وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏: جاهدوا لإعلاء كلمته و إعزاز دينه.

الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ‏:

قيل‏ (6): كان ذلك قبل أن أمروا بقتال المشركين كافّة المقاتل منهم و المحاجز.

و قيل‏ (7): معناه الّذين يناصبونكم القتال و يتوقّع منهم القتال، دون غيرهم، من المشايخ و الصبيان و الرهبان و النّساء، او الكفرة كلهم. فإنّهم بصدد قتال المسلمين و على قصده.

و في مجمع البيان‏ (8): المرويّ عن أئمتنا- (عليهم السلام)‏- أنّ هذه الآية ناسخة (9) لقوله تعالى‏ (10): كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ. و كذلك قوله‏ (11): وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ‏، ناسخ لقوله‏ (12):

____________

(1) النسخ: اتوى.

2 و 3- يوجد في المصدر.

(4) المصدر: منه.

(5) المصدر: عبده.

(6) أنوار التنزيل 1/ 105.

(7) نفس المصدر و نفس الموضع.

(8) مجمع البيان 1/ 285.

(9) ر: منسوخة.

(10) النساء/ 77.

(11) البقرة/ 130.

(12) الأحزاب/ 48.

263

وَ لا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَ الْمُنافِقِينَ وَ دَعْ أَذاهُمْ.

وَ لا تَعْتَدُوا بابتداء القتال، أو بقتال المعاهد، أو المفاجأة، من غير دعوة، أو المثلة، أو قتل من نهيتم عن قتله من النّساء و الصّبيان.

إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ‏ (190): لا يريد بهم الخير.

وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ‏: حيث وجدتموهم، في حلّ أو حرم.

و أصل الثّقف، الحذق في إدراك الشّي‏ء، علما كان أو عملا. فهو يتضمّن معنى الغلبة. و لذلك استعمل فيها.

قال‏ (1):

فأمّا تثقفوني فاقتلوني‏* * * فمن أثقف فليس إلى خلود

وَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ‏، أي: مكّة. و قد فعل ذلك لمن لم يؤمن يوم الفتح.

وَ الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ‏، أي: المحنة الّتي يفتتن بها الإنسان كالإخراج من الوطن، أصعب من القتل، لدوام تعبها و تألّم النّفس بها.

و قيل‏ (2): معناه شركهم في الحرم، و صدّهم إيّاكم عنه، أشدّ من قتلكم إيّاهم فيه.

وَ لا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ‏، أي: لا تفاتحوهم بالقتال و هتك حرمة المسجد.

فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ‏: فلا تبالوا بقتالهم ثمّة. فإنّهم الّذين هتكوا حرمته.

و قرأ حمزة و الكسائيّ‏ (3): و لا تقتلوهم حتّى يقتلوكم فإن قتلوكم. و المعنى: حتّى يقتلوا بعضكم‏ (4).

كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ‏ (191): مثل ذلك جزاؤهم. يفعل بهم، مثل ما فعلوا.

فَإِنِ انْتَهَوْا عن القتال و الكفر، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ (192): يغفر لهم ما قد سلف.

وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ: شرك.

وَ يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ‏ خالصا ليس للشّيطان فيه نصيب.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 105.

(2) نفس المصدر و نفس الموضع.

(3) نفس المصدر و نفس الموضع.

(4) أ: بعضهم.

264

و في مجمع البيان‏ (1): و في الآية دلالة على وجوب إخراج الكفّار من مكّة، لقوله:

حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ. و السّنّة، أيضا، قد وردت بذلك. و هو قوله- (عليه السلام): لا يجتمع في جزيرة العرب دينان.

فَإِنِ انْتَهَوْا عن الشرك، فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ‏ (193) أي: لا تعتدوا عليهم إذ لا يحسن الظّلم، إلّا على من ظلم. فوضع العلّة موضع الحكم. و سمّى جزاء الظّلم باسمه، للمشاكلة. أو إنّكم إن تعرّضتم للمنتهين، صرتم ظالمين و يحسن العدوان عليكم.

و «الفاء» الأولى، للتّعقيب، و الثّانية، للجزاء.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (2): عن الحسن بياع‏ (3) الهرويّ، يرفعه عن أحدهما- (عليهما السلام)‏- في قوله: فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ‏، قال: إلّا على ذرّيّة قتلة الحسين- (عليه السلام).

عليّ بن ابراهيم‏ (4) قال: أخبر من رواه عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: قلت:

لا عدوان إلّا على الظّالمين.

قال: لا يعتدي اللّه على أحد إلّا على نسل‏ (5) ولد قتلة الحسين- (عليه السلام).

و في هذا الخبر، إشكال بحسب المعنى. لأنّه إن أريد بالاعتداء الزّيادة في العذاب.

على قدر (6) العمل، لا يجوز إسناده إلى اللّه- عزّ و جلّ. لأنّه عدل. لا يجوز. و إن أريد مجازاة العمل القبيح، لا يختصّ بذرّيّة قتلة الحسين- (عليه السلام). و أيضا الإشكال في مؤاخذة ذرّيّة قتلة الحسين- (عليه السلام)- بأعمال آبائهم.

و يمكن أن يقال: المراد بالاعتداء، العذاب الغليظ المتجاوز عمّا يحيط به العقل.

و ذلك بسبب شدّة قبح أعمال آبائهم. و القبيح منهم الرّضا بفعال أسلافهم. و عدم‏ (7) اللّعن عليهم في ليلهم و نهارهم و قبيح عمل غيرهم ليس بهذه المثابة و إن كان ملحقا بهم و من جملتهم. فيحسن الاعتداء بهذا المعنى عليه، أيضا.

____________

(1) مجمع البيان 1/ 286.

(2) تفسير العيّاشي 1/ 86، ح 214.

(3) كذا في المصدر و في النسخ. و الظاهر أنّه «البياع».

(4) نفس المصدر 1/ 87، ح 216.

(5) ليس في أ.

(6) ر: بقدر.

(7) أ: وعدهم.