تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب‏ - ج2

- محمد بن محمد رضا القمي المشهدي المزيد...
485 /
315

حتّى تهالكوا عليها و أعرضوا عن غيرها.

و في وصفهم بالكفر، إشعار بأنّ لذلك الوصف دخلا في التّزيين. و هو كذلك لأنّهم بسبب دين الكفر و قساوته صارت طبائعهم أميل إلى ما تشتهيه القوّة الحيوانيّة و غفلوا عن المثوبات الأخرويّة.

[و في مجمع البيان‏ (1): زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا، فإنّ الإنسان إنّما يكلّف بأن يدعى إلى شي‏ء تنفر نفسه عنه، أو يزجر عن تتوق شي‏ء نفسه إليه. و هذا معنى‏

قول النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله): حفّت الجنّة بالمكاره. و حفّت النّار بالشّهوات.] (2)

وَ يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا: يريد فقراء المؤمنين، كبلال و عمّار و صهيب، أي:

يسترذلونهم، أو يستهزؤن بهم على رفضهم الدّنيا و إقبالهم على العقبى.

و «من» للابتداء. كأنّهم جعلوا السّخرية مبتدئة منهم.

وَ الَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ. لأنّهم في أعلى علّييّن و هم في أسفل السّافلين. أو لأنّهم في كرامة و هم في مذلّة. أو لأنّهم يتطاولون عليهم فيسخرون منهم كما سخروا منهم في الدّنيا. و إنّما قال: وَ الَّذِينَ اتَّقَوْا، بعد قوله: الَّذِينَ آمَنُوا ليدلّ على أنّهم متّقون. و أنّ استعلاءهم للتّقوى.

وَ اللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ في الدّارين، بِغَيْرِ حِسابٍ‏ (212): بغير تقدير. فيوسع في الدّنيا استدراجا، تارة، و ابتلاء أخرى.

كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً: كلّهم ضلّالا، قبل نوح.

فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ‏:

عن كعب‏ (3): الّذي علمته من عدد الأنبياء، مائة و أربعة و عشرون ألفا. و المرسل منهم، ثلاثمائة و ثلاثة عشر. و المذكور في القرآن باسم العلم، ثمانية و عشرون.

وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ‏: يريد به الجنس. و لا يريد به أنّه أنزل مع كلّ واحد كتابا يخصّه. فإنّ أكثرهم لم يكن لهم كتاب يخصّهم. و إنّما يأخذون بكتاب من قبلهم.

بِالْحَقِ‏: حال من الكتاب، أي: متلبّسا بالحقّ، شاهرا به.

____________

(1) مجمع البيان 1/ 305.

(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(3) أنوار التنزيل 1/ 113.

316

لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ‏، أي: اللّه، أو النّبيّ المبعوث، أو الكتاب.

فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ‏، أي: فيما التبس عليهم. و تخلّفوا فيه عن الحقّ.

وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ‏، أي: ما اختلف في الكتاب أو الحقّ بعد إتيانه إلّا الّذين أوتوه. و صار مبدأ الخلاف ناشئا عنهم و تبعهم فيه من بعدهم، أي: عكسوا الامر فجعلوا ما أنزل، مزيحا للالتباس، سببا لاستحكامه.

مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ‏: حسدا بينهم و ظلما لحرصهم على الدّنيا.

فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ‏، أي: للحقّ الّذي اختلف فيه من اختلف.

مِنَ الْحَقِ‏: بيان لما اختلفوا فيه.

بِإِذْنِهِ‏: بأمره و لطفه.

وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ (213): لا يضلّ سالكه.

و في روضة الكافي‏ (1): حميد بن زياد، عن الحسن بن محمّد الكنديّ، عن أحمد بن عديس‏ (2)، عن يعقوب بن شعيب‏ أنّه سأل أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فقال: كان‏ (3) قبل نوح أمّة ضلال فبدا للّه‏ (4) فبعث المرّسلين. و ليس كما يقولون. و لم يزل. و كذبوا.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (5): عن يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً قال:

كان هذا قبل نوح أمّة واحدة. فبدا للّه. فأرسل الرّسل قبل نوح. قلت: أعلى هدى كانوا أم على ضلالة؟

قال: بل كانوا (6) ضلالا (7) لا مؤمنين و لا كافرين و لا مشركين.

و عن مسعدة (8)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه‏ (9):

____________

(1) الكافي 8/ 82، ح 40، و له تتمة. و في ر: روضة الكافي: علي بن إبراهيم.

(2) المصدر: أحمد بن عيسى عن أبان.

(3) المصدر: كان الناس.

(4) النسخ: عند الله. و ما في المتن موافق المصدر.

(5) تفسير العياشي 1/ 104، ح 306.

(6) ليس في ر.

(7) المصدر: ضلالا كانوا.

(8) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 309.

(9) «في قول اللّه» ليس في ر.

317

كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ‏ فقال: كان ذلك قبل نوح.

قيل: فعلى هدى كانوا؟

قال: لا. كانوا ضلّالا (1). و ذلك أنّه لمّا انقرض آدم و صالح‏ (2) ذرّيّته بقي شيث وصيّه لا يقدر على إظهار دين اللّه الّذي كان عليه آدم و صالح ذرّيّته و ذلك أنّ قابيل توعّده‏ (3) بالقتل كما قتل أخاه هابيل. فسار فيهم بالتّقيّة و الكتمان. فازداد و أكل يوم ضلالا حتّى لم يبق على الأرض معهم إلّا من هو سلف. و لحق الوصيّ بجزيرة في البحر يعبد اللّه. فبدا للّه- تبارك و تعالى- أن يبعث الرّسل. و لو سئل هؤلاء الجهّال لقالوا: «قد فرغ من الأمر.» و كذبوا. إنّما (4) هو شي‏ء يحكم به اللّه في كلّ عام- ثمّ قرأ (5): فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ.

- فيحكم اللّه- تبارك و تعالى- ما يكون في تلك السّنة، من شدّة، أو رخاء، أو مطر، أو غير ذلك.

قلت: أ فضلالا (6) كانوا قبل النّبيّين، أم على هدى؟

قال: لم يكونوا على هدى. كانوا على فطرة اللّه الّتي فطرهم عليها لا تبديل لخلق اللّه‏ (7). و لم يكونوا ليهتدوا حتّى يهديهم اللّه. أما تسمع يقول إبراهيم‏ (8): لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ‏، أي: ناسيا (9) للميثاق.

و أمّا ما رواه في مجمع البيان‏ (10)، عن أبي جعفر الباقر- (عليه السلام)- أنّه قال: «كانوا قبل نوح أمّة واحدة على فطرة اللّه، لا مهتدين و لا ضالّين‏ (11). فبعث اللّه النّبيّين»

فالمراد من الضّالّ، الكافر. و المراد به في الأخبار السّابقة الّذي على الفطرة لم يهتد إلى الحقّ بالبرهان، فلا منافاة.

____________

(1) ر: اضلالا.

(2) المصدر: صلح.

(3) المصدر: تواعده.

(4) المصدر: هي.

(5) الدخان/ 4.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: أ فضلّال.

(7) إشاره الى آية.

(8) الأنعام/ 77.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: ثابتا.

(10) مجمع البيان 1/ 307.

(11) المصدر: لا ضلّالا.

318

[و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قوله: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً قال: قبل نوح- (عليه السلام)- على مذهب واحد. فاختلفوا. فبعث اللّه النّبيّين مبشّرين و منذرين. و أنزل معهم الكتاب بالحقّ، ليحكم بين النّاس فيما اختلفوا فيه.] (2) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ:

خاطب به النّبيّ و المؤمنين، بعد ما ذكر اختلاف الأمم على الأنبياء بعد مجي‏ء الآيات، تشجيعا لهم على الثّبات، مع مخالفيهم.

و «أم منقطعة». و معناها الإنكار.

وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ‏: و لم يأتكم.

قيل‏ (3): و أصل «لمّا»، لم. زيدت عليها «ما.» و فيها توقّع. و لذلك جعل مقابل «قد.» مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ‏، أي: حالهم الّتي هي مثل في الشّدّة.

مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ: بيان له على الاستئناف.

وَ زُلْزِلُوا، أي: أزعجوا إزعاجا شديدا بما أصابهم من الشّدائد.

حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ‏ لتناهى الشّدّة و استطالة المدّة، بحيث تقطّعت حبال الصّبر.

و قرأ نافع يقول (بالرّفع) على أنّها حكاية حال ماضية، كقولك: مرض فلان حتّى لا يرجونه.

مَتى‏ نَصْرُ اللَّهِ‏: استبطاء له لتأخّره.

أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ‏ (214): استئناف على إرادة القول، أي: فقيل لهم ذلك إسعافا لهم إلى طلبتهم من عاجل النّصر.

في الخرائج و الجرائح، (4) عن زين العابدين، عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: فما تمدّون أعينكم. ألستم آمنين؟ لقد كان من قبلكم ممّن هو على ما أنتم عليه. يؤخذ. فتقطع يده و رجله. و يصلب. ثمّ تلا (5): أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ‏.

____________

(1) تفسير القمي 1/ 71.

(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(3) أنوار التنزيل 1/ 113.

(4) تفسير نور الثقلين 1/ 209، ح 786، نقلا عن الخرائج و الجرائح.

(5) البقرة/ 214.

319

(الآية).

و في روضة الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سيف، عن أخيه، عن أبيه، عن أبي بكر بن محمّد قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقرأ: و زلزلوا ثمّ زلزلوا حتّى يقول الرّسول.

يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ‏:

عن ابن عبّاس‏ (1): أنّ عمرو بن الجموح الأنصاريّ كان همّا ذا مال عظيم. فقال:

يا رسول اللّه! ما ذا ننفق من أموالنا؟ و أين نضعها؟ فنزلت:

قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ‏:

سئل عن المنفق، فأجيب ببيان المصرف. لأنّه أهم. فإنّ اعتداد النّفقة باعتباره.

و لأنّه كان في سؤال عمرو و إن لم يكن مذكورا في الآية. ذكر بعض المصارف. ثمّ عمّم بقوله:

وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ:

«ما»، شرطيّة.

فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ‏ (215)، جوابه، أي: إن تفعلوا خيرا فإنّ اللّه يعلمه و يجازي عليه.

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ‏: مكروه طبعا.

و هو مصدر نعت به للمبالغة، أو فعل بمعنى المفعول كالخبر.

و قرئ بالفتح، على أنّه لغة فيه كالضّعف، أو بمعنى الإكراه، على المجاز.

وَ عَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ‏: حفّت الجنّة بالمكاره.

وَ عَسى‏ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ‏: حفّت النّار بالشّهوات.

وَ اللَّهُ يَعْلَمُ‏ ما هو خير لكم.

وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ (216) ذلك، أو لستم من أهل العلم.

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ‏:

قال البيضاوىّ‏ (2): روى‏ أنّه- عليه الصلاة و السّلام- بعث عبد اللّه بن جحش،

____________

(1) مجمع البيان 1/ 308.

(2) أنوار التنزيل 1/ 114.

320

ابن عمّته، على سريّة، في جمادي الآخرة، قبل بدر، بشهرين، يترصّد عيرا لقريش، فيهم عمرو بن عبد اللّه الحضرميّ و ثلاثة معه. فقتلوه. و أسروا اثنين و استاقوا العير. و فيها تجار الطّايف. و كان ذلك غرّة رجب و هم يظنّونه من جمادي الآخرة.

فقالت قريش: استحلّ محمّد الشّهر الحرام، شهرا يأمن فيه الخائف‏ (1).

و شقّ ذلك على أصحاب السّريّة. و قالوا: ما نبرح حتّى تنزل توبتنا.

و ردّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- العير و الأسارى.

و عن ابن عبّاس: لمّا نزلت، أخذ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الغنيمة.

و هي أوّل غنيمة في الإسلام. و السّائلون هم المشركون كتبوا إليه في ذلك تشنيعا و تعييرا.

و قيل: أصحاب السّريّة.

قِتالٍ فِيهِ‏:

بدل اشتمال.

و قرئ: عن قتال.

قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ، أي: كبير لو لم يكن يعارضه ما هو أكبر منه.

وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏، أي: المنع و الصّرف عن الإسلام و ما يوصل إلى اللّه.

وَ كُفْرٌ بِهِ‏، أي: باللّه.

وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ‏، أي: و صدّ عن المسجد الحرام.

وَ إِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ‏: و هم النّبيّ و المؤمنون.

أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ‏ ممّا فعلته السّريّة، خطأ بناء على الظّنّ. و هو خبر عن الأشياء الأربعة المعدودة. و إفراده بناء على تنكيره.

وَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ‏، أي: ما ارتكبوه من الإخراج و الشّرك، أفظع ممّا ارتكبوه من قتل الحضرميّ.

وَ لا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ‏: إخبار عن دوام عداوة الكفّار لهم و أنّهم لا ينفكّون عنها، حتّى يردّوهم عن دينهم.

و «حتّى»، للتّعليل.

إِنِ اسْتَطاعُوا: و هو استبعاد لاستطاعتهم، كقول الواثق بقوّته على قرنه: «إن‏

____________

(1) المصدر: يأمن فيه الخائف و يذعر فيه الناس إلى معايشهم.

321

ظفرت بي فلا تبق علىّ» و إيذان بأنّهم لا يردّونهم.

وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ‏:

و قرئ: «حبطت» (بالفتح) و هو لغة فيه.

فِي الدُّنْيا، لبطلان ما تخيّلوه و فوات ما للإسلام من الفوائد الدّنيويّة وَ الْآخِرَةِ، بسقوط الثّواب.

وَ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ‏ (217)، كسائر الكفرة.

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا:

قيل‏ (1): نزلت في السّريّة، لما ظنّ بهم أنّهم إن سلموا من الإثم، فليس لهم أجر.

وَ الَّذِينَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏:

كرّر الموصول لتعظيم الهجرة و الجهاد. فكأنّهما مستقلّان في تحقيق الرّجاء.

أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ‏: ثوابه. أثبت لهم الرّجاء، اشعارا بأنّ العمل غير موجب و لا قاطع في الدّلالة، سيّما و العبرة بالخواتيم.

وَ اللَّهُ غَفُورٌ للكبير الّذي عارضه أكبر، رَحِيمٌ‏ (218) بإجزال الأجر و الثّواب.

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ:

«الخمر» في الأصل، مصدر خمرة، إذا ستره سمّي بها. لأنّه يخمر العقل.

في مجمع البيان‏ (2): «الخمر» كلّ شراب مسكر مخالط للعقل مغطّ عليه. و ما أسكر كثيره فقليله، خمر. هذا هو الظّاهر في روايات أصحابنا.

و «الميسر»، أيضا، مصدر كالموعد سمّي به القمار. لأنّه أخذ مال الغير بيسر، أو سلب يساره.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (3): عن حمدوية، عن محمّد بن عيسى قال: سمعته يقول: كتب إليه إبراهيم بن عتبه‏ (4)، يعني: إلى عليّ بن محمّد- (عليهما السلام): إن رأى سيدي و مولاي أن يخبرني عن الخمر و الميسر الآية. فما الميسر (5)؟ جعلت فداك!

____________

(1) مجمع البيان 1/ 313.

(2) مجمع البيان 1/ 316.

(3) تفسير العياشي 1/ 105- 106، ح 311.

(4) هكذا في النسخ. و في المصدر: عنبسة. و لعلم: عتبة.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: المنفعة.

322

فكتب: كلّ ما قومر به فهو الميسر. و كلّ مسكر حرام.

و عن عامر بن السبط (1)، عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- قال: الخمر من ستّة أشياء: التّمر و الزّبيب و الحنطة و الشّعير و العسل و الذرة.

و في الكافي‏ (2): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن معمّر بن خلّاد، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: النّرد و الشّطرنج، بمنزلة واحدة. و كل ما قومر عليه فهو ميسر.

عدّة من أصحابنا (3)، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي نجران، عن مثنى الحنّاط (4)، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام): الشّطرنج و النّرد هما الميسر.

محمّد بن يحيى‏ (5) عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن عبد الملك القمي قال: كنت أنا و إدريس أخي عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام). فقال إدريس: جعلنا اللّه فداك! ما الميسر؟

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام). هي الشّطرنج.

قال: فقلت عندهم‏ (6) يقولون: إنّها النّرد.

قال: و النّرد أيضا.

قال البيضاويّ‏ (7): روى أنّه نزل بمكّة، قوله‏ (8) وَ مِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَ الْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً. (9) فأخذ المسلمون يشربونها. ثمّ أنّ عمر و معاذا في نفر من الصّحابة، قالوا: أفتنا، يا رسول اللّه! في الخمر؟ فإنّها مذهبة للعقل‏ (10) فنزلت هذه الآية. فشربها قوم و تركها آخرون. [ثمّ دعا عبد الرّحمن بن عوف ناسا منهم. فشربوا. فسكروا. فأمّ أحدهم.

فقرأ: «أعبد ما تعبدون.» فنزلت: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى‏ (11). فقلّ من‏

____________

(1) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 313.

(2) الكافي 6/ 435، ح 1.

(3) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 3.

(4) أ: الخيّاط.

(5) نفس المصدر 6/ 436، ح 8.

(6) المصدر: أما أنتم.

(7) أنوار التنزيل 1/ 115- 116.

(8) النحل/ 67.

(9) المصدر: سكرا و رزقا حسنا.

(10) مذهبة للعقل مسلبة للمال.

(11) النساء/ 43.

323

يشربها.] (1) ثمّ دعا عتبان بن مالك، سعد بن أبي وقّاص في نفر. فلمّا سكروا افتخروا و تناشدوا. فأنشد سعد شعرا، فيه هجاء الأنصار. فضربه أنصاريّ بلحى بعير. فشجّه.

فشكى إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). فقال عمر: «اللّهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا.» فنزلت: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ- إلى قوله- فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ. فقال عمر: انتهينا يا ربّ.

و هذا النّقل منه يدلّ على عدم حرمة الخمر في أوّل الإسلام و عدم انتهاء عمر عن الخمر قبل نزول «إنّما الخمر» (إلى آخره.) و الصّحيح أنّ الخمر كان حراما و هذا أوّل آية نزلت في التّحريم.

روى في الكافي‏ (2): عن بعض أصحابنا- مرسلا- قال: إنّ أوّل ما نزل في تحريم الخمر، قول اللّه- عزّ و جلّ: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما. فلمّا نزلت الآية أحسّ القوم بتحريم الخمر. و علموا أنّ الإثم ينبغي‏ (3) اجتنابه. و لا يحمل اللّه- عزّ و جلّ- عليهم من كلّ طريق. لأنه قال: وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ. ثمّ أنزل- عزّ و جلّ- آية أخرى. (الحديث).

و يدلّ عليه أيضا الأخبار السّابقة و قوله:

قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ من حيث أنّه يؤدّي إلى الانتكاب عن المأمور به و ارتكاب المنهيّ عنه.

وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ‏ من كسب المال و الطّرب و الالتّذاذ و مصادفة الفتيان.

وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما، أي: المفاسد الّتي تنشأ منهما أعظم من المنافع المتوقّعة منهما. و المفسدة إذا ترجّحت على المصلحة، اقتضت تحريم الفعل.

[و في أصول الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الرّيّان بن الصّلت قال:

سمعت الرّضا- (عليه السلام)- يقول: ما بعث اللّه نبيّا إلّا بتحريم الخمر، و أن يقرّ للّه بالبداء.

وَ يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ‏ قيل: سائله عمرو بن الجموح. سأل أوّلا عن المنفق و المسرف، و ثانيا عن كيفيّة

____________

(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(2) الكافي 6/ 406، ح 2.

(3) المصدر: فما ينبغي.

(4) الكافي 1/ 148، ح 15.

324

الإنفاق.

قُلِ الْعَفْوَ، أي: الوسط، لا إقتار و لا إسراف. و العفو» ضدّ الجهد. و منه يقال للأرض السّهلة: العفو.] (1)

و في الكافي‏ (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير (3)، عن رجل‏ (4)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ قال: العفو، الوسط.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قوله: وَ يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ قال:

لا إقتار و لا إسراف.

و في مجمع البيان‏ (6): قُلِ الْعَفْوَ فيه أقوال- إلى قوله- و ثالثها أنّ العفو ما فضل عن قوت السّنة

- عن الباقر- (عليه السلام). قال: و نسخ ذلك بآية الزّكاة.

كَذلِكَ‏، أي: مثل ما بيّن أنّ العفو أصلح، أو ما ذكر من الأحكام.

و الكاف في موضع النّصب، صفة لمصدر محذوف، أي: تبيينا مثل هذا التّبيين. و وحدّ العلامة. و المخاطب جمع على تأويل القبيل و الجمع.

يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ‏ الدّالّة على ما فيه إرشادكم.

لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ‏ (219) في الدّلائل و الأحكام.

فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ: في أمور الدّارين، فتأخذون بالأصلح و تتركون المضرّ.

وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى‏:

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): حدّثني أبي، عن صفوان، عن عبد اللّه بن مسكان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام): أنّه لمّا أنزلت‏ (8) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى‏ ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً أخرج كلّ من كان عنده يتيم، و سألوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في إخراجهم. فأنزل اللّه- تبارك و تعالى: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى‏ قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَ إِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ‏.

____________

(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(2) الكافي 4/ 52، ح 3.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: ابن أبي بصير.

(4) المصدر: عن بعض أصحابه.

(5) تفسير القمي 1/ 72.

(6) مجمع البيان 1/ 316.

(7) تفسير القمي 1/ 72.

(8) المصدر: أنزلت. (ظ)

325

و في مجمع البيان‏ (1)، عند قوله‏ وَ آتُوا الْيَتامى‏ أَمْوالَهُمْ‏ (الآية):

روى‏ أنّه لمّا نزلت هذه الآية، كرهوا مخالطة اليتامى. فشقّ ذلك عليهم فشكوا ذلك إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). فأنزل اللّه سبحانه و تعالى‏ وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى‏ قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَ إِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ. (الآية)- عن الحسن‏. و هو المرويّ عن السّيدين الباقر و الصّادق- (عليهما السلام).

قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ، أي: مداخلتهم لإصلاحهم خير من مجانبتهم.

قال الصّادق- (عليه السلام)(2): لا بأس بأن تخالط طعامك بطعام اليتيم. فإنّ الصّغير يوشك أن يأكل كما يأكل الكبير.

و أمّا الكسوة و غيره، فيحسب على رأس كلّ صغير و كبير و كم يحتاج إليه.

وَ إِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ‏: حثّ على المخالطة، أي: أنّهم إخوانكم في الدّين.

و من حقّ الأخ أن يخالط الأخ.

و قيل‏ (3): المراد بالمخالطة المصاهرة.

وَ اللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ‏: وعيد و وعد لمن خالطهم لإفساد و إصلاح، أي: يعلم أمره فيجازيه عليه.

و في الكافي‏ (4): عثمان، عن سماعة قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ إِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ‏.

قال: يعني اليتامى. إذا كان الرّجل يلي الأيتام» (5). في حجره، فليخرج من ماله على قدر ما يخرج لكلّ إنسان منهم. فيخالطهم. و يأكلون جميعا. و لا يرز أنّ من أموالهم شيئا. إنّما هي النّار.

أحمد بن محمّد (6)، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت: أ رأيت قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ إِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ‏؟

قال: تخرج من أموالهم بقدر ما يكفيهم. و تخرج من مالك قدر ما يكفيك. ثمّ شفّعه‏ (7).

____________

(1) مجمع البيان 2/ 3- 4.

(2) تفسير القمي 1/ 72.

(3) أنوار التنزيل 1/ 116- 117.

(4) الكافي 5/ 129، ح 2.

(5) المصدر: لا يتام.

(6) الكافي 5/ 130، ح 5.

(7) المصدر: تنفقه. (ظ)

326

قلت: أ رأيت إن كانوا يتامى صغارا و كبارا و بعضهم أعلى كسوة من (بعضهم‏ (1)) و بعضهم آكل من بعض و ما لهم جميعا؟

فقال: أمّا الكسوة، فعلى كلّ إنسان منهم ثمن كسوته. و أمّا الطّعام‏ (2) فاجعلوه [جميعا.] (3) فإنّ الصّغير يوشك أن يأكل مثل الكبير.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

محمّد بن يحيى‏ (4)، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عبد اللّه بن يحيى الكاهليّ قال: قيل لأبي عبد اللّه- (عليه السلام): إنّا ندخل على أخ لنا في بيت أيتام، و معهم خادم لهم، فنقعد على بساطهم، و نشرب من مائهم، و يخد منا خادمهم. و ربّما طعمنا فيه الطّعام من غير صاحبنا. و فيه من طعامهم. فما ترى في ذلك؟ فقال:

إن كان في دخولكم عليه‏ (5) منفعة لهم، فلا بأس. و إن كان فيه ضرر، فلا.

و قال- (عليه السلام): بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. (6) فأنتم لا يخفى عليكم.

و قد قال اللّه- عزّ و جلّ: وَ اللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ‏ (7).

و في تفسير العيّاشي‏ (8): عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: جاء رجل إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا رسول اللّه! إنّ أخي هلك و ترك أيتاما و لهم ماشية. فما يحلّ لي منها؟

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): إن كنت تليط حوضها و ترد نادتها (9) و تقوم على رعيتها، فاشرب من ألبانها غير مجتهد للحلب و لا ضارّ بالولد. وَ اللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ.

عن عليّ‏ (10)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه في اليتامى:

وَ إِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ‏

____________

(1) المصدر: بعض. (ظ)

(2) المصدر: أكل الطعام.

(3) يوجد في المصدر.

(4) الكافي 5/ 129، ح 4.

(5) المصدر: عليهم.

(6) القيامة/ 14.

(7) المصدر: و قد قال اللّه- عزّ و جلّ: وَ إِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ‏ في الدين‏ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ.

(8) تفسير العيّاشي 1/ 107- 108، ح 321.

(9) المصدر: فاديتها.

(10) نفس المصدر 1/ 108، ح 324.

327

قال: يكون له التّمر و اللّبن. و يكون لك مثله على قدر ما يكفيك و يكفيهم.

و لا يخفى على اللّه المفسد من المصلح.

عنه‏ (1)، عن عبد اللّه بن حجّاج، عن أبي الحسن موسى- (عليه السلام)- قال: قلت له: يكون لليتيم عندي الشّي‏ء. و هو في حجري، أنفق عليه منه. و ربّما أصيب بما (2) يكون له من طعام‏ (3). و ما يكون منّى إليه أكثر.

فقال: لا بأس بذلك. وَ اللَّهُ‏ (4) يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ.

وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ‏، أي: و لو شاء اللّه إعناتكم لأعنتكم، أي: كلّفكم ما يشقّ عليكم من العنت و هي المشقّة و لم يجوز (5) لكم مداخلتهم.

إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ: غالب يقدر على الإعنات.

حَكِيمٌ‏ (220): يحكم ما تقتضيه الحكمة و يتّسع له الطّاقة.

وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ‏، أي: و لا تتزوجهنّ.

و قرئ بالضّمّ، أي: و لا تزوجوهنّ من المسلمين.

روى‏ (6) أنّه- (عليه السلام)‏- بعث مرشد الغنويّ إلى مكّة، ليخرج أناسا من المسلمين. فأتته عناق. و كان يهوديّا في الجاهليّة.

فقالت: ألا تخلو؟

فقال: إنّ الإسلام حال بيننا.

فقالت: لك أن تتزوّج بي؟

فقال: نعم. و لكن أستأمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).

فاستأمره. فنزلت. و المشركات تعمّ الكتابيّات و غيرهم.

و في مجمع البيان‏ (7)، عند قوله: وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ‏: روى أبو الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- أنّه منسوخ بقوله: وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ‏ و بقوله‏ (8): وَ لا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ.

____________

(1) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 325.

(2) المصدر: ربّما أصبت ممّا.

(3) المصدر: الطعام.

(4) المصدر: إن اللّه.

(5) كذا في أ. و في الأصل ور: لم تجوز.

(6) مجمع البيان 1/ 317.

(7) نفس المصدر 2/ 162.

(8) الممتحنة/ 10.

328

و في الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضال، عن الحسن بن الجهم قال: قال لي أبو الحسن الرّضا- (عليه السلام): يا أبا محمّد! ما تقول في رجل يتزوّج نصرانيّة على مسلمة؟

قلت: جعلت فداك! و ما قولي بين يديك؟

قال: لتقولنّ فإنّ ذلك يعلم به قولي.

قلت: لا يجوز تزويج النّصرانيّة على مسلمة و لا غير مسلمة.

قال: لم؟

قلت: لقول اللّه- عزّ و جلّ: وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ‏؟

قال: فما تقول في هذه الآية: وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ‏؟

قلت: قوله‏ وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ‏ نسخت هذه الآية.

فتبسّم ثمّ سكت.

و المراد بالنّكاح، العقد الدّائم.

و روى جواز التّمتّع باليهوديّة و النّصرانيّة، في من لا يحضره الفقيه‏ (2): و سأل الحسن التّفليسيّ الرّضا- (عليه السلام): يتمتّع الرّجل من اليهوديّة و النّصرانيّة؟

قال أبو الحسن الرّضا- (عليه السلام): يتمتّع من الحرة المؤمنة. و هي أعظم حرمة منها.

وَ لَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ، أي: لأمرأة مؤمنة حرّة كانت، أو مملوكة. فإنّ النّاس عبيد اللّه و إماؤه.

وَ لَوْ أَعْجَبَتْكُمْ‏ بحسنها و شمائلها.

و «الواو» للحال. و «لو» بمعنى «إن» و «هو» كثير.

وَ لا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا: و لا تزوّجوا منهم المؤمنات حتّى يؤمنوا. و هو على عمومه.

وَ لَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَ لَوْ أَعْجَبَكُمْ‏: تعليل للنّهي عن مواصلتهم. و ترغيب في مواصلة المؤمنين.

أُولئِكَ‏: إشارة إلى المذكورين من المشركين و المشركات.

____________

(1) الكافي 5/ 357، ح 6.

(2) من لا يحضره الفقيه 3/ 293، ح 1390.

329

يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ: إلى الكفر المؤدّي إلى النّار. فلا يجوز مصاهرتهم.

وَ اللَّهُ‏، أي: أولياؤه المؤمنون. حذف المضاف. و أقيم المضاف إليه مقامه، تفخيما لشأنهم، أو اللّه.

يَدْعُوا بهذا التّكليف.

إِلَى الْجَنَّةِ وَ الْمَغْفِرَةِ، أي: أسبابهما من الاعتقاد و العمل الموصلين إليهما.

بِإِذْنِهِ‏: بتوقيفه أو بقضائه.

وَ يُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏ (221)، أي: لكي يتذكّروا، أو ليكونوا بحيث يرجى منهم التّذكّر لما ركز (1) في العقول من ميل الخير و مخالفة الهوى.

وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ‏: هو مصدر كالمجي‏ء و المبيت.

قيل: و لعلّه سبحانه إنّما ذكر يسألونك بغير واو ثلاثا ثمّ بها ثلاثا، لان السؤالات الاول كانت في أوقات متفرّقة و الثلاث الأخيرة كانت في وقت واحد. فلذلك ذكرها بحرف الجمع.

في كتاب علل الشّرائع‏ (2)، بإسناده إلى أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ- (عليه السلام)- قال: الحيض من النّساء نجاسة. رماهنّ اللّه بها.

قال: و قد كنّ النّساء في زمان نوح إنّما تحيض المرأة في كلّ سنة حيضة حتّى خرجن نسوة من حجابهن. و هنّ سبعمائة امرأة. فانطلقن. فلبسن المعصفر (3) من الثّياب.

و تحلّين و تعطّرن. ثمّ خرجن. فتفرّقن في البلاد. فجلسن مع الرّجال. و شهدن الأعياد معهم و جلسن في صفوفهم. فرماهنّ اللّه بالحيض، عند ذلك، في كلّ شهر. أولئك النسّوة بأعيانهنّ. فسالت دماؤهنّ من بين الرّجال. و كنّ يحضن في كلّ شهر حيضة.

قال: فأشغلهنّ اللّه- تبارك و تعالى- بالحيض. و كسر (4) شهوتهنّ.

قال: و كان غير حضّ من النّساء اللّواتي، لم يفعلن مثل فعلهنّ. يحضن‏ (5) في كلّ سنة حيضة.

قال: فتزّوج بنو اللّاتي يحضن في كلّ شهر حيضة، بنات اللّاتي يحضن في كلّ سنة حيضة.

____________

(1) ر: ذكر.

(2) علل الشرائع 1/ 290، ح 2.

(3) هكذا في النسخ. و في المصدر: المعصفرات.

(4) المصدر: كثر.

(5) المصدر: كنّ يحضن.

330

قال: فامتزج القوم فحضن بنات هؤلاء و هؤلاء في كلّ شهر حيضة.

قال: و كثر أولاد اللّاتي‏ (1) يحضن في كلّ شهر حيضة، لاستقامة الحيض. و قلّ أولاد اللّاتي‏ (2). لا يحضن في السّنة إلّا حيضة لفساد الدّم.

قال: و كثر نسل هؤلاء. و قلّ نسل أولئك.

روى‏ (3) أنّ أهل الجاهليّة كانوا لم يساكنوا الحيّض و لم يؤاكلوها كفعل اليهود و المجوس. و استمرّ ذلك إلى أن سأل أبو الدّحداء، في نفر من الصّحابة عن ذلك، فنزلت.

قُلْ هُوَ أَذىً‏، أي: المحيض مستقذر مؤذ من يقربه.

فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ‏، أي: فاجتنبوا مجامعتهن. و هو الاقتصاد بين إفراط اليهود و إخراجهنّ من البيوت، و تفريط النّصارى و مجامعتهنّ في المحيض. و إنّما وصف بأنّه «أذى» و رتّب الحكم عليه بالفاء، إشعارا بأنّه العلّة.

في الكافي‏ (4): عليّ بن محمّد، عن صالح بن أبي حمّاد، عن الحسين بن بريد، عن الحسن بن عليّ، عن أبي حمزة، عن أبي إبراهيم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه لمّا أصاب آدم و زوجته الخطيئة، أخرجهما من الجنّة و أهبطهما إلى الأرض. فأهبط آدم على الصّفا. و أهبطت حوّاء على المروة.

فقال آدم: ما فرّق بيني و بينها، إلّا أنّها لا تحلّ لي. و لو كانت تحلّ لي هبطت معي على الصّفا. و لكنّها حرّمت عليّ من أجل ذلك و فرّق بيني و بينها.

فمكث آدم معتزلا حوّاء. فكان يأتيها نهارا. فيحدّث عندها على المروة. فإذا كان اللّيل و خاف أن تغلبه نفسه، يرجع إلى الصّفا. فيبيت عليه. و لم يكن لآدم أنس غيرها و لذلك سمّين «النّساء» من أجل أنّ حوّاء كانت أنسا لآدم. لا يكلّمه اللّه. و لا يرسل إليه رسولا.

عدّة من أصحابنا (5)، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد القلانسيّ، عن عليّ بن حسّان، عن عمّه عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- مثله.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (6)، بإسناده إلى عذافر الصّيرفيّ قال أبو عبد اللّه‏

____________

1 و 2- كذا في المصدر. و في الأصل ور: الذين.

(3) الكشاف 1/ 265+ أنوار التنزيل 1/ 117.

(4) الكافي 4/ 190، ح 1. و له تتمة.

(5) نفس المصدر 4/ 191، ح 1. و له تتمة.

(6) علل الشرائع 1/ 82، ح 1.

331

- (عليه السلام): ترى هؤلاء المشوّهين‏ (1)؟

قال: نعم‏ (2).

قال: هؤلاء (3) الذين يأتي آباؤهم نساءهم في الطّمث.

وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ‏: تأكيد للحكم و بيان لغايته.

و في رواية بن عبّاس‏ (4): يطّهرن بتشديد الطّاء، أي: يتطهّرن.

و المراد به: إن كان انقطاع الدّم.

فالنّهي، نهي تحريم. و إن كان الغسل بعد الانقطاع، فنهي تنزيه. يدلّ عليه الأخبار.

فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ‏، أي: المأتيّ الّذي حلّله لكم.

إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ‏ من الذّنوب.

وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ‏ (222)، أي: المتنزّهين عن الفواحش و الأقذار، كمجامعة الحائض.

في كتاب الخصال‏ (5)، عن موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- أنّه قال: سئل أبي عمّا حرّم اللّه تعالى من الفروج في القرآن و عمّا حرمّه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في السّنّة (6).

فقال: الّذي حرّم اللّه تعالى من ذلك‏ (7) أربعة و ثلاثين وجها: سبعة عشر في القرآن و سبعة عشر في السّنّة. فأمّا الّتي في القرآن: فالزّنى- إلى قوله- و الحائض، حتّى تطهر، لقوله تعالى: وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ.

عن جعفر بن محمّد (8) عن أبيه، عن عليّ- (عليهما السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ اللّه كرّه لكم، أيتها الأمّة! أربعا و عشرين خصلة، و نهاكم عنها كرّه لكم: العبث في الصّلاة- إلى أن قال- و كرّه للرّجل أن يغشى امرأته و هي حائض.

فإن غشيها فخرج الولد مجذوما (9) أو أبرص‏ (10)، فلا يلومنّ إلّا نفسه.

____________

(1) المصدر: المشوّهين في خلقهم.

(2) المصدر: قال: قلت: نعم.

(3) المصدر: قال: هم هؤلاء.

(4) أنوار التنزيل: 1/ 118.

(5) الخصال 2/ 532، ح 10.

(6) المصدر: سنّته.

(7) «من ذلك» ليس في المصدر.

(8) نفس المصدر/ 520، ح 9.

(9) أ: مخروما.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: أبرصا.

332

عن بعض أصحابنا (1)، قال: دخلت على أبي الحسن عليّ بن محمّد العسكريّ.

- (عليه السلام)‏- يوم الأربعاء. و هو يحتجم، قلت‏ (2) له: إنّ أهل الحرمين يروون عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: من احتجم يوم الأربعاء فأصابه بياض، فلا يلومنّ إلّا نفسه.

فقال: كذبوا. إنّما يصيب ذلك من حملته أمّه في طمث.

و في كتاب علل الشرائع‏ (3)، بإسناده إلى أبي خديجة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان النّاس يستنجون بثلاثة أحجار لأنّهم كانوا يأكلون البرّ (4).

فكانوا يبعرون بعرا. فأكل رجل من الأنصار الدبا فلان بطنه. و استنجى بالماء (5).

فقال له رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): هل عملت في يومك هذا شيئا؟

فقال: يا رسول اللّه! ما حملني‏ (6) على الاستنجاء بالماء إلّا أنّي أكلت طعاما فلان بطني. فلم تغن عنّى الأحجار (7) شيئا. فاستنجيت بالماء.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): هنيا لك. فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- قد أنزل فيك آية فابشر إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ.

فكنت أنت أوّل من صنع هذا أوّل التّوّابين و أوّل المتطهّرين.

و في أصول الكافي‏ (8): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، جميعا، عن ابن محبوب، عن محمّد بن النّعمان الأحول، عن سلام بن المستنير قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام): قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)‏- لأصحابه في حديث طويل: و لو لا أنكم تذنبون فتستغفرون اللّه، لخلق اللّه خلقا حتّى يذنبوا ثمّ يستغفروا اللّه. فيغفر لهم. إنّ المؤمن مفتن توّاب. أما سمعت قول اللّه- عزّ و جلّ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ‏ و قال‏ (9): استغفروا ربكم‏

____________

(1) نفس المصدر/ 386، ح 70.

(2) المصدر: فقلت. (ظ)

(3) علل الشرائع/ 286، ح 1.

(4) المصدر: البسر.

(5) المصدر: و استنجى بالماء. بعث [فبعث. ظ] إليه النبي- صلى الله عليه و آله- قال: فجاء الرجل و هو خائف- يظن أن يكون قد نزل فيه أمر سوؤه في استنجائه بالماء.

(6) المصدر: فقال: نعم، يا رسول الله. إني، و الله ما حملني.

(7) المصدر الحجارة.

(8) الكافي 2/ 423- 424، ح 1.

(9) هود/ 90.

333

ثم توبوا إليه.

محمّد بن يحيى‏ (1)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن إسماعيل، عن عبد اللّه بن عثمان، عن أبي جميلة قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام): إنّ اللّه يحبّ المفتن التّوّاب. و من لا يكون ذلك منه، كان أفضل.

عليّ بن إبراهيم‏ (2)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، رفعه، قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- أعطى التّائبين ثلاث خصال، لو أعطى خصلة منها جميع أهل السّماوات و الأرض لنجوا بها: قوله- عزّ و جلّ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ.

فمن أحبّه اللّه لم يعذّبه.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

عليّ بن إبراهيم‏ (3)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن أبي عبيدة قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: إنّ اللّه تعالى أشدّ فرحا بتوبة عبده من رجل أضلّ راحلته و مزاده‏ (4) في ليلة ظلماء، فوجدها. فاللّه أشدّ فرحا بتوبة عبده، من ذلك الرّجل براحلته حين وجدها.

و في الكافي‏ (5): محمّد بن إسماعيل، عن الفضل و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن درّاج قال: قال في قول اللّه- عزّ و جلّ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ‏، قال: و كان النّاس يستنجون بالكرسف و الأحجار. ثمّ أحدث الوضوء. و هو خلق كريم. فأمر به رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و صنعه. فأنزل اللّه في كتابه: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ.

و في كتاب الخصال‏ (6)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه: توبوا إلى اللّه- عزّ و جلّ. و ادخلوا في محبّته. ف إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ. و المؤمن توّاب.

و في مصباح الشّريعة (7): قال الصّادق- (عليه السلام): خلق القلب طاهرا صافيا.

____________

(1) نفس المصدر 2/ 435، ح 9.

(2) نفس المصدر 2/ 432، ح 5.

(3) نفس المصدر 2/ 435، ح 8.

(4) المصدر: و زاده.

(5) نفس المصدر 3/ 18، ح 13.

(6) الخصال 2/ 623، ح 10.

(7) شرح فارسى لمصباح الشريعة و مفتاح الحقيقة/ 69.

334

و جعل (غذاءه) الذّكر و الفكر و الهيبة و التّعظيم. فإذا شيب القلب الصّافي في التّغذية (1) بالغفلة و الكدر، صقل بمصقل‏ (2) التوبة [و نظّف‏] (3) بماء الإنابة، ليعود على حالته الأولى و جوهريّته الأصليّة الصّافية. قال اللّه تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ.

نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ‏: مواضع حرث لكم. شبّهن بها تشبيها لما يلقى في أرحامهنّ من النّطف بالبذور.

فَأْتُوا حَرْثَكُمْ‏، أي: فأتوهنّ كما تأتون المحارث. و هو كالبيان لقوله‏ (4): فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ.

أَنَّى شِئْتُمْ‏: من أي جهة شئتم.

روى‏ (5) أنّ اليهود كانوا يقولون: من جامع امرأته من دبرها في قبلها كان ولدها أحول. فذكر ذلك لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). فنزلت.

وَ قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ‏:

قيل‏ (6): ما يدّخر لكم الثّواب.

و قيل‏ (7): هو طلب الولد.

و قيل‏ (8): التّسمية على الوطء.

وَ اتَّقُوا اللَّهَ‏ بالاجتناب عن معاصيه، وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ‏: فتزوّدوا ممّا لا تفضحون به عنده.

وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ‏ (223)، الكاملين في الإيمان‏ (9) بالكرامة و النّعيم الدّائم.

أمر الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يبشّر من صدّقه و امتثل أمره.

و اعلم! أنّ الوطء في دبر المرأة جائزة إذا رضى‏ (10). مكروه. و ليس بحرام. و في الآية دلالة عليهما.

و في تهذيب الأحكام‏ (11): أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن أسباط، عن محمّد بن‏

____________

(1) المصدر: تغذيته.

(2) المصدر: بمصقلة. (ظ)

(3) يوجد في المصدر.

(4) البقرة/ 222.

(5) مجمع البيان 1/ 320.

6 و 7 و 8- أنوار التنزيل 1/ 118.

(9) ر: بالايمان. (ظ)

(10) هكذا في جميع النسخ. و لعله الصواب: جائز إذا رضيت.

(11) تهذيب الأحكام 7/ 414، ح 1657.

335

حمران، عن عبد اللّه بن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن الرّجل يأتى المرأة في دبرها.

قال: لا بأس إذا رضيت. [قلت:] (1) فأين قول اللّه: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ‏؟

قال: هذا في طلب الولد. فاطلبوا الولد من حيث أمركم اللّه. إنّ اللّه يقول:

نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (2): عن عبد اللّه بن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن إتيان النّساء في أعجازهنّ.

قال: لا بأس. ثمّ تلا هذه الآية: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ‏.

و عن زرارة (3)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ‏ قال: حيث شاءوا

و أمّا ما رواه:

عن صفوان بن يحيى‏ (4)، عن بعض أصحابنا قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ. فقال: من قدامها و من خلفها في القبل.

و عن معمر بن خلّاد (5)، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: أي شي‏ء تقولون في إتيان النّساء في أعجازهن؟

قلت: بلغني أنّ أهل المدينة لا يرون به بأسا.

قال: إنّ اليهود كانت تقول: «إذا أتى الرّجل من خلفها خرج ولده أحول.» فأنزل اللّه: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ‏، يعني: من قدّام و خلف‏ (6)، خلافا لقول اليهود. و لم يعن في أدبارهنّ.

و عن الحسن بن عليّ‏ (7)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- مثله.

____________

(1) يوجد في المصدر.

(2) تفسير العياشي 1/ 110، ح 330.

(3) نفس المصدر 1/ 111، ح 331.

(4) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 332.

(5) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 333.

(6) المصدر: خلف أو قدّام.

(7) نفس المصدر و نفس الموضع.

336

و عن زرارة (1)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- [قال سألته عن قول اللّه: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ‏.

قال: من قبل.

عن أبي بصير (2)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام).] (3) قال: سألته عن الرجل يأتي اهله في دبرها. فكره ذلك. و قال: و إيّاكم و محاش النّساء.

قال: إنّما معنى‏ نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ‏، أي: ساعة شئتم.

و عن الفتح بن يزيد الجرجانيّ‏ (4) قال: كتبت إلى الرّضا- (عليه السلام)- في مسألة (5) فورد منه الجواب: سألت عمّن أتى جاريته في دبرها و المرأة: لعبه‏ (6) لا تؤذي. و هي حرث كما قال اللّه.

محمولة على الكراهية، بقرينة الأخبار السّابقة. و في بعض ألفاظ تلك الأخبار، أيضا، دلالة على ذلك.

وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَ تَتَّقُوا وَ تُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ‏:

«العرضة»، فعله بمعنى المفعول، كالقبضة بمعنى المقبوض. يطلق لما يعرض دون الشي‏ء و للمعرض للأمر.

و معنى الآية على الأوّل: لا تجعلوا اللّه حاجزا لما حلفتم عليه من أنواع الخير. فيكون المراد بالإيمان الأمور المحلوف عليها، يعني: إن حلفتم على الأمور الّتي تركها مرجوح شرعا، لا ينعقد يمينكم. فأتوا بما هو الرّاجح شرعا منها. و حينئذ أن مع صلتها عطف بيان «للإيمان.» و «اللّام» صلة «عرضة»، لما فيها من معنى الاعتراض. و يجوز أن يكون للتّعليل، و يتعلّق «أن» بالفعل، أو بعرضة، أي: و لا تجعلوا اللّه عرضة لأنّ تبرّوا لأجل: أيمانكم به.

و على الثّاني: و لا تجعلوه متعرّضا لأيمانكم. فتتبدّلوه بكثرة الحلف به. و «أن تبرّوا» علّة النّهي، أي: أنهاكم عنه إرادة برّكم تقواكم و إصلاحكم بين النّاس. فإنّ الحلّاف مجترئ على السرّ. و المجترئ عليه لا يكون برّا متّقيا و لا موثوقا به في إصلاح ذات البين.

و الآية- قيل‏ (7)- نزلت في أبي بكر، لمّا حلف أن لا ينفق على مسطح لافترائه على‏

____________

(1) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 334.

(2) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 335.

(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(4) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 336.

(5) المصدر: مثله.

(6) المصدر: لعبة الرجل.

(7) أنوار التنزيل 1/ 118.

337

عائشة.

و قيل‏ (1): في عبد اللّه بن رواحة حين حلف أن لا يكلّم ختنة بشير بن النعمان و لا يصلح بينه و بين أخته‏ (2).

في أصول الكافي‏ (3): عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عليّ بن إسماعيل، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَ تَتَّقُوا وَ تُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ‏، قال: إذا دعيت لصلح بين اثنين، فلا تقل: عليّ يمين أن لا أفعل‏ (4).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قوله: وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَ تَتَّقُوا وَ تُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ‏ قال: هو قول الرّجل في كلّ حالة «لا و اللّه» و «بلى و اللّه.»

و في الكافي‏ (6): عدّة من أصحابنا [عن سهل بن زياد] (7)، عن أحمد بن محمّد، عن عثمان بن عيسى، عن أبي أيّوب الخزّاز قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: لا تحلفوا باللّه صادقين و لا كاذبين. فإن اللّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ‏.

عدّة من أصحابنا (8)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن يحيى بن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي سلام المتعبّد، أنّه سمع أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول لسدير: يا سدير! من حلف باللّه كاذبا، كفر. و من حلف باللّه صادقا، أثم. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (9): عن زرارة و حمران و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام): وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ‏ قالا: هو الرجل يصلح [بين الرجل.] (10) فيحمل ما بينهما من الإثم.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 118.

(2) يوجد في أ، بعد هذه الفقرة: «و اللّه سميع لايمانكم، عليم بنياتكم.» و هو مشطوب في الأصل.

(3) الكافي 2/ 210، ح 6.

(4) المصدر: ألّا أفعل.

(5) تفسير القمي 1/ 73.

(6) نفس المصدر 7/ 434، ح 1.

(7) ليس في المصدر.

(8) نفس المصدر 7/ 434- 435، ح 4.

(9) تفسير العياشي 1/ 112، ح 338.

(10) يوجد في المصدر.

338

عن منصور بن حازم‏ (1)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- [في قول اللّه: وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ.] (2) قال: يعني الرّجل يحلف أن لا يكلّم أخاه. و ما أشبه ذلك. و لا يكلّم أمّه.

و عن أيّوب‏ (3): قال سمعته يقول: لا تحلفوا باللّه صادقين و لا كاذبين. فإنّ اللّه يقول:

وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ‏ قال: إذا استعان رجل برجل على صلح بينه و بين رجل، فلا يقولن‏ (4) «إنّ عليّ يمينا أن لا أفعل.» و هو قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَ تَتَّقُوا وَ تُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (5): و روى محمّد بن إسماعيل، عن سلام بن سهم الشّيخ المتعبّد، أنّه سمع أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول- و ذكر مثله.

[وَ اللَّهُ سَمِيعٌ‏ لأيمانكم، عَلِيمٌ‏ (224) بنيّاتكم.] (6) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ‏:

«اللّغو»: السّاقط، الّذي لا يعتدّ به من كلام و غيره. و لغو اليمين، ما لا عقد معه كما سبق به اللّسان، أو تكلّم به جاهلا بمعناه.

وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ‏، أي: بما قصدتم من الأيمان و واطأت فيها قلوبكم ألسنتكم.

وَ اللَّهُ غَفُورٌ حيث لا يؤاخذكم باللّغو، حَلِيمٌ‏ (225) حيث لم يعاجل بالمواخذة على يمين الجدّ، تربّصا للتّوبة.

لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ‏، أي: يحلفون على أن لا يجامعوهنّ مطلقا، أو مقيّدا بالدّوام، أو بأكثر من أربعة أشهر، إذا كنّ مدخولا بهنّ.

و «الإيلاء»: الحلف. و تعديته بعلى و لكن لمّا ضمّن هذا القسم معنى البعد، عدّى بمن.

____________

(1) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 339.

(2) ليس في أ.

(3) ر: عن أبي. و الحديث في نفس المصدر و نفس الموضع، ح 340.

(4) المصدر: تقولنّ.

(5) من لا يحضره الفقيه 3/ 234- 235، ح 1108.

(6) ليس في أ.

339

تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ:

مبتدأ، ما قبله خبره، أو فاعل الظّرف.

و «التّربّص»: التّوقف. أضيف إلى الظّرف، على الاتّساع، أي: للمولى حقّ التّربّص في هذه المدّة، لا يطالب بفي‏ء، و لا طلاق.

فَإِنْ فاؤُ، أي: رجعوا في اليمين بالحنث و الكفّارة، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ (226): للمولى إثم حنثه إذا كفّر، أو ما توخّى بالإيلاء من إضرار المرأة.

وَ إِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ‏، أي: همّموا (1) قصده، فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ‏ لطلاقهم، عَلِيمٌ‏ (227) بغرضهم و نيّاتهم.

في كتاب علل الشّرائع‏ (2)، بإسناده إلى أبي خالد (3) الهيثم قال: سألت أبا الحسن الثّاني- (عليه السلام): كيف صار (4) عدّة المطلّقة ثلاث حيض، أو ثلاثة أشهر و عدّة المتوفّى عنها زوجها أربعة أشهر و عشرة أيّام‏ (5)؟

قال: أمّا عدّة المطلّقة ثلاث حيض، أو ثلاثة أشهر فلاستبراء الرّحم من الولد.

و أمّا عدة (6) المتوفى عنها زوجها، فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- شرط للنّساء شرطا، فلم يكملهن‏ (7) فيه.

و فيما شرط عليهنّ، بل شرط عليهنّ مثل ما شرط لهم فأمّا ما شرط لهنّ: فإنّه جعل لهنّ في الإيلاء أربعة أشهر. لأنّه علم أنّ ذلك غاية صبر النّساء. فقال- عزّ و جلّ: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. فلا يجوز (8) للرّجل.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9): حدّثني أبي، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: «الإيلاء» هو أن يحلف الرّجل على امرأته‏

____________

(1) أور: صمّموا.

(2) علل الشرائع/ 507- 508، ح 1.

(3) «خالد» ليس في المصدر.

(4) المصدر: صارت.

(5) المصدر: أربعة أشهر و عشرا.

(6) ليس في أو في المصدر.

(7) المصدر: فلم يحلّهن. (ظ)

(8) المصدر: فلم يجز.

(9) تفسير القمي 1/ 73.

340

أن لا يجامعها. فإن صبرت عليه فلها أن تصبر. و إن‏ (1) رفعته إلى الإمام، أنظره أربعة أشهر.

ثمّ يقول له بعد ذلك: إمّا أن ترجع إلى المناكحة، و إمّا أن تطلقه. فان أبى جئته أبدا (2).

و روى عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)(3)- أنّه من‏ (4) بنى حظيرة من قصب. و جعل فيها رجلا آلى من امرأته بعد أربعة أشهر. فقال‏ (5): إمّا أن ترجع إلى المناكحة، و إمّا أن تطلّق و إلا أحرقت عليك الحظيرة.

و في الكافي‏ (6): أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، و أبو العبّاس محمّد بن جعفر، عن أيّوب بن نوح، و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، و حميد بن زياد، عن ابن سماعة، جميعا، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن الإيلاء، ما هو؟

قال: هو أن يقول الرّجل لامرأته: «و اللّه لا أجامعك كذا و كذا.» و يقول: «و اللّه لأغيظنّك.» فيتربّص بها أربعة أشهر. ثمّ يؤخذ فيوقف بعد الأربعة أشهر. فإن فاءوا. و هو أن يصالح أهله. فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. و إن لم يفئ جبر على أن يطلق و لا يقع طلاق فيما بينهما، و لو كان بعد الأربعة الأشهر، ما لم ترفعه‏ (7) إلى الإمام.

عليّ‏ (8)، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن عمر بن أذينه، عن بكر بن أعين، و بريد بن معاوية، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- أنّهما قالا: إذا آلى الرجل أن لا يقرب امرأته، فليس لها قول و لا حقّ في الأربعة الأشهر. و لا إثم عليه في كفّه عنها في الأربعة الأشهر. فإن مضت الأربعة الأشهر قبل ان يمسّها فسكنت‏ (9) و رضيت، فهو في حلّ وسعة. فإن رفعت أمرها قيل له: إمّا أن تفي‏ء فتمسّها، و إمّا أن تطلّق. و عزم الطّلاق أن يخلّى عنها. فإذا حاضت و طهرت طلّقها و هو أحقّ برجعتها، ما لم تمض ثلاثة قروء فهذا الإيلاء الّذي أنزل‏ (10) اللّه- تبارك و تعالى- في كتابه و سنّة رسول اللّه‏ (11)- (صلّى اللّه عليه و آله)

____________

(1) المصدر: فان.

(2) المصدر: و إمّا أن تطلق و إلّا جئتك أبدا.

(3) نفس المصدر 1/ 74.

(4) ليس في ر. (ظ)

(5) المصدر: و قال له: (ظ)

(6) الكافي 6/ 132، ح 9.

(7) المصدر: لم يرفعه.

(8) نفس المصدر 6/ 131، ح 4.

(9) المصدر: فسكتت.

(10) المصدر: أنزله. (ظ)

(11) المصدر: سنة.

341

محمّد بن يحيى‏ (1)، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن رجل آلى من امرأته بعدها دخل بها.

قال‏ (2): إذا مضت أربعة أشهر وقف، و إن كان بعد حين. فإن فاء فليس بشي‏ء.

فهي امرأته. و إن عزم الطّلاق، فقد عزم.

و قال: «الإيلاء» أن يقول الرّجل لامرأته: «و اللّه لأغيظنك‏ (3) و لأسوءنك.» ثمّ يهجرها و لا يجامعها، حتّى تمضى أربعة أشهر. فإذا مضت أربعة أشهر، فقد وقع الإيلاء و ينبغي للإمام أن يجبره على أن يفي‏ء أو يطلّق. فإن فاء فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. و إن عزم الطّلاق، فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. و هو قول اللّه- تبارك و تعالى- في كتابه.

وَ الْمُطَلَّقاتُ‏: يريد بها المدخول بهنّ، من ذوات الأقراء، لما دلّت الآيات و الأخبار على أنّ حكم غيرهنّ خلاف ما ذكر.

يَتَرَبَّصْنَ‏:

خبر، صورة. و أمر، معنى.

و تغيير العبارة للتأكيد و الإشعار بأنّه ممّا يجب أن يسارع إلى امتثاله. و كأنّ المخاطب قصد أن يمتثل الأمر فيخبر عنه.

و بناؤه على المبتدأ، يفيد فضل تأكيد.

بِأَنْفُسِهِنَ‏: تهييج‏ (4) و بعث لهنّ على التّربّص. فإنّ نفوس النّساء طوامح إلى الرّجال. فأمرن بأن يقمعنها و يحملنها على التّربّص.

ثَلاثَةَ قُرُوءٍ: نصب على الظّرف، أو المفعول به، أي: يتربّصن مضيّها.

و «القروء»، جمع قرء. كأنّ القياس أن يذكر بصيغة القلّة الّتي هي الأقراء. و لكنّهم يتّسعون في ذلك، فيستعملون كل واحد من البناءين مكان الآخر.

و لعلّ الحكم لمّا عمّ المطلّقات ذوات الأقراء، تضمّن معنى الكثرة. فحسن بناؤها.

و «القرء» يطلق للحيض، و للطهر الفاصل بين حيضتين. و هو المراد هاهنا.

____________

(1) نفس المصدر 6/ 132، ح 7.

(2) المصدر: فقال.

(3) المصدر: لأغيضنّك.

(4) ر: يهتج.

342

في الكافي‏ (1): عنه، عن صفوان، عن موسى بن بكر، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام): إنّي سمعت ربيعة الرأي يقول: «إذا رأت الدّم من الحيضة الثّالثة، بانت منه. و إنّما القرء ما بين الحيضتين.» و زعم أنّه انما أخذ ذلك برأيه.

فقال أبو جعفر- (عليه السلام): كذب، لعمري! ما قال ذلك برأيه. و لكنّه أخذه عن عليّ- (عليه السلام).

قال: قلت له: و ما قال فيها عليّ- (عليه السلام)؟

قال: كان يقول: إذا رأت الدّم من الحيضة الثّالثة، فقد انقضت عدّتها. و لا سبيل له عليها. و إنّما القرء ما بين الحيضتين. و ليس لها أن تتزوّج حتّى تغتسل من الحيضة الثّالثة.

عليّ بن إبراهيم‏ (2) [عن أبيه،] (3) عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة قال: سمعت ربيعة الرّاي‏ (4) يقول: من رأيي‏ (5) أنّ الأقراء الّتي سمّى اللّه- عزّ و جلّ- في القرآن إنّما هو الطهر فيما بين الحيضتين.

فقال: كذب لم يقله برأيه. و لكنّه إنّما بلغه عن عليّ- (عليه السلام).

فقلت له‏ (6): أصلحك اللّه! أ كان عليّ- (عليه السلام)- يقول ذلك؟

قال‏ (7): نعم إنما القرء الطّهر. يقري فيه الدّم. فيجمعه. فإذا جاء المحيض دفعه‏ (8).

عليّ بن إبراهيم‏ (9)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، و عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي نصر، جميعا، عن جميل بن درّاج، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: القرء ما بين‏ (10) الحيضتين.

عليّ عن أبيه‏ (11)، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: القرء ما بين‏ (12) الحيضتين.

____________

(1) نفس المصدر 6/ 88، ح 9.

(2) نفس المصدر 6/ 89، ح 1.

(3) يوجد في المصدر.

(4) المصدر: الرأي. (ظ)

(5) النسخ: رأى. و ما في المتن موافق المصدر.

(6) ليس في المصدر.

(7) المصدر: فقال.

(8) المصدر: دفعة.

(9) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 2.

(10) المصدر: هو ما بين.

(11) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 3.

(12) المصدر: هو ما بين.

343

محمّد بن يحيى‏ (1)، عن أحمد بن محمّد، عن الحجّال، عن ثعلبة، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: الأقراء هي الأطهار.

سهل‏ (2)، عن أحمد، عن عبد الكريم، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: عدّة الّتي لم تحض و المستحاضة الّتي لا تطهر، ثلاثة أشهر. و عدّة الّتي تحيض و يستقيم حيضها، ثلاثة قروء و القرء (3) جمع الدّم بين الحيضتين.

و أمّا ما رواه في كتاب الخصال‏ (4).

قال: حدّثنا أبي- رضى اللّه عنه- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه قال: حدّثني أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي، عن جميل، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: أمران أيّهما سبق‏ (5) إليها (6)، بانت به المطلّقة: المسترابة الّتي تستريب الحيض، إن مرّت بها ثلاثة أشهر بيض، ليس بها دم بانت بها. و إن مرّت بها ثلاث حيض، ليس بين الحيضتين ثلاثة أشهر بانت بالحيض.

و أمّا ما رواه في كتاب علل الشّرايع‏ (7) بإسناده إلى أبي خالد الهيثم:

قال: سألت أبا الحسن الثاني‏ (8)- (عليه السلام): كيف صار عدّة المطلّقة ثلاث حيض أو ثلاثة أشهر و عدّة المتوفّى عنها زوجها أربعة أشهر و عشرة أيّام‏ (9)؟

قال: أمّا عدّة المطلّقة ثلاث حيض، أو ثلاثة أشهر، فلاستبراء الرّحم من الولد

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

فيمكن أن يحمل على التّقيّة. لأنّه موافق لمذهب أكثر العامّة.

وَ لا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَ‏ من الولد و الحيض، استعجالا في العدّة، و إبطالا لحقّ الرّجعة. و فيه دليل على أنّ قولها مقبول في ذلك.

إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ: ليس المراد منه تقييد نفي الحلّ بإيمانهم. بل تنبيه على أنّه ينافي الإيمان. و أنّ المؤمن لا يجترئ عليه. و لا ينبغي له أن يفعل.

____________

(1) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 4.

(2) نفس المصدر 6/ 99، ح 3. و فيه: سهل بن زياد.

(3) المصدر: القروء.

(4) الخصال 1/ 47- 48، ح 51.

(5) أور: أسبق.

(6) ليس في ر.

(7) علل الشرائع 2/ 507، ح 1.

(8) أ: الثالث.

(9) ليس في المصدر.

344

و في تفسير العيّاشي‏ (1): عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله:

وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَ لا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَ‏، يعني: لا يحلّ‏ (2) لها أن تكتم الحمل إذا طلّقت. و هي حبلى. و الزّوج لا يعلم بالحمل. فلا يحلّ لها أن تكتم حملها. و هو أحقّ بها في ذلك الحمل، ما لم تصنع.

وَ بُعُولَتُهُنَ‏، أي: أزواج المطلّقات جمع بعل. و «التّاء» لتأنيث الجمع، كالعمومة و الخؤولة. او مصدر من قولك: بعل حسن البعولة نعت به. و أقيم مقام المضاف المحذوف، أي: و أهل بعولتهنّ.

أَحَقُّ بِرَدِّهِنَ‏ إلى النّكاح و الرّجعة إليهنّ. و أفعل بمعنى الفاعل.

فِي ذلِكَ‏، أي: في زمان التّربّص.

إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً بالرّجعة، لا ضرر المرأة. و المراد فيه، التّحريض عليه، و المنع من قصد الإضرار لا شريطة قصد الإصلاح للرّجعة.

وَ لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ‏، أي: لهن حقوق على الرّجال، مثل حقوقهم عليهنّ في الوجوب و استحقاق المطالبة.

وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ: زيادة في الحقّ و فضل.

وَ اللَّهُ عَزِيزٌ: يقدر على الانتقام، ممّن خالف الأحكام.

حَكِيمٌ‏ (228): يشرعها لمصالح و حكم.

في من لا يحضره الفقيه‏ (3): و سأل إسحاق بن عمّار، أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن حقّ المرأة على زوجها.

قال: يشبع بطنها. و يكسو جثتها. و إن جهلت غفر لها.

و روى الحسن بن محبوب‏ (4)، عن مالك بن عطيّة، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: جاءت امرأة إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقالت: يا رسول اللّه! ما حقّ الزّوج على المرأة؟

فقال لها: تطيعه. و لا تعصيه. و لا تتصدق‏ (5) من بيتها بشي‏ء إلّا بإذنه. و لا تصوم‏

____________

(1) تفسير العياشي 1/ 115، ح 356.

(2) ليس في ر.

(3) من لا يحضره الفقيه 3/ 279، ح 1327.

(4) نفس المصدر 3/ 276- 277، ح 1314.

(5) المصدر: تصدّق.

345

تطوعا الا باذنه. و لا تمنعه نفسها و إن كانت على ظهر قتب. و لا تخرج من بيتها إلّا بإذنه.

فإن خرجت بغير إذنه، لعنتها ملائكة السّماء و ملائكة الأرض و ملائكة الغضب و ملائكة الرّحمة، حتّى ترجع إلى بيتها.

فقالت: يا رسول اللّه! من أعظم النّاس حقّا على الرّجل؟

قال: والداه.

قالت: فمن أعظم النّاس حقّا على المرأة؟

قال: زوجها.

قالت: فما لي من الحقّ عليه بمثل‏ (1) ما له عليّ؟

قال: لا. و لا من كلّ مائة واحدة.

فقالت: و الّذي بعثك بالحقّ نبيّا! لا يملك رقبتي رجل‏ (2) أبدا.

الطَّلاقُ‏، أي: الطّلاق الّذي عهد سابقا و هو ما يجوز معه الرّجوع في مدّة التّربّص.

مَرَّتانِ‏ بأن طلّق أوّلا، ثمّ رجع، ثمّ طلّق ثانيا. فإن رجع، فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ‏: بحسن المعاشرة، أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ‏ بالطّلقة الثّالثة. و لا يجوز له الرّجوع، أصلا، حتّى تنكح زوجا غيره.

في عيون الأخبار (3)، بإسناده إلى الرّضا- (عليه السلام)- في حديث طويل: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- إنّما أذن في الطّلاق مرّتين. فقال- عزّ و جلّ: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ‏، يعنى: في التّطليقة الثّالثة.

و في الكافي‏ (4): أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، و محمّد بن جعفر أبو العبّاس الرّزّاز، عن أيّوب بن نوح، و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: طلاق السّنّة يطلّقها تطليقة، يعني: على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين. ثمّ يدعها حتّى تمضي أقراؤها. فإذا مضت أقراؤها، فقد بانت منه. و هو خاطب من الخطّاب، إن شاء [ت‏] نكحته. و إن شاءت فلا. و إن أراد أن يراجعها أشهد على رجعتها قبل أن تمضي أقراؤها،

____________

(1) المصدر: مثل.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: رجلا.

(3) عيون أخبار الرضا 2/ 85.

(4) الكافي 6/ 64، ح 1.

346

فتكون عنده على التّطليقة الماضية.

قال: و قال أبو بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام): هو قول اللّه- عزّ و جلّ:

الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ.

وَ لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً من الصّداق و الهبة.

في تهذيب الأحكام‏ (1): أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: و لا يرجع الرّجل فيما يهب لامرأته. و لا المرأة فيما (تهب) (2) لزوجها (حيز أو لم يحز). أليس اللّه تعالى يقول: و لا تأخذوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً؟ و قال: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‏ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً؟ و هذا يدخل في الصّداق و الهبة.

و في الكافي‏ (3)، مثله سواء.

و هذا الحكم بعمومه، يشمل صور الطّلاق، أي: لا يحلّ لكم إذا طلّقتم أن تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئا. و الخطاب للحكّام. لأنّهم الآمرون، أو للأزواج.

إِلَّا أَنْ يَخافا، أي: الزّوجان.

و قرئ: يظنّا.

أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ‏: و قرأ حمزة و يعقوب، على البناء للمفعول و إبدال «أن» بصلته عن الضّمير بدل الاشتمال.

و قرئ: تخافا و تقيما (بتاء الخطاب.) فَإِنْ خِفْتُمْ‏ أيّها الحكّام، أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ‏: على الرّجل في أخذ ما افتدت به نفسها. و على المرأة في إعطائه، حتّى يخالعها.

في مجمع البيان‏ (4): «فيما افتدت به» قيل: إنّه يجوز الزّيادة على المهر. و قيل:

المهر فقط. و رووه عن عليّ- (عليه السلام).

و في تفسير العيّاشيّ‏ (5): عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته‏

____________

(1) تهذيب الأحكام 7/ 152- 153، ذيل ح 624.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: وهب.

(3) الكافي 7/ 30، ذيل ح 3.

(4) مجمع البيان 1/ 329، بتفاوت.

(5) تفسير العياشي 1/ 117، ح 367.

347

عن المختلعة، كيف يكون خلعها؟

فقال: لا يحلّ خلعها حتّى تقول: «و اللّه! أبرّ لك قسما، و لا أطيع لك أمرا، و لأواطئنّ فراشك، و لأدخلنّ عليك بغير إذنك.» فإذا قالت هي‏ (1) ذلك، حلّ خلعها.

و حل له ما أخذ منها من مهرها و ما زاد. و هو قول اللّه- عزّ و جلّ: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ. و إذا فعلت‏ (2) ذلك، فقد بانت منه بتطليقه. و هي أملك بنفسها، إن شاءت نكحته. و إلّا فلا. فإن نكحته فهي عنده بثنتين.

تِلْكَ‏: إشارة إلى الأحكام الّتي حدّت.

حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها بالمخالفة.

وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏ (229):

عقب النّهى بالوعيد، مبالغة في التّهديد.

و اعلم أنّ كلّ ما حدّ اللّه تعالى الإفراط فيه و التّفريط، كلاهما تعدّ. و كذلك كلّ ما يفعله أهل الوسوسة فما ليس له في الشّرع مآخذ و يسمّونه احتياطا و تقوى، تعدّ عن حدود اللّه. و من يفعله ظالم. يدلّ على ذلك‏

ما رواه العيّاشيّ في تفسيره‏ (3)، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله اللّه- تبارك و تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.

فقال: إنّ اللّه غضب على الزّاني. فجعل له جلد (4) مائة. فمن غضب عليه فزاد. فأنا إلى اللّه منه بري‏ء. فذلك قوله: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها.

فَإِنْ طَلَّقَها:

متعلّق بقوله: الطَّلاقُ مَرَّتانِ. تفسير لقوله: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ. اعترض بينهما ذكر الخلع، دلالة على أنّ الطّلاق يقع مجّانا تارة، و بعوض أخرى.

و المعنى: فإن طلّقها بعد الثّنتين.

فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ ذلك الطّلاق، حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ‏: حتّى تزوّج غيره بالعقد الدّائم، و يدخل بها. و النّكاح يسند إلى كلّ منهما.

____________

(1) المصدر: فإذا هي قالت.

(2) المصدر: فعل. (ظ)

(3) تفسير العياشي 1/ 117، ح 368.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: جلدة.

348

في عيون الأخبار (1): حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطّالقاني- ره- قال:

حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد الهمدانيّ، عن عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضال، عن أبيه قال: سألت الرّضا- (عليه السلام)- عن العلّة الّتي من أجلها لا تحلّ المطلّقة للعدّة لزوجها حتّى تنكح زوجا غيره.

فقال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- إنّما أذن في الطّلاق مرّتين. فقال- عزّ و جلّ:

الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ‏، يعني: في التّطليقة الثّالثة. و لدخوله فيما كره اللّه- عزّ و جلّ- [من الطّلاق الثّالث،] (2) حرّمها عليه. فلا تحلّ من بعد حتّى تنكح زوجا غيره، لئلا يوقع النّاس الاستخفاف بالطلاق [و لا يضارّوا النّساء.] (3)

و في الكافي‏ (4): سهل (بن زياد)، عن احمد بن محمّد، عن مثنّى، عن أبي حاتم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن الرّجل يطلّق امرأته الطّلاق الّذي لا تحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره، ثمّ تزوّج رجلا (5)، و لم يدخل بها.

قال: لا. حتّى يذوق عسيلتها.

و في عيون الأخبار (6)، في باب ذكر ما كتب به الرّضا- (عليه السلام)- إلى محمّد بن سنان في جواب مسائله في العلل و علّة الطّلاق ثلاث‏، لما فيه من المهلة فيما بين الواحدة إلى الثلاث، لرغبة تحدث، أو سكون غضبه إن كان. و ليكون ذلك تخويفا و تأديبا للنّساء و زجرا لهنّ عن معصية أزواجهنّ.

و في الكافي‏ (7): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن رجل طلّق امرأته تطليقة واحدة، ثمّ تركها حتّى انقضت عدّتها، ثمّ تزوّجها رجل غيره، ثمّ إنّ الرّجل مات أو طلّقها، فراجعها الأوّل.

قال: هي عنده على تطليقتين تامتين‏ (8).

محمّد بن يحيى‏ (9)، عن أحمد بن محمّد، عن ابن مهزيار قال: كتب عبد اللّه بن محمّد

____________

(1) عيون أخبار الرضا 2/ 83، ح 27.

2 و 3- ليس في أ.

(4) الكافي 5/ 425، ح 4.

(5) المصدر: رجل آخر.

(6) عيون أخبار الرضا 2/ 93، ح 1.

(7) الكافي 5/ 426، ح 5.

(8) المصدر: باقيتين.

(9) نفس المصدر 5/ 426، ح 6.

349

إلى أبي الحسن- (عليه السلام): روى بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في الرّجل يطلّق امرأته على الكتاب و السّنّة، فتبين منه (واحدة) (1)، فتزوج زوجا غيره، فيموت عنها، أو يطلّقها فترجع الى زوجها الأوّل، أنّها تكون عنده على تطليقتين (تامّتين‏ (2).

و واحدة قد مضت.

فوقّع- (عليه السلام)- بخطّه: صدقوا.

و روى بعضهم أنّها تكون عنده على ثلاث مستقبلات. و أنّ تلك الّتي طلّقت‏ (3) ليس بشي‏ء. لأنها قد تزوّجت زوجا غيره.

فوقّع- (عليه السلام)- بخطّه: لا.

سهل‏ (4)، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن المثنى، عن (إسحاق) بن عمار قال:

سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن رجل طلّق امرأته‏ (5) لا تحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره، فتزوّجها عبد، ثمّ طلّقها، هل يهدم الطّلاق؟

قال: نعم، لقول اللّه- عزّ و جلّ- في كتابه: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ. و قال:

هو أحد الأزواج.

فَإِنْ طَلَّقَها الزّوج الثّاني، فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا، أي: يرجع كلّ منهما إلى الآخر بالزّواج، إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ‏، أي: ما حدّده اللّه.

وَ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏ (230): يفهمون.

في تفسير العيّاشيّ‏ (6). عن الحسن بن زياد قال: سألته عن رجل طلق امرأته.

فتزوّجت بالمتعة. أ تحلّ لزوجها الأوّل؟

[قال: لا.] (7) لا تحلّ له حتّى تدخل‏ (8) في مثل الّذي خرجت من عنده. و ذلك قوله: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ.

____________

(1) المصدر: بواحدة. (ظ)

(2) ليس في المصدر.

(3) المصدر: طلقها.

(4) نفس المصدر 5/ 425، ح 3. و فيه: سهل بن زياد.

(5) المصدر: امرأته طلاقا.

(6) تفسير العياشي 1/ 118، ح 371.

(7) ليس في المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: يدخل.

350

و المتعة ليس فيها طلاق.

و في الكافي‏ (1): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن عبد الكريم، عن الحسن الصّيقل قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن رجل طلّق امرأته طلاقا، لا تحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره؟ و (تزوّجها (2)) رجل متعة. أ يحل له أن ينكحها؟

قال: لا حتّى تدخل في مثل ما خرجت منه.

عليّ بن إبراهيم‏ (3)، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: سألته عن رجل طلّق امرأته (ثلاثا). ثمّ تمتع فيها رجل آخر. هل تحلّ للأوّل؟

قال: لا.

وَ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَ‏:

«الأجل» يطلق للمدّة و لمنتهاها.

و «البلوغ» هو الوصول إلى الشي‏ء. و قد يقال للدنوّ منه على الاتّساع. فإن حمل الأجل على المعنى الأوّل، فالبلوغ على أصله. و إن حمل على الثّاني، فالبلوغ على الاتّساع، ليترتّب عليه.

فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ‏:

و هو إعادة الحكم في بعض صوره، للاهتمام به.

وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً: نصب على العلّة، أو الحال، أي: لا تراجعوهنّ إرادة الإضرار، أو مضارّين. كان المطلّق يترك المعتدّة، حتّى يشارف الأجل، ثمّ يراجع ليطوّل العدّة عليها. فنهى عنه بعد الأمر بضدّه، مبالغة.

لِتَعْتَدُوا: لتظلموهنّ بالتّطويل و الإلجاء إلى الافتداء.

و «اللّام» متعلّقة بالضّرار، إذ المراد تقييده.

في من لا يحضره الفقيه‏ (4) روى المفضل بن صالح، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا.

____________

(1) الكافي 5/ 425، ح 2.

(2) المصدر: يزوّجها.

(3) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 1.

(4) من لا يحضره الفقيه 3/ 323، ح 1567.

351

قال: الرّجل يطلّق حتّى إذا كادت‏ (1) أن يخلو أجلها راجعها (2)، ثمّ طلّقها، يفعل ذلك ثلاث مرّات. فنهى اللّه- عزّ و جلّ- عن ذلك.

و روى البزنطيّ‏ (3)، عن عبد الكريم بن (عمرو)، عن الحسن بن زياد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لا ينبغي للرّجل أن يطلّق امرأته، ثمّ يراجعها، و ليس له فيها حاجة. ثمّ يطلّقها. فهذا الضّرار الّذي نهى اللّه عنه. إلّا أن يطلّق ثمّ (يراجعها (4). و هو ينوي الإمساك.

وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ‏ بتعريضها للعقاب.

وَ لا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً بالإعراض عنها، و التّهاون في العمل بما فيها.

و في نهج البلاغة: (5) قال- (عليه السلام): من قرأ القرآن، فمات، فدخل النّار، فهو ممن كان يتّخذ آيات اللّه هزوا.

وَ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ‏ الّتي من جملتها نبوّة محمّد و ولاية عليّ و الأئمّة من بعده، بالشّكر و القيام بحقوقها.

وَ ما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَ الْحِكْمَةِ: القرآن و السّنّة. أفردهما بالذّكر، إظهارا لشرفهما.

يَعِظُكُمْ بِهِ‏: بما أنزل عليكم.

وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ (231): تأكيد و تهديد.

وَ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَ‏: انقضت عدّتهنّ، فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَ‏:

«العضل»: الحبس و التّضييق.

إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ‏:

ظرف لأن ينكحن، أو لا تعضلوهنّ.

بِالْمَعْرُوفِ‏: بما يعرفه الشّرع. حال من الضّمير المرفوع، أو صفة مصدر محذوف،

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: كانت.

(2) يوجد في أبعد هذه الكلمة: و ليس له فيها حاجة ثمّ يطلّقها فهذا الضرار لاملا.

(3) نفس المصدر 3/ 323- 324، ح 1568.

(4) المصدر: يراجع.

(5) نهج البلاغة/ 508، مقطع من حكمة 228.

352

أي: تراضيا كائنا بالمعروف.

ذلِكَ‏: إشارة إلى ما مضى ذكره. و الخطاب للجمع، على تأويل القبيل، أو كلّ واحد، أو للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله).

يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ. لأنّه المنتفع به.

ذلِكُمْ‏، أي: العمل بمقتضى ما ذكر، أَزْكى‏ لَكُمْ‏: أنفع، وَ أَطْهَرُ من دنس الآثام.

وَ اللَّهُ يَعْلَمُ‏: ما فيه من النّفع، وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ (232) ما فيه، أو لستم من أهل العلم.

وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَ‏:

قال البيضاويّ‏ (1): أمر عبّر عنه بالخير، للمبالغة. و معناه النّدب، أو الوجوب.

فيختصّ بما إذا لم يرتضع الصّبيّ إلّا من أمّه، أو لم يوجد له ظئر، أو عجز الوالد عن الاستئجار.

و «الوالدات» (تعمّ) المطلّقات و غيرهنّ.

[و الوجه أنّه خبر معنى، أيضا، و الوالدات المطلقات. و المقصود بيان أنّ الوالدات أحقّ برضاع الأولاد، من غيرهنّ.] (2) و ليس للوالد أن يأخذهم منهم و يجعل غيرهنّ مرضعة، إذا تبرّعن، أو رضين بما رضى به غيرهنّ.

حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ‏:

أكّده بصفة الكمال. لأنّه ممّا يتسامح فيه.

لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ: بيان للمتوجّه إليه الحكم، أي: ذلك لمن أراد إتمام الرّضاعة، أو متعلّق بيرضعن. فإنّ الأب يجب عليه الإرضاع و الأمّ ترضع. و فيه دلالة على أنّ مدّة الإرضاع حولان و لا عبرة (3) بعدهما. و أنّه يجوز أن ينقص عنه.

وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ‏، أي: الوالد. فإنّ الولد يولد له.

و تغيير العبارة للإشارة إلى المعنى المقتضى للإرضاع و مؤن المرضعة.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 123.

(2) ليس في أ.

(3) أ: لا عبرة به.

353

رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَ‏: أجرة لهنّ.

بِالْمَعْرُوفِ‏: حسب ما يراه أهل الشّرع.

لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها: تعليل لإيجاب المؤن.

لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ‏، أي: لا يضارّ كلّ واحد منهما الآخر، بسبب الولد، بأن يكلّفه ما ليس في وسعه، أو يترك مجامعته بسبب الولد.

في الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، و الحسين بن سعيد، جميعا، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ: لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ‏.

فقال: كانت المراضع ممّا يدفع إحداهن الرّجل، إذا أراد الجماع. تقول‏ (2): «لا أدعك. إنّي أخاف أن أحبل، فأقتل ولدي.» هذا الّذي أرضعه. و كان الرّجل تدعوه‏ (3) المرأة. فيقول: «أخاف أن أجامعك، فأقتل ولدي.» فيدعها. فلا (4) يجامعها. فنهى اللّه- عزّ و جلّ- عن ذلك، بأن يضارّ الرّجل المرأة و المرأة الرّجل.

عليّ بن إبراهيم‏ (5)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- نحوه.

و في مجمع البيان‏ (6): لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ‏ قيل: معناه لا تضار والدة الزّوج بولدها. و لو قيل «في ولدها» لجاز في المعنى.

و روى عن السّيّدين الباقر و الصّادق- (عليهما السلام): لا تضارّ والدة بأن يترك جماعها خوف الحمل، لأجل ولدها المرتضع. و لا مولود له بولده، أي لا تمنع نفسها من الأب، خوف الحمل. فيضرّ ذلك بالأب.

و في الكافي‏ (7): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:

____________

(1) الكافي 6/ 41، ح 6.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يقول.

(3) كذا في المصدر و أ. في الأصل ور: يدعوه.

(4) المصدر و أ: و لا.

(5) نفس المصدر و نفس الموضع.

(6) مجمع البيان 1/ 335.

(7) الكافي 6/ 103، ح 2.

354

إذا طلّق الرّجل المرأة و هي حبلى، أنفق عليها حتّى تضع حملها. و إذا (1) وضعته أعطاها أجرها. و لا يضارّها إلّا أن يجد من هو أرخص أجرا منها. فإن هي رضيت بذلك الأجر فهي أحقّ بابنها حتّى تفطمه.

عليّ، عن أبيه‏ (2)، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: الحبلى المطلقة ينفق عليها، حتّى تضع حملها. و هي أحقّ بولدها أن ترضعه بما تقبله امرأة أخرى. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ‏.

قال: كانت المرأة منّا ترفع‏ (3) يدها إلى زوجها إذا أراد مجامعتها، فتقول‏ (4): «لا أدعك. إنّي أخاف أن أحمل على ولدي»، أو يقول الرّجل: «لا أجامعك. أنّي أخاف أن تعلقي، فأقتل ولدي.» فنهى اللّه- عزّ و جلّ- أن تضارّ المرأة الرجل، (5) أو يضارّ الرّجل المرأة و أمّا قوله: وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ. فإنّه نهى أن يضارّ بالصّبيّ، أو (تضار (6)) أمّه في رضاعه. و ليس لها أن تأخذ في رضاعه فوق حولين كاملين. و إن أرادا فصالا عن تراض منهما قبل ذلك كان حسنا. و الفصال هو الفطام.

وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ‏:

عطف على قوله: وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ. و ما بينهما معترض. و المراد بالوارث الباقي من أبويه.

قال في مجمع البيان‏ (7): و هو الصّحيح عندنا. و

قد روى، أيضا، في أخبارنا على الوارث كائنا من كان النّفقة.

و هذا يوافق الظّاهر.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): قوله: وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ‏ قال: لا تضارّ المرأة الّتي لها ولد و قد توفّى زوجها. فلا يحلّ للوارث أن يضارّ أمّ الولد في النّفقة. فيضيّق عليها.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (9): عن العلا، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما

____________

(1) المصدر: فإذا. (ظ)

(2) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 3.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: «يرتفع» أو «ترتفع».

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فيقول.

(5) المصدر: و أن.

(6) المصدر: يضارّ.

(7) مجمع البيان 1/ 335.

(8) تفسير القمي 1/ 77.

(9) تفسير العياشي 1/ 121، ح 383.

355

- (عليهما السلام)- قال: سألته عن قوله: وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ.

قال: هو في النّفقة على الوارث، مثل ما على الوالد.

و قيل‏ (1): المراد بالوارث، وارث الأب. و هو الصّبيّ، أي: مؤن المرضعة من ماله إذا مات الأب.

و الأحسن أن يقال: المراد بالوارث، الباقي من أبويه. و عليه مثل ذلك، أي: عدم المضارّة بأنّه إن كان للمولود له مال عنده، لا يقتّر عليه و لا يمنع الولد من أن يأتي أمّه‏ (2). و إن لم يكن له مال و كان ممّن يجب نفقته عليه، أنفق عليه، و غير ذلك.

و الأخبار الّتي استدلّ بها الشّيخ الطّبرسيّ، كلّها تحمل على ذلك. يدلّ على هذا الحمل‏

، ما رواه أبو الصّباح‏ (3): قال: سئل أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ‏.

قال: ليس‏ (4) للوارث أن يضارّ المرأة. فيقول: لا. أدع ولدها يأتيها، و يضارّ ولدها إن كان لهم عنده شي‏ء. و لا ينبغي أن يقترّ عليهم.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (5): و قضى أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏- في رجل توفّي، و ترك صبيّا، و استرضع له، أنّ أجر رضاع الصّبيّ ممّا يرث من أبيه و أمّه.

فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَ تَشاوُرٍ، أي: فصالا صادرا عن التّراضي منهما و التّشاور قبل الحولين.

و التّشاور و المشاورة و المشورة و المشورة، استخراج الرّأي من شرت العسل إذا استخرجته.

فَلا جُناحَ عَلَيْهِما في ذلك و اعتبار التّراضي، لمصلحة الطّفل.

وَ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ‏، أي: تسترضعوا المراضع أولادكم، من استرضعتها إياه. فحذف المفعول الأوّل، للقرينة.

فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ‏: فيه و في نفي الجناح، إشعار بأنّ لبن أمّه أولى.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 123.

(2) النسخ: أمّها.

(3) تفسير العياشي 1/ 121، ح 384.

(4) المصدر: لا.

(5) من لا يحضره الفقيه 3/ 309، ح 1487.

356

و في كتاب عيون الأخبار (1)، بإسناده، قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): ليس للصّبيّ لبن خير من لبن امه.

إِذا سَلَّمْتُمْ‏ إلى المراضع.

ما آتَيْتُمْ‏، أي: أردتم إيتاءه، كقوله تعالى‏ (2): إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ.

و قرء ابن كثير: «ما أتيتم» من أتى عليه إليه إحسانا إذا فعله.

و قرئ: أوتيتم، أي: ما أتاكم اللّه.

بِالْمَعْرُوفِ‏: صلة «سلّمتهم»، أي: بالوجه المتعارف المستحسن شرعا.

و جواب الشّرط محذوف. دلّ عليه ما قبله، أي: فلا جناح عليه، أو الشّرط في موضع الحال. فلا يحتاج إلى الجواب.

وَ اتَّقُوا اللَّهَ‏:

مبالغة في أمر الأطفال و المراضع. و من جملة التّقوى في أمر الأطفال، اختيار المراضع الخيار لاولادكم. فإنّ اللّبن يعدى.

و في كتاب عيون الأخبار (3)، بإسناده إلى الرّضا- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): لا تسترضعوا الحمقاء و لا العمشاء. فإنّ اللّبن يعدى.

و في كتاب الخصال‏ (4)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه: و توقّوا أولادكم من لبن البغيّ من النّساء و المجنون. فإنّ اللّبن يعدى.

وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233):

حثّ و تهديد و في إيراد البصير، مكان العليم، زيادة مبالغة.

وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً، أي:

أزواج الّذين، أو يتربّصن بعدهم الأزواج المتروكة.

و قرئ: يتوفّون (بفتح الياء)، أي: يستوفون آجالهم.

و تأنيث العشر، باعتبار اللّيالي لأنّها غرر الشّهور و الأيّام.

قيل‏ (5): و لعلّ المقتضى لهذا التّقدير، أنّ الجنين في غالب الأمر يتحرّك لثلاثة أشهر إن‏

____________

(1) عيون أخبار الرضا 2/ 34، ح 69.

(2) المائدة/ 6.

(3) عيون أخبار الرضا 2/ 34، ح 67.

(4) الخصال 2/ 615، ح 10.

(5) أنوار التنزيل 1/ 124.

357

كان ذكرا، و لأربعة، إن كان أنثى. فاعتبر أقصى الأجلين، و زيد عليه العشر، استظهارا إذ ربّما تضعف حركته في المبادي فلا يحسن بها.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (1): عن أبي بكر الحضرميّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لمّا نزلت هذه الآية: وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً جئن النّساء اتجاه‏ (2) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). و قلن: لا نصير.

فقال لهنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله): كانت إحداكن إذا مات زوجها أخذت بعرة. فألقتها خلفها في دويرها في خدرها. ثمّ قعدت. فإذا كان مثل ذلك اليوم من الحول، أخذتها، ففتّتها، ثمّ اكتحلت منها، ثمّ تزوّجت. فوضع اللّه عنكنّ ثمانية أشهر.

و في الكافي‏ (3): حميد عن [ابن‏] (4) سماعة، عن محمّد بن أبي حمزة، عن أبي أيّوب، عن محمّد بن مسلم قال: جاءت امرأة إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- تستفتيه في المبيت في غير بيتها. و قد مات زوجها.

فقال: إنّ أهل الجاهليّة كان إذا مات زوج المرأة، أحدّت عليه امرأته اثني عشر شهرا.

فلمّا بعث اللّه محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- رحم ضعفهنّ. فجعل عدّتهنّ أربعة أشهر و عشرا.

و أنتنّ لا تصبرن‏ (5).

و عموم اللّفظ يقتضي تساوى الحرّة و الأمة، زوجة كانت أو ملك يمين، و المسلمة و الكتابيّة، و الدّائمة و المتعة، و الحائل و الحامل، إن وضع الحمل قبل تلك المدة.

و في تهذيب الأحكام‏ (6): (احمد بن محمّد بن عيسى‏ (7))، عن محمّد بن الحسين، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام): ما عدّة المتعة إذا مات عنها الّذي (يتمتّع) (8) بها؟

قال: أربعة أشهر و عشرا.

(قال): ثمّ قال: يا زرارة! كلّ النّكاح إذا مات الزّوج فعلى المرأة حرّة كانت، أو أمة، أو على أي وجه كان النّكاح منه، متعة، أو تزويجا، أو ملك يمين، فالعدّة أربعة أشهر و عشرا.

____________

(1) تفسير العياشي 1/ 121، ح 386.

(2) المصدر: يخاصمن. (ظ)

(3) الكافي 6/ 117، ح 10.

(4) يوجد في المصدر.

(5) المصدر: لا تصبرن على هذا.

(6) تهذيب الأحكام 8/ 157، ح 545، و له تتمة.

(7) المصدر: محمد بن أحمد بن يحيى.

(8) المصدر: تمتع.

358

فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَ‏: انقضت عدّتهنّ.

فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ‏: أيّها الائمة و المسلمون! فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَ‏ من التّعرّض للخطّاب‏ (1) و سائر ما حرّم عليهنّ للعدّة، بِالْمَعْرُوفِ‏: بالوجه الّذي يعرفه الشّرع. و إن فعلن ما ينكره الشّرع. فعليهم أن يكفوهنّ.

وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. (234) فيجازيكم عليه إن خيرا فخير. و إن شرّا فشرّ.

وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ:

التّعريض إيهام المقصود بما لم يوضع له حقيقة و لا مجاز، كقول السّائل: جئتك لأسلّم عليك.

و «الخطبة» بالكسر و الضّم، اسم. غير أنّ المضمومة خصّت بالموعظة، و المكسورة بطلب المرأة.

و المراد «بالنّساء»: المعتدّات للوفاة.

و تعريض خطبتها، أن يقول لها: إنّك جميلة، أو نافقة، أو لا تحدثي حدثا، أو نحو ذلك.

أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ‏، أي: أضمرتم في أنفسكم. و لم تذكروه تصريحا و تعريضا.

عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَ‏: و لا تصبرون على السّكوت.

وَ لكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا:

استدراك عن محذوف، أي: فاذكروهنّ. و لكن لا تواعدوهنّ سرّا، أي: نكاحا، أو جماعا. عبّر بالسّر، عن الوطء. لأنّه يسرّ. ثمّ عن العقد. لأنّه سبب فيه.

و قيل‏ (2): معناه لا تواعدوهنّ في السّرّ بما يستهجن.

إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً: و هو التّعريض بالخطبة. و المستثنى منه محذوف، أي:

لا تواعدوهنّ مواعدة إلّا مواعدة معروفة، بقول معروف.

و قيل‏ (3): إنّه استثناء منقطع من «سرّا». و فيه أنه يؤدى إلى قولك: «لا تواعدوهنّ إلّا التّعريض.» و هو غير موعود. و في الآية دلالة على حرمة تصريح خطبة المعتدّة، و جواز تعريضها، إن كانت معتدّة وفاة.

____________

(1) ر: في الخطّاب.

(2) أنوار التنزيل 1/ 125.

(3) نفس المصدر و نفس الموضع.

359

وَ لا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ‏:

قيل‏ (1): ذكر العزم، مبالغة في النّهي عن العقد.

و قيل: معناه: لا تقطعوا عقدة النّكاح. فإنّ أصل العزم القطع.

و يحتمل أن يكون المراد: لا تقصدوا عقد النّكاح قبل انقضاء العدّة. فإنّ قصد الحرام، حرام. و يكون قوله:

حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ‏: متعلّقا بالنّكاح، لا بالعزم، يعنى: حتّى ينتهي ما كتب من العدّة.

وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ‏ من العزم على ما لا يجوز و ما يجوز.

فَاحْذَرُوهُ‏ و لا تعزموا على ما لا يجوز.

وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لمن تاب، حَلِيمٌ‏ (235): لا يعاجلكم بالعقوبة، لعلكم تتوبون.

و في الكافي‏ (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ لكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً.

قال: هو الرّجل يقول للمرأة، قبل أن تنقضي عدّتها: «أواعدك بيت آل فلان» ليعرّض لها بالخطبة. و يعنى. بقوله‏ إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً، التعريض بالخطبة عقدة النّكاح حتّى يبلغ الكتاب اجله.

عدّة من أصحابنا (3)، عن سهل بن زياد، و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن أبي‏ (4) نصر، عن عبد اللّه بن سنان قال: سالت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ لكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً وَ لا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ‏.

فقال: السّرّ أن يقول الرّجل: «موعدك بيت آل فلان.» ثمّ يطلب إليها أن لا تسبقه بنفسه‏ (5) إذا انقضت عدّتها.

____________

(1) نفس المصدر و نفس الموضع.

(2) الكافي 5/ 434، ح 1.

(3) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 2.

(4) المصدر: «أحمد بن محمد.» و هو أحمد بن محمد بن أبي نصر. (معجم الرجال 2/ 36)

(5) المصدر: بنفسها. (ظ)

360

قلت: (قوله) (1): إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً.

قال: هو طلب الحلال في غير أن يعزم عقدة النّكاح، حتّى يبلغ الكتاب اجله.

محمّد بن يحيى‏ (2)، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عليّ بن أبي حمزة قال: سألت أبا الحسن- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ لكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا.

فقال: يقول الرّجل: «أو أعدك بيت آل فلان.» يعرّض لها بالرّفث. و يرفث.

يقول اللّه- عزّ و جلّ: إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً. و القول المعروف، التّعريض بالخطبة (3)، و حلّها. وَ لا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ.

حميد بن زياد (4)، عن الحسن بن محمّد، عن غير واحد، عن أبان، عن عبد الرّحمن‏ (5) عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ: إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً قال:

يلقاها، فيقول: «إنّي فيك لراغب. و إنّي للنّساء لمكرم. فلا تسبقيني بنفسك.» و «السّرّ»: لا يخلو معها حيث وجدها (6).

و في تفسير العيّاشيّ‏ (7): عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ (لكِنْ) لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً. قال: المراة في عدتها تقول لها قولا جميلا، ترغّبها في نفسك. و لا تقول: «إنّى أصنع كذا. و أصنع القبيح من الأمر في البضع. و كلّ أمر قبيح.»

عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه: إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً قال: يقول الرّجل للمرأة، و هي في عدّتها: «يا هذه ما أحبّ‏ (8) إلّا ما أسرّك‏ (9). و لو قد مضى عدّتك لا تفوتني إن شاء اللّه. فلا تسبقيني بنفسك.» و هذا كلّه من غير أن يعزموا عقدة (10) النّكاح.

لا جُناحَ عَلَيْكُمْ‏: لا تبعة من مهر و وزر،

____________

(1) المصدر: فقوله.

(2) نفس المصدر 5/ 435، ح 3.

(3) المصدر: بالخطبة على وجها.

(4) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 4.

(5) المصدر: عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه.

(6) المصدر: وعدها.

(7) تفسير العياشي 1/ 123، ح 394.

(8) أ: أجب.

(9) أ: أمرك.

(10) ر: من عقدة.

361

إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَ‏، أى: تجامعوهنّ، أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً، أى: قبل تحقّق أحد الأمرين: المجامعة (1)، و تعيين الفريضة، أي: المهر. و هي فعيلة بمعنى المفعول.

و «الفرض»: التّقدير. نصب على المفعول. فإنّه على تقدير تحقّق الأوّل، إمّا يجب المسمّى، أو مهر المثل. و على تقدير تحقق الثّاني، يجب المسمّى، أو نصفه. فعدم شي‏ء، إنّما هو على تقدير عدم تحقّق أحدهما.

وَ مَتِّعُوهُنَ‏: عطف على مقدّر، أي: فطلّقوهنّ. و متّعوهنّ.

و الحكمة في إيجاب المتعة جبرا، إيحاش الطّلاق.

عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ‏، أى: على كلّ من الّذي له سعة.

و «المقتر»: الضيّق الحال ما يطيقه و يليق به.

[في تفسير العيّاشيّ: (2)] (3) عن ابن بكير قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قوله: وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ‏، و ما قدر الموسع و المقتر؟

قال: كان عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- يمتّع براحلته، يعني: حملها الّذي عليها.

[عن محمّد بن مسلم‏ (4) قال: سألته عن الرّجل يريد أن يطلّق امرأته.

قال: يمتّعها قبل أن يطلّقها. قال اللّه في كتابه: وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ‏.

و في الكافي‏ (5): أحمد بن محمّد بن عليّ‏ (6)، عن‏] (7) محمّد بن سنان، عن أبي الحسن- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً قال: «القوام» هو المعروف:

على الموسع قدره، و على المقتر قدره على قدر عياله، و مؤنتهم الّتي هي صلاح له و لهم. و لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها (8)

و في من لا يحضره الفقيه‏ (9): روى محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن‏

____________

(1) ر: الجامعة.

(2) تفسير العياشي 1/ 124، ح 400.

(3) ليس في أ.

(4) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 401.

(5) الكافي 4/ 56، ح 8، مقطع منه.

(6) المصدر: أحمد بن محمد عن محمد بن على.

(7) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(8) الطلاق/ 7.

(9) من لا يحضره الفقيه 3/ 326، ح 1579.

362

أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إذا طلّق الرّجل امرأته قبل أن يدخل بها، فلها نصف مهرها. و إن لم يكن سمّى لها مهرا، فمتاع بالمعروف‏ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ.

و ليس لها عدّة (1). تتزوّج من شاءت من ساعتها.

و في رواية البزنطي‏ (2): ان متعة المطلّقة، فريضة.

و روى‏ (3): أنّ الغنيّ، يمتّع بدار أو خادم. و الوسط، يمتّع بثوب. و الفقير، بدرهم أو خاتم.

و روى‏ (4): أنّ أدناه الخمار و شبهه.

و في مجمع البيان‏ (5): عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ‏ و المتعة خادم، أو كسوة، أو ورق‏. و هو المرويّ عن الباقر و الصّادق- (عليهما السلام)‏. ثمّ اختلف في ذلك فقيل: إنّما يجب المتعة للّتي لم يسمّ لها صداق خاصّة. و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)‏. و قيل: المتعة لكلّ مطلّقة سوى المطلّقة المفروض لها إذا طلّقت قبل الدّخول. فإنّما لها نصف الصّداق. و لا متعة لها. و هو رواه أصحابنا- أيضا.

و ذلك محمول على الاستحباب.

و في الكافي‏ (6)، بإسناده عن أحمد بن محمّد، عن عبد الكريم، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لا تمتّع المختلعة.

عليّ بن إبراهيم‏ (7)، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لا تمتع المختلعة (8).

مَتاعاً، أي: تمتيعا، بِالْمَعْرُوفِ‏: بالوجه الّذي يستحسنه الشّرع، كما سبق في الأخبار، حَقًّا: صفة لمتاعا، أو مصدر مؤكّد، أي: حقّ حقّا.

عَلَى الْمُحْسِنِينَ‏ (236): الّذين يحسنون إلى أنفسهم بالمسارعة إلى الامتثال و بالتّقوى‏ (9) و الاجتناب عمّا يسخط الرّبّ، أو (10) إلى المطلقات بالتّمتيع.

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: أن.

(2) نفس المصدر 3/ 327، ح 1581.

(3) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 1582.

(4) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 1583.

(5) مجمع البيان 1/ 340.

(6) الكافي 6/ 144، ح 2.

(7) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 3.

(8) المصدر: المختلعة لا تمتّع.

(9) ر: التقوى.

(10) ليس في ر.

363

و سمّاهم «محسنين» للمشارفة، ترغيبا و تحريصا.

و في الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن النجرىّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في الرّجل يطلّق امرأته أ يمتّعها؟

قال: نعم. أما يحبّ أن يكون من المحسنين؟ أما يحبّ أن يكون من المتّقين؟

وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ‏، أي: فلهنّ نصف ما فرضتم لهن، أو فالواجب.

إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ‏، أي: المطلّقات. فلا يأخذن شيئا.

أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ‏:

في مجمع البيان‏ (2): قيل: هو الوليّ. و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)‏. و قيل: الزّوج، و رواه أصحابنا.

غير أنّ الأوّل أظهر، و عليه المذهب. (انتهى)

[و في تفسير العيّاشيّ‏ (3):] (4) عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ: أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ‏ قال: هو الأخ و الأب و الرّجل‏ (5) يوصى إليه و الّذي يجوز أمره في مال‏ (6) يتيمة.

قلت: أ رأيت إن قالت: «لا أجيز» ما يصنع؟

قال: ليس لها ذلك. أ تجيز بيعه في مالها و لا تجيز هذا؟

و عن إسحاق بن عمّار (7) قال: سألت جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- عن قول اللّه:

إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ‏ قال: المراة تعفو عن نصف الصّداق.

قلت: أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ.

قال: أبوها، إذا عفا، جاز له. و أخوها إذا كان يقيم بها. و هو القائم عليها. فهو بمنزلة الأب. يجوز له، و إذا كان الأخ لا (8) يهتمّ و لا يقيم‏ (9) عليها، لم يجز عليها أمره.

و عن رفاعة (10)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ‏ و هو

____________

(1) نفس المصدر 6/ 104- 105، ح 1.

(2) مجمع البيان 1/ 341- 342.

(3) تفسير العياشي 1/ 125، ح 408.

(4) ليس في أ.

(5) ليس في ر.

(6) المصدر: ماله.

(7) نفس المصدر 1/ 126، ح 410.

(8) المصدر: لا يهتمّ بها.

(9) المصدر: لا يقوم.

(10) نفس المصدر و نفس الموضع، ح 409.

364

الوليّ الّذي أنكح. يأخذ بعضا و يدع بعضا. و ليس له أن يدع كلّه.

و في تهذيب الأحكام‏ (1): روى ابن أبي عمير (2)، عن غير واحد من أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: و متى طلّقها قبل الدّخول بها، فلأبيها أن يعفو عن بعض الصّداق، و يأخذ بعضا. و ليس له أن يدع كلّه. و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ‏، يعني: الأب و الّذي توكّله المراة و توليه أمرها، من أخ أو قرابة و غيرهما.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في الكافي‏ (3): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، جميعا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ: وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ‏ قال: هو الأب، أو الأخ، أو الرّجل الّذي يوصى إليه. و الّذي يجوز أمره في مال المرأة. فيبتاع لها. فيتّجر (4). فإذا عفا، فقد جاز.

و ممّا يدلّ على أنّ المراد من‏ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ‏ الزّوج‏ ما رواه في من لا يحضره الفقيه‏ (5)، عن الحسن بن محبوب، عن حمّاد النّاب، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن رجل تزوّج امرأة على بستان له معروف. و له غلّة كثيرة. ثمّ مكث سنين لم يدخل بها. ثمّ طلقها.

قال: ينظر إلى ما صار إليه من غلّة البستان من يوم تزوجها. فيعطيها نصفه. و يعطيها نصف البستان، إلّا أن يعفو، فيقبل‏ (6)، و (يصلحا (7)) [ن‏] على شي‏ء يرضى‏ (8) به منه. فهو (9) أقرب للتّقوى.

و يمكن حمل عبارة الآية، على إرادة كلا المعنيين. فإنّ الزّوج و الوليّ كليهما بيدهما عقدة النّكاح، للجمع بين الأخبار.

____________

(1) تهذيب الأحكام 6/ 215- 216، ذيل ح 507.

(2) المصدر: محمد بن أبي عمير.

(3) الكافي 6/ 106، ح 2. و فيه: صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، و عليّ، عن أبيه و عدة من أصحابنا ...

(4) المصدر: فتجيز. (ظ)

(5) من لا يحضره الفقيه 3/ 272، ح 1292.

(6) المصدر: تعفو فتقبل. (ظ)

(7) كذا في المصدر و في النسخ.

(8) المصدر: ترضى. (ظ)

(9) المصدر: فانّه. (ظ)