هداية المسترشدين - ج3

- الشيخ محمد تقي الأصفهاني النجفي المزيد...
732 /
453

و الموافقة لمفهوم اللغة، و عندي فيه تأمّل سيجي‏ء تفصيل القول فيه في بحث الأخبار إن شاء اللّه.

ثمّ إنّه ذكر الفاضل المذكور أنّا لو سلّمنا تعميم التبيّن للظنّ أيضا حتّى يشمل التبيّن الحاصل بالشهرة كانت الآية الشريفة ظاهرة في حجّية الشهرة بنفسها مطلقا، سواء كانت هناك رواية، أو لا. فيكون ذلك إذن دليلا آخر على حجّيتها.

تقريره: ظهور الآية حينئذ في أنّ الاعتماد في الحكم بمضمون الخبر في الحقيقة إنّما هو على التبيّن دون الخبر، فليس رخصة العمل بالخبر بعد التبيّن إلّا من حيث كونه الكاشف عن صدقه، و الدليل عليه، فتكون الشهرة هي الحجّة على إثبات مضمونه، و ذلك قاض بحجّية الشهرة مطلقا و لو خلت عن الرواية، إذ المفروض أنّها المناط في العمل، و أنّها المبيّن للواقع و الكاشف عن الحقّ. و الاعتبار القاطع شاهد على أنّ الرواية لا مدخل لها في وصف كون الشهرة مبيّنة و لا في رخصة العمل بها بعد حصول البيان من جهتها، و ذلك لأنّ الرواية الضعيفة بنفسها لا محصّل لها إلّا التردّد بين احتمالي الصدق و الكذب، و لو ترجّح الأوّل رجحانا ضعيفا فهو غير معتبر في نظر الشارع، إذ وجود ذلك الرجحان كعدمه، و احتمال صدقها و كذبها متساويان في حكم الشارع، فإذا صلحت الشهرة أن تكون دليلا على صحّة أحد الجانبين و الحكم بأحد الاحتمالين صحّ كونها دليلا على تعيين أحد الاحتمالين القائمين، كذلك في كلّ مسألة سواء كانت هناك رواية أو لا، لما عرفت من أنّ الدليل الباعث على تعيين أحد الاحتمالين إنّما هو الشهرة دون الخبر، لكون الاحتمالين على حالهما قبل ورود الخبر و بعده، فدلّت الآية الشريفة حينئذ على حجّية الشهرة دون الخبر المنجبر بها.

قلت: لو تمّ ما ذكره لكانت الآية الشريفة دليلا على حجّية الظنّ مطلقا من غير اختصاص لها بالشهرة، لكنّك بعد التأمّل في ما قرّرناه خبير بضعفه، فإنّ حصول الظنّ بصدق الخبر و الوثوق به غير حصول الظنّ بالحكم ابتداء من غير أن يكون هناك خبر يوثق به. و ما يستفاد من الآية الشريفة بناء على ما ذكر هو حجّية الخبر

454

الموثوق به و إن كان الموثوق به من جهة الشهرة. و لا يفيد ذلك جواز الاتّكال على الشهرة من حيث كشفها عن الواقع و دلالتها عليه، بل إنّما يدلّ على الاتّكال عليها من حيث كونها محقّقة لموضوع الدليل- أعني الخبر الموثوق به- و لا إشعار في ذلك بحجّية الشهرة في إثبات الأحكام الشرعيّة أصلا، فكون الخبر الضعيف مع قطع النظر عن الشهرة المفروضة محتملا للأمرين من غير أن ينهض حجّة لإثبات أحد الجانبين لا ينافي كونه حجّة بعد انضمام الشهرة إليه، من جهة حصول الوثوق به بعد انضمامها إليه. و لا يستدعي ذلك كون الشهرة بنفسها حجّة مع قطع النظر عن الخبر المفروض. و يشهد بذلك ملاحظة القرائن المنضمّة إلى المجاز القاضية بحصول الظنّ بالصرف أو تعيين خصوص المراد من بين المعاني المجازيّة، فإنّه يصحّ الاتّكال عليها قطعا في فهم المراد و إثبات الحكم الشرعي من جهتها، مع أنّه لو قامت تلك القرينة على ثبوت الحكم من غير حصول لفظ في المقام لم يكن حجّة مع جريان الكلام المذكور فيه بعينه.

و الحاصل: أنّ في المقام أمرين:

أحدهما: كون الشهرة قاضية بالوثوق بالخبر و قوّة الظنّ بصدقه.

و ثانيهما: كون الخبر الموثوق به و المعتمد عليه بحسب العادة حجّة في الشريعة، و لا ريب أنّ الأوّل لا يتوقّف على قيام دليل شرعي عليه، فإنّ الوثوق و الاعتماد على الخبر أمر وجداني حاصل من ملاحظة القرائن و الأمارات، كما أنّه لا ريب في توقّف الثاني على قيام الدليل الشرعي عليه، لكونه حكما شرعيّا متوقّفا على دليله. و حينئذ نقول: إنّ الوثوق و الاعتماد العرفي حاصل بالخبر المنجبر بالشهرة قطعا كما يشهد به الوجدان من غير حاجة إلى قيام الدليل عليه شرعا. و أمّا كونه حينئذ حجّة فلظاهر الآية الشريفة بعد حملها على الوجه المذكور، فما استفاده من الآية بناء على حملها على ما ذكر لا وجه له أصلا، فإنّ الشهرة إذن شرط في قبول الخبر- لا أنّها هي المثبتة للحكم- نظير عدالة الراوي من غير فرق و إن كانت الشهرة مع قطع النظر عن إفادتها الوثوق بالخبر مفيدة

455

للظنّ بثبوت الحكم، إلّا أنّ تلك الحيثيّة غير معتبرة، و لا دلالة في ما ذكر من الوجه على الاعتماد عليه من تلك الجهة أصلا، أنّ غاية ما يدلّ عليه هو الاعتماد على الخبر من جهة الوثوق به نظرا إلى اعتضاده بالشهرة فيقوم الشهرة مقام عدالة الراوي في إفادة الوثوق بالخبر. و الفرق بين الوجهين ظاهر لا يخفى، و مقصود المستدلّ حجّيتها من الجهة الثانية، و هو محلّ منع كما بيّنا، إذ لا ملازمة بين الأمرين، بل لا إشعار في ما يدلّ على حجّية الثاني شرعا على كون الحجّة في الحقيقة هي الجهة الباعثة على الوثوق استقلالا من دون اعتبار لكون الوثوق حاصلا بالخبر و كون الحكم مستفادا منه.

و دعوى ذلك في المقام مجازفة بيّنة. فتحصّل ممّا فصّلناه أنّ الحجّة هي الرواية المنضمّة إلى الشهرة، نظرا إلى حصول الوثوق بها من جهة انضمامها إليها، كما تدلّ عليه الآية الشريفة و يفيده صريح كلماتهم حسب ما قرّرنا، لا أن يكون الحجّة مجموع الأمرين، و لا ما رامه المستدلّ من عكسه بأن تكون الشهرة بنفسها حجّة لكن مع انضمامها إلى الرواية و نحوها، على أنّ الاحتمال كاف في مقام دفع الاستدلال. و عدم حجّية الرواية الضعيفة في نفسها مع عدم انضمامها لا يدفعه، كما أنّه لا يدفع الاستناد إليها عند المفصّل عدم حجّية الشهرة بنفسها مع عدم انضمام الخبر إليها.

فظهر بما قرّرنا ضعف القولين المذكورين، لاشتراكهما في الدليل و يزيد القول الثاني ضعفا أنّ ما ذكر تكملة لبيان التفصيل- من خروج الشهرة المجرّدة عن المستند عن مقتضى الأدلّة المذكورة، نظرا إلى قيام الشهرة على عدم حجّيتها إلى آخر ما ذكر- غير متّجه.

أمّا أوّلا فلما قرّره المستدلّ المذكور و غيره من المعتمدين على القاعدة المذكورة بكون المخرج عنها هو الدليل القاطع القاضي بعدم حجّية بعض الظنون الخاصّة كظنّ القياس، إذ مجرّد الدليل الظنّي لا يقاوم الدليل القاطع المذكور حتّى يكون مخرجا عنه.

456

و ما ذكره من الوجه الآخر «من أنّها لو كانت حجّة لما كانت حجّة» مدفوع أيضا بأنّ الشهرة من الأدلّة الظنّية، فمجرّد قيام الشهرة على عدم حجّية الشهرة الخالية عن المستند لا يقضي بعدم حجّية الشهرة، فإنّه إنّما يتمّ ذلك إذا لم يعارض الشهرة المذكورة دليل أقوى.

و من البيّن أنّ الدليل العقلي المذكور على فرض صحّته دليل قطعي فلا يقاومه الشهرة المدّعاة، فهذه الشهرة من حيث الحجّية مستندة إلى الدليل المذكور متوقّفة عليه، لكنّها بحسب المفاد معارضة له لدلالتها على عدم حجّية الظنّ المفروض فيسقط أيضا عن الحجّية، إذ ليس مفاد ذلك الدليل إلّا الأخذ بأقوى الظنون، فلا يفيد ترك العلمي بالظنّي.

ولي في ذلك نظر يعرف وجهه ممّا قرّرناه سابقا في الإيراد على الدليل العقلي المذكور من أنّ قيام الدليل الظنّي على عدم حجّية بعض الظنون كاف في إخراجه عن القاعدة المذكورة، لكن المستدلّ لا يقول بذلك.

و من الغريب أنّ الفاضل المذكور مع إبائه عن ذلك كما أشار إليه في طيّ تقريره لذلك الدليل التزم به في المقام.

و أمّا ثانيا فلأنّ الشهرة كما قامت على عدم حجّية الشهرة المعرّاة عن المستند كذا قامت على عدم حجّية غيرها، إذ لم ير منهم من عدّها من الأدلّة و لو في الجملة، أو استند إليها في المسائل الشرعيّة أو ذكرها في عداد الأدلّة الشرعيّة في الكتب الاصوليّة، حتّى أنّهم لم يفردوا له عنوانا في كتب الاصول و لا أشاروا فيه إلى وفاق أو خلاف.

نعم أشار إليه شذوذ منهم كما عرفت و هم لم يفرّقوا بين الصورتين.

ثمّ إنّه قد تردّد الفاضل المفصّل في بعض ما نمي إليه (رحمه اللّه) من المسائل في التفصيل المذكور، و مال إلى اختيار حجّيتها على الإطلاق قال: و يختلج كثيرا بالبال و إن لم أطمئنّ به في الحال حجّية الشهرة مطلقا، و لو خلت عن الرواية أصلا، و ذلك أنّ المانع الحاجز عن حجّيتها ليس إلّا الشهرة، و حجّيتها إنّما يكون لو

457

لم يظهر دليلها و أمّا لو ظهر و ظهر في النظر ضعفها فليس بحجّة ظاهرة، و هذه الشهرة الحاجزة قد ظهر لنا دليلها من كلماتهم فبين من احتجّ منهم على عدم حجّيتها بمثل ما ذكره صاحب المعالم- و قد ظهر لك ما فيه- و بين من اعتذر منهم بأنّه ربّ مشهور لا أصل له، و يرجع حاصله إلى تخلّف الشهرة عن الصواب في بعض الأحيان، و هذا أضعف من سابقه، و إلّا لخرج جميع الأدلّة الشرعيّة الظنّية عن الحجّية.

و أنت خبير بما فيه، فإنّه إنّما يتمّ لو علم انحصار دليل المشهور في الوجه الفاسد، فإنّ حكم الجمهور بصحّة الفاسد لا يوجب ظنّا بصحّته بعد ظهور فساده، و أمّا في ما عدا ذلك فلا.

و توضيح المقام: أنّ متمسّكهم في الحكم إمّا أن يكون معلوما لنا أو مجهولا، و على الأوّل فإمّا أن نعلم انحصاره في ما نعلم أو يحتمل وجود متمسّك آخر لهم أيضا، و على التقديرين فإمّا أن يكون الدليل المنقول إلينا صحيحا عندنا أو ضعيفا، و مع ضعفه فإمّا أن يكون معلوم الفساد بالنظر إلى الواقع أو يكون فاسدا بالنسبة إلينا، و إن احتملنا صحّته واقعا كالخبر الضعيف، لاحتمال صحّته في الواقع و إن لم يجز لنا التمسّك به في نفسه. و لا مانع من الاستناد إلى الشهرة في شي‏ء من الوجوه المذكورة على القول بحجّيتها عدا صورة واحدة، و هي ما إذا علم انحصاره في ما علم فساده واقعا، و كذا إذا ظنّ انحصاره فيه أو علم انحصاره في مظنون الفساد كذلك، أو ظنّ انحصاره فيه إذا لم يرجّح عليه الظنّ الحاصل من الشهرة بصحّة المستند، و أمّا باقي الصور فلا وجه لإنكار حجّيتها إلّا في ما زعمه المفصّل من الشهرة الخالية عن المستند، و يحتمل إلحاق الشهرة الّتي يكون الموجود من مستنده ضعيفا مع العلم بوجود مستند آخر لهم لا نعرفه أو احتماله. و أمّا ما نحن فيه فمن البيّن أنّ الأوائل لم يذكروا لعدم الاتّكال على الشهرة مستندا، بل ليس للمسألة عنوان في كلماتهم، و إنّما يعرف مذهبهم فيها من عدم ذكرهم لها في عداد الأدلّة، و عدم استنادهم إليها أصلا في إثبات الأحكام الشرعيّة في الكتب‏

458

الاستدلالية، بل حصر جماعة منهم الأدلّة في غيره، و إنّما تصدّى الشهيد (رحمه اللّه) لعنوان المسألة و تبعه المصنّف و بعض من تأخّر عنه، و لم يتعرّض المصنّف للاحتجاج على نفي حجّيته، و إنّما تعرّض للايراد على ما احتجّ به الشهيد (رحمه اللّه) لحجّيته. فدعوى العلم لمستند الجماعة و حصره في ما ذكره غريب جدّا، و لو سلّم ذكر الدليل المذكور في كلام جماعة منهم فمن أين يعلم أو يظنّ حصر الدليل في ذلك، كيف؟ و لو بنى على عدم حجّية مثل هذه الشهرة القويّة القريبة من الإجماع- لو قطعنا النظر عن كون المسألة إجماعيّا- بمجرّد ضعف ما ذكر من التعليلات في كلام بعض المتأخّرين أو المعاصرين لكان أكثر الشهرات ضعيفة مطرودة و لكان ذلك إذن تفصيل آخر في المسألة غير التفصيل الأوّل، و يظهر ضعفه بما قرّرناه فلا حاجة إلى تطويل الكلام فيه.

قوله: (و لقوّة الظنّ في جانب الشهرة ... الخ.)

اورد عليه بأنّ بين تعليليه تدافعا، فإنّ الوجه الأوّل يقتضي العلم و الثاني صريح في الظنّ.

و اجيب عنه بأنّ كون أحد الدليلين مفيدا للعلم و الآخر للظنّ ممّا لا حجز فيه، و لا يعدّ ذلك تدافعا، و مثله متداول في الاحتجاجات، كيف؟ و لو كان كذلك لكان ضمّ المؤيّد إلى الدليل تدافعا و هو واضح الفساد. و أيضا كون دليله الأوّل مقتضيا للعلم على حسب دعواه ممنوع، فإنّ الظاهر أنّ مراده من قوله: «إنّ عدالتهم تمنع عن الاقتحام ... إلى آخره» هو منعها عن ذلك ظنّا، إذ المفروض ثبوت العدالة لهم دون العصمة. و العدالة و إن فسرت بمعنى الملكة فأقصى ما يحصل منه الظنّ بذلك دون العلم، و قوله: «عن الاقتحام على الفتوى بغير علم» أراد به بغير علم معتبر في الاجتهاد من الاستناد إلى دليل معتبر شرعا، سواء كان قطعيّا أو ظنّيا بالنسبة إليه، و مع ذلك كلّه كيف يمكن ادّعاء أنّ عدالتهم تمنع قطعا عن الفتوى بذلك من غير دليل قطعي بالنسبة إليه‏ (1) و إلى غيرهم؟

____________

(1) في «ق»: إليهم.

459

و بذلك يندفع ما أورده المصنّف عليه كما مرّت الإشارة إليه، و يتطابق مفاد الدليلين، بل دليله الثاني يفيد ظنّا أقوى من الأوّل، حيث إنّ المستفاد من الأوّل مجرّد الظنّ و من الثاني قوّة الظنّ، نظرا إلى أنّ اتّفاق الجمع الكثير من الموصوفين أقوى في إفادة الظنّ من دونهم، فلو عدّ مثل ذلك تدافعا كان تقرير الإيراد بالعكس أولى.

قلت: ليس مقصود المورد اختلاف مؤدّى الدليلين في كون أحدهما مفيدا للعلم و الآخر للظنّ، إذ ليس في ذلك مجال لتوهّم التدافع، بل مراده أنّ قضيّة دليله الأوّل كونه مدّعيا لحصول العلم في المقام و كون الشهرة دليلا قطعيّا، حيث إنّ ظاهره القطع بكون عدالتهم مانعة عن الإفتاء من غير علم فيكون مفيدا للقطع بقول المعصوم كاشفا عن رأيه، و لذا اختار- بناء على ما ذكره من حصول القطع- حجّيته، و كونه إذن إجماعا على خلاف ما اختاره الشهيد (رحمه اللّه) فإنّ الإجماع عندنا هو الاتّفاق الكاشف عن قول المعصوم، سواء كان من الجميع أو البعض، و قضيّة دليله الثاني كون الشهرة دليلا ظنّيا مفيدا للظنّ القويّ، فمقصوده أنّ مقتضى الدليلين متدافع في إفادة ما هو المدّعى.

و القول بأنّ حكم الجماعة مع قطع النظر عن الشهرة إذا كان مفيدا للقطع- نظرا إلى كون عدالتهم مانعة عن الإفتاء بغير علم، فكيف يجعل اشتهاره بينهم و ندور المخالف قاضيا بإفادة الظنّ؟ مع أنّه ينبغي أن يفيد العلم بالأولى- مدفوع، بأنّ هناك جهتين أحدهما يفيد العلم بالإصابة، و الآخر يفيد الظنّ بها، فإنّ ملاحظة خبرتهم و عدالتهم قاضية بالعلم العادي على حسب دعواه بعدم إقدامهم على الإفتاء عن غير علم. و ملاحظة مجرّد الاشتهار مع قطع النظر عن تلك الملاحظة لا يفيد إلّا قوّة الظنّ، فيكون ضمّ الثاني إلى الأوّل من قبيل ضمّ المؤيّد إلى الدليل.

لكنّك خبير بضعف الدعوى الاولى، فإنّ أقصى ما يفيده عدالتهم القطع بإصابة ما يعتقدونه دليلا حسب ما أشار إليه المصنّف، و أين ذلك من القطع بالواقع؟

غاية الأمر حصول ذلك في بعض الأحيان، و يندرج حينئذ عندنا في الإجماع كما عرفت، و يبعد إدراجه إذن في المشهور.

460

و يمكن أن يقال: إنّ مقصوده القطع بإصابة المدرك المعتبر دون القطع بقول المعصوم، فيكون الفرق بينه و بين الإجماع المعروف في ذلك، و هذا أقرب من سابقه في حمل كلام الشهيد (رحمه اللّه).

إلّا أنّ الدعوى المذكورة غير ظاهرة أيضا، بل الظاهر عدم حصول العلم المذكور في كثير من الشهرات، غاية الأمر حصول العلم بإصابة المدرك المعتبر في نظرهم.

نعم لو حصل العلم به على الوجه المذكور كان كافيا، و كان الأولى إلحاقه إذن بالمجمع عليه في كونه إجماعا، كما هو أحد الاحتمالين المذكورين في الذكرى و إن اختار خلافه.

و حينئذ فما ذكره المورد (قدّس سرّه‏) من أنّ الحقّ حينئذ أنّه إجماع- لأنّ الإجماع عندنا هو الاتّفاق الكاشف عن قول المعصوم دون اتّفاق الجميع- محلّ مناقشة، للفرق الظاهر بين الكشفين، و ظاهر المصطلح تخصيص الإجماع بالكشف على الوجه الأوّل و إن لم يكن التعميم بعيدا عن الاعتبار. و لذا ذكرنا الوجه المذكور في وجوه الكشف الحاصل بالإجماع كما مرّ القول فيه، و الظاهر أنّ مبنى كلام المورد على حمل الكشف على الوجه الأوّل حسب ما بيّناه أوّلا. و حينئذ فما ذكره متّجه إلّا أنّ حمل كلام الشهيد (رحمه اللّه) عليه بعيد جدّا كما عرفت.

فظهر بما قرّرنا أنّ هناك وجوها ثلاثة في حمل كلام الشهيد (رحمه اللّه) أقربها الوجه الأخير، و معه يظهر الفرق بين تعليليه المذكورين و على ما حمله المجيب و غيره عليه لا يكون هناك كثير فرق بينهما كما لا يخفى.

قوله: (و يضعّف بنحو ما ذكرناه في الفتوى) الظاهر أنّه أراد بذلك تضعيف الدليلين المذكورين نظرا إلى أنّ العدالة و الاشتهار بين الطائفة إنّما يفيدان العلم أو قوّة الظنّ بوجود مدرك معتبر في اجتهاد الحاكم، و لا يؤمن من الخطأ في المسائل الاجتهاديّة و إن توافقت فيها أراء الجماعة أو معظم الفرقة.

غاية الأمر حصول المظنّة و لا أمن معه إلّا مع قيام دليل على اعتبار ذلك الظنّ في الشريعة، و لا دليل عليه في المقام. و حينئذ فما قد يدّعى من ظهور كلامه في‏

461

موافقة الشهيد (رحمه اللّه) ليس على ما ينبغي، كيف؟ و قد أطلق الحكم بضعف كلامه.

و قوله: «و بأنّ الشهرة الّتي يحصل معها إلى آخره» مزيد بيان لدفع الوجه الثاني.

و بالجملة: أنّ فحوى كلامه كالصريح في عدم حجّية الشهرة، كيف؟ و لو قال بها لفصّل القول فيها زيادة على ذلك و بيّن صحّة الاستناد إليها في الأحكام الشرعيّة في ما عدا ما يتراءى من الشهرة الحاصلة بين المتأخّرين عن الشيخ (رحمه اللّه)، فإنّ ذلك هو الّذي يقتضيه المقام، و مع ذلك أطلق القول بضعف الاستناد إليها، هذا.

و قد ظهر بما قرّرنا ضعف ما يورد عليه في المقام من أنّ احتمال الخطأ في دليلهم إنّما ينافي قطعيّة الشهرة لا ظنّيتها، و بعد الخطأ معها جدّا، و ذلك لأنّ اتّفاق المعظم مع نهاية عدالتهم و فقاهتهم و اختلاف أفهامهم و آرائهم و عدم موافقة بعضهم لبعض في المسائل الخلافيّة الاجتهاديّة- حتّى أنّ بعضهم ربّما خالف نفسه و اختار في المسألة أقوالا عديدة في الكتب العديدة أو الأبواب المتعددة- إذا رأيناهم متّفقين على حكم من دون تزلزل و إبداء ريب استبعدنا وقوع خلل منهم في الاستدلال، بل يحصل الظنّ القويّ غاية القوّة بصحّته.

أمّا أوّلا فلأنّه بصدد دفع كونه باعثا على العلم بوجود المستند به المعتبر كما هو ظاهر كلام الشهيد (رحمه اللّه) بكون القدر المعلوم وجود المستند الصحيح على حسب اجتهادهم و هو لا يستلزم الصحّة بحسب الواقع فلا يرتبط به الإيراد المذكور.

و أمّا ثانيا فلأنّ غاية الأمر كون الشهرة مفيدا للمظنّة، و كون تلك المظنّة حجّة أوّل الدعوى، فإنّ الخطأ غير مأمون على الظنون إلّا أن يقام دليل على حجّيتها و جواز الاتّكال عليها، و هو غير مذكور في كلام الشهيد (رحمه اللّه) و لو بنى ذلك على أصالة حجّية الظنّ لأشار إليه في كلامه و لاتّحد الدليلان المذكوران، و هو مخالف لظاهر تقريره، و ليست تلك القاعدة عندهم مقرّرة واضحة حتّى يجعل كبرى مطويّة، لغاية وضوحه، كيف؟ و طريقتهم جارية على خلافه حيث إنّهم لا زالوا يطالبون الحجّة على حجّية كلّ من الظنون، و لا يأخذون بشي‏ء منها إلّا مع قيام الدليل عليه. و الاحتجاج بتلك الطريقة العامّة لحجّية الظنّ مطلقا غير معروف بينهم، و إنّما أشار إليه المصنّف و بعض منهم و لا يعلم ارتضاؤه، بل دفعه للشهرة في‏

462

المقام أقوى شاهد على خلافه.

نعم لو اخذت تلك المقدّمة في الاحتجاج المذكور اتّجه ما ذكره، و ليس في المقام ما يفيد اتّكال المستدلّ عليه أصلا.

و قد يتخيّل من احتجاجه بافادة الشهرة قوّة الظنّ قوله «بتلك المقدّمة» إلّا أنّ احتمال كونه من قبيل ضمّ المؤيد إلى الدليل قريب جدّا حسب ما أشرنا إليه.

قوله: (و بأنّ الشهرة الّتي ... الخ.)

هذه العلاوة الّتي ذكرها لتوهين جملة من الشهرات و هي الحاصلة من بعد الشيخ (رحمه اللّه) موهونة جدّا، بل فاسدة قطعا، كيف! و فيه تفسيق علماء الفرقة و تضليلهم أو تجهيلهم بحيث لم يبق في الفرقة مجتهد يرجع إليه حتّى التجأوا إلى تقليد الأموات، و كلّ ذلك واضح الفساد، و جلالة هؤلاء و عظم منزلتهم في الفرقة معلومة، و ذكر خلافهم و وفاقهم في المسائل متداول بين أساطين علمائنا كالفاضلين و الشهيدين و غيرهم، و لو كانوا هؤلاء بمنزلة العوام المقلّدة لما التفتوا إلى خلافهم و وفاقهم، و ما اعتنوا بذكر أقوالهم، و مخالفة هؤلاء و من تأخّر عنهم للشيخ (رحمه اللّه) معروفة مذكورة في كتب الاستدلال، كما يعرف ذلك من ملاحظة فتاويهم المذكورة في كتبهم و المنقولة في كتب الأصحاب، و مخالفات المحقّق ابن ادريس للشيخ (قدّس سرّه‏) من الامور البيّنة الجليّة، و كتاب السرائر مشحون به، و ردّه لفتاوى الشيخ ظاهر معروف حتّى انتصر الفاضلان للشيخ (رحمه اللّه) و أخذا في ردّه و الذبّ عن الشيخ كما هو ظاهر من ملاحظة المعتبر و المنتهى و غيرهما.

ثمّ إنّ مخالفات الفاضلين و من بعدهما للشيخ (رحمه اللّه) و استبدادهم في الاستدلال أمر واضح غنيّ عن البيان. و كان الأصل في ما ذكره الجماعة هو ما حكاه الورّام (قدّس سرّه‏) عن الحمصي، و الحكم باشتباهه في ذلك أولى من التزام ما ذكر، و كان الجماعة من تلامذة الشيخ (رحمه اللّه) و تلامذة تلامذته لغاية وثوقهم به في الفنّ ما كانوا يتجرّون في الفتاوى على مخالفته في الغالب لا تقليدا له، بل كانوا يرجّحون ما رجّحه، و يعتمدون على احتجاجاته، و يرون أنّ ما اختاره أقوى من سائر الأقوال و الاحتمالات، كما هو الحال لنا بالنسبة إلى بعض مشايخنا ممّن نرى له قدما

463

راسخا في الفنّ، و خبرة تامّة في طرق الاستدلال و فهم الأخبار و تطبيق الأحكام على القواعد و تفريع الفروع على الاصول و أين ذلك من التقليد؟

ألا ترى أنّ المهرة في الفنّ لا يتجرّون على مخالفة المشهور إلّا مع باعث قويّ و دليل ظاهر يصرفهم عنه؟! و لا زالوا يحرصون على موافقة المشهور و تحصيل دليل يوافقه و يأخذون به و لو كان الدالّ على غيره أقوى في نفسه، و ذلك لأنّ الاعتضاد بالشهرة يجعل المرجوح أقوى من الراجح الدالّ على خلافه، و لا يعدّ ذلك تقليدا للأكثر و أخذا بقول الجماعة و لا حكما بحجّية الشهرة، و ذلك أمر ظاهر لا مرية فيه، بل ذلك طريقة جارية في سائر الفنون، فإنّ مخالفة الأئمّة في كلّ صناعة ممّا لا يقع من أرباب الخبرة و المهارة إلّا مع باعث قويّ و حجّة واضحة تقودهم إليها، و الظاهر أنّ ذلك هو المنشأ في وهم الحمصي، و هو من المقاربين لعصر الشيخ (رحمه اللّه)، و مقصوده ممّن ذكره هو من ذكرناهم من تلامذته و تلامذة تلامذته- مثلا- إلى أن نشأ الفاضل ابن إدريس و بنى على مخالفة الشيخ (رحمه اللّه) و المناقشة معه في الأدلّة. فظهر أنّ ما ذكر من كون الشهرة المتأخّرة عن الشيخ (رحمه اللّه) ناشئة عن تقليده في كمال الوهن و القصور.

و لو سلّم ذلك في الجملة فغاية الأمر أن يتمّ بالنسبة إلى الشهرة الحاصلة ما بين زماني الشيخ و ابن إدريس، بل الظاهر أنّ الحمصي لم يدّع زيادة عليه، إذ لا مجال لادّعائه، فإنّ عدم متابعة الحلّي و من تأخّر عنه للشيخ (رحمه اللّه) من الامور الواضحة لمن له أدنى خبرة.

فغاية الأمر أن لا يعتمد على تلك الشهرة المخصوصة فلو سلّم وجود شهرة كذلك يتمّ الإشكال بالنسبة إليها و معظم الشهرات الحاصلة عندنا غير مأخوذة من خصوص فتاوى تلك الجماعة.

غاية الأمر أن ينضمّ في بعض المقامات فتاواهم إلى فتاوى غيرهم ممّن تقدّمهم أو تأخّر عنهم و يلحظ الشهرة من اتّفاق الجميع، و لا يجري فيه الإشكال المذكور بوجه، و ذلك أمر واضح غنيّ عن البيان.

***

464

[التسامح في أدلّة السنن و الآداب‏]

- أصل- قد وقع الخلاف في جواز الاكتفاء بالخبر الضعيف مع عدم انجباره بالعمل و نحوه ممّا يفيد حجّيته في السنن و الآداب.

فالمعروف بين المتأخّرين التسامح في أدلّتها و الاكتفاء بثبوتها بما يدلّ عليها و لو من طريق ضعيف، و الظاهر أنّ ذلك هو الطريقة الجارية بين القدماء أيضا حيث يكتفون في الدعوات الواردة و الزيارات و الصلوات المندوبات و غيرها من المستحبّات بما دلّ عليها من الروايات، و الغالب ضعف الأخبار الواردة في تلك المقامات، و يومئ إليه ما يظهر من جماعة من اتّفاق الأصحاب عليه كما سنشير إليه. و قد جرى عليه الطريقة بين المتأخّرين في العمل.

و خالف فيه جماعة منهم: السيّد في المدارك و الفاضل الجزائري و صاحب الحدائق فقالوا بعدم الفرق في ذلك بين الأحكام و أنّه لابدّ في جميعها من قيام الحجّة المعتبرة على ثبوتها حتّى يجوز الحكم بها.

حجّة القول الأوّل وجهان:

أحدهما الأخبار المستفيضة الواردة في ذلك‏

و هي مرويّة من طرق الخاصّة و العامّة.

فمنها: صحيحة هشام بن سالم المرويّة في الكافي عن الصادق (عليه السّلام): من سمع‏

465

شيئا من الثواب على شي‏ء فصنعه كان له، و إن لم يكن على ما بلغه.

و رواه ابن طاووس في الإقبال عن أصل هشام عن الصادق (عليه السّلام) و في المحاسن بإسناده الصحيح عن هشام عنه (عليه السّلام) قال: من بلغه عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) شي‏ء من الثواب فعمله كان أجر ذلك له، و إن كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) لم يقله.

و روى الصدوق (رحمه اللّه) في ثواب الأعمال عن أبيه، عن عليّ بن موسى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن هشام، عن صفوان، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «من بلغه شي‏ء من الثواب على شي‏ء من الخير فعمل به كان له أجر ذلك، و إن كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) لم يقله» و ليس في الإسناد من يتأمّل في شأنه سوى عليّ بن موسى، و الظاهر أنّه الكمنداني الّذي هو أحد رجال عدّة ابن عيسى المذكور في الكافي و لم يصرّحوا بتوثيقه، إلّا أنّ الظاهر أنّه من المشايخ المعروفين.

و في رواية الأجلّاء كالكليني و عليّ بن بابويه رحمهما اللّه عنه إشارة إلى جلالته فالظاهر عدّ خبره قويّا، بل الظاهر أنّه لا مانع من قبول الرواية من جهته، و لا يقضي رواية هشام لهذا الخبر هنا بالواسطة و هناك من دون واسطة وهنا في الرواية، إذ لا بعد في وقوع الأمرين سيّما مع اختلاف اللفظين.

و روى الكليني (رحمه اللّه) أيضا بإسناده إلى محمّد بن مروان قال سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يقول: من بلغه ثواب من اللّه على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب أوتيه و إن لم يكن الحديث كما بلغه‏ (1).

و روى البرقي في المحاسن باسناده عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: من بلغه عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) شي‏ء من الثواب فعمل ذلك طلب قول النبي (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) كان له ذلك الثواب و إن كان النبي (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) لم يقله‏ (2).

و روى ابن فهد في عدّة الداعي عن الصدوق (رحمه اللّه) أنّه روى عن محمّد بن يعقوب بطرقه الى الأئمّة (عليهم السّلام): «أنّه من بلغه شي‏ء من الخبر فعمل به كان له من‏

____________

(1) الكافي: ج 2 ص 87 باب من بلغه ثواب من اللّه على عمل ح 2.

(2) المحاسن: ص 25 باب من بلغه ثواب شي‏ء فعمل به طلبا لذلك الثواب ح 1.

466

الثواب ما بلغه و إن لم يكن الأمر كما نقل إليه» (1).

و روى السيّد في الإقبال مرسلا عن الصادق (عليه السّلام) أنّه قال: من بلغه شي‏ء من الخير فعمل به كان له ذلك و إن لم يكن الأمر كما بلغه‏ (2).

قال العلّامة المجلسي في البحار بعد ذكر صحيحة هشام بن سالم المرويّة في المحاسن: هذا الخبر من المشهورات، رواه الخاصّة و العامّة بأسانيد (3).

قلت: فهي مع استفاضتها و اعتضاد بعضها بالبعض و ذكرها في الكتب المعتمدة لا مجال للتأمّل في أسنادها و نفى بعض المتأخّرين البعد عن عدّها من المتواترات مضافا إلى صحّة عدّة من طرقها بحسب الاصطلاح أيضا، و اعتضادها بعمل الأصحاب و تلقّيهم لها بالقبول كما هو ظاهر من ملاحظة الطريقة الجارية، بل يظهر من جماعة اتّفاق الأصحاب على ذلك و انعقاد الإجماع عليه فقال الشهيد (رحمه اللّه) في الذكرى: أنّ أحاديث الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم.

و في عدّة الداعي بعد ذكر عدّة من الأخبار المذكورة: فصار هذا المعنى مجمعا عليه بين الفريقين‏ (4).

و قال شيخنا البهائي (رحمه اللّه) بعد الإشارة إلى بعض ما مرّ من الأخبار: و هذا هو سبب تساهل فقهائنا في البحث عن دلائل السنن‏ (5).

و قال أيضا في موضع آخر: قد شاع العمل بالضعاف في أدلّة السنن و إن اشتدّ ضعفها و لم ينجبر، ثمّ قال: و أمّا نحن معاشر الخاصّة فالعمل عندنا ليس في الحقيقة، بل بحسبه مع من سمع ... إلى آخره‏ (6). و هي ما تفرّدنا بروايته. و قال الشيخ الحرّ بعد ذكر جملة من الأخبار: هذه الاحاديث سبب تسامح الأصحاب‏

____________

(1) عدة الداعي: ص 9.

(2) إقبال الاعمال: ص 627.

(3) بحار الأنوار: ج 2 ص 256 باب 30 من بلغه ثواب من اللّه على عمل فأتى ذيل حديث 3.

(4) عدّة الداعي ص 13.

(5) الأربعين ص 389.

(6) و العبارة في الأربعين هكذا: لأنّ حكمهم باستحباب تلك الأعمال و ترتّب الثواب عليها ليس مستندا في الحقيقة إلى تلك الأحاديث الضعيفة، بل إلى هذا الحديث الحسن المشتهر المعتضد بغيره من الأحاديث.

467

و غيرهم في الاستدلال على الاستحباب و الكراهة بعد ثبوت أصل المشروعيّة.

و قد نصّ جماعة من المحقّقين إلى اشتهار ذلك بين الأصحاب قال الشهيد الثاني (قدّس سرّه‏): جوّز الأكثر العمل بالخبر الضعيف في نحو القصص و المواعظ و فضائل الأعمال إلّا في صفات اللّه و أحكام الحلال و الحرام، و هو حسن حيث لا يبلغ الضعيف حدّ الوضع و الاختلاق، لما اشتهر بين العلماء المحقّقين عن التساهل في أدلّة السنن، و ليس في المواعظ و القصص غير محض الخبر.

و قال المحقّق الخوانساري: قد اشتهر بين العلماء أنّ الاستحباب إنّما يكتفى فيه بالأدلّة الضعيفة و ... (1) بعد ذلك لكن اشتهار العمل بهذه الطريقة بين الأصحاب من غير نكير ظاهر (2) بل هي في الغاية يجري النفس و يستحقّها عليه لعلّ اللّه تعالى يقبل عذره.

و قد اورد عليه بوجوه:

أحدها: أنّ هذه المسألة من اصول المسائل الاصوليّة- حيث يثبت بها مدرك في الشريعة لركن من الأحكام الشرعيّة- فلا يكتفى في مثلها بمجرّد المظنّة، حسب ما تقرّر عندهم من عدم الاكتفاء بالظنّ في المسائل الاصوليّة يريدون به أمثال هذه المسألة.

و يدفعه أوّلا: منع اشتراط القطع في مسائل اصول الفقه، و المقصود ممّا ذكروه مسائل اصول الدين، كيف؟ و مبنى أدلّتهم في مسائل الاصول على الظنّ كمسائل الفقه. غاية الأمر اعتبار انتهاء الظنّ فيها إلى اليقين، و هو معتبر في الفقه أيضا.

نعم انتهاء المسائل الفقهيّة إلى القطع إنّما يكون في علم الاصول. و أمّا المسائل الاصوليّة فهي إنّما تنتهي إلى القطع في ذلك الفنّ دون غيره، فلابدّ أن يكون في جملة مسائلها مسألة قطعيّة يكون الاتّكال في الظنون المتعلّقة بسائر المسائل عليها، و على فرض أن يراد بالكلام المذكور هنا ما يشمل مسائل اصول الفقه فكان المراد به هو هذا المعنى، فعنوا باعتبار القطع في الاصول أنّه يعتبر بلوغ‏

____________

(1) كلمة غير مقروءة.

(2) مشارق الشموس ص 34.

468

مسائلها الى حدّ القطع في ذلك الفنّ بخلاف مسائل الفقه، فإنّها ظنّية في فنّ الفقه و إنّما ينتهي إلى القطع في فنّ آخر.

و ثانيا: أنّ الأخبار المذكورة مشهورة بين الأصحاب بل مرويّة من طريقين:

العامّة و الخاصّة، معروفة عند الفريقين قد تلقّاها معظم الأصحاب بالقبول مع اعتضاد بعضها بالبعض و تكرّرها في الكتب المعتمدة، فلا تأمّل في حجّية مثلها و لو عند القائل بعدم حجّية الآحاد، فإنّه يعدّ مثل ذلك من المتواتر- كما ادّعي في المقام- أو من المحفوف بقرائن القطع، كيف؟ و لو لا البناء على حجّية مثلها لسقط اعتبار الأخبار بالمرّة، و فيه هدم للشريعة. كذا يستفاد من كلام بعض الأفاضل، و فيه تأمّل، إذ ليس ذلك جوابا غير الأوّل، إذ أقصى ما يستفاد من ذلك حجّية مثل الأخبار الظنّية المفروضة في الفروع، و أمّا حجّيتها في الاصول فمبنيّ على عدم‏ (1) منع المقدّمة المذكورة. نعم إن ثبت قطعيّة الأخبار المذكورة كان ذلك جوابا آخر.

و ثالثا: أنّا لا نقول بحجّية الأخبار الضعيفة في إثبات الآداب و السنن الشرعيّة، بل نقول بكونها قاضية باستحباب الفعل من الجهة المفروضة، سواء كان ذلك الخبر صدقا بحسب الواقع أو كذبا، فهو حكم واقعي ثابت للفعل من تلك الجهة قد دلّت عليه الأخبار المذكورة.

كيف! و لو قلنا بحجّية الروايات الضعيفة في إثبات الأحكام المفروضة لكانت تلك الروايات أدلّة على الواقع، فإن وافقت الواقع كان الحكم ثابتا بحسب الواقع و إلّا فلا، كما هو الحال في غيرها من الأدلّة الظنّية، و ليس الحال هنا كذلك، إذ نقول حينئذ بثبوت الحكم بحسب الواقع و إن لم يطابق الواقع، كما هو مقتضى الأخبار المذكورة.

و حينئذ نقول: إنّ القول بحصول الرجحان في الفعل من جهة بلوغ الخبر المفروض حكم شرعي ندبي كسائر الأحكام الشرعيّة، فهي جهة مرجّحة للفعل على نحو سائر الجهات المرجّحة للأفعال، فكما أنّه لا مانع من الرجوع فيها،

____________

(1) ليس في «ق».

469

بل و في ما هو أهمّ منها- من الأحكام الوجوبيّة و التحريميّة- إلى الأدلّة الظنّية فكذا بالنسبة إليها، بل الأمر فيها أسهل جدا.

و ربّما يجاب أيضا: بأنّه لا يترتّب على حجّية الأخبار المفروضة مفسدة حتّى يلزم هناك باعتبار القطع، إذ أقصى الأمر الوقوع في ما لا حرج فيه و لا رجحان.

و فيه: أنّ الحكم و الإفتاء من غير دليل معتبر في الشريعة من الامور المحرّمة، بل من جملة الكبائر، فكيف يقال بالأمن عن الوقوع في الحرام في هذا المقام؟

نعم إن لم يلحظ الخصوصيّة في العمل اتّجه ذلك إلّا أنّه خلاف المقصود، فإنّهم أرادوا ثبوت الاستحباب في المقام من جهة ورود الخبر الضعيف.

ثانيها: أنّ مفاد الأخبار المذكورة أخصّ من المدّعى، لاختصاصها بصورة ورود الثواب على العمل، فلو دلّ على رجحان الفعل من دون بيان ثوابه كما هو الغالب كان خارجا عن مورد الأخبار المذكورة.

و اجيب عنه: بأنّ ما دلّ على رجحان الفعل يدلّ على ترتّب الثواب عليه بالالتزام، و هو كاف في اندراجه تحت الأخبار المذكورة. و تنظّر فيه بعض الأجلّة، و هو في محلّه، إذ مجرد الدلالة الالتزاميّة لا يكفي في اندراجها في الأخبار المذكورة، إذ ظاهرها ذكر الثواب صريحا على العمل.

نعم يمكن إتمام الكلام حينئذ بالقطع بالمناط، إذ ليس لخصوص التصريح بالثواب مدخل فيه بعد كونه مفهوما من الكلام و لو بالالتزام، مضافا إلى عدم القول بالفصل، و الطريقة الجارية في العمل على أنّ صحيحة البرقي يعمّ ذلك، بناء على حمل الثواب فيها على العمل الّذي فيه الثواب إطلاقا للمسبّب على السبب كما هو ظاهر الضمير الراجع إليه، و يقضي به زيادة لفظ «الأجر» في قوله: كان أجر ذلك له، و إلّا كان ينبغي أن يقال كان ذلك له، فيعمّ حينئذ ما ذكر فيه الثواب صريحا أو التزاما.

و في مرسلة الإقبال دلالة عليه أيضا، و كذا في مرسلة العدّة في وجه.

ثالثها: أنّ هذه الروايات إنّما دلّت على ترتّب الثواب على العمل، و ذلك لا يقتضي تعلّق الطلب من الشرع لا وجوبا و لا استحبابا كما هو المدّعى.

470

و يدفعه: أنّ حكم الشارع بترتّب الثواب على عمل يساوق الحكم برجحانه، إذ لا ثواب على غير الواجب و المندوب كيف و من البيّن أنّه لو حكم الشارع ثبوت ثواب على عمل مخصوص- كما ورد في كثير من الأخبار- دلّ ذلك على استحباب ذلك العمل من غير إشكال، فكيف لا يحكم به مع حكمه به على سبيل الكلّية كما في المقام.

قال صاحب الحدائق في بيان الإيراد أنّ غاية ما تضمّنته تلك الأخبار هو ترتّب الثواب على العمل، و مجرّد هذا لا يستلزم أمر الشارع و طلبه لذلك، فلابدّ أن يكون هناك دليل آخر على طلب الفعل و الأمر به ليترتّب عليه الثواب بهذه الأخبار. قال: و هذا الكلام جيّد وجيه لا مجال لإنكاره، فقول المجيب: «إنّ ترتّب الثواب على عمل يساوق رجحانه ... إلى آخره» كلام قشريّ لا معنى له عند التأمّل الصادق، لأنّ العبادات توقيفيّة من الشارع واجبة كانت أو مستحبّة، فلابدّ لها من دليل صريح و نصّ صحيح يدلّ على مشروعيّتها، و هذه الأخبار لا دلالة فيها على الثبوت و الأمر بذلك، و إنّما غايتها ما ذكرناه انتهى.

و لا يخفى ضعفه، إذ بعد تسليم دلالة الأخبار المذكورة على حكم الشارع بترتّب الثواب على العمل الّذي روي فيه الثواب كيف يعقل التأمّل في حكم الشرع برجحان ذلك الفعل من الجهة المفروضة؟ و كيف يحتمل انفكاك الحكم بالرجحان عن الحكم بترتّب الثواب، و ليس معنى الراجح في الشرع إلّا ما ترتّب الثواب على فعله، فقوله «إنّ مجرّد ذلك لا يستلزم أمر الشارع و طلبه» من الغرائب، و تعليله ذلك «بأنّ العبادات توقيفيّة من الشارع واجبة كانت أو مستحبّة» ممّا لا ربط له بذلك، فإنّ المفروض حصول التوقيف من الشارع، لورود الأخبار المذكورة الدالّة على حصول الرجحان من الجهة المفروضة، و كأنّه أشار بذلك إلى ما استدلّوا به على المنع من الأخبار الدالّة على توقيفيّة أحكام الشريعة، و أنّه لابدّ فيها من الرجوع إلى الكتاب و السنّة فإنّها تعمّ جميع الأحكام الشرعيّة، فأراد بذلك معارضتها بالأخبار المذكورة، و ستعرف ما فيه.

471

نعم قد يقال في المقام: إنّ مفاد هذه الأخبار أنّ من بلغه ثواب مخصوص على عمل من أعمال الخير فعمل ذلك طلبا لنيل ذلك الثواب أعطاه اللّه سبحانه ذلك و إن لم يكن على ما بلغه، فليس المقصود الحكم برجحان الفعل المفروض، و لا ترتّب الثواب عليه مطلقا، بل لابدّ من ثبوت كونه خيرا أو راجحا من الأدلّة الخارجيّة حتّى يترتّب عليه ذلك الثواب الخاصّ بمقتضى هذه الأدلّة، فليس المقصود بهذه الأخبار بيان مشروعيّة العمل بمجرّد ورود الرواية الضعيفة، بل المراد ترتّب الثواب المخصوص على العمل المشروع من جهة وروده في الخبر و بلوغه إليه، كما إذا ورد ثواب مخصوص لصلاة الليل أو زيارة مولانا الحسين (عليه السّلام) مع ثبوت المشروعيّة لقيام الضرورة، فمشروعيّة العمل يتوقّف على طريقها المقرّر في الشريعة، و لا يتوقّف ترتّب الثواب الخاصّ بعد ثبوت المشروعيّة و كون ما يأتي به خيرا و عملا شرعيّا حسب ما يستفاد منها حيث علّق الحكم على ذلك و هو إيراد رابع في المقام، و قد يحمل عليه كلام صاحب الحدائق و إن لم يوافق ظاهر عبارته.

و يدفعه: أنّه و إن لم يدلّ ذلك إذن على ثبوت استحباب أصل الفعل بالخبر المفروض لكنّه يفيد استحباب الخصوصيّة و رجحانها فيما إذا ذكر الأجر على الخصوصيّة، و هو أيضا حكم شرعيّ، كما إذا ورد صلاة ركعتين في ليلة مخصوصة و ذكر له فضيلة عظيمة أو قراءة سورة معيّنة في ليلة و نحو ذلك، فإنّ هذه الصورة مندرجة في الأخبار المذكورة قطعا، فيثبت بها مشروعيّة الخصوصيّة و استحبابها، فيثبت بها المدّعى في الجملة، على أنّه لم يعتبر في تلك الأخبار كون الثواب على الخبر إلّا في رواية الصدوق، و الأخبار الباقية خالية عنه، فبعضها مطلق كصحيحة المحاسن و في بعضها اضيف الثواب إلى العمل و الشي‏ء، و من الظاهر شمولها لكلّ الأفعال. و البناء على حمل المطلق على المقيّد ممّا لا وجه له في المقام، إذ لا معارضة بين الحكمين.

غاية الأمر أن يثبت ببعض تلك الأخبار ما هو أخصّ ممّا يثبت بالباقي، و هو ظاهر.

472

خامسها: أنّ الثواب الوارد في الأخبار المذكورة مطلق، و كما أنّ الثواب يثبت للمندوب يثبت للواجب أيضا، فلم خصّوا الحكم بالمندوب و لم يجروه بالنسبة إلى الواجبات مع أنّ مفاد الأخبار المذكورة أعمّ منه لحصول الثواب على كلّ من الأمرين، و إطلاق لفظ العمل و نحوه ممّا ورد في تلك الأخبار.

و جوابه ظاهر، إذ ليس مفاد تلك الروايات لزوم الأخذ بما دلّ عليه الخبر من الحكم، بل مقتضاها الحكم بترتّب الثواب على الفعل المذكور، و ذلك إنّما يفيد رجحان ذلك الفعل لا وجوبه، إذ ليس فيها ما يدلّ على ترتّب العقاب على تركه، فإن دلّ الخبر على الأمرين بني عليه في الحكم بترتّب الثواب من جهة ظاهر هذه الأخبار دون ترتّب العقاب على تركه، لانتفاء ما يدلّ عليه، و عدم نهوضها حجّة في نفسها و لا ملازمة بين الأمرين، مضافا إلى ما عرفت من صراحة سياق هذه الروايات في إرادة الاستحباب مع عدم ثبوت الوجوب من الخارج، فكيف يمكن إجراؤها في وجوب ما دلّ الخبر المفروض على وجوبه، مع إطلاق الأخبار المذكورة بالنسبة إلى الواجب و المندوب يكون مقتضاها استحباب الإتيان بما دلّ الأخبار على وجوبه أيضا، و لا مانع منه مع عدم نهوض ما دلّ على الوجوب على إثباته.

فإن قلت: إنّ مفاد هذه الروايات ترتّب الثواب الّذي بلغه على الفعل المفروض سواء كان ذلك الفعل ممّا ثبت وجوبه- كما إذا بلغه ثواب على أداء الصلاة اليوميّة، أو صيام شهر رمضان- أو كان ممّا ثبت ندبه- كصلاة الليل- أو كان دائرا بين الوجوب و الندب، أو دائرا بين الإباحة و الاستحباب، و دلّ الخبر المفروض على وجوبه أو ندبه، إلى غير ذلك. و حينئذ كيف يقال بدلالة تلك الأخبار على استحباب الإتيان بذلك الفعل و كونه مطلوبا على وجه الندب؟

قلت: لا نقول بصراحة الأخبار المذكورة في استحباب الإتيان بما ورد الثواب فيه حتّى يزاحم ما دلّ على وجوب ذلك الفعل فلا يصحّ اجراؤها في جميع الصور المذكورة، بل نقول: إنّه لا دلالة فيها على وجوب الإتيان بذلك الفعل الّذي‏

473

ورد الثواب فيه بوجه من الوجوه، إذ مفادها ترتّب الثواب على الفعل لا العقاب على الترك، فإن ثبت وجوب ذلك الفعل من الخارج فلا كلام، إذ لا دلالة في هذه الأخبار على خلافه.

غاية الأمر أنّه يحكم بترتّب الثواب الخاصّ عليه إذا اتي به رجاء ذلك الثواب، و إن لم يثبت كان قضيّة الأخبار المذكورة حينئذ استحبابه حسب ما يفيده سياقها، نظرا إلى إفادتها كون تلك الجهة مرجّحة للفعل ترجيحا غير مانع من النقيض، فلا تزاحم ما دلّ على ثبوت جهة اخرى مانعة من النقيض، إلّا أنّه مع عدم ثبوتها يتعيّن الندب بمقتضى تلك الأخبار، مضافا إلى قضاء الأصل أيضا حينئذ بالندب، لعدم دلالة تلك الأخبار على الوجوب أصلا كما عرفت، و عدم نهوض دليل آخر على الوجوب.

و من غريب الكلام! ما اتّفق لصاحب الحدائق في المقام حيث إنّه حكى الإيراد المذكور عن بعض الفضلاء و الجواب المتقدّم عن بعض مشايخه.

ثمّ أورد على المجيب بأنّ مراد المورد- كما هو ظاهر سياق كلامه- أنّه لو اقتضى ترتّب الثواب الوارد في هذه الأخبار طلب الشارع لذلك الفعل لكان الواجب عليهم الاستناد إلى هذه الأخبار في وجوب ما تضمّن الخبر الضعيف وجوبه كما جروا عليه بالنسبة إلى ما تضمّن الخبر الضعيف استحبابه، مع أنّهم لم يجروا هذا الكلام في الواجب.

و حاصل الكلام الإلزام لهم بأنّه لا يخلو إمّا أن يقولوا: إنّ ترتّب الثواب في هذه الأخبار يقتضي الطلب و الأمر بالفعل أم لا؟

فعلى الأوّل يلزمهم ذلك في جانب الوجوب كما التزموه في جانب الاستحباب، مع أنّهم لا يلتزمونه.

و على الثاني لابدّ من دليل آخر يقتضي ذلك و يدلّ عليه. انتهى بعبارته.

و أنت خبير بوهن ما ذكره، و عدم ترتّب فائدة على تقرير الإيراد على النحو الّذي قرّره، إذ نقول: إنّ ترتّب الثواب الوارد في هذه الأخبار يقتضي رجحان‏

474

الإتيان بذلك الفعل. و هذا كما ذكرنا إنّما يفيد استحباب ذلك الفعل لا وجوبه حتّى يلزمهم الالتزام بالوجوب في ما دلّ عليه، بل قضيّة ذلك استحباب ما دلّ الخبر الضعيف على وجوبه أيضا.

نعم لو دلّت هذه الأخبار على وجوب الحكم بمقتضى الخبر الوارد في الثواب قد يتّجه ما ذكره، لكن ليس فيهما ايماء بذلك أصلا، و هو واضح.

فان قلت: إنّ مفاد الأخبار المذكورة يعمّ ما إذا كان البلوغ بطريق معتبر و غير معتبر، و لا يختصّ بالأخير حتّى يقال حينئذ باستحباب ما دلّ على وجوبه، فلو كان البلوغ على الوجه المعتبر كان ما دلّ على وجوبه واجبا، و ما دلّ على ندبه مندوبا قطعا، فإذا فرض اعتبار البلوغ الغير المعتبر نظرا إلى اعتبار الأخبار المذكورة فينبغي أن لا يختلف الحال في الصورتين، فكيف يقال بالتفكيك بين الأمرين؟!

قلت: ثبوت الوجوب و الاستحباب في الصورة الاولى إنّما هو من جهة اعتبار الدليل الدالّ عليه و لا ربط له بمؤدّى هذه الأخبار، فإنّ مقتضاها ثبوت الرجحان لمجرّد البلوغ مع قطع النظر عن كونه بالطريق المعتبر، فهذا الوجه إنّما يفيد رجحان الإتيان بالفعل من الجهة المذكورة مطلقا أو رجحانا غير مانع من النقيض، و ذلك لا ينافي حصول الرجحان المانع من جهة اخرى.

فمحصل ما يستفاد من الأخبار المذكورة: أنّ مجرّد بلوغ الخبر إليه قاض برجحان ذلك الفعل على أحد الوجهين المذكورين، من غير أن يستفاد منها وجوب ذلك الفعل بوجه من الوجوه، فإن دلّ دليل شرعي على الوجوب فذاك، و إلّا فليس المستفاد من تلك الأخبار إلّا الندب.

و ما قد يقال: من أنّ مقتضى الروايات المذكورة ترتّب ثواب الواجب فيما إذا روي وجوبه و ثواب المندوب فيما إذا روي ندبه- فكما يقال بدلالة الحكم بترتّب ثواب المندوب في ما روي ندبه فكذا ينبغي القول بدليليّته بالنسبة إلى ما روي وجوبه- فاسد، إذ الفرق بين الواجب و المندوب إنّما هو في ترتّب العقاب على‏

475

الترك لا في مقدار الثواب، إذ قد يكون الثواب المترتّب على المندوب أكثر من الواجب- حسب ما قيل في ثواب الابتداء بالسلام و ثواب ردّه- على أنّه لا مانع من القول بالتزام ترتّب ثواب الواجب في المقام من باب التفضّل، نظرا إلى الجهة المذكورة و إن قلنا بنقصان ثواب المندوب من الواجب في أصله.

سادسها: أنّ الآية الشريفة الدالّة على ردّ خبر الفاسق أخصّ من هذه الأخبار لدلالتها على ردّ خبر الفاسق، سواء كان ممّا تعلّق بالسنن أو غيرها، و هذه الروايات قد اشتملت على ترتّب الثواب المذكور على العمل، سواء كان المخبر به عادلا أو فاسقا، و لا ريب أنّ الأوّل أخصّ من الثاني فيجب حمل تلك الأخبار على غير تلك الصورة حملا للمطلق على المقيّد، كما هو مقتضى القاعدة، كذا قيل.

و فيه: أنّ المعارضة بينهما من قبيل العموم من وجه، لوضوح عدم دلالة هذه الأخبار على قبول الخبر مطلقا ليكون ما دلّ على ردّ خبر الفاسق مقيّدا لها، بل إنّما دلّت على قبول الخبر في ترتّب الثواب على العمل من دون دلالة على ما يزيد على ذلك أصلا.

و حينئذ نقول: إنّ قضيّة هذه الأخبار قبول مطلق الخبر المشتمل على ترتّب الثواب، سواء كان راويه عادلا أو فاسقا، و قضيّة ظاهر الآية ردّ خبر الفاسق مطلقا سواء دلّ على ترتّب الثواب على العمل أو غير ذلك.

و من الواضح: أنّ النسبة بينهما من قبيل العموم من وجه، و من العجب إصرار صاحب الحدائق (رحمه اللّه) في المقام على كون التعارض بينهما من قبيل العموم المطلق، مع أنّه في غاية الوضوح من الفساد.

قال (رحمه اللّه) في بيان ذلك: إنّ الأخبار دلّت على ترتّب الثواب على العمل الوارد بطريق عن المعصوم (عليه السّلام) سواء كان المخبر عدلا أم لا، طابق خبره الواقع أم لا، من الواجبات كان أم من المستحبّات، و مورد الآية خبر الفاسق تعلّق بالسنن أو بغيرها. و لا ريب أنّ هذا العموم أخصّ من ذلك العموم مطلقا لا من وجه.

و ضعفه ظاهر بما عرفت، كيف! و لو تعلّق خبر الفاسق بترتّب عقاب على عمل‏

476

و غير ذلك من الامور الّتي لا يقتضي ترتّب الثواب على العمل كان مندرجا في الآية قطعا و لا إشعار في هذه الأخبار بقبوله فكيف يعقل القول بكون المعارضة بينهما من قبيل العموم المطلق؟!

فإن قلت: تسليم كون المعارضة بينهما من قبيل العموم من وجه كاف في سقوط الاحتجاج المذكور، إذ لابدّ إذن من الرجوع إلى المرجّحات الخارجيّة، و لا ريب أنّ الأصل و مقطوعيّة المتن مرجّحان للعمل بالآية الشريفة، سيّما بملاحظة ما ورد من عرض الأخبار على الكتاب.

قلت: دلالة الأخبار المذكورة أوضح و أبين في جواز العمل بخبر الفاسق في ذلك من دلالة الآية على المنع، سيّما بملاحظة ما حكم فيها من جريان الحكم و لو على فرض كذب الخبر، فيقدّم على إطلاق الآية.

و اجيب عنه أيضا: بأنّ مفاد الآية الشريفة عدم جواز العمل بقول الفاسق من دون تثبّت، و العمل في ما نحن فيه ليس كذلك، لورود تلك المعتبرة بجواز العمل بها، فيكون ذلك تثبّتا في خبر الفاسق و عملا به بعد التثبّت. كذا ذكره غير واحد من الأجلّاء.

أقول: يرد عليه: أنّ التبيّن المأمور به في الآية هو التجسّس من صدق الخبر و كذبه، و هو غير حاصل بهذه الأخبار، إذ مفاد هذه الروايات هو العمل بمضمونها و إن لم يطابق الواقع من دون حاجة إلى التعيين و التثبّت، فمفادها مناف لما دلّت عليه الآية الشريفة في الجملة، فإن كانت أخصّ منها عملنا بها و خصّصنا الآية من جهتها، لكنّها كما عرفت أعمّ من وجه حسب ما ذكره المورد.

و التحقيق في الجواب أن يقال: إنّه ليس حكمنا باستحباب ما دلّ خبر الفاسق على ترتّب الثواب عليه عملا بقول الفاسق ليجب ردّه قبل التبيّن، و إنّما هو من جهة العمل بهذه الأخبار المعتبرة الحاكمة به، فيكون مجي‏ء الفاسق بالخبر محصّلا لموضوع الحكم الثابت بهذه الأخبار من دون أن يكون هناك اتّكال على الفاسق أصلا حسب ما قدّمنا الإشارة إليه.

477

و بالجملة: أنّ الشارع قد طلب منّا الإتيان بما بلغنا فيه ثواب و حكم بترتّب ذلك الثواب عليه و إن لم يكن الحال على ما بلغنا و قد دلّت هذه المعتبرة على صدور ذلك التكليف من الشرع، فالحكم بالرجحان في ما نحن فيه من جهة هذه الأخبار دون خبر الفاسق. و لذا يثبت الرجحان و إن كان المخبر كاذبا كما هو قضيّة هذه الروايات، فيكون بلوغ الثواب على الوجه المذكور سببا لترتّب الثواب على الفعل لا كاشفا عن حصوله في الواقع و مبيّنا له كما هو شأن الدليل ليكون الاعتماد فيه على الفاسق، فليس مدلول هذه الأخبار تصديق الفاسق في ما أخبر به من حكاية الثواب فيه عن المعصوم، و إنّما دلّت على الحكم بترتّب الثواب واقعا بسبب بلوغ الخبر إلى العامل، و رجحان الفعل بالنسبة إليه، و ليس في ذلك عمل بقول الفاسق أصلا.

و بهذا التقرير يظهر أن لا معارضة بين هذه الروايات و الآية الشريفة رأسا ليفتقر إلى بيان طريق الجمع، فما ذكرناه أوّلا من كون المعارضة من قبيل العموم من وجه كان مماشاة مع المورد.

و من ذلك يظهر ضعف ما أورده بعض الأجلّاء- و هو إيراد سابع في المقام- من أنّ الأحاديث المطلقة تحمل عندهم على الأخبار المقيّدة، و تعرض مع هذا على الكتاب فما لم يوافقه منها يضرب به عرض الحائط، مع أنّه يجب إطراحها أو تأويلها إذا خالفت السنّة المقطوع بها، و الامور الثلاثة حاصلة في المقام.

أمّا الأخبار المقيّدة فهي ما دلّت على النهي البليغ عن أخذ العلوم كلّها إلّا عن العالم الربّاني، و أنّه لا يؤخذ شي‏ء من العلم من جماهير المخالفين و أنّ الرشد في خلافهم، و كتاب اصول الكافي مشحون بمثل هذه الأخبار، و أمّا الكتاب فقوله عزّ من قائل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ ... الآية (1) و لا شك أنّ الأحكام المستحبّة و المكروهة من أعظم الأخبار، لأنّها أحكام إلهيّة.

و أمّا السنّة القطعيّة فظاهرة من قطع الأصحاب، لنصّ الأخبار على ردّ شهادة

____________

(1) سورة الحجرات: 6.

478

الفاسق و التوقّف عند إخباره، إلّا في موارد نادرة ليس هذا منها. و حينئذ فيجب علينا أن نقول: لهذه الأخبار معنى صحيحا، و هو أنّ معنى «من بلغه ثواب من اللّه» البلوغ و السماع المعتبرين عند الشرع الأقدس، و هو أن يكون سماعا ممّن يفيد قوله الظنّ و إن لم يفد العلم، انتهى.

إذ ليس‏ (1) عندنا في الأخبار ما هو أخصّ من هذه الأخبار ليحمل هذه عليها، و ما ذكره من الأخبار الدالّة على المنع من أخذ العلم، إلّا عن العالم الربّاني فلا دخل له بالمقام، إذ لا يعتبر ذلك في الأخذ عن الراوي قطعا، و يحتمل أن يراد بذلك الإمام (عليه السّلام).

فالمراد به الأخذ عنهم (عليهم السّلام) و لو بالواسطة لا عن مخالفيهم، أو المراد به الأخذ على سبيل التقليد و التعلّم من غير أن يكون هو عالما مستنبطا، و لو سلّم كون المراد به الراوي فالحال فيها كالآية الشريفة و يجري فيها ما عرفت في بيان الحال في مفاد الآية. و أمّا ما دلّ على المنع من الرجوع إلى كتب المخالفين فبالالتزام به أخذا بتلك الأدلّة المعتضدة بإعراض الأصحاب عن الرجوع إلى كتبهم و أخبارهم الموجودة عندهم حسب ما يأتي الإشارة إليه، و لا يقضي ذلك بعدم الرجوع إلى سائر الأخبار الضعيفة.

و أمّا الكتاب فقد عرفت الحال فيه.

و أمّا السنّة المقطوعة فإن أراد بها الأخبار المرويّة فقد عرفت الحال فيها و هو عين ما ادّعاه أوّلا من وجود الأخبار المقيّدة و إن أراد بها الطريقة المعلومة من الشرع المأخوذ من الروايات المقرّرة عند الأصحاب من ردّ قول الفاسق، فإن أراد به قيامها في خصوص المقام فهو في محلّ المنع، بل القول بعكسه أولى حسب ما ادّعاه أوّلا من عمل الأصحاب بالأخبار الضعيفة في السنن و المكروهات، و إن أراد ردّها في الشهادات و نحوها فهو حقّ و لا دخل له بالمقام، مضافا إلى ما عرفت من الإلزام به و القول بأنّ الرجوع إليه في المقام ليس رجوعا إلى قول‏

____________

(1) تعليل لقوله: يظهر ضعف ما أورده.

479

الفاسق و إنّما ذلك أخذ بهذه الروايات المعتبرة على ما فصّلنا القول فيه، و ما ذكره في حمل الأخبار فهو تقييد بعيد عن ظواهرها من دون قيام دليل عليه بل لا يلائم سياقها كما عرفت الحال فيها.

الوجه الثاني‏ (1) التمسّك بقاعدة الاحتياط

و هو ظاهر فيما إذا دلّ الخبر الضعيف على وجوب شي‏ء أو حرمته، لوضوح أنّ الاحتياط حينئذ في فعل الأوّل و ترك الثاني، و يدلّ على رجحان الاحتياط فيه العقل و النقل المستفيض، بل هو الفرد المتيقّن من الأخبار الدالّة على رجحان الاحتياط في الدين، و أمّا إذا دلّ على الاستحباب أو الكراهة فالظاهر أنّه كذلك، إذ البناء على موافقة أوامر المولى و نواهيه مطلقا قاض بذلك من غير فرق بين كون المطلوب حتميّا أو غيره، لقطع العقل بأنّ الباني على امتثال جميع أوامر المولى وجوبيّة كانت أو ندبيّة و ترك جميع نواهيه كذلك ينبغي البناء له على ذلك، و لذا ترى العقل يقطع بمدح العبد الّذي يأتي بكلّ فعل يحتمل كونه محبوبا لمولاه و ترك كلّ فعل يحتمل كونه مبغوضا له من جهة احتمال كونه محبوبا أو مبغوضا. و الظاهر أنّ الأخبار الدالّة على رجحان الاحتياط دالّة عليه أيضا، إذ هو احتياط في تحصيل المندوب أو ترك المكروه، و هما متعلّقان لطلب الشرع و إن لم يكن الطلب فيهما مانعا من النقيض، فهذه الجهة- أعني ملاحظة الاحتياط في أداء ما أراده الشارع من الفعل أو الترك- جهة محسّنة للفعل أو الترك بحسب الواقع و إن لم يكن كلّ منهما في حدّ ذاته راجحا في الواقع، فذلك من الجهات الاعتباريّة المحسّنة للفعل أو الترك.

و قد تقرّر أنّ حسن الأفعال و قبحها بالوجوه و الاعتبارات، و ليسا من لوازم الذات.

____________

(1) قد تقدّم الوجه الأوّل في ص 464.

480

و الحاصل: أنّ الأخذ في المقام بمقتضى الخبر الضعيف أخذ بمقتضى الاحتياط في الدين، و الأخذ بمقتضى الاحتياط حسن راجح في الشرع. أمّا الصغرى فقد عرفت الحال فيها، و أمّا الكبرى فلما دلّ عليه من صريح حكم العقل، و ما ورد فيه من الأخبار المستفيضة المعتضدة بحكم العقل و تلقّي الأصحاب لها بالقبول.

فإن قلت: إنّ ما ذكرته في بيان الصغرى إنّما يصحّ مع عدم قيام احتمال المنع، و هو قائم في المقام، إذ مع عدم موافقة ذلك للواقع يكون الإتيان به على سبيل الاستحباب، و تركه على وجه الكراهة بدعة محرّمة، فلا وجه لإجراء الاحتياط في شي‏ء من المقامين.

و قد نصّ على ذلك بعض أفاضل المتأخّرين قائلا: بأنّ احتمال الحرمة في هذا الفعل الّذي تضمّن الحديث الضعيف استحبابه حاصل فيما إذا فعله المكلّف بقصد القربة و لاحظ رجحان فعله شرعا، فإنّ الأعمال بالنيّات، و فعله على هذا الوجه دائر بين كونه سنّة ورد الحديث بها في الجملة، و بين كونه تشريعا و إدخالا لما ليس من الدين فيه.

و لا ريب أنّ ترك السنّة أولى من الوقوع في البدعة، فليس الفعل المذكور دائرا في وقت من الأوقات بين الإباحة و الاستحباب و لا بين الكراهة و الإباحة، فتاركه متيقّن السلامة و فاعله متعرّض للندامة، على أنّ قولنا بدورانه بين الحرمة و الاستحباب إنّما هو على سبيل المماشاة و إرخاء العنان، و إلّا فالقول بالحرمة من غير ترديد ليس عن السداد ببعيد، و التأمّل الصادق على ذلك شهيد. انتهى.

و أيضا فنية الوجه معتبرة عند جماعة من الأصحاب في أداء الواجبات و المندوبات، و هي متوقّفة على ثبوت الخصوصيّة عند المكلّف، لعدم جواز الترديد في النيّة و اعتبار الجزم فيها، و هو غير حاصل مع قيام الاحتمالات، فبملاحظة ذلك لا نسلّم الاحتياط في المقام.

قلت: أمّا الوجه الأوّل فمدفوع بأنّ احتمال البدعة مرتفع بالاحتياط، إذ بعد

481

حكم العقل و الشرع برجحان الاحتياط و مطلوبيّته لا يبقى مجال لاحتمال الحرمة في المقام من جهة البدعة، لرجحان الفعل إذن من جهة الاحتياط، و إن فرض عدم رجحانه في نفسه بالمرّة فلا وجه إذن لاحتمال تحريم قصد القربة مع حصول الجهة المقرّبة. و ما لعلّه يتوهّم من أنّه لا كلام في حسن الاحتياط و رجحانه و الاكتفاء به في قصد القربة- إنّما الكلام في تحقّقه في المقام، فالبحث هنا في موضوع الاحتياط فلا يرتبط ثبوته بإثبات حكمه من جهة العقل و النقل، فإنّ ذلك إنّما يدلّ على حسن الاحتياط في العمل لا على كون العمل على وفق الاحتياط و قضيّة الإيراد المذكور عدم اندراج ذلك في الاحتياط نظرا إلى قيام احتمال التحريم- مدفوع بأنّ احتمال التحريم في المقام إنّما يقوم في بادئ الرأي من جهة الغفلة عن رجحان الاحتياط، فإنّه إذا احتمل عدم الحسن في الاحتياط قام احتمال البدعة.

و أمّا بعد العلم بحسنه و رجحانه عقلا و شرعا فلا ريب في كون الإتيان بالأمر الدائر بين الإباحة و الوجوب- مثلا- أحوط، إذ لو كان مباحا لم يكن مانع من الإتيان به و إن كان واجبا كان تركه قاضيا بالعقاب، و حينئذ فيصحّ التقرّب به من جهة رجحانه.

فإن قلت: إن كان الفعل المفروض ممّا لا يتوقّف الإتيان به‏ (1).

***

____________

(1) هكذا في النسخ.

482

المطلب السابع في النسخ‏

النسخ في اللغة يطلق على أمرين:

أحدهما: الإزالة يقال: نسخت الشمس الظل أي أزالته، و نسخت الريح آثار القدم يعني أزالتها.

ثانيهما: النقل و التحويل، و منه تناسخ المواريث أي نقلها و تحويلها من وارث إلى آخر مع قيام المال، و تناسخ الأرواح أي نقلها من أبدان إلى أبدان اخر، و نسخ الكتاب و استنساخه أي نقله إلى كتاب آخر، و هو المراد بقوله تعالى: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏ (1) يعني به نقله إلى الصحف.

و قد اختلف في معناه الحقيقي، فقيل: إنّه حقيقة فيهما، و اختاره الشيخ و الغزالي، و حكي عن القاضي أبي بكر.

و قيل: إنّه حقيقة في الأوّل مجاز في الثاني، و اختاره العلّامة في النهاية و السيّد العميدي في المنية، و حكي القول به عن أبي هاشم و أبي الحسين البصري.

و قيل بالعكس، و حكي عن القفّال.

[حجية القول الاول‏]

و كان الأظهر الأوّل، فإنّهما إطلاقان شائعان، و لا مناسبة ظاهرة بينهما، ليكون علاقة في مثله، فظاهر الاستعمالات في الحقيقة، و المعنيان مكرّران في كلام أهل اللغة من غير إقامة دلالة على تعيين الحقيقة فقد يفيد ذلك كونهما حقيقتين:

____________

(1) الجاثية: 29.

483

حجّة القول الثاني امور:

منها: أنّ المجاز أولى من الاشتراك، فيدور الأمر بين كونه حقيقة في الأوّل أو الثاني، و الأوّل أولى، لمشابهة الثاني له في الاشتمال على الزوال عن الحالة الاولى بخلاف العكس.

و فيه: أنّ مشابهة الأوّل للثاني حاصلة أيضا، لما في إزالة الشي‏ء من تحويله من الوجود إلى العدم، و قد يجعل التجوّز في المقام من قبيل المجاز المرسل، فإنّ الإزالة لازم للنقل حيث إنّ نقل الشي‏ء عن محلّ قاض بإزالته عنه. فإن قيل بكونه حقيقة في النقل يكون استعماله في الإزالة من قبيل استعمال الملزوم في اللازم، و لو قيل بالعكس كان استعماله في النقل من قبيل استعمال اللازم في الملزوم، كذا يظهر من التفتازاني، و نصّ عليه الفاضل الصالح، و حكي عن بعض نسخ شرح العضدي عكس ذلك. و كيف كان، فدعوى حصول العلاقة من أحد الجانبين دون الآخر فاسدة.

و منها: أنّ إطلاق اسم النسخ على الازالة ثابت و الأصل في الإطلاق الحقيقة، فيكون مجازا في النقل، لأنّ المجاز خير من الاشتراك.

و ضعفه ظاهر، فإنّه مقلوب عليه، لأنّ إطلاقه على النقل ثابت أيضا، فالأصل فيه الحقيقة، فيكون مجازا في الآخر.

و منها: أنّ إطلاق اسم النسخ على النقل في قولهم نسخت الكتاب مجاز، لأنّ ما في الكتاب لم ينقل حقيقة، و إذا كان مجازا في النقل كان حقيقة في الإزالة، لعدم استعماله في ما سواهما.

و وهنه ظاهر، فإنّ كونه مجازا في المثال المفروض لعدم استعماله في النقل حقيقة لا يقضي بكونه مجازا فيه إذا استعمل في حقيقته. و لو اريد بذلك المنع من استعماله في النقل بمعناه الحقيقي فهو فاسد، لاستعماله فيه في أمثلة اخرى، و الظاهر أنّه غير قابل للإنكار، على أنّ عدم استعماله في المثال في حقيقة النقل غير ظاهر، فإنّه إن اريد به نقل خصوص المكتوب كان الأمر على ما ذكر، و أمّا إن‏

484

اريد به نقل كلّي المكتوب الحاصل بذلك الحصول إلى حصول آخر فلا مانع منه، ألا ترى أنّه يصحّ أن يقال: انقل الحساب و حوّله من هذا الدفتر إلى دفتر آخر، من دون ظهور تجوّز فيه؟!

و مع الغضّ عن ذلك فكون النقل في مثله مجازا لا يستلزم كون النسخ أيضا مجازا، إذ قد يقال بكونه حقيقة في النقل مطلقا، سواء كان بمعناه الحقيقي أو المجازي. و قد يقال أيضا: بأنّ استعمال النسخ في المقام إن كان مجازا فلا يصحّ أن يكون مجازا عن النسخ بمعنى الإزالة، إذ لا مناسبة بينهما، فهو مجاز عن النسخ بمعنى النقل فيفيد كونه حقيقة فيه، لوضوح عدم جواز سبك المجاز عن المجاز، هذا.

و ربّما يظهر من القاموس أنّ المراد بنسخ الكتاب معنى آخر غير النقل، حيث فسّره بالكتابة عن معارضة.

و لم يذكروا حجّة للقول الثالث.

و ربّما يستدلّ له ببعض الوجوه المذكورة، و الكلام في المقام طويل، و حيث إنّه لا يتفرّع عليه ثمرة اصوليّة فلنقتصر على ذلك.

و في العرف رفع حكم شرعي بدليل شرعي، و زاد في التهذيب قوله: متأخّر عنه على وجه لولاه لكان ثابتا. فقولنا: «حكم» يعمّ الأحكام الخمسة الشرعيّة و الوضعيّة. و التقييد بالشرعيّ، لإخراج الحكم العقلي من الإباحة أو الحظر العقليّين، فإنّ رفعه لا يعدّ نسخا، بل لو حكم الشارع بالإباحة أو الحظر قبل ورود البيان من الشرع لم يعدّ بيان خلافه نسخا، إذ ليس فيه رفعا للحكم الأوّل، بل تغيير لموضوعه و ربّما يجري ذلك في الأوّل أيضا.

نعم لو حكم الشرع بإباحته مطلقا ثمّ رفعه اندرج في النسخ قطعا، و يجري ما قلناه في الحظر الحاصل بسبب البدعة، لعدم تشريع الحكم و إن حكم به الشارع أيضا، فإنّ رفعه بتشريعه لا يعدّ نسخا، و قولنا: «بدليل شرعي» يراد به أن يكون الرافع للحكم هو الدليل الشرعي القائم عليه لا أمر آخر من عارض يقضي به‏

485

و يتعيّن‏ (1) الطهارة إلى التيمّم الرافع لحكم المائيّة، و إن كان ثبوت الحكم الثاني لقيام الدليل الشرعي عليه، و من ذلك طروّ العجز عن أداء المأمور به و النوم و الجنون و نحوها الرافع للتكليف الثابت على المكلّف، و إن دلّ الشرع عليه، إذ ليس الدليل الدالّ على ذلك رافعا للحكم الأوّل، بل يثبت به حكم ذلك العارض و هو ثابت مع ثبوت أصل الحكم، و رفع الحكم حينئذ إنّما يتسبّب عن ذلك العارض فاعتبر في الحدّ كون الرافع نفس الدليل القاضي بالرفع لا أمر آخر ليخرج عنه ارتفاع الحكم بالمذكورات، فإنّه لا يعدّ نسخا، و جعل في النهاية إخراج رفع الحكم بالنوم و الغفلة نحوهما من جهة التقييد بالشرعي، حيث إنّ رفع الحكم هناك بالدليل العقلي، و فيه ما لا يخفى.

و أورد عليه في المنية: بأنّ رفع الحكم بالعجز لا يجب إخراجه عن حدّ النسخ إلّا إذا لم يكن نسخا، و هو ممنوع. و قد اعترف المصنّف في ما تقدّم بجواز النسخ و التخصيص بالعقل. سلّمنا، لكن لا يخرج بالقيد المذكور، لأنّ دلالة العقل عليه لا يمنع من دلالة الشرع، و هو ظاهر من قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها (2).

و فيه: أنّ القول بكون رفع الحكم بالعجز نسخا بيّن الفساد، ضرورة أنّ كون العجز رافعا أمر ظاهر حين صدور الخطاب فأصل التكليف بالفعل مغيّا ببقاء القدرة عليه، و مثل ذلك كيف يمكن عدّه نسخا؟

غاية الأمر أن يورد على المصنّف أنّ حمله الدليل الشرعي على ما يقابل العقلي يقضي بعدم كون العقل ناسخا، و هو ينافي ما قرّره أوّلا من جواز كون العقل ناسخا. ثمّ إنّ قوله تعالى‏ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ليس ناسخا للخطابات المطلقة، و إنّما هو مبيّن لعدم شمولها حال العجز.

____________

(1) قد سقط هنا بعض الكلام في الأصل، و المقصود التمثيل للعارض المذكور بالأمر الموجب لانتقال الفرض في الطهارة المائيّة إلى التيمّم. (من هامش المطبوع)

(2) البقرة: 286.

486

و التحقيق: أنّ العقل أو النقل القاضي بكون التكاليف مشروطة بالعقل و القدرة و الشعور و نحو ذلك أدلّة مبيّنة للواقع و ليست رافعة لشي‏ء من التكاليف، و الرفع هناك إنّما يستند إلى طروّ تلك الحالات بعد ثبوت التكليف على المكلّف، فإنّه الّذي يرفع عنه التكليف الثابت عليه، فالأدلّة الدالّة على اشتراط التكليف بانتفاء تلك الامور ليست رافعة لأمر ثابت، و ما يرفع الأمر الثابت من طروّ تلك الحالات بعد تعلّق التكليف ليس دليلا حسب ما قرّرناه، سواء كان الدليل على بعثها على الرفع العقل أو النقل، و التقييد بقوله: «متأخّر عنه» للاحتراز عمّا يقضي بارتفاع الحكم، و ممّا يعادل الدليل على الثبوت من استثناء و شرط و صفة و نحوها، فإنّه لا يعدّ ذلك نسخا.

و فيه: أنّ تلك القيود امور مبيّنة للمقصود، و ليست رافعة للحكم الثابت، ففيها رفع للدلالة لا رفع للمدلول، فهي إذن خارجة عن الجنس، كيف! و لو بنى على شمول الرفع لمثل ذلك فالقيد المذكور غير كاف في إفادة المقصود لاندراج التخصيص بالمنفصل إذن في النسخ، فلا يكون الحدّ مانعا، فلو دفع ذلك بكونه بيانا و دفعا لا رفعا، فهو جار في المتّصل بالأولى.

و اورد عليه أيضا: بأنّ قيد التأخّر لا يخرج شيئا من المذكورات فإنّها تقع متأخّرة، غاية الأمر أن لا تقع متراخية عن الأوّل، و لا دلالة في التأخّر على التراخي.

و يدفعه: أنّها مع الاتّصال تعدّ مقارنة للخطاب حسب ما نصّوا عليه في بحث العامّ و الخاصّ المتعارضين، و التقييد بالأخير لإخراج ما لا يكون الحكم الأوّل مقتضيا للبقاء، كما إذا أمره بفعل فأتى به ثمّ نهاه عن ذلك الفعل، فإنّه لا مقتضى لبقاء ذلك التكليف بعد أدائه، إذ لا دلالة في الأمر على التكرار فلا يكون الحكم بخلافه نسخا للأمر المفروض. و بعضهم جعل هذا القيد مخرجا للموقّت إذا ورد الحكم بخلافه عند مضيّ وقته، فإنّه لا يعدّ نسخا، لعدم شمول الحكم الأوّل لما بعد الوقت.

487

و ضعف الوجهين ظاهر، أمّا الأوّل: فلظهور أنّه مع عدم دلالة الأمر على التكرار لا يشمل الحكم المذكور ما بعد الفعل، و يسقط بالإتيان به، فلا أمر حتّى يرتفع بالنهي المتأخّر، إذ لا يعقل ارتفاع غير الثابت.

و أمّا الثاني: فالحال فيه أوضح ضرورة ارتفاع الحكم بمضيّ وقته، فلا يكون النهي المتأخّر ناسخا.

نعم لو قيل ببقاء التكليف بعد فوات الوقت- على ما ذهب إليه شاذّ- صحّ القول بارتفاعه، إلّا أنّه حينئذ لا يخرج بالقيد المذكور.

ثمّ إنّ أخذ الرفع جنسا في الحدّ المذكور مبنيّ على كون النسخ رفعا للحكم كما هو المختار عند جماعة و حكي القول به عن القاضي أبي بكر، و المختار عند بعضهم عدم كونه رفعا، و إنّما هو بيان لانتهاء هذا الحكم، و الحكم إنّما ينتهي بنفسه، و حكي القول به عن الاستاذ أبي إسحاق، و أسنده في المستصفى إلى الفقهاء.

فإطلاق الرفع عليه- حينئذ- على سبيل المجاز.

و يدلّ على الأوّل: أنّ الظاهر من لفظ النسخ الإزالة فلابدّ من حمله على ظاهره، و كذا الظاهر من الحكم الأوّل الدوام و الاستمرار، فيكون الحكم بخلافه مزيلا له رافعا لمقتضاه، إلّا أن يقوم دليل على خلاف ذلك.

و يمكن الإيراد في المقام: بأنّه إن اريد كونه مزيلا له بحسب الواقع بأن يكون الحكم ثابتا في الواقع أوّلا على وجه الدوام، ثمّ يرفعه طريان الناسخ فهو ممّا لا وجه له، لأنّه إمّا أن يكون حكم الشارع به على وجه الدوام على وفق المصلحة المقتضية لذلك فلا يمكن إذن رفع ذلك الحكم بخلافه، و إن لم يقتض المصلحة ذلك على الوجه المذكور لم يمكن تشريعه على وجه الدوام بحسب الواقع و إن لم يكن مانع من إبرازه على صورة الدوام لبعض المصالح.

نعم يمكن في حقّ غيره تعالى ممّن يتصوّر في شأنه الجهل بالواقع أن يرى المصلحة في الحكم به في وجه الدوام، ثمّ يتبيّن له بعد ذلك خلافه فيزيل ذلك الحكم، و هو محال في شأنه تعالى.

488

و إن اريد به كونه مزيلا له في الظاهر بيانا لانتهاء الحكم بحسب الواقع فيتبيّن بملاحظة الناسخ أنّ ما حكم به كان معيّنا في الواقع بالغاية المفروضة غير متجاوز عن تلك النهاية، و إن أبرز الحكم أوّلا في صورة الدوام لبعض المصالح، فهو كالتخصيص بالمنفصل الوارد على العموم، حيث إنّ ظاهر اللفظ عموم الحكم فيتبيّن بملاحظة المخصّص كون ذلك الظاهر غير مراد و أنّ المراد بالعامّ بحسب الحقيقة هو الباقي، فيكون النسخ إذن قرينة منفصلة دالّة على أنّ المراد بما دلّ على استمرار المنسوخ خلاف ظاهره مبيّنة لما هو المقصود منه، كما أنّ التخصيص كذلك، و لذا قيل: إنّ النسخ نحو من التخصيص، فإنّه تخصيص في الأزمان كما أنّ التخصيص المعروف تخصيص في الأعيان.

ففيه: أنّ الظاهر أنّ ذلك غير قابل للإنكار، و ليس ممّا يقع فيه الخلاف، فيعود النزاع إذن لفظيّا، إلّا أنّ ذلك خلاف الظاهر من كلام القائل بكونه رافعا في مقابلة من يقول بكونه بيانا، و حينئذ يكون الرفع المذكور في الحدّ مجازا لا يناسب استعماله في الحدود.

قلت: و يمكن رفع ذلك باختيار كون المراد هو الرفع بحسب الواقع، و المقصود أنّه قد وقع أوّلا تشريع الحكم على وجه الدوام مع اختصاص المصلحة المرجّحة لذلك ببعض الوقت، ثمّ رفع ذلك الحكم عند انتهاء ما يقتضيه المصلحة المفروضة، فهو رفع للمدلول لا رفع للدلالة، ليكون تصرّفا في اللفظ الدالّ على الحكم، و قرينة على كون المراد به خلاف ظاهره على ما هو الحال في المخصّص، و القرائن الدالّة على التجوّز في اللفظ و تشريع الحكم على وجه الدوام مع اختصاص المصلحة ببعض الوقت ممّا لا مانع منه إذا كان هناك مصلحة قاضية بتشريعه كذلك ثمّ نسخه بعد ذلك، و هذا مبنيّ على القول بكون الطلب المراد من الأمر هو إنشاء اقتضاء الفعل، سواء وافق الإرادة القلبيّة من الأمر لوقوع الفعل أو لا، نظرا إلى اختيار مغايرة الطلب للإرادة بالمعنى المذكور، كما هو المختار حسب ما مرّ تفصيل القول فيه، فإنّه حينئذ يصحّ إنشاء طلب الفعل و اقتضاؤه من المكلّف و إن لم يكن له مصلحة فيه إذا كان هناك مصلحة في الاقتضاء المذكور.

489

و لا فرق بينه و بين ما فيه مصلحة للمكلّف بالنسبة إلى حصول التكليف في الاقتضاء، فغاية الأمر أنّه يرفع ذلك التكليف و ينسخه عند زوال المصلحة، و هذا بخلاف ما إذا قيل بكون الطلب عين إرادة الفعل على الوجه المفروض، أو بعدم حصول حقيقة الطلب من دونه، فلا يتصوّر إذن حصول حقيقة الطلب على وجه الدوام مع عدم إرادته وقوع الفعل في الزمان اللاحق و علمه بنسخ ذلك الفعل، فليس الطلب المتعلّق بالفعل بالنسبة إلى ذلك الزمان إلّا صوريّا خارجا عن حقيقة الطلب على القول المذكور، فلا يتحقّق هناك تكليف بحسب الواقع إلّا بالنسبة إلى ما قبل ورود الناسخ دون ما بعده، و إن أبرز الجميع أوّلا بصورة واحدة، فيكون النسخ إذن كاشفا عن ذلك مبيّنا لحقيقة الحال.

فمع البناء على الوجه المذكور كما هو ظاهر المعروف عن الأصحاب لا يمكن أن يكون النسخ رافعا للحكم إلّا بالنظر إلى الظاهر من دون أن يكون هناك رفع لحكم ثابت بحسب الواقع لو لا حصول الرفع المفروض، فهو في الحقيقة قرينة مبيّنة للمقصود قاضية بالخروج عن ظاهر اللفظ بخلاف البناء على الوجه الأوّل الّذي اخترناه، فإنّه يجوز أن يكون رفعا إذا حصل التكليف على الوجه الّذي قرّرناه، و أن يكون بيانا لما هو الواقع رفعا بالنسبة إلى ما أفاده الظاهر قبل ظهور الناسخ إذا وقع التكليف على الوجه الثاني، فعلى المختار يجوز وقوع التكليف على كلّ من الوجهين المذكورين و يتفرّع على كلّ حكمه من حصول النسخ بالبيان أو الرفع، و يكون إذن تعيين كلّ من الوجهين بملاحظة الدليل الدالّ على ذلك نصّا أو ظاهرا، هذا كلّه بالنسبة إلى أوامر الشرع كما هو محلّ الكلام. و أمّا بالنظر إلى غيره فلا إشكال في صحّة وقوع النسخ على كلّ من الوجهين مطلقا هذا ما يقتضيه التدبّر في المقام.

و قد احتجّ القائل بكونه بيانا لا رفعا بوجوه موهونة لا بأس بالاشارة إليها:

أحدها: أنّ المرفوع إمّا الحكم الموجود أو غيره، و لا سبيل إلى شي‏ء منهما.

أمّا الأوّل فللزوم سلب الشي‏ء عن نفسه نظرا إلى رفع الوجود عنه حين كونه موجودا.

490

و أمّا الثاني فللزوم تحصيل الحاصل، فتعيّن أن يكون بيانا لا رفعا.

ثانيها: أنّ طروّ الطارئ إن كان حال كون الأوّل معدوما لم يكن رافعا لوجوده كما هو المدّعى، و إن كان حال كونه موجودا فقد اجتمعا في الوجود فلا يتباينان حتّى يكون رافعا له.

ثالثها: أنّ الحكم هو الخطاب فهو قسم من الكلام، و مع قدم الكلام لا يتصور رفعه.

رابعها: أنّ الحكم الطارئ ضدّ للسابق، لامتناع اجتماعهما فالقول برفع اللاحق للسابق ليس بأولى من رفع اللاحق بالسابق، إذ لا وجه لقوّة اللاحق على السابق، أقصى الأمر أن يتساويا.

خامسها: أنّ طريان الطارئ مشروط بزوال السابق لامتناع اجتماع الضدّين فيشترط في وجوده انتفاء ضدّه، لكونه مانعا من حصوله، و انتفاء المانع من جملة الشرائط، و أيضا طريان الطارئ مشروط بمحلّ يطرأ عليه، و ليس كلّ محلّ قابلا لحلول كلّ عرض، بل لابدّ من محلّ خاصّ قابل لعروضه و إنّما يكون قابلا إذا خلا عن ضدّه، فإذا ثبت توقّف طروّ الطارئ على زوال الباقي فلو كان زوال الباقي موقوفا بطريان الطارئ لزم الدور.

سادسها: أنّه يستلزم البداء، فإنّه إذا نهى عن الشي‏ء بعد أن أمر به فقد بدا له حتّى عدل الأمر إلى النهي.

سابعها: أنّ علمه تعالى إن تعلّق باستمرار الحكم استحال رفعه، و إلّا لزم انقلاب علمه تعالى جهلا، و إن تعلّق باستمراره إلى الوقت المعيّن بطل القول بالرفع، إذ لا بقاء له إلى ذلك الوقت، بل يستحيل وجوده فيه للزوم انقلاب علمه تعالى جهلا، و إن كان ممتنع الوجود لذاته امتنع أن يكون ممتنعا لغيره.

و يدفع الأوّل: أنّها شبهة مصادمة للضرورة قاضية بعدم إمكان رفع شي‏ء من الأشياء، لجريان الكلام المذكور بعينه في كلّ منها، مثلا يقال: «إنّ الحياة الزائلة بالقتل إمّا الموجودة حين وجود السبب المفروض أو المعدومة ... إلى آخره»

491

و يقال: «إنّ الزائل بسبب كسر الآنية إمّا الشكل حين وجوده أو حين عدمه ... إلى آخره» و الحلّ أنّه ليس المراد رفعه بالنسبة إلى حال وجوده بالنسبة إلى الحالة الثانية، لكن لمّا كان مقتضى وجوده في الحالة الثانية حاصلا لو لا الطارئ المذكور كان العدم الحاصل بسببه مع وجود مقتضيه رفعا، بخلاف ما إذا لم يكن هناك مقتض للبقاء في الحالة الثانية.

و الثاني: أنّ طروّ الطارئ مقارن للعدم المسبّب عنه نظرا إلى لزوم مقارنة السبب للمسبّب بحسب الزمان فهو سبب لانتفاء استمرار وجوده مع قيام المقتضي للاستمرار، و هو مفاد الرفع.

و الثالث: مع فساده في نفسه لابتنائه على الأصل الفاسد أنّه ليس معنى النسخ رفع الكلام القديم، بل مفاده قطع تعلّقه بالمخاطب على نحو سائر الطوارئ القاطعة لتعلّقه كالموت و الإغماء و الجنون و نحوها.

و اورد عليه: بأنّ التعلّق إن كان عدميّا استحال رفعه، إذ ليس شيئا يرتفع و إن كان وجوديّا، فإن كان قديما استحال رفعه كالكلام، و إن كان حادثا لزم كونه تعالى محلّا للحوادث، فإنّ التعلّق صفة للخطاب، و الخطاب صفة له تعالى قائمة به، و القائم بالقائم بالشي‏ء قائم به، و هو ما ذكر من اللازم. و فيه كلام ليس هنا موضع ذكره.

و الرابع: بأنّها شبهة مصادمة للضرورة فإنّها لو تمّت لزم أن لا ينعدم موجود و لا يوجد معدوم، فإنّ المعدوم إنّما يكون عدمه عن علّة، و كذا الموجود، فعلّة العدم تنافي الوجود كما أنّ علّة الوجود تنافي العدم، فإذا لم تكن إحدى العلّتين أقوى من الاخرى لزم ما ذكرناه، بل لزم أن لا يكون موجودا و لا معدوما، إذ بعد تعادل العلّتين لا يمكن ترجيح أحدهما على الاخرى من دون مرجّح، فيلزم انتفاء الأمرين، و هو رفع للنقيضين.

و الحلّ أنّه لا معارضة بين العلّتين أمّا على القول باستغناء الباقي عن المؤثّر فظاهر، إذ البقاء لا يستند إذن إلى علّة فيكون علّة العدم أو الوجود هو الطارئ عليه من دون مزاحم.

492

و أمّا على القول بالاحتياج فطروّ الثاني إنّما يكون برفع علّة الأوّل وجودا كان أو عدما و لو برفع جزء من أجزاء تلك العلّة، لوضوح عدم إمكان اجتماع العلّتين التامّتين، لوجود الشي‏ء و عدمه، و إلّا لزم المفسدة المذكورة و هو ظاهر.

الخامس: أنّ مجرّد المنافاة بين الحكمين لا يستلزم أن يكون وجود الطارئ مشروطا بزوال السابق، كيف؟ و المنافاة بين وجود العلّة و عدم المعلول ظاهرة مع وضوح عدم اشتراط وجود العلّة بانتفاء عدم المعلول يعني وجوده.

و فيه: أنّه ليس بناء الاحتجاج على إثبات الاشتراط بمجرّد ثبوت المنافاة، بل لما ذكر من الدليل القاضي بثبوت الاشتراط، و حينئذ فالحقّ في الجواب أنّه ليس المراد كون الحكم الطارئ بنفسه رافعا للحكم الأوّل، إذ قد لا يخلف الحكم المنسوخ حكم آخر من الشرع، بل المقصود رفعه بالدليل الطارئ القاضي برفعه.

و من البيّن عدم قيام الدليل بمحلّ الحكم‏ (1) و ورود المفسدة المذكورة.

و حينئذ فالدليل المفروض و إن قضى بثبوت حكم آخر بدل المنسوخ فذلك الدليل هو الرافع للحكم الأوّل.

و عن السادس: أنّه إن اريد به لزوم انكشاف شي‏ء لم يتبيّن له أوّلا فهو فاسد، إذ لا يلزم من القول بالرفع عدم علمه بوجوه المفاسد و المصالح، و لا يلزم من علمه بها عدم تشريعه الحكم على وجه الدوام حسب ما عرفت.

و إن اريد به لزوم نفيه شيئا بعد إثباته له أوّلا فهذا ممّا لا مفسدة فيه و لا دليل على فساده.

و عن السابع: أنّه منقوض بسائر الممكنات فإنّها من جهة تعلّق علمه تعالى بوجودها أو عدمها يستحيل وقوع خلافه نظرا إلى ما ذكر، فتكون إذن واجبة أو ممتنعة بالذات، و هذا خلف. و الحلّ أنّ أقصى ما يلزم من ذلك- على فرض صحّته- استحالة وجود ذلك الحكم في الزمان اللاحق، و هو لا يقضي باستحالته بالذات، لكونها أعمّ من الذاتي و العرضي، فأيّ مانع من أن يكون محالا من جهة وقوع‏

____________

(1) في الأصل هنا بياض يسير لم يكتب فيه شي‏ء.

493

الرفع بالناسخ، و علمه بذلك؟ فقوله «امتنع ان يكون ممتنعا بغيره» بيّن الفساد.

و الحاصل: أنّه تعالى كما يعلم انتفاء الحكم في الزمان اللاحق كذا يعلم كون ذلك الانتقاض من جهة رفعه الحكم بالناسخ، هذا.

و قد ذكروا حدودا اخر للنسخ قد اخذ الإزالة في عدّة منها جنسا، و هو بمعنى الرفع، و في عدّة منها اخذ اللفظ و ما بمعناه كالنصّ و الخطاب جنسا، فحدّه الغزالي بأنّه الخطاب المتقدّم على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه، و الآمدي بأنّه خطاب الشارع المانع من استمرار ما ثبت من حكم خطاب شرعي سابق، و عن المعتزلة أنّه اللفظ الدالّ على أنّ الحكم الثابت بالنصّ المتقدّم زائل على وجه لولاه لكان ثابتا.

و عن الجويني أنّه اللفظ الدالّ على ظهور انتفاء شرط دوام الحكم الأوّل، و عن الفقهاء أنّه النصّ الدالّ على انتهاء مدّة الحكم الشرعي مع التأخّر عن مورده، و عنهم أيضا أنّه الخطاب الثاني الكاشف عن مدّة العبادة أو عن انقطاع زمان العبادة.

و أنت خبير بأنّ أخذ اللفظ و ما بمعناه جنسا في المقام غير مناسب، لوضوح كون النسخ فعلا حاصلا باللفظ المفروض. و إن قلنا بكون الناسخ هو اللّه سبحانه فإنّ النسخ فعله لا مجرّد قوله، فهو بقوله الدالّ على الرفع قد رفع الحكم المتقدّم، و ليس نفس قوله رفعا. و لذا لا يصحّ حمله عليه و إن قلنا بكون الناسخ هو القول المفروض- كما حكي عن المعتزلة- فالأمر ظاهر. فما يستفاد من الآمدي من بناء ذلك على كون الناسخ حقيقة هو اللّه سبحانه أو الخطاب الصادر منه فعلى القول بكون الناسخ هو اللّه يكون النسخ هو خطابه الصادر عنه و إن قلنا بكون الناسخ هو الخطاب كما أنّ المنسوخ هو الخطاب لا يكون نفس الخطاب نسخا بل النسخ الأثر الحاصل من الخطاب المفروض ليس على ما ينبغي، كيف؟ و لا يتحقّق النسخ عنهم إلّا بالنسبة إلى تعلّق الخطاب، و أمّا نفس الخطاب فهو قديم عندهم فلا يكون ناسخا و لا منسوخا، فالمرتفع هو تعلّق الخطاب و النسخ رفع ذلك التعلّق.

494

فكيف يصح القول بكون الخطاب الثاني أو تعلّقه عين رفع الأوّل؟! و كان ما ذكروه من كون الخطاب الأوّل منسوخا و الثاني نسخا- لو سلّم- مبنيّ على التسامح في التعبير، هذا.

و قد ظهر بما قرّرنا في تفسير النسخ الفرق بينه و بين التخصيص، إذ ليس التخصيص إلّا بيانا لمفاد العامّ و رافعا لدلالته على العموم بحمله على إرادة الخاصّ بخلاف النسخ، فإنّه رافع لمدلول المنسوخ من دون بعث على خروج اللفظ عن ظاهره، و استعماله في غير ما وضع له حسب ما أشرنا إليه، هذا إن جعلنا النسخ رفعا للحكم على سبيل الحقيقة.

و أمّا إن جعلناه رافعا له في الظاهر نظرا إلى ما ظهر من قيام المنسوخ، فبعد ظهور النسخ يكون كاشفا مبيّنا عن انتهاء مدّة الحكم، و أنّ غايته في الواقع بلوغ ذلك الزمان، فلا فرق بينه و بين التخصيص في ذلك، إنّما الفرق بينهما إذن في كون النسخ تخصيصا للحكم ببعض الأزمان، و التخصيص بالنسبة إلى الأحوال و الأفراد فهو إذا بحسب الحقيقة نوع من التخصيص و إن فارقه في بعض الأحكام، بل يندرج في التخصيص المعروف و إن كان هناك عموم لغوي يفيد شمول الحكم للأزمان، و إلّا كان تقييد الإطلاق ما دلّ على شمول الحكم كذلك، و لذا جاز اتّصاله إذن بالخطاب الأوّل كأن يقول: افعل هذا إلى الزمان الفلاني، و انفصاله عنه كأن يقول بعد مضيّ مدّة زمن‏ (1) الخطاب الأوّل: إنّ ما ذكر من استمرار الحكم إنّما اريد به استمراره إلى هذا الزمان، فهذا بالنسبة إلى ما دلّ على شمول الحكم للأزمان تخصيص لا رفع فيه، و بالنسبة إلى نفيه‏ (2) الحكم الثابت نسخ حيث رفع الثابت، هذا مع تراخيه.

و أمّا مع الاتّصال فليس إلّا تخصيصا، إذ لا ثبوت للحكم إذن على وجه الدوام حتّى يكون ذلك المخصّص رافعا له و كيف كان، فالفرق بينه و بين التخصيص حينئذ كون النسخ رفعا للحكم الثابت بحسب الظاهر بخلاف‏

____________

(1) في «ق» و من.

(2) نفس، خ ل.

495

التخصيص إذ هو بيان صرف. و لذا لا يجوز اقتران النسخ بالخطاب و إن جاز اقترانه به على جهة الإجمال بأن يقول: إنّ هذا الحكم سينسخ عنكم، أو يقول:

افعلوا كذا إلى أن أرفعه عنكم، و نحو ذلك.

و قد اعتبروا في مفهومه أيضا كون الحكم الأوّل شرعيّا و كون الرافع له شرعيّا أيضا، فلو ارتفع بالعقل كزوال القدرة لم يكن نسخا، فإذا تحقّق الامور الثلاثة ثبت مفهوم النسخ، و الافتراق بينه و بين التخصيص حاصل من الوجوه الثلاثة، بل الأربعة.

و هناك وجوه اخر للفرق بينهما مذكورة في كلماتهم:

منها: عدم جواز نسخ القطعي بالظنّي، كنسخ الكتاب بالخبر الواحد.

و منها: أنّ النسخ يخرج المنسوخ عن الحجّية بخلاف التخصيص فإنّه يبقى حجّة في الباقي.

و منها: أنّ النسخ يجوز أن يزيل مدلول ما يرد عليه من الحكم بالمرّة بخلاف التخصيص، فإنّه لابدّ من بقاء بعض من مدلوله، لبطلان التخصيص المستوعب.

و منها: أنّ التخصيص لابدّ أن يكون قبل حضور وقت العمل به، لعدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، و لابدّ أن يكون النسخ بعد حضور وقت العمل به على القول به كما سيأتي الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى.

قوله: (لا ريب في جواز النسخ و وقوعه ... الخ.)

قد وقع هنا خلاف ضعيف في المقامين و قد اتّفق عليهما أهل الشرائع سوى ما يحكى عن طائفة من اليهود.

***

496

[الأدلّة العقليّة]

قوله (رحمه اللّه): (المطلب الثامن ... الخ.)

قد تقرّر أنّ أدلّة الأحكام عندنا أربعة: الكتاب و السنّة و الإجماع و العقل، و قد مرّ تفصيل القول في ثلاثة منها بقي الكلام في الأدلّة العقليّة، و المصنّف (رحمه اللّه) لم يتعرّض إلّا لبعض المسائل المعدودة منها و نحن بعون اللّه سبحانه و حسن توفيقه نفصّل الكلام في أقسامها و نميّز الصحيح من المزيف منها، و نوضح القول في وجوهها و شعبها إن شاء اللّه.

فنقول: المراد بالدليل العقلي كلّ حكم عقلي يستنبط منه حكم شرعي، سواء حكم به العقل استقلالا من دون ترتّبه على حكم الشرع، أو كان حكم العقل به مترتّبا على ثبوت حكم آخر و لو من جهة الشرع ثمّ يترتّب على ذلك الحكم العقلي حكم شرعي آخر.

و على الأوّل إمّا أن يكون ما حكم به العقل أمرا ثابتا لموضوعه في نفسه بحسب الواقع، أو يكون ثابتا له بالنظر إلى ظاهر التكليف و إن لم يكن كذلك بحسب الواقع و نفس الأمر. فهذه أقسام ثلاثة:

و الأوّل: مسألة التحسين و التقبيح العقليين، و الملازمة بين حكمي العقل و الشرع.

و الثاني: مسائل الملازمات كاستلزام وجوب الشي‏ء وجوب مقدّمته،

497

و استلزام وجوب الشي‏ء حرمة أضداده، فإنّ العقل أوّلا لا يحكم بوجوب المقدّمة و لا بحرمة الضدّ، و إنّما يحكم بهما بعد الحكم بوجوب الشي‏ء و لو من جهة حكم الشرع به، فهو إذن حكم عقلي تابع لحكم الشرع، و الظاهر أنّ ما كان اللزوم فيها بيّنا بالمعنى الأخصّ خارج عن الأدلّة العقليّة، لاندراجه إذن في المداليل اللفظيّة فيندرج في مداليل الكتاب و السنّة. و على هذا فدرج بعضهم مباحث المفاهيم في هذا القسم ليس على ما ينبغي.

و من الثالث أصالة البراءة و الإباحة عند عدم قيام دليل على الوجوب و الحرمة فان مقتضاهما جواز الترك و الفعل في ظاهر الشرع، و إن كان الفعل واجبا أو محرّما بحسب الواقع كما سيجي‏ء تفصيل القول فيهما إن شاء اللّه.

و قد يورد في المقام: أنّ القسم الأوّل- و هو ما يستقلّ العقل بإدراكه- لا يصحّ عدّه من أدلّة الأحكام، فإنّ الدليل ما يستدلّ به العقل على الحكم في ما يحتاج إلى الاستدلال، و العقل في المقام هو الحاكم و المدرك للحكم كما أنّ الشارع حاكم به، فكما لا يعدّ الشارع دليلا على الحكم بحسب الاصطلاح فكذا العقل.

و اجيب عنه: بأنّه ليس المقصود من ذلك كون نفس العقل دليلا، بل المدّعى كون حكم العقل دليلا على ما حكم به، فالدليل هو تحسين العقل و تقبيحه و حكمه باستحقاق المدح و الذمّ و الثواب و العقاب، و مدلوله من الأحكام الشرعيّة من الوجوب و التحريم و غيرهما ممّا دلّ العقل عليه، و هذا المدلول هو ما حكم به و دلّ العقل عليه.

و فيه: أنّ حكم العقل و إدراكه ليس دليلا على المحكوم به، بل الدليل هو الأمر الموصل إلى الإدراك المفروض من المقدّميتن أو الحدّ الأوسط.

فالحقّ في الجواب أن يقال: إنّ الدليل في المقام هو حكم العقل بحسن الفعل أو قبحه عقلا، فإنّه دالّ على حكم الشارع به أيضا، نظرا إلى ما دلّ على الملازمة بين حكمي العقل و الشرع. نعم قد يجعل متعلّق ادراك العقل نفس حكم الشرع حيث يدرك العقل أوّلا كون ذلك ممّا حكم به الشرع، و حينئذ لا يصحّ عدّ الحكم‏

498

المذكور دليلا على حكم الشرع، لكن إمكان الفرض المذكور لا يخلو عن نظر، إذ لا مجال ظاهرا في إدراك ذلك إلّا بتوسّط حكمه بالتحسين و التقبيح و حكمه بانطباق الحكم الشرعي على ما حكم به حسب ما يقتضيه القواعد العقليّة، فإنّ ما يدرك حكم الشرع حينئذ بالملازمة المذكورة، و يكون الدليل على حكم الشرع حينئذ هو ما حكم به من التحسين و التقبيح على ما قرّرنا.

و كيف كان، فعلى فرض وقوع ما ذكر من الفرض يكون الدليل العقلي هو ما يوصل العقل إلى الحكم المفروض لا نفس حكمه، هذا إذا كان حكمه نظريّا، و إن كان ضروريّا لم يمكن عدّه إذن من الأدلّة بحسب الاصطلاح، و كان عدّ العقل بالنسبة إليه دليلا مبنيّا على معناه اللغوي، حيث إنّه الهادي إليه لكن دعوى حصول الضرورة في الإدراك المفروض غير ظاهر، حسب ما يأتي الإشارة إليه، هذا.

و قد ظهر بما قرّرنا أنّ هنا أمرين:

أحدهما: إثبات حكم العقل بالنسبة إلى التحسين و التقبيح.

ثانيهما: كون حكمه به دليلا على حكم الشرع و الثاني من مسائل الاصول، إذ مفاده إثبات حكومة العقل و ليس بحثا عن الأدلّة، بل إثبات لما يدّعى دلالته على حكم الشرع، و الثاني من مباحث اصول الفقه نظير إثبات حجّية الكتاب و خبر الواحد و غيرهما من الأدلّة، فالأوّل مبادئ للثاني، حيث إنّه يتحقّق موضوع البحث فيه و حيث كان مقصودهم في المبادئ الأحكاميّة إثبات حكومة العقل جرت الطريقة على بيان مسألة التحسين و التقبيح العقليين في المبادئ الأحكاميّة دون الأدلّة الشرعيّة، نظرا إلى ملاحظة الجهة المذكورة، و اكتفوا بذكرها هناك من بيانها في مباحث الأدلّة حذرا من التكرار، و ربّما يجعل الوجه فيه ندور المسائل المتفرّعة عليها، لكون ما يستقلّ العقل بإدراكه من المسائل على الوجه المذكور من الامور الواضحة في الشريعة، بل الضروريّات الخارجة من عدد المسائل الفقهيّة، فلذا لم يذكروها في طيّ الأدلّة و أدرجوها في المبادئ الأحكاميّة، و هو كما ترى، هذا.

499

و لنورد الكلام في تلك الأقسام في فصول:

الفصل الأوّل‏ (1): في بيان استقلال العقل بادراك حكم الفعل بحسب الواقع و أنّه من الأدلّة على حكم الشرع مع قطع النظر عن توقيفه و بيانه له على لسان حججه، و هو الّذي ذهب إليه علماؤنا الإماميّة، بل و أطبقت عليه العدليّة، بل قال به أكثر العقلاء من الحكماء و البراهمة و الملاحدة و كثير من الفرق المثبتة للشرائع و النافية.

و قد أنكر ذلك الأشاعرة و طائفة من متأخّري علمائنا الأخباريّة في الجملة و بعض من يحذو حذوهم إلّا أنّ الأشاعرة قد أنكروا ثبوت المحكوم به رأسا فلزمهم إنكار إدراك العقل له و كونه دليلا على حكم الشرع، فليس عندهم بحسب الواقع ما يتعلّق به إدراك العقل، إذ لا حسن و لا قبح عندهم للأفعال مع قطع النظر عن حكم الشرع فلا حكم للعقل في التحسين و التقبيح أصلا، و لا حسن و لا قبح عندهم مع قطع النظر عن حكم الشرع، بل كلّ الأفعال عندهم ساذجة قابلة لكلّ من الأمرين بواسطة أمر الشارع و نهيه، فهي في نفسها مع قطع النظر عن تعلّق الأمر و النهي بها خالية عن الصفتين فاقدة للأمرين.

و أمّا الجماعة المذكورة فلا يظهر منهم إنكار الحسن و القبح الواقعيّين على ما يقوله الأشاعرة، بل الظاهر منهم اعترافهم به كما هو مذهب العدليّة، و دلّت عليه النصوص المستفيضة، بل المتواترة في الجملة، و إنّما ينكر جماعة منهم صحّة إدراك العقل في غير ضروريّات الدين و المذهب، و بعضهم ينكر المطابقة بين حكم العقل و ما حكم به الشرع، و إن كان العقل مطابقا لما هو الواقع فلا يعدّ الحكم شرعيّا و يحكم بوجوب الأخذ به ما لم يرد الحكم به من الشرع حسب ما يأتي تفصيل القول في نقل أقوالهم و أدلّتهم إن شاء اللّه.

و توضيح المقام: أنّ الكلام في المرام يقع في مقامات:

أحدها: أنّه هل يثبت للأشياء مع قطع النظر عن حكم الشرع و تعلّق خطابه بها

____________

(1) لا يوجد فيما يأتي الفصل الثاني و الثالث و ...

500

أحكام عقليّة- من حسنها و قبحها ليكون حكم الشرع على وفق مقتضياتها كاشفة عن تلك الصفات الواقعيّة الحاصلة لها، فيكون تشريعه للشرائع من جهة إرشاده العباد إلى ما فيه صلاحهم و تحذيرهم عمّا يترتّب عليه فسادهم، لقصور عقولهم عن إدراك ما فيه هلاكهم و نجاتهم- أو أنّها لا حكم لها بملاحظة أنفسها مع قطع النظر عن أمر الشارع بها أو نهيه عنها، فهي حسنة بأمره قبيحة بنهيه، خالية عن الأمرين مع انتفاء الخطابين، و هذا هو الّذي ذهب إليه الأشاعرة و الظاهر ممّا حكي إنكارهم للحسن و القبح بالمعنى الأوّل بعد خطاب الشرع أيضا، و إنّما حسنها و قبحها عندهم هو مجرّد كونها متعلّقا لأمر الشارع و نهيه من غير استحقاق مدح عقلا على الامتثال، أو ترتّب ذمّ على تركه، و هذا هو الظاهر من مذهبهم، لأنّهم يعزلون العقل من منصب الحكومة بالمرّة، فلا فرق عندهم في نفي العقل باستحقاق المدح و الذمّ بين ما إذا كان قبل تعلّق أمر الشارع و نهيه و بعده، إذ كونه متعلّقا لذلك وجه من الوجوه و اعتبار من الاعتبارات المحسّنة و المقبّحة عند العقل على مذهب العدليّة، ضرورة أنّ طاعة المولى و المنعم الحقيقي من أعظم الجهات المحسّنة، و كذا عصيانه و مخالفته من أعظم الوجوه المقبّحة.

و قضيّة أدلّتهم الآتية نفي الحكومة عن العقل، كيف؟ و لو جوّزوا حكمه في المقام لجرى في غيره أيضا، فالظاهر أنّهم يجوّزون أن يجعل الشارع من أطاع أوامره موردا للذمّ و من عصاه موردا للمدح كما يقتضيه بعض أدلّتهم، فينعكس الأمر. فما في شرح المواقف و شرح القوشجي من تفريع استحقاق المدح و الذمّ على تعلّق الأمر و النهي عندهم و أنّ استحقاق المدح و الذمّ إنّما كان بسبب أمر الشارع بالفعل و نهيه عنه ليس على ما ينبغي، فليس الحسن و القبح عندهم إلّا مجرّد كونه متعلّق حكم الشارع باستحقاق المدح على فعله و حكمه باستحقاق الذمّ عليه كما نصّوا عليه، و منهم الرازي في الأربعين، و غيره.

ثمّ إنّ الكلام في هذا المقام في الإيجاب و السلب الكلّيين، فكلّ من المثبتين و النافين يقول به كلّيا و ينفيه كذلك، و القول بالتفصيل و إن أمكن إلّا أنّه حكي الاتّفاق على خلافه و إن كان للمناقشة فيه مجال كما سيأتي.

501

ثانيها: أنّ العقل هل يدرك حسن الأفعال و قبحها من غير إعلام الشارع بهما و بيانه لشي‏ء منهما، فالأشاعرة المنكرون لأصل الحسن و القبح العقليّين يلزمهم نفي ذلك رأسا، و أمّا الآخرون فالمعروف بينهم جواز ذلك، بل و حصوله في بعض المطالب.

و قد أنكر ذلك جماعة منهم المحدّث الاسترابادي حيث ذهب إلى أنّه لا اعتماد على شي‏ء من الإدراكات العقليّة في غير الضروريّات فلا يثبت شي‏ء من الحسن و القبح الواقعيين بإدراك العقل، و بنى الأمر في ذلك على أنّ الامور المبنيّة على المقدّمات البعيدة عن الإحساس- ممّا يكثر فيها وقوع الغلط و الالتباس- فلا يمكن الركون إلى شي‏ء منها. و محصّله نفي الإدراك المعتبر، و أنّ ما يتراءى من إدراكه فليس بإدراك على وجه الحقيقة ليصحّ الاعتماد عليه. و قد تبعه في ذلك الفاضل الجزائري، و قرّره في غير واحد من كتبه إلّا أنّه نصّ على أنّ ما كان من البديهيات يمكن الاستناد فيه إلى العقل، و أنّه الحجّة فيه، و ما كان من النظريّات لا يصحّ الاستناد فيه إلى العقل أصلا. و كأنّه أراد بالبديهي ما كان بديهيّا عند أرباب العقول دون ما كان بديهيّا عند المدرك من غير طريق الإحساس و إن كانت المسألة من نظريّات الدين، كما يظهر ذلك من التأمّل في كلامه و أدلّته، فيرجع إلى ما ذكره المحدّث المذكور.

و قد نصّ أيضا- كالمحدّث المتقدّم- بانحصار المدرك في غير ضروريّات الدين بالأخبار المأثورة عن الصادق (عليه السّلام)، و قد تبعهما في المقالة المذكورة صاحب الحدائق إلّا أنّ في كلامه بعض خصوصيّات نشير إليه بعد ذلك. و كيف كان، فمحصّل كلام هؤلاء و من تبعهم في ذلك عدم الاعتماد في أمر الدين اصوله و فروعه على الادراكات العقليّة مطلقا، بل لا اعتماد لهم على شي‏ء من إدراكات العقول في شي‏ء من الأحكام الّتي مبادئها غير محسوسة و لا قريبة من المحسوسة كمسائل الهندسة إلّا ما كان من قبيل البديهيّات الواضحة المتلقّاة بالقبول عند أرباب العقول.

502

و ذهب بعض أفاضل المتأخّرين من علمائنا الاصوليّين إلى التفصيل بين العلم الحاصل للعقل بطريق الضرورة و الحاصل بطريق الاكتساب و النظر، فحكم بصحّة الاعتماد على الأوّل دون الأخير و كان الفرق بينه و بين كلام الجماعة أنّه يقول بالاعتماد على العلم البالغ إلى حدّ الضرورة مطلقا، سواء كان ممّا تسالم فيها العقول أو كان ضروريّا عند المستدلّ، و إن نازع غيره في كونه ضروريّا أو في أصل ثبوته، لتفاوت العقول في قبول العلوم و الإدراكات، و هم لا يقولون بالاعتماد على الضروريّات إلّا في ما اتّفق العقول عليها حسب ما أشرنا إليه.

و سيبيّن ذلك من ملاحظة أدلّتهم الآتية بعون اللّه تعالى، و قد ينقل هنا قول آخر أسنده بعضهم إلى بعض المتأخّرين، و هو التفصيل بين المعارف الدينيّة و الأعمال البدنيّة، فقال بحجّيته في اصول الدين دون الفروع، فهذه جملة الأقوال في المقام، و الكلام هنا إنّما هو في الإيجاب الجزئي و السلب الكلّي، إذ لا يعقل ادّعاء الموجبة الكلّية في المقام.

و لا يذهب عليك أنّه بناء على مذهب الأشعري ليس للعقل إدراك شي‏ء من الحسن و القبح الشرعيّين، لكون الحكم عنده توقيفيّا متوقّفا على توقيفه و بيانه كالأوضاع اللفظيّة، فليس للعقل فيها مدخليّة.

نعم قد يحصل العلم بها من طريق العادة و يمكن إرجاعه إلى النقل إذ سبيل معرفة العادة النقل‏ (1). و قد يقال بحصول العلم بها على سبيل الإلهام و نحوه، و هو على فرض تحقّقه لبعض الأشخاص نحو من التوقيف.

ثالثها: أنّه إذا قيل بإدراك العقل الحسن و القبح على نحو ما ثبت في الواقع فهل يثبت بذلك حكم الشرع به كذلك فيكون ما تعلّق به واجبا أو محرّما في الشريعة- مثلا- على نحو ما أدركه العقل، أو لا يثبت الحكم الشرعي إلّا بتوقيف الشارع و بيانه فلا وجوب و لا حرمة و لا غيرهما من الأحكام الشرعيّة، إلّا بعد وروده في الشريعة، و لا يترتّب ثواب و لا عقاب على فعل شي‏ء و لا تركه إلّا بعد بيانه؟

____________

(1) في «ط 1»: إذ به دلّ العقل النقل.