هداية المسترشدين - ج3

- الشيخ محمد تقي الأصفهاني النجفي المزيد...
732 /
553

المذكور مبنيّا على دلالته على انتفاء الحكم في نفس الأمر فهو من أفحش الخطأ، و إن كان ذلك عنده كاشفا عن رضاء الإمام (عليه السّلام) بالترك فالمفروض ... (1) في المقام بعد انسداد الطريق حسب ما نستنهضه من الأدلّة على الأصل المذكور و قد اعترف به في بعض صوره كما عرفت.

و مع الغضّ عن ذلك- و القول بقيام الدليل في سائر الأدلّة على جواز الحكم كذلك و عدم قيامه في المقام- فقد عرفت أنّه لا ثمرة يعتدّ بها في المناقشة المذكورة بعد الحكم بالاعتماد عليه في ارتفاع التكليف في الظاهر حتّى يحتاج إلى إطالة الكلام و المبالغة في الردّ على من اختاره في المقام كما لا يخفى.

و من أعجب العجب! ما وقع من صاحب الحدائق في المقام، حيث إنّه مع دعواه الاتّفاق على الأصل المذكور في كتابيه المذكورين- كما تقدّم الإشارة إليه- نصّ فيهما أيضا عند ذكره مسألة الاحتياط على وجوب الاحتياط فيما إذا تردّد المكلّف في الحكم إمّا لتعارض أدلّته، أو لتشابهها و عدم وضوح دلالتها، أو لعدم الدليل بالكلّيّة بناء على نفي البراءة الأصليّة، أو لحصول الشكّ في اندراج بعض الأفراد تحت بعض الكلّيات المعلومة الحكم أو نحو ذلك.

ثمّ ذكر أيضا في مثال الاحتياط الواجب المتعلّق بالفعل ما إذا اشتبه الحكم من الدليل بأن تردّد بين احتمالي الوجوب و الاستحباب، فالواجب هو التوقّف في الحكم و الاحتياط بالإتيان بذلك الفعل.

و من يعتمد على أصالة البراءة يجعلها هنا مرجّحة للاستحباب.

و فيه أوّلا: ما عرفت من عدم الاعتماد على البراءة الأصليّة في الأحكام الشرعيّة.

و ثانيا: أنّ ما ذكروه يرجع إلى أنّ اللّه تعالى حكم بالاستحباب لموافقة البراءة الأصليّة، و من المعلوم أنّ أحكامه تعالى تابعة للحكم و المصالح المنظورة له تعالى و هو أعلم بها. و لا يمكن أن يقال: مقتضى المصلحة البراءة الأصليّة، فإنّه رجم بالغيب و جرأة بلا ريب.

____________

(1) بياض في الأصل.

554

و من هذا القسم أيضا ما تعارضت فيه الأخبار على وجه يتعذّر الترجيح فيها بالمرجّحات المنصوصة، فإنّ مقتضى الاحتياط التوقّف في الحكم و وجوب الإتيان بالفعل متى كان يقتضي الاحتياط ذلك.

فإن قيل: إنّ الأخبار في الصورة المذكورة قد دلّ بعضها على الإرجاء و بعضها على العمل من باب التسليم.

قلنا: هذا أيضا من ذلك، فإنّ التعارض المذكور- مع عدم ظهور مرجّح لأحد الطرفين و لا وجه يمكن الجمع به في البين- ممّا يوجب دخول الحكم المذكور في المتشابهات المأمور فيها بالاحتياط.

و من هذا القسم أيضا ما لم يرد فيه نصّ من الأحكام الّتي لا تعمّ بها البلوى عند من لم يعتمد على البراءة الأصليّة، فإنّ الحكم فيه ما ذكر كما سلف في مسألة البراءة الأصليّة، انتهى.

و أنت خبير: بأنّ الصور المذكورة في كلامه ممّا لم يقم في شي‏ء منها دليل على وجوب الفعل، فيندرج الجميع فيما قرّره أوّلا من البناء على البراءة الأصليّة في نفي الوجوب من فعل وجودي إلى أن يثبت خلافه، و قد ذكر أنّه لا خلاف في صحّة الاستناد إليه، فحكمه هنا بوجوب مراعاة الاحتياط بالإتيان بالفعل تناقض واضح، و كلامه هنا موافق لما ذكره المحدّث المذكور، بل مأخوذ منه، و قد اتّضح فساده بما قرّرناه و بما يأتي الإشارة إليه من الأدلّة على الأصل المذكور، و في الأخبار الّتي أشار إليها في المقام المتقدّم كفاية في إبطال‏ (1) الحجج.

ثمّ إنّه قد تلخّص ممّا قرّرناه ذهاب الفاضلين المذكورين و من تبعهما إلى لزوم مراعاة الاحتياط بالإتيان بالفعل مع دوران الأمر بين الوجوب و عدمه. و هذا القول و إن لم يعرف لأحد من الأصحاب بل قد عرفت حكاية جماعة (2) على عدم‏

____________

(1) في الأصل بعد لفظ الإبطال بياض، و بعض النسخ كتب فيه لفظ الحجج كما في الكتاب.

(2) في الأصل بعد لفظ جماعة بياض، و ينبغي أن يكون الساقط فيه لفظ «الإجماع». محمّد (رحمه اللّه).

555

وجوبه إلّا أنّ أهل‏ (1) ذكروا خلافا في وجوب الاحتياط.

و حكى في المعالم عن جماعة القول بوجوبه، و قضيّة ذلك عدم جواز الاعتماد على أصالة البراءة إلّا أنّه لا يعرف كون القائل المذكور من الأصحاب.

نعم يوجد في كلمات جماعة من الأصحاب التمسّك بطريقة الاحتياط و ذلك يومئ إلى ... (2) مراعاته عندهم، إلّا أنّ كثيرا من تلك المقامات ممّا ثبت فيه التكليف على سبيل الإجمال، و هو غير ما نحن بصدده الآن، و البناء فيه هناك على وجوب الاحتياط غير بعيد كما سيأتي الإشارة إليه.

و لو وجد منهم احتجاج بالاحتياط في غير هذا المقام فيمكن أن يكون ذلك لتشييد المرام لاختلاط الأدلّة بالمؤيّدات في كلماتهم، أو في مقام المنازعة مع من يقول بوجوبه. و كيف كان فكلماتهم في كتبهم مشحونة بالاحتجاج بأصالة البراءة، بحيث لا يخفى على من راجع كتبهم، و حيث إنّ المسألة و إن كانت غنيّة عن التعرّض لبيانها و إطالة الكلام في حجّيتها، إلّا أنّها لمّا صارت محلّا لمناقشة الجماعة فبالحريّ أن نشير إلى أدلّتها في الجملة.

أمّا الكتاب: فيمكن الاستناد فيه إلى عدّة آيات كقوله تعالى‏ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ‏ (3) و قوله تعالى‏ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها (4) و نحوهما ممّا سيأتي الإشارة إليها و إلى ما فيها من المناقشة عند بيان أصالة الإباحة.

و أمّا السنّة: فأخبار كثيرة دالّة على ذلك:

منها: ما رواه الشيخ في ... (5) عن ... (6) أنّه قال: كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نصّ فإنّه يعمّ الأمر و النهي.

____________

(1) ما اضيف إليه «الأهل» غير مذكور في الأصل ترك موضعه بياضا و كأنّ المراد أهل الاصول. محمّد.

(2) بياض في الأصل.

(3) التوبة: 115.

(4) الطلاق: 7.

(5 و 6) بياض في الأصل.

556

و منها: الحديث المشهور «رفع عن امّتي» و سيأتي الكلام في بيان دلالتها مع سائر الأخبار الدالّة على ... (1) التكليف عن ... (2) و يشير إليه أيضا ما دلّ على حجّية الاستصحاب، إذ البراءة القديمة ثابتة من غير شكّ فيستصحب، و قضيّة ذلك البناء على البراءة حتّى يثبت الشغل، فيكون ذلك من الأدلّة على الأصل المذكور كما أشرنا إليه.

و أمّا الإجماع: فقد عرفت الإجماعات المحكيّة عليه سيّما من الأخباريّة و هو أيضا ... (3) من ملاحظة الكتب الاستدلاليّة و جريان الطريقة عليه خلفا بعد سلف من أعصار الأئمّة (عليهم السّلام)، بل الظاهر ثبوته في الصدر الأوّل أيضا، فإنّ أهل البلاد النائية ما كانوا ... (4) على لزوم مراعاة الاحتياط في جميع أفعالهم بالمواظبة على جميع ما يحتملون وجوبه إلى أن يأتي نصّ على عدمه، بل من البيّن أنّهم ما كانوا يحكمون على شي‏ء بحكم إلّا بعد قيام البيّنة عليه و نهوض الحجّة به، كما لا يخفى على من تأمّل في طريقتهم، و في الأخبار المتقدّمة إشارة إليه.

و أمّا العقل: فإنّه إنّما بعث الأنبياء و نصب الأوصياء لتبليغ الأحكام و إرشاد الأنام إلى مسائل الحلال و الحرام، فإذا لم يرد التبليغ بوجوب شي‏ء و التكليف به دلّ ذلك على انتفاء وجوبه، إذ لو وجب لكان قضيّة الحكمة الباعثة على بعث الرسل تبليغ الحكم فيه. هذا إذا انتفى البيان من أصله. و أمّا إذا انتفى الوصول إليه فقد يتخيّل أنّ الأمر بعكس ذلك، إذ قضيّة رفع الضرر وجوب الاحتياط فيما يحتمل فيه الوجوب إذا انتفى فيه احتمال المنع كما هو مورد البحث.

و يدفعه: أنّ البناء عليه قاض بلزوم العسر و الحرج الشديد الّذي لا يوافق طريقة اللطف سيّما بعد العلم بكون الشريعة سمحة سهلة، بل قد يؤول الأمر إلى التكليف بغير المقدور، لتكثّر الاحتمالات، و ترجيح بعضها على بعض ترجيح من غير مرجّح، فبملاحظة ذلك يقطع العقل بانتفاء التكليف.

و يرد عليه: أنّه لو تمّ ذلك فإنّما يتمّ فيما إذا كانت الاحتمالات كثيرة غير

____________

(1- 2- 3- 4) بياض في الأصل.

557

محصورة، و أمّا إذا انحصرت في امور عديدة لا حرج في الإتيان بها فلا. و هذا أمر حاصل في الأغلب، لقيام الإجماع و غيره من الأدلّة على انتفاء احتمال الوجوب في معظم الأفعال، و ما يحتمل وجوبه ممّا لم يدلّ دليل على انتفاء الوجوب فيه امور عديدة يمكن مراعاة الاحتياط فيها، فمع الغضّ عن الأدلّة المتقدّمة فينبغي القول بوجوب الاحتياط نظرا إلى حكم العقل.

نعم إذا لوحظ دلالة الشرع على سقوط التكليف حينئذ فلا كلام. و ما ذكر من الوجوه في إثبات الإباحة غير جارية في المقام لما عرفت من الفرق.

نعم إن فرض عدم انحصار الأمر في المقام- كما قد يتّفق بالنسبة إلى من بعد عن بلدان الإسلام بحيث لا يقدر على تعرّف الأحكام، و كان بناؤه على مراعاة الاحتياط متعذّرا أو متعسّرا جدّا، بحيث يقطع العقل بعدم ابتناء الشريعة عليه- كان ما ذكر من حكم العقل متّجها. و أمّا في غيره فالقول بإطلاق استقلال العقل بنفي التكليف بعيد جدّا.

و قد ظهر بما قرّرنا ضعف ما ذكره بعض الأفاضل في تقرير الدليل المذكور:

من أنّ الأصل الّذي لا زالت عليه الذمّة قبل ثبوت التكاليف هو البراءة- إذ لو لم يكن على ذلك لكانت على الشغل، و هو الحرج العظيم الّذي دلّت على نفيه الآية و الرواية. و متى ثبت الأصل المذكور لم يحتج في التعلّق به إلى حجّة، لاستمراره كما في أصل الإباحة و الطهارة و العدم، فإنّا لا نحتاج في إجراء هذه الاصول إلى أكثر من إثباتها- لاندفاعه بأنّ الأصل المفروض إن ثبت مطلقا تمّ ما ذكروا، و إلّا فلا يوجب الخروج عن مقتضاه بمجرّد الاحتمال ما لم يقم دليل شرعي على خلافه.

و أمّا إذا كان ثبوته لجهة خاصة كما في المقام إذ لم يكن ثبوته إلّا لمجرّد الحرج و الضيق، لدورانه بين غير المحصور أو ما هو بمنزلته، كما هو المفروض، فإنّما يدور ثبوت الأصل المذكور مدار حصوله، فلا يمكن الحكم بثبوت الأصل المذكور مع زوال الحرج، بل لابدّ إذن من ملاحظة العقل في تلك الحال.

558

و قد عرفت: أنّ قضيّة العقل حينئذ مراعاة الاحتياط، لقيام احتمال الضرر الباعث على الخوف. و هذا و إن جرى في الصورة المتقدّمة إلّا أنّ اشتماله هناك على الضيق أو الحرج قد قضى بعدم لزومه القاضي بزوال الخوف.

و ما قد يقال: من أنّ التكليف فرع العلم و أنّ من المقرّر في الأذهان أن لا تكليف إلّا بعد البيان مدفوع، بأنّه إن اريد به انتفاء التكليف بالشي‏ء إلّا بعد بيان كونه مأمورا به بحسب الواقع فهو ممنوع، و دعوى استقلال العقل به بيّنة الفساد.

كيف و من الواضح إيجاب العقل للاجتناب من كثير من المشتبهات. و إن اريد به أنّ التكليف فرع العلم بلزوم الإقدام أو الأولويّة من باب الاحتياط فمسلّم، و المفروض في المقام ثبوت العلم‏ (1)، فالمسلّم من بطلان التكليف قبل البيان ما إذا كان المكلّف غافلا بالمرّة، أو متفطّنا غير عالم بلزوم الإقدام أو المنع عنه في الظاهر و لو من باب الاحتياط و دفع الضرر المخوف، سواء تعلّق تيقّن بعدم وجوب الإقدام في الواقع لقيام بعض الشبه القاضية به بعد بذل وسعه، أو لم يعلم وجوب الإقدام في الظاهر، كما إذا لم يكن المقام مقام الخوف لسقوط الاحتمال في نظر العقل كما في بعض الفروض و إن قارن وجوده في الواقع.

و أمّا مجرّد الجهل بالحكم الواقعي فغير مانع من التكليف، كما هو ظاهر ممّا قرّرنا.

فتحصّل ممّا ذكرنا ضعف الحكم بكون البراءة عقليّة بعد ورود الشرع أيضا على سبيل الإطلاق، بل هي عقليّة في بعض الوجوه، و شرعيّة في بعضها حسب ما مرّ.

هذا، ثمّ إنّ ما ذكرنا من البناء على أصالة البراءة فيما إذا تعلّق الشكّ بنفس التكليف.

و أمّا إذا تعلّق بخصوصية المكلّف به فلا وجه لجريان الأصل المذكور فيه على كلّ الوجوه.

____________

(1) و المفروض من أنّ المقام ترك الأصل، خ ل.

559

و تفصيل الكلام: أنّ ما تعلّق التكليف به قد لا يتعيّن عند المجتهد، فيكون دائرا بين أمرين أو امور عديدة يتعذّر عليه تعيينه بعد بذل وسعه، و قد يتعيّن المكلّف به عنده إلّا أنّه يتعذّر عليه تفسيره و تعيين حقيقته، و على كلّ منهما فإمّا أن يندرج أحد الوجهين أو الوجوه في الباقي أو لا؟ ثمّ مع تكثّر الوجوه إمّا أن ينحصر الاحتمالات بحيث يمكن اليقين بالامتثال بالجميع أو لا؟

و توضيح الحال فيها: أنّه إذا دار التكليف بين أمرين غير متداخلين أو امور مختلفة كذلك مع إمكان الإتيان بالجميع قضى ذلك بلزوم الإتيان بها أجمع، لاقتضاء اليقين بالشغل اليقين بالفراغ، و لا يحصل بدون التكرار و الإتيان بجميع المحتملات، و احتمال سقوط التكليف بمجرّد ذلك مع كونه خلاف الأصل ممّا لا وجه له، لإمكان تفريغ الذمّة بما قلناه، و مع القول ببقاء التكليف لا وجه للترجيح مع انتفاء المرجّح، و لا التخيير، فيتعيّن طريق الجمع المحصّل لليقين بالفراغ. و كذا الحال إذا تعيّن المتعلّق لكن طرءه الإجمال و دار بين الأمرين أو امور لذلك‏ (1) و إذا لم يتمكّن من تحصيل اليقين بالفراغ لعدم انحصار الوجوه المحتملة فيما تعلّق به التكليف فالظاهر سقوط التكليف به، لعدم إمكان الإتيان بالجميع، و الاقتصار على البعض غير مفيد، فهو بمنزلة الجهل بأصل التكليف، إذ لا فائدة في معرفته كذلك، لانتفاء طريق للمكلّف إلى معرفة الواجب، فالتكليف به من قبيل التكليف بغير المقدور، و الإتيان بما يحتمل كونه الواجب لا يوجب تفريغ الذمّة عنه، فأصالة البراءة هنا قاضية بسقوط التكليف عنه و إن علم بحصوله في الجملة. و كذا الحال في التكليف بالمجمل إذا دار بين امور كثيرة حسب ما ذكرنا.

و أمّا إذا دار التكليف أو التفسير بين أمرين أو امور متداخلة فهل يؤخذ بالأقلّ و ينفى الباقي بالأصل، أو لابدّ من الإتيان بسائر ما يحتمل جزئيّته أو شرطيّته إن لم يكن هناك احتمال المانعيّة، و إلّا كرّر العمل مع امكان تحصيل العلم به وجهان.

____________

(1) كذلك، خ ل‏

560

و تحقيق الكلام فيها: أنّ الفعل إمّا أن يكون بعض أجزائه منوطا بالباقي بحيث لو نقص شي‏ء منها كان الفعل كعدمه و لم يحصل الامتثال بالقدر الباقي أيضا، أو لا يكون كذلك، بل يحصل الامتثال على قدر ما يأتي منه. غاية الأمر عدم حصول الامتثال بالباقي إذا فرض ثبوت التكليف بالزائد. فالكلام هنا في مقامين:

الأوّل فيما إذا لم يكن الصحّة منوطا بالاجتماع،

و الظاهر جريان الأصل هنا في نفي الزائد، سواء كان التكليف من أصله دائرا بين الوجهين أو الوجوه، أو تعلّق بكلّي معلوم على سبيل الإجمال صادق على جميع مراتبه قد شكّ فيما اشتغلت الذمّة منه- كما إذا علم التكليف بأداء الدين و دار بين الأقلّ و الأكثر مع صدق اسم الدين على القليل و الكثير- أو تعلّق بمجمل و دار ذلك المجمل بين الزائد و الناقص إمّا للشكّ في وضعه للأقلّ أو الأكثر، أو لقيام الإجمال في تلك الواقعة- كما إذا تلف مالا لزيد فكلّف بأداء القيمة و هي دائرة بين الأقلّ و الأكثر مع عدم الاشتراك بينهما في الاسم- و الوجه في ذلك: أنّ القدر المتيقّن من التكليف في الوجوه المذكورة هو اشتغال الذمة بالأقل و الزيادة غير معلومة فينفى بالأصل.

و الحاصل: أنّه يدور الأمر في الزائد بين البراءة و الشغل فيرجّح جانب البراءة على مقتضى الأصل المذكور.

فإن قلت: إنّه مع العلم بحصول التكليف و دورانه بين الوجهين يدور التكليف بين أمرين وجوديّين و لا اقتضاء للأصل في تعلّقه بشي‏ء منهما.

ألا ترى: أنّه لو دار التكليف بين نوعين و كان أحدهما أقلّ جزء من الآخر لم يصحّ الحكم بالاشتغال به عملا بالأصل.

قلت: ليس المقصود في المقام اقتضاء الأصل تعلّق التكليف بالأقلّ، لوضوح استواء نسبتهما إلى الأصل، بل الغرض أنّ التكليف بالأكثر قاض باشتغال الذمّة بالأقلّ من غير عكس، فالاشتغال بالأقلّ ثابت على الوجهين، معلوم على التقديرين، بخلاف الأكثر فينفي بالأصل و يحكم ببراءة الذمة عنه شرعا، فيرجع الأمر إلى وجوب الأقلّ خاصّة في ظاهر الشرع. و بما قرّرنا يندفع ما قد يقال فيما

561

إذا تعلّق التكليف بالمجمل بأنّ متعلّق التكليف هناك إنّما هو مؤدّى اللفظ و مدلوله بحسب الوضع مثلا.

و من البيّن: عدم جريان الأصل في تعلّق الوضع بالأقلّ فكيف يحكم بأنّه الواجب.

و الحاصل: انّ الحكم بكون الواجب هو الأقلّ متلازم مع الحكم بالوضع له، إذ المفروض القطع بكون المكلّف به هو موضوع اللفظ لا غيره، فإذا لم يثبت ذلك بالأصل لم يثبت الآخر أيضا، لما عرفت من أنّ الحكم بوجوب الأقلّ قد يكون من جهة الحكم بكونه المراد من اللفظ، و قد يكون من جهة أنّه المتيقّن إرادته مع الشكّ في إرادة الزائد عنه، و ما لا يجري فيه الأصل هو الأوّل، و هو متلازم مع الوضع في المقام. و أمّا الثاني فلا دلالة فيه على ما هو المراد من اللفظ بحسب الواقع، و إنّما يستفاد منه ما هو التكليف في ظاهر الشريعة، و لا ربط لذلك بما وضع له اللفظ أو استعمل فيه كما لا يخفى.

و ما قد يقال: من أنّه بعد ثبوت اشتغال الذمّة و حصول الإجمال في متعلّق التكليف يجب مراعاة الاحتياط لاقتضاء اليقين بالشغل اليقين بالفراغ مدفوع، بأنّ الشغل اليقيني إنّما يحتاج إلى اليقين بالفراغ على مقدار اليقين بالاشتغال، و لا يقين هنا بالاشتغال بما يزيد على الأقلّ حتّى يستدعي اليقين بالفراغ.

و ما قد يتوهّم: من عدم جريان البيان المذكور في الوجه الأخير، لحصول الاشتغال هناك بمؤدّى اللفظ، و لا يقين هناك بالفراغ إلّا بالإتيان بجميع المحتملات بل و لا في الوجه الأوّل، لدوران التكليف هناك بين أحد الوجهين و لا يحصل اليقين بالفراغ بأداء الأقلّ. غاية الأمر جريانه في الوجه الثاني، إذ القدر المتيقّن هناك من الاشتغال بذلك الكلّي هو الأقلّ، فينفى الزائد بالأصل، و لا حاجة معه إلى اليقين بالفراغ مردود، بأنّه لما كان مؤدّى اللفظ في الوجه الأخير و أحد الوجهين أو الوجوه في الوجه الثاني مبهما غير معلوم لم يحصل من العلم بتعلّق التكليف بهما إلّا اليقين بالاشتغال بالأقلّ، إذ هو القدر الثابت من الاشتغال،

562

و الاشتغال بما يزيد عليه غير معلوم، فيدور الأمر بين حصول الشغل و عدمه، و قد تقدّم تقديم البراءة حتّى يتبيّن الاشتغال.

و بالجملة: ليس المقصود بيان أنّ المراد من ذلك المجمل هو الأقلّ بالخصوص، بل المراد أنّه لا يتحصّل من التكليف بذلك المجمل علم باشتغال الذمّة بما يزيد على الأقلّ، فينفى الزائد بالأصل، فيكون الواجب علينا بعد دفع الزائد بالأصل هو خصوص الأقلّ فليتأمّل جيّدا. هذا بالنسبة إلى إجراء الأصل في الأجزاء.

و أمّا بالنسبة إلى الشرائط فإن قام هناك إطلاق صحّ نفي الاشتراط إذن من جهته، و يصحّ التمسّك هناك بأصالة عدم التقييد، و مع حصول الإجمال فلا يصحّ الاستناد في نفيه إلى أصالة البراءة، بل لابدّ من مراعاة الاحتياط حسب ما يأتي بيانه في المقام الثاني. و القائل بجريانه هناك يقول به في المقام أيضا، و سيأتي تفصيل القول فيه.

المقام الثاني:

فيما إذا كانت الصحّة منوطة بالاجتماع و كان انضمام كلّ جزء إلى الآخر معتبرا في تعلّق الحكم، و حينئذ ففي الاقتصار على المتيقّن و دفع المشكوك بالأصل و عدمه وجهان.

و من هنا وقع النزاع المعروف بين المتأخّرين في إجراء الأصل في أجزاء العبادات المجملة و شرائطها المشكوكة. فذهب جماعة منهم إلى جريان الأصل في ذلك و جعلوا إجراءه فيها كإجرائه في التكاليف المستقلّة من غير فرق. و منعه آخرون حيث أوجبوا مراعاة الاحتياط في ذلك و حكموا بأنّ ما شكّ في جزئيّته أو شرطيّته فهو جزء و شرط، يعنون به أنّه في حكم الجزء و الشرط في توقّف الحكم بالصحّة على الإتيان به، لا أنّه جزء أو شرط بحسب الواقع، كما قد يتوهّم.

و لمّا لم تكن المسألة في كتب الأصحاب ما عدا جماعة من متأخّري المتأخّرين، اختلف النسبة إليهم في المقام، فقد عزى بعض من القائلين بالأوّل‏

563

ذلك إلى ظاهر كلمات الأوائل و الأواخر و استظهر نفي الخلاف فيه، و بعض من يقول بالثاني عزاه إلى أكثر الأصحاب، لما يرون في كلماتهم من الاستناد في ذلك إلى أصالة البراءة تارة و الاحتياط اخرى. و كيف كان فالأقوى هو الثاني.

و يدلّ عليه وجوه:

الأوّل: أنّه إذا تعلّق الأمر بطبيعة العبادة المفروضة فقد ارتفعت به البراءة السابقة و ثبت اشتغال الذمّة بها قطعا، إلّا أنّه يدور الأمر بين الاشتغال بالطبيعة المشتملة على الأقلّ، أو المشتملة على الأكثر، و ليست المشتملة على الأقلّ مندرجة في الحاصلة بالأكثر، كما في مسألة الدين، فإنّ اشتغال الذمّة هناك بالأكثر قاض باشتغالها بالأقلّ، لعدم ارتباط هناك بين الأجزاء بخلاف المقام، إذ المفروض ارتباط بعض الأجزاء بالبعض، و قضاء زوال كلّ جزء منها بزوال الكلّ و كونها في حكم العدم الصرف. و القول بأنّ التكليف بالكلّ قاض بالتكليف بالجزء قطعا بخلاف العكس لا يثمر في المقام، إذ القدر المعلوم من ذلك تعلّق التكليف التبعي بالجزء في ضمن الكلّ، إلّا أن يتعلّق به تكليف على الإطلاق و لو انفصل عن بقيّة الأجزاء.

نعم لو قام الدليل على عدم ارتباط بين الأجزاء في التكليف و عدم اعتبار الماهيّة المجموعيّة فيه صحّ ذلك، و المفروض في محلّ البحث قيام الدليل على العكس، فضلا عن عدم قيامه على إطلاق التكليف. فحينئذ نقول: إنّ التكليف بالطبيعة المشتملة على الأكثر لا يقضي باشتغال الذمّة بالمشتملة على الأقلّ، حتّى أنّه إذا أتى بالأقلّ حصل به الفراغ على حسبه، ليدور الأمر في الباقي بين حصول التكليف به و عدمه، ليرجّح الحكم بالبراءة و عدم التكليف بعد دوران الأمر في الباقي بين اشتغال الذمّة و براءته، و حصول التكليف به و عدمه، كما يقرّر ذلك فيما إذا دار التكليف بين الأقلّ و الأكثر في غير المرتبط الأجزاء كما مرّ، إذ قد عرفت أنّ التكليف بالأكثر لا يقضي باشتغال الذمّة بالأقلّ كذلك بوجه من الوجوه، بل الإتيان به حينئذ كعدمه. فاشتغال الذمّة حينئذ دائر بين طبيعتين وجوديّتين‏

564

لا يندرج أحدهما في الآخر و إن اشتمل الأكثر على أجزاء الأقلّ، لما عرفت من عدم الملازمة بين الأمرين. فحينئذ لا وجه في إجراء أصل البراءة أو العدم في تعيين أحد الوجهين، إذ مورد ذينك الأصلين دوران الأمر بين البراءة و الشغل و وجود الشي‏ء و عدمه، لا ما إذا دار الأمر بين الاشتغال بأحد الأمرين أو وجود أحد الشيئين كما هو المفروض في المقام.

فإن قلت: إنّ التكليف بالأكثر في المقام قاض بالتكليف بالأقلّ في الجملة، فيصدق ثبوت الاشتغال به على طريق اللابشرط، و حينئذ فيدور الأمر في الزائد بين البراءة أو الشغل و حصول التكليف و عدمه فينفى بالأصل.

قلت: ليس التكليف بالأقلّ ثابتا على طريق اللابشرط ليكون ثبوت التكليف به على نحو الإطلاق، بل ثبوته هناك على سبيل الإجمال و الدوران بين كونه مطلوبا بذاته أو تبعا للكلّ في ضمنه، فعلى الأوّل لا حاجة إلى إعمال الأصل، و على الثاني لا يعقل إجراؤه فيه.

و القول بأنّ المقصود بالأصل نفي الحكم في الظاهر بعد دوران الأمر بين الثبوت و عدمه- و إلّا فهو في الواقع إمّا ثابت لا مسرح فيه للأصل أو منفيّ لا حاجة إليه، فلو كان ذلك مانعا عن جريانه لما جرى في سائر المقامات- مدفوع، بأنّه بعد العلم باشتغال الذمّة بمقدار مخصوص بحيث يعلم إرادته على كلّ حال لا تأمّل في إجراء الأصل فيما زاد عليه بعد عدم قيام دليل يمكن الركون إليه، من غير فرق بين ما إذا تعلّق التكليف بمجمل و كان ذلك هو القدر المتيقّن منه، أو بمبيّن و شكّ في تعلّق التكليف أيضا بما يزيد عليه.

و أمّا إذا لم يتعيّن القدر المذكور لتعلّق التكليف و دار الأمر بين تعلّق التكليف به بخصوصه أو بما يزيد عليه بحيث لا يكون القدر المذكور مطلوبا بنفسه أصلا بل مطلوبا بطلب الكلّ في ضمنه فلا، لدوران التكليف إذن بين طبيعتين مختلفتين.

غاية الأمر أن يكون أحدهما أقلّ جزء من الآخر، فإنّ ذلك بمجرّده لا يقضى بترجيح الأقلّ كما لا يخفى، و مداخلة أجزاء أحدهما في الآخر غير مجد فيه بعد

565

فرض عدم قضاء الأمر بالكلّ بمطلوبيّة الجزء إلّا في ضمنه، فلا يقين إذن بإرادة الأقلّ لو اتي به على انفراده كما في غير المشاركين في الجزء.

و الحاصل: أنّ الأصل إنّما يقضي بنفي التكليف لا ثبوته، و ليس في الفرض المذكور دليل على ثبوت التكليف بالأقلّ حتّى ينفى ما عداه بالأصل، لما عرفت من الإجمال. و بملاحظة ما قرّرنا يظهر ضعف ما يتخيّل في المقام: من أنّ كلّا من إثبات الأجزاء و نفيها إنّما حصل بدليل شرعي، لقضاء الأمر بالمجمل بوجوب ما علم من الأجزاء، و اقتضاء الأصل نفي الباقي، فيتعيّن القدر المتيقّن للاشتغال.

الثاني: أنّه لا شكّ في اشتغال ذمّة المكلّف بتلك العبادة المعيّنة، و حصول البراءة بفعل الأقلّ غير معلوم، لاحتمال الاشتغال بالأكثر، فيستصحب الشغل إلى أن يتبيّن الفراغ.

فإن قلت: إنّ المعلوم إنّما هو اشتغال الذمّة في الجملة و كونه بما يزيد على الأقلّ غير معلوم، فيؤخذ به و ينفى الباقي بالأصل.

قلت: إنّما يتمّ ذلك إذا كان اشتغال الذمّة بالأقلّ معلوما و ليس كذلك، بل هو أيضا غير معلوم، إذ المفروض ارتباط الأجزاء بعضها بالبعض، فالقدر المعلوم هو اشتغال الذمّة بالأقلّ إمّا استقلالا أو حال كونه في ضمن الأكثر تبعا له، و ذلك لا يقضي بالقطع بالاشتغال به مع انفصاله عن الأجزاء المشكوكة لما عرفت من إجمال التكليف لا إطلاقه.

و الحاصل: أنّ حصول الامتثال بالإتيان بالأقلّ غير معلوم مطلقا لا إجمالا و لا تفصيلا و لا بعضا و لا كلّا، فكيف يمكن العلم بحصول البراءة من التكليف المفروض بأدائه.

و بذلك يظهر ضعف ما يقال: من أنّ استصحاب الشغل إنّما ينهض حجّة إلى أن يقوم دليل شرعي على خلافه، إذ الحكم بالاستصحاب مغيّا بقيام الدليل، فلو قام هناك دليل و لو من أضعف الأدلّة كان حاكما على الاستصحاب، إذ على ذلك لا معارضة في الحقيقة بين الدليلين، فحينئذ نقول: إنّ الاشتغال بالأقلّ معلوم بالنصّ‏

566

و الإجماع- مثلا- و تعلّق التكليف بالزائد غير معلوم، فينفى بأصل البراءة و أصالة العدم، فيكون المكلّف به في ظاهر الشريعة بملاحظة الأدلّة المذكورة هو الأقلّ، فيكون ذلك رافعا لحكم الاستصحاب. و الوجه في تضعيفه ما عرفت من إجمال التكليف، فلا علم بإرادة الأقلّ على الجهة الجامعة بين الوجهين إلّا حال انضمامه إلى الأكثر، إذ لو كان التكليف متعلّقا بالأقلّ كان مرادا بالخصوص، و لو كان متعلّقا بالأكثر كان مرادا في ضمنه، فهو حينئذ مراد قطعا، و أمّا إذا انفرد من الباقي فلا علم بإرادته أصلا حتّى ينفى الباقي بالأصل.

و العلم بالاشتغال بالقدر المشترك بين الانفراد و الانضمام إلى الباقي غير نافع في المقام، إذ المعلوم في الفرض المذكور أمر مبهم اعتباري لا يقضي بوجوبه على الانفراد و لا الانضمام، إذ المفروض انتفاء العلم بتعلّقه بالبعض أو الكلّ من حيث هو كلّ.

غاية الأمر: أن يدلّ على وجوبه حال الانضمام لثبوت أحد الوجوبين لمرّة (1) قطعا كما بيّنا، فظهر أنّه لا يثبت هناك التكليف بالأقلّ حتّى ينفى الزائد بالأصل.

و من البيّن: أنّ كلّا من أصالة البراءة و العدم إنّما ينفي التكليف خاصّة و ليس من شأنه الإثبات، فإجراء الأصل في المقام نظير إجرائه فيما إذا كانت‏ (2) الإتيان غير متشاركين في الجزء مع زيادة التركيب في أحدهما، أو كانت القيود الوجوديّة في أحدهما أكثر من الآخر، كما إذا علم تكليفه بشراء شي‏ء و دار بين أن يكون حيوانا أو جمادا فقال: إنّ اعتبار الجسميّة في الواجب معلوم، و اعتبار ما يزيد عليه- من الحساسيّة و التحرّك بالإرادة- غير معلوم فينفى بالأصل، و من الواضح فساده.

الثالث: أنّه بعد الشكّ في الجزئيّة أو الشرطيّة في الصورة المفروضة يتوقّف العلم بأداء الواجب على الإتيان بالمشكوك فيه، فهو مقدّمة للعلم بفعل الواجب.

و قد تقرّر في محلّه وجوب مقدّمة الواجب مطلقا، سواء كان من مقدّمات‏

____________

(1) كذا وجدت الكلمة و لم نحقّقها.

(2) الظاهر كان الأمران.

567

العلم، أو الوجود، و قد جرى عليه الأصحاب في عدّة من المقامات، كوجوب الصلاة في الثوبين المشتبهين، و لزوم تكرار الوضوء في المشتبه بالمضاف، و الصلاة إلى الجوانب الأربع عند اشتباه القبلة، و وجوب ترك الوطء عند اشتباه الزوجة بالأجنبيّة، و لزوم التحرّز عن الحلال المشتبه بالحرام، إلى غير ذلك من المقامات.

و بتقرير آخر: إذا توقّف العلم بأداء التكليف على الإتيان بما شكّ فيه حكم العقل بلزوم الإتيان به و قبح تركه، دفعا للخوف من الضرر المترتّب على ترك الواجب، فهو و إن لم يكن في الواقع جزء من أجزاء الصلاة أو شرطا من شروطه إلّا أنّ هذه الجهة و الملاحظة المذكورة قد قضت بحسنه و وجوب الإتيان به.

ألا ترى: أنّ المولى إذا أمر عبده بشي‏ء، و أوعده على تركه، و حذّره عن مخالفته، ثمّ اشتبه المطلوب على العبد، و دار بين شيئين، و لم يكن له سبيل إلى التعيين، و لا جهة مانعة عن الإتيان بالأمرين، حكم العقلاء بوجوب الإتيان بهما ليحصل له القطع بأداء ما أراده المولى، و لم يكتفوا به بمجرّد احتمال الامتثال الحاصل بفعل أحدهما، حتّى أنّه إذا قصّر في ذلك كان مذموما عندهم، و صحّ للمولى عقوبته مع مصادفته للواقع و عدمها، إلّا أنّ الفرق بينهما أنّه مع انتفاء المصادفة يعاقب على ترك الواجب، و مع حصولها على التجرّي على الترك الحاصل من الاكتفاء بأحدهما. و لا فرق في ذلك بين دوران الواجب في نفسه بين الأمرين أو تعيّنه عنده و حصول الترديد المفروض في الموضوع، لجريان المقدّمة المذكورة في المقامين، و اتّحاد الجهة القاضية بوجوب الإتيان بالأمرين في الصورتين.

و من غريب ما وقع في المقام ما صدر عن بعض الأعلام من ادّعاء الفرق و البناء على التفصيل حيث قال- بعد منع وجوب مقدّمة العلم مطلقا- فإنّا و إن قلنا بوجوب المقدّمة فقد نتوقّف في إيجاب هذا القسم، و ذلك لأنّ أقصى ما استنهضناه هناك للوجوب هو أنّا نعلم من حال من أمر بشي‏ء الأمر بجميع ما يتوقّف عليه‏

568

ذلك الشي‏ء و رجعنا في ذلك إلى العرف، و لمّا رجعنا في مقدّمة العلم إلى حال الشارع في التكاليف لم نقطع بأنّه ممّا يوجب في الأمر الإتيان بكلّ ما وقع فيه الاشتباه، و لا في النهي تركه، بل نجيز أن يقنع هنا بأحد الأمرين، فإنّا نفرق بين الشاهد و الغائب من حيث إنّ المصلحة في الشاهد تعود إليه بخلاف الغائب، فإنّها تعود إلى المأمور، فلا يبعد أن يقنع منه عند الاشتباه بالتكليف بأحد الأمرين، و لا أقلّ من الجواز. و حينئذ فنمنع وجوب ما وقع فيه الاشتباه متعلّقين بأصل البراءة، و هذا بخلاف ما إذا كان المكلّف به معلوما ثمّ عرض الاشتباه و لا يتمّ إلّا بالضميمة، كما في غسل الوجه و اليدين و مسح الرأس و الرجلين و ستر العورة و نحو ذلك، فإنّه ممّا علم فيه الشغل بشي‏ء بعينه و لم يقع الاشتباه في التكليف انتهى. و ضعفه ظاهر من وجوه:

أحدها: أنّه كما يعقل من حال الأمر وجوب الإتيان بجميع ما يتوقّف عليه ذلك الفعل كذا يعقل منه وجوب العلم و الاطمئنان بأداء ما هو الواجب، إذ الاكتفاء بمجرّد احتمال الأداء تفويت للمصلحة المترتّبة عليه، إذ الاحتمال قد يطابق الواقع و قد لا يطابقه، من غير فرق بين ما يكون المصلحة عائدة إلى الآمر أو المأمور، كيف و قد أقرّ به في الصورة الثانية و قد مثّله بغسل الوجه و اليدين و مسح الرأس و ستر العورة، مع أنّه ليس ممّا يتوقّف عليه أداء الواجب.

ثانيها: أنّ الدليل على وجوب المقدّمة ليس منحصرا في المذكور فلو سلّم عدم جريانه في المقام كان ما ذكرناه من حكم العقل بلزوم التحرّز عند خوف الضرر كافيا في المقام، و مجرّد تجويز اكتفاء الشارع بأحد الأمرين لا يوجب زوال الخوف و هو ظاهر.

ثالثها: أنّه مع الغضّ عمّا ذكرناه أيّ فارق بين ما إذا دار نفس التكليف بين شيئين أو وقع هناك شكّ في الموضوع؟ إذ كما يحتمل اكتفاء الشرع هناك بأحد الأمرين يحتمل في المقام، و تعيّن نفس المكلّف به في الثاني لا يقضي بوجوب الجميع، إذ الاكتفاء المذكور إنّما هو بحسب ظاهر التكليف في المقامين، فلا يمكن‏

569

الحكم في الأوّل بكون أحد الأمرين هو عين الواجب بحسب الواقع، فغاية ما يقضي به الاحتمال المذكور هو الاكتفاء به في الظاهر، و هو جار في المقامين. و لو تمسّك فيه باستصحاب الشغل جرى في الأوّل أيضا، إذ مع الإتيان بأحد الأمرين لا يحصل اليقين بالفراغ.

رابعها: أنّ ما ذكره من الفرق بين الشاهد و الغائب غير واضح، إذ من الواضح أنّ الغرض من ذلك عدم ثبوت المصلحة سواء كانت عائدة إلى المكلّف أو المكلّف بل ربما كان الثاني أقبح، إذ ملاحظة حال النفس في ذلك آكد.

حجّة القائل بإجراء الأصل في المجملات وجوه:

الأوّل: أنّ المناط في حجّية أصالة البراءة و جواز الرجوع إليه في نفي التكاليف الشرعيّة حاصل في ذلك من غير تفاوت، فما قضى بحجّيتها في التكاليف المستقلّة قاض بها في المقام، و ذلك لأنّ المجوّز في العمل بالأصل المذكور في سائر المقامات هو انسداد باب العلم مع بقاء التكليف بالضرورة و قبح التكليف بما لا يطاق، فإنّ المقدّمات المذكورة قد جوّزت لنا العمل بالظنّ في الأحكام الشرعية بعد التفحّص و التجسّس من الأدلّة، و حصول الظنّ بسبب رجحان الدليل على المعارضات، أو بسبب أصالة عدم معارض آخر.

و من البيّن: أنّ ذلك كما يجري في نفس الأحكام الشرعيّة كذلك يجري في ماهيّة العبادات المجملة. و كما أنّه لا يجوز الأخذ بالظنّ في نفس الأحكام الشرعيّة قبل بذل الوسع في ملاحظة الأدلّة و التفحّص و التفتيش عن كيفيّات الدلالة و تحصيل ما هو أقوى الظنون الممكنة كذلك الحال في المقام. و كما أنّه يجوز الأخذ بالأصل هناك بعد الملاحظة المذكورة فكذا في المقام من غير تفاوت أصلا.

و ما قد يقال: من أنّ العلم باشتغال الذمّة بالعبادة المجملة في المقام قاطع لأصالة البراءة و أصل العدم السابق- فيكون الأصل فيه بقاء الشغل حتّى يثبت الفراغ- فهو منقوض بالأحكام المستقلّة، فإنّ اشتغال الذمّة بتحصيل حقيقة كلّ‏

570

واحد من الأحكام الّذي علم إجمالا بالضرورة من الدين قاطع لذلك، و ثبوت حكم إجمالي بخصوص كلّ مسألة من تلك المسائل رافع لحكم الأصل، للعلم بثبوت ذلك الحكم. و كما أنّه بعد التفحّص عن الأدلّة و بذل الوسع في ملاحظة الضوابط الشرعيّة يرجع في الثاني إلى أصالة البراءة، لما عرفت من قضاء المقدّمات المذكورة بالرجوع إلى الظنّ بعد انسداد طريق العلم فكذا في الأوّل، لجريان المقدّمات المذكورة فيها بعينها. فإذا حصل لنا من جهة الأخبار أو الإجماعات المنقولة أو المحصّلة- الحاصلة من ملاحظة حال السلف- أنّ ماهيّة الصلاة لابدّ فيها من النيّة و التكبير و القراءة و الركوع و السجود و غيرها من الأجزاء المعلومة، و شككنا في وجوب السورة و تعارضت فيه الأدلّة و تعادلت، أو لم يقم هناك دليل على الوجوب بعد بذل الوسع، و بقي عندنا احتمال الوجوب خاليا عن الدليل بحسب الظاهر، متوقّفا على قيام دليل غير واصل إلينا، فحينئذ يصحّ لنا نفيه بأصل البراءة و أصالة عدم الوجوب، فإنّه يفيد وجوب الظنّ بالعدم، و يحصل من مجموع المذكورات الظنّ بأنّ ماهيّة العبادة هو ما ذكرنا لا غيرها.

الثاني: أنّ من الأدلّة على حجّية أصالة البراءة هو استصحاب البراءة القديمة، و هو بعينه جار في المقام، إذ من البيّن أنّ التكليف بشي‏ء ذي أجزاء تكليف في الحقيقة بأجزائه و إيجاب لها، فإذا قال: «صلّ» و كانت الصلاة مركّبة من عشرين جزء كان ذلك تكليفا و إيجابا للإتيان بتلك الأجزاء، و إلزاما للمكلّف بفعلها.

فنقول: إذا تعلّق التكليف بمجمل و حصّلنا بعد الفحص عن أجزائه و شرائطه عدّة امور و لم نجد في الأدلّة ما يفيد اعتبار غيرها فإنّ لنا أن نقول: إنّه قد تعلّق التكليف بتلك الأجزاء يقينا و قد حصل الشكّ في تعلّقه بما يزيد عليها، و قضيّة استصحاب البراءة السابقة البقاء على البراءة بالنسبة إلى تلك الزيادة، فلا نخرج عن مقتضى البراءة القديمة إلّا بمقدار ما حصل من العلم بالتكليف، فالاستصحاب المذكور دليل شرعي على نفي غيرها من الأجزاء و الشرائط، فيكون إثبات كلّ من الأجزاء و الشرائط و نفيه حاصلا من دليل شرعي.

571

و القول بأنّه مع تعلّق التكليف بالمجمل و الشكّ في حصوله يستصحب الشغل حتّى يتبيّن الفراغ مدفوع، بأنّه لا يقين بالاشتغال بما يزيد على الأجزاء و الشرائط المعلومة.

و ما يقال: من أنّ ذلك إنّما يتمّ مع عدم ارتباط بعض الأجزاء بالبعض و أمّا معه فلا يقين بالاشتغال بخصوص المعلوم- لاحتمال تعلّقه بالمجموع المركّب منها و من غيرها، و بعبارة اخرى العلم بحصول التكليف بها بشرط شي‏ء لا يقضي بالعلم بالتكليف بها بشرط لا كما هو المفروض- مدفوع، بأنّه إذا تعلّق التكليف بالمجموع المركّب فقد تعلّق بالأجزاء المذكورة، ضرورة أنّ التكليف بالمركّب تكليف بأجزائه، فإذا اندفع التكليف بالزائد من جهة الأصل تعيّن المعلوم لتعلّق التكليف به.

و ما يتوهّم: من أنّ تعلّق التكليف بالخصوصيّة مخالف للأصل أيضا بيّن الاندفاع، للعلم بتعلّق التكليف به في الجملة قطعا.

غاية الأمر حصول الشكّ في انضمام الغير إليه و عدمه، فبعد نفي الغير بالأصل ينحصر الأمر في التكليف به، و هو من لوازم النفي المذكور و مرجعه إلى أمر عدمي.

و مع الغضّ عنه فنقول: إنّ وجوب الإتيان بالأجزاء و الشرائط المعلومة ممّا لا خلاف فيه بين الفريقين، إنّما الكلام في وجوب الإتيان بالمشكوك فيه و عدمه، و القائل بوجوب الاحتياط يقول به و نحن ننفيه بالأصل المذكور.

الثالث: قد بيّنا أنّ الأصل فراغ الذمّة و الحكم ببرائتها حتّى يتبيّن الاشتغال، فما لم يحصل العلم أو الظنّ المعتبر بحصول الشغل لم يحكم به، و كذا بعد حصول العلم بالشغل لا يحكم بالبراءة ما لم يتبيّن الفراغ.

فنقول في المقام: إنّ القدر الثابت عندنا في التكاليف المتعلّقة بالمجملات هو تكليفنا بما ظهر أنّه صلاة أو صوم- مثلا- إمّا بالعلم أو الظنّ الاجتهادي، و لم يثبت اشتغالنا بما هو صلاة في نفس الأمر و الواقع.

572

و القول بأنّ الألفاظ موضوعة بإزاء الامور الواقعيّة فقضيّة تعلّق التكليف بها تعلّقه بالامور الواقعيّة، مدفوع.

أوّلا: بأنّ تلك الخطابات غير متوجّهة إلينا حتّى نرجع فيها إلى ظواهر الألفاظ لو سلّمنا ظهورها فيها، و إنّما المرجع في المقام هو الإجماع على الاشتراك و لم يثبت إلّا بمقدار ما أمكننا معرفته علما أو ظنّا، لاستحالة التكليف بالمحال في بعضها و لزوم العسر و الحرج المنفي في أكثرها.

و ثانيا: بأنّ الألفاظ و إن كانت موضوعة بإزاء الامور الواقعيّة إلّا أنّ الخطابات الشرعيّة واردة على طريق المكالمات العرفيّة، و من الظاهر أنّهم يكتفون بظاهر أفهام المخاطبين، فلا يجب على الشارع أن يتفحّص عن المخاطب أنّه هل فهم المراد الواقعي أو لا، فإنّه مع عدم إمكانه واقعا لأدائه إلى التسلسل لم يكن بناء الشرع عليه، مع ما يرون من اشتباه المخاطبين في الفهم كما يظهر من ملاحظة الأخبار.

فظهر أنّهم كانوا يكتفون بمجرّد ظهور المراد و الظنّ به، فلم يعلم من الخطابات المتوجّهة إلى المشافهين إلّا تكليفهم بما بيّنوه لهم و أعلموهم أنّه الصلاة، أو أمكنهم معرفة أنّه الصلاة، و لم يظهر أنّ الخطابات المتوجّهة إليهم كان خطابا بما في نفس الأمر مع عدم علم المخاطبين، حتّى يلزمنا ذلك من جهة الإجماع على الاشتراك. فمحصّل الكلام: أنّه لم يثبت حصول الاشتغال و وقوع التكليف إلّا بمقدار ما دلّ عليه الدليل عندنا إمّا بطريق العلم أو الظنّ المعتبر، و ما زاد عليه منفيّ بالأصل. فالقول بأنّه بعد حصول الاشتغال لابدّ من اليقين بالفراغ مدفوع، بأنّ المتيقّن من الاشتغال ليس إلّا مقدار ما قام الدليل عليه، فينفى غيره بالأصل، فإنّ اعتبار كلّ جزء أو شرط تكليف زائد، و لذا يعبّر عنها بالأوامر و النواهي في الغالب كسائر التكاليف.

الرابع: الأخبار الواردة في المقام الدالّة على رفع التكليف بغير المعلوم و أن لا تكليف إلّا بعد البيان ممّا تقدّمت الإشارة إلى جملة منها، فإنّها شاملة لمحلّ‏

573

الكلام، و بعد دلالتها على ارتفاع التكليف بها يتعيّن التكليف بالباقي، فيكون المستند في حصر الأجزاء و الشرائط و المعرفة بها إثباتا و نفيا هو التوقيف من الشرع، أمّا إثباتا فظاهر، و أمّا نفيا فلما عرفت من الاحتجاج عليه بالأخبار المذكورة، فتكون تلك الأدلّة بعد انضمامها إلى هذه الأخبار مبيّنا لحقيقة تلك المجملات.

غاية الأمر أن يكون ذلك بيانا ظاهريّا كاشفا عمّا تعلّق به التكليف في ظاهر الشريعة و إن لم يكن كذلك بحسب الواقع، كما هو قضيّة أصالة البراءة في سائر المقامات.

فإن قلت: بعد فرض تعلّق الأمر بالمجمل و عدم انكشاف حقيقته من الأخبار المبيّنة لها يكون المأمور به مجهولا، لأداء جهالة الجزء إلى جهالة الكلّ، و قضيّة الأخبار المذكورة سقوط التكليف بالمجهول.

قلت: قد قام الإجماع من الكلّ على عدم سقوط الواجب من أصله و وجوب الإتيان بالأجزاء المعلومة قطعا، و إنّما الخلاف في لزوم الإتيان بالمحتملات و عدمه، و قد عرفت أنّ قضيّة تلك الروايات السقوط.

الخامس: أنّ أصل العدم حجّة كافية في المقام مع قطع النظر عن أصالة البراءة، فإنّ الأصل في المركّب عدم تركّبه من الأجزاء الزائدة و عدم اعتبار الشروط الزائدة فيه، و أصل العدم حجّة معروفة جروا عليه في كثير من المقامات.

السادس: القاعدة المعروفة عندهم من الأخذ بالأقلّ عند دوران الأمر بينه و بين الأكثر، و هي جارية في المقام، و قد جروا عليها في مواضع كثيرة.

السابع: أنّه كيف يصحّ الحكم بوجوب ما احتمل جزئيّته أو شرطيّته و قد قامت الأدلّة على لزوم استنباط الأحكام الشرعيّة من مداركها المعيّنة، و عدم جواز الأخذ بمجرّد الاحتمالات القائمة من دون استناد فيه إلى الأدلّة الشرعيّة، من ظنون مخصوصة، أو مطلق ما أفاد الظنّ على القول بحجّيته، و مع البناء على الجزئيّة أو الشرطيّة فيما احتمل جزئيّته أو شرطيّته يرجع الأمر إلى الاكتفاء في‏

574

إثبات مثل ذلك بمجرّد الاحتمال، و هو خلاف ما قضت به الأدلّة، و دلّت عليه النصوص القاطعة، بل و ما هو المعلوم ضرورة من الشريعة المطهّرة.

ثمّ إنّ هاهنا مسلكا آخر في الاحتجاج مبنيّا على ادّعاء نفي الإجمال في تلك الماهيّات و ورود التكليف بها على حسب البيان، و هذه الطريقة و إن كانت خارجة عن محلّ الكلام، إذ المقصود هنا إجراء الأصل مع الإجمال ليكون الأصل المذكور من جملة ما يوجب بيان ذلك الإجمال بحسب الظاهر، إلّا أنّه مشارك لما ذكرنا في الثمرة، و لذا ذكرناه في طيّ أدلّة المسألة.

و قد احتجّوا لذلك بوجوه:

الأوّل: أنّ التكليف بالمجمل و إن اقتضى بحسب اللغة التكليف بما عليه ذلك المجمل في نفس الأمر فيجب الإتيان بجميع أجزائه الواقعيّة، إذ المفروض تعلّق الأمر بتمام تلك الماهيّة، إلّا أنّ أهل العرف لا يفهمون من ذلك إلّا التكليف بما وصل إلى المكلّف و ظهر لديه و قامت الأدلّة عليه، لا بكلّ ما يتوهّم دخوله فيه و اندراجه فيما تعلّق الأمر به. ألا ترى أنّه لو قال «أكرم كلّ عالم في البلد، و تصدّق على كلّ مسكين فيه، و أهن كلّ فاسق منهم» لم يفهم من ذلك عرفا إلّا تعلّق الأحكام المذكورة بمن علم اتّصافه بإحدى تلك الصفات المذكورة بعد بذل الوسع في الاستعلام و تبيّن الحال، فلا يجب إيقاعها بالنسبة إلى كلّ من يحتمل اندراجه في أحد المذكورات لما يتوهم من لزوم الأخذ بيقين البراءة بعد اليقين بالشغل فلا تكليف بها إلّا على النحو المذكور، و المفروض الإتيان بها كذلك و هو قاض بحصول الأجزاء و الامتثال، و لا يلزم من ذلك دخول العلم في مدلول الألفاظ، بل لا يوافقه أيضا في الثمرة، لوضوح وجوب الاستعلام في المقام بخلاف ما لو تعلّق الحكم بالمعلوم، و إنّما ذلك رجوع إلى العرف في تقييد ذلك الإطلاق حسب ما ذكر.

الثاني: أنّ قضيّة القاعدة في تلك الألفاظ المجملة هو الحمل على المعاني الشرعيّة، إذ لو قلنا بثبوت الحقيقة الشرعيّة فلا كلام، و على القول بعدمه‏

575

فالمفروض قيام الدليل على إرادة المعاني الشرعيّة و إلّا فلا إجمال في معانيها اللغويّة، و المعاني الشرعيّة ليست إلّا ما صار اللفظ حقيقة فيها عند المتشرّعة كما هو معلوم من ملاحظة موضع النزاع في الحقيقة الشرعيّة، و حينئذ فالمرجع في تعيين المعاني الشرعيّة إلى عرف المتشرّعة، و لا إجمال في فهم العرف من تلك الألفاظ، لوضوح اشتهار المعاني الشرعيّة و بلوغها إلى حدّ الحقيقة.

و من الواضح: ظهور المعاني الحقيقيّة و نفيها عند أرباب الاصطلاح، فما ينصرف إلى أذهانهم من الأجزاء و الشرائط هو المعنى الشرعي الموضوع بإزائه على الأوّل، أو المراد منه بعد قيام القرينة الصارفة على الثاني، فإذا شكّ في جزئيّة شي‏ء أو شرطيّته يرجع فيه إلى عرف المتشرّعة، كما هو القاعدة في معرفة سائر الأوضاع الخاصّة و العامّة.

الثالث: أنّ البيان حاصل بما تلقّيناه من حملة الشريعة و رواة الأحكام الشرعيّة بعد بذل وسعهم و وسعنا فيه، فإنّ العادة قاضية في ذلك بعد البحث و التفتيش على الأدلّة بالعثور على الحقيقة، كيف و لو كان هناك شي‏ء آخر غير ما ثبت و ظهر من الأجزاء و الشرائط لبيّنه النبيّ و الأئمّة (صلوات اللّه عليهم)، إذ ليس بعث الأنبياء و نصب الأوصياء إلّا لتعليم الأحكام و إرشاد الأنام، و ليس ذلك حاصلا بمجرّد إلقاء المجملات، و حكم الناس بالرجوع إلى الاحتياط، فإنّ ذلك معلوم من ملاحظة حال السلف، و لو ورد هناك شي‏ء من النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) و الأئمّة (عليهم السّلام) لذكره الحملة، و أشاروا إليه، و بيّنوا الأدلّة القائمة عليه، مع ما هو معلوم من حرصهم على بيان الأحكام و بذل وسعهم في إرشاد الأنام، فلو كان هناك بيان من الشرع لما بقي في الخفاء و لاتضحّ كمال الوضوح و الجلاء، لما فيه من عموم البلوى، فلا عبرة إذن بما قد يطرء من الاحتمالات و ما قد يتخيّل هناك من الإشكالات. كيف و الأمر في تعرّف معاني الألفاظ موكول إلى الظنّ، كما هو معلوم من الطريقة الجارية في تعريف الحقائق اللغويّة و العرفيّة و حمل الألفاظ على معانيها الظاهرة، و من البيّن حصول الظنّ بعد ملاحظة ما قرّرناه سيّما في معظم العبادات، فإنّها تعمّ بها البليّة و يعمّ الحكم فيها معظم الامّة كما ذكرنا.

576

الرابع: انّ الألفاظ الدالة على العبادات المفروضة (1) أسامي للأعمّ من الصحيحة و الفاسدة كما قرّر في محلّه، فبعد تحصيل المعيار في التسمية ينفى غيره بالأصل حتّى يقوم دليل على اعتباره، و لا ريب أنّ الواجبات الإجماعيّة و ما قام عليها الأدلّة الشرعيّة من الأجزاء و الشروط المرعيّة كافية في حصول التسمية، فيمكن إجراء الأصل في جميع ما تعلّق الشكّ به.

الخامس: أنّ التكاليف الشرعيّة من بدو الشريعة ما كانت موضوعة إلّا على حسب البيان، ألا ترى أنّهم لو كلّفوا بالصلاة و بيّن لهم النبي (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) عدّة من أجزائه و شرائطه من غير تصريح منه بالحصر في المذكور، و قام هناك احتمال أن يكون جزء آخر و شرط آخر، و حضر وقت الحاجة ما كانوا ليحكموا بوجوب الاحتياط، بل كان منفيّا بحكم الأصل، إذ لو كان هناك جزء أو شرط آخر لبيّنه الشرع و إذ لا بيان فلا تكليف، لوضوح أنّ وضع الشريعة و بعث الرسل و الحجج إلى الخليقة ليس إلّا بيان التكاليف الشرعيّة، و إتمام الحجّة على الرعيّة، و لم يجعل البناء على الاحتياط من وجوه البيان ليترك النبي (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) بيان الواجبات و يحيل الناس إلى الاحتياط كما هو واضح من ملاحظة الطريقة الجارية عند الصحابة. و حيث عرفت أنّ بناء الشرع على كون التكليف مبنيّا على البيان دون البناء على الاحتياط يجري الحكم بالنسبة إلى سائر الأعصار و الأمصار، لاتّحاد المناط في الكلّ، بل عليه جرت الطريقة في الجميع.

قال بعض القائلين بإجراء الأصل في المقام: ليت شعري كيف كان في مبادئ التكليف و لا سيّما بالنسبة إلى النائين؟ أو ليس إنّما كان يرد عليهم شيئا فشيئا، امروا بركعتين فكان التكليف بهما، ثمّ امروا بآخرين فكان بأربع، و هكذا، لا يعرفون إلّا ما يرد عليهم، و إن أجازوا أن يكون قد اوحي إليه (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) شي‏ء آخر، أو ورد أمر و لم تأتهم بها الرسل أتراك توجب عليهم الإتيان بكلّ ما أوحاه أو توهّموه لمّا قيل لهم أوّلا أقيموا الصلاة إنّ هذا لهو التشريع انتهى.

____________

(1) المعروفة، خ ل.

577

فهذه جملة ما يتخيّل من الوجوه لإجراء الأصل في ماهيّة العبادة، و هي بضميمة الوجوه المتقدّمة على هذه ترتقى إلى اثنى عشر وجها، و لا يذهب عليك وهن الجميع.

أمّا الأوّل: فبأنّ حجّية أصالة البراءة ليست مبنيّة على الظنّ، فضلا عن البناء على أصالة الحجّية فيه، بل الغالب في موارد الاحتجاج به عدم حصول الظنّ منها.

و لو فرض حصول ظنّ منها في بعض المقامات فذلك من المقارنات الاتّفاقية لم يقم دليل على حجّيته، و لذا لا يكون قابلا لمعارضة شي‏ء من الأدلّة. و لو كانت حجّيتها من جهة الظنّ كانت كباقي الأدلّة يراعى في الترجيح بينها جانب القوّة مع أنّها ليست كذلك.

و الحاصل: أنّ أصالة البراءة قاعدة مستفادة من العقل و النقل كما مرّ القول فيه في نفي الحكم، و الحكم ببراءة الذمّة مع عدم قيام شي‏ء من الأدلّة على ثبوت شي‏ء من التكاليف الشرعيّة، فعلى القول باعتبار الظنون المخصوصة إنّما تنهض حجّة مع عدم حصول شي‏ء من تلك الظنون على ثبوت التكليف، و مع البناء على أصالة حجّية الظنّ إنّما يصحّ الاستناد إليها مع انتفاء مطلق الظنّ بثبوت الحكم، فهي نافية للحكم إلّا فيما دلّ الدليل فيه على الثبوت، و ليست حجّيتها مبنيّة على الظنّ بالنفي كما عرفت في وجوه الاحتجاج عليها، و يدلّ عليه ملاحظة إجرائها في سائر مواردها، فهي قاعدة في مقابلة قاعدة الظنّ فيما إذا لم يقم هناك دليل ظنّي على النقل مطلقا على القول بأصالة حجّية الظنّ، أو ظنّ مخصوص على القول الآخر، و إنّما لم يجروا عليه أوّلا من جهة لزوم الخروج عن الدين حسب ما قرّر في الاحتجاج على أصالة الظنّ.

إذا عرفت ذلك ظهر ضعف الاحتجاج المذكور، لظهور فساد ابتنائه على أصالة حجّية الظنّ و إذا بطل كونه المناط في حجّية الأصل المذكور لم يصحّ الحكم بالحجّية في المقام من جهة جريان المناط المذكور فيه، بل الأمر فيه بالعكس، إذ بعد فرض اشتغال الذمّة بالمجمل ينبغي استصحاب ذلك الشغل حسب ما مرّ.

578

نعم على القول بأصالة حجّية الظنّ لو فرض حصول ظنّ من الأصل المذكور في المقام أمكن القول بحجّيته، و يراعى فيه حينئذ قوّة الظنّ الحاصل منه بالنسبة إلى ما عرفت من الاستصحاب، فإن رجّحت عليه صحّ الاستناد إليه. و هو كما ترى وجه جديد لم يعلم ذهاب أحد إليه، بل ظاهرهم الإطباق على خلافه.

ثمّ ما ذكر في دفع ما اورد عليه- بانقطاع أصالة البراءة بحصول اليقين بالاشتغال فيستصحب الشغل حتّى نعلم بالفراغ- من النقض بسائر التكاليف المتعلّقة إذا شكّ فيها نظرا إلى حصول العلم إجمالا بثبوت حكم خاصّ بالنسبة إلى خصوص كلّ مقام و اشتغال الذمّة بتحصيل حقيقة تلك الأحكام بيّن الاندفاع، لوضوح الفرق بين المقامين، مع ما في الكلام المذكور من الإبهام.

فإنّه لو اريد به اشتغال الذمّة بمعرفة كلّ حكم حكم و تعلّق التكليف بالعلم بها و لا يحصل بمجرّد الأصل المذكور فهو بيّن الفساد، إذ لسنا مكلّفين في معرفة الأحكام إلّا بما دلّت عليه الأدلّة و نهضت عليه الشواهد الشرعيّة، و مع عدمها يبنى على الاحتياط أو أصالة البراءة، حسب ما ظهر من حكم العقل و الشرع به، و كيف يعقل تكليفنا بتحصيل حقائق الأحكام الواقعيّة مع انسداد الطريق إليها في الغالب، و لا يمكن الوصول إليها، لا من أصالة البراءة و لا من البناء على الاحتياط، إذ ليس شي‏ء منهما طريقا لمعرفة ما هو الواقع. و غاية ما يحصل من الاحتياط العلم بفراغ الذمّة، إمّا لفراغها من أصلها، أو للإتيان بما اشتغلت به، و أين ذلك من معرفة حقائق الأحكام المتعلّقة.

و إن اريد به اشتغال الذمّة هناك بأداء التكليف فهو أيضا واضح البطلان، إذ المفروض عدم قيام دليل على الاشتغال مع دوران الواقع بين حصول التكليف و عدمه، فأيّ علم قضى هناك بالاشتغال؟

و لو اعتبر العلم الاجمالي باشتغال الذمّة بأداء تكاليف الشرع جملة من الضرورة و الآيات و الأخبار الدالّة على وجوب الطاعة الّتي هي موافقة الأمر و النهي فيجعل ذلك قاضيا باعتبار العلم بالفراغ، كما قد يستفاد من كلمات بعض‏

579

المتأخّرين أيضا، حيث حكم بعدم الفرق بين أن يكلّف أوّلا على الإجمال ثمّ يأمر و ينهى على التفصيل، أو يكلّف بالتفصيل ثمّ يأمر بالمجمل تأكيدا، كما يقول:

امتثلوا ما أمرتم به.

و توضيح المقام: أنّ الأوامر المتعلّقة بوجوب الامتثال لتكاليف الشرع و لزوم الطاعة قد أفادت وجوب طاعته في جميع أوامره و نواهيه، و لا ريب في إجمال هذا المأمور به و عدم وضوحه عندنا، للشكّ في كثير من الأوامر و النواهي الشرعيّة، فإن كان الإجمال المفروض باعثا على لزوم الاحتياط في تفريغ الذمّة جرى في المقامين، و إن بنى على الاقتصار على القدر المعلوم و نفي ما عداه بالأصل جرى فيهما أيضا.

فيدفعه: أنّ التكليف المذكور ليس زائدا على التكاليف الخاصّة المتعلّقة بمواردها المخصوصة حتّى يكون هناك واجبان، أحدهما من جهة الأمر المتعلق بالفعل، و الآخر من جهة الضرورة القاضية بوجوب الطاعة، أو الأوامر الدالّة عليه.

و حينئذ نقول: إنّ العلم الإجمالي بحصول تلك التكاليف المتفرّقة لا يفيد العلم بحصول تكليف زائد على القدر المعلوم من التكاليف، و الامتثال بذلك القدر المعلوم لا يتوقّف على غيره قطعا، فبعد تحقّق الامتثال بالنسبة إليها، و عدم العلم بتعلّق الطلب بغيرها لم يتحقّق علم بالاشتغال رأسا حتّى يتوقّف على العلم بالفراغ، بخلاف المقام، لتحقّق التكليف بالمجمل، و عدم العلم بالامتثال أصلا، مع الاقتصار على القدر المعلوم. و لو سلّم حصول تكليف آخر على جهة الإجمال متعلّق بوجوب الامتثال فليس امتثاله بحسب متعلّقاته ممّا يتوقّف بعضها على بعض فيقتصر إذن على القدر المعلوم و ينفى الباقي بالأصل، للعلم بحصول الامتثال بالنسبة إلى المعلوم، و عدم تحقّق الاشتغال من أصله بالنسبة إلى غيره حسب ما مرّ تفصيل القول فيه. و هذا بخلاف المقام، إذ المفروض حصول العلم بالاشتغال مع انتفاء العلم بحصول الامتثال رأسا.

و أمّا الثاني: فبأنّ متعلّق التكليف مجمل في المقام، و ليس التكليف بالأقلّ‏

580

متحقّقا على الحالين ليؤخذ به و ينفى الباقي بالأصل، على ما مرّ تفصيل القول فيه عند الاحتجاج على المختار.

و أمّا الثالث: فبأنّ من البيّن وضع الألفاظ للامور النفس الأمريّة من غير مدخليّة في وضعها للعلم و الجهل بالمرّة، و قضيّة الأصل و الطريقة الجارية في المخاطبات البناء على استعمالها في معانيها الموضوعة حتّى تقوم قرينة صارفة عنها. فالقول باستعمالها في خصوص ما يفهمه المخاطب من ذلك الخطاب- كما يتخلّص من ملاحظة الاحتجاج المذكور و عليه يدور صحّة الاحتجاج به- غير وجيه، بل غير معقول، لرجوع ذلك إلى عدم قصد شي‏ء مخصوص من العبادة، و استعماله في معنى مجهول هو ما يفهمه المخاطب كائنا ما كان. و أعجب منه ما حكم به من جريان طريقة التخاطب عليه. و أمّا ما ذكر من جريان الطريقة على الأفهام بحسب ظاهر الحال فهو لا يدلّ على ذلك بوجه، أفذاك إنّما يكون وجها لعدم تنصيص الشارع على المقصود بحيث لا يحتمل الخلاف بأن يقال: إنّما جرى في المخاطبات على ظواهر الألفاظ كما هو قانون أصحاب اللسان في البيان، لا أنّ مقصوده من العبارة هو ما يفهمه المخاطب و إن غلط في الفهم و فهم خلاف ما هو الظاهر من اللفظ بحسب الواقع، فالقدر اللازم حينئذ هو تكليفهم بظواهر الألفاظ ما لم يقم هناك صارف عنها.

و من البيّن: كشف ذلك حينئذ عمّا هو مقصوده في الواقع، إذ لو أراد حينئذ غيره لزم الإغراء بالجهل و التكليف بالمحال، و أين ذلك من كون المراد بتلك الخطابات ما يعتقده المخاطب و يفهمه من تلك العبارات.

نعم ما يفهمه المخاطب من تلك الخطابات مع عدم التقصير في الفهم يكون مكلّفا به في ظاهر الشرع إلى أن يتبيّن له الخطأ في الفهم. و كذا الكلام فيما يثبت عند المجتهد من الأحكام بعد بذل الوسع في تحصيله، فإنّه مكلّف [بما يعمل‏ (1)] بما أدّاه إليه الأدلّة الشرعيّة و إن فرض مخالفته لما هو الواقع، و ذلك لا يستلزم أن‏

____________

(1) «ق 2» و «ف 2».

581

يكون ذلك مراد الشارع من خطابه، و لا أن يكون ذلك هو الحكم بحسب الواقع، كيف و لو كان كذلك لزم القول بالتصويب، بل هو في ظاهر الشرع مكلّف بما أدّى إليه اجتهاده فإن طابق الواقع و إلّا كان مخطئا، فالتكليف الأوّلي متعلّق بما هو مراد الشارع بحسب الواقع، و لابدّ من بذل الوسع في تحصيله. فالقول بعدم كونه مكلّفا بما هو الواقع رأسا غير متّجه. و كونه مكلّفا في الظاهر بما يؤدّى إليه اجتهاده غير نافع في المقام، و إنّما يفيد ذلك لو قامت الأدلّة عنده على تعيين أجزاء الصلاة- مثلا- و شرائطه ليجب عليه العمل بمقتضاه و ليس كذلك، إذ المفروض أنّ الثابت من الأدلّة هو اندراج جملة من الأفعال و اعتبار عدّة من الشرائط فيه، مع الشكّ في الزيادة القاضي بالشكّ في صدق الصلاة على تلك الأجزاء المعلومة المستجمعة للشرائط المعيّنة فالثابت بالدليل اعتبار الأجزاء و الشرائط المذكورة في ذلك الفعل، لا صدق ذلك الفعل على تلك الأجزاء كذلك، فكيف يصحّ القول بتحقّق الامتثال بمجرّد الإتيان بها مع الشكّ المذكور و عدم قيام دليل شرعي على كون ذلك المأمور به في المقام.

و القول بأنّ الواجب في الظاهر هو خصوص ما قام الدليل على اعتباره جزء كان أو شرطا فينفى غيره بالأصل كما يقال في سائر التكاليف مع عدم ارتباط بعضها بالبعض مدفوع، بأنّه أوّل الكلام، إذ الكلام في تعلّق الأمر حينئذ بذلك المقدار الّذي يشكّ في حصول الماهيّة بحصوله. فالقول بأنّه القدر المسلّم ممّا تعلّق التكليف به واضح الفساد، إذ لا تكليف هناك بخصوص الأجزاء، إذ المفروض ارتباط بعضها بالبعض بحيث لو ارتفع واحد منها ارتفع التكليف بالباقي.

فقضيّة الأصل حينئذ أن يقال: إنّ التكليف الواقعي بما هو مؤدّى اللفظ واقع في المقام، و حصوله بمجرّد الإتيان بتلك الأجزاء المعلومة المستجمعة للشرائط المعيّنة غير معلوم بالنظر إلى الأدلّة الظاهريّة، فلابدّ من الحكم ببقاء التكليف و عدم سقوطه إلّا مع الإتيان بكلّ جزء أو شرط شكّ فيه مع الإمكان ليعلم معه بحصول البراءة و أداء الواجب، و هو واضح لا خفاء فيه.

582

و أمّا الرابع: فبأنّ شمول الأخبار لمحلّ الكلام غير معلوم، بل لا يبعد انصرافها إلى غيره، و هو ما إذا كان أصل التكليف بالشي‏ء مجهولا أو كان جاهلا به بالمرّة- كما إذا لم يخطر بباله- أو قام عنده دليل شرعي على عدم اعتباره، دون ما إذا حصل اليقين بالتكليف و شكّ في حصول المكلّف به بما يؤدّيه، سيّما مع علمه بحصوله في الفرد الآخر المستجمع للجزء أو الشرط المشكوكين، بل علمه بحصوله في الفرد المذكور دون غيره ممّا يعيّن الإتيان به، فليس ذلك مندرجا في الجهالة المسقطة للتكليف، و لا أقلّ من الشكّ في اندراجه في الأخبار و هو كاف في المقام. و لو سلّم شمول إطلاقها لذلك فهو معارض بما دلّ على عدم نقض اليقين بالشكّ، و لزوم تحصيل اليقين بالفراغ بعد اليقين بالشغل، و مع تعارض القاعدتين المذكورتين لا يمكن الحكم بمشروعيّة الفعل المذكور و الحكم بسقوط التكليف به كما لا يخفى.

و من عجيب الكلام ما صدر عن بعض الأعلام: من أنّه لا فائدة في الإتيان بالجزء أو الشرط المشكوكين لتحصيل اليقين بالفراغ، مع أنّ سائر الأجزاء و الشرائط إنّما ثبتت أو نفيت بالأدلّة الظنّية الغير البالغة حدّ اليقين، فأيّ فائدة في مراعاة اليقين في جزء أو شرط مخصوص مع انتفائه في سائر الأحوال و الشرائط.

و كيف يعقل تحصيل اليقين من جهة الإتيان بالجزء أو الشرط المشكوك مع أنّه لا يقين في سائر الشرائط و الأجزاء، إذ قد عرفت أنّ المطلوب من اليقين في المقام ما قام عليه الدليل المعتبر المنتهي إلى اليقين لا ما حصل اليقين بكونه عين المكلّف به بحسب الواقع، لوضوح عدم اعتباره في الشرعيّات لا حكما و لا موضوعا، و المفروض أنّ سائر الأجزاء و الشرائط ممّا ثبت بالدليل المعتبر بخلاف ما هو محلّ الكلام، فاعتبار اليقين الواقعي فيه على فرضه ليس لتحصيل اليقين بأداء المكلّف به كذلك بالنحو المذكور، بل المقصود منه تحصيل فرد يقوم الدليل الشرعي على الاكتفاء به، إذ المفروض عدم قيام دليل شرعي على كون الفاقد لذلك الجزء أو الشرط من أفراد ذلك الواجب حتّى يقال بصدقه عليه.

583

و القول بان الأصل المذكور من الأدلّة على نفيه مدفوع، بأنّ ذلك أوّل الكلام و قد عرفت عدم نهوض شي‏ء من الأدلّة عليه، كيف و لو سلّم قيام دليل شرعي على اعتباره في المقام لم يعقل معه القول بوجوب الاحتياط كما لا يخفى.

و أمّا الخامس: فبأنّ المكلّف به في المقام هو ما استعمل فيه اللفظ و مدلوله، و هو من هذا الاعتبار ليس من الأحكام الشرعيّة، بل هو من الامور العاديّة الجارية على نحو المخاطبات العرفيّة سواء قلنا بثبوت الحقيقة الشرعيّة أو لا.

و سنقرّر أنّ أصل العدم من حيث هو لا يتفرّع عليه ثبوت الأحكام الغير الشرعيّة ممّا يجعل موضوعا للأحكام الشرعيّة. و نقول أيضا: إنّ الماهيّات المفروضة امور جعليّة توقيفيّة، و مثل ذلك لا مدخل لأصل العدم فيه، كيف و لو كان كذلك لجاز إثبات بساطة الموضوع له بالأصل لو دار الوضع بين كونه للبسيط أو للمركّب منه و من غيره، و كذا بساطة اللفظ الموضوع لو دار بين كون اللفظ الموضوع بسيطا أو مركّبا، كما إذا شكّ في كون اللفظ الموضوع بإزاء شخص لفظ «عبد» أو «عبد اللّه» فيحكم بالأوّل بمقتضى الأصل.

و من البيّن: أنّ الاستناد إليه في ذلك يشبه الهذيان في وضوح البطلان، ثمّ مع الغضّ عن ذلك كلّه فأصل العدم على فرض حجّيته في سائر المقامات إنّما ينهض حجّة فيما يدور الأمر بين وجود الشي‏ء و عدمه، سواء تعلّق الشكّ بوجود شي‏ء استقلالا أو مع امور اخر، و ليس المقام من ذلك، فإنّ المفروض دوران المطلوب بين شيئين، لا قطع بتعلّق التكليف بأحدهما من‏ (1) التكليف بالآخر كما قدّمنا القول فيه، فهو نظير ما إذا دار التكليف بين مركّبين مختلفين و كان أحدهما أقلّ جزء من الآخر، فإنّ عاقلا لا يتخيّل هناك ترجيح الأقلّ بالأصل، مع أنّه لا فرق بينه و بين ما نحن فيه سوى اشتمال الأكثر في المقام على الأقلّ، و لا ثمرة يترتّب عليه، لما عرفت من عدم اقتضاء التكليف بالأكثر للتكليف بالأقلّ إلّا في ضمنه لا مطلقا،

____________

(1) مع، خ ل.

584

فيتردّد المكلّف به بين شيئين لا يقطع بتعلّق التكليف بأحدهما على كلّ من التقديرين كما هو الحال في الفرض المذكور.

و أمّا السادس: فبأنّ المرجع في الأصل المذكور إلى أصالة البراءة أو أصل العدم و قد عرفت الحال فيها.

و أمّا السابع: فبأنّه لا يحكم في المقام بكون المشكوك جزء أو شرطا بحسب الواقع فيكون الحكم به من غير دليل، و إنّما يحكم بوجوب الإتيان في الظاهر، و ليس المستند فيه مجرّد الاحتمال كما توهّم، بل تحصيل اليقين بالفراغ بعد اليقين بالاشتغال الواجب مراعاته في المقام، حسب ما عرفت من قيام الأدلّة عليه. كيف و لا تأمّل في رجحان الاحتياط في المقام إن لم نقل بوجوبه، و ذلك أيضا حكم من الأحكام الشرعيّة و المنشأ فيه قيام الاحتمال المذكور.

و أمّا الثامن: فبأنّه لو صحّ ذلك و كانت الأوامر المتوجّهة إلى المكلّفين متعلّقة في الواقع بما قام الدليل عليه عند المكلّف لزم القول بالتصويب، لاختلاف المكلّفين في ذلك و تفاوت الأفهام في تعرّف الأحكام، و هو مخالف لإجماع الشيعة. و دعوى فهم العرف في ذلك ممنوعة بل فاسدة، إذ ليس ما استعمل فيه اللفظ عندهم إلّا ما أراده المتكلّم بحسب الواقع على مقتضى قانون الاستعمال، فإن أخطأ أحد في الفهم أو لم يصل إليه شي‏ء لم يلزم منه عدم تعلّق التكليف به بحسب الواقع.

غاية الأمر أن يكون ذلك عذرا له في الترك، فغاية ما في المقام فهم العرف كون العلم طريقا إلى الواقع في تعيين ما تعلّق التكليف به في الفروض المذكورة و نحوها، فيكون التكليف الظاهري منوطا بالعلم. فلو تمّ ذلك لزم القول بوجوب مراعاة الاحتياط في المقام و كان ذلك حجّة لما اخترناه، إذ الفرد المعلوم اندراجه في المأمور به حينئذ هو ما كان جامعا لجميع الأجزاء و الشرائط المشكوكة و الحاصل: أنّه يكون الأمر بالصلاة بحسب أنّه أمر بما علم أنّه صلاة لا علم‏

585

إلّا بالإتيان به‏ (1) على النحو المذكور، و أين ذلك من الاقتصار على القدر المعلوم اعتباره في الصلاة؟ و جواز الاقتصار على القدر المعلوم في الأمثلة المذكورة إنّما هو لكون التكليف بكلّ منها مستقلّا، فينحلّ الأمر المذكور الى أوامر يحصل الامتثال في كلّ منها بجنسه من غير ارتباط بينها في الامتثال، و لذا يكتفي بالقدر المعلوم من غير حاجة إلى مراعاة الاحتياط حسب ما مرّ تفصيل القول فيه.

و أمّا التاسع: فبأنّ غاية ما يفهمه أهل العرف في المقام هو المعاني الإجماليّة و أمّا التفصيل و تعيين الأجزاء و الشرائط بالخصوص فيرجع فيه أهل العرف إلى الفقهاء و حملة الشرع.

فإن قلت: أيّ فرق بين هذه الألفاظ و غيرها حيث يصحّ الرجوع في تعيين معاني سائر الألفاظ إلى العرف و لا يصحّ في المقام.

قلت: إنّما يرجع إلى العرف في تعيين المفهوم الّذي وضع اللفظ بإزائه دون تعيين مصاديقه، بل لابدّ هناك من مراعاة العلم باندراجه في مسمّى اللفظ، سواء حصل ذلك من الرجوع إلى العرف أو الحسّ أو العقل، فاللازم من الدليل المذكور صحّة الرجوع إلى العرف في معرفة مسمّى الألفاظ المذكورة في الجملة و هو كذلك، و لذا رجعوا في كونها موضوعة بإزاء الصحيحة أو الأعمّ منها إلى العرف.

و أمّا تمييز أجزاء المعنى و شرائطه على التفصيل فليس مأخوذا في وضع اللفظ حتّى يرجع فيه إلى العرف- حسب ما فصّل في محلّه- فلابدّ من تمييزه بمقتضى الأدلّة القائمة، و هو ممّا يختلف باختلاف الأوضاع و الأحوال. ألا ترى أنّ الصلاة الصحيحة أيضا من الألفاظ المستعملة في العرف و لا يمكن الرجوع في تفاصيله إلى العرف، و إنّما يرجع إليه في كونه العبادة المخصوصة المبرئة للذمّة، و يختلف أجزاؤه و شرائطه بحسب اختلاف المقامات على نحو ما قامت عليه الأدلّة

____________

(1) هكذا وجدنا العبارة في جميع ما عندنا من النسخ، و الصواب فيها هكذا:

و الحاصل أنّه يكون الأمر بالصلاة حسب ما ذكر أمرا بما علم أنّه صلاة و لا علم إلّا بالإتيان. هامش المطبوع.

586

الشرعيّة، و كذا الحال في مطلق الصلاة، فإنّما يرجع إلى العرف في كونها عبارة عن العبادة المعروفة المختلفة أجزاؤها و شرائطها بحسب اختلاف الأحوال، و ليس من شأن العرف تميّز ذلك، و إنّما يرجعون فيه إلى الفقهاء و هم يرجعون إلى الأدلّة الشرعيّة، و لذلك يحكم فيه كلّ منهم على حسب ما فهمه من الأدلّة.

و أمّا العاشر: فبأنّ معرفة أجزاء الصلاة و الصيام و غيرهما من العبادات و معرفة شرائطها و موانعها من عمد الأحكام الشرعيّة، و معظم المسائل الفقهيّة، و أكثرها ممّا خفيت على معظم الامّة، لوقوع الفتنة المعروفة، و اختلاف الأخبار المأثورة، و خفاء دلالتها بالذات، أو بملاحظة مجموع الأدلّة. و لذا صار كثير منها معارك للآراء و اختلف فيه أساطين الفقهاء و قصاراهم الاستناد فيها إلى الظنّ إن أمكن، و ليت شعري كيف يمكن دعوى الوضوح في المقام مع أنّ الفقهاء الأعلام من قديم الأيّام بل من عصر أئمّتنا (عليهم السّلام) لا زالوا مختلفين في ذلك، و كلّ يبذل وسعه في تحصيل المدارك و يستنهض الأدلّة على ما يرجّحه هناك لعموم البلوى بتلك المسائل.

و لو أفاد وضوح الأمر فإنّما يفيده بالنسبة إلى الامور الإجماليّة أو بعض الأجزاء أو الشرائط الواضحة. و أمّا الخصوصيّات المعتبرة و سائر الأجزاء و الشرائط المرعيّة فلا، كما هو المعلوم من ملاحظة أجزاء الصلاة و شرائطها مع أنّها أهمّ التكليفات الشرعيّة و أعمّ من جميع العبادات بليّة. و ما ادّعي من حصول الظنّ بحقيقة الصلاة من ملاحظة ما ذكره ممنوع، إذ ليست المعرفة بالمجملات المذكورة كالمعرفة بسائر الأحكام الشرعيّة من الرجوع في استفادتها إلى الضوابط المرعيّة سواء أفادت ظنّا بالحكم أو لا؟

و من الواضح: أنّ ادّعاء حصول الظنّ نظرا إلى الوجه المذكور بمعرفة تفاصيل أجزاء الصلاة و شرائطها الواقعيّة من غير زيادة عليها و لا نقيصة بعيد جدّا، سيّما بالنسبة إلى الظواهر الواردة لأحكام الشكوك و نحوها، بل يمكن دعوى القطع بفساده، على أنّك قد عرفت أنّ تعيين تلك الخصوصيّات ليس من قبيل إثبات‏

587

الموضوع له بالظنّ المكتفى فيه بمطلق الظنّ، بل الظاهر أنّه إثبات للمصداق، و الموضوع له هو المعنى الإجمالي الأعمّ حسب ما فصّل في محلّه فلا يكتفى في تعيين المصداق بمطلق الظنّ، بل لابدّ فيه من العلم، أو الأخذ بطريق ينتهي إلى العلم، كما هو معلوم من ملاحظة سائر المقامات. و ما قام الإجماع على حجّية الظنّ فيه إنّما هو موضوعات الألفاظ دون سائر الموضوعات كما قد يتوهّم.

و أمّا الحادي عشر: فبما قرّر في محلّه من فساد الدعوى المذكورة، و كون ذلك الألفاظ موضوعة بإزاء الصحيحة كما بيّناه في محلّه.

و أمّا الثاني عشر: فبأنّ ما لم يبيّنه النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) ممّا يحتمل جزئيّته أو شرطيّته و قد حضر وقت العمل به محكوم بعدمه قطعا، إذ ليس نصب الأنبياء إلّا لبيان الأحكام و إرشاد الأنام، لا لأن يأتونهم بالتكاليف المجملة، و يكلون بيانها على مراعاة الاحتياط كما مرّت الإشارة إليه.

و بالجملة: أنّ بيان الأحكام من الواجبات عليه (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم)، فإذا ترك البيان زيادة على المفروض دلّ على انحصار الأمر فيه، إذ لا يترك ما هو واجب عليه سيّما في أمر التبليغ. و قد نصّ الاصوليّون على أنّه لو وقع تكليف بالمجمل ثمّ صدر عن النبي (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) فعل يمكن أن يكون بيانا له و لم يفعل غيره و حضر وقت الحاجة تعيّن أن يكون ذلك بيانا له، و إلّا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، و هو بعينه جار في المقام، فكما أنّ بيان الأجزاء المفروضة دليل على جزئيّتها كذلك عدم ذكره لما يزيد عليها دليل على عدم اعتباره، و هذا بخلاف ما نحن فيه من قيام احتمال عدم الوصول، و مقايسة أحدهما بالآخر ممّا لا وجه له، إذ لا يجب على اللّه تعالى إيصال آحاد الأحكام إلى آحاد العباد، كيف! و من البيّن خلافه، و حينئذ بعد تعلّق التكليف بالمجمل كيف! يمكن الحكم بحصول البراءة بالناقص استنادا إلى عدم وصول القدر الزائد، لما عرفت من أنّ الإيصال ليس من الواجب على اللّه تعالى و لا على الرسول حتّى يدلّ انتفاؤه على انتفاء الزيادة.

و ما ذكر: من أنّ النائين عن حضرته (عليه السّلام) لم يكونوا يحتاطون في شي‏ء من‏

588

المجملات بل يأتون ما يصل من البيانات و يتركون ما لم يثبت عندهم و إن احتملوا وروده عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) مدفوع.

بأنّه إن كان عندهم من البيان ما حصلوا به معنى ذلك المجمل و المدلول عليه بالخطاب ثمّ شكّوا في تغيير حصل هناك و شكّ وروده في المقام فلا شكّ إذن في الجريان على الحكم السابق، و هو غير محلّ النزاع، لثبوت الدليل الشرعي إذن على نفي الزائد.

و أمّا إذا لم يكن كذلك- بل وصل إليهم عدّة أجزاء حصلوها من أماكن متعدّدة، و لم يعلموا صدق ذلك المجمل عليه، و تيقّنوا بحصولها مع انضمام عدّة اخرى من الأفعال المشكوكة جزئيّتها أو شرطيّتها- فالقول بجريان طريقتهم على الأوّل و الاكتفاء في أداء التكليف رجم بالغيب، بل جرأة بلا ريب، و كان الأظهر خلافه كيف! و من المستبين عند عامّة ذوي العقول توقّف اليقين بالاشتغال على اليقين بالفراغ هذا.

[الشكّ في الشرائط و الموانع‏]

و لنتمّم الكلام في المرام برسم امور: أحدها: أنّ الكلام المذكور كما يجري في الشكّ في الأجزاء كذا يجري في الشكّ في الشرائط و الموانع، من غير فرق لجريان جميع ما ذكر في الجميع، و قد أشرنا إليه في ضمن الأدلّة. و قد يتخيّل التفصيل بين الأجزاء و غيرها فيقال: بعدم جريان الأصل في الأوّل و يحكم بجريانه في الشرائط و الموانع.

و قد يقال: بعدمه في الأوّلين و جريانه في الأخير. و ربما يظهر من بعضهم ندرة الخلاف في عدم جريانه في الأخير حيث ذكر الخلاف في جريانه في الأجزاء و الشرائط، و ربما تجاوز بعضهم إلى المانع.

و أنت خبير: بأنّ عدم المانع من جملة الشرائط في الحقيقة، فتوهّم الفرق بينه و بين الشرط في المقام من الغرائب، و كأنّ وجه الفرق بينهما: أنّ الفعل يتمّ وجوده باجتماع الأجزاء و الشرائط، و مانعيّة المانع يتوقّف على الدليل فينفى بالأصل.

و لا يخفى وهنه، إذ انتفاء المانع أيضا مأخوذ في تحقّق الفعل على نحو الشروط،

589

و لا علم بحصول الفعل مع فرض الشكّ فيه. و القول بأنّ المعتبر فيه لمّا كان عدما كان موافقا للأصل واضح الفساد، إذ ليس الكلام في الشكّ في تحقّق المانع، و إنّما الكلام في الشكّ المتعلّق بنفس المانعيّة، كما إذا علم تحقّق شي‏ء و شكّ في مانعيّته.

و القول بأصالة عدم المانعية إن تمّ جرى بعينه في عدم الشرطيّة.

فظهر أنّ توهّم الفرق بين الشرط و المانع في المقام موهون جدّا.

بقي الكلام في الفرق بين الشكّ فيهما و بين الشكّ في الأجزاء. و قد حكي عن بعض أفاضل المحقّقين التفصيل بين الأمرين فحكم بعدم إجراء الأصل في الأجزاء و جريانه في الآخرين، و الوجه في ذلك: أنّ قضيّة الجزئيّة اندراجه في الكلّ و عدم تحقّق الكلّ بدون تحقّق كلّ من الأجزاء، فالشكّ في الجزء شكّ في تحقّق الكلّ.

و بالجملة: أنّ كلّ واحد من الأجزاء لاندراجه في الموضوع له ممّا انيط به التسمية فلا يتصوّر حصول الموضوع له بدونه، فلا يمكن العلم بإيجاده من دون الإتيان به، و ذلك بخلاف الشرائط و الموانع، لخروجها عن ماهيّة العبادة.

و القول بأنّ الشغل اليقيني يحتاج إلى اليقين بالفراغ- و لا يحصل إلّا بالإتيان بما لم يعلم عدم شرطيّته، و ترك ما لم يعلم عدم مانعيّته- مدفوع بأن ذلك إنّما يجري بالنسبة إلى الأجزاء لدخولها في المسمّى، بخلاف الامور الخارجيّة من الشرائط و الموانع، لأنّ المشكوك في شرطيّته و مانعيّته معلوم عدم جزئيّته فلا دخل له بمسمّى اللفظ. فامتثال الأمر بالصلاة و غيرها من العبادات إنّما يتوقّف على اليقين بحصول الأجزاء، و مع تحقّق حصولها يصدق المسمّى، و معه يحصل الامتثال القاضي بحصول الفراغ شرعا ما لم يدلّ على خلافه- على نحو ما يذكر في المعاملات- و هو المراد باليقين بالفراغ، إذ المقصود منه هو الفراغ الشرعي.

و ما يقال: من أنّ الشكّ في الشرط يقتضي الشكّ في المشروط ففيه: أنّ العبارة المذكورة لا يخلو عن إجمال، و هي على بعض معانيها لا كلام فيها، لكنّه غير مرتبط بالمقام.

590

توضيح ذلك: أنّ المراد بالشكّ في الشرط إمّا الشكّ في وجوده أو في شرطيّته، و كذا الشكّ في المشروط إمّا أن يراد به الشكّ في وجوده أو في مشروطيّته. فإذا لوحظ كلّ من الاحتمالين الأوّلين مع كلّ من الأخيرين تكون الوجوه أربعة.

فإن اريد به: أنّ الشكّ في وجود الشرط يقتضي الشكّ في وجود المشروط فحقّ، و لا ربط له بالمقام.

و إن اريد به: أنّ الشكّ في الشرطيّة قاض بالشكّ في المشروطيّة فهو واضح أيضا، و لا نفع له في المرام، إذ الحاصل منه هو الشكّ في مشروطيّة الفعل به، لا الشكّ في وجوده، كيف! و المفروض تحقّق الأجزاء بأجمعها، و مع العلم به كيف يعقل الشكّ في نفس وجود المشروط الّذي هو عين تلك الأجزاء.

و أمّا الوجهان الآخران فلا وجه لإرادتهما: إذ لا ارتباط بين الشكّين المفروضين حتّى يستلزم أحدهما الآخر.

قلت: هذا الكلام مبنيّ على كون أجزاء المأمور به بأجمعها معتبرة في التسمية بحيث يرتفع المسمّى بارتفاع أيّ منها، كما هو قضيّة الجزئيّة في بادئ النظر، نظرا إلى قضاء الضرورة بانتفاء الكلّ عند انتفاء جزئه، فإذا تعلّق الشكّ بجزئيّة شي‏ء كان شكّا في حصول الكلّ بدونه، فلا يعلم حصول مسمّى اللفظ من دونه، بخلاف الشرط و المانع، لإحراز المكلّف أداء المسمّى عند أداء الأجزاء بتمامها، فإذا علم شرطيّة شي‏ء أو مانعيّته وجب التزام التقييد في المطلق على القدر المعلوم، و إذا حصل الشكّ فيه دفع ذلك بالأصل، لقضاء الإطلاق بحصول الامتثال من دونه.

و أنت خبير: بأنّ مرجع ذلك إلى القول بكون تلك الألفاظ أسامي للصحيحة بحسب الأجزاء دون الشرائط، فاستجماع جميع الأجزاء معتبر عنده في التسمية بخلاف استجماع الشرائط، حسب ما مرّ تفصيل القول فيه في محلّه، و هو أضعف الوجوه في تلك المسألة. و مع البناء عليه فهو يوافق ما اخترناه من عدم إجراء الأصل في المجملات، فإنّ مقتضى القول المذكور التزام الإجمال في تلك الألفاظ

591

بالنسبة إلى الأجزاء دون الشرائط، بل هي مطلقة بالنسبة إليها، لتوهّم قضاء الدخول و الخروج بذلك، و حينئذ فجريان الأصل بالنسبة إلى الثاني في غير البيان، و إنّما الكلام في المقام في جريانه بالنسبة إلى الأوّل، نظرا إلى إجمال اللفظ، و قد منع منه القائل المذكور حسب ما اخترناه.

و لو سلّم القائل المذكور إجمال اللفظ بالنسبة إلى الشروط أيضا لم يتحصّل عنده المفهوم الّذي تعلّق الأمر به، مع الشكّ في حصول جميع الشرائط المعتبرة فيه فلا يمكنه الحكم بالامتثال، لعين ما ذكره في الأجزاء من غير فرق أصلا في بيان الحال في شبهة الموضوع، و المراد به ما إذا اشتبه موضوع الحكم و دار الأمر فيه بين تقسيم الحلال و الحرام و إن علم تفصيلا حكم تلك الأقسام، فيكون الجهل بالحكم في المقام ناشئا عن الجهل المذكور، حيث لا يعلم كون الحاصل هناك أيّ قسم منها.

و أمّا إذا كان الحال بعكس ذلك بأن تعيّن الموضوع بجميع خصوصيّاته لكن شكّ مع ذلك في اندراجه في الحلال أو الحرام من جهة الشكّ فيما انيط به الحلّ و الحرمة في الشريعة، كالمذبوح على غير القبلة أو من دون التسمية، فإنّ الفعل الحاصل من المكلّف حينئذ ممّا لا شبهة فيه، و إنّما الاشتباه في حكمه. فالشكّ حينئذ في اندراجه تحت الميتة أو المذكّى مع العلم بحكم كلّ من القسمين لا يدرجه في شبهة الموضوع و إن كان يتراءى ذلك في بادئ الرأي.

[الشبهة الموضوعيّة]

ثمّ إنّ الشبهة في الموضوع قد يكون من جهة الشكّ في طروّ ما يقتضي تحريمه على الوجه المفروض، كما إذا شكّ في طريان الغصب على المال الحلال، أو طريان النجاسة على المأكول الطاهر، أو طروّ ما يقتضي إباحته بعد العلم بتحريمه أوّلا، كالمغصوب إذا شكّ في زوال الغصب عنه، أو النجس إذا شكّ في طهارته.

592

و قد يكون من جهة الجهل بحال المصداق بدورانه بين الاندراج في النوع الحلال أو الحرام مع عدم العلم بحصول النوعين في المقام بل بدوران الأمر ابتداء في الفرد الحاصل‏ (1) بين الوجهين، كما إذا شكّ في كون المرأة رضيعة له يحرم عليه نكاحها، أو أجنبيّة يجوز له التزويج بها، أو وجد لحما و لم يدركونها ميتة أو مذكّاة، أو دار بين كونه من الحيوان المأكول أو غيره، أو رأى حيوانا و شكّ في اندراجه في النوع الحلال أو الحرام.

و قد يكون من جهة الجهل بتعيين الحلال و الحرام.

و قد يكون من جهة امتزاج الحرام بالحلال و اختلاطه بحيث لا يمكن التمييز، على نحو اختلاط الدبس أو المائع المغصوب بالمباح، و كذا السمن و الطحين و السويق بل الحنطة و نحوها.

و قد يكون من جهة اشتباه الفرد الحلال بالحرام عند حصولهما معا و عدم تمايزهما في المقام، مع الجهل بالتعيين كالإنائين المشتبهين عند العلم بنجاسة أحدهما، و الدرهم الحلال المشتبه بالحرام إذا علم حرمة أحدهما و حلّية الآخر، و لحم الميتة و المذكّاة عند اشتباه أحدهما بالآخر. و حينئذ قد يكون الامور المردّد بينها محصورة محدودة، و قد تكون غير محصورة، فهذه صور المسألة.

أمّا إذا كانت الشبهة من جهة طريان ما يزيل الحكم الثابت من الحلّ أو الحرمة، فلا ريب حينئذ في البناء على الحكم الأوّل حتّى يثبت خلافه، سواء كان الثابت أوّلا هو الحلّ أو الحرمة من غير خلاف فيه بين الاصوليّة و الأخباريّة، فإنّ حجّية الاستصحاب فيه متّفق عليه بين الفريقين، و لا مجال لتوهّم الحلّ في الصورة الثانية نظرا إلى عدم حصول اليقين بالحرمة حينئذ، إذ مجرّد الاستصحاب لا يفيد العلم، و قد انيط الحكم بالتحريم في الرواية المذكورة بعد الدوران بين الحلّ و الحرمة بالعلم بالحرمة، الظاهر في اليقين فيحكم بالحلّ من دونه، إذ المراد من العلم في الشرعيّات هو العلم الشرعي- أعني ما حصل من الدليل المعتبر عند

____________

(1) الخاصّ، خ ل.

593

الشارع سواء أفاد اليقين بالواقع أو لا- حسب ما نقول بمثله في مسألة الاستصحاب كما سيجي‏ء بيانه.

و مع الغضّ عن ذلك فالحكم بالحلّ في الرواية مغيّى بعدم العلم بالتحريم.

و بعد العلم به لو حصل الشكّ أو الظنّ بالحلّ فلا دلالة في الرواية على الحكم بحلّه أصلا، فيستصحب التحريم من دون معارض. و لو كان ممّا توارد عليه الحالان و لم يعلم تقدّم أحدهما و تأخّر الآخر- ليؤخذ بمقتضاه- ففي جريان القاعدة المذكورة فيه نظرا إلى عدم العلم بالحرمة فيؤخذ بالحلّ إلى أن يعلم التحريم، و عدمه نظرا إلى حصول العلم بحرمته بالخصوص في الجملة فيخرج عن مورد النصّ المذكور وجهان. و قد يؤيّد الأوّل عمومات الحلّ، و كأنّه الأظهر.

و إن كان من الثاني (أعني ما إذا دار الأمر في المصداق بين الوجهين) فإن كان هناك قاعدة شرعيّة قاضية بالحلّ- كيد المسلم و إخبار ذي اليد القاضي بالحلّ و الطهارة- فلا إشكال. أو بالمنع- كإخباره بحرمته أو نجاسته، و كأصالة عدم التذكية بالنسبة إلى اللحوم و الجلود و نحو ذلك- قضي بالمنع. و إن خلا من الأمرين فظاهر الرواية المذكورة قاضية فيه بالحلّ، بل لا يبعد أن يكون ذلك هو مورد الرواية كما سنشير إليه.

و لو وجد حيوانا و شكّ في كونه من جنس المأكول أو غيره فهل يحكم بمجرّد ذلك بحلّه، أو لابدّ من استعلام الحال في اندراجه في أحد الأصناف المحلّلة أو المحرّمة بالرجوع إلى أهل الخبرة و العلامات المنصوبة من الشرع؟ و كذا الحال في غير الحيوان من المأكول و المشروب الدائر بين المباح و المحرّم وجهان.

و الّذي يتقوّى في النظر أن يقال: إن كان ذلك معلوم العين و كان مجهول الاسم أو مجهول الصفة- الّتي به يتميّز الحلال عن الحرام فيشكّ في شأنه من تلك الجهة- فلا يبعد كونه من الجهل بالحكم، فيجب عليه التجسّس عنه، و لا يجوز له البناء على الحلّ بمجرّد الجهل المفروض نظرا إلى الأصل المذكور. و هل يجوز له البناء على الحلّ مع العجز عن التجسّس وجوه: ثالثها التفصيل بين المجتهد و غيره.

594

و أمّا إذا كان الموضوع غير معلوم العين و كان دائرا بين الأمر المحلّل و المحرّم فالظاهر اندراجه تحت الأصل المذكور فلا يجب التجسّس عنه، فعلى هذا يجوز تناول المعاجين و نحوها- من المركّبات الّتي لا يعرف أجزاؤها- قبل التفحّص عنها و المعرفة بحالها و إن احتمل أن يكون بعض أجزائها ممّا يحرّم أكله.

هذا و ما ذكر من الحكم بحلّ المشتبه في هذه الصورة ظاهر بالنسبة إلى الحكم بحلّه في نفسه.

و أمّا بالنسبة إلى حلّه في العبادات إذا دار الأمر بين المنع من التلبّس بها نظرا إلى احتمال منافاته لها و عدمه ففيه وجهان. و ذلك كالجلد الدائر بين كونه من مأكول اللحم و غيره، أو الشعر الملاصق للّباس الدائر بين الأمرين، فيحتمل اندراجه في إطلاق الرواية المذكورة فيبنى فيه أيضا على الحلّ و الجواز حتّى يتبيّن الخلاف، و يحتمل انصراف الرواية إلى حلّ الشي‏ء و حرمته في نفسه دون كونه مانعا من صحّة عمل آخر و عدمه، و كما أنّ الأصل في العبادات المجملة عند الدوران بين جواز فعل فيها و عدمه بحسب الحكم هو البناء على المنع، حسب ما عرفت من وجوب مراعاة الاحتياط نظرا إلى العلم بحصول التكليف و الشكّ في أداء المكلّف به، كذا الحال في صورة الشكّ في الحاصل في الأداء من جهة الموضوع، بل لا يتفاوت الحال في الشكّ المفروض بين العبادات المجملة و غيرها، إذ لا ثمرة للإطلاق بالنسبة إلى الشكّ الحاصل في أداء الشي‏ء المعيّن أو الإتيان به لقضاء اليقين بالاشتغال في مثله باليقين بالفراغ مطلقا.

و قد يفصّل في المقام بين ما إذا كان الشكّ المفروض قاضيا بالشكّ في أداء شرط من شروط العبادة- كما إذا لم يدركون اللباس منسوجا من صوف المأكول أو غير المأكول و أراد ستر العورة الواجب في الصلاة به- و ما إذا تعلّق الشكّ بوجود المانع- كما إذا أراد لبس الثوب المفروض في الصلاة في غير ستر العورة- و الفرق أنّ المقتضي للصحّة غير ثابت في الأوّل للشكّ في وجود الشرط القاضي بالشكّ في وجود المشروط، فيبقى التكليف بحاله إلى أن يتحقّق العلم بالفراغ، بخلاف الثاني، لوجود المقتضي هناك.

595

غاية الأمر احتمال وجود المانع، و هو مدفوع بالأصل.

و يشكل ذلك: بأنّ مرجع المانع إلى الشرط فإنّ عدم المانع شرط في الصحّة و حينئذ فالشكّ فيه أيضا قاض بالشكّ في وجود المشروط به كغيره من الشروط الوجوديّة، و قد يدفع: بأنّه و إن كان مرجع المانع إلى الشرط إلّا أنّ الملحوظ في الشرط وجود الشي‏ء، و في المانع عدمه، فتحقّق الأوّل مخالف للأصل بخلاف الثاني، و كفى به فارقا بين المقامين.

ألا ترى أنّه لو شكّ في تحقّق الحدث في الصلاة بنى على عدمه. و لو شكّ في تحقّق الطهارة أو الاستقبال بنى على عدمهما أيضا.

و قد يشكل ذلك: بالفرق بين ما إذا دار الأمر بين وجود الشي‏ء المانع و عدمه، و بين وجود الشي‏ء و الشك في مانعيّته- أي الشكّ في كونه هو الأمر المانع أو غيره- فإنّه لا شكّ في دفع الأوّل بالأصل، و أمّا الثاني فدفعه بالأصل مشكل، لاحتمال أن يكون ذلك هو ما اعتبر عدمه في تحقّق المطلوب و أن يكون غيره، و نسبة الأصل إلى الأمرين على وجه واحد، بل قد يقال: إنّ قضيّة الأصل هنا أيضا هو الأوّل نظرا إلى أنّ حصول الاشتغال بأداء المأمور به معلوم، و الخروج عنه غير معلوم، فيبنى على عدمه.

نعم لو كان هناك أصل يقضي بانتفاء المانع صحّ الإشكال عليه، كما لو شكّ في الشعرات الملصقة بالثوب أنّها من المأكول أو غيره، فإنّه يمكن أن يقال: إنّ الصلاة في الثوب المفروض قبل حصول الشعرات فيه كانت صحيحة فيستصحب ذلك إلى أن يعلم المنع. هذا كلّه إذا كان تحريم الشي‏ء في المقام على وجه المانعيّة.

أمّا إذا لم يكن مانعا، بل كان دائرا بين الإباحة و مجرّد التحريم و إن تبعه المانعيّة، فلا شكّ في كون الأصل فيه أيضا عدم التحريم، كما في الصورة السابقة، فيدفع المانعيّة من جهة نفي التحريم.

ثمّ إنّه لا فرق فيما ذكرنا بين العبادة المجملة و غيرها من المطلقات، إذ المفروض ثبوت المانعيّة. غاية الأمر دوران الشي‏ء بين كونه ذلك المانع أو غيره.

596

و أمّا ما كان من الثالث- أعني ما كان الحرام ممتزجا مع الحلال على نحو لا يمتاز أحدهما عن الآخر- فلا إشكال في تحريم استعمال الجميع، إذ استعمال كلّ جزء من المباح استعمال لجزء من الحرام المنضمّ إليه. و في بعض صور المسألة يحصل الإشاعة و الشركة القهريّة فيكون استعمال المباح استعمالا للحرام.

نعم في بعض صور امتزاج الحرام يحكم بالحلّ- كما إذا استهلك الحرام الطاهر في الماء، أو كان نجسا و لم يتنجّس به الماء، لاعتصامه و عدم تغيّر أحد أوصافه- فإنّ الظاهر حلّه و إن كان عينه موجودا بحسب الواقع.

و توضيح الكلام في ذلك: أنّ حرمة المحرّم قد يتبع اسمه- كالطين- فإن خرج بالامتزاج عن اسمه، كاستهلاك الطين في الماء أو غيره انتفى التحريم. و كذا لو دار مدار وصف ينتفي بالامتزاج كالاستخباث في وجه. و إن كان دائرا مدار حقيقته فإن حصل استهلاكه في الماء على الوجه المذكور قضى بحلّه، لما دلّ على طهارة الماء و طهوريّته. و أمّا الاستهلاك في غير الماء من الجوامد فلا يقضي بالحلّ. و في سائر المائعات إشكال، و يقوى البناء على التحريم في غير المضاف. هذا كلّه إذا لم يكن التحريم من جهة كونه ملك الغير.

أمّا إذا كان من جهة كونه ملكا للغير، فالظاهر عموم المنع في جميع الصور و لو كان قليلا غير متموّل في وجه قويّ، بناء على كون التصرّف تابعا لملكيّته لا ماليّته كما هو الظاهر.

نعم لو حصل إتلافه بالامتزاج- كما إذا قطر قطرة من الدبس الحرام في الماء- فالظاهر عدم المنع، و لو ظهر أثره فيه كماء الورد و نحوه من المعطّرات و الأدوية القويّة الآثار قوي المنع و إن استهلك فيه و الظاهر عدم صدق التلف فلا يبعد القول بحصول الشركة لمالكه بالنسبة. و لو كان الممازج مماثلا فالظاهر عدم حصول الاستهلاك و لو كان قليلا، و كذا عدم صدق التلف بامتزاجه. فتأمّل.

و أمّا القسم الرابع: و هو ما إذا كانت الشبهة من جهة وجود الحلال و الحرام معا و اشتباه مصداق أحدهما بالآخر، فإن كان ما وقع فيه الاشتباه من الأفراد غير محصور فلا إشكال في الحلّ و جواز التصرّف.

597

[إذا كانت الشبهة من جهة وجود الحلال و الحرام معا و اشتباه مصداق أحدهما بالآخر] و يدلّ عليه امور:

الأوّل: الإجماع المعلوم و المنقول في لسان جماعة، بل الضرورة قاضية به في الجملة، فإنّ وجود ماء نجس في العالم إذا احتمل أن يكون ما عندنا من الماء هو ذلك النجس و كذا حرمة شي‏ء كذلك لا يقضي بالمنع من التصرّف فيما عندنا من جهة الاحتمال المذكور إذا لم نعلم نجاسته أو حرمته، و هو ظاهر.

الثاني: لزوم العسر و الحرج لولاه و هو منفيّ في هذه الشريعة آية و رواية.

و ما يورد في المقام أوّلا: من أنّ لزوم العسر و الحرج لا يقضي بالحلّ و الطهارة، غاية الأمر جواز التصرّف من جهة الضرورة كأكل الميتة في المخمصة، فإنّه لا يفيد حلّ الميتة حينئذ بالذات و لا طهارتها. غاية الأمر جواز الإقدام على أكلها من جهة الضرورة و أين ذلك من المقصود في المقام. و ثانيا: أنّ الحلّ الحاصل بسبب العسر و الحرج إنّما يتبع حصول ذلك، و من البيّن أنّ الاجتناب من غير المحصور ليس عسرا و حرجا في جميع الأزمان بالنسبة إلى جميع الأشخاص. ألا ترى أنّ من يزاول الصحاري المتّسعة يعسر عليه الاجتناب من جميعه بسبب علمه ببول شخص في مكان غير معيّن منه، بخلاف من يجتاز فيها و لا يحتاج إلى ملاقاة شي‏ء منها. و قد يتحقّق العسر و الحرج في الاجتناب عن المحصور أيضا في محلّ الحاجة و الضرورة إليه، فلابدّ إذن من بناء الأمر على الدوران مدار الضرورة و الحرج اللازم و عدمها دون انحصار الشبهة و عدمه مدفوع.

أمّا الأوّل: فبأنّ لزوم العسر و الحرج قد ينافي تشريع الحكم، و قد يقضي بالجواز في محلّ الضرورة، فإن ثبت الحرج و المشقّة في أصل تشريع الحكم بأن حصل الحرج في أغلب موارده لم يقع من الشارع تشريع لمثله، و إن لم يكن هناك حرج في أغلب موارده بل اتّفق هناك حرج و ضيق في الاجتناب عنه في بعض الموارد فلا ينافي ذلك تشريع أصل الحكم، و إنّما يقضي بالرخصة في محلّ الضرورة، كما في أكل الميتة في المخمصة. فما ذكره من أنّ العسر و الحرج لا يقضي بالحلّ و الطهارة مستشهدا بأكل الميتة كما ترى.

598

و من ذلك يتبيّن الجواب عن الثاني أيضا: فإنّ عموم لزوم الحرج في المقام قاض بعدم تشريع الحكم، فيعمّ الموارد النادرة أيضا ممّا لا حرج فيها، بخلاف ما إذا كان الحرج اتّفاقيا، فإنّه إنّما يتبع حصول الحرج و الفرق بين الصورتين ظاهر لا يخفى. فما ذكره من دوران الحكم مدار حصول الحرج مطلقا ضعيف جدّا، كما يتّضح ذلك من ملاحظة نظائره في سائر المقامات.

الثالث: أنّك قد عرفت: أنّ الأصل في الأشياء بمقتضى العمومات المتقدّمة هو الحلّ حتّى يعلم ثبوت التحريم، و العلم الحاصل في غير المحصور بوجود الحرام في الجملة لا يعدّ في العرف علما بثبوت التحريم بالنسبة إلى شي‏ء من الخصوصيّات حتّى يمنع من الإقدام بالنسبة إلى خصوص الموارد الدائر احتمال كون المحرّم خصوص شي‏ء منها في نظر العرف جدّا بحيث لا يلتفت إليه في الإقدام على خصوص الموارد، بل يعدّ التحرّز منه عن الجهة المذكورة من ظنون أصحاب السوداء، و ذلك كالتحرّز عن كثير من المطعومات لاحتمال كونه مسموما نظرا إلى حصول العلم بوجود طعام مسموم في العالم، فقد يكون هو ذلك الّذي يريد الإقدام على أكله. و إذا لم يكن الاحتمال المذكور ملتفتا إليه بحسب العرف في شي‏ء من الموارد الخاصّة لم يعدّ ذلك العلم الإجمالي علما في المقام، فمقتضى العمومات المذكورة ثبوت الحلّ و الإباحة بالنسبة إلى خصوص الموارد- كما هو المدّعى- و لا يجري نحو ذلك بالنسبة إلى الشبهة المحصورة كما سيأتي الإشارة إليه إن شاء اللّه فتأمّل.

[المراد بغير المحصور]

بقي الكلام في المراد بغير المحصور: ففسّره بعضهم بما يكون خارجا عن حدّ الإحصاء بحسب العادة، فيتعذّر أو يتعسّر إحصاؤه في العادة، لكثرته و انتشاره. و يمكن أن يقال: إنّه ما يكون احتمال إصابة الحرام المعلوم بالنسبة إلى الإقدام على خصوص المصاديق الخاصّة موهونا غير ملتفت إليه بحسب العادة.

أو إنّه ما لا يكون الإقدام على المصداق الخاصّ قاضيا برفع العلم الإجمالي الحاصل بوجود الحرام، بل مع البناء على حرمة ذلك المصداق أو حلّيته يقطع بوجود الحرام في الجملة من دون تفاوت.

599

و الوجوه الثلاثة متقاربة، إلّا أنّ الوجه الأخير أخصّ مطلقا، إذ قد يرتفع العلم الإجمالي على تقدير كون ذلك حراما نظرا إلى احتمال انطباق ذلك الإجمال عليه، و مع ذلك يعدّ من غير المحصور أيضا. فأظهر الوجوه هو الأوّل إلّا أنّه لا يفارق الثاني، بل و لا الثالث في الأغلب.

و إن كان ما وقع فيه الاشتباه محصورا فالمعروف من المذهب هو المنع من الإقدام على كلّ من الأفراد الّتي وقع فيها الاشتباه، و عدم جواز التصرّف في شي‏ء منها حتّى يزول الاشتباه بوجه شرعي من غير فرق بين الإقدام عليها في نفسها أو في أداء واجب يتوقّف على المباح منها، كاستعمال أحد الإنائين المشتبهين بالمغصوب أو النجس في الوضوء أو الغسل فيسقط ذلك الواجب المتوقّف عليه، إلّا أن يغلب جهة وجوبه على تحريم ذلك المحرّم، كما هو الحال في بعض الواجبات. و هذا هو الّذي ذهب إليه المعظم، بل حكاية الإجماع عليه مستفيضة في خصوص بعض المقامات كمسألة الإنائين المشتبهين.

و ذهب بعض المتأخّرين إلى كون الشبهة محلّلة للحرام، بمعنى جواز الإقدام عليه في حال الاشتباه، بحيث لا يعلم حين ما يقدم عليه كون ذلك إقداما على الحرام فيجوز الإقدام على جميع تلك المشتبهات إلى آخرها و إن لم يجز الإقدام عليها مجموعا، للعلم بالتعرّض للحرام في ذلك الإقدام الخاصّ. و قد ذهب إلى ذلك بعض المتأخّرين و لم نجد القول به من أحد من المتقدّمين.

و ذهب بعض آخر من المتأخّرين إلى جواز الإقدام إلى أن يحصل العلم بالإقدام على الحرام، فإن وقع الاشتباه بين الفردين جاز التصرّف في كلّ منهما انفرادا، و مع التصرّف في أحدهما يحرم التصرّف في الآخر. و إن كان الاشتباه بين الثلاثة و كان الحرام المشتبه واحدا جاز التصرّف في كلّ منها انفرادا أيضا و في اثنين منها انفرادا و مجتمعا، و مع حصول التصرّف فيهما يحرّم التصرّف في الثالث.

و إن كان الحرام اثنين جاز التصرّف في كلّ منها انفرادا أيضا، إلّا أنّه مع الإقدام على واحد منها لا يجوز التصرّف في شي‏ء من الآخرين.

600

و من ذلك يعرف الحال في سائر فروض المسألة و مرجع ذلك إلى القول بالتخيير بين الفردين أو الأفراد على حسب ما فيها من الحلال، فهو مخيّر في الإقدام على كلّ منها على حسبه، فإذا استوفى مقدار الحلال تعيّن الباقي للحرام على مقتضى اختياره، فهو قول بتحريم التصرّف في الجميع أيضا و إن حكم بجواز التصرّف في كلّ واحد منها على سبيل التخيير.

و يعزى إلى بعض الأصحاب قول باستعمال القرعة في المقام، فيحكم بالحلّ و الحرمة على حسب ما أخرجته، و مرجع هذا القول إلى الأوّل، فإنّ الظاهر منعه من التصرّف قبل القرعة مطلقا. غاية الأمر أنّه يقول بحصول اليقين و الخروج عن الشبهة شرعا بالقرعة، و هو أمر آخر لا ربط له بالمقام.

و كيف كان فالأقوال المذكورة في المسألة أربعة: و المختار هو ما ذهب إليه المعظم.

و يدلّ عليه امور:

الأوّل: أنّه بعد حصول الاشتباه فإمّا أن يحكم في الظاهر بحرمة الإقدام على الأمرين و عدم جواز الإقدام على شي‏ء منهما، أو بجواز الإقدام على الجميع فلا يحرم في الظاهر التصرّف في شي‏ء منهما، أو بجواز الإقدام على أحدهما دون الآخر، و لا سبيل إلى شي‏ء من الوجهين الأخيرين فتعيّن الأوّل، و هو المدّعى.

أمّا الأوّل فللزوم الحكم بحلّية المحرّم و طهارة النجس، إذ المفروض العلم بحرمة أحدهما أو نجاسته، و البناء على الثاني قاض بالترجيح بلا مرجّح، إذ نسبة الإباحة و التحريم إليهما على نحو سواء. و لو فرض حصول الظنّ بالحلّ أو الحرمة فلا عبرة به في المقام، لما دلّ على عدم الاعتداد بالظنّ في مثل المقام، فإنّه من جملة الموضوعات الصرفة، و لا عبرة فيها بالمظنّة. و مع الغضّ عنه فلا يجري في جميع الصور، إذ قد يتساوى الحال بالنسبة إليهما، كما في صورة الشكّ و هو مندرج في محلّ الكلام قطعا. و يمكن الإيراد عليه بوجوه:

الأوّل: النقض بأنّ اختيار الوجه المذكور كما يقتضي الحكم بتحليل الحرام،

601

فاختيار الوجه الأوّل قاض بتحريم الحلال و إجراء حكم النجس على الطاهر، للعلم بحلّية أحدهما و طهارته، فكيف! يحكم بالتحريم بالنسبة إليهما و يسلب حكم الطاهر عنه، فما يجاب به بناء على اختيار هذا الوجه يجاب به على التقدير الآخر.

الثاني: إنّا نختار الوجه الأوّل من الوجهين الأخيرين، و ما قيل: من أنّه يؤدّي إلى آخره. إن اريد به الحكم بحلّية الحرام بحسب الواقع و كذا طهارة النجس كذلك فهو فاسد، إذ لا كلام في ثبوت التحريم و النجاسة في الواقع، و لذا لا يجوز الإقدام عليهما مجموعا. و إن اريد أداؤه إلى الحكم في الظاهر بجواز الإقدام على ما هو محرّم في الواقع مع عدم العلم بالإقدام على خصوص الحرام حين التلبّس بكلّ منهما فبطلانه أوّل الدعوى، و أيّ مانع من ذلك بعد وضوح ثبوت كون الجهل عذرا للمكلّف في موارد شتّى؟

الثالث: إنّا نختار الوجه الثاني، و ما قيل: من لزوم الترجيح بلا مرجّح، إنّما يتمّ إذا قلنا بحلّية أحدهما بالخصوص و حرمة الآخر كذلك، و أمّا إذا قلنا بحلّية أحدهما و حرمة الآخر في الجملة فلا.

فإن قلت: لا وجه للقول بإباحة المبهم و حرمته، فإنّ الترك و الإتيان إنّما يكون للمعيّن فيتعيّن الوجه الأوّل و يلزم المحذور. و هذا هو الّذي رامه المستدلّ.

قلت: المقصود حرمة أحدهما و حلّية الآخر على وجه التخيير بأن يكون المكلّف مختارا في الإقدام على أيّ منهما، و بعد الإقدام عليه لا يجوز له الإقدام على الآخر، على حسب ما ذكرناه في تقرير القول الثالث من الأقوال المذكورة، فلا يرد عليه شي‏ء من المحذورين.

و يمكن الذبّ عن الأوّل: بأنّه لمّا كان الإقدام على الحرام مؤدّيا إلى الضرر قاضيا بورود المفسدة على من يقدم عليه بخلاف ترك الحلال إذ لا محذور فيه كان مقتضى العقل عند دوران الأمر بين الأمرين هو ترجيح جانب الترك، لحصول الأمن من الضرر في البناء عليه بخلاف جانب الفعل، لما فيه من خوف الإقدام‏

602

على الضرر، و من المقرّر وجوب دفع الضرر و الخوف. فهذا هو الوجه في تعيين العقل ترجيح جانب الترك. و ليس في ذلك تحريم الحلال، بل حكم بوجوب ترك الحلال لئلّا يؤدّي إلى فعل الحرام، و لا مانع منه. فمقتضى القاعدة حينئذ حرمة الأمرين في الظاهر نظرا إلى الوجه المذكور.

نعم لو قام دليل خاصّ على جواز الفعل حينئذ فلا مانع و قضى بالخروج عن مقتضى القاعدة المذكورة، إلّا أنّه لم يقم ذلك في المقام، و ما احتجّ به الخصم على ذلك مدفوع حسب ما يأتي الإشارة إليه إن شاء اللّه.

و عن الثاني: بأن الأحكام الشرعيّة جارية على موضوعاتها الواقعيّة، فإنّ الألفاظ موضوعة بإزاء الامور الواقعيّة من دون مدخليّة في مفاهيمها للعلم و الجهل، فإذا حصل موضوع التحريم بحسب الواقع كان من الواجب الاجتناب عنه، فإذا قيل بجواز الإقدام على كلّ من الأمرين لزم الحكم بجواز الإقدام على الحرام، و هو ما ذكر من اللازم. و القول بكون الجهل عذرا في جواز الإقدام إنّما يتمّ في الجاهل المحض الغافل عنه، إذ هو القدر الثابت في اشتراط التكليف.

و أمّا الجاهل المتردّد بين الوجهين مع علمه بحرمة أحدهما- على ما هو مفروض المقام- فلا دليل على كون جهله المفروض عذرا، بل مقتضى القاعدة لزوم الاجتناب عنه أخذا بمقتضى التحريم حتّى يتبيّن خلافه.

نعم لو قام دليل خاصّ على جواز الإقدام حينئذ و سقوط التكليف المذكور بهذا النوع من الجهل وجب الخروج عن مقتضى الأصل المذكور، و حينئذ فلا كلام، و المقصود من الدليل المذكور قضاء الأصل أوّلا بالمنع من الإقدام إلى أن يثبت الجواز و أنّى لهم باثباته.

و عن الثالث: بأنّه إنّما يتمّ الحكم بالتخيير في المقام إذا لم يكن هناك مناص للمكلّف عن الإتيان بأحدهما، و أمّا إذا أمكن تركهما معا فلا وجه للتخيير، لعدم تساوي جانبي الفعل و الترك بحسب ترتّب المصلحة و المفسدة حتّى يحكم العقل بتساويهما في الإقدام و الإحجام، و أمّا مع ترتّب المفسدة على أحد الجانبين‏