تحقيق ما للهند

- محمد بن أحمد أبو ريحان البيروني المزيد...
536 /
55

و الطهارة و يديم الصوم و التقشّف و يعتصم بعبادة اللّه تسبيحا و تمجيدا و يديم إخطار «اوم» التي هي كلمة التكوين و الخلق على قلبه دون التكلّم به، و ذلك أنّ ترك الإماتة في الحيوان هو نوع جنسه الكفّ عن الإيذاء و الإضرار، و يدخل فيه اغتصاب ما للغير و الكذب بعد ما فيه من القبح و النذالة، و في ترك الادّخار نفض التعب و الأمان من طالب الفضلة و حصول الراحة من ذلّ الرّقّ بعزّ الحرّيّة، و في لزوم الطهارة وقوف على قذر البدن و داعية إلى بغضه و حبّ النفس الطاهرة، و في تعذيب النفس بالتقشّف تلطيفه و تسكين شرّته و تذكية حواسّه، كما قال «فيثاغورس» لرجل ذي عناية بإخضاب بدنه و إنالته الشهوات: إنك غير مقصّر في تشييد محبسك و تقوية رباطك و إيثاقه، و في الاعتصام بذكر اللّه تعالى و الملائكة تألّف معهم ففي كتاب «سانك»: إنّ كلّ شي‏ء يظنّه الإنسان غاية له فإنّه لا يتعدّاه، و في كتاب «كيتا»: كلّ ما أدام الإنسان التفكّر فيه و التذكّر له فمنطبع فيه حتى أنّه يهدى به من غير قصد و لأنّ وقت الموت هو وقت التذكّر لما يحبّه فإذا فارق الروح البدن اتّحد بذلك الشي‏ء و استحال إليه، و كلّ ما له ذهاب و عود فالاتّحاد به ليس بالخلاص الخالص، على أنه قيل في هذا الكتاب: إنّ من عرف عند موته أنّ اللّه هو كلّ شي‏ء و منه كلّ شي‏ء فإنّه متخلّص و إن قصرت رتبته عن رتب الصدّيقين، و فيه أيضا: اطلب النجاة من الدنيا بترك التعلّق بجهالاتها و إخلاص النّية في الأعمال و قرابين النار للّه من غير طمع في جزاء و مكافاة و اعتزال الناس الّذي حقيقته أن لا تفضل واحدا لصداقة على آخر لعداوة و تخالف الغفلة في النوم وقت انتباههم و الانتباه وقت رقادهم فإنّه عزلة عنهم على شهادة (1) معهم، ثم حفظ النفس عن النفس فإنّها العدوّ إذا اشتهت و نعم الولي إذا عفّت، و قد قال سقراط عند قلّة اكتراثه بالقتل و فرحه بالوصال إلى ربّه: ينبغي ان لا تنحطّ رتبتي عند أحدكم عن رتبة «قوقنس» (2) الّذي يقال إنّه طائر «آبلون الشمس» و إنّه يعلم الغيب لذلك و إنّه إذا

____________

(1) من ز، و في ش: شهادته.

(2) من ز، و في ش: قوقيش.

56

أحسّ بموته أكثر الإلحان طربا و سرورا بالمصير إلى مخدومه و لا أقلّ من أن يكون فرحي كفرح هذا الطائر بوصولي الى معبودي، و لهذا قالت الصوفيّة في تحديد العشق: إنّه الاشتغال بالخلق عن الحقّ، و في كتاب «پاتنجل»: نقسم طريق الخلاص إلى أقسام ثلاثة، أحدها العملي بالتعويد و مداراة على قبض الحواسّ من خارج الى داخل حتى لا تشتغل إلّا بك، و قد اطلق لمن رام هذا الكفاف، ففي كتاب «بشن دهرم»: إنّ «پريكش» الملك الّذي من نسل «پرك» سأل «شتانيك» رئيس جماعة من الحكماء حضروه عن معنى من المعاني الإلهيّة؟

فأجابه بأنّه لا يقول فيه إلّا ما سمعه من «شونك» و هو عن «اوشن» و هو عن «براهم»: إنّ اللّه هو الّذي لا أوّل له و لا آخر لم يتولّد عن شي‏ء و لم يولد شيئا إلّا ما لا يمكن ان يقال إنّه هو لا يمكن ان يقال إنّه غيره، و أنّى يكون لي طاقة بذكر من الخير المحض في رضاءه و الشرّ المحض في سخطه؟ و هل يمكن إدراك معرفته حتى يعبد حقّ عبادته إلّا بالاشتغال به عن الدنيا بالكلّيّة و إدامة الفكرة فيه؟ فقيل له: إنّ الإنسان ضعيف و عمره نزر طفيف و لا تكاد نفسه تطاوعه على ترك الضروريّات في معاشه فيمنعه ذلك عن طريق الخلاص فلو كان في الزمان الأوّل حين امتدّت الأعمار إلى آلاف السنين و طابت الدنيا بعدم الشرور لكان يؤمّل عمل الواجب فأمّا في آخر الزمان فمادا تراه له في الدنيا الدائرة حتى يتمكّن من عبور البحر و ينجو من الغرق؟ قال براهم: لا بدّ للإنسان من الغذاء و الكنّ و اللباس فلا بأس به فيها و لكّن الراحة ليست إلّا في ترك ما عداها من الفضول و متاعب الأعمال فاعبدوا اللّه خالصا و اسجدوا له و تقرّبوا إليه في موضع العبادة بالتحف من الطيب و الزهر و سبّحوه و ألزموه قلوبكم حتى لا تزايله و تصدّقوا على البراهمة و غيرهم و انذروا إليه النذور الخاصّة كترك اللحم و العامّة كالصوم، و الحيوانات له فلا تميّزوها عنكم فتقتلوها و اعلموا أنّه كلّ شي‏ء فما تعملونه فليكن لأجله و إن تنعّمتم بشي‏ء (1) من زخارف الدنيا فلا تنسوه في النيّة و إنّ غرضكم فيه التقوى و الاقتدار

____________

(1) من ش، و ليس في ز كلمة «بشي‏ء».

57

على عبادته فبهذا تنالون الخلاص دون غيره، و قد قيل في «كيتا»: من أمات شهوته لم يتجاوز الحاجات الاضطراريّة و من لزم الكفاف لم يختز و لم يسترذل، و قيل فيه أيضا: إن كان الإنسان غير مستغن عمّا تضطرّ الطبيعة إليه من مطعوم يسكّن نائرة المسغبة و نوم يزيل عادية الحركات المتعبة و مجلس يهدأ فيه فمن شريطته النظافة و الوثارة و التوسّط في الارتفاع عن وجه الأرض و الكفاية من انبساط البدن عليه و موضع معتدل المزاج غير مؤذ ببرد أو وهج مأمون فيه اقتراب الهوامّ فإن ذلك معين على تحديد القلب لإدامة الفكرة في الوحدانيّة لأنّ ما عدا الضروريّات في المأكول و الملبوس ملاذّ و هي شدائد مستورة و الاسترواح إليها منقطع و إلى أشقّ مشقّة مستحيل و ما اللّذة إلّا لمن أمات العدوّين اللذين لا يطاقان أعني الشهوة و الغضب في حياته دون مماته و استراح من داخله دون خارجه فاستغنى عن حواسّه، و قال «باسديو، لأرجن»: إنّ كنت تريد الخير المحض فاحرس أبواب بدنك التسعة و اعرف الوالج فيها و الخارج و احبس فؤادك عن نشر أفكاره و سكّن النفس بتذكّر كوّة اليافوخ التي انسدّت و اشتدّت بعد لينها فلم يحتج اليها و لا تر الإحساس إلّا طباعا في آلات الحواسّ حتى لا تتبعه، و القسم الثاني الغفليّ بمعرفة سوءة الموجودات المتغيّرة و الصور الفانية حتى ينفر القلب عنها و ينقطع الطمع دونها و يحصل الاعتلاء على القوى الثلاث الأول التي هي سبب الأعمال و اختلافها، و ذلك أنّ المحيط بأحوال الدنيا يعلم أنّ خيرها شرّ و راحتها مستحيلة في المكافاة إلى شدة فيعرض عمّا يؤكّد الارتباك و يولد المقام، و في كتاب «كيتا»: إنّ الناس قد ضلّوا في الأوامر و النواهي و لم يهتدوا لتمييز الخير من الشرّ في الأعمال فتركها و التخلّي عنها هو العمل، و فيه أيضا: إنّ طهارة العلم تفوق طهارة سائر الأشياء لأنّ بالعلم استئصال الجهل و استبدال اليقين بالشكّ الذي هو مادّة العذاب فلا راحة لشاكّ؛ و معلوم من ذلك أنّ القسم الأوّل آلة للقسم الثاني ثم القسم الثالث أولى أن يكون آلة لكليهما و هو العبادة ليوفّق اللّه لنيل الخلاص و يؤهّل لقالب ينال فيه التدرّج إلى السعادة، و قد قسم العبادة صاحب كيتا على‏

58

البدن و الصوت و القلب، فعلى البدن الصوم و الصلاة و موجبات الشريعة و خدمة الملائكة و علماء البراهمة و تنظيف البدن و التبرّؤ من القتل أصلا و من ملاحظة ما للغير من النساء و غيرهنّ، و على الصوت القراءة و التسبيح و لزوم الصدق و ملاينة الناس و إرشادهم و أمرهم بالمعروف، و على القلب تقويم النيّة و ترك التعظّم و لزوم التأنّي و جمع الحواسّ مع انشراح الصدر، ثمّ اتّبعها بقسم رابع خرافيّ و يسمّى «رساين» و هي تدابير بأدوية تجري مجرى الكيمياء في تحصيل الممتنعات بها، و سيجي‏ء لها ذكر و ليس لها بهذا (1) الفنّ اتّصال إلّا من جهة العزيمة و تصحيح النيّة بالتصديق لها و السعي في تحصيلها. و إنّما ذهبوا في الخلاص إلى الاتّحاد لأنّ اللّه مستغن عن تأميل مكافاة أو خشية مناواة، بري‏ء عن الأفكار لتعاليه عن الأضداد المكروهة و الأنداد المحبوبة، عالم بذاته لا بعلم طاري‏ء لما لم يكن له بمعلوم في حال ما، و هذا أيضا صفة المتخلّص عندهم فلا ينفصل عنه فيها إلّا بالمبدإ فإنه لم يكن في الأزل المتقدّم كذلك من أجل أنّه كان قبله في محلّ الارتباك عالما بالمعلوم و علمه كالخيال مكتسب بالاجتهاد و معلومه في ضمان الستر، و أمّا في محلّ الخلاص فالستور مرفوعة و الأغطية مكشوفة و الموانع مقطوعة و الذات عالمة غير حريصة على تعرّف شي‏ء خفي منفصلة عن المحسوسات الداثرة متّحدة بالمعقولات الدائمة، و لذلك سأل السائل في خاتمة كتاب «پاتنجل» عن كيفيّة الخلاص؟ فقال المجيب: إن شئت فقل هو تعطّل القوى الثلاث و عودها إلى المعدن الذي صدرت عنه، و إن شئت فقل هو رجوع النفس عالمة إلى طباعها؛ و قد اختلف الرجلان فيمن حصلت له رتبة الخلاص، فسأل الناسك في كتاب «سانك» لم لا يكون الموت عند انقطاع الفعل؟ قال الحكيم: من أجل أنّ الموجب للانفصال حالة نفسانيّة و الروح بعد في البدن و لا يفرّق بينهما إلّا حال طبيعيّ مفرّق للالتئام و ربّما بقي التأثير بعد زوال المؤثر مدّة يفتر فيها و يتراجع إلى‏

____________

(1) من ش، و في ز: بذا.

59

أن يفني مثل الحرّار الذي يدير دوّارته بخشبة حتى يحتدّ دورانها ثمّ يتركها و ليست تسكن مع إزالة الخشبة المديرة عنها و إنّما يفتر (1) حركتها قليلا قليلا إلى أنّ تبطل فكذلك البدن بعد ارتفاع الفعل يبقى فيه الأثر حتى ينصرف في الشدّة و الراحة إلى انقطاع القوّة الطبيعية و فناء الأثر المتقدّم فيكون كمال الخلاص عند انجدال البدن، و أمّا في كتاب «پاتنجل» فالذي يشهد لمثل ما تقدّم قوله فيمن قبض حواسّه و مشاعره قبض السلحفاة اعضاءها عند الخوف: إنّه ليس بموثوق لأنّه حلّ الرباط و لا متخلّص لأنّ بدنه معه، و الذي يخالفه من كلامه قوله: إنّ الأبدان شباك الأرواح لاستيفاء المكافاة و المنتهي الى درجة الخلاص. قد استوفاها في قالبه على ماضي الفعل ثمّ تعطّل عن الاكتساب للمستأنف فانحلّ عن الشبكة و استغنى عن القالب و تقلقل فيه غير مشتبك فهو قادر على الانتقال الى حيث أحبّ و متى اراد لأعلى وجه الموت فإنّ الأجسام الكثيفة المتماسكة غير ممانعة لقالبه فكيف جسده لروحه؛ و إلى قريب من هذا يذهب الصوفيّة فقد حكى في كتبهم عن بعضهم: إنّه وردت علينا طائفة من الصوفيّة و جلسوا بالبعد عنّا و قام أحدهم يصلّي فلمّا فرغ التفت و قال لي يا شيخ تعرف هاهنا موضعا يصلح لأن نموت فيه؟ فظننت أنّه يريد النوم فأومأت إلى موضع و ذهب و طرح نفسه على قفاه و سكن فقمت إليه و حرّكته و إذا أنّه قد برد، و قالوا في قول اللّه تعالى‏ «إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ» (2): إنّه إن شاء طويت له و إن شاء مشى على الماء و الهواء يقاومانه‏ (3) فيه و لا تقاومه الجبال في القصد. و أمّا من تخلّف عن رتبة الخلاص مع اجتهاده فتختلف درجاتهم، و قيل في «سانك»: إنّ المقبل على الدنيا مع حسن السيرة الجواد بما يملك منها مكافى في الدنيا بنيل الأمانّي و الإرادة و التردّد فيها على السعادة مغبوطا في البدن و النفس‏

____________

(1) من ش، و في ز: تفتر.

(2) القرآن 18/ 84.

(3) من ز، و في ش: تقاومانه.

60

و الحال فإنّ حقيقة الدولة أنّها مكافاة على الأعمال السابقة في ذلك القالب او غيره، و الزاهد في الدنيا من غير علم يفوز بالاعتلاء و الثواب و لا يتخلّص لعوز الآلة، و القانع المستغني إذا اقتدر على الثمانية الحال المذكورة و اغترّ بها و تنجّح و ظنّها الخلاص بقي عندها، و ضرب مثل‏ (1) للمتفاضلين في درجات المعرفة برجل غلّس مع تلاميذه في حاجة فاعترض لهم في الطريق شخص منتصب حجز ظلام الليل عن معرفة حقيقته فالتفت الرجل إلى تلاميذه و سألهم عنه واحدا بعد آخر، فقال الأوّل: لا أدري ما هو و قال الثاني: لا أدريه و لا قدرة لي على درايته، و قال الثالث: لا فائدة في معرفته فإنّ طلوع النهار يبديه فإن كان مخفيا انصرف بالاصباح و إن كان غيره اتّضح لنا أمره، فجميع الثلاثة قاصرون عن المعرفة، أوّلهم بالجهل و الثاني بالعجز و آفة في الآلة و الثالث بالتراخي و الرضاء بالجهل و أمّا الرابع فلم يجد جوابا قبل التّثبّت فقصده و حين قاربه رأى يقطينا عليه ملتفّ‏ (2) فعلم أنّ الانسان الحيّ المختار لا يبقى في موضعه قائما إلى أن يحصل عليه ذلك الالتفات و تحقّق أنّه موات منصوب، ثم لم يأمن أن يكون مخبئا لمزبلة شي‏ء فدنا منه و ركله برجله حتى سقط و زالت الشبهة في أمره و عاد إلى أستاذه بالخبر اليقين و قد فاز من يديه‏ (3) بالمعرفة. و أمّا مشابه كلام اليونانيّين لهذه المعاني فإنّ «امّونيوس» حكى عن فيثاغورس قوله: ليكن حرصكم و اجتهادكم في هذا العالم على الاتّصال بالعلّة الأولى التي هي علّة علّتكم ليكون بقاؤكم دائما و تنجون من الفساد و الدثور، و تصيرون إلى عالم الحسّ الحقّ و السرور الحقّ و العزّ الحقّ في سرور و لذّات غير منقطعة، و قال فيثاغورس: كيف ترجون الاستغناء مع لبس الأبدان و كيف تنالون العتق و أنتم فيها محبوسون؟ و قال «امونيوس»: أمّا «انباذقلس» و من تقدّمه إلى «هرقل» فإنّهم رأوا أنّ الأنفس الدنسة تبقى بالعالم متشبّثة حتى تستغيث بالنفس‏

____________

(1) من ز، و في ش: مثلا.

(2) من ز، و في ش: ملتفا.

(3) من ز، و في ش: يديهم.

61

الكلّيّة فتتضرّع لها إلى العقل و العقل إلى البارئ فيفيض من نوره عليه و يفيض العقل منه على النفس الكلّية و هي في هذا العالم فتستضي‏ء به حتى تعاين الجزئيّة الكلّيّة و تتصل بها فتلحق بعالمها إلّا أنّ ذلك بعد دهور كثيرة تمرّ عليها ثمّ تصير الى حيث لا مكان و لا زمان و لا شي‏ء ممّا في هذا العالم من تعب او سرور منقطع؛ و قال سقراط: النفس بذاتها تصير إلى القدس الدائم الحياة الثابت على الأبد بما فيها من المجانسة عند ترك التحيّز فتصير مثله في الدوام لأنّها منفعلة منه بشبه التماسّ و يسمّى انفعالها عقلا، و قال ايضا: النفس مشابهة جدّا للجوهر الإلهي الذي لا يموت و لا ينحلّ و المعقول الواحد الثابت على الأزل، و الجسد (1) على خلافها، فإذا اجتمعا أمرت الطبيعة البدن أن يخدم و النفس ان ترأس، فإذا افترقا ذهبت النفس إلى غير مكان الجسد و سعدت بما يشبهها و استراحت من التحيّز و الحمق و الجزع و العشق و الوحشة و سائر الشرور الإنسيّة، و ذلك أنّها إذا كانت نقيّة و للجسد باغضة، و أمّا إذا انتجست بموافقة الجسد و خدمته و عشقه حتى تسخّر الجسد منها بالشهوات و اللذّات فإنّها لا ترى شيئا أحقّ من النوع الجسميّ و ملامسته؛ و قال «ابروقلس»: الجرم الذي حلّته النفس الناطقة قبل الشكل الكريّ كالأثير (2) و أشخاصه و الذي حلّته و غير الناطقة قبل الاستقامة كالانسان، و الذي حلّته غير الناطقة فقط قبل الاستقامة بانحناء كالحيوانات غير الناطقة، و الذي خلا عنهما و لم يوجد فيه غير القوّة الغاذية قبل الاستقامة و تمّ انحناؤه بالانتكاس و انغرس رأسه في الأرض كالحال في النبات، و إذ صار على خلاف الانسان فالانسان شجرة سماويّة أصلها نحو مبدئها و هو السماء كما صار أصل النبات نحو مبدئه و هو الأرض؛ و ذهب الهند في الطبيعة إلى شبه من ذلك قال «ارجن»: كيف مثال براهم في العالم؟ قال «باسديو»: توهّمه شجرة «اشوت» (3) و هي معروفة

____________

(1) من ز، و في ش: الحيد.

(2) من ز، و في ش: كالأيثر.

(3) من ز، و في ش: آشوب.

62

عندهم من كبار الأشجار و أحرارها معكوسة الوضع، عروقها في العلوّ و غصونها في السفل قد غزر غذاؤها حتى غلظت و انبسط فروعها (1) و تشبّثت بالأرض فعلقت بها و تشابه في الجهتين فروعها و عروقها فاشتبهت، فبراهم من هذه الشجرة عروقها العليا و ساقها «بيذ» و غصونها الآراء و المذاهب و أوراقها الوجوه و التفاسير و غذاؤها بالقوى الثلاث و استغلاظها و تماسكها بالحواسّ، و ليس للعاقل سوى قطعها نفاس وقيع هو الزهد في الدنيا و زخارفها فإذا تمّ له قطعها طلب من عند منشئها موضع القرار الذي يعدم فيه العود، و إذا ناله فقد خلّف أذى الحرّ و البرد و راءه و وصل من ضياء النيّرين و النيران إلى الأنوار الإلهية؛ و إلى طريق «پاتنجل» ذهبت الصوفيّة في الاشتغال بالحقّ فقالوا: ما دمت تشير فلست بموحّد حتى يستولى الحقّ على إشارتك بافنائها عنك فلا يبقى مشير و لا إشارة، و يوجد في كلامهم ما يدلّ على القول بالاتّحاد كجواب احدهم عن الحقّ: و كيف لا أتحقّق من هو «أنا» بالإنّيّة و «لا أنا» بالأينيّة، إن عدت فبالعودة فرقت و إن أهملت فبالاهمال خففت و بالاتّحاد ألفت، و كقول ابي بكر الشبلي: اخلع الكلّ تصل إلينا بالكلّيّة فتكون و لا تكون إخبارك عنّا و فعلك فعلنا، و كجواب ابي يزيد البسطامي و قد سئل بم نلت ما نلت: إنّي انسلخت من نفسي كما تنسلخ الحيّة من جلدها ثمّ نظرت الى ذاتي فإذا أنا هو، و قالوا في قول اللّه تعالى «فقلنا اضربوه ببعضها» (2): إنّ الأمر بقتل الميّت لاحياء الميّت إخبار أنّ القلب لا يحيى بأنوار المعرفة إلّا بإماتة البدن بالاجتهاد حتى يبقى رسما لا حقيقة له و قلبك حقيقة ليس عليه أثر من المرسومات، و قالوا: إنّ بين العبد و بين اللّه ألف مقام من النور و الظلمة و إنّما اجتهاد القوم في قطع الظلمة الى النور فلمّا وصلوا إلى مقامات النور لم يكن لهم رجوع.

____________

(1) من ش، و ليس في ز حرف «و».

(2) القرآن 2/ 73.

63

ح- في أجناس الخلائق و أسمائهم‏

هذا باب يصعب تحصيله على التحقيق لأنّا نطالعه من خارج و أولئك لا يهذّبونه و لاحتياجنا إليه فيما بعده نقرّر منه جميع المسموع إلى وقت تحرير هذه الأحرف و نحكي أوّلا ما في كتاب «سانك» منه، قال «الناسك»: كم أجناس الأبدان الحيّة و أنواعها؟ قال الحكيم: أجناسها ثلاثة، هي الروحانيّون في الأعلى و الناس في الوسط و الحيوانات في الأسفل، و أمّا أنواعها فهي أربعة عشر منها للروحانيّين ثمانية هي براهم و إندر و پرجاپت و سومي‏ (1) و كاندهرب و جكش و راكشس و پيشاچ، و منها للحيوانات خسمة، هي بهائم و وحش و طير و زحّافة و نابتة أعني الأشجار، و الإنس نوع واحد، و قد عدّدها صاحب هذا الكتاب في موضع آخر منه بأسماء أخر هكذا براهم، أندر، پرجاپت، كاندهرب، جكش، راكشس، پتر، پيشاچ، و هؤلاء قوم قلّما يراعون الترتيب و يجزفون جدّا في التعديد فالأسماء عندهم كثيرة و الميدان خال؛ و قال «باسديو» في «كيتا»: إنّ القوّة الأولى من الثلاث الأول إذا غلبت انعقدت على العقل و تصفية الحواسّ و العمل للملائكة و لذلك صارت الراحة من توابعها و الخلاص من نتائجها، و إذا غلبت الثانية انعقدت على الحرص و أدّت‏ (2)، إلى التعب و حملت على الأعمال‏

____________

(1) من ز، و في ش: وسومين.

(2) من ز، و في ش: و أدتا.

64

لجكش و راكشس و يكون الجزاء فيها يحسب العمل، و إذا غلبت الثالثة انعقدت على الجهل و الا؟؟؟ خداع بالأمانيّ حتى تولّد السهر و الغفلة و الكسل و تأخير الواجب و دوام السنة فإن عمل فلأجناس «بهوت» و «پيشاج»، الأبالسة و لپريت حاملي الأرواح في الهواء لا في الجنّة و لا في جهنّم و عقباها العقاب و الانحطاط عن رتبة الإنس إلى الحيوان و النبات و قال في موضع آخر منه: الإيمان و الفضيلة من الروحانيّين في «ديو» و لهذا صار من يجانسهم من الإنس مؤمنا بالله معتصما به مشتاقا إليه، و الكفر و الرذيلة في الشياطين المسمّين «أسر» و «راكشس» و من شابههم من الإنس كان كافرا بالله غير ملتفت إلى أوامره معطّلا للعالم عنه مشتغلا بما يضرّ في الدارين و لا ينفع. فإذا جمع بين هذه الأقاويل ظهر الاضطراب منها في الأسماء و في الترتيب، فأمّا المشهور فيما بين الجمهور من أجناس الروحانيّين الثمانية فهو «ديو» و هم الملائكة و لهم ناحية الشمال و اختصاصهم بالهند، و قد قيل: إنّ «زردشت» ناكر الشمنيّة في تسمية الشياطين باسم أشرف صنف عندهم و بقي ذلك في الفارسيّة من جهة المجوسيّة، ثمّ «ديت دانو» و هم الجنّ الذين في ناحية الجنوب و في قسمتهم كلّ من خالف نحلة الهند و عادى البقر، و على قرب القرابة بينهم و بين الملائكة زعموا: لا ينقطع التنازع بينهم و لا تهدأ حروبهم، ثمّ «كاندهرب» أصحاب الألحان و الأغانيّ بين أيدي الملائكة و تسمى قحابهم «آپسرس»، ثمّ «جكش» خزّان الملائكة، ثمّ «راكشس» شياطين مشوّهون، ثمّ «كنّر» على صورة الناس ما خلا رؤوسهم فإنّها رؤوس الأفراس على خلاف قنطور سات اليونانيّين فإنّ صورة الفرس في نصف البدن الأسفل منها و صورة الإنسان في نصفها (1) الأعلى و منها صورة برج القوس، ثمّ «ناك» و هي على صورة الحيّات، ثمّ «بدّاذر» و هم جنّ سحرة لا يدوم رواج سحرهم، فالقوّة الملكيّة في الطرف الأوّل و الشيطنة في الطرف الأسفل و الامتزاج فيما بين الطرفين،

____________

(1) من ز، و في ش: نصفه.

65

و إنّما اختلفت صفاتهم لأنّهم نالوا هذه الرتبة بالعمل و الأعمال مختلفة بحسب القوى الثلاث، و طال بقاؤهم بسبب تجرّدهم عن الأبدان و زال التكليف عنهم و قدروا على ما عجز الإنس عنه فخدموهم في المطالب و تقرّبوا إليهم في المآرب؛ و لنعلم ممّا حكيناه عن «سانك» أنّه غير محصّل فليس «براهم» و «إندر» و «پرجاپت» أسماء لأنواع، إنّما براهم و پرجاپت متقاربا المعنى تختلف أسماؤهما باختلاف صفة ما، و «إندر» هو رئيس العوالم، و أيضا فإنّ «باسديو» قد عدّ «جكش» و «راكشس» معا في طبقة واحدة من الشيطنة و «الپرانات» تنطق في جكش: إنّهم خزّان و خدم خزّان. فنقول بعد هذا: إنّ الروحانيّين المذكورين طبقة قد نالوا رتبتهم بالعمل وقت التأنّس و خلّفوا الأبدان وراءهم فإنّها أثقال مزيلة للقدرة مقصّرة للمدّة، و اختلفت صفاتهم و أحوالهم بحسب غلبة القوى الثلاث الأول عليهم فاختصّ بأولاها و حصلت لهم الراحة و الهناءة و رجح فيهم تصوّر المعقول «ديو» أعني الملائكة بلا مادّة كما رجح في الإنس تصوّر المحسوس في المادّة و اختص «پيشاج» و «بهوت» بالثالثة، و المراتب التي بينها بالثانية، و قالوا في عدد ديو: إنّه ثلاثة و ثلاثون كورتي منه لمهاديو أحد عشر و لذلك صار هذا العدد لقبا من ألقابه و اسمه دالّا عليه و يكون جملة العدد المذكورة للملائكة ...، ..، ..، 33، ثمّ جوّزوا عليهم معنى الأكل و الشرب و الجماع و الحياة و الموت لأنّهم في حيّز المادّة و إن كانوا منها في الجانب الألطف الأبسط و لأنّهم قد نالوا ذلك بالعمل دون العلم، و في كتاب «پاتنجل»: إنّ «ثندكشيفر» (1) أكثر القرابين لمهاديو فانتقل إلى الجنّة بقالبه الجسدانيّ، و إن «اندر» الرئيس زنى بامرأة «نهش» البرهمن فمسخ حيّة على وجه العقوبة؛ و تحتهم مرتبة «پترين» الآباء الموتى و تحت هؤلاء «بهوت» أناس قد اتّصلوا بالروحانيّة و توسّطوا، فأمّا من جاز الرتبة غير مجرّد عن البدن فيسمّون «رش» و «سدّو «؟ من» و يتفاضلون‏

____________

(1) من ش، و في ز: كيشفر.

66

بالصفات و يتمايزون و سدّ هو الذي نال بعمله الاقتدار على ما شاء في الدنيا و اقتصر على ذلك و لم يجتهد في طريق الخلاص و له الترقّي إلى مرتبة «رش» و إليها يتدرّج البرهمن فيسمّى «برهمرش» و إذا تدرّج إليها «كشتر» سمّى «راج رش» و ليس ذلك لمن دونهما، و «رشين» هم الحكماء الذين على إنسيّتهم أفضل من الملائكة بسبب العلم و لذلك يستفيده الملائكة منهم فليس فوقهم إلّا براهم، و يسفل عن هؤلاء طبقاتهم الموجودة فيما بيننا و لذكرهم باب على حدة. و كلّ هؤلاء تحت المادّة فأمّا التصوّر ما (1) علاها فقلنا (2): إنّ الهيولى واسطة بين المادّة و بين التي فوقها من المعاني النفسانيّة و الإلهيّة و إنّ فيه القوى الثلاث الأول بالقوّة فكأنّ الهيولى بما فيه جسر من العلوّ إلى السفل فما يسري فيه على القوّة الأولى خالصا يسمّى «براهم» و «پرجاپت» و أسماء أخر كثيرة من جهة الشرع و الأخبار و معناه راجع إلى الطبيعة في عنفوان فعلها لأنّ الإنشاء حتى خلق العالم منسوب إلى براهم عندهم، و ما يسري فيه على القوّة الثانية يسمّى «ناراين» في الأخبار و يرجع معناه إلى الطبيعة عند انتهاء فعلها غايته فإنّها تجتهد حينئذ في الإبقاء كذلك اجتهاد ناراين في إصلاح العالم ليبقى، و ما يسري فيه على القوّة الثالثة يسمّى «مهاديو» و «شنكر» و أشهر أسمائه «ردر» و هو للإفساد (3) و الإفناء كالطبيعة في أواخر فعلها و فتور قوّتها، و إنّما تختلف أسماؤهم بعد السريان في هذه المعارج و المدارج الى السفل فتختلف أفعالهم فأمّا قبل ذلك فالمنبع واحد و لذلك يجمعونهم فيه و لا يفرقون أحدهم عن الآخر و يسمّونه «بشن» و هذا الاسم بالقوّة الوسطى أولى بل لا يفرقون بينها و بين العلة الأولى و يذهبون مذهب النصارى في تمييز أسامي الأقانيم بالأب و الابن و روح القدس بعضها من بعض و جمعها بجوهر واحد، فهذا ما يلوح من كلامهم عند النظر و التحصيل فأمّا على وجه الخبر

____________

(1) من ز، و في ش: مما.

(2) من ز، و في ش: قلنا.

(3) من ش، و في ز: للفساد.

67

و الرواية التي يكثر فيها الخرافة فسيجي‏ء ذكره في خلال الكلام، و لا يتعجّب‏ (1) من أقاويلهم في طبقة «ديو» التي عبّرنا عنها بالملائكة (2) و تجويزهم عليهم ما لا تجوّزه العقول ممّا نزّههم متكلّمو الإسلام عن مباحه فضلا عن محظوره فإنّك إذا جمعت بين أقاويلهم تلك و أقاويل اليونانيّين في ملّتهم زال الاستغراب، و قد قدّمنا أنّهم كانوا سمّوا الملائكة «آلهة» فطالع ما ورد لهم في «زوس» حتى تتحقّق ما قلناه أمّا ما هو صادر فيه عن مشابه الحيوانيّة و الإنسيّة فقولهم: إنّه لمّا ولد رام أبوه أكله و قد تقدّمت الأمّ بلفّ حجر في خرق فألقمته إيّاه حتى انصرف، و قد ذكر ذلك جالينوس في «كتاب الميامر» في قوله: إنّ «فيلن‏ (3)» ألغز بوصف معجون «فلونيا» في شعره فقال: خذ شعرا أحمر (4) من الشعر الذي يفوح منه رائحة الطيب و هو قربان الآلهة و دمه فتزن منه أوزانا بقدر عقول الناس، و عنى بذلك الزعفران خمسة مثاقيل لأنّ الحواسّ خمس، و ذكر سائر الأخلاط بأوزانها على أنواع من الرموز فسّرها جالينوس و فيها: و من الأصل المكذوب عليه الذي نشأ في البلد الذي ولد فيه «زوس» فقال: إنّ هذا هو السنبل لأنّه مكذوب عليه في اسمه قد سمّي «سنبلا» و ليس بسنبل و إنّما هو أصل، و أمر أن يكون «اقريطيّا» لأنّ أصحاب الأمثال يقولون في «زوس» إنّه ولد في جبل «ديقطاون» في «قريطي» حيث كانت والدته تخبؤه‏ (5) من أبيه «قرونس» لئلا يبتلعه كما ابتلع غيره، ثمّ ما في التواريخ المشهورة من تزوّجه بالنّساء المعروفات واحدة بعد أخرى و إحبال بعض منهنّ مغصوبات غير منكوحات و منها «آورقّة بنت فونيكوس» الذي‏ (6) أخذها منه‏

____________

(1) من ش، و في ز: نتعجب.

(2) من ز، و في ش: و بالملائكة.

(3) من ز، و في ش: قيلن.

(4) من ز و في ش: أجمر.

(5) من ز، و في ش: تخباءه.

(6) من ز، و في ش: التي.

68

«اسطارس» ملك «اقريطى» و أولدها بعده «مينوس» و «ردمنتوس‏ (1)» و ذلك بعيد زمان خروج بني اسرائيل من التيه إلى أرض فلسطين، و ما ذكر أنّه مات بأقريطى و دفن بها في زمان «شمسون» الإسرائيليّ و له سبع مائة و ثمانون سنة و أنّه سمّي «زوس» لمّا طال عمره بعد أن كان يسمّى «ديوس» و أنّ أوّل من سمّاه بهذا الاسم «ققرفّس» الملك الأوّل بأثينية و الحال بينهما في المواطأة على ما مالا إليه من تسريح الزّبّ يمينا و شمالا و تسهيل قياد القيادة على شبه حال «زردشت» مع «كشتاسب» فيما راماه من تقوية الملك و السياسة، و قد زعم المؤرّخون أنّ الفضائح في القوم جرت من ققرفّس و من قام بعده من الملوك وعنوا بذلك مشابه ما في أخبار الإسكندر أنّ «نقطينابوس» ملك مصر لمّا هرب من «أردشير» الأسود و اختفى في مدينة «ماقيدنيا (2)» يتنجّم و يتكهّن احتال على «أولمفيذا» امرأة «بيلبس» ملكها و هو غائب حتى كان يغشاها خداعا و يري نفسه على صورة «أمون» الإله في شبح حيّة ذات قرنين كقرني الكبش إلى أن حبلت بالإسكندر و كاد «بيلبس» عند رجوعه ان ينتفي منه و ينفيه فرأى في المنام أنّه نسل الإله أمون فقبله و قال لا معاندة مع الآلهة و كان حتف «نقطينابوس» على يد الاسكندر على وجه الإعناق‏ (3) في النجوم و من ذلك عرف أنّه كان أباه، و أمثال هذا كثير في أخبارهم و سنأتي‏ (4) بنظائره في مناكح الهند، ثمّ نقول و أمّا ما لا يتّصل بالبشريّة في أمر «زوس» فقولهم: إنّه المشتري ابن زحل لأنّ زحل عند أصحاب «المظلّة» على ما قال جالينوس في «كتاب البرهان»: أزليّ البقاء وحده غير متولد، و يكفي ما في كتاب «اراطس» في «الظاهرات» فإنّه يفتتحه بتمجيد زوس: و إنّه الذي نحن معشر الناس لا ندعه و لا نستغني عنه، الذي ملأ الطرق و مجامع الناس و هو

____________

(1) من ز، و في ش: درمينوس.

(2) من ز، و في ش ماقيدونيا.

(3) كذا في ش و ز.

(4) من ز، و في ش: سيأتي.

69

رؤوف بهم، مظهر للمحبوبات، ناهض بهم إلى العمل، مذكر بالمعاش،؟ مخبر بالأوقات المختارة للحفر و الحرث للنشوء الصحيح و من نصب في الفلك من العلامات و الكواكب، و لهذا نتضرّع إليه أوّلا و أخيرا؛ و يمدح‏ (1) الروحانيّين بعده، و متى قايست بين الطبقتين كانت هذه أوصاف براهم؛ و مفسّر كتاب «الظاهرات» زعم أنّه خالف الشعراء في ابتدائهم بالآلهة أنّه أزمع أن يتكلّم على الفلك، ثمّ نظر أيضا كما نظر جالينوس في نسب «اسقليپيوس» فقال: نحبّ نعرف أيّ زوس عنى أراطس الرمزيّ أم الطبيعيّ لأن «اقراطس» الشاعر سمى الفلك «زوس» و كذلك قال «أوميرس»: كما تقطع قطع الثلج من زوس، و أراطس سمّى الأيثر (2) و الهواء زوس في قوله: إنّ الطرق و المجامع مملوءة منه و إنّ كلّنا محتاجين إلى استنشاقه، و لهذا زعم أنّ رأي أصحاب «الأسطوان» في زوس أنّه الروح المنبثّة بالهيولى المناسبة لأنفسنا أي الطبيعة السائسة لكلّ جسد طبيعيّ، و نسبه إلى الرأفة لأنّه علّة الخيرات فبحقّ زعم أنّه ليس أولد الناس فقط بل الآلهة أيضا.

____________

(1) من ز، و في ش نمدح.

(2) من ز، و في ش: الأثير.

70

ط- في ذكر الطبقات التي يسمّونها ألوانا و ما دونها

كلّ أمر صدر عن مستهتر طبعا بالسياسة، مستحقّ بفضله و قوّته للرئاسة، ثابت الرأي و العزيمة، معان بدولة في الأخلاف بتركهم الخلاف بالأسلاف فقد تأكّد ذلك الأمر عند مأمور به تأكّد الجبال الرواسي و بقي فيهم مطاعا في الأعقاب على كرور الأيّام و مرور الأحقاب، ثمّ إن استند ذلك إلى جانب من جوانب ملّة فقد توافى فيه التوأمان و كمل الأمر باجتماع الملك و الدين و ليس وراء الكمال غاية تقصد؛ و قد كان الملوك القدماء المعنيّون بصناعتهم يصرفون معظم اهتمامهم إلى تصنيف الناس طبقات و مراتب يحفظونها عن التمازج و التهارج و يحظرون الاختلاط عليهم بسببها و يلزمون كلّ طبقة ما إليها من عمل أو صناعة و حرفة و لا يرخّصون لأحد في تجاوز رتبته و يعاقبون من لم يكتف بطبقته؛ و سير أوائل الأكاسرة تفصح بذلك فلهم فيه آثار قويّة لم يقدح فيه تقرّب بخدمة و لا توسّل برشوة حتى أنّ «أردشير بن بابك» عند تجديده ملك فارس جدّد الطبقات و جعل الأساورة و أبناء الملوك في أولاها، و النسّاك و سدنة النيران و أرباب الدين في ثانيتها، و الأطبّاء و المنجّمين و أصحاب العلوم في ثالثتها، و الزرّاع و الصنّاع في رابعتها، على مراتب في كلّ واحدة منها تميّز الأنواع في أجناسها على حدة بحيالها، و كلّ ما كان على هذا المثال صار كالنسب إن ذكرت أوائله و نشبا (1) إن‏

____________

(1) من ز، و في ش نسبا.

71

نسيت أسبابه و قواعده، و النسيان لا محالة بتطاول الأمد و تراخي الأزمنة و تكاثر القرون مقرون، و للهند في أيّامنا من ذلك أوفر الحظوظ حتى أنّ مخالفتنا إيّاهم و تسويتنا بين الكافّة إلّا بالتقوى أعظم الحوائل بينهم و بين الإسلام، و هم يسمّون طبقاتهم «برن» أي الألوان و يسمّونها من جهة النسب «جاتك» أي المواليد، و هذه الطبقات في أوّل الأمر أربع، علياها «البراهمة» قد ذكر في كتبهم أنّ خلقتهم من رأس «براهم» و أنّ هذا الاسم كناية عن القوّة المسمّاة «طبيعة» و الرأس علاوة الحيوان فالبراهمة نقاوة الجنس و لذلك صاروا عندهم خيرة الإنس، و الطبقة التي تتلوهم «كشتر» خلقوا بزعمهم من مناكب براهم و يديه و رتبتهم عن رتبة البراهمة غير متباعدة جدّا و دونهم «بيش» خلقوا من رجلي براهم، و هاتان المرتبتان الأخيرتان متقاربتان، و على تمايزهم تجمع المدن و القرى، أربعتهم مختلطي المساكن و الدور، ثمّ أصحاب‏ (1) المهن دون هؤلاء غير معدودين في طبقة غير الصناعة و يسمّون «أنتز» و هم ثمانية أصناف بالحرف و يتمازجون بما يشابهها من الحرف الأخر سوى القصّار و الإسكاف و الحائك فإنّه لا ينحطّ إلى حرفتهم سائرهم و هم القصّار و الإسكاف و اللعّاب و نسّاج الزنابيل و الأترسة و السفّان و صيّاد السمك و قنّاص الوحوش و الطيور و الحائك فلا يساكنهم الطبقات الأربع في بلدة و إنّما يأوون إلى مساكن تقربها و تكون خارجها، و أمّا «هادي» و «دوم» و «چندال» و «بدهتو» فليسوا معدودين في شي‏ء و إنّما يشتغلون برذالات الأعمال من تنظيف القرى و خدمتها، و كلّهم جنس واحد يميّزون بالعمل كولد الزناء فقد ذكر أنّهم يرجعون إلى أب «شودر» و أمّ «برهمن» خرجوا منهما بالسفاح فهم منفيّون منحطّون، و يلحق كلّ واحد من أهل الطبقات سمات و ألقاب بحسب فعله و طريقته كالبرهمن مثلا فإنّ هذه سمته مطلقة إذا لزم بيته في عمله فإذا لزم خدمة نار واحدة لقّب «آيشتهي» و إذا خدم ثلاثا من النيران فهو «آكن هو تري» و إذا قرّب للنار مع ذلك فهو «ديكشت»، فكذلك هؤلاء إلّا أنّ «هادي» أحمدهم‏

____________

(1) من ش، و ليس في ز كلمة «أصحاب».

72

لأنّه يترفّع عن القاذورات و يتلوه دوم لأنّه يجنكي‏ (1) و يطرب و من بعدهما يترشّح للقتل و العقوبات صناعة و يتولّاها (2) و شرّهم «بدهتو (3)» فإنّه لا يقتصر بأكل الميتة المعهودة و لكنّه يتجاوزها إلى الكلاب و أمثال ذلك، و كلّ طبقة من الأربع فإنّها تصطفّ في المؤاكلة على حدة و لا يشتمل صفّ على نفرين مختلفي الطبقة فإن كان في صفّ البراهمة مثلا نفران منهم متنافران و تقارب مجلساهما فرق بين المجلسين بلوح يوضع فيما بينهما أو ثوب يمدّ أو شي‏ء آخر بل إن خطّ بينهما تمايزا، و لأنّ الفضلة من الطعام محرّمة فإنّها توجب الانفراد بالمأكول لأنّه إذا تناوله أحد المؤاكلين في قصعة واحدة صار ما بقي بتناول الآخر و انقطاع أكل الأوّل فضلة محرّمة. فهذه حال الطبقات الأربع و قد قال «باسديو» حين سأله «آرجن‏ (4)» عن طباع الطبقات الأربع و ما يجب أن يتخلّقوا به من الأخلاق: يجب أن يكون «البرهمن» وافر العقل، ساكن القلب، صادق اللهجة، ظاهر الاحتمال، ضابطا للحواسّ، مؤثرا للعدل، بادي النظافة، مقبلا على العبادة، مصروف الهمّة إلى الديانة، و أن يكون «كشتر» مهيبا في القلوب، شجاعا، متعظّما، ذلق اللسان، سمح اليد غير مبال بالشدائد حريصا على تيسير الخطوب و أن يكون «بيش» مشتغلا بالفلاحة و اقتناء السوائم و التجارة؛ و «شودر» مجتهدا في الخدمة و التملّق، متحبّبا إلى كلّ أحد بها؛ و كلّ من هؤلاء إذا ثبت على رسمه و عادته نال الخير في إرادته إذا كان غير مقصّر في عبادة اللّه، غير ناس ذكره في جلّ أعماله، و إذا انتقل عمّا إليه إلى ما إلى طبقة أخرى و إن شرفت عليه كان إثما بالتعدّي في الأمر؛ و قال أيضا لأرجن‏ (5) مشجّعا إيّاه على قتال العدوّ: أما تعلم يا

____________

(1) من ز، و في ش: يحنكر.

(2) من ز، و في ش: يتولاهم.

(3) من ز، و في ش: بدهثو.

(4) من ز، و في ش: أرجن.

(5) من ز، و في ش: لأرجن.

73

طول الباع أنّك «كشتر» و جنسك مجبول على الشجاعة و الاقدام و قلّة الاكتراث لنوائب الأيّام و مخالفة النفس في حديثها بالاهتمام إذ لا ينال الثواب إلّا بذلك فإن ظفر فإلى الملك و النعمة و إن هلك فإلى الجنّة و الرحمة، و وراء ما تظهره من الرقّة للعدوّ و الجزع على قتل هذه الطائفة انتشار خبرك بالجبن و الفشل و ذهاب صيتك عمّا بين الجبابرة و الشجعان البزّل و سقوطك عن أعينهم و اسمك عن جملتهم، و لست أعرف عقابا أشدّ من هذا الحال فالموت خير من التعرّض لما يورث العار، فإن كان اللّه أمرك و أهّل طبقتك بالقتال و خلقك له فاصدع بأمره و انفذ بمشيئته بعزيمة مجرّدة عن الأطماع ليكون عملك له؛ و أمّا الخلاص فقد اختلفوا فيمن هو معدّ له من هذه الطبقات فقال بعضهم: إنّه ليس لغير «البراهمة» و «كشتر» ما لا يمكنهم فقط من تعلّم «بيذ»، و قال المحققون منهم: إنّ الخلاص مشترك الطبقات و لجميع نوع الإنس إذا حصلت لهم النيّة بالتمام، و ذلك بدلالة قول «بياس»: أعرف الخمسة و العشرين معرفة تحقيق ثمّ انتحل أيّ دين شئت فإنّك متخلّص لا محالة، و بدلالة مجي‏ء «باسديو» من نسل «شودر» و قوله لأرجن‏ (1): إنّ اللّه مليّ بالمكافاة من غير حيف و لا محاباة يحتسب بالخير شرّا إذا نسي فيه و بالشرّ خيرا إذا ذكر فيه و لم ينس و إن كان فاعله «بيشا» أو «شودرا» أو امرأة فضلا أن يكون «برهمنا» أو «كشترا».

____________

(1) من ز، و في ش: لأرجن.

74

ي- في منبع السنن و النواميس و الرسل و نسخ الشرائع‏

قد كانت اليونانيّة تأخذ السنن و النواميس من حكمائهم المنتدبين لذلك المنسوبين إلى التأييد الإلهيّ مثل «سولن» و «دروقون» و «فيثاغورس» و «مينس» و أمثالهم، و كذلك كان يفعله ملوكهم فإنّ «ميانوس» لمّا تسلّط على جزائر البحر و «الأقريطيّين» و ذلك بعد أيّام موسى بقريب من مائتي سنة وضع لهم نواميس على أنّها مأخوذة من «زوس» و في ذلك الزمان وضع «مينس» النواميس و في زمان «دارا» الأوّل الذي كان بعد «كورش» أنفذ الروم إلى أهل «أثينية» رسلا و أخذوا منهم النواميس في اثني عشر كتابا إلى أن ملكهم «فنفيلوس» و تولّى وضع السنن لهم و صيّر شهور السنة اثني عشر بعد أن كانت لهم عشرة و يدلّ على إكراهه إيّاهم أنّه وضع معاملاتهم بالخزف و الجلود بدل الفضّة فإنّ ذلك يكون من الحنق على من لا يطيع؛ و في المقالة الأولى من «كتاب النواميس» لأفلاطن قال الغريب من أهل أثينية: من تراه كان السبب في وضع النواميس لكم أهو بعض الملائكة أو بعض الناس؟ قال «الأقنوسيّ»: هو بعض الملائكة أمّا بالحقيقة عندنا فزوس و أمّا أهل «لاقاذامونيا» فإنّهم يزعمون أنّ واضع النواميس لهم «أفوللن»، ثمّ قال في هذه المقالة: إنّه واجب على واضع النواميس إذا كان من عند اللّه أن يجعل غرضه في وضعها اقتناء أعظم الفضائل و غاية العدل، و وصف نواميس أهل «أقريطس» بهذه الصفة و أنّها مكملة لسعادة من استعملها على‏

75

الصواب لأنّه يقتني بها جميع الخيرات الإنسيّة المتعلّقة بالخيرات الإلهيّة، و قال «الأثينيّ» في المقالة الثانية من هذا الكتاب: لمّا رحم الآلهة جنس البشر من أجل أنّه مطبوع على التعب هيّؤا لهم أعيادا للآلهة و للسكينات و لأفوللن مدبّر «السكينات» و لديونوسيس مانح البشر الخمرة دواء من عفوصة الشيخوخة ليعودوا فتيانا بالذهول عن الكآبة و انتقال خلق النفس من الشدّة إلى السلامة، و قال أيضا:

إنّهم ألهموهم‏ (1) تدابير الرقص و الإيقاع المستوي الوزن جزاء على المتاعب و ليتعوّدوا معهم في الأعياد و الأفراح، و لذلك سمّى نوع من أنواع الموسيقى في الرمز لصلوات الآلهة «تسابيح»؛ فهذا كان حال هؤلاء و على مثله أمر الهند فإنّهم يرون الشريعة و سننها صادرة عن «رشين» الحكماء قواعد الدين دون الرسول الذي هو «ناراين» المتصوّر عند مجيئه بصور الإنس و لن يجي‏ء إلّا لحسم مادّة شرّ يطلّ‏ (2) على العالم أو لتلافي واقع و لا عوض في شي‏ء من أمر السنن و إنّما تعمل‏ (3) بها كما تجدها فلأجل هذا وقع الاستغناء عن الرسل عندهم في باب الشرع و العبادة و إن وقعت الحاجة إليهم في مصالح البريّة؛ فأمّا نسخها فكأنّه غير ممتنع عندهم لأنّهم يزعمون أنّ أشياء كثيرة كانت مباحا قبل مجي‏ء «باسديو» ثمّ حرّمت و منها لحم البقر، و ذلك لتغيّر طباع الناس و عجزهم عن تحمّل الواجبات و منها أمر الأنكحة و الأنساب فإنّ النسب كان وقتئذ على أحد ثلاثة أصناف، أحدها من صلب الأب في بطن الأمّ المنكوحة كما هو الآن عندنا و عندهم و الثاني من صلب الختن في بطن الابنة المزفوفة إذا شورط على أن يكون الولد لأبيها فيكون حينئذ ولد الابنة للجدّ المشارط دون الأب الزارع و الثالث من صلب الأجنبيّ في بطن الزوجة لأنّ الأرض للزوج فيكون أولاد المرأة لزوجها إذا كانت الزراعة برضا

____________

(1) من ز، و في ش: الهموم.

(2) من ز، و في ش: بطل.

(3) من ز، و في ش: يعمل.

76

منه، و على هذا الوجه كان «پاندو» منسوبا إلى بنوّة «شنتن» و ذلك أنّه عرض لهذا الملك بدعاء بعض الزّهاد عليه ما منعه عن اقتراب نسائه مع عدم الولد فسأل «بياس بن پراشر» أن يقيم له من نسائه ولدا يخلفه و وجّه بإحداهنّ إليه فخافته لمّا دخلت عليه و ارتعدت فحبلت منه بحسب تلك الحالة مسقاما مصفارّا، ثمّ وجّه بالثانية إليه فاحتشمته و تقنّعت بخمارها فولدت «درت راشتر» أكمه غير صالح، و وجّه بالثالثة و أوصاها برفض الهيبة و الحشمة فدخلت ضاحكة مستبشرة و حبلت ببدر الذي فاق الناس في المجون و الشطارة، و قد كان لأولاد «پاندو» الأربعة زوجة مشتركة فيما بينهم تقيم عند كلّ واحد شهرا، بل في كتبهم: إنّ «پراشر» الزاهد ركب سفينة فيها للسفّان ابنة و إنّه عشقها و راودها عن نفسها (1) حتى لانت عريكتها إلّا أنّه لم يكن على الشط ساتر عن الأبصار و إنّ «طرفاء» نبت من ساعته لتسهيل الأمر فضاجعها خلف الطرفاء و أحبلها بابنه هذا الفاضل «بياس» و ذلك كلّه الآن مفسوخ منسوخ، فلهذا يتخيّل من كلامهم جواز النسخ، فأمّا هذه الفضائح في الأنكحة فيوجد منها الآن و في مواضي الجاهليّة فإنّ ساكني الجبال الممتدّة من ناحية «پنچهير» إلى قرب «كشمير» يفترضون الاجتماع على امرأة واحدة إذا كانوا إخوة؛ و كان نكاح العرب في جاهليّتها على ضروب، منها أنّ أحدهم كان يرسم لامرأته أن ترسل إلى فلان و تستبضع منه، ثمّ يعتزلها أيّام حملها رغبة منه في نجابة الولد، و هذا هو القسم الثالث للهند، و منها أنّه كان يقول للآخر أنزل عن امرأتك لي و أنزل لك عن امرأتي، فيفعلان بالبدال، و منها أنّ النفر كانوا يغشونها فإذا وضعت ألحقته بأبيه، فإن لم تعرفه عرفته القافة، و منها «نكاح المقت» بامرأة الأب أو الابن و اسم الولد منه «ضيزن»؛ و لا يبعد عن اليهود فقد فرض عليهم أن ينكح الرجل امرأة أخيه إذا مات و لم يعقب و يولد لأخيه المتوفي نسلا منسوبا إليه دونه لئلا يبيد من العالم ذكره، و يسمّون فاعل ذلك بالعبريّة «يبمّ»؛ و كذلك‏

____________

(1) من ز، و في ش: نفسه.

77

المجوس ففي كتاب «توسر هربذ الهرابذة» إلى «پدشوار (1) كرشاه» جوابا عمّا تجنّاه على «أردشير بن بابك»: أمر الإبدال عند الفرس إذا مات الرجل و لم يخلّف ولدا أن ينظروا فإن كانت له امرأة زوّجوها من أقرب عصبته باسمه، و إن لم تكن له امرأة فابنة المتوفّي أو ذات قرابته فإن لم توجد خطبوا على العصبيّة من مال المتوفّي فما كان من ولد فهو له، و من أغفل ذلك و لم يفعل فقد قتل ما لا يحصى من الأنفس لأنّه قطع نسل المتوفّي و ذكره إلى آخر الدهر؛ و إنّما حكيت هذا ليعرف بإزائه حسن الحقّ و يزداد ما باينه عند المقايسة قباحة (2).

____________

(1) من ز، و في ش: برشوار.

(2) من ز، و في ش: صاحب.

78

يا- في مبدإ عبادة الاصنام و كيفية المنصوبات‏

معلوم أنّ الطباع العامّي نازع إلى المحسوس نافر عن المعقول الذي لا يعقله إلّا العالمون الموصوفون في كل زمان و مكان بالقلّة، و لسكونه إلى المثال عدل كثير من أهل الملل إلى التصوير في الكتب و الهياكل كاليهود و النصارى‏ (1) ثم المنانية خاصّة، و ناهيك شاهدا على ما قلته: أنّك لو أبديت صورة النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) أو مكّة و الكعبة لعامّتي أو امرأة لوجدت من نتيجة الاستبشار فيه دواعي التقبيل و تعفير الخدّين و التمرّغ كأنّه شاهد المصوّر و قضى بذلك مناسك الحج و العمرة، و هذا هو السبب الباعث على إيجاد الأصنام بأسامي الأشخاص المعظّمة من الأنبياء و العلماء و الملائكة مذكّرة أمرهم عند الغيبة و الموت مبقية آثار تعظيمهم في القلوب لدى الفوت الى ان طال العهد بعامليها و دارت القرون و الأحقاب عليها و نسيت أسبابها و دواعيها و صارت رسما و سنّة (2) مستعملة، ثم داخلهم اصحاب النواميس من بابها إذ كان ذلك أشدّ انطباعا فيهم فأوجبوه عليهم و هكذا وردت الأخبار فيمن تقدّم عهد الطوفان و فيمن تأخّر عنه و حتّى قيل أنّ كون الناس قبل بعثة الرسل أمّة واحدة هو على عبادة الأوثان، فأمّا اهل التوراة فقد عيّنوا أوّل هذا الزمان بأيام «ساروغ» جدّ

____________

(1) من ز، و في ش: صاحب.

(2) من ز، و في ش: وسبه.

79

أب» «ابراهيم»، و أمّا الروم فزعموا أنّ «روملس» و «روماناوس» الأخوين من أفرنجة لمّا ملكا بنيا «رومية» ثم قتل روملس أخاه و تواترت الزلازل و الحروب بعده حتى تضرّع روملس فأرى في المنام أنّ ذلك لا يهدأ إلّا بأن يجلس أخاه على السرير، فعمل صورة من ذهب و أجلسه معه، و كان يقول أمرنا بكذا، فجرت عادة الملوك بعده بهذه المخاطبة و سكنت الزلازل، فاتخذ عيدا و ملعبا يلهي به ذوي الأحقاد من جهة الأخ، و نصب للشمس أربعة تماثيل على أربعة أفراس، أخضرها للأرض، و اسما نجونها للماء و أحمرها للنار و أبيضها للهواء، و بقيت إلى الآن قائمة برومية، و إذ نحن في حكاية ما الهند (1) عليه فإنّا نحكي خرافاتهم في هذا الباب بعد أن نخبر أنّ ذلك لعوامّهم فأمّا من أم نهج الخلاص أو طالع طرق الجدل و الكلام و رام التحقيق الذي يسمّونه «سار» (2) فإنّه يتنزه عن عبادة أحد ممّا دون اللّه تعالى فضلا عن صورته المعمولة، فمن تلك القصص ما حدّث به «شونك» الملك «پريكش» قال: كان فيما مضى من الأزمنة ملك يسمّى «انبرش» نال من الملك مناه، فرغب عنه و زهد في الدنيا و تخلّى للعبادة و التسبيح زمانا طويلا حتى تجلّى له المعبود في صورة «إندر» رئيس الملائكة راكب فيل و قال: سل ما ما بدا لك لأعطيكه، فأجابه بأنّي سررت برؤيتك و شكرت ما بذلته من النجاح و الإسعاف لكنّي لست أطلب منك بل ممّن خلقك، قال «اندر»: إنّ الغرض في العبادة حسن المكافاة عليها فحصّل الغرض ممّن وجدته منه و لا تنتقد قائلا لا منك بل من غيرك، قال الملك: أمّا الدنيا فقد حصلت لي و قد رغبت عن جميع ما فيها و إنّما مقصودي من العبادة رؤية الربّ و ليست إليك فكيف أطلب حاجتي منك، قال اندر: كلّ العالم و من فيه في طاعتي فمن أنت حتى تخالفني، قال الملك: انا كذلك سامع مطيع إلّا أنّي اعبد من وجدتّ أنت هذه القوّة من لدنه‏

____________

(1) من ز، و في ش: للهند.

(2) من ز، و في ش: سرا.

80

و هو ربّ الكلّ الذي حرسك من غوائل الملكين «بل» و «هرثكش» فخلّني و ما آثرته و ارجع عني بسلام، قال اندر: فإذ أبيت إلّا مخالفتي فإنّي قاتلك و مهلكك، قال الملك: قد قيل إنّ الخير محسود و الشر له ضدّ و من تخلّى عن الدنيا حسدته الملائكة فلم يخل من إضلالهم إيّاه و أنا من جملة من اعرض عن الدنيا و أقبل على العبادة و لست بتاركها ما دمت حيّا و لا اعرف لنفسي ذنبا أستحق به منك قتلا فإن كنت فاعله بلا جرم منّي فشأنك و ما تريد على أنّ نيّتي إن خلصت للّه و لم يشب يقيني شوب لم تقدر على الإضرار بي و كفاني ما شغلتني به عن العبادة و قد رجعت إليها و لمّا اخذ فيها تجلّى له الربّ في صورة إنسان على لون النيلوفر الأكهب بلباس اصفر راكب الطائر المسمّى «كرد» في إحدى أيديه الأربع «شنك» و هو الحلزون الذي ينفخ فيه على ظهور الفيلة و في الثانية «جكر» (1) و هو السلاح المستدير الحادّ المحيط الذي إذا رمي به حزّ ما أصاب و في الثالثة حرز و في الرابعة «بذم» و هو النيلوفر الأحمر، فلمّا رآه الملك اقشعرّ جلده من الهيبة و سجد و سبّح كثيرا فآنس وحشته و بشّره بالظفر بمرامه، فقال الملك: كنت نلت ملكا لم ينازعني فيه أحد و حالة لم ينغصها علّى حزن أو مرض فكأنّي نلت الدنيا بحذافيرها ثمّ اعرضت عنها لما تحققت ان خيرها في العاقبة شرّ عند التحقيق و لم اتمنّ غير ما نلته الآن و لست أريد بعده غير التخلّص من هذا الرباط، قال الربّ: هو بالتخلي عن الدنيا بالوحدة (2) و الاعتصام بالفكرة و قبض الحواس إليك، قال الملك: هب أني قدرت على ذلك بسبب ما أهّلت له من الكرامة فكيف يقدر عليه‏ (3) غيري و لا بدّ للإنسان من مطعوم و ملبوس و هما واصلان بينه و بين الدنيا فهل غير ذلك؟ قال له: استعمل بملكك و بالدنيا على الوجه القصد و الأحسن و اصرف النيّة إليّ فيما تعمله من تعمير الدنيا و حماية اهلها و فيما تتصدّق به بل و في كلّ الحركات فإن غلبك نسيان الانسيّة

____________

(1) من ز، و في ش: وجكر.

(2) من ز، و في ش: بالواحدة.

(3) من ز، و في ش: عليها.

81

فاتخذ تمثالا كما رأيتني عليه و تقرّب بالطيب و الأنوار إليه و اجعله تذكار لي لئلّا تنساني حتّى إن عنيت فبذكري و إن حدّثت فباسمي و إن فعلت فمن أجلي، قال الملك: قد وقفت على الجمل فأكرمني بالبيان و التفصيل، قال: قد فعلت و ألهمت «بسشت» قاضيك جميع ما يحتاج إليه فعّول في المسائل عليه، ثمّ غاب الشخص عن عينه و رجع الملك إلى مقرّه و فعل ما أمر به؛ قالوا: فمن وقتئذ تعمل الأصنام بعضها ذوات أربع ايد (1) كما وصفنا و بعضها ذوات يدين بحسب القصّة و الصفة و بحسب صاحب الصورة، و أخبروا أيضا بأن لبراهم ابن يسمّى «نارذ» لم تكن له همّة غير رؤية الربّ و كان من رسمه في تردّده إمساك عصا معه إذ كان يلقيها فتصير حيّة و يعمل بها العجائب و كانت لا تفارقه و بينا هو في فكرة المأمول إذ رأى نورا من بعيد فقصده و نودي منه أنّ ما تسأله و تتمنّاه ممتنع الكون فليس يمكنك ان تراني إلّا هكذا و نظر فإذا شخص نوراني على مثال اشخاص الناس، و من حينئذ وضعت الأصنام بالصور؛ و من الاصنام المشهورة صنم «مولتان» باسم الشمس و لذلك سمّى «آدت» و كان خشبيّا ملبّسا بسختيان أحمر في عينيه ياقوتتان حمراوان، يزعمون أنه عمل في «كرتاجوك» الأدنى فهب أنّه كان في آخر ذلك الزمان و منه إلينا من السنين 216432، و كان محمّد بن القاسم بن المنبّه لمّا افتتح المولتان نظر إلى سبب عمارتها و الأموال المجتمعة فيها فوجد ذلك الصنم إذ كان مقصودا محجوبا من كلّ أوب، فرأى الصلاح في تركه بعد أن علّق لحم بقر في عنقه استخفافا به و بنى هناك مسجد جامع، فلمّا استولت «القرامطة» على المولتان كسر «جلم ابن شيبان» المتغلّب ذلك الصنم و قتل سدنته و جعل بيته و هو قصر مبنىّ من الآجرّ على مكان مرتفع جامعا بدل الجامع الأوّل و أغلق ذاك بغضا لما عمل في أيّام بني أميّة، و لمّا أزال الأمير المحمود (رحمه اللّه) أيديهم عن تلك الممالك اعاد الجمعة إلى الجامع الأوّل و أهمل هذا الثاني فليس الآن إلّا بيدار

____________

(1) من ز، و في ش: ايدي.

82

لصبر الحنّا، و إذا اسقطنا المئين و ما دونها بسبب تقدّم وقت ظهور «القرامطة» أيّامنا على أنّ ذلك خول مائة سنة بقي 216000 و هو ما بين آخر «كرتاجوك» إلى قريب من أوّل الهجرة فكيف بقاء الخشبة عليها مع نداوة الهواء و الأرض هناك! و اللّه اعلم؛ و مدينة «تانيشر» عندهم معظّمة و كان صنمها يسمّى «جكر سوام» أي صاحب جكر الذي وصفناه من الأسلحة و هو من صفر قريب القدر من مقدار الانسان هو الآن ملقى في الميدان بغزنة مع رأس «سومنات» الذي هو صورة مذاكير «مهاديو» و يسمّى هذه الصورة «لنك» و سيجي‏ء خبر سومنات في موضعه، فأمّا جكر سوام فقد قالوا: إنّه عمل في أيّام «بهارث» تذكرة من تلك الحروب، و في داخل «كشمير» على مسيرة يومين أو ثلاثة من القصبة نحو جبال «بلور» بيت صنم خشبي يسمّى «شارد» يعظّم و يقصد. و نحن نذكر جوامع باب من كتاب «سنكهت» في عمل الأصنام تعين على معرفة ما نحن فيه، قال «براهمهر»: إنّ الصورة المعمولة إذا كانت لرام بن دشرت او لبل بن بروجن فاجعل القامة مائة و عشرين إصبعا من اصابع الصنم و لغيرهما بنقصان عشر ذلك اعني مائة و ثمانيا (1) و اجعل ايدي صنم «بشن» ثمانيا او أربعا أو اثنين و على جنبه الأيسر تحت الثندؤة صورة امرأة «شري» فإن عملته ذا أيد (2) ثمان فاجعل‏ (3) في اليمنى سيفا و في الثانية عمود ذهب أو حديد و في الثالثة سهما و الرابعة كأنّها مغترفة و في اليسرى ترسا و قوسا و جكرا و حلزونا، و إن عملته ذا أربع فأسقط القوس و السهم، و إن جعلته ذا يدين فليكن اليمنى مغترفة و في اليسرى حلزون، و إن كانت الصورة «بلديو» أخ «ناراين» فشنّف أذنيه و أسكر عينيه، و إن عملت كلتي الصورتين فاقرن بهما أختهما «بهكبت» و يدها اليسرى على خاصرتها متحافية عن‏

____________

(1) من ز، و في ش: و ثمان.

(2) من ز، و في ش: ايدي.

(3) من ز، و في ش: فاجعله.

83

الجنب و في يمناها نيلوفر، و إن عملتها ذات‏ (1) أربع أيد ففي اليمين سبحة و كفّ مغترفة و في اليسار دفتر و نيلوفر، و إن عملتها ذات ثمان ففي اليسار «كمندل» و هو جرّة و نيلوفرة و قوس و دفتر و في اليمين سبحة و مرآة و سهم و كفّ مغترفة، و إن كانت الصورة لسانب ابن بشن فاجعل في يده اليمنى عمودا فقط، و إن كانت لپردّمن ابن بشن ففي يده اليمنى سهم و في اليسرى قوس، و إن عملت امرأتيهما فضع في اليمنى سيفا و في اليسرى ترسا، و صنم «براهم» ذو أربعة أوجه في الجهات الأربع على نيلوفر و في يده جرّة، و صنم «اسكند بن مهاديو» صبيّ راكب طاؤس في يده «شكد» و هو كالسيف قاطع في الجانبين و مقبضه في وسطه على هيئة دستج المهراس و في يد صنم «إندر» سلاح يسمّى «بجر» من الألماس و هو مثل «شكد» في المقبض و لكن في كلّ جانب منه سيفان مجتمعان عند المقبض و اجعل على جبهته عينا ثالثة و أركبه فيلا أبيض ذا اربعة أنياب، و كذلك فاجعل في جبهة صنم «مهاديو» عينا ثالثة منتصبة و على رأسه هلالا و في يده سلاحا يسمّى «شول» شبيها بالعمود ذا ثلاث شعب و سيفا و يسراه قابضة على امرأته «كور بنت هممنت» و هو يضمّها الى صدره من جانب جنبه، و أمّا صنم «جن» و هو «البدّ» فبالغ في تحسين وجهه و اعضائه و اجعل أسرار كفّه و باطن قدميه على شكل النيلوفر جالسا على مثله أكهب الشعر هشّاشا كأنّه أب الخلق، و إن عملت «ارهنت» و هو صورة بدن آخر للبدّ فاجعله شابّا عريانا حسن الوجه خيّرا قد بلغت يداه ركبتيه و صورة «شري» المرأة تحت ثندؤته اليسرى، و صنم «ريوتت‏ (2) ابن الشمس» راكب فرس كالمتصيّد، و صنم «جم» ملك الموت على جاموس ذكر و بيده عمود، و صنم «كبير» الخازن متوّجا عظيم البدن واسع الجنبين راكب إنسان، و صنم الشمس احمر الوجه مثل لبّ النيلوفر الأحمر مشرقا كالجوهر بارز الأعضاء

____________

(1) من ز، و في ش: مات.

(2) من ش، و في ز: ريونت.

84

مشنّف الأذنين مقلّد العنق بلآلئ مسبلة على صدره متوجّا بتاج ذي شرف في يديه نيلوفرتان ملبّسا لباس اهل الشمال مرسلا (1) إلى كعبه، و إن عملت الأمّهات السبع فاجمع بينهنّ، أمّا «برهمان» فذات اربعة أوجه في الجهات الاربع، و أمّا «كومار» فذات ستّة اوجه، و أمّا «بيشنب» فذات اربعة أيد (2)، و أمّا «باراه» فرأسها رأس خنزير على بدن إنسان، و أمّا «ايندران» فذات اعين كثيرة و بيدها عمود، و أمّا، «بهكبت» فجالسة كالرسم، و أمّا «جامند» فمشوّهة بارزة الأنياب مضمّرة البطن، ثمّ اقرن اليهنّ ابني «مهاديو» أمّا «كشيتربال» فمقشعرّ الشعر كالح الوجه مشوّه الخلقة، و أمّا «بنايك» فرأسه رأس فيل على بدن إنسان ذي أربع ايد (3) كما تقدّم، و عند جماعة هذه الأصنام يقتل الأغنام و الجواميس بالكتارات ليغتذين بدمائها؛ و لجميع الأصنام مقادير بأصابعها مقدّرة لأعضائها و ربما اختلف في بعضها فإذا حافظ الصانع عليها و لم يزد و لم ينقص فيها بعد عن الإثم و أمن من صاحب الصورة أنّ يصيبه بمكروه فإن جعل الصنم ذراعا و مع كرسيّه ذراعين أنال السلامة و الخصب و إن زاد عليهما كان محمودا بعد أن يعلم أنّ الإفراط في تعظيم الصنم و خاصّة صنم الشمس مضرّ بالوالي و تصغيره مضرّ بصانعه و تضمير بطنه يوالي الجوع في الناحية و إضناؤه يفسد الأموال. فإن زلّت يد الصانع حتى أثّر فيه بضربة وقع له أيضا في جسده ضربة يقتل بها و إن قصرّ في التسوية حتى ارتفع أحد منكبيه على الأخرى هلكت امرأته، و إن قلب عينه إلى فوق عمي في حياته أو إلى أسفل كثرت وساوسه و همومه؛ و متى كان الصنم المصوّر من أحد الجواهر كان خيرا من الخشب و الخشب خير من الطين فإنّ عوائد الجوهر تشمل‏ (3) رجال المملكة و نساءها، و الذهب يخصّ صاحبه بالقوة و الفضّة بالمديح و النحاس بالزيادة في الولاية و الحجر بامتلاك الأرضين، و الصنم يشرّف بصاحبه لا بجوهره‏

____________

(1) من ز، و في ش: مرسلة.

(2) من ز، و في ش: ايدي.

(3) من ز، و في ش: يشمل.

85

فقد ذكرنا أنّ صنم «مولتان» كان خشبيّا و كذلك «لنك» الذي نصبه «رام» عند الفراغ من قتال الشياطين هو من رمل نضده بيده فتحّجرت استعجالا من أجل أنّ اختيار الوقت لنصبه كان سبق فراغ الفعلة من نحت الحجري الذي كان أمر به؛ فأمّا بناء بيته و الرواق حوله و قطع الشجر من أجناس لها أربع و اختيار الوقت لنصبه و إقامة الرسوم له فأمر يطول و يبرم، ثمّ أمر باقامة حدم و سدنة له من فرق شتّى، أمّا لصورة «بشن» ففرقة «بهاكبت» و لصورة الشمس فرقة «مك» أي المجوس و لصورة «مهاديو» فرقة «ابرار» (1) و هم زهّاد يطوّلون الشعور و يرمّدون الجلود، و يعلّقون عظام الموتى من أنفسهم و يسبحون في الغياض و لهشت ما ترين «البراهمة» و لبدّ «الشمنيّة» و لآرهنت» فرقة «تكن» (2)، و بالجملة لكلّ صنم قوم صوّرته فإنّهم أهدى لخدمته، و كان الغرض في حكاية هذا الهذيان أن تعرف الصورة من صنمها إذا شوهد و ليتحقّق ما قلنا من انّ هذه الأصنام منصوبة للعوامّ الذين سفلت مراتبهم و قصرت معارفهم فما عمل صنم قطّ باسم من علا المادّة فضلا عن اللّه تعالى و ليعرف كيف يعبّد (3) السّفل بالتمويهات و لذلك قيل في كتاب «كيتا»: إن كثيرا من الناس يتقرّبون في مباغيهم إليّ بغيري و يتوسّلون بالصدقات و التسبيح و الصلاة لسواي فاقوّيهم عليها و اوفّقهم لها و أوصلهم إلى إرادتهم‏ (4) لاستغنائي‏ (4) عنهم، و قال فيه أيضا «باسديو» لأرجن: ألا ترى أنّ أكثر الطامعين يتصدّون في القرابين و الخدمة أجناس الروحانيّين و الشمس و القمر و سائر النيّرين فإذا لم يخيّب اللّه آمالهم لاستغنائه عنهم و زاد على سؤالهم و آتاهم ذلك من الوجه الذي قصدوه أقبلوا على عبادة مقصوديهم لقصور معرفتهم عنه و هو المتمّم لأمورهم على هذا الوجه من التوسيط و لا دوام لما نيل بالطمع‏

____________

(1) من ز، و في ش: برارا.

(2) من ش، و في ز: نكن.

(3) من ز، و في ش: تعبد.

(4) بياض في ش.

86

و الوسائط إذ هو بحسب الاستحقاق و إنّما الدوام لما نيل بالله وحده عند التبرّم بالشيخوخة و الموت و الولاد، فهذا ما في كلام باسديو؛ و هؤلاء الجهّال إذا وجدوا نجاحا بالاتفاق أو العزيمة و انضاف إلى ذلك شي‏ء من مخاريق السدنة بالمواطأة قويت غياياتهم لا بصائرهم و تهافتوا على تلك الصور يفسدون عندها صورهم باراقة دمائهم و المثلة بأنفسهم بين أيديها. و قد كانت اليونانية في القديم يوسّطون الأصنام بينهم و بين العلّة الأولى و يعبدونها بأسماء الكواكب و الجواهر العالية إذ لم يصفوا العلّة الأولى بشي‏ء من الإيجاب بل بسلب الأضداد تعظيما لها و تنزيها فكيف ان يقصدوها للعبادة! و لمّا نقلت العرب من الشام أصناما إلى أرضهم عبدوها كذلك ليقرّبوهم إلى اللّه زلفى؛ و هذا أفلاطون يقول في المقالة الرابعة من كتاب «النواميس»: واجب على من اعطى الكرامات التامة ان ينصب بسرّ الآلهة و السكينات و لا يرئّس‏ (1) أصناما خاصّة للآلهة الأبوية، ثم الكرامات التي للآباء إذا كانوا أحياء فإنّه اعظم الواجبات على قدر الطاقة، و يعني بالسرّ الذكر على المعنى الخاصّ و هو لفظ يكثر استعماله فيما بين «الصابئة الحرنانيّة» و «الثنويّة المنانيّة» و متكلّمي الهند، و قال جالينوس في كتاب «أخلاق النفس»: إنّ في زمان «قومودس» (2) من القياصرة و هو قريب من خمس مائة و نيّف للاسكندراتى رجلان إلى بائع الأصنام فساوماه صنم «هرمس» واحدهما يريد نصبه في هيكل ليكون تذكرة لهرمس و الآخر يريد نصبه على قبر ليذكر به الميّت و لم يتّفق إحدى التجارتين فأخّرا أمره الى الغد و أرى بائع الأصنام تلك الليلة في منامه كأنه الصنم يكلّمه و يقول له: أيّها المرء الفاضل! أنا صنيعتك قد استفدت بعمل يديك صورة تنسب الى كوكب فزالت عني سمة الحجريّة التي كنت أسمّي بها فيما سلف و عرفت بعطارد فالأمر إليك الآن في تصييري تذكرة لشي‏ء لا يفسد أو لشي‏ء قد فسد؛ و توجد رسالة لأرسطو طالس في الجواب عن مسائل للبراهمة انفذها إليه الاسكندر

____________

(1) من ز، و في ش: يراوس.

(2) من ز، و في ش: قومورس.

87

و فيها: أمّا قولكم إنّ من اليونانية من ذكر أنّ الأصنام تنطق و أنّهم يقرّبون لها القرابين و يدّعون فيها الروحانية فلا علم لنا بشي‏ء منه و لا يجوز أن نقضي على ما لا علم لنا به، فإنّه ترفّع منه عن رتبة الأغبياء و العوامّ و إظهار من نفسه أنّه لا يشتغل بذلك؛ فقد علم أنّ السبب الأول في هذه الآفة هو التذكير؟ و التسلية ثمّ ازدادت إلى ان بلغت الرتبة الفاسدة المفسدة، و إلى السبب الأول ذهب معاوية في أصنام «سقلية» لمّا فتحت في سنة ثلاث و خمسين في الصائفة و خمل منها أصنام الذهب مكلّلة مرصّعة بالجواهر فبعث بها إلى «السند» لتباع هناك من ملوكهم فإنّه رأى بيعها قائمة أثمن الدينار (1) دينارا و أعرض عن الآفة الأخيرة في حكم الإيالة لا الديانة.

____________

(1) من ش، و في ز: للدينار.

88

يب- في ذكر بيذ و الپرانات و كتبهم الملّيّة

«بيذ» تفسيره العلم لما ليس بمعلوم، و هو كلام نسبوه إلى اللّه تعالى من فم «براهم» و يتلوه «البراهمة» تلاوة من غير أن يفهموا تفسيره و يتعلّمونه كذلك فيما بينهم يأخذه‏ (1) بعضهم من بعض ثمّ لا يتعلّم تفسيره إلّا قليل منهم و أقلّ من ذلك من يتصرّف في معانيه و تأويلاته على وجه النظر و الجدل؛ و يعلّمونه «كشتر» فيتعلّمه من غير أن يطلق له تعليمه و لو لبرهمن، ثم لا يحلّ لبيش و لا لشودر أن يسمعاه فضلا عن أن يتلفّظا به و يقرآه و إن صحّ ذلك على أحدهما دفعته البراهمة إلى الوالي فعاقبه بقطع اللسان؛ و يتضمّن بيذ الأوامر و النواهي و الترغيب و الترهيب بالتحديد و التعيين و الثواب و العقاب، و معظمه على التسابيح و قرابين النار بأنواعها التي لا تكاد تحصى كثرة و عسرة؛ و لا يجوّزون كتبته لأنّه مقروء بألحان فيتحرّجون عن عجز القلم و إيقاعه زيادة أو نقصانا في المكتوب و لهذا فاتهم مرارا فإنّهم يزعمون أنّ في مخاطبات اللّه تعالى مع براهم في المبدإ على ما حكاه «شونك» ناقله كوكب الزهرة عنه: إنّك ستنسى «بيذ» في الوقت الذي يغرق فيه الأرض فيذهب إلى أسفلها و لا يتمكّن من إخراجه غير السمكة فأرسلها حتى يسلّمه إليك و أرسل الخنزير حتى يرفع الأرض بأنيابه و يخرجها من الماء؛ و يزعمون أيضا أنّ‏

____________

(1) من ش، و في ز: يأخذ.

89

بيذ كان اندرس في جملة ما اندرس من رسوم دينهم و دنياهم في «دواپر» الأدنى و هو زمان نذكره في بابه حتى جدّدها «بياس بن پراشر» و في «بشن پران»: إنّه يتجدّد في أوّل كلّ زمان من أزمنة «منّنتر» صاحب نوبة يملك أولاده كلّ الأرض و رئيس يرؤس العالم و ملائكة يعمل لهم الناس قرابين النار و «بنات نعش» يجدّدون بيذ البائد في آخر كلّ نوبة، و لأجل ذلك انتدب بالقرب من زماننا «بسكر (1)» الكشميريّ من أجلّاء البراهمة لتفسير بيذ و تحريره بالكتبة و احتمل من الوزر ما كان يتحرّج عنه غيره إشفاقا عليه أن ينسى فيضيع عن الخواطر و ذلك لما رأى من فساد نيّات الناس و قلّة رغبتهم في الخير بل في الواجب؛ ثمّ يزعمون أنّ فيه مواضع لا تقرأ في العمارات خوفا من إسقاط حبالى الناس و البهائم فيصحرون لقراءتها و لا يخلو منسوق من أمثال هذه التهاويل؛ و قد كنّا قدّمنا من كتبهم أنّها مقدّرة بأوزان كالأراجيز و أكثرها بوزن يسمّى «شلوك» للسبب الذي قدمناه، و جالينوس يرتضي ذلك و يقول في كتاب «قاطاجانس»: إنّ الحروف المفردة لأوزان الأدوية تفسد بالنسخ و تفسد أيضا بتعميه الحاسد و لهذا استحقّ «ديمقراطيس» أن تختار كتبه في الأدوية و يشهر أمرها و تحمد لأنّها مكتوبة بشعر موزون في اليونانيّة (2) لكان جميلا، و هذا لأنّ المنثور أقبل للفساد من المنظوم، و ليس «بيذ» على ذلك النظم السائر بل هو بنظم غيره، فمنهم من يقول: إنّه معجز لا يقدر أحد منهم أن ينظم مثله، و المحصّلون منهم يزعمون أنّ ذلك في مقدورهم لكنّهم ممنوعون عنه احتراما له؛ و قالوا: إنّ «بياس» قطعه أربع قطع هي: «ركبيذ» و «جزّربيذ» و «سام بيذ» و «اثر بن بيذ» و كان له أربعة «شش» و هم‏ (3) التلامذة فعلّم كلّ واحد واحد أو حمّله إيّاه و هم على ترتيب القطع المذكورة: «پير» «بيشنپاين» «جيمن» «سمنت»، و لكلّ واحدة من القطع‏

____________

(1) من ز، و في ش: بشكر.

(2) بياض في ش و ز.

(3) من ش، و في ز: هو.

90

الأربع في القراءة نهج، فأمّا الأولى فهي ركبيذ فهو مركّب من نظم يسمى «رج» قطاع غير متساوية المقادير و ركبيذ سمّى بها كأنّه جملة رج و فيه قرابين النار، و يقرأ بثلاثة أصناف من القراءة أحدها بالاستواء كالرسم في جميع المقروءات و الثاني بالوقوف عند كلمة كلمة و الثالث و هو أفضلها الموعود عليه جزيل الثواب أن يقرأ منه قطعة صغيرة بكلمات معلومة و يعاد عليها و يضاف شي‏ء من غير المقروء إليها ثمّ يعاد على هذا المضاف وحده فيقرأ و يضاف إليه آخر و لا يزال يفعل ذلك فيتكرّر المقروء عند انتهائه؛ و أمّا «جزّربيذ» فنظمه مركّب من «كانري»، و اسمه مشتقّ منه أي جملة كانري، و الفرق بينه و بين الأوّل أنّ هذا يمكن قراءته متّصلا و لا يمكن في الأوّل، و فيه ما في ذلك‏ (1) من أعمال النار و القرابين، و سمعت في سبب انفصال «ركبيذ» عن الاتّصال في القراءة أنّ «جاكملك» كان عند معلّمه و للمعلّم رفيق من البراهمة أراد سفرا و سأله أن يوجّه إلى داره بمن يقيم الشروط على «هوم» أعني ناره و يحفظها عن الخمود أيّام غيبته، فكان المعلّم يوجّه إليها تلاميذه بالنوبة و جاءت نوبة جاكملك و كان حسن المنظر نظيف اللباس فلمّا أخذ فيما أرسل له بمحضر من امرأة الغائب كرهت زينته و فطن جاكملك لما أسرّت فلمّا فرغ و أخذ الماء بيده ليرشّه على رأس المرأة فإنّ ذلك قائم مقام النفث بعد الدعاء فالنفث عندهم مكروه منجّس، قالت المرأة: رشّه على تلك الأسطوانة ففعل و اخضرّت الأسطوانة من ساعتها فندمت المرأة على ما فرط منها و جاءت إلى المعلم في اليوم الثاني تسأله توجيه الموجّه بالأمس و أبى جاكملك أن يذهب إلا في نوبته و لم ينجع فيه الالحاح و لم يحفل بغضب المعلّم لكنّه قال له: فارتجع منّي ما علّمتنيه، و لما قال ذلك أنسي ما كان يعلم فقصد الشمس و سألها أن تعلّمه «بيذ»، قالت الشمس: كيف يمكن ذلك مع ما أنا فيه من دوام الحركة و عجزك عن مثلها! فتعلّق جاكملك بعجلة الشمس و أخذ في تعلّم بيذ منها و اضطرّ إلى تقطيع القراءة لأجل الاضطراب في حركة العجلة؛ و أمّا «سام بيذ»

____________

(1) من ز، و في ش: ذاك.

91

ففيه القرابين و الأوامر و النواهي و يقرأ بلحن كالغناء و بذلك سمّي، فإنّ «سام» هو طيبة الحديث و سبب الحانه أنّ «ناراين» لما جاء بصورة «بامن» و أتى «بل» الملك جعل نفسه «برهمنا» و أخذ في قراءة سام بيذ بلحن شجيّ أطربه به حتى كان من أمره ما كان؛ و أمّا «أثربن» فهو متّصل ليس من النظمين الأوّلين و لكنّه من ثالث يسمّى «بهر» و يقرأ بلحن مع غنّة، و رغبة الناس فيه أقلّ، و فيه أيضا قرابين النار و أوامر في الموتى و ما يجب أن يعمل بهم. و أمّا «الپرانات» و تفسير «پران» الأوّل القديم، فإنّها ثمانية عشر و أكثرها مسمّاة بأسماء حيوانات و أناس و ملائكة بسبب اشتمالها على أخبارهم أو بسبب نسبة الكلام فيها أو الجواب عن المسائل إليها، و هي من عمل القوم المسمّين «رشين» و الذي كان عندي منها مأخوذا من الأفواه بالسماع فهي: «آدبران» أي الأوّل و «مج پران» أي السمكة و «كورم پران» أي السلحفاة و «براه پران» أي الخنزير و «نارسك پران» أي الإنسيّ الذي رأسه رأس أسد و «بامن پران» أي الرجل المتقلّص الأعضاء بصغرها و «باج پران» أي الريح و «نندپران» و هو خادم لمهاديو و «اسكند پران» و هو ابن «مهاديو» و «آدت پران» و «سوم پران» و هما النّيران و «سانب پران» و هو ابن «بشن» و برهماند پران» و هو السماوات و «ماركنديو پران» و هو «رش» كبير و «تاركش پران» و هو العنقاء و «بشن پران» و هو «ناراين» و «براهم پران» و هو الطبيعة الموكّلة بالعالم و «ببّش پران» و هو ذكر الكائنات في المستأنف؛ و ما رأيت منها غير قطع من «مجّ» «و آدت» و «باج»؛ ثمّ قرئت عليّ من بشن پران على هيئة أخرى فأثبتّها أيضا كالواجب فيما مرجعه إلى الأخبار و هي: «براهم» «بذم» أي النيلوفر الأحمر «بشن» «شب» و هو «مهاديو» «بهكبت» أي «باسديو» «نارذ» و هو ابن «براهم» «ماركنديو» «آكن» و هو النار «بهبّش» و هو ما سيكون «برهم بيبرت»

92

أي الريح «لنك» و هو صورة عورة مهاديو «براه» «أسكند» «بامن» «كورّم» «متس» أي السمكة «كرد» طائر هو مركب «بشن» «برهماند»، فهذه أسامي «الپرانات» من «بشن پران»؛ و أمّا كتاب «سمرت» فهو مستخرج من «بيذ» في الأوامر و النواهي، عمله أبناء براهم العشرون وهم:

(1) (2) و لهم كتب في فقه ملّتهم و في الكلام و في الزهد و التألّه و طلب الخلاص من الدنيا مثل كتاب عمله «كور» الزاهد و عرف باسمه، و مثل «سانك» عمله «كپل» في الأمور الإلهيّة، و مثل «پاتنجل» في طلب الخلاص و اتحاد النفس بمعقولها، و مثل «ناييهاش‏ (3)» لكپل في «بيذ» و تفسيره و أنّه مخلوق و تمييز الفرائض فيه من السنن، و مثل «ميمانس» عمله «جيمن‏ (4)» في هذا المعنى، و مثل «لوكايت» عمله «المشتري» في الأخذ بالحسّ وحده في المباحث، و مثل «آكست مت» عمله «سهيل» في العمل فيها بالحسّ و الخبر معا، و مثل كتاب «بشن دهرم» و تفسير «دهرم» الأجر لكنّها عبارة عن الدين فكأنّ الكتاب دين اللّه منسوبا إلى «ناراين»؛ و كتب تلاميذ «بياس» و هي: «ديبل» «شكر» «بهاركو» «برهسبت» «جانج بلك» «من»؛ و الكتب في جميع الفنون تكثر فمن يجامعها بأسمائها و خاصّة إذا كان غريبا عن أهلها؛ و لهم كتاب يبلغ من تفخيمهم‏ (5) شأنه‏

____________

(1) من ش، و في ز: آيستنب.

(2) من ش، و في ز: يراشر.

(3) من ش، و في ز: نايبهاش.

(4) من ش، و في ز: جيمن.

(5) من ز، و في ش: تفخمهم.

93

أنّهم يبتّون الحكم بأنّ ما يوجد في غيره فهو لا محالة موجود فيه و ليس كلّ ما فيه بموجود في غيره و اسمه «بهارث» عمله «بياس بن پراشر» في أيّام الحرب الكبير بين أولاد «پاندو» و بين أولاد «كورو» و يشار إلى تلك الأيّام بهذا الاسم أيضا، و الكتاب مائة ألف «شلوك» في ثمان عشرة قطعة تسمّى كلّ واحدة «پرب» فالأولى «سبها پرب» أي مقرّ الملك و الثانية «آرن» و هو الأصحار ببروز أولاد «پاندو» و الثالثة «برات» و هو اسم ملك كانوا في مملكته وقت الاختفاء و الرابعة «أودّوك» و هو الاستعداد للقتال و الخامسة «بهيشم» و السادسة «درون» البرهمن و السابعة «كرن بن الشمس» و الثامنة «شل» أخ «درجوثن» و هؤلاء من كبار الشجعان تولّوا القتال واحد بعد قتل الآخر، و التاسعة «كذ» و هو الجرز و العاشرة «سوپتك» و هو قتل النيام حين بيّت «أشتام بن درون» مدينة «پانچال» و قتل أهلها و الحادية عشر «چلپردانك» و هو سقى الماء باسم الموتى غرفة غرفة و ذلك بعد الاغتسال من نجاسة تناولهم و مباشرتهم و الثانية عشر «ستري» و هو نياح النساء و الثالثة عشر «شأنت» أربعة و عشرون ألف «شلوك» في سلّ السخائم عن القلوب و هو أربعة أقسام: «رازدهرم» في ثواب الملوك و «دان دهرم» في ثواب الصدقات و «آب دهرم» في ثواب المضطريّن و الممتحنين و «موكش دهرم» في ثواب المتخلّص من الدنيا و الرابعة عشر «اشميذ (1)» و هو قربان الدابّة الموسّلة مع الجند تجول العالم و ينادى عليها بأنّها لملك العالم و من أبى ذلك فليبرز و «البراهمة» تتبعها لإقامة قرابين النار عند مراثها و الخامسة عشر «موسل» و هو تقاتل «جادو» قبيلة «باسديو» و السادسة عشر «أشر من باس‏ (2)» أي ترك الوطن و السابعة عشر «پرستان» و هو ترك الملك لطلب النجاة و الثامنة عشر «سفرك روهن» و هو القيام نحو الجنّة، و يتلو هذه الثمان عشرة قطعة واحدة أخرى تسمّى «هربنش پرب» فيها أخبار «باسديو»، و في هذا الكتاب مواضع كالمعميات محتملة في اللغة

____________

(1) من ز، و في ش: أسميت.

(2) من ش، و في ز: أشرم باس.

94

عدّة معان‏ (1)، زعموا أنّ سببها طلب «بياس» من «براهم» من يكتب له «بهارث» و هو يمليه فجعل ذلك إلى ابنه «بنايك» الذي يصوّر رأس صنمه برأس فيل فشارطه على أن لا يفتر عن الكتبة و شارطه بياس أن لا يكتب إلّا ما يعلم فكان يورد في خلال ذلك ما يضطر له الكاتب الى التفكّر فيه و بذلك كان يستريح المملي‏

____________

(1) من ز، و ليس في ش كلمة «معان».

95

يج- في ذكر كتبهم في النحو و الشعر

هذان الفنّان من العلوم آلة لبواقيها و المقدّم عندهم منهما علم اللغة المسمّى «بياكرن» و هو نحو تصحّح كلامهم و اشتقاقات تؤدّي بهم إلى البلاغة في الكتابة و الفصاحة في الخطابة، و لسنا بمهتدين لشي‏ء منه فإنّه فرع أصل قد عدمناه أعني نفس اللغة، و الذي سمعته من أسماء كتبهم في هذا الباب هو: كتاب «ايندر» منسوب إلى «إندر» رئيس الملائكة، و كتاب «چاندر» عمله «چندر» و كان من المحمّرة اصحاب البدّ، و كتاب «شاكت» باسم صاحبه و يسمّى أيضا قبيلته به «شاكتاين»، و كتاب «پانرت» باسم صاحبه، و كتاب «كاتنتر» عمله «شرب برم» و كتاب «شديوبرت» (1) عمله «ششديو»، و كتاب «دوركويرت»، و كتاب «شكهت پرت» عمله «اوكربوت» و حكى لي أنّ هذا الرجل كان مؤدّب الشاه في زماننا «انندپال بن جيپال» و مخرّجه و أنّه أنفذ هذا الكتاب لمّا عمله إلى «كشمير» فلم يجعل به أهلها لزهوهم في ذلك، و نخوتهم فتألّم الرجل بذلك إلى الشاه فضمن له بحقّ التلمذة تبليغه مراده و أمر بانفاذ مائتي ألف درهم و هدايا تشبهها (2) إلى كشمير للتفرقة فيمن اشتغل بكتاب استاذه فكلّهم تهافتوا فيه و نسخوا غيره‏

____________

(1) من ز، و في ش: ششديويرت.

(2) من ز، و في ش: يشبهها.

96

بنسخه و تذلّلوا بالطمع و اشتهر الكتاب و ارتفع؛ و قالوا في أوّليّة هذا العلم: إنّ أحد ملوكهم و اسمه «سملواهن» و بالفصيح «ساتباهن» كان يوما في حوض يلاعب فيه نساءه فقال لإحداهنّ: «ماودكندهي» أي لا ترشّي عليّ الماء فظنّت أنّه يقول: «مودكندهى» أي احملي حلوى فذهبت فأقبلت به فأنكر الملك فعلها و عنّفت هي في الجواب، و خاشنت في الخطاب فاستوحش الملك لذلك و امتنع عن الطعام كعادتهم، و احتجب إلى أن جاءه أحد علمائهم و سلّى عنه بأن وعده تعليم النحو و تصاريف الكلام و ذهب ذلك العالم إلى «مهاديو» مصلّيا مسبّحا و صائما متضرعا إلى أن ظهر له و أعطاه قوانين يسيرة كما وضعها في العربّية أبو الأسود الدئليّ و وعده التأييد فيما بعدها من الفروع فرجع العالم إلى الملك و علّمه إيّاها و ذلك مبدأ هذا العلم؛ و يتلوه «جند» و هو وزان الشعر المقابل لعلم العروض لا يستغنون عنه فإنّ كتبهم منظومة و قصدهم فيها أن يسهل استظهارها و لا يرجع في العلوم إلى الكتاب إلّا عن ضرورة و ذلك لأنّ النفس توّاقة إلى كل ما له تناسب و نظام و مشمئزةّ عمّا لا نظام له و من أجل هذا ترى أكثر الهند يهترون لمنظومهم و يحرصون على قراءته و إن لم يعرفوا معناه و يفرقعون أصابعهم فرحا به و استجادة له و لا يرغبون للمنثور و إن سهلت معرفته، و أكثر كتبهم «شلوكات» إنّا منها في بلايا فيما أمثّله للهند من ترجمة كتاب «اوقليدس» و «المجسطي» و أمليه في صنعة الأصطرلاب عليهم حرصا منّي على نشر العلم و أن يقع إليهم ما ليس لهم و عندهم فيشتغلون بعملها شلوكات لا يفهم منها المعنى لأنّ النظم محوج إلى تكلّف يتّضح عند ذكرنا اعدادهم و إلّا جهم بكتبتها كما هي منثورة فيستوحشون، و اللّه ينصفني منهم؛ و أوّل من استخرج هذه الصناعة كان «پنكل» و «چلت» و الكتب المعمولة في هذا الباب كثيرة و أشهرها كتاب «كيست» باسم صاحبه حتى لقّب العروض أيضا به و كتاب «مركلانچن» و كتاب «پنكل» و كتاب «اولياند» و لم أطّلع على شي‏ء منها و لا على كثير من المقالة التي في «براهم سدهاند» في حسابها بحيث أتحقّق قوانين عروضهم و لا أستجيز مع ذلك الاعراض عمّا أتنسمّ‏

97

رائحة إحالة الى وقت الإحاطة؛ و هم يصوّرون في تعديد الحروف شبه ما صوّره الخليل بن أحمد و العروضيّون منّا للساكن و المتحرّك و هما هاتان الصورتان: فالأوّل و هو الذي عن اليسار من أجل انّ كتابتهم كذلك يسمّى «لك-» و هو الخفيف و الثاني الذي عن اليمين «كر» و هو الثقيل و وزانه في التقدير أنه ضعف الأوّل لا يسدّ مكانه إلّا اثنان من الخفيف، و في حروفهم ما يسمّى أيضا طويله و وزانها وزان الثقيلة و أظنّها التي تعتلّ سواكنها و إن كنت إلى الآن لم أستيقن حال الخفيف و الثقيل بحيث أتمكنّ من تمثيلها في العربية لكنّ الأغلب على الظنّ أنّ الأوّل ليس بساكن و الثاني ليس بمتحرك بل الأوّل متحرّك فقط و الثاني مجموع متحرّك و ساكن كالسبب في عروضنا و إنّما أتشكّك في الأمر ممّا أجدهم من جمعهم عدّة كثيرة متوالية من علامات الخفيف و العرب‏ (1) لم تجمع بين ساكنين و أمكن ذلك في سائر اللغات و هي التي سمّاها عروضيّو الفارسية متحرّكات خفيفة الحركة فإنّ ما جاوز الثلاثة منها يصعب على القائل بل يمتنع التلفّظ بها و لا تنقاد انقياد المتحرّكات المجتمعة في مثل قولنا: «بدنك كمثل صفتك و فمك بسعة شفتك»، و أيضا فعلى صعوبة الابتداء بالساكن أكثر أسامي الهند مفتتحة بما ان ليس بساكن فهو من الخفيّات الحركات و إذا كان أوّل البيت كذلك أسقطوا ذلك الحرف من العدد لأنّ شرط الثقيل أن يتأخّر ساكنه لا أن يتقدّم ثمّ أقول كما أن اصحابنا عملوا من الأفاعيل قوالب لأبنية الشعر و أرقاما للمتحرك منها و الساكن يعبّرون بها عن الموزون فكذلك سمّى الهند لما تركّب من الخفيف و الثقيل بالتقديم و التأخير و حفظ الوزان في التقدير دون تعديد الحروف ألقابا يشيرون بها إلى الوزن المفروض و أعني بالتقدير أنّ «لك» ماتر واحد أي مقدار و «كر» ماتران فلا يلتفت إلى التعديد في الكتابة دون التقدير مثل ما يحسب المشدّد ساكنا و متحرّكا و المنوّن متحرّكا و ساكنا و إن كان كلّ واحد منهما في الكتبة واحدا، فأمّا هما بانفرادهما فإنّ الخفيف يسمّى‏

____________

(1) من ز، و في ش: و العرب و إن لم.

98

أيضا «لا» و كل» و «روپ» و «چامر» و «كره» و الثقيل يسمّى أيضا «كا» و «نيور» و «نيم انشك» فلا محالة أنّ أنشك التامّ يكون «كرين» أو ما يوازنهما، و هذه الأسامي من أجل النظم لنفس كتب العروض و لذلك أكثروا الألقاب ليوافق أحدها إن لم يوافق الآخر؛ و أمّا المزدوجات فإن الثنائيّة منها بالتعديد و التقدير معا هذه: و بالتعديد دون التقدير هي: (1) و يسمّى «» ثانيهما «كرتك»، و إذا صرفا إلى التقدير كانت ثلاثيّة هكذا:، و أمّا الرباعيّة فأسماؤها على اختلافها في كلّ كتاب: «پكش» و هو نصف الشهر، «چلن» أي النار، «مذ» «پربت» أي الجبل و يسمّى أيضا «هار» و «رس» «كهن» و هو المكعّب، و الخماسيّة و إن كثرت صورها فإنّ المسمّاة منها: «هست» أي الفيل، «كام» أي المراد، (2) (2)، «كسم» و السداسيّة:، و منهم من يعبّر عنها بآلات الشطرنج فيسمّى چلن «فيلا» و مذ «رخا» و پربت «بيذقا» و كهن» «فرسا»: و في كتاب لغويّ سمّاه «هرؤدّ» باسمه هذه الازدواجات الثلاثيّة من الخفيف و الثقيل ملقّبة بحروف مفردة من حروفهم و هي المكتوبة بازائها:

____________

(1) من ز، و في ش:.

(2) بياض في ش.

99

عرّف بها كيفيّة عمل الازدواجات بالاستقراء و قال: ضع أحد النوعين صرفا في الصفّ الأوّل ثمّ امزجه بالنوع الثاني وضع منه واحدا في أول الصفّ الثاني و الباقيان من النوع الأوّل ثمّ ضع هذا الممزوج في وسط الصّف الثالث وضعه في آخر الصفّ الرابع و قد فرغت من النصف الأوّل ثمّ ضع النوع الثاني أيضا صرفا في الصفّ الأسفل و امزج بالصفّ الذي فوقه واحدا من النوع الأوّل تضعه في أوّله و في وسط الذي فوقه و آخر الذي يعلوهما و قد تمّ النصف الآخر و لم يبق من الازدواجات الثلاثيّة شي‏ء، فأمّا التركيب فهو منتظم و لكنّ ما أورد من الحساب لمعرفة رتب الصفوف غير مطّرد عليه و هو أنّه قال: ضع لكلّ واحد من حروف الصفّ اثنين أصلا أبدا فيكون هكذا: 222 و اضرب الأيسر في الأوسط و ما بلغ في الأيمن فإن كان الضرب في حصّة خفيف فاترك المجتمع على حاله و إن كان في حصّة ثقيل فانقص من المجتمع واحدا؛ و مثّل للصفّ السادس و هو: بأن ضرب اثنين في اثنين و نقص من المجتمع واحدا ثمّ ضرب الثلاثة في الاثنين الباقيين‏ (1) فاجتمع ستّة، و لكنّ ذلك لا يصحّ في أكثر الصفوف و كأنّه وقع في النسخة فساد فأمّا الوضع فإنّه إذا كان هكذا:

____________

(1) في ز، و في ش: الباقية.

100

و هو أن يكون مزاج السطر الأيمن بالإغباب واحدا من آخر و مزاج السطر الأوسط اثنين من نوع و اثنين من آخر و مزاج الأيسر أربعة من ذا و أربعة من ذاك بحسب أزواج الزوج في مزاجات الأسطر ثمّ زيد في الحساب المذكور أنّ ابتداء الصفّ إن كان بحصّة ثقيل نقص منها قبل الضرب واحد و إن كان الضرب في حصّة ثقيل نقص من المبلغ واحد حصل المطلوب من عدد رتبة الصفّ: و كما أنّ أبيات العربيّة تنقسم لنصفين بعروض و ضرب فإنّ ابيات أولئك تنقسم لقسمين يسمّى كل واحد منهما رجلا (1) و هكذا يسمّيها اليونانيّون ارجلا (2) (2) ما يتركّب منه من الكلمات سلابي و الحروب بالصوت و عدمه و الطول و القصر و التوسّط: و ينقسم البيت لثلاث أرجل و لأربع و هو الأكثر و ربّما زيد في الوسط رجل خامسة و لا تكون مقفّاة و لكن إن كان آخر الرجل الأولى و الثانية حرفا واحدا كالقافية و كذلك آخر الثالثة و الرابعة أيضا حرفا واحدا سمّي هذا النوع «ارل» و يجوز في آخر الرجل ان يصير الخفيف ثقيلا و إن كان بناء الجنس على الختم بالخفيف؛ و يحوز شعرهم و شعوبها و أقسامها أبحرا (3) كثيرة جدّا، و الذي هو ذو خمس أرجل فإنّ الخامسة تتوسّط فيما بين الأوليين و الأخريين و بحسب عدد حروفها تختلف الألقاب فيه و بحسب ما يتبعه أيضا فإنّهم لا يحبّون أن تكون أبيات القصيدة كلّها من صنف واحد و لكنّهم يجعلونها من أصناف كثيرة لتكون ديباجة موشّاة، فأمّا وضع الأرجل الأربع في ذي الأربع فإنّه يكون على هذه الصورة:

و هذا المثال لنوع من موزوناتهم يسمّى «اسكند» ذي‏ (4) أربع أرجل‏ (5) و هو نصفان في كلّ واحد منهما ثمانية «أنشك»، و لا يجوز من أفرادها في الأوّل‏

____________

(1) من ز، و في ش: رجل.

(2) بياض في ش.

(3) من ز، و ليس في ش كلمة، أبحرا».

(4) من ز، و في ش: ذو.

(5) من ز، و في ش: رجل.

101

و الثالث و الخامس أن تكون «مذ» أعني، و في السادس بالوجوب يكون إمّا مذ و إمّا «كهن» أيّهما اتّفق و لا يجوز غيرهما فإذا حصلت هذه الشريطة جاز في سائر «أنشك» أن يكون كيف اتّفق أو أريد أن لا تنقص عن التقدير و لا تزيد، فإذا صحّحت قوالب الأرجل بالأنشكات وضعت الأرجل الأربع حينئذ هكذا:

الأولى‏ (1) الثانية الثالثة الرابعة ثمّ ركّب الموزون عليها، و تكون علامات القوالب العربيّة بهذه الأرقام خلاف التي على المتحرّك و الساكن و مثاله أنّا نعبّر عن قوالب الخفيف السالم التامّ بأبنية الأفاعيل في كلّ واحد من عروضه و نقول:

____________

(1) من ز، و في ش: الثانية.

102

فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن و علاماته:

و بأرقام الهند:

و هي مقلوبة؛ و قد قدّمت العذر و كرّرته انّه لم يحصل لي من هذا الفنّ ما يصلح للتعريف إلّا أنّي مع ذلك أبذل فيه جهد المقلّ و أقول: إنّ كلّ ذي أربع أرجل يتشابه أرقامها بالتقدير و التعديد على التحاذي حتى إذا عرفت رجل واحدة عرفت سائرها بسبب أنّها أمثالها فإنّه يسمّى «برت» و عندهم أنّه لا يجوز أن تكون حروف الرجل أقلّ من أربعة إذ ليس في «بيذ» رجل إلّا كذلك و على هذا يكون أقلّ عدد حروفه أربعة و أكثره ستّة و عشرين‏ (1) و عدد «پرت» ثلاثة و عشرين و الأوّل من أربعة أحرف ثقال و لا يجوز أن يقام بدل أحدها خفيفان و اشتبه الأمر في الثاني فتركناه و أمّا الثالث فإنّ قالبه «كهن، پكش:» و الرابع «كران»، و لكان، و ثلاثة كر:» و لو قيل «پكش، چلن، پكش» لكان أحسن و الخامس «كرتكان، چلن، پكش: (2)» و السادس «كهن» مذ، پكش:» و السابع «كهن، پربت، چلن:» و الثامن «كام، كسم، جلن، كر:» و التاسع «پكش، هست، چلن، مذ، كر:» و العاشر «پكش، پربت، چلن، مذ، پكش:» و الحادي عشر «پكش، مذ، جلنان‏ (3)، هست:» و الثاني عشر «كهن؛ جلن، بكش، هستان‏ (4):» و لثالث عشر «پربت،

____________

(1) من ز، و في ش: عشرون.

(2) من ش، و في ز:.

(3) في ش و ز: جلنين.

(4) في ش و ز: هستين.

103

كام، كسم، مذ، چلن:» و الرابع عشر «هست، پكش، پربت، كسم، پربت، لك، كر:» و الخامس عشر «پكشان‏ (1)، پربت، كسم، كامان‏ (2)، كر: و السادس عشر «پكش، پربت، كام، كسم، پكش، لك، كر:» و السابع عشر «پكشان‏ (1)، پربت، كهن؛ چلن، پكش، كسم:» و الثامن عشر «پكشان‏ (1)، پربت، كهن، چلن، كامان‏ (3): (3)» و التاسع عشر «كر، پكشان‏ (1)، پربت، كهن، چلن، كامان‏ (2) كر: (4)» و العشرون أربعة «پكش، چلن، مذ، پكش، مان‏ (5) كر:» و الحادي و العشرون أربعة «پكش ثلاثة، چلن، مذان‏ (5)، كر:» و الثاني و العشرون أربعة «پكش، كسم، مذ، چلن، مذان‏ (5)، كر:» و الثالث و العشرون ثمانية «كر، عشرة لك، كام، جلن، لك، كر:»؛ و إنّما طوّلت في الحكاية و إن‏

____________

(1) في ش و ز: بكشين.

(2) في ش و ز: كامين.

(3) من ز، و في ش:.

(4) من ز، و في ش:.

(5) في ش و ز: مذين.

104

نزرت عائدتها ليشاهد اجتماع الخفاف فيعلم أنّها متحرّكات لا سواكن و ليحاط بكيفيّة قوالبهم و تقطيع أبياتهم و ليعرف أنّ الخليل بن أحمد كان موفّقا في الاقتضابات و إن كان ممكنا أن يكون سمع أنّ للهند موازين في الأشعار كما ظنّ به بعض الناس، و تكلّفنا ذلك ليتقرّر به شريطة «الشلوك» من أجل انّ مباني الكتب عليه فنقول: إنّه من ذوات الأربع أرجل كلّ واحدة ذات ثمانية أحرف لا تتشابه في الأرجل و تكون أواخر الأربع من جنس واحد و هو الثقيل، و من شرطه أن يكون الحرف الخامس في جميع أرجله خفيفا أبدا و السادس فيها ثقيلا و السابع في كلّ واحدة من الرجل الثانية و الرابعة خفيفا و في الباقيتين ثقيلا ثمّ سائر الأحرف كيف اتّفقت او أريدت، و لكي تعلم كيفيّة استعمال الحساب فيه نقول حاكين عن «برهمكوپت»: إنّ أوّل أجناس الشعر هو «كايتر» و هو ذو رجلين فإذا فرضنا عدد حروف هذا الجنس أربعة و عشرين و أقلّ عدد حروف الرجل اربعة كان الرجلان هكذا: 44 على أقلّ ما يمكن لكنّ المفروض لهما 24 فالباقي 16 نزيده على الرجل اليمنى حتى تصيرا 20/ 4، و لو كان ذا ثلاث ارجل لكانت 16/ 4/ 4 فإنّ الرجل اليمنى متميّزة أبدا مسمّاة باسم على حدة و ما قبلها من الأرجل مجتمعة جملة واحدة و باسم على حدته مسمّاة و لو كان ذا اربع ارجل لكانت 12/ 4/ 4/ 4، فإن لم نعمل على الأربعة التي هي أقلّ ما يمكن في الرجل و أردنا الازدواجات الحادثة في ذي الرجلين من الأربعة و العشرين حرفا زدنا على الرجل اليسرى واحدا و نقصنا من اليمنى واحدا و وضعنا الحاصلين تحتهما كلّ واحد في جانبه و لا يزال يفعل ذلك إلى أن ينتهي إلى مثل العددين اللذين في أول السطرين متبادلين على مثال هذه الصورة:

و عدد هذه الازدواجات سبعة عشر كفضل ما بين العددين الأوّلين مزيدا عليه واحد؛ و أمّا ذو الثلاث الأرجل على العدد المفروض فإنّ أوّله الموضوع على الأقلّ كما ذكرنا يكون 16/ 4/ 4 فتقام اليمنى و الوسطى مقام رجلي ذي الرجلين و يعمل‏