تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب‏ - ج3

- محمد بن محمد رضا القمي المشهدي المزيد...
603 /
73

و وصفهم لعباده، فقال- عزّ و جلّ من قائل-: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏، فأنتم صفوة اللّه من آدم و نوح و آل إبراهيم و آل عمران، و أنتم الأسرة من إسماعيل، و العترة الهادية من محمّد- (صلوات اللّه عليهم أجمعين)-.

و في عيون الأخبار (1)، في باب ذكر مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع المأمون في الفرق بين العترة و الأمّة في حديث طويل و فيه: فقال المأمون: هل فضّل اللّه العترة على سائر النّاس؟

فقال أبو الحسن- (عليه السلام)-: إنّ اللّه تعالى أبان فضل العترة على سائر النّاس في محكم كتابه.

فقال له المأمون: اين ذلك من كتاب اللّه؟

فقال الرّضا- (عليه السلام)-: في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ.

وَ آلَ عِمْرانَ‏:

آله موسى و هرون ابنا عمران بن يصهر (2).

و قيل‏ (3): عيسى [و مريم بنت عمران بن ماثان، و بين العمرانين ألف و ثمان مائة سنة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قال العالم- (عليه السلام)-:] (5) نزل آل إبراهيم‏ (6) و آل عمران و آل محمّد على العالمين، فأسقطوا آل محمّد من الكتاب.

و في مجمع البيان‏ (7): و في قراءة أهل البيت- (عليه السلام)-: و آل محمّد على العالمين.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (8): عن هشام بن سالم قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)-

____________

(1) عيون أخبار الرضا 1/ 230، ضمن حديث 1.

(2) و هو ابن قاهث بن لاوى بن يعقوب. ر. مجمع البيان ذيل آية ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ‏.

(3) ر. أنوار التنزيل 1/ 156- 157.

(4) تفسير القمي 1/ 100.

(5) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(6) «آل إبراهيم» ليس في المصدر.

(7) مجمع البيان 1/ 433.

(8) تفسير العياشي 1/ 168، ح 29. و «تفسير العياشي» ليس في أ.

74

عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً.

فقال: هو آل إبراهيم و آل محمّد على العالمين فوضعوا اسما مكان اسم.

عَلَى الْعالَمِينَ‏ (33):

قيل‏ (1): فيه دلالة ظاهرة (2) على تفضيلهم على الملائكة. [و قد مرّ ما فيه في سورة البقرة.] (3)

و في كتاب الخصال‏ (4): عن أبي الحسن الأوّل- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- اختار من كلّ شي‏ء أربعة- إلى أن- قال: و اختار من البيوتات‏ (5) أربعة، فقال- تعالى-: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ.

و عن جعفر بن محمّد (6)، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب- (عليهم السلام)- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال في وصيّة له‏: يا عليّ إنّ اللّه- عزّ و جلّ- أشرف على الدّنيا فاختارني منها على رجال العالمين، ثمّ اطّلع الثّانية فاختارك على رجال العالمين بعدي، ثمّ اطّلع الثّالثة فاختار الأئمّة من ولدك على رجال العالمين بعدك، ثمّ اطّلع الرّابعة فاختار فاطمة على نساء العالمين.

[و في عيون الأخبار (7) في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- عند المأمون مع أهل الملل و المقالات، و ما أجاب عليّ بن محمّد بن الجهم في عصمة الأنبياء- (صلوات اللّه عليهم)- حديث طويل يقول فيه الرّضا- (عليه السلام)-: أمّا قوله- عزّ و جلّ- في آدم:

وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏، فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق آدم حجّة في أرضه و خليفته في بلاده لم يخلقه للجنّة، و كانت المعصية من آدم- (عليه السلام)- في الجنّة لا في الأرض، و عصمته تجب أن يكون في الأرض ليتمّ مقادير أمر اللّه- عزّ و جلّ- فلمّا أهبط إلى الأرض و جعل حجّة و خليفة عصم بقوله- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ.

____________

(1) مجمع البيان 1/ 433.

(2) أ: صريحة.

(3) ليس في أ.

(4) الخصال/ 225، ضمن حديث 58.

(5) النسخ: البيوت. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(6) نفس المصدر/ 206، ح 25.

(7) عيون أخبار الرضا 1/ 192- 193.

75

و فيه‏ (1)، في باب مجلس آخر للرّضا- (عليه السلام)- عند المأمون في عصمة الأنبياء- (عليهم السلام)- حديث طويل و فيه يقول- (عليه السلام)-: و كان ذلك من آدم قبل النّبوّة، و لم يكن ذلك بذنب كبير استحقّ به دخول النّار، و إنّما كان من الصّغائر الموهوبة الّتي تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي عليهم. فلمّا اجتباه اللّه تعالى و جعله نبيّا كان معصوما لا يذنب صغيرة و لا كبيرة. قال اللّه تعالى: وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏، ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى‏ (2). و قال- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ.] (3)

ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ‏: حال، أو بدل من الآلين، أو منهما و من نوح، أي:

أنّهم ذرّيّة واحدة متشعبة بعضها من بعض في الدّين.

و الذّرّيّة الولد، فعليّة من الذّرا، و فعولة من الذّرء، أبدلت همزتها ياء، ثمّ قلبت الواو ياء و أدغمت.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (4): بإسناده إلى محمّد بن الفضيل‏ (5)، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر- (عليهما السلام)- في حديث طويل يقول فيه- (عليه السلام)‏: فلمّا قضى محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- نبوّته و استكملت أيامه أوصى اللّه- عزّ و جلّ- إليه: أن يا محمّد قد قضيت نبوّتك و استكملت أيّامك، فاجعل العلم الّذي عندك و الإيمان و الاسم الأكبر و ميراث العلم و آثار علم النّبوّة عند عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-. فإنّي لم أقطع العلم و الإيمان و الاسم الأكبر و ميراث العلم و آثار علم النّبوّة من العقب من ذرّيّتك، كما لم أقطعها من بيوتات الأنبياء الّذين كانوا بينك و بين أبيك آدم. و ذلك قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.

و في روضة الكافي‏ (6): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد

____________

(1) نفس المصدر 1/ 196.

(2) المصدر: «فهدى». و ما أثبتناه في المتن موافق الأصل و القرآن المجيد.

(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(4) كمال الدين و تمام النعمة/ 217.

(5) النسخ: محمد بن الفضل. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(6) الكافي 8/ 117، ضمن حديث 92.

76

بن الفضل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- مثله.

و في أصول الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن إبراهيم، عن يونس، عن هشام بن الحكم‏ (2)- في حديث بريّة لما جاء معه إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) فلقى أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) فحكى له هشام الحكاية فلمّا فرغ- قال‏ (3) أبو الحسن لبريّة: يا بريّة كيف علمك بكتابك؟

قال: أنا به عالم.

ثمّ قال: كيف ثقتك بتأويله؟

قال: ما أوثقني بعلمي فيه.

قال: فابتدأ أبو الحسن- (عليه السلام)- يقرأ الإنجيل.

فقال بريّة: إيّاك كنت أطلب منذ خمسين سنة، أو مثلك.

قال: فآمن‏ (4) بريّة و حسن إيمانه، و آمنت المرأة الّتي كانت معه، فدخل هشام و بريّة و المرأة على أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-. فحكى له هشام الكلام الّذي جرى بين أبي الحسن موسى- (عليه السلام)- و بين بريّة.

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.

فقال بريّة: أنّى لكم التّوراة و الإنجيل و كتب الأنبياء؟

قال: هي عندنا وراثة من عندهم، نقرؤها كما قرؤوها، و نقولها كما قالوا، إنّ اللّه لا يجعل حجّة في أرضه يسأل عن شي‏ء، فيقول: لا ادري.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (5): عن أحمد بن محمّد، عن الرّضا، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: من زعم أنّه قد فرغ من الأمر فقد كذب، لأنّ المشيئة للّه في خلقه يريد ما يشاء و يفعل ما يريد. قال اللّه: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. آخرها من أوّلها. و أوّلها من آخرها. فإذا أخبرتم بشي‏ء منها بعينه أنّه كائن‏ (6)، و كان في غيره منه، فقد وقع الخبر (7) على ما أخبرتم عنه.

____________

(1) الكافي 1/ 227، ح 1.

(2) «بن الحكم» ليس في أ.

(3) ر: قال له.

(4) رو الأصل: «فقال آمن». أ: «و قال و آمن». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(5) تفسير العياشي 1/ 169، ح 32.

(6) النسخ: كان. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(7) النسخ: في الخبر. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

77

أبو عمرو الزّبيريّ‏ (1)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏: قلت [له:] (2) ما الحّجة في كتاب اللّه أنّ آل محمّد هم أهل بيته؟

قال: قول اللّه- تبارك و تعالى-: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ‏ (3) وَ آلَ عِمْرانَ‏ و آل محمّد- هكذا نزلت- عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏ و لا يكون الذّرّيّة من القوم إلّا نسلهم من أصلابهم. و قال‏ (4): اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ و آل عمران و آل محمّد.

و في كتاب المناقب‏ (5) لابن شهر آشوب: أنّ عليّا- (عليه السلام)- قال لابنه الحسن- (عليه السلام)-: اجمع النّاس، فاجتمعوا، فأقبل فخطب‏ (6) النّاس، فحمد اللّه و أثنى عليه، و تشهّد ثمّ قال: أيّها النّاس إنّ اللّه اختارنا لنفسه، و ارتضانا لدينه، و اصطفانا على خلقه، و أنزل علينا كتابه و وحيه. و أيم اللّه لا ينقصنا (7) أحد من حقّنا شيئا إلّا انتقصه‏ (8) اللّه من حقّه في عاجل دنياه و آجل‏ (9) آخرته، و لا تكون علينا دولة إلّا كانت لنا العاقبة، و لتعلمنّ نبأه بعد حين، ثمّ نزل و جمع‏ (10) بالنّاس، و بلغ أباه فقبّل بين عينيه. ثم قال: بأبي و أمّي‏ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.

و ممّا جاء في معنى الاصطفاء،

ما رواه [في شرح الآيات الباهرة (11) عن‏] (12) الشّيخ الطّوسيّ- (قدس اللّه روحه)- قال: روى أبو جعفر القلانسيّ قال: حدّثنا الحسين بن الحسن قال: حدّثنا عمرو بن أبي المقدام، عن يونس بن ضباب‏ (13) عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر، عن أبيه، عن جدّه عن عليّ بن أبي طالب- (صلوات اللّه عليهم أجمعين)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما بال أقوام إذا ذكروا آل إبراهيم و آل‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع، ح 35.

(2) من المصدر.

(3) «و آل إبراهيم» ليس في أ.

(4) سبأ/ 13.

(5) المناقب 4/ 11.

(6) المصدر: و خطب.

(7) المصدر: لا ينتقصنا.

(8) ر: انقصه.

(9) ليس في المصدر.

(10) المصدر: فجمع.

(11) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط/ 38.

(12) ليس في أ.

(13) النسخ: جناب. تفسير البرهان: 1/ 279: حباب. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

78

عمران استبشروا، و إذا ذكروا آل محمّد اشمأزّت قلوبهم، و الّذي نفس محمّد بيده لو أنّ أحدهم وافى بعمل سبعين نبيّا يوم القيامة ما قبل اللّه منه حتّى يوافي بولايتي و ولاية عليّ بن أبي طالب- (عليهما السلام)-.

[و في روضة الكافي‏ (1): عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس‏ (2)، عن عليّ بن حمّاد، عن عمرو بن شمر، عن جابر عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ (3) فأصل الشّجرة (4) المباركة إبراهيم- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو قول اللّه- عزّ و جلّ‏ (5)-: رَحْمَتُ اللَّهِ وَ بَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

و في أمالي الصّدوق‏ (6)- (رحمه اللّه)-: بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏:

قال محمّد بن أشعث بن قيس الكنديّ للحسين- (عليه السلام)-: يا حسين بن فاطمة أيّة حرمة لك من رسول اللّه ليست لغيرك؟ فتلا الحسين- (عليه السلام)- هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ‏ (الآية) [ثمّ‏] (7) قال: و اللّه إنّ محمّدا لمن آل إبراهيم و [إنّ‏] (8) العترة الهادية لمن آل محمّد.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة]. (9) وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏ (34): بأقوال النّاس و أعمالهم، فيصطفي من له المصلحة في اصطفائه.

قيل‏ (10): أو سميع بقول امرأة عمران، عليم بنيّتها.

إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي‏: فينتصب به «إذ» أو بإضمار «اذكر» و هذه حنّة بنت فاقودا جدّة عيسى.

____________

(1) الكافي 8/ 379- 381، ضمن حديث 574.

(2) الأصل: العباد. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(3) النور/ 35.

(4) الأصل: الشجر. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(5) هود/ 73.

(6) أمالي الصدوق/ 134.

7 و 8- من المصدر.

(9) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(10) أنوار التنزيل 1/ 157.

79

و أمّا

ما روي في أصول الكافي‏ (1): «عن أحمد بن مهران و عليّ بن إبراهيم جميعا، عن محمّد بن عليّ، عن الحسن‏ (2) بن راشد، عن يعقوب بن جعفر بن إبراهيم، عن أبي الحسن موسى- (عليه السلام)- أنّه قال لرجل نصرانيّ: أمّا أمّ مريم فاسمها مرثا (3)، و هي وهيبة.

بالعربيّة»

، فمحمول على تعدّد الاسم، و سيأتي في الخبر أنّ اسمها حنّة.

و قيل‏ (4): كانت لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم، أكبر من هارون و موسى، و هو المراد و زوجته، و يرده كفالة زكريا، فإنّه كان معاصرا لابن ماثان، و تزوّج ابنته يشاع‏ (5)، و كان يحيى و عيسى ابني خالة من الأب.

مُحَرَّراً: معتقا لخدمته لا أشغّله بشي‏ء، أو مخلصا للعبادة. و نصبه على الحال.

نقل‏ (6): أنّها كانت عاقرا عجوزا. فبينا هي في ظلّ شجرة إذ رأت طائرا يطعم فرخه، فحنّت إلى الولد و تمنّته، فقالت: اللّهم إنّ لك عليّ نذرا إن رزقتني ولدا أن أتصّدق به على بيت المقدس فيكون من خدمه. فحملت بمريم، و هلك عمران، و كان هذا النّذر مشروعا عندهم في الغلمان‏ (7)، فلعلّها بنت الأمر على التقدير أو طلبت ذكرا.

فَتَقَبَّلْ مِنِّي‏: ما نذرته.

إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ‏: لقولي.

الْعَلِيمُ‏ (35): بنيّتي.

فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى‏:

الضّمير لما في بطنها أنّثه، لأنّه كان مؤنّثا. أو لأنّ أنثى حال عنه، و الحال و صاحبها واحد بالذّات. أو على تأويل مؤنّث، كالنّفس. و لفظه خبر، و معناه تحسّر.

وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ‏: استئناف من اللّه، تعظيما لموضوعها.

و قرأ عامر و أبو بكر عن عاصم و يعقوب: «وضعت» على أنّه من كلامها، تسلية لنفسها، أي، و لعلّ للّه فيه سرّا، أو الأنثى كانت خيرا. و قرئ وضعت، على خطاب اللّه‏

____________

(1) الكافي 1/ 478- 479، ضمن حديث 4.

(2) النسخ: الحسين. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: مرتاد.

(4) أنوار التنزيل 1/ 157.

(5) هكذا في المصدر. و في الأصل: «ايشاع» و في ر: الايشاع.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) المصدر: «في عهدهم للغلمان» بدل «عندهم في الغلمان».

80

- تعالى- لها (1).

و في أصول الكافي‏ (2): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه جميعا عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏: إنّ اللّه أوحى إلى عمران: إنّي واهب [لك‏] (3) ذكرا، سويّا مباركا، يبرئ الأكمه و الأبرص، و يحيي الموتى بإذن اللّه، و جاعله رسولا إلى بني إسرائيل. فحدّث عمران امرأته حنّة بذلك، و هي أمّ مريم، فلمّا حملت كان حملها بها عند نفسها غلام، فلمّا وضعتها قالت: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى‏ ... وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى‏ (4)، و لا تكون البنت رسولا.

يقول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ. فلمّا وهب اللّه [تعالى لمريم‏] (5) عيسى كان هو الّذي بشّر به عمران و وعده إيّاه، فإذا قلنا في الرّجل منّا شيئا فكان‏ (6) في ولده أو ولد ولده، فلا تنكروا ذلك.

وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى‏:

و اللام فيها للعهد، أي: ليس الذّكر الّذي طلبت كالأنثى الّتي وهبت. فيكون بيانا لقوله: وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ‏ أو للجنس، بمعنى، و ليس الذّكر و الأنثى سواء فيما نذرت، فيكون من قولها.

[و في تفسير العيّاشيّ‏ (7)] (8) عن حفص بن البختريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه تعالى: إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً، المحرّر يكون في الكنيسة لا يخرج‏ (9) منها. فلمّا وضعتها أنثى قالت: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى‏ [وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ‏] (10) وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى‏. [إنّ‏] (11) الأنثى تحيض فتخرج من المسجد، و المحرّر لا يخرج من المسجد.

وَ إِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ‏: عطف على ما سبق من قولها، و ما بينهما اعتراض. و إنّما ذكرت ذلك لربّها، تقرّبا إليه، و طلبا لأن يعصمها و يصلحها، حتّى يكون فعلها مطابقا

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) الكافي 1/ 535، ح 1.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: «أى» بدل «و».

(5) من المصدر.

(6) المصدر: و كان.

(7) تفسير العياشي 1/ 170، ح 37.

(8) ليس في أ.

(9) المصدر: و لا يخرج.

10 و 11- من المصدر.

81

لاسمها، فإنّ مريم في لغتهم، العابدة.

وَ إِنِّي أُعِيذُها بِكَ‏: أجيرها بحفظك، وَ ذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ‏ (36) المطرود. من الرّجم، بمعنى: الطّرد بالحجارة.

[و في تفسير العيّاشيّ‏ (1):] (2) عن سعد الإسكاف، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: لقى إبليس عيسى بن مريم فقال: هل نالني من حبائلك شي‏ء؟

قال: جدّتك الّتي قالت: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى‏- إلى- الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ.

و في أمالي الشّيخ‏ (3): بإسناده إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- في حديث طويل، يذكر فيه تزويج فاطمة الزّهراء- (عليها السلام)- و ما أكرمه به النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)- و فيه يقول- (عليه السلام)-: ثم أتاني فأخذ بيدي، فقال: قم بسم اللّه و قم‏ (4) على بركة اللّه و ما شاء اللّه لا قوّة إلّا باللّه توكّلت على اللّه، ثمّ جاء بي حتّى‏ (5) أقعدني عندها- (عليها السلام)- ثمّ قال: اللّهم إنّهما أحبّ خلقك إليّ، فأحبّهما و بارك في ذرّيّتهما و اجعل عليهما منك حافظا [و] (6) إنّي أعيذهما بك و ذرّيّتهما (7) من الشّيطان الرّجيم.

فَتَقَبَّلَها رَبُّها: فرضي بها في النّذر مكان الذّكر.

بِقَبُولٍ حَسَنٍ‏: بوجه يقبل به النّذائر. و هو إقامتها مقام الذّكر، و تقبّلها عقيب ولادتها قبل أن تكبر و تصلح للسّدانة.

قال البيضاويّ‏ (8): روي أنّ حنّة لمّا ولدتها، لفّتها في خرقة و حملتها إلى المسجد و وضعتها عند الأحبار، و قالت: دونكم هذه النّذيرة. فتنافسوا فيها. لأنّها كانت بنت إمامهم و صاحب قربانهم. فإنّ بني ماثان كانت رؤوس بني إسرائيل و ملوكهم. فقال زكريا: أنا أحقّ بها، لأنّ‏ (9) عندي خالتها. فأبوا إلّا القرعة و كانوا سبعة و عشرين. فانطلقوا إلى نهر. فألقوا فيه أقلامهم. فطفا قلم زكريا و رسبت أقلامهم. فتكفّلها.

____________

(1) نفس المصدر 1/ 171، ح 40.

(2) ليس في أ.

(3) أمالي الطوسي 1/ 38.

(4) المصدر: قل.

(5) المصدر: «جاءني حين» بدل «جاء بي حتّى».

(6) من المصدر.

(7) المصدر: ذرّيتهما بك.

(8) أنوار التنزيل 1/ 158.

(9) ليس في المصدر.

82

و يجوز أن يكون مصدرا، على تقدير مضاف، أي، بذي قبول حسن. و أن يكون تقبّل بمعنى استقبل، كتقضّى و تعجّل، أي، فأخذها في أوّل أمرها، حين ولدت، بقبول حسن.

وَ أَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً: مجاز عن تربيتها، بما يصلحها، في جميع أحوالها.

وَ كَفَّلَها زَكَرِيَّا:

شدّد الفاء حمزة و الكسائي و عاصم، و قصروا زكريّا غير عاصم، في رواية ابن عيّاش، على أنّ الفاعل هو اللّه، و زكريّا مفعول. و خفّف الباقون، و مدّوا زكريّا مرفوعا (1).

كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ‏، أي: الغرفة الّتي بنيت لها، أو المسجد، أو أشرف مواضعه. و مقدمها سمي به، لأنّه محلّ محاربة الشّيطان.

وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً: جواب «كلّما» و ناصبه.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (2): و في رواية حريز، عن أحدهما- (عليهما السلام)- [قال‏:] (3) نذرت ما في بطنها للكنيسة أن يخدم‏ (4) العباد، و ليس الذّكر كالأنثى في الخدمة.

قال: فنبتت، و كانت‏ (5) تخدمهم و تناولهم حتّى بلغت، فأمر زكريّا أن تتّخذ لها حجابا دون العباد، و كان‏ (6) يدخل عليها فيرى عندها ثمرة الشّتاء في الصّيف و ثمرة الصّيف في الشّتاء. فهنالك دعا و سأل ربّه أن يهب له ذكرا، فوهب له يحيى.

قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا: من أين لك هذا الرّزق الآتي في غير أوانه، و الأبواب مغلّقة عليك؟

قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ‏: فلا تستبعد.

إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ‏ (37): بغير تقدير لكثرته، أو بغير استحقاق تفضّلا به. و هو يحتمل أن يكون من كلامها، و أن يكون من كلام اللّه.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (7): عن إسماعيل الجعفيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: إنّ امرأة عمران لمّا نذرت ما في بطنها محرّرا، قال: [و] (8) المحرّر للمسجد إذا وضعته‏ (9)

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تفسير العياشي 1/ 170، ح 38.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: تخدم.

(5) المصدر: «فشبّت فكانت» بدل «فنبتت و كانت».

(6) المصدر: فكان.

(7) نفس المصدر و الموضع، ح 36.

(8) من المصدر.

(9) المصدر: [أو]

83

و أدخل المسجد فلم يخرج من المسجد أبدا. فلمّا ولدت مريم قالت: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى‏ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى‏ وَ إِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَ إِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَ ذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ. فساهم‏ (1) عليها [النبيّون‏] (2) فأصاب القرعة زكريّا- و هو زوج أختها- و كفّلها و أدخلها المسجد، فلمّا بلغت ما تبلغ النّساء من الطّمث، و كانت أجمل النّساء و كانت تصلي فيضي‏ء (3) المحراب لنورها. فدخل عليها زكريّا فإذا عندها فاكهة الشّتاء في الصّيف و فاكهة الصّيف في الشّتاء.

فقال: أَنَّى لَكِ هذا؟ قالَتْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.

فهنالك‏ (4) دعا زكريّا ربّه، قال: إنّي خفت الموالي من و رائي، إلى ما ذكره‏ (5) اللّه من قصّة زكريّا و يحيى‏ (6).

و فيه‏ (7) أيضا: عن سيف، عن نجم عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: إنّ فاطمة- (عليها السلام)- ضمنت لعلي- (عليه السلام)- عمل البيت و العجين و الخبز و قم‏ (8) البيت، و ضمن لها عليّ- (عليه السلام)- ما كان خلف الباب [من‏] (9) نقل الحطب و أن يجي‏ء بالطّعام، فقال لها يوما: يا فاطمة هل عندك شي‏ء؟

قالت: لا و الّذي عظّم حقّك [ما كان‏] (10) عندنا منذ ثلاثة أيّام‏ (11) شي‏ء نقريك به.

قال: أفلا أخبرتني.

قالت: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نهاني أن أسألك شيئا فقال:

لا تسألي ابن عمّك شيئا، إن جاءك بشي‏ء عفوا و إلّا فلا تسأليه.

قال: فخرج- (عليه السلام)- فلقى رجلا، فاستقرض منه دينارا، ثمّ أقبل به و قد

____________

(1) النسخ: فساهموا. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: «فكانت تصلّي و يضي‏ء» بدل «و كانت تصلّي فيضي‏ء».

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: هنا لك.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: ذكر.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: يحيى و زكريّا.

(7) نفس المصدر 1/ 171، ح 41.

(8) قمّ البيت: كنسه.

(9) من المصدر.

(10) من المصدر.

(11) النسخ: «ثلث الّا» بدل «ثلاثة أيّام».

84

أمسى فلقى مقداد بن الأسود، فقال للمقداد، ما أخرجك في هذه السّاعة؟

قال: الجوع، و الّذي عظّم حقّك يا أمير المؤمنين.

قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: و رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حيّ؟

قال: و رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حيّ.

قال: فهو أخرجني، و قد استقرضت دينارا و سأؤثرك به. فدفعه إليه، فأقبل فوجد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- جالسا و فاطمة تصلّي و بينهما شي‏ء مغطّى. فلمّا فرغت أحضرت ذلك الشي‏ء فإذا جفنة من خبز و لحم.

قال: يا فاطمة أنّى لك هذا؟

قالت: هو من عند اللّه، إنّ اللّه يرزق من يشاء بغير حساب.

فقال: رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ألا أحدثك بمثلك و مثلها؟

قال: بلى.

قال: مثل زكريّا إذا دخل على مريم المحراب فوجد عندها رزقا، قالَ: يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا؟ قالَتْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ. فأكلوا منها شهرا، و هي الجفنة الّتي يأكل منها القائم- (عليه السلام)- و هي عندنا.

[و في شرح الآيات الباهرة (1):] (2) نقل الشّيخ أبو جعفر الطّوسي- (رحمه اللّه)- في كتاب مصباح الأنوار، بحذف الإسناد قال: روي عن أبي سعيد الخدريّ قال‏: أصبح عليّ- (عليه السلام)- ذات يوم، فقال لفاطمة- (عليها السلام)-: هل عندك شي‏ء نغتذيه؟

فقالت: لا و الّذى أكرم أبي بالنّبوّة و أكرمك بالوصيّة، ما أصبح الغداة عندي منذ يومين شي‏ء إلّا كنت‏ (3) أؤثرك به على نفسي و على ابني الحسن و الحسين.

فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: يا فاطمة ألا كنت أعلمتني فأبغيكم شيئا.

فقالت: يا أبا الحسن إنّي لأستحي من إلهي أن تكلّف نفسك ما لا تقدر عليه‏ (4).

____________

(1) الأصل و أ: اجترت ر: أخبرت و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(2) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط/ 39- 40.

(3) النسخ: «إلّا شي‏ء» بدل «منذ يومين شي‏ء إلّا كنت». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: به.

85

فخرج عليّ- (عليه السلام)- من عندها واثقا باللّه و حسن الظّنّ به. فاستقرض دينارا.

فأخذه ليشتري به ما يصلحهم. فعرض له المقداد بن الأسود- (رضوان اللّه عليه)- و كان يوما شديد الحرّ و قد لوّحته الشّمس من فوقه و آذته من تحته. فلمّا رآه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنكر شأنه، فقال له: يا مقداد ما أزعجك السّاعة من رجلك‏ (1).

فقال: يا أبا الحسن خلّ سبيلي و لا تسألني عمّا ورائي.

فقال: يا أخي لا يسعني أن تجاوزني حتّى أعلم علمك.

فقال: يا أبا الحسن رغبت إلى اللّه و إليك أن تخلّ سبيلي و لا تكشفني عن حالتي.

فقال: يا أخي لا يسعك أن تكتمني حالك.

فقال: يا أبا الحسن أما أذا أبيت، فو الّذى أكرم محمّدا بالنّبوّة و أكرمك بالوصيّة، ما أزعجني من رجلي‏ (2) إلّا الجهد، و قد تركت عيالي جياعا، فلمّا سمعت بكاءهم لم تحملني الأرض، خرجت مهموما راكبا رأسي، هذه حالتي و قصّتي.

قال: فانهملت عينا عليّ بالبكاء حتّى بلّت دموعه كريمته. فقال: أحلف بالّذي حلفت به ان ما أزعجني إلّا الّذي أزعجك، و قد اقترضت دينارا فهاكه أؤثرك به على نفسي. فدفع إليه الدّينار و رجع. فدخل المسجد فسلّم.

فردّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- السّلام و قال: يا أبا الحسن هل عندك عشاء نتعشّاه‏ (3) فنقبل‏ (4) معك؟ فمكث أمير المؤمنين- (عليه السلام)- مطرقا لا يحير جوابا، حياء من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و كان قد عرّفه اللّه ما كان من أمر الدّينار، و من أين وجهه بوحي من اللّه، و أمره‏ (5) أن يتعشّى عند عليّ تلك اللّيلة، فلمّا نظر إلى سكوته قال: يا أبا الحسن ما لك لا تقول: لا، فأنصرف عنك، او: نعم، فامضي معك؟

فقال: حبّا و كرامة اذهب بنا، فأخذ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بيد أمير المؤمنين و انطلقا حتّى دخلا على فاطمة- (صلوات اللّه عليها و عليهم أجمعين)- و هي في محرابها قد قضت صلاتها و خلفها جفنة تفور دخانا، فلمّا سمعت كلام رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- خرجت من مصلاها و سلّمت عليه و كانت أعزّ (6) النّاس عليه،

____________

(1) كذا في النسخ و المصدر. و لعله «رحلك».

(2) أيضا يمكن أن يكون «رحلي».

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: تعشيناه.

(4) المصدر: «فيميل» أو «فنميل».

(5) النسخ: «يأمره» بدل «و أمره».

(6) أ: آخر.

86

فرّد (عليها السلام) و مسح بيده‏ (1) على رأسها، و قال: يا بنتاه كيف أمسيت يرحمك اللّه؟

قالت: بخير.

قال: عشّينا، رحمك اللّه. و قد قعد، فأخذت الجفنة و وضعتها بين يدي رسول اللّه و عليّ- صلّى اللّه عليهما و آلهما- فلمّا نظر أمير المؤمنين إلى الطّعام و شمّ ريحه [رمى فاطمة ببصره رميا شحيحا.

فقالت له فاطمة: سبحان اللّه، ما أشحّ نظرك و أشدّه! فهل أذنبت فيما بيني و بينك ذنبا أستوجب به السّخطة منك؟

فقال: و أي ذنب أعظم من ذنب أصبت اليوم؟ أليس عهدي بك و أنت تحلفي باللّه مجتهدة أنّك ما طعمت طعاما منذ يومين؟

فنظرت إلى السّماء و قالت: إلهي يعلم ما في سمائه و أرضه أنّي لم أقل إلّا حقّا.] (2) فقال لها: يا فاطمة فأنّى لك هذا الطّعام، الّذي لم أنظر إلى مثل لونه، و لم أشمّ مثل ريحه قطّ، و لم آكل أطيب منه؟

قال: فوضع النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- كفّه المباركة على كتف عليّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و هزّها ثمّ هزّها ثلاث مرّات، [ثمّ‏] (3) قال: يا عليّ هذا بدل دينارك، هذا جزاء (4) دينارك من عند اللّه، إنّ اللّه يرزق من يشاء بغير حساب. ثمّ استعبر باكيا و قال: الحمد للّه الّذي أبى لكما أن يخرجكما من الدّنيا حتّى يجريك يا عليّ مجرى زكريا، و يجريك يا فاطمة مجرى مريم بنت عمران، و هو قوله تعالى: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً. قالَ: يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا. قالَتْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ.

هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ‏: في ذلك المكان، أو في ذلك الوقت- و هنا و ثمّ و حيث، تستعار للزّمان- لمّا رأى كرامة مريم و منزلتها من اللّه. أو لمّا رأى الفواكه في غير أوانها، تنبّه لجواز ولادة العاقر من الشّيخ، فسأل ربّه.

قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً: كما وهبتها لحنّة العجوز العاقر.

إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (38) مجيبه.

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: يده.

(2) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.

(3) من المصدر.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: أجر.

87

و في عيون الأخبار (1): بإسناده إلى الرّيّان بن شبيب قال‏: دخلت على الرّضا- (عليه السلام)- في أوّل يوم من المحرّم، فقال لي: يا بن شبيب أصائم أنت؟

فقلت‏ (2): لا.

فقال: إنّ هذا اليوم هو اليوم الّذي دعا فيه زكريا- (عليه السلام)- ربّه- عزّ و جلّ- فقال: رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ، فاستجاب اللّه له، و أمر الملائكة فنادت زكريّا: وَ هُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى‏ مُصَدِّقاً (3).

فمن صام هذا اليوم، ثمّ دعا اللّه تعالى استجاب اللّه تعالى له، كما استجاب [اللّه‏] (4) لزكريا- (عليه السلام)-.

و في الكافي‏ (5): محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن رجل، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه‏ (6)- (عليه السلام)- قال‏: من أراد أن يحبل له، فليصلّ ركعتين بعد الجمعة يطيل فيهما الرّكوع و السّجود، ثمّ يقول: اللّهمّ إنّي أسألك بما سألك به زكريا- (عليه السلام)- إذ قال: ربّ لا تذرني فردا و أنت خير الوارثين، اللّهمّ هب لي ذرّيّة طيّبة إنّك سميع الدّعاء، اللّهمّ باسمك استحللتها و في أمانتك أخذتها، فإن قضيت في رحمها ولدا، فاجعله غلاما، و لا تجعل للشّيطان فيه نصيبا و لا شريكا.

و في مجمع البيان‏ (7): و روى الحارث بن المغيرة (8) قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّي من أهل بيت قد انقرضوا و ليس لي ولد.

فقال: ادع اللّه‏ (9) و أنت ساجد: ربّ هب لي من لدنك ذرّيّة طيّبة إنّك سميع الدّعاء، رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ. (10) قال: ففعلت‏ (11)، فولد [لي‏] (12) عليّ و الحسين.

فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ، أي: من جنسهم، كقولهم: زيد يركب الخيل. فإنّ المنادي ملك.

____________

(1) عيون أخبار الرضا 1/ 299 ح 58.

(2) المصدر: قلت.

(3) ليس في المصدر.

(4) من المصدر.

(5) الكافي 3/ 482، ح 3.

(6) أو المصدر: أبي جعفر.

(7) مجمع البيان 4/ 61.

(8) هكذا في أ. و في الأصل و المصدر: الحرث بن المغيرة.

(9) ليس في المصدر.

(10) الأنبياء/ 89.

(11) هكذا في المصدر. و في النسخ: فقلت.

(12) من المصدر.

88

و قرأ حمزة و الكسائيّ «فناديه» بالإمالة و التّذكير (1).

وَ هُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ‏، أي: قائما في الصّلاة. و يصلّي، صفة قائم. أو خبر آخر. أو حال أخرى. أو حال عن الضّمير في «قائم».

و في من لا يحضره الفقيه‏ (2): و قال الصّادق- (عليه السلام)-: إنّ طاعة اللّه- عزّ و جلّ- خدمته في الأرض، و ليس شي‏ء من خدمته يعدل الصّلاة، فمن ثمّ نادت الملائكة زكريّا، و هو قائم يصلّي في المحراب.

أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى‏، أي، بأنّ اللّه.

و قرأ نافع و ابن عامر (3) «بالكسر» على إرادة القول، أو لأنّ النّداء نوع منه.

و قرأ حمزة و الكسائي «يبشّرك» من الإبشار (4).

و يحيى، أعجميّ و إن جعل عربيّا، فمنع صرفه للتّعريف، و وزن الفعل.

مُصَدِّقاً: حال من «يحيى»، بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ‏، أي: بعيسى. سمّي بذلك، لأنّه وجد بأمره تعالى من دون أب. أو بكتاب اللّه، سمّي بها تسمية للكلّ باسم جزئه، وَ سَيِّداً: يسود قومه و يفوقهم بالعصمة، لأنّه كان نبيّا، وَ حَصُوراً: مبالغا في حبس النّفس عن الشّهوات و الملاهي.

و نقل‏ (5): أنّه مرّ [في صباه‏] (6) بصبيان، فدعوه إلى اللّعب، فقال: ما للّعب خلقت.

و في مجمع البيان‏ (7): حصورا [: و هو الّذي‏ (8) لا يأتي النّساء. و هو المرويّ عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-.

وَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ‏ (39): ناشئا منهم، أو كائنا من عداد من لم يأت كبيرة و لا صغيرة.

في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (9): بإسناده إلى محمّد بن إسماعيل القرشيّ،

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 159.

(2) من لا يحضره الفقيه 1/ 133، ح 623.

(3) النسخ: «و قرأ نافع و حمزة و ابن عامر.» و هي خطأ بدلالة المصدر. و هو أنوار التنزيل 1/ 159.

(4) أنوار التنزيل 1/ 159.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) من المصدر.

(7) مجمع البيان 1/ 438.

(8) من المصدر.

(9) كمال الدين و تمام النعمة/ 225- 226.

89

عمّن حدّثه، عن إسماعيل بن أبي رافع، عن أبيه، عن أبيّ قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قد ذكر عيسى بن مريم- (عليهما السلام)-: فلمّا أراد اللّه أن يرفعه أوحى إليه أن يستودع‏ (1) نور اللّه و حكمته و علم كتابه شمعون بن حمّون الصّفا خليفته على المؤمنين، ففعل ذلك، فلم يزل شمعون في قومه‏ (2) يقوم بأمر اللّه- عزّ و جلّ- و يهتدي‏ (3) بجميع مقال عيسى- (عليه السلام)- في قومه من بني إسرائيل و يجاهد الكفّار، فمن أطاعه و آمن به و بما (4) جاء به كان مؤمنا، و من جحده و عصاه كان كافرا، حتّى استخلص ربّنا- تبارك و تعالى- و بعث في عباده نبيّا من الصّالحين و هو يحيى بن زكريّا، فمضى‏ (5) شمعون و ملك عند ذلك أردشير بن بابكان‏ (6) أربع عشرة سنة و عشرة أشهر.

و في ثمان سنين من ملكه، قتلت اليهود يحيى بن زكريّا- (عليهما السلام)- و لمّا (7) أراد اللّه- عزّ و جلّ- أن يقبضه، أوحى إليه أن يجعل الوصيّة في ولد شمعون، و يأمر الحواريّين و أصحاب عيسى بالقيام معه، ففعل ذلك، و عندها ملك سابور بن أردشير ثلاثين سنة حتّى قتله اللّه، و كمل‏ (8) علم اللّه و نوره و تفصيل حكمته في ذرّيّة يعقوب بن شمعون، و معه الحواريّون من أصحاب عيسى- (عليه السلام)- و عند ذلك ملك بخت نصر مائة سنة و سبعا و ثمانين سنة، و قتل من اليهود سبعين ألف مقاتل على دم يحيى بن زكريّا، و خرّب بيت المقدس، و تفرّقت اليهود في البلدان.

قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ‏: استبعادا من حيث العادة، أو استعظاما و تعجّبا أو استفهاما عن كيفيّة حدوثه.

وَ قَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ: أدركني كبر السّنّ.

قال البيضاويّ‏ (9): و كان‏ (10) له تسع و تسعون سنة، و لا مرأته ثمان و تسعون [سنة.] (11)

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: استودع.

(2) «في قومه» ليس في المصدر.

(3) هكذا ورد في هامش الأصل. و في متنه: «يجي‏ء». و في المصدر: «يحتذي».

(4) النسخ: «فيما» بدل «و بما». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(5) المصدر: ثم قبض.

(6) النسخ: «زاكا». تفسير نور الثقلين: «زاركا». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(7) المصدر: فلمّا.

(8) ليس في المصدر.

(9) أنوار التنزيل 1/ 159.

(10) المصدر: كانت.

(11) من المصدر.

90

وَ امْرَأَتِي عاقِرٌ: لا تلد من العقر، و هو القطع، لأنّها ذات عقر من الأولاد.

قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (40): كذلك اللّه، مبتدأ مؤخّر و خبر مقدّم، للقرينة، أي: اللّه على مثل هذه الصّفة. و يفعل ما يشاء، بيان له، أي: ما يشاء من العجائب. و هو إنشاء الولد من شيخ فان و عجوز عاقر. أو كذلك، خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر كذلك. و اللّه يفعل ما يشاء، جملة أخرى لبيان أنّه يفعل ما يريده من العجائب، أي: أنت و زوجك كبير و عاقر، و اللّه يفعل ما يشاء من خلق الولد.

و يحتمل أن يكون «كذلك» مفعولا مطلقا «ليفعل» و يكون ذلك إشارة إلى ما نعجب منه، أي: اللّه يفعل ما يشاء من العجائب مثل ذلك الفعل، أي: إنشاء الولد من الفاني و العاقر. أو إشارة إلى ما بيّنه من حالتهما، أي: الّذي يفعل ما يشاء من خلق الولد، كما أنت عليه و زوجك من الكبر و العقر.

قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً: علامة أعلم بها أنّ ذلك الصّوت من اللّه، و يكون عبادة يتدارك بها ما دخله من تلك الهبة. و ذلك لأنّه إذا جعل له آية و أوحى إليه، الآية من اللّه [عبادة و شكرا للموهبة،] (1) يعلم أنّ صوت الملائكة بأمر اللّه و وحيه، و يخضع للّه تعالى شكرا لنعمه.

في تفسير العيّاشيّ‏ (2): عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏: إنّ زكريّا لمّا دعا ربّه أن يهب له ذكرا (3)، فنادته الملائكة بما نادته [به،] (4) أحبّ أن يعلم أنّ ذلك الصّوت من اللّه، فأوحى‏ (5) إليه: أنّ آية ذلك أن يمسك لسانه عن الكلام ثلاثة أيّام، قال: فلمّا أمسك لسانه و لم يتكلّم، علم أنّه لا يقدر على ذلك إلّا اللّه، و ذلك قول اللّه:

رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ [إِلَّا رَمْزاً.

و عن حمّاد (6)، عمّن حدّثه، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال‏: لمّا سأل [زكريّا] (7) ربّه أن يهب له ذكرا، فوهب له يحيى، فدخله من ذلك، فقال: رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً. فكان يؤمئ برأسه، و هو الرّمز.

____________

(1) ليس في أ.

(2) تفسير العياشي 1/ 172، ح 43.

(3) هكذا في المصدر. في النسخ: ولدا.

(4) من المصدر.

(5) المصدر: أوحى.

(6) نفس المصدر و الموضع، ح 44.

(7) من المصدر.

91

قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ‏، أي: اللّه أوحى إليه: أنّ آيتك و عبادتك ألّا تكلّم النّاس في ثلاثة أيّام.] (1) و تخلص المّدة لذكر اللّه و شكره، قضاء لحقّ النّعمة.

إِلَّا رَمْزاً: إشارة برأسك. و أصله التحريك و منه الرّاموز للبحر. و الاستثناء منقطع.

و قيل‏ (2): متصل و المراد بالكلام ما دلّ على الضمير.

هذا إذا قرئ يمسك في الخبر الأوّل على البناء للفاعل، و إرجاع ضميره إلى زكريّا. و أمّا إذا قرئ على البناء للمفعول، أو يجعل فاعل الإمساك هو اللّه سبحانه، فالحلّ ما نقله البيضاويّ‏ (3)-، من أنّ المعنى: اجعل لي آية علامة أعرف بها الحبل، و لأستقبله‏ (4) بالبشاشة و الشّكر، و تزيح مشقّة الانتظار. قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ‏، أي:

لا تقدر على تكليم‏ (5) النّاس ثلاثا.

و قرئ: رمز، كخدم، جمع رامز. و رمز، كرسل، جمع رموز، على أنّه حال منه.

و من النّاس، بمعنى: مترامزين. كقوله:

متى تلقني فردين تزحف‏* * * زوانف‏ (6) أليتيك و تستطار

(7).

وَ اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً: أي، في أيّام الإمساك عن الكلام مع النّاس. و هو مؤكّد لما قبله، مبيّن للغرض منه.

قال البيضاويّ‏ (8): و تقييد الأمر بالكثير (9)، يدلّ على أنّه ليس للتّكرار (10). و فيه أنّه لعلّ التّقييد لتأكيد ما يفيده الأمر، فلا يدلّ على المدّعي.

وَ سَبِّحْ بِالْعَشِيِ‏: من الزّوال إلى الغروب.

و قيل‏ (11): من العصر، أو الغروب إلى ذهاب صدر اللّيل.

____________

(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(2) أنوار التنزيل 1/ 159.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: أستقبله.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: تكلم.

(6) هكذا في الأصل. و في المصدر و أ: روانف‏

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) نفس المصدر 1/ 160.

(9) هكذا في النسخ. و في المصدر: بالكثرة.

(10) هكذا في النسخ. و في المصدر: «لا يفيد التكرار» بدل «ليس للتكرار».

(11) نفس المصدر و الموضع.

92

وَ الْإِبْكارِ (41): من طلوع الفجر إلى الضّحى.

و قرئ بفتح الهمزة، جمع بكر، كسحر و أسحار (1).

وَ إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفاكِ عَلى‏ نِساءِ الْعالَمِينَ‏ (42) قال البيضاويّ‏ (2): كلّموها شفاها كرامة لها، و من أنكر الكرامة زعم أنّ ذلك كان‏ (3) معجزة لزكريّا، أو إرهاصا لنبّوة عيسى- (عليه السلام)- فإنّ الإجماع على أنّه تعالى لم يستنبئ امرأة، لقوله: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ‏ (4) قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا. و قيل: ألهموها. (انتهى) و يمكن أن يقال من قبل منكر الكرامة: لا تكون الكرامة لمن لم يكن فيه نصّ بالكرامة، و أمّا من حصل له التّخصيص بالتّنصيص كمريم و فاطمة (صلوات اللّه عليهما)، فهو بمنزلة الاستثناء.

و المقصود أنّه لا تجوز الكرامة لمن سواه، كوقوع المعجزة للأنبياء و الأئمّة، فإنّهم يتخصّصون بها، و لا يلزم من وقوع شي‏ء لأحد جواز وقوعه لكلّ أحد شرعا، و إن لم يمتنع عليه عقلا، و المجوّز وقوعه لكلّ أحد بوقوعه لبعض التبس عليه معنى الجواز، فتبصّر.

قيل‏ (5): الاصطفاء الأوّل تقبّلها من أمّها، و لم تقبل قبلها أنثى، و تفريغها للعبادة، و إغناؤها برزق الجنّة عن الكسب [، و تطهيرها عمّا يستقذر من النّساء] (6). و الثّانية هدايتها، و إرسال الملائكة إليها، و تخصيصها بالكرامات السّنيّة، كالولد من غير أب، و تبرئتها ممّا (7) قذفته اليهود بإنطاق الطّفل، و جعلها و ابنها آية للعالمين.

و الأظهر أنّ الاصطفاء الأوّل، اصطفاؤها من ذرّيّة الأنبياء و الثّاني، اصطفاؤها لولادة عيسى، من غير فحل، و تطهيرها، طهّرها من أن يكون في آبائها و أمّهاتها و في نفسها سفاح.

و قيل‏ (8): و تطهيرها ممّا (9) يستقذر من النّساء.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) هكذا في النسخ. و في المصدر: كانت.

(4) ليس في المصدر.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) من المصدر.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: عمّا.

(8) نفس الموضع و المصدر.

(9) هكذا في النسخ. و في المصدر: عمّا.

93

و ينافيه ظاهر ما سبق في الخبر من قوله: فلمّا بلغت ما يبلغ النّساء من الطّمث.

و أمّا ما رواه العيّاشي‏ (1) في تفسيره، عن الحكم بن عتيبة (2)، قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه في الكتاب، إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفاكِ عَلى‏ نِساءِ الْعالَمِينَ. اصطفاها مرّتين، و الاصطفاء إنّما هو مرّة واحدة؟

قال: فقال [لي:] (3) يا حكم إنّ لهذا تأويلا و تفسيرا.

فقلت له: ففسّره لنا أبقاك اللّه.

فقال: يعني اصطفاءها (4) إيّاها أوّلا من ذرّيّة الأنبياء المصطفين المرسلين، و طهّرها من أن يكون في ولادتها من آبائها و أمّهاتها سفاح‏ (5)، و اصطفاءها بهذا في القرآن، يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَ اسْجُدِي وَ ارْكَعِي [مَعَ الرَّاكِعِينَ‏] (6) شكرا للّه.

فالظّاهر أنّ السّائل قد خفي عليه الاصطفاء الأوّل، و انحصر الاصطفاء عنده في الثّاني، و سأل فبيّنه- (عليه السلام)- له، و سكت عن الثّاني لظهوره عنده.

و في مجمع البيان‏ (7): وَ اصْطَفاكِ عَلى‏ نِساءِ الْعالَمِينَ‏، أي: عالمي‏ (8) زمانك، لأنّ فاطمة بنت رسول اللّه- صلّى اللّه عليها و على أبيها و بعلها و بنيها- سيّدة نساء العالمين.

و هو قول أبي جعفر- (عليه السلام)-.

و قد (9) روي عن النّبيّ،- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال‏: فضلّت خديجة على نساء أمّتي كما فضلّت مريم على نساء العالمين.

و قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: معنى الآية: و اصطفاك من ذرّيّة الأنبياء، و طهّرك من السّفاح، و اصطفاك لولادة عيسى من غير فحل و زوج.

يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَ اسْجُدِي وَ ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ‏ (43)

____________

(1) تفسير العياشي 1/ 173، ح 47.

(2) هكذا في أو تفسير نور الثقلين. و في الأصل و رو المصدر: «غيينة». و الظاهر هي خطأ. ر. تنقيح المقال 1/ 358، ذيل «الحكم بن عتيبة الكوفي الكندي»، و ص 360، ذيل «الحكم بن عيينة».

(3) من المصدر.

(4) النسخ: «اصطفاءه» و هو صحيح ايضا.

(5) المصدر: سفاحا.

(6) من أ.

(7) مجمع البيان 1/ 440.

(8) المصدر: «على نساء» بدل «عالمي».

(9) «قد» ليس في المصدر. و الأحسن وجودها.

94

قيل‏ (1): أمرت بالصّلاة في الجماعة بذكر أركانها، مبالغة في المحافظة عليها. و قدّم السّجود على الرّكوع، إمّا لكونه كذلك في شريعتهم، أو للتّنبيه على أنّ الواو لا توجب التّرتيب، أو ليقترن اركعي بالرّاكعين للإيذان بأنّ من ليس في صلاتهم ركوع ليسوا مصلّين.

و قيل‏ (2): يحتمل أن يكون في زمانها من كان يقوم و يسجد في صلاته و لا يركع، و فيه من يركع، فأمرت بأن تركع مع الرّاكعين، و لا تكون مع من لا يركع.

و قيل‏ (3): المراد بالقنوت أداء الطّاعة، كقوله‏ (4): أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَ قائِماً. و بالسّجود، الصّلاة، كقوله‏ (5): وَ أَدْبارَ السُّجُودِ. و بالرّكوع، الخشوع و الإخبات.

و في كتاب علل الشرائع‏ (6)، بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال‏: إنّما سمّيت فاطمة- (عليها السلام)- محدّثة، لأنّ الملائكة كانت تهبط من السّماء، فتناديها كما تنادي مريم بنت عمران، فتقول: يا فاطمة إنّ اللّه اصطفاك و طهّرك و اصطفاك على نساء العالمين، يا فاطمة اقنتي لربّك و اسجدي و اركعي مع الرّاكعين، فتحدّثهم و يحدّثونها، فقالت لهم ذات ليلة: أ ليست المفضّلة على نساء العالمين مريم بنت عمران؟ فقالوا: إنّ مريم كانت سيّدة نساء عالمها، و إنّ اللّه- عزّ و جلّ- جعلك سيّدة نساء عالمك و عالمها، و سيّدة نساء الأوّلين و الآخرين.

[و في أصول الكافي‏ (7)، بإسناده إلى عليّ بن محمّد الهرمزاني‏ (8)، عن أبي عبد اللّه الحسين بن عليّ- (عليه السلام)-، قال‏: لمّا قبضت فاطمة- (عليها السلام)- دفنها أمير المؤمنين- (عليه السلام)- سرّا، و عفا على موضع قبرها. ثمّ قام‏ (9) فحوّل وجهه إلى قبر

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 160.

(2) تفسير الكشاف 1/ 429.

(3) أنوار التنزيل 1/ 160.

(4) الزمر/ 3.

(5) ق/ 40.

(6) علل الشرائع/ 182، ح 1.

(7) الكافي 1/ 458- 459، صدر حديث 3.

(8) هكذا في المصدر و في النسختين الأصل ور: «الهرمزي». و الظاهر هي خطأ. ر. تنقيح المقال 2/ 309، رقم 8515.

(9) هكذا في المصدر. و في النسختين الأصل ور: قال.

95

رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: السّلام عليك يا رسول اللّه عنّي، و السّلام عليك عن ابنتك، و زائرتك، و البائتة في الثّرى ببقعتك، و المختار اللّه لها سرعة اللّحاق بك. قلّ يا رسول اللّه عن صفيّتك صبري، و عفا عن سيّدة نساء العالمين تجلّدي.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.] (1)

و في نهج البلاغة (2)، من كتاب له- (عليه السلام)- إلى معاوية جوابا: و منّا خير نساء العالمين و منكم حمّالة الحطب.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (3)، روى المعلّى بن محمّد البصريّ، عن جعفر بن سليمان، عن عبد اللّه بن الحكم‏ (4)، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ عليّا وصييّ، و خليفتي، و زوجته فاطمة سيّدة نساء العالمين ابنتي.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

و في أمالي الصّدوق- (رحمه اللّه)(5)- بإسناده إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال‏: أيّما امرأة صلّت في اليوم و اللّيلة خمس صلوات، و صامت شهر رمضان، و حجّت بيت اللّه الحرام، و زكّت مالها، و أطاعت زوجها، و والت عليّا [بعدي‏] (6) دخلت الجنّة بشفاعة ابنتي فاطمة. فانّها (7) لسيّدة نساء العالمين.

فقيل له‏ (8): يا رسول اللّه أ هي سيّدة نساء (9) عالمها؟

فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ذاك مريم ابنة عمران. و أما (10) ابنتي فاطمة فهي سيّدة نساء العالمين من الأوّلين و الآخرين. و إنّها لتقوم في محرابها فيسلّم عليها سبعون الف ملك‏

____________

(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(2) نهج البلاغة/ 387، ضمن رسالة 28.

(3) من لا يحضره الفقيه 4/ 131، ح 455.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: «أبي عبد اللّه بن الحكم». و الظاهر هي خطأ. ر. رجال النجاشي/ 225، رقم 591.

(5) أمالي الصدوق/ 393- 394، ضمن حديث 18.

(6) من المصدر.

(7) أو المصدر: و إنّها.

(8) ليس في المصدر.

(9) المصدر: لنساء.

(10) المصدر: «ذاك لمريم بنت عمران فامّا» بدل «ذاك مريم ابنة عمران و أمّا».

96

من الملائكة المقرّبين، و ينادونها بما نادت به الملائكة مريم، فيقولون: يا فاطمة إنّ اللّه اصطفاك، و طهّرك، و اصطفاك على نساء العالمين.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

و بإسناده إلى الأصبغ بن نباتة (1)، قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في بعض خطبه: أيّها النّاس اسمعوا قولي و اعقلوه‏ (2) عنّي، فإنّ الفراق قريب. أنا إمام البريّة، و وصيّ خير الخليفة، و زوج سيّدة نساء هذه الأمّة.

ذلِكَ‏، أي: ما ذكرنا من قصص زكريّا و يحيى و مريم، مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ‏: من الغيوب الّتي لم تعرفها إلّا بالوحي.

وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ‏:

قيل‏ (3): أقداحهم للاقتراع في نهر الأردنّ‏ (4).

و قيل‏ (5): أقلامهم الّتي كانوا يكتبون [بها] (6) التّوراة تبرّكا.

و المراد تقرير كونه وحيا على سبيل التّهكّم بمنكريه. فإنّ طريق معرفة الوقائع المشاهدة أو السّماع. و عدم السّماع معلوم لا شبهة فيه عندهم. فبقي أن يكون الاهتمام‏ (7) باحتمال العيان، و لا يظنّ به عاقل، ليعلموا:

أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ‏: معمول لما دلّ عليه‏ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ‏.

و في كتاب الخصال‏ (8)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: أوّل من سوهم عليه مريم بنت عمران، و هو قول اللّه تعالى: وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ‏، و السّهام ستّة.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (9)، مثله.

____________

(1) نفس المصدر/ 484- 485، صدر حديث 9.

(2) المصدر: اعتقلوه.

(3) أنوار التنزيل 1/ 160.

(4) النسخ: «شهر أردن» و هي خطأ ظاهرا. و كلمة «شهر» فارسية. بمعنى مدينه. و أما بالنسبة إلى إلقائهم أقلامهم في ماء النهر للاقتراع راجع بحار الأنوار 14/ 196 نقلا عن مجمع البيان. و هو نهر الأردنّ، راجع تفسير القاسمي (محاسن التأويل) 4/ 98.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) من المصدر.

(7) المصدر: الإيهام.

(8) الخصال/ 156، ح 198. و للحديث تتمة.

(9) من لا يحضره الفقيه 3/ 51، ح 173. و له تتمة.

97

وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ‏ (44): تنافسا في كفالتها.

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1)، قال: لمّا ولدت اختصم‏ (2) آل عمران فيها، فكلّهم‏ (3) قالوا: نحن نكفّلها، فخرجوا و ضربوا (4) بالسّهام بينهم، فخرج‏ (5) سهم زكريّا، فتكفّلها (6) زكريّا.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (7)، عن الحكم بن عتيبة (8)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في حديث طويل يقول فيه- (عليه السلام)-: قال لنبيّه محمد- (صلّى اللّه عليه و آله)- يخبره بما غاب عنه من خبر مريم و عيسى: يا محمّد ذلك من أنباء الغيب، نوحيه إليك في مريم و ابنها، و بما خصّهما اللّه به‏ (9) و فضّلهما و كرّمهما (10)، حيث قال: وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ‏ يا محمّد يعني بذلك ربّ‏ (11) الملائكة، إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ‏ حين أيتمت من أبيها.

و في رواية اخرى‏ (12)، عن ابن أبي خوار (13) أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ‏ حين أيتمت من أبيها (14) وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ‏ يا محمّد إِذْ يَخْتَصِمُونَ‏ في مريم [عند ولادتها بعيسى‏] (15) [بن مريم‏] (16) أيّهم يكفلها و يكفل ولدها.

قال: [فقلت‏] (17) له: أبقاك اللّه فمن كفلها؟

____________

(1) تفسير القمي 1/ 102.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: اختصموا.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: و كلّهم.

(4) هكذا في النسخ. و في المصدر: قارعوا.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: و خرج‏

(6) هكذا في المصدر: و في النسخ: فكفلها.

(7) تفسير العياشي 1/ 173، ذيل حديث 47.

(8) النسخ و المصدر: «عيينة» و هو وهم. ر. تنقيح المقال 1/ 358، ذيل «الحكم بن عتيبة الكوفي الكندي»، و ص 360، ذيل «الحكم بن عيينة».

(9) النسخ: «منه» بدل «اللّه به». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(10) المصدر: أكرمهما.

(11) المصدر: لربّ.

(12) نفس المصدر و الموضع، ح 48. و للحديث تتمة.

(13) هكذا في النسخ. و في المصدر و تفسير البرهان 1/ 283 رقم 16: خرزاد. و في تفسير نور الثقلين: خراد.

و نحن لم نعثر على ترجمة لهذا الراوي في كتب الرجال.

(14) المصدر: أبويها.

(15) من المصدر.

(16) من أ.

(17) من المصدر.

98

فقال: أما تسمع لقوله الآية

إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ: بدل من «إذ قالت» الأولى أو من «إذ يختصمون» بناء على أنّ الاختصام و البشارة في زمان متّسع، كقولك: لقيته سنة كذا. يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ‏:

المسيح لقبه، و هو من الألقاب المادحة، و أصله مشيحا بالعبرانيّة، و معناه:

المبارك، كقوله‏ (1): و جعلني مباركا.

و عيسى معرّب أيشوع، و اشتقاقهما (2) من المسح، لأنّه مسح بالبركة، أو بما طهّره من الذّنوب، أو مسح الأرض و لم يقم في موضع، أو مسحه جبرئيل. و من العيس و هو بياض يعلوه حمرة، كالرّاقم على الماء.

فإن قلت: لم قيل: اسمه المسيح عيسى بن مريم، و هذه ثلاثة أشياء، الاسم منها عيسى، و اما المسيح و الابن فلقب و صفة؟

قلت الاسم للمسمّى علامة يعرف بها و يتمّيز بها عن غيره، فكأنّه قيل: الّذي يعرف به، و يتميّز ممّن سواه، مجموع هذه الثّلاثة. و يحتمل أن يكون عيسى خبر مبتدأ محذوف، و ابن مريم صفته. و أن يكون كلّ من الثّلاثة اسما، بمعنى: أنّ كلّا منها يميّز تمييز الأسماء. و لا ينافي تعدّد الخبر افراد المبتدأ، فإنّه اسم جنس مضاف، و إنّما قيل: ابن مريم و الخطاب لها تنبيها على أنّه يولد من غير أب، إذ الأولاد تنسب إلى الآباء، و لا تنسب إلى الأمّ، إلّا إذا فقد الأب.

وَجِيهاً فِي الدُّنْيا: حال مقدّرة من «كلمة» الموصوفة بقوله: «منه». و التّذكير للمعنى، و وجاهته في الدّنيا بالنّبوّة.

وَ الْآخِرَةِ: بالشّفاعة.

وَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ‏ (45): من اللّه.

و قيل‏ (3): إشارة إلى علو درجته في الجنّة.

و قيل‏ (4): إلى رفعه إلى السّماء، و صحبته الملائكة.

وَ يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَ كَهْلًا، أي: حال كونه طفلا و كهلا كلام الأنبياء

____________

(1) مريم/ 31.

(2) هكذا في أنوار التنزيل 1/ 160. و في النسخ: «أيسوع و مشتقهما» بدل «ايشوع و اشتقاقهما».

(3) أنوار التنزيل 1/ 161.

(4) نفس المصدر و الموضع.

99

من غير تفاوت.

و في أصول الكافي‏ (1)، عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن يزيد الكناسيّ قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- أ كان عيسى بن مريم حين تكلّم في المهد حجّة اللّه على أهل زمانه؟

فقال: كان يومئذ نبيّا حجّة اللّه غير مرسل، أما تسمع لقوله حين قال‏ (2): إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا

. و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

و «المهد» مصدر، سمّي به ما يمهّد للصّبيّ من مضجعه.

و «الكهل» من خطّه الشّيب و رأيت له بجالة. و لذا قيل‏ (3): و المراد و كهلا بعد نزوله.

[لأنّه رفع شابّا] (4) و ذكر أحواله المختلفة المتنافية إشارة (5) إلى أنّه ممكن ليس بإله‏ (6).

وَ مِنَ الصَّالِحِينَ‏ (46): قال ثالث من «كلمة» أو ضميرها الّذي في «يكلّم».

قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ: تعجّب.

و قيل‏ (7): استبعاد عاديّ، أو استفهام عن أنّه يكون بتزوّج أو غيره.

قالَ‏: جبرئيل، أو اللّه و جبرئيل حكى بها قوله تعالى: كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى‏ أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏ (47)، أي: كما أنّه يقدر أن يخلق الأشياء بأسباب و موادّ متدرّجا، يقدر أن يخلقها دفعة من غير ذلك.

وَ يُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ‏ (48):

إمّا كلام مبتدأ ذكر تطييبا لقلبها، و إزاحة لما همّها من خوف اللّوم على أنّها تلد من غير زوج. أو عطف على «يبشّرك» أو «وجيها».

____________

(1) الكافي 1/ 382، ضمن حديث 1.

(2) مريم/ 31.

(3) أنوار التنزيل 1/ 161.

(4) ليس في المصدر.

(5) المصدر: إرشادا.

(6) المصدر: «بمعزل عن الألوهيّة» بدل «ممكن ليس باله».

(7) نفس المصدر و الموضع.

100

و الكتاب الكتبة، أو جنس الكتب المنزلة. و تخصيص الكتابين لفضلهما.

و قرأ عاصم و نافع، بالياء (1).

وَ رَسُولًا إِلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ‏: منصوب بمقدّر، على إرادة القول. و التّقدير «و يقول: أرسلت رسولا» أو بالعطف، على الأحوال المتقدّمة. و تخصيص بني إسرائيل لخصوص من بعثته، أو للرّدّ على من زعم أنّه مبعوث إلى غيره.

في كتاب كمال الدّين‏ (2) و تمام النّعمة، بإسناده إلى محمّد بن الفضل‏ (3)، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر- (عليهم السلام)- في حديث طويل، يقول فيه: ثمّ انّ اللّه- عزّ و جلّ- أرسل عيسى- (عليه السلام)- إلى بني إسرائيل خاصّة، و كانت نبوّته ببيت المقدس.

أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ‏: متعلّق «برسولا» على تضمين معنى النّطق، أي: ناطقا بأنّي الخ.

و الآية ما يذكر بعده و هو:

أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ: نصب‏ (4) بدل من «أنيّ»، أو جرّ بدل من «آية»، أو رفع على هي أنّي، و المعنى: أقدر و أصوّر لكم مثل صورة الطّير.

فَأَنْفُخُ فِيهِ‏:

الضّمير للكاف، أي: في ذلك المثل.

فَيَكُونُ طَيْراً: فيصير طيّارا.

بِإِذْنِ اللَّهِ‏: بأمره. و نبّه به على أنّ إحياءه من اللّه لا منه.

و قرأ نافع هنا و في المائدة طائرا، بألف و همزة (5).

و في كتاب الخصال‏ (6)، عن الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- قال‏: كان عليّ ابن أبي طالب- (عليه السلام)- بالكوفة في الجامع، إذ قام إليه رجل من أهل الشّام فسأله عن مسائل، فكان فيما سأله [أن قال له‏] (7): أخبرني عن ستّة لم يركضوا في رحم؟

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) كمال الدين و تمام النعمة/ 220.

(3) المصدر: محمد بن الفضيل.

(4) أ: فيصير طيّارا نصب ...

(5) أنوار التنزيل 1/ 161.

(6) الخصال/ 322، ح 8.

(7) من المصدر.

101

فقال: آدم و حوّاء و كبش إبراهيم‏ (1) و عصا موسى و ناقة صالح و الخفّاش الّذي عمله عيسى بن مريم، فطار بإذن اللّه تعالى.

وَ أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ‏: الّذي ولد أعمى، و الممسوح العين.

وَ الْأَبْرَصَ‏: الّذي به البرص، نقل‏ (2): أنّه ربّما يجتمع عليه ألوف من المرضى، من أطاق منهم أتاه، و من لم يطق أتاه عيسى. و ما يداوي إلّا بالدّعاء.

وَ أُحْيِ الْمَوْتى‏ بِإِذْنِ اللَّهِ‏:

كرّره لدفع توهّم الألوهيّة (3) فإنّ الإحياء ليس من جنس الأفعال البشريّة.

و في عيون الأخبار (4)، بإسناده إلى أبي يعقوب البغداديّ قال: قال ابن السّكيت لأبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)-: لما ذا بعث اللّه موسى بن عمران بيده البيضاء [و العصا] (5) و آلة السّحر، و بعث عيسى بالطّبّ، و بعث محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالكلام و الخطب؟

فقال له أبو الحسن- (عليه السلام)-: إنّ اللّه تعالى لمّا بعث موسى- إلى أن قال-: و إن اللّه تعالى بعث عيسى- (عليه السلام)- في وقت ظهرت فيه الزّمانات و احتاج النّاس إلى الطّب، فأتاهم من عند اللّه تعالى بما لم يكن عندهم مثله، و إنّما أحيا لهم الموتى و أبرأ الأكمه‏ (6) و الأبرص بإذن اللّه تعالى و أثبت به الحجّة عليهم.

و في روضة الكافي‏ (7): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن ابن محبوب، عن أبي جميلة، عن أبان بن تغلب و غيره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه سئل: هل كان عيسى بن مريم أحيا أحدا بعد موته حتّى كان له أكل و رزق و مدّة و ولد؟

فقال: نعم، إنّه كان له صديق مؤاخ له في اللّه تعالى و كان عيسى‏

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: إسماعيل.

(2) أنوار التنزيل 1/ 161- 162.

(3) الأصل: اللاهوتيّة. و ما أثبتناه في المتن موافق أو أنوار التنزيل 1/ 162.

(4) عيون أخبار الرضا 2/ 79- 80، ضمن حديث 12.

(5) من أ. و في المصدر: «بالعصا و يده البيضاء» بدل «بيده البيضاء و العصا».

(6) المصدر: أبرأ لهم الأكمه.

(7) الكافي 8/ 337، ح 532.

102

- (عليه السلام)- يمرّ به و ينزل عليه، و أنّ عيسى- (عليه السلام)- غاب عنه حينا ثمّ مرّ به ليسلّم عليه، فخرجت إليه أمّه فسألها عنه، فقالت: مات يا رسول اللّه. قال: أ فتحبّين أن تريه‏ (1)؟ قالت: نعم. فقال لها: فإذا كان غدا فآتيك حتّى أحييه لك بإذن اللّه- تبارك و تعالى- فلمّا كان من الغد أتاها، فقال لها: انطلقي معي إلى قبره. فانطلقا حتّى أتيا قبره فوقف [عليه‏] (2) عيسى- صلّى اللّه عليه-. ثمّ دعا اللّه- عزّ و جلّ- فانفرج القبر و خرج ابنها حيّا. فلمّا رأته أمّه و رآها بكيا. فرحمهما عيسى- (عليه السلام)- فقال [له.] (3) عيسى: أ تحبّ أن تبقى مع أمّك في الدّنيا؟ فقال: يا نبي اللّه بأكل و رزق و مدّة أم بغير أكل و رزق و مدّة (4)؟ فقال له عيسى- (عليه السلام)-: بأكل و رزق و مدّة [و] (5) تعمّر عشرين سنة و تزوّج و يولد لك، قال: نعم إذا.

قال: فدفعه عيسى إلى أمّه فعاش عشرين سنه [تزوّج‏] (6) و ولد له.

و في الكافي‏ (7): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن عليّ بن الحكم، عن ربيع بن محمّد، عن عبد اللّه بن سليم العامريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏: إنّ عيسى بن مريم جاء إلى قبر يحيى بن زكريّا- (عليهما السلام)- و كان سأل ربّه أن يحييه له، فدعاه فأجابه و خرج إليه من القبر، فقال له: ما تريد منّي؟ فقال له: أريد أن تؤنسني كما كنت في الدّنيا، فقال له: يا عيسى ما سكنت عنّي حرارة الموت و أنت تريد أن تعيدني إلى الدّنيا و تعود عليّ حرارة الموت، فتركه فعاد إلى قبره.

وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ‏: بالمغيبات من أحوالكم الّتي لا تشكّون فيها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8)، حدّثنا أحمد بن محمّد الهمدانيّ قال: حدّثني جعفر بن عبد اللّه قال: حدّثنا كثير بن عيّاش، عن زياد بن المنذر [عن‏] (9) أبي الجارود، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ- (عليهما السلام)- في قوله: [وَ] (10) أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ [فِي بُيُوتِكُمْ‏] (11) فإنّ عيسى- (عليه السلام)- كان يقول لبني إسرائيل:

____________

(1) المصدر: تراه.

(2) من المصدر.

(3) من المصدر.

(4) المصدر و ا: و لا رزق و لا مدة.

5 و 6- من المصدر.

(7) الكافي 3/ 260، ح 37.

(8) تفسير القمي 1/ 102.

9 و 10 و 11- من المصدر.

103

إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ‏ و أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ‏، و الأكمه هو الأعمى. قالوا: ما نرى الّذي تصنع إلّا سحرا. فأرنا آية نعلم أنّك صادق. قال: أ رأيتم‏ (1) إن أخبرتكم بما تأكلون و ما تدّخرون في بيوتكم‏ (2)، يقول: ما أكلتم في بيوتكم قبل أن تخرجوا و ما ادّخرتم باللّيل‏ (3) تعلمون أنّي صادق. قالوا: نعم. فكان يقول للرّجل‏ (4): أكلت كذا و كذا و شربت كذا و كذا و رفعت كذا و كذا. فمنهم من يقبل منه فيؤمن. و منهم من ينكر فيكفر (5). و كان لهم في ذلك آية إن كانوا مؤمنين.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‏ (49): موفّقين للإيمان، فإنّ غيرهم لا ينتفع بالمعجزات. أو مصدّقين بالحقّ غير معاندين.

و في كتاب الاحتجاج‏ (6) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: روي عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن علي- (عليهم السلام)- أنّه قال‏: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال لعلّي- (عليه السلام)- في أثناء كلام طويل-: فإنّ هذا عيسى بن مريم تزعمون‏ (7) أنّه تكلّم في المهد صبيّا؟

قال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك. و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- سقط من بطن أمّه واضعا يده اليسرى على الأرض و رافعا يده اليمنى‏ (8) إلى السّماء، يحرّك شفتيه بالتّوحيد، و بدا من فيه نور رأى أهل مكّة [منه‏] (9) قصور بصرى من الشام و ما يليها و القصور الحمر من أرض اليمن و ما يليها و القصور البيض من إصطخر (10) و ما يليها، و لقد أضاءت الدّنيا ليلة ولد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى فزعت الجنّ و الإنس و الشّياطين، و قالوا: حدث في الأرض حدث.

قال له اليهوديّ: فإنّ عيسى يزعمون أنّه خلق من الطّين كهيئة الطّير فينفخ‏ (11) فيه فكان طيرا بإذن اللّه- عزّ و جلّ-.

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: أ رأيتكم.

(2) «في بيوتكم» ليس في المصدر.

(3) المصدر: «ذخرتم الليل» بدل «ادّخرتم بالليل».

(4) النسخ: «انت» بدل «للرجل».

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: «يكفر» بدل «ينكر فيكفر».

(6) الاحتجاج 1/ 314- 335، مقاطع من الحديث.

(7) أور: أ يزعمون.

(8) ليس في أ.

(9) من المصدر.

(10) المصدر: اسطخر.

(11) المصدر: فنفخ.

104

فقال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك، و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- قد فعل ما هو شبيه لهذا، إذ أخذ يوم حنين حجرا فسمعنا للحجر تسبيحا و تقديسا. ثمّ قال للحجر: انفلق، فانفلق ثلاث فلق يسمع لكلّ فلقة منها تسبيح لا يسمع للأخرى.

و لقد بعث إلى شجرة يوم البطحاء فأجابته و لكلّ غصن منها تسبيح و تهليل و تقديس. ثمّ قال لها: انشقّي، فانشقّت نصفين. ثمّ قال لها: التزقي، فالتزقت. ثمّ قال لها:

اشهدي لي‏ (1) بالنّبوّة، فشهدت.

ثمّ قال له اليهوديّ: فإنّ عيسى تزعمون‏ (2) أنّه قد أبرأ الأكمه و الأبرص بإذن اللّه- عزّ و جلّ-.

فقال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك، و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أعطي ما هو أفضل [من ذلك‏] (3) أبرأ ذا العاهة من عاهته، فبينما (4) هو جالس إذ سأل عن‏ (5) رجل من أصحابه، فقالوا (6): يا رسول اللّه إنّه قد صار في‏ (7) البلاء كهيئة الفرخ [الّذي‏] (8) لا ريش عليه. فأتاه- (عليه السلام)- فإذا هو كهيئة الفرخ من شدّة البلاء. فقال له:

قد كنت تدعو في صحّتك دعاء. قال: نعم. كنت أقول: يا ربّ أيّما عقوبة أنت معاقبي بها في الآخرة فعجّلها (9) لي في الدّنيا. فقال له النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-:

ألا قلت: اللّهمّ‏ آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ. فقالها [الرّجل‏] (10) فكأنّما نشط من عقال و قام صحيحا و خرج معنا.

و لقد أتاه رجل من جهينة أجذم يتقطّع من الجذام. فشكا إليه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فأخذ قدحا من ماء فتفل فيه. ثمّ قال: امسح به‏ (11) جسدك. ففعل، فبرئ حتّى لم يوجد فيه‏ (12) شي‏ء.

و لقد أتي النبيّ بأعرابيّ‏ (13) أبرص. فتفل [من‏] (14) فيه [عليه‏] (15) فما قام من عنده إلّا

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) المصدر: يزعمون.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: و بينما.

(5) ليس في المصدر.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: فقال.

(7) المصدر: من.

(8) من المصدر.

(9) المصدر: فاجعلها.

(10) من المصدر.

(11) ليس في المصدر.

(12) المصدر: عليه.

(13) النسخ: «أتى العربيّ» بدل «أتي النبيّ بأعرابيّ». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

14 و 15- من المصدر.

105

صحيحا.

و لئن زعمت أنّ عيسى- (عليه السلام)- أبرأ ذوي العاهات‏ (1) من عاهاتهم، فإنّ محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- بينما هو في بعض‏ (2) أصحابه إذا (3) هو بامرأة فقالت: يا رسول اللّه إنّ ابني قد أشرف على حياض الموت كلّما أتيته بطعام وقع عليه التّثاؤب. فقام النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قمنا معه. فلمّا أتيناه قال له، جانب يا عدوّ اللّه وليّ اللّه (فأنا) (4) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فجانبه الشّيطان، فقام صحيحا و هو معنا في عسكرنا.

و لئن زعمت أنّ عيسى بن مريم أبرأ العميان‏ (5)، فإنّ محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- قد فعل ما هو أكثر من ذلك، إنّ قتادة بن ربعي كان رجلا صحيحا، فلمّا كان يوم أحد أصابته طعنة في عينه، فبدرت حدقته فأخذها بيده، ثمّ أتى بها النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا رسول اللّه إنّ امرأتي الآن تبغضني، فأخذها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من يده، ثمّ وضعها مكانها، فلم تكن تعرف إلّا بفضل حسنها و فضل ضوئها على العين الأخرى.

و لقد خرج عبد اللّه بن عتيك‏ (6) و بانت يده يوم حنين، فجاء إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- ليلا، فمسح عليه يده، فلم تكن تعرف من اليد الأخرى.

و لقد أصاب محمّد بن مسلمة يوم كعب بن الأشرف‏ (7) مثل ذلك في عينه و يده، فمسحه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فلم يستبينا.

و لقد أصاب عبد اللّه بن أنيس مثل ذلك في عينه‏ (8)، فمسحها فما عرفت من الأخرى، فهذه كلّها دلالة لنبوّته- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

قال له اليهوديّ: فإنّ عيسى يزعمون أنّه أحيا الموتى بإذن اللّه.

____________

(1) هكذا في النسخ. و في المصدر: ذا العاهات.

(2) ليس في المصدر.

(3) المصدر: إذ.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: فأتاه.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: العمياء.

(6) المصدر: «عبد اللّه بن عبيد» و قيل فيه: «في بعض النسخ: عتيك» و الظاهر هو الأصوب. كذا ورد في النسخ. ر. تنقيح المقال 2/ 197، رقم 6947.

(7) المصدر: كعب بن أشرف.

(8) «في عينه» ليس في ر.

106

قال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان ذلك، و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- سبّحت في يده تسع حصيات فسمع نغماتها في جمودها و لا روح فيها لتمام حجّة نبوّته، و لقد كلمه الموتى‏ (1) من بعد موتهم و استغاثوه ممّا خافوا تبعته. و لقد صلّى بأصحابه ذات يوم فقال: ما ها هنا من بني النّجّار أحد و صاحبهم محتبس على باب الجنّة. بثلاثة دراهم لفلان اليهوديّ، و كان شهيدا.

و لئن زعمت‏ (2) أنّ عيسى كلّم الموتى، فلقد كان لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما هو أعجب من هذا، إنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا نزل بالطّائف و حاصر أهلها بعثوا إليه بشاة (3) مسلوخة مطليّة بسمّ، فنطق الذّراع منها فقالت: يا رسول اللّه لا تأكلني فإنّي مسمومة، فلو كلّمت البهيمة و هي حيّة لكانت من أعظم حجج اللّه عزّ ذكره على المنكرين لنبوّته، فكيف و قد كلّمته من بعد ذبح و سلخ و شوي‏ (4).

و لقد كان- (صلّى اللّه عليه و آله)- يدعو بالشّجرة فتجيبه، و تكلّمه البهيمة، و تكلّمه السّباع، و تشهد له بالنّبوّة و تحذّرهم عصيانه، فهذا أكثر ممّا أعطي عيسى.

قال له اليهوديّ: إن عيسى تزعمون‏ (5) أنّه أنبأ قومه بما يأكلون و ما يدّخرون في بيوتهم.

قال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك، و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- فعل ما هو أكبر (6) من هذا إنّ عيسى أنبأ قومه بما كان‏ (7) من وراء الحائط، و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنبأ قومه‏ (8) [عن موتة] (9) و هو عنها غائب، و وصف حربهم و من استشهد (10) منهم، و بينه و بينهم مسيرة شهور، و كان يأتيه الرّجل يريد أن يسأله عن شي‏ء فيقول- (صلّى اللّه عليه و آله)-: تقول أو أقول، فيقول: بل قل يا رسول اللّه، فيقول: جئتني في كذا و كذا، حتى يفرغ‏ (11) من حاجته. و لقد كان يخبر أهل مكّة بأسرارهم بمكّة حتّى‏

____________

(1) أ: «اللّه» بدل «الموتى».

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: إن زعمت.

(3) النسخ: «شاة». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(4) المصدر: شي‏

(5) المصدر: يزعمون.

(6) المصدر: «كان له أكثر» بدل «فعل ما هو أكبر».

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: يأكلون.

(8) هكذا في أ. و في المصدر و سائر النسخ: من قومه.

(9) من المصدر.

(10) هكذا في المصدر. و في النسخ: اشهد.

(11) هكذا في المصدر. و في النسخ: فرغ.

107

لا يترك من أسرارهم شيئا، منها ما كان بين صفوان بن أميّة و بين عمير بن وهب‏ (1) [إذ أتاه عمير] (2) فقال: جئت في فكاك ابني، فقال له: كذبت بل قلت لصفوان [بن أميّة] (3) و قد اجتمعتم في الحطيم و ذكرتم قتلى بدر و قلتم: و اللّه للموت‏ (4) أهون علينا (5) من البقاء مع ما صنع محمّد بنا. و هل حياة بعد أهل القليب؟! فقلت أنت: لولا عيالي و دين عليّ لأرحتك من محمّد، فقال صفوان: عليّ أن أقضي دينك و أن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهنّ ما يصيبهنّ‏ (6) من خير أو شرّ، فقلت أنت: فاكتمها عليّ و جهّزني حتّى أذهب فأقتله، فجئت لقتلي، فقال‏ (7): صدقت يا رسول اللّه فأنا أشهد أن لا اله إلّا اللّه و أنّك رسول اللّه.

و أشباه هذا ممّا لا يحصى.

و في أصول الكافي‏ (8): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن مثنّى الحنّاط، عن أبي بصير قال: دخلت على أبي جعفر- (عليه السلام)-. فقلت له:

أنتم ورثة (9) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

قال: نعم.

قلت: رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- وارث الأنبياء علّم كما (10) علّموا؟

قال [لي‏] (11): نعم.

قلت: فأنتم تقدرون على أن تحيوا الموتى و تبرأوا الأكمه و الأبرص؟

قال لي‏ (12): نعم بإذن اللّه. ثمّ قال [لي‏] (13): ادن منّي يا أبا محمّد، فدنوت منه، فمسح على وجهي و على عيني، فأبصرت الشّمس و السّماء و الأرض و البيوت و كلّ شي‏ء في البلد، ثمّ قال لي: أ تحبّ أن تكون هكذا و لك ما للنّاس و عليك ما عليهم يوم القيامة أو تعود كما

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: عمير بن وهيب.

2 و 3- من المصدر.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: الموت.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: لنا.

(6) «ما يصيبهنّ» ليس في أ.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: «لتقتلني قال» بدل «لقتلى فقال».

(8) الكافي 1/ 470، ح 3.

(9) هكذا في المصدر. و في النسخ: «و أنت ورثت» بدل «أنتم ورثة».

(10) المصدر ور: كلّما.

(11) من المصدر.

(12) ليس في المصدر.

(13) من المصدر.

108

كنت و لك الجنّة خالصا؟

قلت: أعود كما كنت. فمسح على عيني، فعدت كما كنت. [قال:] (1) فحدّثت ابن أبي عمير بهذا، فقال: أشهد أنّ هذا حقّ كما أنّ النّهار حقّ.

و في كتاب التّوحيد (2)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع أصحاب الأديان و المقالات، قال الرّضا- (عليه السلام)-: لقد اجتمعت قريش إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فسألوه أن يحيي لهم موتاهم. فوجّه معهم عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-. فقال [له‏] (3): اذهب إلى الجبّانة (4) فناد بأسماء هؤلاء الرّهط الّذين يسألون عنهم بأعلى صوتك: يا فلان و يا فلان و يا فلان، يقول لكم محمّد [رسول اللّه‏] (5): قوموا بإذن اللّه- عزّ و جلّ-، فقاموا ينفضون التّراب عن رؤوسهم، فأقبلت قريش تسألهم عن أمورهم ثمّ أخبروهم أنّ محمّدا قد بعث نبيّا، و قالوا: وددنا أنّا (6) أدركناه فنؤمن به، و لقد أبرأ الأكمه و الأبرص و المجانين، و كلّمه البهائم و الطّير و الجنّ و الشّياطين، و لم نتّخذه ربّا من دون اللّه- عزّ و جلّ-.

وَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ: عطف على «رسولا» على الوجهين. أو منصوب بإضمار فعل، دلّ عليه «قد جئتكم»، أي: و جئتكم مصدّقا.

وَ لِأُحِلَّ لَكُمْ‏: مقدّر بإضمار فعل، دلّ عليه «قد جئتكم»، أي: و جئتكم لأحلّ. أو مردود على قوله: «قد جئتكم» بآية، أي: جئتكم لأظهر آية و لأحلّ. أو على معنى «مصدّقا»: أي: جئتكم لأصدّق و لأحلّ، كقولهم: جئتك معتذرا و لأطيّب قلبك.

بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ‏، أي: في شريعة موسى- (عليه السلام)- كالشّحوم و الثّروب‏ (7) و السّمك و لحوم الإبل و العمل في السّبت. و في الآية دلالة، على أنّ شرعه كان ناسخا لشرع موسى- (عليه السلام)-.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (8): عن محمّد الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏:

____________

(1) من المصدر.

(2) التوحيد/ 423، مقطع من حديث 1 من باب 65.

(3) من المصدر.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: جبانة.

(5) من المصدر.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: إنّا كنّا.

(7) هكذا في أنوار التنزيل 1/ 164. و هو جمع لثرب وزان فلس. و الثرب شحم رقيق على الكرش و الأمعاء.

(ر. المصباح المنير للفيّومي.) و في النسخ: الشروب.

(8) تفسير العياشي 1/ 175، ح 52.

109

كان بين داود و عيسى بن مريم- (عليهما السلام)- أربعمائة سنة، و كان شريعة عيسى أنّه بعث بالتّوحيد و الإخلاص، و بما أوصى به نوح و إبراهيم و موسى، و أنزل عليه الإنجيل، و أخذ عليه الميثاق الّذي أخذ على النّبيّين، و شرّع له في الكتاب إقام الصّلاة مع الّدين، و الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر، و تحريم الحرام و تحليل الحلال، و أنزل عليه في الإنجيل مواعظ و أمثال و حدود ليس فيها قصاص و لا أحكام حدود و لا فرض مواريث، و أنزل عليه تخفيف ما كان نزل على موسى في التّوراة، و هو قول اللّه في الّذي قال عيسى بن مريم لبني إسرائيل: و لأحلّ لكم بعض الّذي حرّم عليكم. و أمر عيسى من معه ممّن اتّبعه من المؤمنين، أن يؤمنوا بشريعة (1) التّوراة و الإنجيل.

وَ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ‏ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ‏ (51):

الظّاهر أنّ قوله: قد جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ، تكرير لما قبله، أي: جئتكم بآية بعد أخرى ممّا ذكرت لكم. و الأوّل، لتمهيد الحّجة. و الثّاني، لتقريبها إلى الحكم. و لذلك رتّب عليه «بالفاء».

قوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ‏، أي: أنّي جئتكم بالمعجزات القاهرة و الآيات الباهرة، فاتّقوا اللّه في المخالفة، و أطيعوا لي فيما أدعوكم إليه، ثمّ شرع في الدّعوة، و أشار إليها بالقول المجمل، فقال: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ‏، إشارة الى استكمال القوّة النّظريّة بالاعتقاد الحقّ، الّذي غايته التّوحيد.

و قال: فَاعْبُدُوهُ‏، إشارة إلى استكمال القوّة العمليّة، فإنّه بملازمة الطّاعة، الّتي هي الإتيان بالأوامر و الانتهاء عن المناهي. ثمّ قرّر ذلك، بأن بيّن أنّ الجمع بين الأمرين، هو الطّريق المشهود عليه بالاستقامة.

و قيل‏ (2): معناه و جئتكم بآية أخرى ألهمنيها ربّكم، و هو قوله: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ‏، فإنّه دعوة الحقّ المجمع عليه فيما بين الرّسل، الفارقة بين النّبيّ و السّاحر.

أو جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ، على أن الله ربي و ربكم. و قوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ‏، اعتراض.

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: لشريعة.

(2) أنوار التنزيل 1/ 164.

110

فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى‏ مِنْهُمُ الْكُفْرَ:

قيل‏ (1): تحقّق كفرهم عنده، تحقّق ما يدرك بالحواسّ.

[و في تفسير العيّاشيّ: (2)] (3) و روى‏ (4) ابن أبي عمير، عن رجل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه تعالى‏ (5): فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى‏ مِنْهُمُ الْكُفْرَ، أي، لمّا سمع و رأى أنّهم يكفرون،

فعلى هذه الرواية، كان الإحساس مستعملا في معناه الحقيقيّ، و لا يكون استعارة تبعيّة، كما في الأوّل.

قالَ مَنْ أَنْصارِي‏: جمع، ناصر. و حمله على «من» لإرادة المتعدّد منه، أو للمبالغة في كونه ناصرا إلى اللّه ملتجئا إلى اللّه أو ذاهبا أو ضامّا إليه. و يحتمل تعلّقه «بأنصاري» على تضمين الإضافة، أي: من الّذين يضيفون أنفسهم.

إِلَى اللَّهِ‏: في نصري.

و قيل‏ (6) «إلى» هاهنا بمعنى: «مع» أو «في» أو «اللّام».

قالَ الْحَوارِيُّونَ‏ حواريّو الرّجل، صفوته و خالصته. من الحور، و هو البياض الخالص. و منه:

الحواريّات للحضريّات، لخلوص ألوانهنّ و نظافتهنّ قال:

فقل للحواريّات يبكين غيرنا* * * و لا تبكنا إلّا الكلاب النّوائح‏

و في وزنه، الحوالي، و هو الكثير الحيلة.

سمّي به أصحاب عيسى- (عليه السلام)- قيل‏ (7): لخلوص نيّتهم، و نقاء سريرتهم.

و قيل: كانوا ملوكا يلبسون البيض، استنصر بهم عيسى على‏ (8) اليهود. و قيل: قصّارون‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) لم نعثر عليه في تفسير العياشي. و لكن يوجد في تفسير القمي 1/ 103. و نقله عن القمي في تفسير الصافي 1/ 340 و تفسير البرهان 1/ 284، ح 2. إلّا أنّه في تفسير نور الثقلين 1/ 345، تحت رقم 152 ورد بدون عنوان. و الحديث الذي قبله (رقم 151) عن تفسير العياشي.

(3) ليس في أ.

(4) هكذا في المصدر و في النسخ: روى عن.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: «قوله» بدل «قول اللّه تعالى».

(6) أنوار التنزيل 1/ 164.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) المصدر: من.

111

يحورون الثّياب: أي: (1) يبيّضونها نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ‏: في دينه.

آمَنَّا بِاللَّهِ‏: الّذي دعوت إليه.

وَ اشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏ (52): لتشهد يوم القيامة، حين يشهد الرّسل لقومهم و عليهم.

رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ‏: في كتبك.

وَ اتَّبَعْنَا الرَّسُولَ‏: أي: عيسى- (عليه السلام)- فيما دعى إليه.

فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ‏ (53): بوحدانيّتك، أو مع الأنبياء الشّاهدين.

و قيل: أو مع أمّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- فإنّهم شهداء على النّاس.

وَ مَكَرُوا، أي: الّذين أحسّ منهم الكفر من اليهود، بأن وكّلوا عليه من يقتله غيلة.

وَ مَكَرَ اللَّهُ‏: بأن رفع عيسى، و ألقى شبهه على غيره، حتّى قتل.

و المكر، حيلة يجلب بها الغير إلى المضرّة، و إسناده إلى اللّه على سبيل الازدواج.

و في عيون الأخبار (2)، عن الرّضا- (عليه السلام)- في حديث طويل. و فيه قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ‏ (3)-: سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ‏ و قوله: اللَّهُ‏ (4) يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ‏ و قوله- تعالى-: وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّهُ‏ و عن قوله- عزّ و جلّ‏ (5)-: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ هُوَ خادِعُهُمْ‏.

فقال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- لا يسخر و لا يستهزئ و لا يمكر و لا يخادع، و لكّنه- عزّ و جلّ- يجازيهم جزاء السّخرية و جزاء الاستهزاء و جزاء المكر و الخديعة، تعالى اللّه عمّا يقول الظّالمون علوّا كبيرا.

وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ‏ (54): أقدرهم على إيصال الضّرّ إلى الغير.

إِذْ قالَ اللَّهُ‏ ظرف لمكر الله. و قيل: أو لخير الماكرين. أو لمضمر مثل و وقع ذلك.

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: و.

(2) عيون أخبار الرضا 1/ 126، ذيل حديث 19.

(3) التوبة/ 79.

(4) البقرة/ 15.

(5) النساء/ 142.

112

يا عِيسى‏ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ‏: أي: مستوفي أجلك عاصما إيّاك من قتلهم، أو قابضك من الأرض. من توفّيت ما لي.

و قيل‏ (1): أو متوفّيك نائما.

و قيل‏ (2): أماته اللّه سبع ساعات ثمّ رفعه. و قيل: أو مميتك عن الشّهوات. العائقة عن العروج.

وَ رافِعُكَ إِلَيَ‏: إلى محلّ كرامتي و مقرّ ملائكتي، و ذلك في ليلة إحدى و عشرين من شهر رمضان.

في كتاب الخصال‏ (3)، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال:

- في حديث طويل يذكر فيه الأغسال في شهر رمضان-: و ليلة إحدى و عشرين، و هي اللّيلة الّتي مات فيها أوصياء الأنبياء (4)، و فيها رفع عيسى [بن مريم‏] (5)- (عليه السلام)-.

وَ مُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا: أي: من سوء جوارهم، أو قصدهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن صالح، عن حمران بن أعين، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: إنّ عيسى- (عليه السلام)- وعد أصحابه ليلة رفعه اللّه إليه. فاجتمعوا إليه عند المساء، و هم اثنا عشر رجلا. فأدخلهم بيتا.

ثمّ خرج عليهم من عين في زاوية البيت، و هو ينفض رأسه من الماء. فقال: إنّ اللّه أوحى إليّ: أنّه رافعي إليه السّاعة، و مطهّري من اليهود، فأيّكم يلقى عليه‏ (7) شبحي، فيقتل و يصلب و يكون معي في درجتي؟

فقال شابّ منهم: أنا يا روح اللّه؟

فقال: فأنت هوذا. فقال لهم عيسى: أما إنّ منكم لمن يكفر بي قبل أن يصبح، أثنتي عشرة كفرة.

فقال له رجل منهم: أنا هو يا نبيّ اللّه.

فقال عيسى: إن تحسّ‏ (8) بذلك في نفسك فلتكن هو، ثمّ قال لهم عيسى: أما

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 163.

(3) الخصال/ 508، ح 1.

(4) المصدر: النبيّين.

(5) من المصدر.

(6) تفسير القمي 1/ 103.

(7) أ: إليه.

(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: «أ تحسّ» بدل: «إن تحسّ».

113

إنّكم ستفترقون بعدي على ثلاث فرق: فرقتين مفتريتين‏ (1) على اللّه في النّار، و فرقة تتبّع شمعون صادقة على اللّه في الجنّة. ثمّ رفع اللّه عيسى إليه من زاوية البيت، و هم ينظرون إليه.

ثمّ قال [أبو جعفر- (عليه السلام)-:] (2) إنّ اليهود جاءت في طلب عيسى من ليلتهم، فأخذوا الرّجل الّذي قال له عيسى: إنّ منكم لمن يكفر بي قبل أن يصبح، اثنتي عشرة كفرة. و أخذوا الشّابّ الّذي ألقي عليه شبح عيسى- (عليه السلام)- فقتل و صلب، و كفر الّذي قال له عيسى: تكفر قبل أن تصبح، اثنتي عشرة كفرة.

و في كتاب كمال الّدين و تمام النّعمة (3) بإسناده إلى محمّد بن إسماعيل القرشيّ، عمّن حدّثه، عن إسماعيل بن أبي رافع، عن أبيه [أبي رافع‏] (4) قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ جبرئيل- (عليه السلام)- نزل عليّ بكتاب، فيه خبر الملوك ملوك الأرض [قبلي،] (5) و خبر من بعث قبلي من الأنبياء و الرّسل. و هو حديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

قال: لمّا ملك أشجّ بن أشجان، و كان يسمّى الكيس، و كان قد ملك مأتين و ستّا و ستّين سنة، ففي سنة إحدى و خمسين من ملكه، بعث اللّه- عزّ و جلّ- عيسى بن مريم- (عليه السلام)- و استودعه النّور و العلم و الحكمة و جميع علوم الأنبياء قبله، و زاده الإنجيل، و بعثه إلى بيت المقدس إلى بني إسرائيل، يدعوهم إلى كتابه و حكمته و إلى الإيمان باللّه و برسوله‏ (6)، فأبى أكثرهم إلّا طغيانا و كفرا، فلمّا لم يؤمنوا [به‏] (7) دعا ربّه و عزم عليه، فمسخ منهم شياطين ليريهم آية فيعتبروا، فلم يزدهم ذلك إلّا طغيانا و كفرا، فأتى بيت المقدس، فمكث يدعوهم و يرغّبهم [فيما عند اللّه‏] (8) ثلاثا و ثلاثين سنة، حتّى طلبته اليهود، و ادّعت أنّها عذّبته و دفنته في الأرض حيّا، و ادّعى بعضهم أنّهم‏ (9) قتلوه و صلبوه، و ما كان اللّه ليجعل لهم سلطان عليه، و إنّما شبّه لهم، و ما قدروا على عذابه و دفنه، و لا على قتله و صلبه [لقوله- عزّ و جلّ-: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَ رافِعُكَ إِلَيَّ وَ مُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا فلم‏

____________

(1) أ: مقربين.

(2) من المصدر.

(3) كمال الدين و تمام النعمة/ 224- 225.

4 و 5- من المصدر.

(6) هكذا في أ. و في المصدر و سائر النسخ: رسوله.

(7) من المصدر.

(8) ليس في أ.

(9) هكذا في المصدر. و في النسخ: أنّه.

114

يقدروا على قتله و صلبه،] (1) لأنّهم لو قدروا على ذلك لكان تكذيبا لقوله، و لكن‏ رَفَعَهُ اللَّهُ [إِلَيْهِ‏] (2) (3) بعد أن توفّاه، فلمّا أراد اللّه أن يرفعه، أوحى إليه أن يستودع‏ (4) نور اللّه و حكمته و علم كتابه شمعون بن حمّون الصّفا، خليفته‏ (5) على المؤمنين، ففعل ذلك.

قوله- (عليه السلام)-: «بعد أن توفّاه» يحتمل أن يكون معناه، بعد أن قبضه من الأرض، أو بعد أن أماته عن الشّهوات العائقة، أو أماته موتا حقيقيّا- كما ذهب إليه البعض- أو بعد أن قرّر في علمه أن يستوفي أجله، و هذا أبعد.

وَ جاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ: يعلونهم بالحّجة، أو السّيف. و متّبعوه، من آمن بنبوّته من المسلمين و النّصارى. و إلى الآن لم تسمع غلبة اليهود عليهم، و لا يتّفق لهم ملك و لا دولة.

ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ‏:

فيه تغليب للمخاطبين على غيرهم.

فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ‏ (55): من أمر الدّين.

فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا: من اليهود، و غيرهم.

فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا: بضرب الجزية، و الهوان.

«و»: في‏ الْآخِرَةِ: بالنّار.

وَ ما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ‏ (56): يسعون في استخلاصهم.

وَ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ‏، أي: في الدّنيا و الآخرة.

و قرأ حفص، بالياء (6).

وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ‏ (57): و يحبّ المؤمنين.

ذلِكَ‏، أي: نبأ عيسى و غيره ممّا تقدّم. مبتدأ، خبره‏ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ‏: و قوله:

مِنَ الْآياتِ‏: حال من الهاء. و يحتمل أن يكون هو الخبر و «نتلوه» حالا،

____________

1 و 2- من المصدر.

(3) النّساء/ 158.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: استودع.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: خليفة.

(6) أنوار التنزيل 1/ 163.

115

و العامل فيه معنى الإشارة، و أن يكونا خبرين. و يحتمل أن يكون «ذلك» منصوبا، بما يفسّره «نتلوه».

وَ الذِّكْرِ، أي: القرآن. و قيل‏ (1): اللّوح.

الْحَكِيمِ‏ (58): المشتمل على الحكم. أو المحكم، عن تطرّق الخلل إليه.

إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ‏: أي: شأنه الغريب كشأن آدم.

خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ‏: جملة مفسّرة لوجه الشّبه، و هو أنّه خلق بلا أب كما خلق آدم بلا أب، بل و بلا أمّ أيضا، شبّه حاله بما هو أغرب، إفحاما للخصم بطريق المبالغة.

ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ‏، [أي: انشأ بشرا. و المراد بالخلق، خلق القالب. أو المراد قدر تكوينه ثمّ كوّنه.

و يحتمل أن يكون «ثم» لتراخي الخبر] (2) فَيَكُونُ‏ (59): حكاية حال ماضية.

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن ابن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: أنّ نصارى نجران لمّا وفدوا على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و كان سيّدهم الأهتم‏ (4) و العاقب و السّيّد، و حضرت صلاتهم‏ (5)، فأقبلوا يضربون بالنّاقوس و صلّوا، فقال أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا رسول اللّه‏ (6)، هذا في مسجدك! فقال: دعوهم. فلمّا فرغوا دنوا من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقالوا: إلى ما تدعونا (7)؟

فقال: إلى شهادة أن لا إله إلّا اللّه، و أنّي رسول اللّه، و أنّ عيسى عبد مخلوق، يأكل و يشرب و يحدث.

قالوا: فمن أبوه؟

فنزل الوحي على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فقال: قل لهم: ما تقولون‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) ما بين المعقوفتين ليس في ر.

(3) تفسير القمي 1/ 104.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: الأهم.

(5) ر: صلواتهم.

(6) «يا رسول اللّه» ليس في المصدر.

(7) المصدر: تدعونّ.

116

في آدم، أ كان عبدا مخلوقا يأكل و يشرب و يحدث‏ (1) و ينكح؟ فسألهم النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

فقالوا: نعم فقال: فمن أبوه؟

فبهتوا [، فبقوا ساكتين،] (2) فأنزل اللّه- تبارك و تعالى-: إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ [كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏] (3) (الآية)

الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ‏ «الحق» مبتدأ، و «من ربّك» خبره، أي: الحقّ المذكور من اللّه. أو خبر مبتدأ محذوف، و «من ربّك» صفته، أو حال منه. و يحتمل تعلّقه به.

فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ‏ (60):

الخطاب إن كان للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فلزيادة التّهييج على الثّبات، أو للتّعريض. و إن كان لكلّ سامع، فعلى أصله.

فَمَنْ حَاجَّكَ‏: من النّصارى.

فِيهِ‏: في عيسى‏ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ‏، أي: البيّنات الموجبة للعلم.

فَقُلْ تَعالَوْا: هلمّوا بالعزم، و الرّأي.

نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ‏، أي: يدعو كلّ منّا و منكم نفسه و أعزّة أهله إلى المباهلة، و يحملهم عليها. و إنّما قدّمهم على النّفس، لأنّ الرّجل يخاطر بنفسه لهم، فهم أهمّ عنده.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: و أمّا قوله: فَمَنْ حَاجَّكَ‏ (الآية) (5) فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فباهلوني، فإن كنت صادقا أنزلت اللّعنة عليكم، و إن كنت كاذبا أنزلت‏ (6) عليّ.

____________

(1) «و يحدث» ليس في المصدر.

2 و 3- من المصدر.

(4) تفسير القمي 1/ 104. و في أ: «و في الحديث المروي» بدل: «و في تفسير عليّ بن إبراهيم».

(5) المصدر: «فيه من بعد ما جاءك من العلم- إلى قوله- فنجعل لعنة اللّه على الكاذبين»، بدل:

«الآية». و ما أثبتناه في المتن موافق النسخ.

(6) المصدر: نزلت.

117

فقالوا: أنصفت. فتواعدوا للمباهلة، فلمّا رجعوا إلى منازلهم قال رؤساؤهم السّيّد و العاقب و الأهتم‏ (1): إن باهلنا بقومه باهلناه فإنّه ليس بنبيّ، و إن باهلنا بأهل بيته خاصّة فلا نباهله، فإنّه لا يقدم على‏ (2) أهل بيته إلّا و هو صادق، فلمّا أصبحوا جاؤوا إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و معه أمير المؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين- (صلوات اللّه عليهم أجمعين)-.

فقال النّصارى: من هؤلاء؟

فقيل لهم: إن هذا ابن عمّه و وصيّه و ختنه عليّ بن أبي طالب، و هذه بنته‏ (3) فاطمة، و هذان ابناه الحسن و الحسين- (عليهم السلام)-.

ففرقوا (4)، و قالوا لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: نعطيك الرّضا فاعفنا عن المباهلة، فصالحهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على الجزية و انصرفوا.

[و في تفسير العيّاشيّ‏ (5): عن حريز، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏: إنّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- سئل عن فضائله، فذكر بعضها، ثمّ قالوا له: زدنا.

فقال: [إنّ‏] (6) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أتاه حبران من أحبار النّصارى‏ (7) من أهل نجران، فتكلّما في أمر عيسى، فأنزل [اللّه‏] (8) هذه الآية: إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ‏ إلى آخر الآية. فدخل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأخذ بيد عليّ و الحسن و الحسين و فاطمة، ثمّ خرج و رفع كفّه إلى السّماء، و فرج بين أصابعه، و دعاهم إلى المباهلة.

قال: و قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: و كذلك المباهلة يشبك يده في يده ثمّ‏ (9) يرفعها إلى السّماء، فلمّا رآه الحبران قال أحدهما لصاحبه: و اللّه لئن‏ (10) كان نبيّا لنهلكنّ و إن كان غير نبيّ كفانا قومه، فكفّا (11) و انصرفا.

____________

(1) هكذا في المصدر: و في النسخ: الأهم.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: إلى.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: ابنته.

(4) أ: نفرقوا. المصدر: فعرفوا

(5) تفسير العياشي 1/ 175- 176، ح 54.

(6) من المصدر.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: أحبار اليهود.

(8) من المصدر.

(9) «ثمّ» ليس في المصدر.

(10) النسخ: «و إن» بدل «و اللّه لئن». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(11) النسخ: فكفانا. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

118

عن أبي جعفر الأحوال‏ (1) قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: ما تقول قريش في الخمس؟

قال: قلت: تزعم أنّه لها.

قال: ما أنصفونا، و اللّه لو كان مباهلة ليباهلنّ بنا و لئن كان مبارزة ليبارزنّ بنا، ثمّ نكون و هم على سواء.] (2)

فقد ظهر من هذا الخبر، أنّ من دعى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- من الأبناء هو الحسن و الحسين، و من النساء فاطمة، و بقي- عليّ (عليه السلام)- لا يدخل في شي‏ء إلّا في قوله: و أنفسنا، فهو نفس الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و قد صحّ‏

في الخبر أنّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قد سأله‏ (3) سائل عن بعض أصحابه، فأجابه عن كلّ بصفته.

فقال: فعليّ؟

فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّما سألتني عن النّاس، و لم تسألني عن نفسي.

ثُمَّ نَبْتَهِلْ‏: بأن نلعن الكاذب منّا.

و البهلة (بالضّمّ و الفتح) اللّعنة. و أصله، التّرك. من قولهم: بهلت النّاقة، إذا تركتها بلاصرار.

و في كتاب معاني الأخبار (4)، بإسناده إلى عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر قال‏: التّبتّل، أن تقلب كفّيك في الدّعاء إذا دعوت. و الابتهال، أن تقدّمهما.

و تبسطهما (5).

و في أصول الكافي‏ (6): [بإسناده إلى أبي إسحاق، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏: و الابتهال، رفع اليدين و تمّدهما (7). و ذلك عند الدّمعة.

____________

(1) نفس المصدر 1/ 176، ح 56.

(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(3) ر: سألتني.

(4) معاني الأخبار/ 370.

(5) المصدر: «تبسطهما و تقدّمهما» بدل «تقدّمهما و تبسطهما».

(6) الكافي 2/ 479، ضمن حديث 1. و في نسخة أ نقل هذا الحديث، قبل الحديث الآنف الذكر.

(7) هكذا في المصدر. و في الأصل ور: تمديدها.

119

و بإسناده إلى مروك‏ (1) بيّاع اللؤلؤ، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏: و هكذا الابتهال- و مدّ يده تلقاء وجهه إلى القبلة- و لا تبتهل‏ (2) حتّى تجري الدّمعة.

عدّة من أصحابنا (3)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن فضالة، عن العلا، عن محمّد بن مسلم قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: و الابتهال، تبسط يديك و ذراعيك [إلى السّماء] (4) و الابتهال، حين ترى أسباب البكاء.

و بإسناده إلى أبي بصير (5)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏: و أمّا الابتهال، فرفع يديك تجاوز بهما رأسك.

و بإسناده إلى محمّد بن مسلم و زرارة (6) قالا: قال: أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-:

و الابتهال، أن تمدّ يدك جميعا.

و هذه الأحاديث طوال، أخذت منها موضع الحاجة.] (7)

عدّة من أصحابنا (8)، عن سهل بن زياد، عن إسماعيل بن مهران، عن مخلّد أبي الشّكر، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: السّاعة الّتي تباهل فيها، ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس.

فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ‏ (61): عطف، فيه بيان.

و في كتاب الخصال‏ (9): في احتجاج عليّ- (عليه السلام)- على أبي بكر، قال: فأنشدك باللّه، أبي برز رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و بأهلي‏ (10) و ولدي، في مباهلة المشركين من النّصارى، أم بك و بأهلك و ولدك؟

قال: بكم.

و فيه‏ (11)، أيضا، في مناقب أمير المؤمنين- (عليه السلام)(12)- و تعدادها، قال‏

____________

(1) هكذا في المصدر. و في الأصل ور: «سعد». و امّا بالنسبة إلى «مروك بيّاع اللؤلؤ» ر. تنقيح المقال 3/ 210، رقم 11664.

(2) المصدر: و لا يبتهل.

(3) نفس المصدر 2/ 480، ذيل حديث 4.

(4) نفس المصدر.

(5) نفس المصدر 2/ 480- 481، ضمن حديث 5.

(6) نفس المصدر 2/ 481، ذيل حديث 7.

(7) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(8) نفس المصدر 2/ 514، ح 2.

(9) الخصال/ 550، ضمن حديث 30.

(10) المصدر: بأهل بيتي.

(11) نفس المصدر/ 576، ضمن حديث 1.

(12) «أمير المؤمنين- (عليه السلام)-» ليس في ر.

120

- (عليه السلام)-: و [أمّا] (1) الرّابعة و الثّلاثون، فإنّ النّصارى ادّعوا أمرا، فأنزل اللّه- عزّ و جلّ- فيه: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ [ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ.] (2) فكانت نفسي نفس رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و النّساء فاطمة و الأبناء الحسن و الحسين، ثمّ ندم القوم، فسألوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الإعفاء، فعفا عنهم و قال‏ (3): و الّذي أنزل التّوراة على موسى و الفرقان على محمّد، لو باهلونا لمسخوا (4) قردة و خنازير.

[و في روضة الكافي‏ (5): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد عن الحسن ابن ظريف، عن عبد الصّمد بن بشير، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال لي أبو جعفر- (عليه السلام)-: [يا أبا الجارود،] (6) ما يقولون لكم في الحسن و الحسين- (عليهما السلام)

قلت‏ (7): ينكرون علينا أنّهما أبناء رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

قال: فأيّ‏ (8) شي‏ء احتججتم عليهم، يا أبا الجارود (9)؟

قلت: احتججنا عليهم بقول اللّه- تعالى- لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:

فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

و في مجمع البيان‏ (10): و قال- (عليه السلام)-: إنّ كلّ بني بنت ينسبون إلى أبيهم إلّا أولاد فاطمة فإنّي أنا أبوهم.

في عيون الأخبار (11)، في باب جمل من أخبار موسى بن جعفر- (عليه السلام)- مع‏

____________

(1) من المصدر.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: «فأعفاهم» بدل «فعفا عنهم و قال».

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: لمسخهم.

(5) الكافي 8/ 317، ضمن حدث 501.

(6) من المصدر.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: «قال قال» بدل: «قلت»

(8) كذا في المصدر. و في الأصل لا يقرأ. و لعلّ الصّواب: فبأيّ.

(9) «يا أبا الجارود» ليس في المصدر.

(10) مجمع البيان.-

(11) عيون أخبار الرضا 1/ 84- 85.

121

هارون الرّشيد لمّا قال له: كيف تكونون ذرّيّة رسول اللّه و أنتم أولاد ابنته؟ حديث طويل يقول فيه- (عليه السلام)- لهارون: أزيدك، يا أمير المؤمنين.

قال: هات.

قلت: قول اللّه- تعالى-: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ‏، و لم يدّع أحد أنّه أدخل النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- تحت الكساء عند المباهلة للنّصارى، إلّا عليّ بن أبي طالب و فاطمة و الحسن و الحسين، فكان تأويل قوله- عزّ و جلّ-: أبناءنا، الحسن و الحسين. و نساءنا، فاطمة. و أنفسنا، عليّ بن أبي طالب. على أنّ العلماء قد أجمعوا، على أنّ جبريل قال يوم أحد: يا محمّد، إنّ هذه لهي المواساة من عليّ.

قال: لأنّه منّي و أنا منه.

و فيه‏ (1): في باب ذكر مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع المأمون في الفرق بين العترة و الأمّة حديث طويل، و فيه قالت العلماء: فأخبرنا هل فسّر اللّه- تعالى- الاصطفاء في الكتاب؟

فقال الرّضا- (عليه السلام)-: فسّر الاصطفاء في الظّاهر سوى الباطن في اثني عشر موطنا و موضعا، فأوّل ذلك قوله- عزّ و جلّ- إلى أن قال: و أمّا الثّالثة، فحين ميّز اللّه الطّاهرين من خلقه. فأمر نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالمباهلة بهم في آية المباهلة (2)، فقال- عزّ و جلّ-: يا محمّد، فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ.

فبرز (3) النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليّا و الحسن و الحسين و فاطمة- (صلوات اللّه عليهم)- و قرن أنفسهم بنفسه، فهل‏ (4) تدرون ما معنى قوله: وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ‏؟

____________

(1) نفس المصدر 1/ 297، ح 53.

(2) هكذا في الأصل. و في المصدر: الابتهال.

(3) هكذا في المصدر. و في الأصل لا يقرأ. و لعلّ الصواب: فأبرز.

(4) الأصل: «بل». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

122

قالت العلماء: عنى به نفسه.

فقال أبو الحسن- (عليه السلام)-: غلطتم، إنّما عنى به عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و ممّا يدلّ على ذلك قول النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حين قال:

لينتهينّ بنو وليعة أو لأبعثنّ إليهم رجلا كنفسي، يعني عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام).

و عنى بالأبناء، الحسن و الحسين- (عليهما السلام)- و عنى بالنّساء، فاطمة- (عليها السلام)- فهذه خصوصيّة لا يتقدّم فيها أحد، و فضل لا يلحقهم فيه بشر، و شرف لا يسبقهم إليه خلق، إذ جعل نفس عليّ كنفسه.

و فيه‏ (1): عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل يقول فيه- (عليه السلام)-: يا عليّ من قتلك فقد قتلني، و من أبغضك فقد أبغضني، و من سبّك فقد سبّني، لأنّك منّي كنفسي، روحك من روحي و طينتك من طينتي.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (2): عن أبي جعفر الثّاني، حديث طويل ذكرته بتمامه في سورة يونس، عند قوله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍ‏ (الآية). و فيه أنّ المخاطب بذلك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و لم يكن في شكّ ممّا أنزل اللّه- عزّ و جلّ- و لكن قالت الجهلة: كيف لا يبعث‏ (3) اللّه‏ (4) إلينا نبيّا [من الملائكة، إنّه‏] (5) لم يفترق بينه و بين غيره في الاستغناء عن المأكل و المشرب و المشي في الأسواق؟

فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ‏- بمحضر من الجهلة- هل بعث‏ (6) اللّه- عزّ و جلّ- رسولا قبلك إلّا و هو يأكل الطّعام و يمشي في الأسواق، و لك بهم أسوة.

و إنّما قال: و فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍ‏، و لم يكن‏ (7) و لكن ليتفهّم‏ (8)، كما قال- (عليه السلام)- (9):

____________

(1) نفس المصدر 1/ 297، ح 53.

(2) علل الشرائع/ 129، ح 1. و فيه: «علي بن محمد» بدل «أبي جعفر الثاني».

(3) هكذا في المصدر. و في الأصل: لا بعث.

(4) ليس في المصدر.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: هل يبعث.

(7) المصدر: و لم يقل.

(8) المصدر: ليتبعهم.

(9) المصدر: «كما قال له- صلى الله عليه و آله-» بدل «كما قال (عليه السلام)».