هداية المسترشدين - ج3

- الشيخ محمد تقي الأصفهاني النجفي المزيد...
732 /
503

فالمعروف من المذهب هو الأوّل، بل الظاهر إطباق القائلين بالحسن و القبح عليه عدا شذوذ منهم، فإنّهم يقولون بالملازمة بين حكم الشرع و العقل فكلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع و بالعكس.

و قد خالف فيه بعض العامّة، حكاه الزركشي عن جماعة من العامّة و اختاره، قال: و حكاه الحنفيّة عن أبي حنيفة نصّا، و قد مال إليه صاحب الوافية من أصحابنا، إلّا أنّه تردّد في المقام. و كيف كان، فلم يحكم بثبوت الملازمة المذكورة، و استشكل في الحكم بثبوت الحكم في الشريعة بعد استقلال العقل في الحكم بثبوت حسن الفعل أو قبحه، و قد تبعه في ذلك السيّد الشارح لكلامه.

و قد ينسب إلى بعض الجماعة المتقدّمة القول بإنكار الملازمة المذكورة و ليس كذلك، بل قد صرّح غير واحد منهم بثبوت الحكم إذا قضى به الضرورة العقلية حسب ما مرّ. نعم قد يومئ إليه بعض أدلّتهم، و ليس صريحا فيه، فلا وجه للنسبة المذكورة.

و قد ظهر بما قرّرناه أنّه قد وقع الكلام في المرام في مقامات ثلاثة، إلّا أنّه لمّا كان الخلاف المعروف في المقام هو النزاع مع الأشاعرة، و كان ذلك هو المعنون في الكتب الكلاميّة و الاصوليّة، و كان أصل نزاعهم في المسألة إنّما هو في المقام الأوّل، و إنّما منعوا من الثاني لتفرّعه على الأوّل لم يفرّقوا في المقام بين الأمرين، و جعلوا المسألتين مسألة واحدة، لما عرفت من اتّحاد المناط في البحث معهم في المقامين، لكن أدلّتهم المعروفة في الكتب الكلاميّة و الاصوليّة إنّما تفيد ثبوت الحسن و القبح في الجملة، إذ ليس احتجاجاتهم في المسألة إلّا من جهة إدراك العقل لحسن بعض الأفعال و قبحه في الجملة، و كأنّهم اكتفوا بذلك عن إثبات الكلّية لعدم القول بالفصل كما ادّعاه بعض الأجلّة و يعطيه تتبّع كلماتهم في المسألة أو لأنّه المثمر في الأحكام الشرعيّة.

و أمّا تلك الدعوى- مع قطع النظر عن إدراك العقل لخصوص الحكم فيها- فلا يظهر لها ثمرة مهمّة. و كيف كان، فتلك الأدلّة كافية في إبطال ما اختاره الأشاعرة،

504

و إن لم تف بأنفسها بتمام ما ادّعوه في المقام و الخلاف في ذلك مع الأشاعرة في الإيجاب الجزئي و السلب الكلّي لينطبق أدلّتهم على تمام المقصود، و نحن نتكلّم في الخلاف الأوّل على نحو ما ذكروه، ثمّ نتبعه بالكلام في المقامين الآخرين.

و تفصيل القول في ذلك كلّه في أبحاث ثلاثة:

البحث الأوّل في التحسين و التقبيح العقليّين‏

و الخلاف فيه كما عرفت إنّما وقع من الأشاعرة، و جمهور العقلاء اتّفقوا على إثباته.

و لنوضح الكلام برسم مقامات:

المقام الأوّل: في بيان محلّ النزاع في المسألة و الإشارة إلى تحديد كلّ من الحسن و القبح عند المعتزلة و الأشاعرة.

فنقول: إنّ المذكور للفظي الحسن و القبح في كلماتهم إطلاقات عديدة:

أحدها: كون الشي‏ء كمالا و كونه نقصا كما يقال: إنّ العلم حسن و الجهل قبيح، و لم يذكره العضدي، و اعتذر له غير واحد من المحشّين بأنّ الكلام في ما يتّصف به الأفعال من معاني الحسن و القبح، و هما بالمعنى المذكور إنّما يتّصف بهما الصفات كما في المثال المذكور، و لذا نصّ في شرح المواقف: أنّه أمر ثابت للصفات.

و أنت خبير بصحّة اتّصاف الأفعال به أيضا إذا نسب إلى الفاعل، بل هي من تلك الحيثيّة بمنزلة الصفات، بل لا يبعد اندراجها فيها، ألا ترى أنّه يصحّ أن يقال:

إنّ طاعة العبد للمولى كمال العبد، كما أنّ عصيانه له نقص فيه، و قد احتجّ في المواقف من قبل الأشاعرة على امتناع الكذب عليه تعالى بأنّه نقص، و النقص ممتنع عليه تعالى.

ثانيها: موافقة المصلحة و مخالفتها، و المراد ما يعمّ المصلحة الواقعيّة

505

و المصلحة الملحوظة بالنسبة إلى جهة خاصّة و إن لم تكن مصلحة له في الواقع، فالأوّل كما نقول: إنّ طاعة اللّه سبحانه حسنة أي مشتملة على مصلحة العبد، و معصيته قبيحة يعني مشتملة على مفسدة، و الثاني كما تقول: إنّ قتل زيد مصلحة للسلطان أي بالنظر إلى امور سلطنته، و إن كانت السلطنة و ما يؤدّي إليها مفسدة له بحسب الواقع، و هذا المعنى ممّا يختلف بحسب الاعتبار بالنسبة إلى الأشخاص، فقد يكون وقوع فعل واحد مصلحة لشخص و مفسدة للآخر، بل قد يختلف بالنسبة إلى الشخص الواحد كما إذا كان مصلحة له من جهة مفسدة من اخرى.

ثالثها: موافقة الغرض و مخالفتها و جعلها في المواقف و شرح الجديد للتجريد و غيرهما عبارة اخرى للمعنى الثاني، و هو بعيد للمغايرة الظاهرة بينهما، و لا داعي إلى التكلّف.

رابعها: ملائمة الطبع و منافرته، ذكره الرازي و العميدي، و قد يتكلّف بإرجاعه أيضا إلى الثاني و لا باعث عليه. نعم قد يرجع هذان الإطلاقان إلى الثاني، لعدم ثبوت إطلاقهما عليهما بالخصوص، فيحتمل أن يكون إطلاقهما عليهما لكونهما نحوين من المصلحة و المفسدة.

خامسها: كون الفعل مشتملا على الحرج و خاليا عنه، ذكره العضدي.

و سادسها: كونه ممّا يمدح فاعله أو يذمّ، و قد نصّ جماعة بأنّ ذلك هو محلّ الخلاف و يمكن إرجاع الخامس إليه، إذ المراد بالحرج في المقام هو المنع، سواء كان من حكم العقل أو الشرع، و هو يساوق الذمّ، فيتطابق الحدّان في القبح. فما يوجد في كلام بعض الأعلام من إخراج الحسن و القبح- بمعنى ما لا حرج فيه و ما فيه الحرج- عن محلّ الكلام ممّا لا وجه له، إذ لا معنى لحكم العقل بعدم كون الفعل سائغا إلّا حكمه بحرمته و ترتّب الذمّ عليه، و مقصود العضدي و غيره ممّن ذكر المعنى المذكور إنّما هو بيان اختلاف معنى الحسن، إذ لم يلاحظ فيه استحقاق المدح و لا ما يساوقه فيه كما اعتبر في الحدّ الأخير، و لم يعتبر فيه سوى ارتفاع المنع، و يجي‏ء نظيره في الحدّ الأخير أيضا إذا اكتفى في صدق الحسن بمجرّد

506

ارتفاع الذمّ، فلا فرق في الحقيقة بين أخذ الحرج و عدمه في الحدّين و أخذ الذمّ و عدمه فيهما كذلك، و كذلك الحال لو اخذ الثواب و العقاب في ذلك و يجري فيهما ما يجري في الأوّلين.

و الحاصل: أنّ المدح و الثواب و مطلوبيّة الفعل يساوق بعضها بعضا، كما أنّ الذمّ و العقاب و الحرج متساوقة. فما أورده بعض الأفاضل في المقام: من أنّ ترتّب الثواب و العقاب على الفعل ممّا لا يستقلّ به العقل إذ لا استقلال له في أمر الآخرة بيّن الاندفاع، إذ ليس المقصود في المقام الحكم بترتّب الثواب و العقاب في الواقع، بل ليس المقصود إلّا حسن الثواب و العقاب على فرض ورودهما على الفاعل، و هو لا يتوقّف على الاعتقاد بالمعاد الجسماني أو ضرورة القول به بالنسبة إلى ما يدرك الحال فيه بالضرورة.

و قد ظهر بما قرّرنا أنّ للحسن عندهم تفسيرين.

أحدهما: أنّه ما يترتّب المدح أو ما يساوقه عليه.

و الثاني: أنّه ما لا يترتّب الذمّ أو ما يساوقه عليه، فعلى الأوّل ينحصر الحسن في الواجب و المندوب، و على الثاني يشمل ما عدا الحرام من الأحكام.

و إلى الأوّل ينظر ما حكي عن بعض المعتزلة من تحديد الحسن على طريقتهم بأنّه ما اشتمل على صفة توجب المدح و القبيح بأنّه ما اشتمل على صفة توجب الذمّ، و ما ذكره بعض الأشاعرة في حدّه من أنّه ما أمر الشارع بالثناء على فاعله أو بالذمّ له.

و إلى الثاني ينظر الحدّ الآخر للمعتزلة، و هو أنّ الحسن هو الّذي لا يكون على صفة تؤثّر في استحقاق الذمّ، و القبيح هو الّذي يكون على صفة تؤثّر فيه. و كذا الحال في الحدّ المعروف عندهم و هو أنّ الحسن ما للقادر عليه العالم بحاله أن يفعله، و أن القبيح ما ليس كذلك. و نحوه الحدّ المعروف من الأشاعرة من أنّ القبيح ما نهي عنه شرعا و الحسن ما لا يكون متعلّقا للنهي، و كذا الحدّ الآخر المذكور في كلام بعضهم من أنّ الحسن ما لا حرج فيه و القبيح ما فيه حرج، و الظاهر أنّهما

507

معنيان مختلفان للحسن يندرج أحدهما في الآخر، فليس هناك خلاف في التفسير و إنّما هناك اختلاف بين التفسيرين.

و قد عرفت أنّ أكثر تحديداتهم يوافق الأخير فكأنّه الأعرف في الاستعمال، و هو الأنسب بالمقام ليعمّ الكلام سائر الأحكام.

ثمّ إنّ ما ذكرنا من تعاريف الحسن و القبح حدود ستّة: ثلاثة منها للمعتزلة، و ثلاثة للأشاعرة.

و قد اورد على الأوّل بأنّه لا يشمل ما كان حسنه أو قبحه ثابتا لذاته مع قطع النظر عن الصفات الخارجة عنه، و يرد نحوه على الحدّ الثاني للمعتزلة بالنسبة إلى حدّ القبيح.

و يرد عليه في حدّ الحسن شموله للقبيح الذاتيّ، إذ ليس فيه صفة تؤثّر في استحقاق الذمّ.

و الجواب: أنّ ما ثبت لذات الفعل يمكن اسناده إلى الصفة الذاتيّة أيضا- أعني المنتزعة من نفس الذات- فيندفع الإيراد عن الحدود المذكورة.

و قد يجاب عنه أيضا: بأنّ الاختلاف الحاصل في حدودهم مبنيّ على ما اختلفوا من كون الحسن و القبح اللاحقين للأفعال حاصلا لهما لذواتهما، أو للوجوه و الاعتبارات على ما سيجي‏ء الكلام فيه، فالحدّان الأوّلان مبنيّان على الثاني، و الحدّ الثالث على الأوّل.

و أنت خبير بأنّ المناسب للتحديد صحّة الحدّ على جميع الأقوال ليصحّ تعلّق الخلاف بالمحدود. و ما ذكر من الجواب اعتراف بفساد الحدّ على بعض تلك الأقوال على ما هو التحقيق هناك من التفصيل، إذ الظاهر ثبوت الحسن و القبح لبعض الأفعال بالنظر إلى ذاته كما سيجي‏ء الإشارة إليه إن شاء اللّه، على أنّ الحدّ الثالث يصحّ على كلّ من الأقوال المذكورة في تلك المسألة، فلا اختصاص له بالقول الأوّل على ما يظهر ممّا ذكر.

و قد يناقش في الحدود المحكيّة عن الأشاعرة: بأنّ محلّ النزاع في الحسن‏

508

و القبح عندهم كما نصّوا عليه هو كون الفعل بحيث يترتّب المدح أو الذمّ عليه، فهم لمّا نفوا حكم العقل جعلوا الحسن عبارة عن كون الفعل متعلّق مدح الشارع أو حكمه بنفي الذمّ عليه على اختلاف التفسيرين، و القبح كونه متعلّق لذمّه من غير حصول استحقاق هناك في حكم العقل قبل ورود الشرع و بعده، فلا فرق عندهم في ذلك بالنظر إلى العقل بين ما ورد الأمر به في الشريعة و النهي عنه في استحقاق المدح أو الذمّ، إلّا أنّه ورد مدح المطيعين فصارت الطاعة حسنة و ذمّ العاصين فصارت المعصية قبيحة، و لو انعكس الأمر كان بالعكس.

فظهر بذلك: أنّه لا مدخل في النهي و عدمه في التحسين و التقبيح و كذا غيره ممّا ورد في الحدّين المذكورين. و قد يصحح الحدود المذكورة بالملازمة الاتّفاقية بين الامور المذكورة و تعلّق مدح الشرع أو ذمّه، فلا مانع من أخذ أيّ منها في الحدّ.

و هو كما ترى، مضافا إلى أنّه قد يورد على الحدّ الثاني أنّ ما لم يتعلّق به النهي يعمّ الحسن و غيره ممّا لم يتعلّق به حكم الشرع كأفعال المجانين و الأطفال و نحوهما، و كذا حال الأشياء قبل تعلّق حكم الشرع بها على ما ذهبوا إليه من خلوّها إذن عن الحكم فلا يكون حدّ الحسن مانعا.

و قد يورد ذلك على الثالث أيضا، إذ لا حرج في شي‏ء من الأفعال المذكورة، و كذا في الأفعال قبل ورود الشرع، و قد يذبّ عنه بأنّ الظاهر تقابل الحرج و عدمه تقابل العدم و الملكة فلا يندرج فيه ما لا يكون قابلا لورود النهي.

و فيه: أوّلا: أنّه يلزم عدم صحّة اتّصاف شي‏ء من أفعاله تعالى بالحسن مع توصيفهم له بذلك.

و ثانيا: أنّ الأفعال قبل ورود الشرع قابلة للنهي، و كذا أفعال الأطفال و غيرهم لجواز تعلّق التكليف بهم على مذهبهم، و مع الغضّ عن ذلك نقول: إنّهم يجوّزون خلوّ بعض الأفعال عن الحكم، و حينئذ يندرج ذلك في الحد.

ثمّ إنّ الظاهر من الحدود المذكورة للحسن على التفسير الأخير شموله لأربعة من الأحكام فيختصّ القبيح بالحرام.

509

و عن الخنجي الحكم بإدراج المكروه في القبيح فيختصّ الحسن بثلاثة من الأحكام ذكر ذلك في بيان الحدّ المعروف من المعتزلة، و قد أشرنا إليه.

و فيه أنّ الظاهر من الحدّ المذكور شمول الحسن للمكروه، إلّا أن يقال: إنّ الظاهر منه ما يكون له فعله من دون غضاضة عليه، و هو في محلّ المنع.

و عن شارح المنهاج الحكم بإدراج المكروه في القبيح في الحدّ المنسوب إلى الأشاعرة، و كأنّه لاحظ كون المكروه ممّا نهي عنه عندهم، و هو كما ترى، إذ كما أنّه ليس المندوب بمأمور به عند الجمهور و كذا المكروه ليس بمنهيّ عنه عندهم، و معه لا يتمّ الكلام المذكور.

نعم إنّما يتمّ ذلك على القول بكون النهي حقيقة في الأعمّ و ظاهر الشهيد الثاني في التمهيد عند بيان الحدّ المذكور إدراج المكروه في الحسن، و هو أوفق بظاهر الحدّ، هذا.

و قد يورد في المقام: أنّ الظاهر من الحدود المذكورة اختلاف معنى الحسن و القبح عند الفريقين من غير اشتراك بينهما إلّا في التسمية، إذ المعتزلة يقولون بكون الحسن صفة قائمة بالفعل من شأنها استحقاق المدح عليه عند العقل أو عدم ترتّب الذمّ عليه، و كون القبح صفة قائمة به من شأنها استحقاق الذمّ عليه، و الأشاعرة يقولون بكون الحسن عبارة عن كون الفعل ممّا مدح الشارع فاعله، أو حكم بعدم ذمّه، و القبح كونه ممّا ذمّ عليه من غير حصول استحقاق للمدح أو الذمّ في الصورتين، و لا حصول صفة باعثة عليه بعد حكم الشرع أو قبله، فلا جامع ظاهرا بين المعنيين ليكون ذلك المعنى متّفقا عليه عند الفريقين، و يكون الحسن و القبح عبارة عنه ليقع الخلاف في كونه عقليّا أو شرعيّا، بل الخلاف بينهم في معنى الحسن و القبح دون وصفهما كما هو ظاهر عنوان البحث.

و يمكن الجواب عنه بأنّ الحسن بالمعنى الّذي وقع فيه الخلاف كون الفعل بحيث يترتّب عليه المدح، إذ لا يترتّب الذمّ عليه و القبح كونه يترتّب الذمّ عليه، و لا خلاف بين الفريقين في تفسير الحسن و القبح بالمعنى المذكور، و إنّما الكلام‏

510

في الحاكم بالمدح و الحاكم بالذمّ، فالعدليّة على أنّ المدح إنّما يترتّب عليه بحكم العقل لصفة قائمة به و كذا الذمّ، و الأشاعرة على أنّه إنّما يترتّب عليه بمجرّد حكم الشارع من غير أن يكون لحكم العقل مدخليّة فيه قبل حكم الشرع أو بعده، فالمفهوم المذكور هو القدر الجامع بين المعنيين و إن كان القيد المذكور باعثا على اختلاف الأمرين حسب ما ذكر هنا، و المأخوذ في محلّ النزاع هو القدر المذكور، و هو كاف في المقام، و يمكن أن يجعل النزاع في إثبات الحسن و القبح العقليّين و نفيهما، فيكون تفسير الأشاعرة لهما بما مرّ مبنيّا على مذهبهم بعد بنائهم على نفي العقليّين، فتأمّل.

المقام الثاني: في بيان حجج العدليّة على ثبوت الحسن و القبح العقليّين و إدراك العقل في الجملة لكلّ من الأمرين، و لهم في ذلك متمسّكات من العقل و النقل.

أمّا الأوّل فمن وجوه:

أحدها: أنّ حسن العدل و الإحسان و قبح الظلم و العدوان ممّا يشهد بهما في الجملة ضرورة الوجدان، و لذا يحكم به الفرق المنشعبة من صنوف الإنسان حتّى منكري الشرائع و الأديان، بل ربّما لم يخف الحال في بعض مصاديقه على الصامت من الحيوان، فإنّ الحكم بحسن الإحسان على بعض المضطرّين ممّن له كمال الحاجة و الإنعام عليه بما يحفظ حياته عند الوقوع في الهلكة كقبح فعل من جازاه بعد ذلك بكمال الإساءة و قابل صنعه الجميل على قدر تمكّنه من الإيذاء و الإهانة من الضروريّات الأوّليّة و الفطريات الجليّة، بحيث لا يخفى الفرق بين الأمرين في استحقاق المدح و الذمّ على أحد من البريّة، و لا يتوقّف فيه من كان على الغريزة الإنسانيّة.

ألا ترى ان من صادف رجلا منقطعا عن الرفقة و قد بقي منفردا في مهمة قفر في شدة من الحرّ بلا زاد و لا راحلة و لم يعرف طريقا إلى نجاته و لا حيلة و قد غلب عليه حينئذ الحرّ و العطش بحيث لم يبق له قوّة على النهوض و الحركة و قد

511

بقي طريحا على الرمضاء تصهره شمس السماء و انقطع عنه الرجاء بالبقاء و أيقن بالموت و الفناء قد غلبه الإغماء، لما ألفى من التعب و النصب و العناء، فلمّا وافاه أقبل عليه بكلّه و وضع رأسه في حجره و مسح التراب من وجهه، و كان أشفق عليه من أبيه و امّه، و جعل يضع الماء شيئا فشيئا في حلقه و قد أظلله عن الشمس بنفسه إلى أن أفاق من غشوته و تقوّى ممّا كان فيه من شدّة ضعفه فأخذه من ذلك المكان و أتى به إلى منزله، فمهّد له الموائد، و سقاه من الزلال البارد، و أنعم عليه غاية الإنعام، و أكرمه فوق ما يتوقّع من الإكرام، و أخدمه أهله و عياله و من له من الخدّام، إلى أن زال ما كان فيه من التعب، و ارتفع عنه ما لقي من النصب، أعطاه زادا و راحلة و دفع إليه سلاحا ليتمكّن من دفع عدوّه، و تبعه إلى أن أوصله إلى طريقه، و دلّه إلى ما كان يرومه من مقصده، و لم يفعل به كلّ ما ذكر من الجميل إلّا لمجرّد دفع الضرر عن المضطرّين من غير أن يقصد به مجازاة أو شيئا آخر.

ثمّ إنّ ذلك الرجل لمّا رأى حينئذ قوّة نفسه و انفراد صاحبه و تمكّنه من قهره كرّ عليه بسلاحه، و أخذ جميع ما عنده، ثمّ قابله بأنواع البلاء من الشتم و الضرب و الجرح و الإيذاء إلى أن صرعه على الأرض في أشدّ الحال و أسوأ الأحوال، ثمّ عاد إلى أهله و عياله فهتك عرضه، و أخذ من أمواله ما قدر على أخذه، و أحرق ما لم يقدر عليه، إلى غير ذلك من أنواع الإضرار و الإيذاء و الإهانة. كلّ ذلك من غير ضرورة داعية إليه، أو شدّة حاجة أو اضطرار باعث عليه، أو عداوة سابقة تدعو إليه، بل لمحض مقابلة الإحسان بالإساءة و مجازات النعمة بالنقمة، فأيّ عاقل يحكم بتساوي الفعلين في استحقاق المدح و الذمّ و ترتّب الثناء و اللوم؟! أفيجوز في عقل من العقول الحكم بمساواة الصنيعين و تساوي ذينك الشخصين في ما أتيا به من الفعلين إلى أن يرد الشرع بمدح أحدهما و ذمّ الآخر مع تساوي نسبة مدحه و ذمّه إلى الأوّل و الآخر، ليكون حسن أحد الفعلين و قبح الآخر بمجرّد مدحه و ذمّه من غير ملاحظة شي‏ء آخر غيره، و هو كما ترى أوضح في البطلان من أن يخفى على ذهن من الأذهان حتّى النسوان و الصبيان.

512

و ممّا ينادي بضرورة إدراك العقل استحقاق المدح على بعض الأفعال و الذمّ على بعضها إطباق العقلاء على المدح على جملة من الأفعال و الذمّ على جملة اخرى، و لذا يحكمون بحسن عقوبة السيّد عبده إذا عصاه، و يذمّونه على عصيانه مولاه، و يمدحونه إذا رأوه ممتثلا لأوامره و منتهيا عمّا نهاه، و يذمّون المولى لو أذاه بغير ما يستحقّه. و لا زالت العلماء و الخطباء في سائر الأعصار و الأزمان في جميع الأمصار و البلدان ينهون الناس بمقتضى ضرورة العقل على حسن بعض الأفعال و قبح بعضها و عدم إقدام الفاعل على ترك بعضها و فعل بعضها كحسن طاعة المنعم الحقيقي و قبح معصيته، سيّما إذا علم بما يترتّب على الأمرين من المثوبات الجزيلة و العقوبات الشنيعة، فإنّ ضرورة العقل قاضية بحسن الإتيان بالأوّل و قبح الإقدام على الثاني مع قطع النظر عن ملاحظة ما ورد فيه من الشرع.

و ممّا ينبّه على ذلك أيضا بأنّه لو خيّر العاقل بين الصدق و الكذب مع تساويهما في النفع و الضرر و سائر الجهات الخارجيّة لاختار الصدق على الكذب، و ليس ذلك إلّا لحسنه، إذ لا سبب غيره.

و ما يتوهّم من عدم استواء الصدق و الكذب من جميع الجهات، و مجرّد فرضه غير نافع مع انتفائه في الواقع، إذ لا أقلّ من الاختلاف بينهما في المطابقة و اللامطابقة، و من أنّه لا يستلزم أن يكون إيثار الصدق من جهة حسنه بالمعنى المعروف أو قبح الكذب كذلك، بل ليس ذلك إلّا من جهة كون الكذب نقصا، أو لكونه منافرا للطبع بخلاف الصدق، فلا يفيد ذلك ثبوت الحسن أو القبح بالمعنى المتنازع فيه مدفوع.

أمّا الأوّل، فلأنّ المفروض استواؤهما في المصالح و المفاسد و سائر الجهات الموافقة للغرض و المخالفة [له‏] لا في مطلق الصفات، إذ لا فائدة في اعتباره في المقام، و من البيّن إمكان استوائهما في ما فرض في كثير من الأحيان.

و أمّا الثاني، فلأنّه من البيّن أنّ شيئا من الصدق و الكذب من حيث هو لا موافقة فيه للطبع و لا منافرة، سيّما مع تحقّق ما فرض من المساواة في الآثار، و لذا

513

إذا صدر من غير المميّز لم يجد اختلافا بينهما أصلا، مع أنّ مخالفات الطبع ممّا يدركه غير المميّز في الغالب، فليست الموافقة و المخالفة في المقام إلّا للعقل، و هو ملزوم الحسن و القبح العقليّين، لملائمة العقل للامور المحسّنة و تنفّره من الامور المستقبحة كما هو الشأن بالنسبة إلى سائر الحواسّ بالنسبة إلى ما يلائمها و ينفر عنها، و صفة الكمال و النقص إن ثبت حصولها في الأفعال فليس إلّا من جهة الحسن أو القبح، إذ ليس الفعل المتّصف بالكمال إلّا ما يمدح فاعله و المتّصف بالنقص ليس إلّا ما يذمّ فاعله.

و قد اعترف به صاحب المواقف حيث أورد على أصحابه المستدلّين على امتناع الكذب عليه تعالى بكونه صفة نقص و النقص عليه محال بالإجماع قائلا:

إنّه لم يظهر لي فرق بين النقص في الفعل و بين القبح العقلي، فإنّ النقص في الأفعال هو القبح العقلي بعينه فيها، و إنّما يختلف العبارة. و هو كما ترى بمنزلة اعترافه بالحقّ، لإقرار أصحابه كما هو مقتضى الضرورة من كون الكذب نقصا، و اعترافه بكون ذلك عين القبح المتنازع.

و قد يورد في المقام تارة: بمنع قيام الضرورة من العقل بحسن شي‏ء أو قبحه، و ما ادّعي من إدراك الحسن و القبح في الامور المذكورة فإنّما هو من جهة الإلف بالشريعة و ملاحظة أحكام الشرع و العادة، لا من مجرّد العقل.

و تارة بالمنع: من كون المدرك هو الحسن و القبح بالمعنى المتنازع فيه، بل قد يكون بأحد المعاني الاخر الخارجة عن محلّ النزاع كموافقة الغرض و مخالفته وصفة الكمال و النقص و نحوهما.

و اخرى: بأنّ ذلك لو سلّم فإنّما يفيد ثبوت الحسن و القبح بالنسبة إلى أفعالنا دون أفعاله تعالى، و استنباط الأحكام الشرعيّة من العقل مبنيّ عليه. و قياس الغائب على الشاهد ممّا لا وجه له سيّما بالنسبة إلى اللّه تعالى، مع أنّا نقطع بأنّه تعالى لا يقبح منه تمكين العبد من المعصية، مع أنّه قبيح منّا.

و اندفاع الجميع ظاهر.

514

أمّا الأوّل: فإنّا نفرض ذلك فيمن لا إلف له بالشريعة و العادة أصلا.

و من البيّن: أنّه يحكم بعين ما حكمنا و يقطع بمثل ما قطعنا، أو نقطع النظر عن ملاحظة الشرع و العادة بالمرّة و مع ذلك نجد من أنفسنا إدراك الحكم المذكور كذلك من غير ريبة.

و ما قد يتوهّم: من أنّ فرض انتفاء الشي‏ء غير انتفائه في الواقع، فإذا كان الإلف بالشرع قاضيا بذلك كان ذلك سببا لإدراك العقل و إن فرض العقل انتفاء الشرع أو العرف مدفوع بأنّ العلم الحاصل من الأسباب إنّما يكون بملاحظة العقل ذلك السبب، و إن فرض العقل انتفاء تلك الأسباب لا يحصل العلم بتلك الأشياء على ذلك التقدير.

ألا ترى أنّه لو قطع النظر عن المقدّمتين لم يحصل للنفس علم بالنتيجة، و إنّما يحصل لها العلم بها مع ملاحظتها إمّا تفصيلا أو إجمالا، و كذلك العلم الحاصل من جهة الحواسّ كالإبصار و الإسماع و نحوهما، فلو قطع النظر عن الإحساس و فرض عدمه لم يحكم العقل بشي‏ء منها، و كذا الحال في الأحكام العاديّة كقبح المشي عريانا في المجالس و الأسواق و مجامع الناس، و الأحكام الشرعيّة حتّى ضروريّات الدين و المذهب- كوجوب الصلاة و الصيام و نحوهما- فإنّه لو قطع النظر عن ملاحظة العادة و الشرع لم يكن هناك حكم بأحد الطرفين، مع أنّا نعلم في المقام علما ضروريّا بثبوت الحكم المذكور من دون تفاوت أصلا بين وجود الشرع و العادة و عدمهما.

و الحاصل: أنّ العقل إذا قطع النظر عن جميع ما عداه وجد العلم المذكور حاصلا له، و هو دليل على كونه من الفطريّات الأوّليّات، إذ لو لم يكن كذلك و كان متوقّفا على أحد الأسباب لم يكن حكم العقل به كذلك.

فظهر بما قرّرنا ضعف ما قد يورد في المقام من أنّ الحكم في المقام ضروريّ حاصل من العادة فيتوقّف العلم به على العلم بسببه في الجملة، لكن لمّا حصل ذلك و شاع و رسخ في النفوس و صار من الواضحات عندها بلغ في الوضوح إلى حيث استغنت النفس عن ملاحظتها فيحكم بها مع غفلتها عن السبب.

515

و مع الغضّ عنه فإنّ غير الأوّليّات ممّا لا يصل إلى الحدّ المذكور و إن بلغت في الوضوح ما بلغت. نعم قد يحصل الاشتباه في المقام في تجريد النظر عمّا عداه و ملاحظة الشي‏ء بنفسه من غير ملاحظة لما سواه، و هو ممّا يمكن‏ (1) تمييزه بالوجدان الصحيح كما في المقام فتعيّن الحال فيها بنحو ما بيّنا.

و مع الغضّ عن ذلك كلّه نقول: إنّا نقطع أيضا أنّ الشرع و العادة ممّا لا مدخل له في العلم المذكور أصلا، كيف؟ و ليس ذلك بأوضح في الشريعة و العادة من سائر ضروريّات الدين من وجوب الصلاة و الزكاة و الصوم و نحوها و سائر ما جرت عليه العادات في المأكولات و الملبوسات و الآداب، و مع ذلك نجد الفرق البيّن بين الأمرين و الاختلاف الواضح بين المقامين و نقطع بانتفاء القطع في ما ذكر مع الغضّ عن الشرع و العادة بخلاف ما ذكرنا، كما لا يخفى.

و أمّا الثاني: فبأنّ المعلوم عند العقل في المقام على سبيل الضرورة هو خصوص استحقاق المدح و الذمّ، مع أنّ موافقة الغرض و مخالفته ممّا يختلف باختلاف المقامات و الأغراض، و الحكم المذكور ممّا لا اختلاف فيه، و لذا يعترف بحسن أحدهما و قبح الآخر من وافق ذلك أغراضه او خالفها، و صفة الكمال و النقص إذا لوحظت بالنسبة إلى الأفعال لم يبعد إرجاعها إلى محلّ النزاع كما اعترف به صاحب المواقف كما أشرنا إليه.

و أمّا الثالث: فمع اندفاعه إذن بعدم القول بالفصل فاسد من جهة حصول القطع المذكور بالنسبة إلى اللّه تعالى أيضا.

ألا ترى أنّه لو عاقب- العياذ باللّه- خاتم الأنبياء عليه آلاف السلام و الثناء مع أنّه من أوّل عمره الى آخره كان مشتغلا بطاعته متحمّلا للأذى في جنبه لم يعصه طرفة عين، و لم يحصل منه سوى الانقياد لربّ العالمين، حتّى أنّه (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) لم يقع منه مكروه أبدا و لا مباح غالبا فضلا عن الحرام لكان مستقبحا عند العقل مستنكرا في حكمه، و لذا يقطع العقل بخلافه و لا يحتمل وقوع مثله عن جنابه؟!

____________

(1) في «ق 2»: ممّا لا يمكن.

516

الثاني: أنّه لو لم يثبت التحسين و التقبيح العقليّان لم يقبح من اللّه شي‏ء من الأفعال، و التالي باطل، فالمقدّم مثله، و الملازمة ظاهرة.

و أمّا بطلان التالي فلأنّه لولاه لزم جواز إظهار المعجزة على يد الكاذب، فينسدّ باب إثبات النبوّات، و لا يتمّ معه الحجّة على أحد من البريّات، و جاز الكذب في جميع أخباره و أخبار رسوله و خلفائه، فيحتمل أن يكون جميع الواجبات محرّمة و بالعكس، و المستحبّات مكروهة و بالعكس، إلى غير ذلك، فينسدّ الطريق إلى معرفة الأحكام و تميّز الحلال من الحرام، فيتعطّل الشرائع المنزلة، و ينتفي الفائدة في إنزال الكتب و بعثة الرسل بالمرّة، و لزم أيضا جواز الخلف في وعده و وعيده و ثوابه و عقابه و إن وقع الحكم بها على سبيل البتّ و التحتيم، فينتفي الوثوق بوعده و وعيده، و جاز أن يعامل مع المحسن معاملة المسي‏ء و مع المسي‏ء بالعكس، فيعاقب أطوع عباده بأشدّ العقاب و يثيب أعصى العصاة فوق ما وعده المطيعين من الثواب، و ينتفي حينئذ فائدة الوعد و الوعيد و الترغيب و الترهيب.

و قد اجيب عنه بوجهين: ينحلّ كلّ منهما إلى وجهين:

أحدهما: القول بثبوت الحسن و القبح في أفعاله تعالى بغير المعنى المذكور، فتارة يؤخذ فيها الحسن بمعنى موافقة المصلحة و مخالفتها فيقال: إنّ إظهار المعجزة في يد الكذّاب مخالف للمصلحة فلا يقع منه تعالى، و كذا الكلام في الكذب و مخالفة الوعد.

و تارة يقال: إنّ كلّا من المذكورات نقص فلا يمكن في حقّه سبحانه، و قد نصّ الأشاعرة في الاحتجاج على استحالة الكذب عليه تعالى بأنّه نقص و النقص عليه تعالى محال.

ثانيهما: أنّه لا ملازمة بين جواز وقوع تلك الأفعال من اللّه تعالى و وقوعه منه، بل يصحّ أن يقال بإمكان وقوعها منه تعالى مع القطع بعدم الوقوع، إذ لا منافاة بين العلم بشي‏ء و احتمال خلافه بمقتضى الإمكان.

517

فتارة نقول بجريان العادة على عدم وقوع الامور المذكورة منه تعالى، و هي كافية في القطع بعدم الوقوع، كما أنّا نقطع بعدم انقلاب الجبل ذهبا بعد غيابنا عنه، مع إمكان انقلابه بالنظر إلى قدرة اللّه تعالى، و ليس ذلك إلّا من جهة العادة و نقول بمثله في المقام.

و تارة نقول: إنّ اللّه سبحانه يوجد العلم الضروري عقيب إظهار المعجزة بصدقه في كلّ ما يخبر به من الأحكام و الوقائع.

و قد يزاد هناك وجهان آخران بالنسبة إلى استحالة الكذب:

أحدهما: أنّه لو جاز الكذب عليه تعالى لكان صفة له تعالى فتكون قديمة، و إلّا لزم اتّصافه بالحوادث، و هو محال، و إذا كانت قديمة امتنع عليه الصدق، أمّا الملازمة فلتقابله مع الصدق فيقتضي صدق أحدهما كذب الآخر (1)، و من المقرّر أنّ ما ثبت قدمه امتنع عدمه، و أمّا بطلان التالي فلقضاء الضرورة بأنّ من علم شيئا يمكن أن يخبر عنه على ما هو عليه.

و ثانيهما: و هو الّذي اعتمد عليه في المواقف في استحالة الكذب عليه إخبار النبي (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) بكونه صادقا في كلامه، و قد علم إخباره به من ضرورة الدين و قد دلّ المعجزة على صدقه في خبره. و لا يذهب عليك أنّ ذلك بعينه هو الوجه المتقدّم من الاستناد في التصديق إلى المعجزة.

و يمكن دفع الجميع أمّا الأوّل: فبما هو بيّن من أنّ مجرّد موافقة المصلحة و عدمها لا يقضي بوجوب الفعل على اللّه تعالى و امتناعه، إذ لا يجب عليه الإتيان بالأفعال على وفق المصالح و لا يمنع عليه خلافه، كما هو مختارهم في ذلك على ما نصّوا عليه و لو قالوا فيه بالوجوب و المنع عادت المسألة إلى محلّ النزاع لرجوعه إذن إلى المدح و الذمّ و قد وقع الاحتجاج بالنحو المذكور على استحالة الكذب عليه تعالى في كلام المعتزلة، و قد صرّح الأشاعرة بإبطالها بمنع المقدّمة المتقدّمة.

____________

(1) فيقتضي وجود أحدهما عدم الآخر، خ ل.

518

و أمّا الثاني: فلإرجاع صفة الكمال و النقص بالنسبة إلى الأفعال إلى الحسن و القبح بالمعنى المتنازع فيه حسب ما مرّت الإشارة إليه.

و أمّا الثالث: فبأنّ جريان العادة إنّما يعلم بعد تكرار الفعل كثيرا على نحو واحد حتّى يستقرّ الأمر عليه و يعلم من جهتها بالحال، فلا يجري ذلك في أوّل الأنبياء، بل و لا في أحد منهم، إذ لا يعلم صدقهم إلّا بالمعجزة، فمن أين يحصل العلم بالصدق حتّى يتحقّق عادة في المقام؟ و كذا الكلام في الكذب، إذ العلم بجريان العادة إنّما يحصل بعد العلم بعدم كذبه في شي‏ء من إخباراته حتّى يتحقّق العادة المذكورة، و هو غير معلوم، لاحتمال أن يكون جميع إخباراته الغائبة عن حواسّنا أو معظمها كذبا، هذا إن أرادوا بالعلم العادي هو الحاصل من جريان العادة دائما على النحو المخصوص، و إن اريد به حصول العلم العادي الضروري عقيب ذلك يرجع إلى الجواب الرابع، و هو الّذي يظهر من كلامهم عند بيان دلالة المعجزة على صدق النبي (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) في الكتب الكلاميّة.

و أمّا الرابع: فبأنّ حصول العلم الضروري في المقام بمجرّد الإتيان بالمعجزة- كما ادّعوه- مخالف لما جرت عليه عادة اللّه سبحانه في إفاضة العلوم الضروريّة، إذ هي منحصرة بحسب الاستقراء في ثلاثة: الفطريّات و الوجدانيّات و ذوات الأسباب من المحسوسات و الحدسيّات و التجربيّات، و لا يندرج ذلك في شي‏ء منها.

و دعوى حصول العلم الضروري في غير المذكورات مخالفة لما جرت عليه العادة. و دعوى حصول العلم الضروري في ما لم تجر العادة في نظائره بحصول العلم غير مسموعة، كما إذا ادّعى أحد حصول علم ضروري له بتركّب الجسم من الهيولى و الصورة أو بحدوث الأفلاك عقيب موت زيد أو تولّد عمرو و نحوهما ممّا لا ارتباط له بحدوث الأفلاك، فضلا عن دعوى حصوله بعد ذلك بالنسبة إلى سائر الناس، مضافا إلى أنّه لو بني الأمر على إيجاد العلم الضروري كيف ما كان لما كان هناك حاجة إلى المعجزة، و جاز إيجاده بمجرّد ادّعائه النبوّة، فيكون اعتبار ذلك‏

519

لغوا، بل يكون إرسال الرسل و إنزال الكتب أيضا عبث، للاكتفاء بإيجاد العلم الضروري بالأحكام من دون سبب و مقتض في الجميع كذا ذكره بعضهم في المقام، و قد أضفنا إليه بعض ما يؤيّد المرام.

قلت: و يمكن دفعه بإدراجه في المحسوسات لا بأن يكون نفسه محسوسا، بل ما يؤدّى إليه حسّيا، فإنّه أيضا بمنزلة الإحساس به كالعلم الضروري بالشجاعة و السخاوة و نحوهما من الصفات النفسيّة من الإحساس بآثارها البيّنة، فإنّ الإحساس بتلك الآثار بمنزلة الإحساس بمبادئها، و بذلك يندرج العلم الحاصل بها في الضروريّات، و يكون العلم به من مؤدّي المحسوس.

و حينئذ نقول: إنّ الإحساس بالخارق بعد ادّعائه النبوّة كما يوجب العلم الضروري بحصول الخارق كذا يفيد العلم بصدق المدّعي كما يشاهد ذلك بالنسبة إلى الفطرة السليمة إذا القي عليه المعجزة، إذ بمجرّد رؤيته صدور المعجزة العظيمة الخارقة للعادة يقطع بصدق ذلك المدّعي في دعواه، كما يشاهد ذلك في معاشر الأنبياء، فإنّ من يرى منهم ذلك لا يبقى له مجال للريب في تصديقهم إلّا أن ينكر كون ذلك معجزة بدعوى السحر، كما هو الحال في الكفّار المشاهدين للمعاجز، و إلّا فبعد تسليم عدم كونه سحرا لم يكن للكفّار أيضا مجال للتشكيك، و إنّما كان تلبيسهم على الناس أو على أنفسهم من جهة دعوى كونه سحرا لا معجزة، كيف؟

و لو لا ذلك لم يقم للأنبياء (عليهم السّلام) حجّة بإبداء المعجزة إلّا بعد إثبات الصانع و حكمته و عموم علمه و قدرته حتّى يتمّ لهم دلالة المعجزة على تصديقهم، و ليس الحال كذلك، بل كان مجرّد إبدائهم المعجزة برهانا لهم على تصديقهم.

ألا ترى إلى قول فرعون لقومه: ما علمت لكم من إله غيري؟! و مع ذلك لم ينقل عن موسى (عليه السّلام) المباحثة معه في إثبات المطالب المذكورة و إقامة البرهان عليها، و لا حكاه سبحانه تعالى في شي‏ء من قصص موسى و فرعون، بل جعل برهانه العصا و اليد البيضاء، حيث قال له سبحانه: فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى‏

520

فِرْعَوْنَ وَ مَلَائِهِ‏ (1) و بعد ما جاء بهما لم يناقش معه فرعون في إفادة تصديقه إلّا بدعوى كونه سحرا.

و الحاصل: أنّ إبداء المعجزة بعد دعوى الرسالة يفيد علما ضروريّا بصدق المدّعي بحيث لا مجال للفطرة السليمة إنكاره، و به يثبت وجود الصانع و سائر صفاته الكماليّة، فلا توقّف لإثبات صدق النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) على قبح إجراء المعجزة على يد الكاذب حسب ما ذكر في الاستدلال فلا يتمّ الاحتجاج المذكور.

نعم قد يقال بأنّه لابدّ من ارتباط بين إبداء المعجزة و بين صدق صاحبها ليصحّ من جهته الانتقال منها إليه، و الظاهر أنّ ذلك من جهة دلالتها علوّ مرتبة الآتي بها، و بلوغه إلى أقصى درج الكمال، فلا يقع منه الكذب لعلوّ منصبه عن ذلك. و حينئذ يكون ذلك أيضا مبنيّا على قاعدة التحسين و التقبيح، إذ لو كان الصدق و الكذب متساويين في ذلك لجاز منه وقوع الأمرين فلا يتمّ الجواب أيضا من دون البناء على القاعدة المذكورة، فتأمّل.

الثالث: أنّه لو لم يثبت حكم العقل بالتحسين و التقبيح لزم إفحام الأنبياء و انقطاعهم في ما يظهرونه من الدعوى، و التالي واضح الفساد. بيان الملازمة أنّه لا حسن و لا قبح إذن مع قطع النظر عن حكم الشرع، فإذا جاءهم النبيّ و ادّعى وجوب إطاعته على الامّة فمن البيّن أنّه لا يجب عليهم اتّباعه في أوامره و نواهيه، و ما يخبرهم به من أحكامه تعالى إلّا بعد ثبوت نبوّته.

كيف؟ و لو وجب عليهم ذلك بمحض الادّعاء لوجب طاعة سائر المدّعين للنبوّة، و هو مخالف للضرورة.

فنقول: إنّه إذا ادّعى النبوّة و أراد إقامة الحجّة بإبداء المعجزة ليجب عليهم اتّباعه، صحّ للامّة أن يقولوا: لا يجب علينا النظر في معجزتك ليتبيّن لنا صحّة نبوّتك، إذ وجوب النظر إليها ممّا لا يثبت إلّا بقولك، و كلّ ما لا يثبت إلّا بقولك لا يقوم حجّة علينا إلّا بعد ثبوت نبوّتك، و إذا لم يقم حجّة علينا قبل ثبوت نبوّتك‏

____________

(1) سورة القصص: 32.

521

لم يرد علينا ذمّ و لا عقوبة من جهة تركه، فلا يجب الإتيان به، و معه لا يثبت ما يتوقّف عليه من وجوب الاتّباع، و هو ما ذكر من الإفحام. أو يقال: وجوب النظر إلى معجزتك يتوقّف على حجّية قولك، و حجّية قولك يتوقّف على ثبوت نبوّتك، و ثبوت نبوّتك يتوقّف على النظر إلى معجزتك، فيتوقّف وجوب النظر إلى معجزتك على حصول النظر إلى معجزتك و هو واضح الفساد.

و بما قرّرنا يتبيّن ضعف ما قد يورد في المقام: من أنّ النظر في المعجزة لا يتوقّف على وجوبه، فلا مانع من حصول النظر مع عدم وجوبه، لما عرفت من أنّ الإفحام ليس من جهة عدم التمكّن من النظر مع عدم وجوبه و لزوم دور هناك، بل المقصود أنّه يجوز للامّة ترك النظر من غير حصول ذمّ أو ترتّب عقاب عليهم، إذ لو وجب الإتيان به لكان ذلك بقول النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) بعد ثبوت نبوّته بالنظر المفروض، و إذا كان ترك النظر إلى المعجزة جائزا كان إفحاما للنبيّ (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم)، هذا على التقرير الأوّل.

و على التقرير الثاني فاللازم منه توقّف وجوب النظر في المعجزة على حصوله، و هو فاسد، إذ لا يعقل وجوب الشي‏ء بعد حصوله. نعم لو اخذ في المقدّمات توقّف النظر على وجوبه أو حكم بكون النظر في المعجزة متوقّفا على صدق النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) في دعواه و صدقه في دعواه متوقّفا على النظر في المعجزة أو قيل بكون الحكم بوجوب النظر في المعجزة متوقّفا على الحكم بصدق النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) في دعواه و الحكم بصدق النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) في دعواه متوقّف على وجوب النظر في المعجزة ليكون المقصود إيراد دور في المقام، ليكون النظر في المعجزة متوقّفا على النظر في المعجزة، أو يتوقّف وجوبه على وجوبه أو الحكم بوجوب النظر على الحكم بوجوبه صحّ الإيراد. لكن ليس كذلك، لوضوح فساد الدعوى المذكورة، فلا مجال لتوهّم الدور، لوضوح كون أحد الطرفين وجوب النظر أو الحكم بوجوبه، و الطرف الآخر الّذي ينتهي إليه التوقّف نفس النظر.

نعم يمكن إيراد الدور في مقام الإفحام بوجه آخر مرجعه إلى الدليل السابق‏

522

و هو أن يقول: علمي بأنّك صادق في دعوى النبوّة يتوقّف على علمي بعدم صدور المعجزة على يد الكاذب، و علمي بذلك يتوقّف على علمي بأنّك صادق، إذ المفروض كون الحسن و القبح شرعيّين فيلزم توقّف العلم بكونه صادقا على العلم بكونه صادقا.

و يورد على هذه الحجّة بوجهين:

أحدهما: النقض بورود ذلك على القول بالتحسين و التقبيح العقليّين أيضا، إذ حكم العقل بوجوب النظر في المعجزة يتوقّف على النظر في الدليل الدالّ عليه، إذ ليس الحكم به بديهيّا، كيف؟ و الحكم بوجوب النظر فيها إنّما هو من جهة استفادة العلم منها بصدق المدّعى، فيتوقّف الحكم بوجوبه على كون إظهار المعجزة مفيدا للعلم بصدق المدّعي حتّى يكون النظر إليها مفيدا للعلم بصدورها منه، فيفيد ذلك بانضمام ما دلّ على كون إظهار المعجزة مفيدا للعلم بالصدق يتوقّف ذلك على امور حسب ما مرّت الإشارة إليها من وجود الصانع و علمه و قدرته و حكمته، بل عموم علمه للجزئيّات، و كذا عموم قدرته. و كلّ هذه مطالب نظريّة يتوقّف على إقامة الدليل، و قد تكفّل بها الكتب الكلاميّة، فبعد إثبات ذلك بالبرهان يتبيّن بانضمام بعض المقدّمات الخارجيّة وجوب النظر في المعجزة.

فنقول حينئذ على طبق ما ذكر في الاحتجاج: إنّ للامّة أن يقولوا قبل النظر في ذلك: إنّه لا وجوب علينا إلّا بعد حكم العقل بالوجوب، فلا يجب علينا النظر في المعجزة إلّا بعد حكمه بوجوبه، و المفروض أنّه نظري فلا يحكم به العقل قبل النظر في دليله و فيه الإفحام.

و بتقرير أخصر: إنّا لا ننظر حتّى يجب علينا النظر، و لا يجب علينا النظر حتّى ننظر، و ربّما يتخيّل لزوم الدور في المقام، و هو وهم، إذ ليس من الدور في شي‏ء، و إنّما يقضي ذلك بعدم وجوب النظر عليهم قبل النظر في الدليل الدالّ على وجوبه، و هو قاض بالإفحام نظير ما قرّره المستدلّ في المقام.

و ثانيهما: الحلّ بظهور الفرق بين وجوب النظر في الواقع و الحكم بوجوبه في‏

523

الظاهر، فقوله: إنّ ما لا يثبت إلّا بقولك لا يقوم حجّة إلّا بعد ثبوت نبوّتك، إن أراد به عدم قيامه حجّة بحسب الواقع إلّا بعد ثبوت نبوّته ممنوع و لا ربط له بعدم وجوب النظر إلى المعجزة قبل قيام الدليل عليه في الظاهر، و إن اراد عدم قيامه حجة في الواقع إلّا بعد إثبات نبوّته علينا و إقامة الحجّة عليها عندنا فهو ممنوع، بل فاسد، لوضوح وجوب اتّباعه في الواقع بمجرّد صدقه في دعواه و حكم الشرع هناك بالوجوب.

غاية الأمر أنّه قبل النظر يكون جاهلا بحكمه، و الجهل بالشي‏ء لا يستلزم رفعه، كما أنّ الجهل بحكم العقل قبل النظر في الدليل لا يقضي بعدم الوجوب. بذلك يندفع ما ذكر في النقض المذكور، فإنّ وجوب النظر في المعجزة فرع حكم العقل واقعا بالوجوب لا علمنا بحكمه، و لا يستلزم ذلك وجوب اتّباع كلّ من ادّعى النبوّة فإنّا لا نقول بوجوب الاتّباع واقعا إلّا لمن كان محقّا في دعواه بحسب الواقع.

و أنت خبير بوهن كلّ من الوجهين المذكورين:

أمّا الأوّل: فبأنّ ضرورة العقل قاضية بوجوب النظر في المعجزة بعد دعواه النبوّة و إبدائه وجوب اتّباعه و لزوم الخسران العظيم على ترك متابعته و أنّ له بيّنة واضحة على دعواه يعرفها من نظر إليها، فإنّ وجوب النظر في مثله ممّا لا يقضي به ضرورة الفطرة الإنسانيّة من دون حاجة إلى نظر و ترتيب مقدّمات، ضرورة حصول الخوف من الضرر من كلامه و وجوب التحرّز مع خوف المضرّة سيّما مثل تلك المضرّة العظيمة الدائمة من الضروريّات الجليّة و الفطريّات الأوّليّة و لا يتوقّف استفادة الصدق من المعجزة على شي‏ء من المقدمات المذكورة، بل هي ممّا يتفرّع عليها على سبيل الضرورة حسب ما مرّت الإشارة إليه.

و أمّا الثاني: فبأنّ مجرّد وجوبه في الواقع لا يوجب ارتفاع الإفحام.

و توضيح المقام: أنّ هناك وجوبا واقعيّا يتعلّق بالمكلّف على فرض علمه، فلو كان جاهلا لم يتعلّق الحكم به في الظاهر و كان معذورا في عدم الأخذ به من جهة جهالته، و وجوبا تكليفيّا يتعلّق الحكم به في ظاهر الحال و إن لم يجب ذلك بحسب‏

524

الواقع، و يثبت ذلك الوجوب في الظاهر من جهة الاحتياط و غيره من الجهات، و الإقحام إنّما يترتّب على انتفاء الأخير و إن صادف وجوب الأوّل، إذ لا يتمّ الحجّة على المكلّف بمجرّد وجوب النظر في الواقع من دون علم المكلّف و لا قيام الحجّة عليه في الظاهر، فهو لا يدفع الإقحام، إذ لا فائدة في وجوبه بحسب الواقع مع انتفاء التكليف عن المكلّف بحسب الظاهر، لثبوت العذر له حينئذ في تركه من جهة جهالته.

فنقول حينئذ: إنّ النظر في المعجزة بعد ادّعاء النبوة إمّا أن يكون واجبا على المكلّفين بالوجه الثاني، أو لا، فإن قيل بالثاني لزم الإقحام، و إن قيل بالأوّل ابطل بما ذكر في الدليل، إذ لا يثبت على المكلّفين في ظاهر التكليف من مجرّد قوله إلّا بعد ثبوت نبوّته بناء على كون الوجوب و التحريم بمحض أمر الشارع و نهيه. و أمّا لو كانا عقليّين فيثبت الحكم مع قطع العقل به حسب ما ذكرنا.

و قد يجاب بأنّه أيضا لو كان الحسن و القبح شرعيّين لكانا من الامور الجعليّة الموقوفة على تقرير جاعلها و وضعه إيّاها، و ذلك إنّما يحصل العلم بواضعها من حيث واضعها فقبل العلم به لا تحقّق لهما في الواقع، فالوجوب الشرعي من حيث هو شرعي إنّما يتحقّق بحسب الواقع بالعلم بالشارع من حيث إنّه شارع، فقبل العلم به لا تحقّق له في الواقع و لا يثبت على المكلّف وجوب شرعي بحسب نفس الأمر، و يترتّب عليه المفسدة المذكورة بخلاف ما إذا كان الوجوب عقليّا، لثبوت الحكم إذن بحسب نفس الأمر من غير أن يتوقّف ثبوته على ثبوت الشارع و الشريعة، فيختلف الواقع بحسب اختلاف المقامين، فالواقع في الأوّل هو الحكم المجعول من الشارع، فيتوقّف ثبوته الواقعي على ثبوته بخلاف الثاني.

و فيه: أنّ ما ذكر من الفرق غير واضح، بل الظاهر خلافه، و إنّما الفرق بين الأمرين أنّ الواقع في الأوّل لمّا كان أمرا جعليّا كان حاصلا بجعل الجاعل بخلاف الثاني، فإنّه أمر حاصل في نفسه و لا ربط لشي‏ء منها بعلم المكلّف بالشارع أوّلا بحكمه، بل مجرّد وجود الشارع بحسب الواقع و حكمه بذلك كاف في ثبوته‏

525

الواقعي و إن كان الحكم به جعليّا. غاية الأمر أن يتعلّق تكليف بالمكلّف حال غفلته، و ذلك أيضا ممّا لا فرق فيه بين الصورتين كما لا يخفى.

و قد يورد على الدليل المذكور بوجه آخر، و هو أنّ غاية ما ذكر حصول الإفحام لو توقّف المكلّفون على ملاحظة المعجزة معلّلين بما ذكر، لكنّه لم يتّفق ذلك لجريان العادة بإراءة النبي (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) ذلك للمكلّفين، و عدم استنادهم إلى مثل ذلك.

و أنت خبير بأنّه لابدّ من قيام الحجّة على المكلّف، و عدم وقوع مثل ذلك على سبيل الاتّفاق لا يقضى به، لجواز أن يقع من بعض المكلّفين بعد التفطّن للوجه المذكور، و عدم تفطّن الخصم لأمر يوجب عذره و إفحام مدّعيه مع وجوده بحسب الواقع لا يقضي بإتمام الحجّة، و هو ظاهر.

الرابع: أنّهما لو كانا شرعيّين لم تجب المعرفة، لتوقّف وجوبها إذن على معرفة وجود الموجب و تكليفه به، و معرفة الرسول (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) المبلّغ و صدقه في التبليغ، و هو توقّف للشي‏ء على نفسه، و هو أفحش فسادا من الدور.

و اورد عليه بنحو ما مرّ في الحجّة السابقة: من أنّ وجوب المعرفة إنّما يتوقّف على إيجاب من تعلّق المعرفة به لا على معرفته، ليلزم المفسدة المذكورة.

و جوابه ما عرفت من الفرق بين وجوب المعرفة في الواقع و وجوبه علينا بحسب التكليف الظاهر، و المقصود بالوجوب في الحجّة إنّما هو الثاني، لإجماع الفريقين على وجوبها كذلك على المكلّفين، بل هو من ضروريّات الدين.

و قد عرفت أنّ وجوبها الواقعي مع حصول القدر المسقط للتكليف ممّا لا ثمرة له في المقام. و قد يقرّر الاحتجاج المذكور بوجه آخر بأن يقال: لو كانا شرعيّين لم يمكن العلم بوجوب المعرفة قبل حصولها، لتوقّف العلم بوجوبها على حصول المعرفة بالمكلّف، و هو كاف‏ (1) في المقام، ضرورة العلم به و إلّا لما حكموا بوجوب المعرفة حسب ما يطبق عليه الكلّ.

____________

(1) كذا وجد و الظاهر منتف.

526

الخامس: أنّه لو كان الحسن و القبح شرعيّين لاستوى نسبة الأفعال بالنظر إلى الأمر و النهي، فكان ترجيح الشارع بعضها بالأمر و بعضها بالنهي- البالغين حدّ المنع من خلافه و عدمه- ترجيحا من غير مرجّح، و فساد التالي مع ظهوره سيبيّن في محلّه.

و يمكن الإيراد عليه: بأنّه لا ينحصر المرجّح في المقام في خصوص حسنها و قبحها بالمعنى المتنازع فيه، فقد يكون امورا اخر كموافقة المصلحة و مخالفتها و موافقة الطبع و مخالفته، حيث إنّ التكليف يناسب أن يكون بإيجاد المخالف و ترك الملائم، مضافا إلى أنّ الأشعري يجوّز الترجيح بلا مرجّح، فلا يتمّ الاستدلال على مذهبه، إلّا أنّ ذلك لا يدفع الاحتجاج لإثباتهم المقدّمة المذكورة في محلّه.

و أمّا الحجج النقليّة الدالّة على ذلك من الكتاب و السنّة فكثيرة جدّا.

فمن الأوّل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ ... وَ يَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ‏ (1) فيدلّ على أنّ هناك فحشاء و منكرا مع قطع النظر عن تعلّق النهي منه سبحانه بهما لا أنّهما صارا فحشاء و منكرا بنهيه، كما هو ظاهر من عرض الكلام المذكور على العرف، كيف؟ و لو كان كما ذهبوا إليه لكان الفحشاء و المنكر هو عين ما نهى عنه، فيكون مفاد الآية: أنّ اللّه ينهى عمّا نهى عنه و هو واضح الفساد، بل نقول: إنّ سياق الآية في كمال الظهور في الدلالة على أنّه تعالى يأمر بالامور الحسنة من العدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى، و ينهى عن الامور القبيحة من الفحشاء و المنكر و البغي.

و منه قوله تعالى: قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏ (2) فيدلّ على أنّ هناك فحشاء لا يتعلّق أمر الشارع به، و لو لا ذلك لكان الفحشاء عين المنهيّ عنه، فيكون مفاد الآية حينئذ إنّه لا يأمر بما نهى عنه، و هو مع فساده في نفسه مخالف لسياق الآية، إذ مفاده أنّ ما ذكر قبل من قبيل الفحشاء

____________

(1) النحل: 90.

(2) الاعراف: 28.

527

في نفسه فلا يتعلّق به أمره تعالى، فإنّه لا يأمر بالفحشاء، ففيه دلالة على بطلان القول بجواز أمره سبحانه بأيّ من الأفعال من غير فرق بينها حسب ما زعموه.

و ربّما يقال: بدلالتها على المقصود لو حمل الفحشاء على المعنى المذكور أيضا لإفادتها عدم تعلّق الأمر و النهي بشي‏ء واحد، و هو مبنيّ على القاعدة المذكورة أيضا. و لا يخفى وهنه، إذ غاية ما يفيده حينئذ عدم وقوع ذلك منه، و أين ذلك من عدم جواز وقوعه منه تعالى؟

و منه قوله تعالى: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ ... (1) و التقريب ما مرّ، كيف؟ و سياقها صريح في أنّ اللّه سبحانه لم يحرّم إلّا الامور المستنكرة عند العقول ممّا يحكم صريح العقل بقبحه و ذمّ فاعله. و قد عدّ في الآية الشريفة جملة منها.

و منه قوله تعالى بعد النهي عن الغيبة: أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ‏ (2) فإنّه صريح في قبح الفعل المذكور في نفسه، فإنّه كأكل لحم أخيه الميّت، القبيح في حكم العقل أيضا، فنهي الشارع عنه مقرون بالقبح المذكور، لا أنّ مجرّد نهيه عنه قضى بقبحه من غير حصول قبح فيه. و ليس المراد بالاستكراه في الآية الشريفة مجرّد استكراه الطبع دون القبح و استحقاق الذمّ، فإنّه لا يناسب التعليل في المقام.

و منه الآيات الواردة في الاحتجاج على الكفّار و العصاة بإبداء فرق العقل بين المحسن و المسي‏ء و المطيع و العاصي و نحوهما كقوله تعالى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (3).

و منه الآيات الدالّة على الحثّ على الأخذ بما يحكم به صريح العقل كقوله تعالى: أَ فَلا تَعْقِلُونَ* أَ فَلا تَذَكَّرُونَ* لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ* و نحوها، إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على نحو ما ذكره صريحا أو فحوى.

____________

(1) سورة الأعراف: 33.

(2) سورة الحجرات: 12.

(3) سورة ص: 28.

528

و أمّا السنّة الدالّة على ذلك فهي كثيرة جدّا كما يظهر من ملاحظة الأخبار الواردة في المواعظ و بيان علل الأحكام، و غيرها ممّا لا يخفى على من له أدنى اطّلاع على الروايات.

و يدلّ عليه أيضا بالخصوص عدّة من النصوص.

منها: ما روي عن أبي الحسن (عليه السّلام) حين سئل عن الحجّة على الخلق اليوم، فقال: العقل يعرف به الصادق على اللّه فيصدّقه و الكاذب على اللّه فيكذّبه‏ (1).

و منها: ما روي عن الكاظم (عليه السّلام) من قوله: يا هشام إنّ للّه على الناس حجّتين حجّة ظاهرة و حجّة باطنة، فأما الظاهرة فالأنبياء و الرسل و الأئمّة (عليهم السّلام)، و أمّا الباطنة فالعقول‏ (2). إلى غير ذلك من الروايات الواردة ممّا يقف عليه الناظر في مطاوي الأخبار المأثورة.

حجّة الأشاعرة على نفي الحسن و القبح العقليّين امور:

أحدها: قوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (3) فإنّه دلّت الآية الشريفة على نفي التعذيب قبل بعث الرسول فيدلّ على عدم استحقاقهم للعقوبة، و إلّا لكان عدم إيرادها على المستحقّ لها منافيا للحكمة، و اللازم منه انتفاء الوجوب و التحريم العقليّين، و إلّا لثبت استحقاق العقاب بترك الأوّل و فعل الثاني كما يدّعيه العدليّة.

و يمكن الجواب عنه بوجوه:

أحدها: أنّ أقصى ما يفيده الآية نفي التعذيب، و استلزامه نفي الاستحقاق نظرا إلى ما ذكر مدفوع بالفرق بين استحقاق الثواب و العقاب، فإنّ الأوّل ممّا لا يمكن فيه التخلّف بخلاف الثاني لجواز العقوبة، و من المعروف أنّ الكريم إذا وعد وفى و إذا توعّد عفى.

____________

(1) الكافي: ج 1 ص 25 ح 20.

(2) وسائل الشيعة: ج 11 باب 8 من أبواب جهاد النفس ص 162 ح 6.

(3) سورة الاسراء: 15.

529

و فيه: أنّ ظاهر الآية عدم استحقاقهم العقاب و أنّه لو عاقبهم لما حسن منه ذلك، فإنّ ظاهر التعبير المذكور أنّ ذلك ممّا لا ينبغي صدوره منه، كما إذا قلت:

ما كنت لأفعل كذا، قال اللّه تعالى: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ‏ (1).

و يمكن دفعه بأنّ غاية ما يسلّم دلالتها عليه أنّ اللائق به تعالى عدم حصول التعذيب منه قبل البعثة، و هو قد يكون من جهة العفو و أنّ اللائق بلطفه عدم تعذيب العباد قبل تشفيع العقل بالنقل و إن كان الأوّل كافيا في استحقاق العقاب بعد وضوح طريق الصواب، فاستحقاق العقوبة ثابت للعبد بالنظر الى حاله من جهة عصيانه و إن لم يصحّ التعذيب منه تعالى نظرا إلى ما عليه من اللطف و الرحمة، و اللازم للوجوب هو الأوّل، و لا ينافيه الثاني كما هو الشأن في الصغائر عند ترك الكبائر.

فإن قلت: ليس المقصود استحقاق العبد لمطلق العذاب، بل لعذابه تعالى، و هو لا يجامع عدم صلاح صدور التعذيب منه تعالى، إذ لا يعقل استحقاقه لعذابه تعالى مع عدم حسن التعذيب منه تعالى. و ما ذكر من عدم استحقاق العقوبة في ارتكاب الصغائر عند ترك الكبائر ممنوع، لحصول الاستحقاق هناك نظرا إلى إقدامه على المعصية. غاية الأمر أن يكون ترك الكبيرة كفّارة له، و أين ذلك من عدم استحقاق العقوبة في الإقدام عليه؟

قلت: فرق بين عدم استحقاق العقاب من أصله و استحقاق العفو نظرا إلى لطفه تعالى مع عدم منافاته للحكمة في ذلك المقام، إذ من الواضح توقّف العفو على الاستحقاق، فإنّ العفو لا يكون إلّا عن ذنب، فهناك استحقاق للعقوبة و استحقاق للعفو، و اللازم لمخالفة الواجب و الحرام هو الأوّل دون الثاني. لحصول‏ (2).

ثمّ إنّ القائلين بالحسن و القبح العقليّين اختلفوا في كونهما ذاتيّين للأفعال أي ثابتين لها لنفس ذواتها أو أنّهما يثبتان لها من جهة الامور الخارجة عن الذات على أقوال:

____________

(1) سورة التوبة: 115.

(2) كذا.

530

أحدها: أنّهما ذاتيّان للأفعال، و حكي القول به عن قدماء المعتزلة، و كأنّهم أرادوا أنّهما ثابتان لها بمجرّد ذواتها من غير انضمام شي‏ء وراء الذات من صفة وجوديّة، أو اعتبار، على نحو ثبوت الزوجيّة للأربعة، حيث لا يفتقر ثبوتها لها إلى شي‏ء وراء الذات، و يحتمل أن يراد به أنّ نفس الذات قاضية بثبوت الحسن أو القبح و إن أمكن أن يعارض الذات جهة خارجيّة تمنعها عن مقتضاها، و الظاهر أنّهم أرادوا الأوّل، حيث إنّ الظاهر ممّا حكي عنهم انحصار جهة الحسن و القبح في الذات على الوجه الأخير لا ينحصر الأمر فيها، بل تكون نفس الذات أيضا كأحد الاعتبارات، و يشهد له أيضا الإيرادات الموردة على القول المذكور فإنّها مبنيّة على فهم ذلك من كلامهم.

ثانيها: أنّهما ثابتان لها لصفات حقيقيّة توجب ذلك، و عزي القول به إلى جماعة ممّن تأخّر عن اولئك الأوائل، و الظاهر أنّ المراد بالصفات الحقيقيّة هي الصفات اللازمة دون الصفات المفارقة العارضة في بعض الأحوال دون البعض على ما يقول به القائل بالاعتبارات.

و قد نبّه عليه في شرح الشرح، إذ من البيّن أنّ حمل الصفات الحقيقيّة على معناها المعروف ممّا لا يعقل في المقام كما لا يخفى.

ثالثها: التفصيل بين الحسن و القبح، فالأوّل يكفي فيه نفس الذات دون الثاني، فهو مستند إلى الصفة الحقيقيّة، و كأنّه أراد به اللازمة حسب ما مرّ و حكى القول به عن أبي الحسين، و الظاهر أنّه أراد باستناد الحسن إلى الذات هو المعنى الأخير حتّى يصحّ استناد القبح عنده إلى أمر خارج عن الذات.

رابعها: أنّهما يثبتان بالوجوه و الاعتبارات فليس شي‏ء منهما مستندا إلى نفس الذات و لا الصفات اللازمة.

خامسها: أنّه لا يتعيّن شي‏ء من الوجوه المذكورة، بل قد يكون ذاتيّا مستندا إلى الذوات أو إلى الصفات اللازمة، و قد يكون اعتباريّا منوطا بالوجوه و الاعتبارات نظرا إلى صحّة استناده إلى كلّ من المذكورات فيختلف الحال‏

531

باختلاف الأفعال، و بعد إبطال كلّ من الوجوه المتقدّمة يتعيّن البناء عليه، و ستعرف ما فيه.

و قد اورد على القولين الأوّلين بوجوه:

الأوّل: لزوم امتناع النسخ بناء على كلّ منهما، إذ لو كانت الذات مجرّدة أو هي مع لوازمها كافية في الاتّصاف بأحد الوصفين استحال الانفكاك بينهما فيستحيل النسخ من الحكيم.

الثاني: أنّهما لو كانا ذاتيّين بأحد الوجهين المذكورين لم يمكن التخلّف مع أنّا نرى الفعل الواحد حسنا من وجه قبيحا من الآخر كالكذب، فإنّه قبيح لو اشتمل على مفسدة خارجيّة، و حسن إذا اشتمل على مصلحة عظيمة- كحفظ بني آدم أو دماء المسلمين- بل تركه حينئذ من أقبح القبائح، و كذا الحال في الصدق و غيره من الأفعال.

الثالث: أنّه لو قال: (لأكذبنّ غدا) لزم اجتماع الحسن و القبح، فإنّه إن صدق كان حسنا من حيث كونه صدقا، و قبيحا من حيث كونه مفضيا إلى كذبه في الخبر الأوّل، و المفضي إلى القبح قبيح، و إن كذب فيه كان قبيحا من حيث كونه كذبا، حسنا من جهة إفضائه إلى الصدق في الخبر المتقدّم، و المفضي إلى الحسن حسن، سيّما إذا كان تركه مفضيا إلى القبيح كما في المقام، و يجري نحو ذلك في ما إذا أخبر بإيقاع سائر الامور القبيحة.

و اورد عليه: أنّه لا يلزم اجتماع الحسن و القبح في كلامه الغديّ على شي‏ء من الوجهين، إذ مراده بقوله: (لأكذبنّ غدا) إيجاد طبيعة الكذب في الجملة أو في كلّ ما يخبر فيه، فعلى الأوّل مجرّد صدقه في الخبر المفروض لا يؤدّي إلى الكذب في الخبر الأوّل، لجواز كذبه في غيره، و إن كان الثاني فكذبه فيه لا يفضي إلى صدق الخبر المتقدّم، لجواز صدقه في غيره، و قد جعل التفتازاني في ذلك وجها لإضراب العضدي عن التقرير المذكور.

و تقريره الاحتجاج بلزوم اجتماع الأمرين في الخبر اليومي بيانه- على‏

532

ما ذكره-: أنّ قوله: (لأكذبنّ غدا) إمّا أن يطابق الواقع أو لا، فعلى الأوّل يكون حسنا من جهة كونه صدقا مطابقا للواقع، قبيحا من جهة استلزامه وقوع متعلّقه الّذي هو صدور الكذب، و على الثاني يكون قبيحا، لكونه كذبا حسنا، لاستلزامه انتفاء متعلّقه الّذي هو الكذب القبيح.

قلت: ما ذكره إنّما يتّجه لو لوحظ ذلك بالنسبة إلى خبر مخصوص.

و أمّا إذا لوحظ بالنسبة إلى مطلق الكذب في الغد تمّ لزوم اجتماع الصفتين فيه، إذ حينئذ نختار الأوّل كما هو ظاهر العبارة و نقول: إنّ ترك الكذب في الغد إنّما يكون مع صدقه في جميع ما يخبر به في الغد، فهي حسنة من جهة كونها صدقا، قبيحة من جهة استلزامها الكذب في الخبر اليومي، أو يقال: إنّ ترك الكذب حسن في نفسه ضرورة حسن ترك القبيح، قبيح من جهة استلزامه الكذب في خبر الأمس، و كذا إتيانه بالكذب الحاصل بالكذب في خبر واحد، قبيح من جهة كونه كذبا، حسن من جهة أدائه إلى الصدق في الكلام اليومي، إذ المفضي إلى الحسن متّصف بالحسن، و هذا ظاهر، بل يشكل الحال في التقرير الّذي ذكره، فإنّه ليس الخبر اليومي سببا لكذبه في الغد.

غاية الأمر أن يكون صدقه فيه متوقّفا على الكذب في الغد، فإن كان الصدق المتوقّف على الكذب حسنا أيضا كان الخبر اليومي حسنا من دون أن يكون مشتملا على القبيح، و إلّا لم يتّصف بالحسن. و القول بأنّ تسليم ارتفاع الحسن حينئذ يقتضي التخلّف في الذاتي مدفوع، بأنّ ذلك إيراد آخر لا ربط له بما ذكر، كما لا يخفى.

و بالجملة: أنّ المتوقّف على القبيح لا يلزم أن يكون قبيحا، غاية الأمر أن يقال بثبوت القبح في ما يفضي إلى القبيح و لا إفضاء إليه بالنسبة إلى الكذب في الخبر اليومي على الأوّل، و لا إلى عدم وقوع الكذب منه في الغد كما ادّعاه في الثاني، و هو ظاهر، فدعوى حصول القبح في الأوّل و الحسن في الثاني من الجهة المذكورة ممنوعة، بل فاسدة.

533

فظهر بما ذكرنا ضعف إيراد التناقض بالنسبة إلى الخبر اليومي و أنّه إنّ تمّ ذلك فإنّما يتمّ بالنسبة إلى الخبر الغدي حسب ما قرّره الآمدي و غيره.

هذا و قد اورد على الوجهين الأوّلين باختلاف محلّ الحسن و القبح في ما ذكر.

أمّا الأوّل: فبأنّ الفعل المنسوخ قد اخذ فيه الزمان المعلوم، و قد اخذ الزمان المتأخّر في الناسخ. و لا ضير في كون الزمان منوّعا للفعل الّذي هو عرض أيضا، فيكون كلّ من الحكمين متعلّقا بطبيعة غير ما تعلّق به الآخر، مثلا يقال: إنّ صلاة اليهود قبل النسخ كانت مندرجة في طبيعة الصلاة، بل كانت الصلاة منحصرة فيه، و بعد حصول النسخ خرجت عن تلك الطبيعة، و النسخ كاشف عن ذلك.

لا يقال: إنّ الحكم في الناسخ إن تعلّق بالمنسوخ لزم المحذور، و إن تعلّق بغيره- كما هو مبنى الجواب- لم يتحقّق النسخ، لتعلّق كلّ من الحكمين بغير ما تعلّق به الآخر، و مع الاختلاف بين المتعلّقين لا يعقل صدق النسخ.

إذ نقول: إنّه يكفي في صدقه اتّحاد أصل الفعل مع قطع النظر عن اختلاف الزمان بحيث يعدّ الفعل في الظاهر مع عدم ظهور النسخ فعلا واحدا، و إن صار النسخ كاشفا عن تعدّد الفعلين.

و أمّا الثاني: فبأنّ كلّا من القيود المذكورة الّتي يختلف الأفعال في الحسن و القبح من جهتها مأخوذ في طبيعة الفعل المتّصف بالحسن أو القبح، فكلّ من متعلّق الحسن و القبح في الفرض المذكور مغاير بالنوع لطبيعة الآخر، و إن اندرج الجميع في جنس واحد كالكذب في الفروض المذكورة، فالكذب المشتمل على المصلحة المهمّة نوع من الفعل، و الخالي عنه نوع آخر، و هكذا.

و يدفعهما: أنّه لو بني على أخذ الاعتبارات و الوجوه في طبيعة الفعل على القول المذكور كان النزاع بين القولين لفظيّا، إذ القائل باعتباريّة الوصفين يأخذ الفعل بمجرّده طبيعة نوعيّة يختلف حسنها و قبحها باختلاف تلك الاعتبارات، و القائل بكونهما ذاتيّين يأخذ جميع ذلك داخلا في ذات الفعل أو يجعلها قيدا فيه.

فاختلاف الحسن و القبح باختلاف تلك الجهات و الاعتبارات ممّا لا خلاف فيه‏

534

على القولين المذكورين، و إنّما الخلاف في اعتبارها داخلة في طبيعة الفعل أو خارجة عنها.

قلت: فالظاهر أنّ النزاع المذكور لا تعود بذلك لفظيّا، إلّا أنّه لا يخلو حينئذ عن ثمرة ظاهرة، إذ كلّ موضوع يدّعى فيه اختلاف الحسن و القبح بالوجوه الخارجة يجوز للآخر أن يجعلها داخلة في ذات الفعل.

ثمّ لا يخفى أنّ ما ذكر من اختلاف طبيعة الفعل باختلاف كلّ من القيود مجازفة بيّنة، لوضوح أنّ أكل الميتة في حال السعة و الشدّة طبيعة واحدة، غير أنّ الوقوع في الشدّة قاض بتحليله بخلاف ما إذا كان في حال السعة، و كذا الحال في سائر المعاصي حال الخوف على النفس أو العرض أو المال أو عدمه على اختلاف المقامات، فالقول المذكور إذا كان مبنيّا على الالتزام المفروض كما هو قضيّة الجواب المذكور فهو بمكان من الوهن.

و قد يجاب عن الثاني أيضا: بأنّ القول باختلاف الطبيعتين مع اختلاف الجهات ممّا لا بعد فيه في جملة من المقامات كضرب اليتيم ظلما و ضربه تأديبا، فإنّ مجرّد اندراجهما في اسم الضرب لا يقضي باتّحاد طبيعة الفعل، و كذا الحال في القتل ظلما أو قصاصا أو على سائر الوجوه المجوّزة، و كذا أكل المال تعدّيا أو عن إذن المالك إلى غير ذلك، فإنّ من الظاهر أنّ القائل بكونهما ذاتيّين قائل باختلاف الحكم في المقامات المذكورة، و ليس ذلك إلّا بجعلها طبائع مختلفة يكشف عنها الشريعة.

و أمّا في ما لا يمكن فيه ذلك فنلتزم هناك بحصول الوصفين و نقول باختلاف محلّها كما في أكل الميتة عند الشدّة، فإنّ أكل الميتة حينئذ قبيح أيضا، إلّا أنّ حفظ النفس المتوقّف عليه واجب أيضا، و تركه قبيح، و القبح هناك أعظم من قبح أكل الميتة، فيترجّح عليه، و كذا غصب أموال الناس قبيح و حفظ دماء المسلمين واجب، فإذا توقّف على غصب أموالهم حفظ الدماء مع بقاء القبح فلابدّ حينئذ من مراعاة أقلّ القبيحين إن كان هناك ترجيح، و إلّا فلابدّ حينئذ عن غصب أموالهم‏

535

و ذلك لا يوجب الحكم بحسن القبيح و يدفع ذلك بأنّ من الظاهر انتفاء ... الأفعال المذكورة، فلا معنى ... (1) بثبوت القبح فيها، و كونهما أقلّ القبيحين فلو كان ذاتيّا لها لما زال إذن ... كيف؟ و لو كان القبيح باقيا فيها و كان الآتي مذموما عند العقل لزم التكليف بالمحال، و هو محال باتّفاق العدليّة و القائلين بثبوت العقليّة. و القول بثبوت القبح فيها بملاحظة ذاتها و إن ارتفع الذمّ عن فعلها من جهة معارضتها بما هو أقوى في القبح فهو قول بثبوت القبح و التحسين بالعارض أيضا و يكون قولا بكونها ذاتيّين بالتفسير الأخير.

و قد عرفت أنّه لا ينافي القول بثبوت الحسن و القبح بالوجوه و الاعتبارات بل هو قول به في الحقيقة، إذ ثبوت الحسن من جهة الذات منضمّا إلى عدم ثبوت ما يقتضي القبح إنّما يكون بملاحظة تلك الجهة الخارجة عن الذات، فكيف مع ثبوت القبح للجهة المقتضية له كما في الفرض المذكور؟

و اورد على الثالث تارة: بالمنع من حسن الكذب في الغد، إذ الإخبار بالأمر المستقبل المتعلّق بفعله إمّا وعد أو ما هو بمنزلته، و ليس التخلّف في مثله مندرجا ...، و كان قرينة المقام في مثله قائمة على التقييد ببقاء المشيئة.

نعم إنّما يتمّ ذلك بالنسبة إلى العواقب كما في وعده و وعيده ... على بعض الوجوه و الأخبار المفروض ... في حقّهم فلا يتمّ الاحتجاج.

و اخرى: بأنّ ثبوت القبح للكذب و غيره من القبائح ممّا تعلّق به الأخبار المذكورة إنّما يكون بالذات فلا يزول عنه.

____________

(1) قد سقط في هذا المبحث في الأصل كلمات متعدّدة في مواضع متفرّقة أبقى مواضعها و لم يكتب شيئا فيها و قد كتبت جملة من تلك العبارات في هذه النسخة على وجه الاتّصال في غير إعلام على المواضع المختلفة و لذلك ترى أثر القصور عليها ظاهرا و كم له في الكتاب من نظائر فإنّي قد وجدت سابقا في أصل النسخة الّتي كانت عندي بخطّ المصنّف (قدّس سرّه‏) مواضع عديدة قد صنع فيها مثل ذلك و إلى الآن لم يظهر لي الداعي له على ذلك و ربما كان الساقط كلمة خاصّة بحيث لا يصلح المقام للتعبير بغيرها فيحتمل كون الباعث على تركها الترديد في تعيينها و في ذلك جملة ممّا ترك كتبتها في هذه المسألة كما لا يخفى. محمّد.

536

غاية الأمر أن يثبت هناك حسن بالعارض من جهة أدائه إلى صدق كلام الأمس، و لا منافاة بين القبح الذاتي و الحسن التبعي، إذ ليس الاتّصاف به حينئذ حقيقيّا و إنّما يتّصف به من جهة اتّصاف لازمه تبعا كما في ثبوت السكون بالذات للجالس في السفينة مع اتّصافه بالحركة التبعيّة.

قلت: الحسن على ما عرفت ما كان للفاعل القادر عليه العالم بحاله أن يفعله، و القبيح ما لم يكن للفاعل كذلك أن يفعله.

و من البيّن أنّ المقصود على تلك الصفة بحسب الواقع لا أن يثبت له تلك الصفة في مرتبة من المراتب و اعتبار من الاعتبارات و إن لم يكن متّصفا به بحسب الواقع مع ملاحظة سائر جهاته الحاصلة فيه.

فظهر بذلك امتناع اجتماع وصفي الحسن و القبح في الشي‏ء الواحد أحدهما ذاتيّا و الآخر تبعيّا إذا أفضى تبعيّة القبح إلى المنع من ذلك الفعل كيف؟ و لو جاز اجتماع الأمرين لزم دوران الأمر بين التعرّض لأحد القبيحين‏ (1) فإن بقي كلّ منهما على قبحه و المنع من الإتيان به لزم التكليف بالمحال، و إن جاز الإتيان له بأحدهما لزم القول بارتفاع القبح عنه، و أمّا لو قيل بعدم إفضائه إلى المنع من ذلك الفعل و فسّر القبح التبعي بمجرّد قبح ما يتبع ذلك الفعل، فهو في الحقيقة إنكار لقبحه من تلك الجهة رأسا، إذ يكون القبح حينئذ وصفا لمتعلّقه لا لنفسه، هذا.

و قد اورد على القول باعتباريّة الجهات بوجوه:

منها: أنّه لو حسن الفعل أو قبح لغير الطلب من الجهة و الاعتبارات لم يكن تعلّق الطلب بالفعل المطلوب لذاته، بل كان متوقّفا على ما يعرض له من الجهات و الاعتبارات، و التالي باطل فكذا المقدّم، و الملازمة ظاهرة.

و أمّا بطلان التالي فلأنّ الطلب أمر بشي‏ء من ذاته التعلّق بالغير، فكيف يعقل أن يكون تعلّقه به للأمر الخارج عنه؟ و هذا الوجه لو تمّ لدلّ على عدم جواز الاستناد إلى الصفات اللازمة أيضا، بل و لا إلى نفس الذات، إذ قضيّة الاحتجاج‏

____________

(1) في الأصل هنا بياض.

537

المذكور كون التعلّق من لوازم نفس الطلب فلا مدخليّة فيه للفعل المطلوب. فكيف كان، فهو في البطلان أوضح من أن يحتاج إلى البيان، لنقضه أوّلا بغير الطلب الشرعي كطلب السيّد من العبد، مع أنّه من الواضح توقّف طلبهم على الدواعي الباعثة و الأغراض المتجدّدة، و اختلاف الحال فيه بحسب اختلاف تلك الأحوال.

و حلّه ثانيا بأنّ مفهوم الطلب لا يفتقر إلى التعلّق إلى شي‏ء مخصوص.

نعم حصوله في الخارج متوقّف عليه، و هو لا ينافي توقّفه على الجهات و الاعتبارات لتأخّر حصوله إذن عن تلك الجهات و الاعتبارات فيتعلّق بالمطلق الجامع لها دون غيره، و هو ظاهر.

و منها: أنّه كما يستند كلّ من الحسن و القبح إلى الجهات الخارجيّة كذا قد يستند إلى نفس الذات مع قطع النظر عن سائر الوجوه و الاعتبارات كأكل الميتة و شرب الخمر و نحوهما. و لا يخفى وهنه، إذ لو سلّم ذلك فإنّما يكون نفس الذات أو لوازمها مقتضية للحسن أو القبح، و يكون ثبوت كلّ من تينك الصفتين بمقتضى ذلك الاقتضاء متوقّفا على انتفاء الموانع الخارجيّة كما هو ظاهر من حسن الامور المذكورة حال ... و هو أيضا من الوجوه و الاعتبارات الملحوظة في ثبوت ذلك الحكم، إذ رفع المانع من أجزاء العلّة التامّة فلا يكون شي‏ء منهما ذاتيّا بالمعنى الّذي وقع الكلام فيه، و إنّما يكون ذاتيّا بالمعنى الأخير من المعنيين المتقدّمين.

و قد أشرنا إلى أنّها عبارة اخرى عن القول بإناطتهما بالاعتبار.

نعم إن ثبت عندنا في الأشياء ما يثبت الحسن و القبح لها على سائر الوجوه و الأحوال تمّ ذلك، و الظاهر أنّهما لا يثبتان كذلك في شي‏ء من الأشياء.

ألا ترى أنّ أقبح القبائح الكفر باللّه سبحانه، و بالرسول، و شرب الخمر، و نحوها من الكبائر السبعة و غيرها، و كلّ منها يمكن وقوعه على الوجه المحلّل فلا يترتّب عليه الذمّ؟! إلّا أن يقال: إنّ شكر المنعم الحقيقي ممّا يحكم العقل بحسنه و مدح فاعله، و كذا قبح كفران نعمه و ذمّ فاعله. و قد يناقش في الأخير بأنّ ثبوت القبح بالنسبة إليه يتوقّف على إدراك العقل فلا يثبت في حقّ الغافل، فحينئذ فيعتبر فيه إدراك ذلك و هو اعتبار ذاتي.

538

و قد يقال ذلك في ثبوت الحسن أيضا، إلّا أن يقال: إنّ ثبوت الحسن لا يتوقّف على العلم، إذ مع انتفاء الذمّ المتوقّف على العلم يثبت الحسن.

غاية الأمر أن يتوقّف المدح عليه، و لا يتوقّف ثبوت الحسن على ترتّب المدح كما عرفت، على أنّ توقّف المدح عليه محلّ مناقشة أيضا كما لا يخفى.

فلا يبعد القول بثبوت الحسن في الجملة بمجرّد الذات دون القبح، لتوقّفه على بعض الاعتبارات كما عرفت.

و يحتمل القول بعدم صدق الكفران إلّا مع العلم بالحال، و حينئذ لا ينفكّ عن القبح، و فيه تأمّل لا يخفى.

و قد يحتجّ لأبي الحسين بأنّ القبح صفة وجوديّة يتوقّف على صفة ثبوتيّة تبعث عليه بخلاف الحسن، فإنّه عبارة عن كون الفعل بحيث لا يستحقّ فاعله الذمّ، و هو صفة عدميّة لا يفتقر حصولها إلى صفة وجوديّة، بل مجرّد انتفاء جهة القبح كاف فيه، و لا يخفى ما فيه، إذ كون القبح صفة وجوديّة لا يقضي باستناده إلى أمر زائد على الذات، بل قد يكون نفس الذات كافية فيه، و أيضا قد يكون مستندا إلى الوجوه الاعتباريّة فلا مقتضي لاستناده إلى الصفات اللازمة كما هو ظاهر ما حكي عنه، و أيضا كون مطلق الحسن ممّا يكفي فيه انتفاء علّة القبح لا يستلزم أن يكون خصوصيّاته أيضا كذلك، فكيف يطلق القول بثبوت الحسن بنفس الذات، كيف؟ و من الظاهر أنّ الوجوب أيضا صفة وجوديّة و كذا الندب، فلابدّ في حصول كلّ منهما من الاستناد إلى صفة وجوديّة حسب ما قرّر.

فغاية الأمر أن يكون نفس الذات كافية في ثبوت الإباحة، و قد ينزّل كلام القائل المذكور على إرادة مطلق الحسن من حيث هو، و إن كان ثبوت أكثر خصوصيّاته متوقّفا على صفات زائدة.

و فيه أيضا ما لا يخفى، إذ قد يكون الشي‏ء في نفسه موجبا لذمّ فاعله و يتطرّقه ثبوت المدح من ملاحظة الخارج فتغلب الجهة الخارجيّة على ما يقتضيه الذات، و حينئذ يكون مطلق الحسن هناك مستندا إلى الجهة الخارجيّة فلا تتمّ الكلّية المدّعاة.

539

فظهر بما ذكرنا ضعف كلّ من الأقوال المذكورة، و تبيّن أيضا ما هو أظهر الوجوه في المسألة، فتأمّل.

البحث الثاني‏ (1) في بيان حجّية العقل و صحّة الاعتماد عليه.

في إدراكاته العلميّة و إن كان بعد تلفيق المقدّمات النظريّة و إقامة البراهين العقليّة الصرفة الخارجة مبادئها عن المحسوسات أو ما يقرب منها.

و قد وقع الخلاف في المقام من طوائف منهم: السوفسطائية المنكرة لحصول العلم بالمرّة من جميع الطرق المقرّرة سواء كانت ضروريّة أو نظريّة أو غير ذلك، و لذا أنكروا جميع الشرائع المنزلة و الأديان المقرّرة، و الضرورة العقليّة قاضية بفساد ما توهّموه، و كأنّهم قد انسلخوا عن الغريزة الإنسانيّة حيث أنكروا الكمالات العلميّة الّتي هي عمدة ما يمتاز بها الإنسان عن الحيوانات السائمة، و تسلّط عليهم الأوهام الكاذبة فتشبّثوا ببعض خيالات واهية لا يخفى وهنه على من له أدنى مسكة، فليس ما توهّموه قابلا للإيراد و المنازعة و قد نبّه على جملة من الشناعات الواردة عليهم بعض الأجلّة في محلّه.

و منهم: جماعة من الصوفيّة المدّعين لأخذ العلوم من طريق الكشف و المشاهدة بعد الإتيان بالرياضات المقرّرة. فذهبوا إلى عدم الاعتماد على العلوم النظريّة و إيقاعات الربانيّة (2) و ادّعوا انحصار العلم في العلوم الضروريّة الحاصلة بأسبابها المعروفة أو من طريق التصفية و المجاهدة، فيشاهد النفس بجوهرها ما هو ثابت في الحقيقة على نحو مشاهدتها للامور الحسّية و علمه بها بتوسّط إحدى الحواسّ الباطنة أو الظاهرة، بل العلم الحاصل بها أقوى منها بمراتب عديدة.

و منهم: جماعة من الأخباريّة المدّعين انحصار مدارك العلم بالأحكام في الأخبار المأثورة عن الأئمّة (عليهم السّلام)، و أوّل من أشار إلى ذلك المحدّث الأمين‏

____________

(1) تقدّم البحث الأوّل في 504.

(2) في المطبوع: البرهانيّة و القياسات اليونانيّة.

540

الاسترابادي، و قد ذكر ذلك في الفوائد المدنيّة، قال في عداد ما استدلّ به على انحصار الدليل فيما ليس من ضروريّات الدين و في السماع عن الصادقين (عليهم السّلام):

الدليل التاسع مبنيّ على مقدّمة دقيقة شريفة تفطّنت لها فيه بحول اللّه تعالى و هي: أنّ العلوم النظريّة قسمان: قسم ينتهي إلى مادّة هي قريبة من الإحساس، و من هذا القسم علم الهندسة و الحساب و أكثر أبواب المنطق، و هذا القسم لا يقع فيه الاختلاف بين العلماء و الخطأ في نتائج الأفكار، و السبب فيه أنّ الخطأ في الفكر إمّا من جهة الصورة أو من جهة المادّة، و الخطأ من جهة الصورة لا يقع من العلماء، لأنّ معرفة الصورة من الامور الواضحة عند الأذهان المستقيمة، و الخطأ من جهة المادّة لا يتصوّر في هذه العلوم، لقرب مادّة الموادّ فيها إلى الإحساس و قسم ينتهي إلى مادّة بعيدة من الإحساس، و من هذا القسم الحكمة الإلهيّة و الطبيعيّة و علم الكلام و علم اصول الفقه و المسائل النظريّة الفقهية و بعض القواعد المذكورة في كتب المنطق.

و من ثمّ وقع الاختلافات و المشاجرات بين الفلاسفة في الحكمة الإلهية و الطبيعية، و بين علماء الإسلام في اصول الفقه و المسائل الفقهيّة، و علم الكلام و غير ذلك، و السبب في ذلك أنّ القواعد المنطقيّة إنّما هي عاصمة من الخطأ من جهة الصورة لا من جهة المادّة، و ليست في المنطق قاعدة بها تعلم أنّ كلّ مادّة مخصوصة داخلة في أيّ قسم من الأقسام، و من المعلوم امتناع وضع قاعدة يكفل بذلك.

ثمّ استظهر ببعض الوجوه تأييدا لما ذكره و قال بعد ذلك:

فإن قلت: لا فرق في ذلك بين العقليّات و الشرعيّات و الشاهد على ذلك ما نشاهد من كثرة الاختلافات الواقعة بين أهل الشرع في اصول الدين و في الفروع الفقهيّة.

قلت: إنّما نشأ ذلك من ضمّ مقدّمة عقلية بالمقدّمة النقليّة الظنّية أو القطعيّة، و من الموضحات لما ذكرناه: من أنّه ليس في المنطق قانون يعصم عن الخطأ

541

في مادّة الفكر أنّ المشائين ادّعوا البداهة في أنّ تفرّق ماء كوز إلى كوزين إعدام لشخصه و إحداث لشخصين آخرين و على هذه المقدّمة بنوا إثبات الهيولي، و الإشراقيّين ادّعوا البداهة في أنّه ليس إعداما للشخص الأوّل و إنّما انعدمت صفة من صفاته و هو الاتّصال.

ثمّ قال إذا عرفت ما مهدّناه من الدقيقة الشريفة فنقول: إن تمسّكنا بكلامهم «عليهم الصلاة و السلام» فقد عصمنا عن الخطأ، و إن تمسّكنا بغيره لم نعصم عنه إلى غير ذلك ممّا ذكره في المقام.

و المستفاد من كلامه عدم حجّية إدراكات العقل في غير المحسوسات و ما يكون مبادئه قريبة من الإحساس، بل و فيما يقطع به على سبيل البداهة إذا لم يكن محسوسا أو قريبا منه إذا لم يكن ممّا توافقت عليه العقول و تسالمت فيه الأنظار.

و قد استحسن ما ذكره غير واحد ممّن تأخّر عنه، و ممّن نصّ عليه الفاضل الجزائري في أوائل شرح التهذيب قال:- بعد ذكر كلام الأمين بطوله و تحقيقه في المقام بمقتضى ما ذهب إليه-

فإن قلت: قد عزلت العقل عن الحكم في الاصول و الفروع فهل يبقى له حكم في مسألة من المسائل.

قلت: أمّا البديهيّات فهي له وحده و هو الحاكم فيها، و أمّا النظريّات فإن وافقه النقل و حكم بحكم قدّم حكمه على النقل وحده، أمّا لو تعارض هو و النقلي فلا شكّ عندنا في ترجيح النقل و عدم الالتفات إلى ما حكم به العقل. قال: و هذا أصل يبتنى عليه قواعد كثيرة.

ثمّ ذكر جملة من المسائل المتفرّعة عليه. و قضيّة كلامه حجّية العقل في البديهيّات و عدم حجّيته في النظريّات غير أنّه يصير معاضدا للنقل فيترجّح به على ما يعارضه من النقلى الآخر.

ثمّ إنّ ما عناه من البديهي غير واضح في المقام، فإن عنى به البديهي في اعتقاد العالم و إن لم يكن بديهيّا عند غيره أو لا يعلم فيه حال الغير فقد نصّ‏

542

في تحقيقه المتقدّم و كذا فيما حكاه من كلام الأمين الّذي هو عنده من التحقيق المتين بعدم حجّيته و إن أراد به البديهي عند جميع العقلاء فهو مع أنّه ممّا يتعذّر العلم به- إلّا على سبيل الحدس الّذي هو أيضا من العلوم الضروريّة المتوقّف حجّيتها على الاتفاق عليها عنده- مدفوع، بأنّ الاتّفاق على الحكم بالبداهة لا يفيد الحكم بالصحّة إلّا من جهة توافق الأفهام، و استنباط مطابقته للواقع من قبيل الاستنباط من الإجماع و إفادته العلم في الامور العقليّة محلّ إشكال، و على فرضه فليس أقوى من سائر الضروريّات فكيف يجعل معيار الحجّية غيرها من البديهيّات.

و قد وافقه على ذلك صاحب الحدائق و قد حكى عنه كلاما ذكره في الأنوار النعمانيّة يشبه كلامه في شرح التهذيب و استحسنه، إلّا أنّه صرّح بحجّية العقل الفطري الصحيح، و حكم بمطابقته للشرع و مطابقة الشرع له.

ثمّ نصّ على أنّه لا مدخل له للعقل في شي‏ء من الأحكام الفقهيّة- من عبادات و غيرها- و لا سبيل إليها إلّا السماع عنهم (عليهم السّلام) لقصور العقل المذكور من الاطّلاع على أغوارها.

ثمّ قال: نعم يبقى الكلام بالنسبة إلى ما لا يتوقّف على التوقيف فنقول: إن كان الدليل العقلي المتعلّق بذلك بديهيّا ظاهر البداهة- كقولهم الواحد نصف الاثنين- فلا ريب في صحّة العمل به، فإن عارضه دليل عقلي آخر، فإن تؤيّد أحدهما بنقلي كان الترجيح للمؤيّد بالدليل النقلي و إلّا فإشكال، و إن عارضه دليل نقلي فإن تؤيّد العقلي أيضا بنقلي كان الترجيح للعقلي، إلّا أنّ هذا في الحقيقة تعارض في النقليّات، و إلّا فالترجيح للنقلي وفاقا للسيّد المحدّث المتقدّم و خلافا للأكثر، هذا بالنسبة إلى العقلي بقول مطلق.

أمّا لو اريد المعنى الأخصّ و هو الفطري الخالي عن شوائب الأوهام الّذي هو حجّة من حجج الملك العلّام و إن شذّ وجوده بين الأنام ففي ترجيح النقلي عليه إشكال.

543

[البحث الثالث‏] (1) في أصالة النفي‏

و هي أصالة عدم أمر وجودي حتّى يتبيّن الخلاف، و هي أقسام إذ ذلك الأمر الوجودي إمّا أن يكون تكليفا بالفعل أو بالترك، أو يكون شيئا آخر غير الأمرين المذكورين و إن استتبع أحدهما كسائر الأحكام الوضعيّة، و يطلق على الاولى أصالة البراءة، و على الثانية أصالة الإباحة، و على الثالثة أصالة العدم، و قد يعمّ الأخير للوجوه الثلاثة، و قد يعمّ الاولى للثانية بكون الحظر تكليفا و لا مشاحّة في الاصطلاح.

ثمّ الأصل فيها هنا قد يؤخذ بمعنى الاستصحاب، و الظاهر بعد صحّة إطلاق الأصل عليه بالخصوص عدم إرادته في المقام، لكونه دليلا برأسه مغايرا لأصالة البراءة و الإباحة، كما سيظهر الوجه فيه. و قد يؤخذ بمعنى الراجح كما نصّ عليه جماعة، و يضعّفه بعد القطع بعدم كونه حقيقة فيه- كما يعرف من عدم اطّراده في الاستعمال، بل و التأمّل في ثبوت استعماله فيه، كما يظهر من ملاحظة الإطلاقات و المثال المذكور في كلامهم غير متعيّن الحمل عليه- أنّه ليس المناط في حجّية الأصل المذكور حصول الظنّ كما يوهمه كلام بعضهم لما هو معلوم من الاحتجاج به في محلّ الشكّ و الوهم أيضا، و بالجملة فيما لم يقم دليل شرعي على خلافه، فتخصيصه بصورة الظنّ ممّا لا وجه له.

و القول بأنّ المقصود رجحان العدم في نفسه، بمعنى أنّ الراجح في نظر العقل من الوجود و العدم هو العدم، و من الشغل و البراءة هي البراءة إلى غير ذلك، فلا ينافيه حصول الظنّ بخلافه من الخارج مدفوع بأنّ الرجحان فيه حينئذ يكون شأنيّا لا فعليّا، و هو مخالف لظاهر اللفظ، مضافا إلى أنّه لو دار الأمر مدار الرجحان لم يثمر شأنيّة الظنّ، مع عدم تحقّقه كما في كثير من موارد الاحتجاج به، و إلّا فلا ثمرة للحمل على المعنى المفروض ثمّ تصحيحه بالتوجيه المذكور.

____________

(1) لم يرد في بعض النسخ، و في سائر النسخ «البحث الثاني». و الموافق للسياق ما أثبتناه، راجع ص 504 و 539.

544

على أنّه لا يظهر من شي‏ء من الأدلّة القائمة عليه اعتبار لتلك الرجحانيّة في المقام، فالظاهر أنّ المراد بالأصل هنا هو القاعدة المستفادة من الأدلّة الآتية، و المقصود بالنفي في المقام إن تعلّق بالتكاليف انتفاؤه بالنسبة إلينا و عدم تعلّقه بنا و بالنسبة إلى غيرها البناء على عدمه، و الحكم بعدم ترتّب شي‏ء من الأحكام المتفرّعة على وجوده.

فظهر أنّه لا ارتباط للأصل المذكور بالواقع و لا يدلّ على نفي الحكم في نفس الأمر، و إنّما يفيد نفي الحكم في الظاهر، و لو فرض حصول ظنّ هناك بانتفاء ذلك في الواقع فهو من المقارنات الاتّفاقيّة، و لا مدخليّة له في الحجّية و لم يقم شي‏ء من الأدلّة المذكورة على حجّية تلك المظنّة.

نعم على القول بأصالة حجّية الظنّ كما هو مختار بعض منّا، و المعروف من طريقة مخالفينا يمكن القول بحجّيته، و كأنّه الوجه فيما يستفاد من العامّة و غيرهم من أخذ الأصل فيه بمعنى الراجح غير أنّه لا ينحصر الاحتجاج به في الصورة المذكورة، لما عرفت من جريانه عندهم في محلّ الشكّ و غيره.

ثمّ إنّ الفرق بينه و بين استصحاب حال العقل ظاهر ممّا قرّرنا، فإنّ الملحوظ في الاستصحاب استمرار حكم النفي بعد ثبوته أوّلا، و هاهنا لا يلحظ ذلك أصلا، بل يحكم بكون العدم أصلا حتّى يثبت خلافه بالدليل.

نعم يصحّ الاستدلال بالاستصحاب في معظم موارده، إذ كما قضت القاعدة بالبناء على النفي حتّى يثبت الوجود كذا يستصحب العدم القديم حتّى يتبيّن المزيل، و لذا يجعل الاستصحاب من الأدلّة على أصالة البراءة و الإباحة كما سنقرّر القول فيه.

و الفرق بين الأصل المذكور و القاعدة الاخرى- المعبّر عنها في كلامهم بأنّ عدم الدليل دليل العدم- أنّ تلك القاعدة إنّما تفيد انتفاء الحكم في الواقع، و لذا خصّها بعض المحقّقين بما يعمّ به البلوى، إذ عدم وصول الدليل في مثله دليل على انتفائه في الواقع، و هو دليل على انتفاء الحكم في الشريعة، إذ لو كان هناك حكم لبيّنه الشارع.

545

و أمّا أصالة البراءة و نحوها فإنّما تفيد انتفاء الحكم بالنسبة إلينا و إن فرض ثبوته في الواقع، و كان الأظهر إدراج ذلك في أصالة النفي بعد حمل النفي على الأعمّ من الواقع و الظاهر، بأن يقال: إنّ قضيّة الأصل النفي الواقعي مع انتفاء الدليل عليه بحسب الواقع و النفي في الظاهر مع انتفاء الوصول إليه في الظاهر و حينئذ ينبغي تعميم الحكم في تلك القاعدة بالنسبة إلى عامّ البلوى و غيره فيقال: إنّ عدم الدليل في الواقع دليل على عدم الحكم في الواقع، و عدمه في الظاهر دليل على عدمه في الظاهر، فيرجع إحدى القاعدتين إلى الاخرى.

[الشكّ في التكليف، أدلّة القائلين بالبراءة]

و لنفصّل الكلام في الاصول الثلاثة المذكورة برسم مقامات ثلاثة:

المقام الأوّل: في أصالة البراءة و المعروف من المذهب ثبوت الأصل المذكور، بل لا يعرف قائل معروف بالبناء على الوجوب و ثبوت التكليف بأمر وجودي من غير قيام دليل عليه، سوى ما ستعرف من بعض كلمات الأخباريّة، بل عن المحقّق في اصوله: أنّه أطبق العلماء على أنّ مع عدم الدلالة الشرعيّة يجب إبقاء الحكم على ما يقتضيه البراءة الأصليّة.

و ذكر في المعالم في عداد أدلّة القائلين بحجّية الاستصحاب: أنّ العلماء متّفقون على وجوب إبقاء الحكم مع عدم الدلالة الشرعيّة على ما يقتضيه البراءة الأصليّة و لم يذكر بعد ذلك ما يومئ إلى تأمّل منه في الاتّفاق المذكور.

و قد حكى صاحب الحدائق مع أنّه من عظماء الأخباريّة الاتّفاق على ما ذكر حيث قال: في مقدمات الحدائق و الدرر النجفيّة بعد أن قسم البراءة الأصليّة فيهما إلى قسمين:

أحدهما: أنّها عبارة عن نفي وجوب في فعل وجودي إلى أن يثبت دليله، بمعنى أنّ الأصل عدم الوجوب حتّى يقوم عليه دليل، و هذا القسم ممّا لا خلاف في صحّة الاستدلال به و العمل عليه، إذ لم يذهب أحد إلى أنّ الأصل الوجوب حتّى يثبت عدمه، لاستلزام ذلك تكليف ما لا يطاق، و أشار في الأوّل إلى غيره من الأخبار الدالّة على انتفاء التكليف مع الجهل، و قال أيضا في الدرر النجفيّة: إن كان الحكم المطلوب دليله هو الوجوب فلا خلاف و لا إشكال في انتفائه حتّى يظهر

546

دليله، لاستلزام التكليف به بدون دليل الحرج و تكليف ما لا يطاق كما عرفت، لا من حيث عدم الدليل كما ذكروا، بل من حيث عدم الاطّلاع عليه، إذ لا تكليف إلّا بعد البيان «و الناس في سعة ما لا يعلمون».

و أشار أيضا إلى بعض الأخبار الآتية، و قد ناقش فيه صاحب الفوائد المدنيّة بأنّ التمسّك بالبراءة الأصليّة من حيث هي هي إنّما يجوز قبل إكمال الدين، و أمّا بعد أن كمل الدين و تواترت الأخبار عن الأئمّة الأبرار (صلوات اللّه عليهم أجمعين) بأنّ كلّ واقعة يحتاج إليها الامّة إلى يوم القيامة ورد فيها خطاب قطعي من قبله تعالى حتّى أرش الخدش، فلا يجوز قطعا، و كيف يجوز و قد تواترت الأخبار عنهم عليهم الصلاة و السلام بوجوب التوقّف في كلّ واقعة لم نعلم حكمها معلّلين بأنّه بعد أن كمل الدين لا يخلو واقعة عن حكم قطعي وارد من اللّه تعالى، و بأنّ من حكم بغير ما أنزل اللّه فاولئك هم الكافرون؟

ثمّ أقول: هذا المقام ممّا زلّت فيه أقدام أقوام من فحول العلماء، فحريّ منّا أن نحقّق المقام، و نوضّحه بتوفيق الملك العلّام و دلالة أهل الذكر (عليهم السّلام).

فنقول: التمسّك بالبراءة الأصليّة إنّما يتمّ عند الأشاعرة المنكرين للحسن و القبح الذاتيّين، و كذلك عند من يقول بهما و لا يقول بالوجوب و الحرمة الذاتيّين، و هو المستفاد من كلامهم (عليهم السّلام) و هو الحقّ عندي ثمّ على هذين المذهبين إنّما يتمّ قبل إكمال الدين لا بعده، إلّا على مذهب من جوّز من العامّة خلوّ الواقعة عن حكم وارد من اللّه تعالى.

لا يقال بقي أصل آخر و هو أن يكون الخطاب الّذي ورد من اللّه تعالى موافقا للبراءة الأصليّة.

لأنّا نقول: هذا الكلام ممّا لا يرضى به لبيب، و ذلك لأنّ خطابه تعالى تابع للحكم و المصالح، و مقتضيات الحكم و المصالح مختلفة، إلى أن قال: لا يعلمها إلّا هو جلّ جلاله.

و نقول: هذا الكلام في قبحه نظير أن يقال: الأصل في الأجسام تساوي نسبة طبائعها إلى جهة السفل و العلو، و من المعلوم بطلان هذا المقال.

547

ثمّ أقول: الحديث المتواتر بين الفريقين المشتمل على حصر الامور في ثلاثة: «أمر بيّن رشده، و أمر بيّن غيّه، و شبهات بين ذلك» (1). و حديث «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (2) و نظائرهما أخرج كلّ واقعة لم يكن حكمها بيّنا عن البراءة الأصليّة و أوجب التوقّف فيها ثمّ استشهد بكلام بعض العامّة قال:

ثمّ أقول: الاشتباه قد يكون في وجوب فعل وجودي و عدم وجوبه مثلا، و قد يكون في حرمة فعل وجودي و عدم حرمته مثلا، و قد جرت عادة العامّة و عادة المتأخّرين من علماء الخاصّة بالتمسّك بالبراءة الأصلية في المقامين، و لمّا أبطلنا جواز التمسّك بها- لعلمنا بأنّه تعالى أكمل لنا ديننا، و لعلمنا بأنّ كلّ واقعة تحتاج إليها الامّة إلى يوم القيامة أو تخاصم فيها اثنان ورد فيها خطاب قطعي من اللّه تعالى خال عن معارض، و لعلمنا بأنّ كلّ ما جاء به نبيّنا (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) مخزون عند العترة الطاهرة، و لعلمنا بأنّهم (عليهم السّلام) لم يرخّصوا في التمسّك بالبراءة الأصليّة في ما لم نعلم الحكم الّذي ورد فيه بعينه، بل أوجبوا التوقّف في كلّ ما لم نعلم حكمه بعينه و أوجبوا الاحتياط في بعض صوره- فعلينا أن نبيّن ما يجب أن يعمل به في المقامين، و سنحقّقه بما لا مزيد عليه في الفصل الثامن، و قد ذكر هناك وجوب الاحتياط بالفعل فيما إذا ورد نصّ صحيح صريح في كون الفعل مطلوبا غير صريح في وجوبه و ندبه إذا كان ظاهرا في الوجوب، و كذا لو كان تساوى الاحتمالين، و لو كان ظاهرا في الندبيّة بنى فيه على جواز الترك، و كذا فيما إذا بلغنا حديث ضعيف دالّ على وجوب شي‏ء.

و احتجّ عليه بقوله (صلوات اللّه عليه): «ما حجب اللّه علمه عن العباد موضوع عنهم» (3) و قوله (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم): رفع القلم عن تسعة أشياء (4) من جملتها ما لا يعلمون، قال: فنحن معذورون ما دمنا متفحّصين، و خرج عن تحتهما كلّ فعل وجودي لم‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 باب 12 من أبواب صفات القاضي ص 114 ح 9.

(2) وسائل الشيعة: ج 18 باب 12 من أبواب صفات القاضي ص 122 ح 38.

(3) وسائل الشيعة: ج 18 باب 12 من أبواب صفات القاضي ص 119 ح 28.

(4) وسائل الشيعة: ج 11 باب 56 من أبواب جهاد النفس ص 295 ح 1، و فيه رفع عن امتي.

548

نقطع بجوازه بالحديث المشتمل على حصر الامور الثلاثة إلى آخر ما ذكره.

و أنت تعلم أنّ قضية حجّته المذكورة جواز الترك في صورة تساوي الاحتمالين أيضا، لحصول الحجب و انتفاء العلم، مع أنّه نصّ على خلافه.

ثمّ نقول: إن كان الظنّ حجّة في المقام فلم يعدّ مظنون الدلالة من موارد الشبهة، و إلّا فما الوجه في حكمه بوجوب الاحتياط إذا كان النصّ المفروض ظاهرا في الوجوب، دون ما إذا كان ظاهرا في الندب، أو كان النصّ واضح الدلالة قاصر السند، مع اشتراك الجميع في حصول الشبهة. و ليت شعري هل فرقه المذكور بنصّ من الأئمّة (عليهم السّلام)، أو بمجرّد الرأي و تشهّي النفس، و لو وجد عنده نصّ في ذلك لكان عليه إيراده في المقام ليكتفي به في تبيين المرام.

ثمّ إنّه ذكر بعد كلام له على جملة من المتأخّرين و تكراره لبعض المطالب المتقدّمة. نعم يمكن أن يقال: بناء على ما نقله في كتاب العدّة رئيس الطائفة عن سيّدنا الأجلّ المرتضى (رحمه اللّه) من أنّه ذهب إلى أنّ في زمن الفترة الأشياء على الإباحة- بمعنى أنّه لم يتعلّق بهم شي‏ء من التكاليف الواردة الّتي خفي عليهم، إذ تعلّق التكليف يتوقّف على بلوغ الخطاب عند الأشاعرة و عليه أو على قطع العقل بالحكم عند المعتزلة و من وافقهم، و المفروض انتفاء الأمرين- أنّ من لم يتفطّن بحكم اللّه في واقعة لم يتعلّق به ذلك الحكم، لكن هذا خلاف قواعدهم، لأنّهم لم يبنوا فتاويهم على أنّ زمانهم زمان الفترة، بل يقولون: هكذا نزلت الشريعة، و بين المقامين بون بعيد. قلت: ما ذكره سهو بيّن، فإنّ أحدا من أهل العلم لا يقول عند استدلاله بأصالة البراءة عند الفجر عن الأدلّة أنّه كذا نزلت الشريعة، بل يجعلون ذلك قضيّة تكليفهم عند فقد الأدلّة، كما يعرف من أدلّتهم المذكورة.

ثمّ إنّه اختار معذوريّة أهل الفترة قال: و كذلك من علم إجمالا و لم يعلم تفصيلها، و بعد العلم بالتفاصيل في امّهات الأحكام- مثل: آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ‏ (1) و عدّ عدّة من الآيات- لا يتّجه العذر.

____________

(1) يونس: 59.

549

و قال: ثمّ اعلم أنّ التمسّك بما صار إليه المرتضى في زمن الفترة إنّما يجري في زمن الغيبة في سقوط وجوب فعل وجودي، و في الفتوى بسقوطه عنّا ما دمنا جاهلين متفحّصين، و لا يجري في سقوط حرمته، لأنّا تلقّينا القواعد الكلّية الواردة عنهم (عليهم السّلام) المشتملة على وجوب الاجتناب عن كلّ فعل وجودي لم يقطع بجوازه عند اللّه. هكذا ينبغي أن يحقّق هذا المبحث إلى آخر ما ذكر.

و أنت خبير: بأنّ ظاهر كلامه الآخر الحكم بجواز نفي التكاليف المتعلّقة بالأفعال الوجوديّة ما لم يقم عليه دليل، و هو قول بحجّية أصالة البراءة حسب ما ذكرنا. و عمدة الغرض من نقل أقاويله المذكورة الإشارة إلى شدّة اضطرابه في المسألة، و عدم استقامته على طريقة واحدة، مع دعواه قيام الدليل القاطع في كلّ واقعة.

ثمّ إنّه قد حكى بعد ما نقلنا عنه أوّلا ما ذكره المحقّق (رحمه اللّه) في اصوله: من أنّ الأصل خلوّ الذمّة عن الشواغل الشرعيّة، فإذا ادّعى مدّع حكما شرعيّا جاز لخصمه أن يتمسّك في انتفائه بالبراءة الأصليّة.

فنقول: لو كان ذلك الحكم ثابتا لكان عليه دلالة شرعيّة، لكن ليس كذلك فيجب نفيه و لا يتمّ هذا الدليل إلّا ببيان مقدّمتين:

إحداهما أنّه لا دلالة عليه شرعا بأن يضبط طريق الاستدلالات الشرعيّة و يبيّن عدم دلالتها عليه.

و الثانية: أن يبيّن أنّه لو كان هذا الحكم ثابتا لدلت عليه احدى تلك الدلائل، لأنّه لو لم تكن عليه دلالة لزم التكليف بما لا طريق للمكلّف إلى العلم به، و هو تكليف بما لا يطاق، و لو كان عليه دلالة غير تلك الأدلّة لما كانت أدلّة الشرع منحصرة فيها، لكن بيّنا انحصار الأحكام في تلك الطرق و عند هذا يتمّ كون ذلك دليلا على نفي الحكم، و اللّه أعلم.

ثمّ استحسن الكلام المذكور و استجوده و أثنى على المحقّق و مدحه ثمّ قال:

و تحقيق كلامه أنّ المحدّث الماهر إذا تتبّع الأحاديث المرويّة عنهم (عليهم السّلام) في‏

550

مسألة لو كان فيها حكم مخالف للأصل لاشتهر لعموم البلوى بها، و إذا لم نظفر بحديث يدلّ على ذلك الحكم ينبغي أن يقطع قطعا عاديّا بعدمه، لأنّ جمّا غفيرا من أفاضل علمائنا- أربعة آلاف منهم تلامذة الصادق (عليه السّلام) كما مرّ نقله عن المعتبر- كانوا ملازمين لأئمتنا (عليهم السّلام) في مدّة تزيد على ثلاثمائة سنة، و كان همّهم و همّ الأئمّة إظهار الدين عندهم و تأليفهم كلّ ما يسمعون منهم في الاصول لئلّا يحتاج الشيعة إلى سلوك طريق العامّة، و ليعمل ما في تلك الاصول في زمن الغيبة الكبرى، فإنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) و الأئمّة (عليهم السّلام) لم يضيّعوا من كان في أصلاب الرجال من شيعتهم كما تقدّم في الروايات المتقدّمة، ففي مثل تلك الصورة يجوز التمسّك بأنّ نفي ظهور الدليل على حكم مخالف للأصل دليل على عدم ذلك الحكم في الواقع، إلى أن قال: و لا يجوز التمسّك به في غير المسألة المفروضة إلّا عند العامّة القائلين بأنّه (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) أظهر عند أصحابه كلّ ما جاء به، و توفّرت الدواعي على جمعه‏ (1) و أخذه و نشره، و ما خصّ أحدا بتعليم شي‏ء لم يظهر عند غيره، و لم يقع بعده (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) فتنة اقتضت إخفاء ما جاء به انتهى.

و كلامه هذا صريح في التفصيل في إجراء الأصل بين عامّ البلوى و غيره.

و ظاهره عدم الفرق في ذلك بين أصالة البراءة و الإباحة و غيرهما، فحكم بحجّيته في الأوّل دون الأخير. و لا يذهب عليك أنّ كلام المحقّق هنا بعيد الانطباق على ما فهمه، بل هو كالصريح في حجّية أصالة البراءة مطلقا في نفي التكليف عنّا بعد الفحص و استقراء الأدلّة بحسب الوسع.

و الحاصل: أنّ الفقيه بعد أن ضبط طرق الاستدلالات الشرعيّة و بيّن عدم دلالتها عليه بنى على مقتضى أصالة البراءة أن لا تكليف عليه، سواء كان هناك تكليف واقعي أو لا، و ليس غرضه الحكم بانتفاء الحكم واقعا عند انتفاء الدليل عليه بحسب الواقع، كيف و لا إشارة في كلامه إلى اعتبار عموم البلوى في المقام حتّى يمكن حمل كلامه عليه، بل في كلامه ما يدلّ على خلافه، حيث قال: لأنّه‏

____________

(1) حمله، خ ل.

551

لو لم يكن عليه دلالة لزم التكليف بما لا طريق له، فإنّ قضيّة ذلك ارتفاع التكليف مع عدم وصول المجتهد إليه بعد بذل وسعه، فحمله العبارة المذكورة على خصوص عامّ البلوى ممّا لا وجه له أصلا.

و كيف كان فكلماته المنقولة من أوّلها إلى آخرها مبنيّة على الغفلة عمّا هو محلّ الكلام في المسألة. فتوهّم أنّ القائل بحجّية أصالة البراءة يجعلها دليلا على ثبوت الحكم في الواقع و طريقا يتوصّل به إلى معرفة الحكم الثابت في نفس الأمر و مجوّزا للحكم بثبوته على الوجه المذكور فأنكر عليهم ذلك، و بيّن أنّه لا ملازمة بين أصالة البراءة و ما حكم به الشرع في الواقع فكيف يمكن كشفه عنه. و الظاهر أنّه لمّا تخيّل وجوب بيان الأحكام على النبيّ و الإمام (عليهم السّلام) و كان الحال فيما تعمّ به البلوى قاضية بوصول البيان إلينا لتوفّر الدواعي عليه كان عدم وصول ذلك إلينا كاشفا عن عدم وجوده في الواقع، الكاشف عن انتفاء الحكم كذلك، فلذا اعترف بحجّيته بالنسبة إليه دون غيره.

و قد عرفت ممّا أشرنا إليه: أنّ الكلام في المقام في حجّية أصالة البراءة إنّما هو بالنسبة إلى الظاهر دون الواقع، و المقصود منه معرفة سقوط التكليف بالنسبة إلينا من غير ملاحظة لانتفائه بحسب الواقع، إذ لا فائدة يعتدّ بها في معرفة ذلك بعد معرفة التكليف. كيف و معظم أدلّة الفقه إنّما يثبت ما كلّفنا به في ظاهر الشريعة من دون إثبات الواقع، لوضوح كون معظم الأدلّة ممّا لا دلالة فيها على الواقع، و أقصى ما في المقام أن يفيد بعضها ظنّا به.

و من البيّن: أنّ الظنّ بنفسه لا يعقل أن يكون طريقا مثبتا للواقع حتّى يصحّ الحكم بكونه الواقع، فضلا عن كونه جائزا في الشريعة أو ممنوعا عنه.

غاية الأمر أنّه مع قيام الدليل على حجّيته في الظاهر يصحّ الحكم على صورة البتّ بثبوت ذلك الحكم، و ذلك إنّما يترتّب على قيام الدليل المذكور، و لا اعتبار في ذلك الظنّ المفروض سواء انيط به الحجّية أو لا، إذ من البيّن أنّ الظنّ ليس قابلا لأن يجعل سبيلا إلى الواقع على سبيل البتّ، و انّما يكون سبيلا إليه على سبيل‏

552

الظنّ، و هو ممّا لا يترتّب عليه فائدة، و لا منع في الشريعة أيضا من الحكم بكون المظنون ذلك ظنّا غير معتبر و إن كان حاصلا من قياس أو استحسان و هو ظاهر.

فظهر بما قرّرنا: أنّ المقصود في المقام هو بيان حجّيته في الظاهر و جواز الاعتماد عليه في ظاهر التكاليف، و حينئذ فلا مدخل لإكمال الدين و ثبوت الحكم مخزونا عند الأئمّة (عليهم السّلام) في كلّ واقعة في دفع الأصل المذكور، و لا ارتباط بينهما نفيا و لا إثباتا بوجه من الوجوه، كيف و يصحّ الحكم بانتفاء التكليف عنّا مع العلم بحصوله واقعا على سبيل الإجمال، كما إذا كلّفنا بمجمل و لم يتمكّن من بيانه في تمام الوقت و لم يمكن تحصيله على سبيل الاحتياط، فكيف مع عدم العلم به و عدم قيام دليل على ثبوته.

و بالجملة: غاية ما يلزم ممّا ذكره- على فرض تسليمه- عدم إمكان تحصيل الحكم الواقعي من جهة الأصل المذكور، و هو كما عرفت غير ما هم بصدده في المقام.

نعم لو عمّمنا الأصل المذكور بحيث يندرج فيه عدم الدليل- الّذي جعلوه دليلا آخر على عدم الحكم كما اخترناه- كان إذن في بعض صوره دليلا على انتفاء الحكم في الواقع، حسب ما سلّمه المعترض المذكور و استحسنه، على أنّ في دلالته حينئذ على انتفاء الحكم في الواقع أيضا إشكالا، إذ قد يكون إخفاء الحكم منوطا بمصالح قضت به، كما يستفاد من الأخبار و يشير إليه أيضا ما ورد في الأخبار من أنّ عليكم بالسؤال و ليس علينا الجواب‏ (1).

فغاية الأمر في هذه الصورة أيضا الحكم بانتفاء التكليف عنّا كما في الصورة الاخرى. و كيف كان فلا مانع من إبراز الحكم على صورة البتّ في الصورتين، كما هو الشأن في سائر الأدلّة الّتي ثبت التعبّد بها في الشرع مع عدم كشفها عن الواقع على سبيل اليقين، كيف و صريح كلامه تسليم جواز الحكم على سبيل البتّ في الصورة الأخيرة، و قد علمت انتفاء دلالته على الواقع أيضا، فإن كان كلامه‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 باب 7 من أبواب صفات القاضي ص 43 ح 9.