هداية المسترشدين - ج3

- الشيخ محمد تقي الأصفهاني النجفي المزيد...
732 /
603

و القطع بعدم ترتّب مفسدة على الجانب الآخر فلا وجه لحكم العقل بالتخيير بينهما، لعدم تساويهما.

و الحاصل: أنّ مفسدة الحكم بالتخيير عدم تساوي الأمرين في نظر العقل، لوضوح التفاوت بينهما، فيتعيّن عنده جانب الترك، و مفسدة التعيين ما ذكر من لزوم الترجيح بلا مرجّح و العقل لا يحكم في مثل ذلك بالتخيير إلّا مع قيام دليل خاصّ عليه، كما أنّه لا يحكم بتعيين أحدهما إلّا لدليل دالّ عليه. و لا يذهب عليك أن الأولى في تقرير الدليل المذكور تربيع الاحتمالات و إبطال ثلاثة منها بالوجوه المذكورة ليتعيّن الرابع.

الثاني: أنّ اجتناب الحرام مطلوب للّه تعالى فيجب امتثال طلبه، و لا يتمّ ذلك إلّا باجتناب الجميع، و ما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب، فاجتناب الجميع واجب.

و يرد عليه امور:

أحدها: أنّه إن اريد أنّ اجتناب ما هو حرام بحسب الواقع واجب سواء علم كونه حراما أو لا فهو ممنوع، بل هو أوّل الدعوى. و إن اريد أنّ اجتناب ما هو حرام واجب في الجملة فمسلّم، و لا يرتبط به المقدّمة الثانية لينتج المدّعى.

ثانيها: أنّ ما ذكر: من أنّ اجتناب الحرام لا يتمّ إلّا باجتناب الجميع، ممنوع، إذ قد يحصل ذلك باجتناب البعض، لاحتمال مصادفته لترك الحرام. و فيه: أنّ المقصود صدق امتثال طلبه تعالى لأداء ذلك، و لا يحكم بتحقّقه عرفا بمجرّد الاحتمال، فصدق الامتثال عرفا غير الإتيان بما هو مطلوبه تعالى في الواقع مع عدم العلم بحصوله.

و مع الغضّ عن ذلك فيمكن تغيير الاحتجاج في الجملة بأن يراد فيه: أنّه يجب العلم بأداء مطلوبه تعالى، إذ كما يجب الإتيان بمطلوبه تعالى يجب العلم بأدائه أيضا و العلم بأدائه يتوقّف على ترك الجميع من غير إشكال.

ثالثها: النقض بغير المحصور، فإنّ اجتناب الحرام هناك واجب أيضا، و لا يتمّ إلّا باجتناب الجميع، فما يجاب به هناك يجاب به في المقام.

604

و يمكن دفعه أوّلا بأنّه و إن كان يقتضي وجوب الاجتناب عن الجميع هناك أيضا إلّا أنّه خرج ذلك بالدليل، لقيام الإجماع على عدم وجوبه، و قضاء العسر و الحرج به، مضافا إلى الفرق الظاهر بين المحصور و غير المحصور، حيث إنّ احتمال إصابة الحرام في المحصور ممّا يعتدّ به في العادة، بخلاف غير المحصور و قد مرّ تفصيل القول فيه.

الثالث: أنّ أحد المشتبهين محرّم، و كلّ محرّم يجب الاجتناب عنه، فالاجتناب عن الحرام المفروض واجب، أمّا الكبرى فظاهر، و أمّا الصغرى فلقضاء ما دلّ على تحريم ذلك الشي‏ء بدورانه مدار التحريم الواقعي، و المفروض حصول العلم بوجوده في المقام، و أيضا المفروض في المقام اشتباه الفرد الحلال بالفرد الحرام، مع تحقّق الأمرين، فلو لا وجود الفرد الحرام لم يتحقّق الفرض المذكور.

غاية الأمر أن يدّعى حصول الإباحة من جهة الاشتباه، لقيام الدليل عليه كذلك، و إذا ثبت تحريم المصداق المفروض تخصّص به القاعدة الدالّة على الإباحة، بل كان خارجا عنها، للعلم بحصول التحريم بالنسبة إليه. و حيث إنّ الخارج مجهول دائر بين الأمرين كانت القاعدة المذكورة بالنسبة إليه كالعامّ المخصّص بالمجمل، فلا حجّية فيها بالنسبة إلى مورد الاشتباه، فلا دليل إذن على حلّية شي‏ء منهما في الظاهر، و لا كلام ظاهرا بعد ذلك في عدم جواز الإقدام عليه، فإنّ القائل بجواز الإقدام انّما يقول به من جهة اندراجه تحت الأصل المذكور، و مع الغضّ عنه فالعقل حاكم في مثله بعد دوران الأمر بين الوجهين و عدم قيام دليل في الظاهر على البناء في خصوص كلّ من الأمرين على المنع من الإقدام، حسب ما مرّ بيانه في الوجه المتقدّم.

الرابع: ما روي عنه (عليه السّلام) «انّه ما اجتمع الحرام و الحلال إلّا غلب الحرام الحلال» (1) و هذه الرواية و إن كانت ضعيفة إلّا أنّها مجبورة بعمل الأصحاب.

و حملها على خصوص صورة الامتزاج ممّا لا داعي إليه. و دعوى ظهور تلك‏

____________

(1) البحار: 65 ص 144.

605

الروايات في غير صورة الامتزاج و هذه فيها أو كونها أعمّ من الامتزاج و غيره- فيكون التعارض بينهما من قبيل العموم المطلق فيحمل المطلق على المقيّد- غير متّجهة.

أمّا القول بانصراف هذه إلى خصوص الامتزاج فممّا لا شاهد عليه في الرواية، بل ظاهر إطلاقها يعمّ غيره قطعا. و أمّا دعوى كون التعارض من قبيل المطلق فمدفوعة، بظهور تلك الروايات في صورة دوران الفرد بين الاندراج تحت النوعين، كما هو المفروض في الصورة الثانية من الصور المتقدّمة من غير أن يكون هناك علم بحصول المصداقين في المقام و الاشتباه في التعيين، كما هو المفروض في الشبهة المحصورة، و هذه الرواية ظاهرة فيما يعمّ هذه الصورة و صورة الامتزاج، فلا يتواردان على محلّ واحد حتّى يثبت التعارض بينهما. و لو قيل بشمول تلك الروايات للشبهة المحصورة، لدوران كلّ من المصداقين بين الاندراج تحت كلّ من النوعين فالمعارضة بينهما من قبيل العموم من وجه، لشمولها للصورة السابقة قطعا و عدم اندراج تلك الصورة في هذه الرواية، و المرجّحات من جانب الرواية المذكورة نظرا إلى موافقتها للمشهور بين الأصحاب و الروايات الكثيرة الواردة في جزئيّات الشبهة المحصورة الدالّة على المنع في الموارد الخاصّة.

الخامس: أنّ الظاهر من تتبّع الأخبار الواردة في خصوصيّات الشبهة المحصورة، مثل ما ورد في الإنائين المشتبهين‏ (1)، و ما ورد من الأمر بغسل الثوب كلّه عند اشتباه المحلّ النجس منه، و ما ورد من بيع اللحم إذا اشتبه الميتة منه بالمذكّاة ممّن يستحلّ الميتة الظاهر في حرمتهما، كما في روايتين، و ما دلّ على الصلاة في الثوبين المشتبهين كما في حسنة صفوان، و قد أفتوا بمضمونها، إلى غير ذلك ممّا ورد أنّ المشتبه بالحرام ممّا يجب الاجتناب عنه، و أنّ المشتبه بالنجس‏

____________

(1) الوسائل: 1 باب 8 من أبواب الماء المطلق 113 ح 2 و 14. و باب 12 ص 124 ح 1.

606

في حكم النجس في عدم جواز استعماله فيما يشترط بالطهارة من رفع حدث أو ازالة خبث أو أكل أو شرب و نحوها. و ليس ذلك من قبيل الاستقراء الظنّي كما قد توهمه بعض العبائر ليكون من قبيل إثبات القواعد النحويّة و نحوها من تتبّع مواردها. بل نقول: إنّه مستفاد من ملاحظة جميع تلك الأخبار فهو مدلول عرفي لمجموع تلك الروايات، و كما أنّ المستفاد من ظاهر خبر واحد حجّة شرعا فكذا المستفاد من جميعها بعد ضمّ بعضها إلى البعض، لاندراجه إذن تحت المداليل اللفظيّة، فبدلّ على جواز الاتّكال عليه ما دلّ على حجّية ظواهر الألفاظ.

حجّة القول بالإباحة مطلقا امور:

أحدها: أنّ حرمة تلك المصاديق و جريان أحكام النجس عليها في المشتبه بالنجس تكليف شرعي، يتوقّف ثبوتها على العلم، سيّما بالنسبة إلى الموضوعات، و لذا يجوز استعمال ما لم يعلم حرمته أو نجاسته بالمرّة، و العلم بحرمة أحدهما أو نجاسته لا يثمر في المقام، لعدم قضائه بالعلم بحرمة شي‏ء خاصّ فالجهل الأوّلي باق بالنسبة إلى كلّ منهما و هو قاض بنفي التكليف، كيف! و لو كان العلم الإجمالي كافيا في إثبات التكليف لجرى في غير المحصور، للعلم بحرمة البعض و نجاسته أيضا مع أنّه لا يثمر في الحكم بنجاسة شي‏ء من الخصوصيّات، و كذا الحال في الجنابة الدائرة بين الشخصين مع العلم به بالنسبة إلى أحدهما، فإنّه لا يثمر في إثبات التكليف بالنسبة إلى شي‏ء منهما. فمقتضى الأصل المقرّر هو البناء على عدم التكليف حتّى يقوم دليل على ثبوته، و العلم بتحريم أحد الشيئين أو الأشياء غير قاض بالعلم بتحريم الخاصّ، كما أنّ العلم بثبوت حرام ما و نجس ما غير قاض بثبوت الحرمة بالنسبة إلى الخاصّ، و العلم بثبوت الجنابة لأحدهما لا يقضي بالحكم بها بالنسبة إلى شي‏ء منهما.

الثاني: عدّة من الأخبار الدالّة على معذوريّة الجاهل- ممّا مرّت الإشارة إليها- فإنّها بإطلاقها تعمّ الجاهل بالموضوع، بل ربما يدّعى ظهور بعضها في ذلك دون الحكم، حسب ما مرّت الإشارة إليه، منها: قوله (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) رفع عن امّتي تسعة

607

أشياء، و عدّ منها ما لا يعلمون. و قوله (عليه السّلام) أيّما امرئ ركب أمرا بجهالة فلا شي‏ء عليه‏ (1) و نحوهما.

الثالث: الأخبار المستفيضة الدالّة على حلّية الحلال المختلط بالحرام إلّا ما علم أنّه حرام بعينه، منها: صحيحة عبد اللّه بن سنان المتقدّمة المرويّة في الفقيه و التهذيب عن الصادق (عليه السّلام). و منها (2): ما رواه عبد اللّه بن سنان أيضا في الصحيح عن عبد اللّه بن سليمان قال: سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن الجبنّ فقال لي: قد سألتني عن طعام يعجبني، ثمّ أعطى الغلام درهما، فقال: ابتع لنا جبنّا، و دعا بالغذاء فتغذّينا معه و أتى بجبنّ فأكل و أكلنا معه، فلمّا فرغنا من الغذاء قلت له: ما تقول في الجبن؟ فقال لي: أو لم ترني آكله قلت: بلى، و لكني احبّ أن أسمعه منك، فقال:

سأخبرك عن الجبنّ و غيره، كلّ ما فيه حرام و حلال فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه فتدعه‏ (3). و في رواية مسعدة بن صدقة عن الصادق (عليه السّلام) قال: سمعته يقول: كلّ شي‏ء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، و ذلك يكون مثل الثوب عليك قد اشتريته و هو سرقة، أو المملوك عندك و لعلّه حرّ قد باع نفسه، أو خدع فبيع، أو قهر، أو امرأة تحتك و هي اختك، أو رضيعتك، و الأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة (4).

و من ذلك ما رواه جماعة من المشايخ، منهم الكليني بإسنادهم الصحيح عن حنان بن سدير أنّه قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السّلام) و أنا حاضر عنده، عن جدي رضع من خنزيرة حتّى كبر و شبّ و اشتدّت عظمه، أنّ رجلا استفحله في غنمه، فأخرج له نسل فقال: أمّا ما عرفت من نسله بعينه فلا تقربنه، و أمّا ما لم تعرفه فكله، فهو بمنزلة الجبنّ و لا تسأل عنه‏ (5).

____________

(1) الوسائل: 5 باب 30 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة 344 ح 1.

(2) التهذيب: 9 ص 79 ح 337، الفقيه: 3 ص 341 ح 4208.

(3) الوسائل: 17 باب 61 من أبواب الاطعمة المباح 90 ح 1.

(4) الوسائل: 12 باب 4 من أبواب ما يكتسب به 60 ح 4.

(5) الكافي: 6 ص 249 ح 1.

608

و روى الشيخان بإسنادهما عن بشر بن سلمة عن أبي الحسن (عليه السّلام) في جدي رضع من خنزيرة ثمّ صرف في الغنم، فقال: هو بمنزلة الجبن فما عرفت أنّه خنزير فلا تأكله و ما لم تعرفه فكله‏ (1). فقد دلّت هاتان الروايتان على الحلّ في الصورة المذكورة مع عدم العلم بتحريمه بعينه، بل هما صريحتان في المدّعى.

و من ذلك ما رواه جماعة من المشايخ بإسنادهم الصحيح إلى سماعة قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل أصاب مالا من عمل بني اميّة، و هو يتصدّق منه و يصل منه قرابته، و يحجّ ليغفر له ما اكتسب، و يقول: إنّ الحسنات يذهبن السيّئات، فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): انّ الخطيئة لا تكفّر الخطيئة و إن الحسنة تحطّ الخطيئة، ثمّ قال إن كان خلط الحرام حلالا فاختلطا جميعا فلم يعرف الحرام من الحلال فلا بأس‏ (2) و دلالتها على المطلوب واضحة لا يخفى.

الرابع: الأخبار المستفيضة الدالّة على جواز الشراء عن السارق و العامل مع العلم بظلمه إلّا أن يعلم أنّه الحرام بعينه كصحيحة أبي عبيدة عن الباقر (عليه السّلام) قال:

سألته عن الرجل يشتري من السلطان من ابل الصدقة و غنم الصدقة و هو يعلم أنّه يأخذ منهم أكثر من الحقّ الّذي يجب عليهم، قال، فقال: ما الإبل إلّا مثل الحنطة و الشعير و غير ذلك لا بأس به حتّى تعرف الحرام بعينه‏ (3).

و في صحيحة معاوية بن وهب قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): أشتري من العامل الشي‏ء و أنا أعلم أنّه يظلم؟ فقال: اشتر منه‏ (4).

و في موثّقة إسحاق بن عمّار، قال: سألته عن الرجل يشتري من العامل و هو يظلم، قال: يشتري منه ما لم يعلم أنّه ظلم فيه أحدا (5).

____________

(1) الكافي: 6 ص 250 ح 2، التهذيب: 9 ص 44 ح 184.

(2) الكافي: 5 ص 126 ح 9، التهذيب: 6 ص 369 ح 1068.

(3) الوسائل: 12 باب 52 من أبواب ما يكتسب به 162 ح 5.

(4) الوسائل: 12 باب 52 من أبواب ما يكتسب به 161 ح 4.

(5) الوسائل: 12 باب 53 من أبواب ما يكتسب به 163 ح 2.

609

و في القويّ، قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): أشترى الطعام ممّن يظلم و يقول ظلمني فقال: اشتره‏ (1). و في رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال:

سألت عن الرجل يشري من العامل و هو يظلم، فقال: يشرى منه‏ (2). و روى أحمد بن محمّد بن عيسى في نوادره عن أبيه قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السّلام) عن شراء الخيانة و السرقة، قال: إذا عرفت ذلك فلا تشتره إلّا من العمّال‏ (3).

الخامس: ما دلّ على حلّية الحلال المختلط بالحرام مع عدم التميّز عند إخراج الخمس فإن لم يكن عدم الامتياز قاضيا بالحلّ لما كان إخراج الخمس كافيا في المقام.

فإن قلت: إنّه لو كان عدم الامتياز قاضيا بالحلّ كما هو المدّعى لما كان حاجة إلى إخراج الخمس.

قلت: إنّ فائدة إخراجه الحكم بحلّية الجميع و جواز استعماله، و عدم حصول ضمان في استعماله، بخلاف ما إذا استعمله قبل الإخراج، فإنّه و إن حلّ استعمال الجميع في الجملة إلّا أنّه لا يحلّ استعمال المخرج‏ (4)، و حكم أيضا بالضمان في الجملة و لا كذلك الحال ما بعد الإخراج.

و يرد على الأوّل: أنّ التكليف إنّما يتوقّف على العلم في الجملة، و هو حاصل في المقام، إذ المفروض حصول العلم بوجود الحرام أو النجس، و أمّا توقّفه على حصول العلم التفصيلي فممّا لا دليل عليه من جهة العقل، بل و لا من جهة النقل، كما مرّ الكلام فيه في الجواب عن الأخبار المذكورة، بل نقول: إنّ مقتضى العلم بالتكليف في الجملة- كما هو المفروض في المقام- هو الأخذ بمقتضى العلم الإجمالي و الجري عليه، إذ لا مناص بعد القطع بالتكليف من الأخذ بمقتضاه، كما يشاهد ذلك في طاعة العبيد لمواليهم، و لذا يعدّ المخالف لمقتضى علمه حينئذ

____________

(1) الوسائل: 12 باب 52 من أبواب ما يكتسب به 161 ح 3.

(2) الوسائل: 12 باب 53 من أبواب ما يكتسب به 163 ح 3.

(3) الوسائل: 12 باب 52 من أبواب ما يكتسب به 162 ح 6.

(4) المحرّم، خ ل.

610

عاصيا لمولاه إلّا أن يصرح المولى و يقوم دليل من جهته على عدم تكليفه حينئذ، و إلّا فقضيّة إطلاق وجوب الطاعة هو وجوب مراعاة الامتثال في ذلك أيضا، و ذلك يقتضي وجوب مراعاة الاحتياط مع الاشتباه حسب ما مرّ بيانه، فهو في الحقيقة دليل تفصيليّ على وجوب الاحتياط عن الأمرين، و إنّما يتمّ ما ذكر- على فرض تسليمه- لو لم يقم ما ذكر من الدليل قاضيا بوجوب الاجتناب. و ما ذكر من جريان ذلك في غير المحصور من غير ظهور فرق في ذلك بينه و بين المحصور قد عرفت فساده ممّا ذكرناه سابقا فلا حاجة إلى تكراره.

و على الثاني: أنّ ما ينصرف إليه تلك الأخبار هو الجاهل الصرف، و غاية ما يسلّم اندراج غير المحصور فيه، لعدم الاعتداد بالعلم الإجمالي الحاصل هناك في نظر العرف، فيعدّ جاهلا مطلقا، و أمّا فيما نحن فيه فلا ريب في حصول العلم بالحرام و الحلال معا.

غاية الأمر دوران الحلّ و الحرمة بين الفردين، و مثل ذلك لا يعدّ جهلا بالحرام، فلا يندرج ذلك في تلك الأخبار، و لا أقلّ من عدم انصراف ظاهر إطلاقها إليه، و هو كاف في عدم نهوضها حجّة في المقام.

و على الثالث: المستفاد من صحيحة عبد اللّه بن سنان و ما بمعناها أنّه إذا كانت الطبيعة النوعيّة مشتملة على الفرد الحلال و الحرام كانت محكومة بحلّها حتّى يتبيّن حرمتها، و محصّله أنّ مجرّد وجود الحرام في أفراد الطبيعة المفروضة لا يقضي بالاجتناب عن جزئيّاتها إلّا مع العلم بحرمتها. و أين ذلك ممّا إذا علم وجود حرام و حلال هناك و اشتبه أحدهما بالآخر؟ ليفيد الرواية حلّ الحرام المعلوم من جهة الاشتباه المفروض، بل غاية ما يستفاد منها هو حلّ الحرام المجهول من أصله حسب ما قرّرنا.

كيف! و لو كان الدوران بين الفردين مع العلم بحرمة أحدهما بخصوصه محلّلا من غير لزوم تجسّس عن خصوص المحرّم و لو مع سهولة الأمر في استعلامه- كما هو مقتضى الروايات المسطورة- لزم تحليل معظم المحرّمات بذلك، كالمرأة

611

الأجنبيّة المشتبهة بالزوجة من جهة ظلمة أو ... (1) أو نحو ذلك، و كذا حلّية الخمر إذ اشتبه لونها و طعمها بغيرها، و كذا الحال في نحوهما من المحرّمات، و ذلك ممّا يقطع بخلافه فلا وجه لإدراجها في الرواية المذكورة.

و قد مرّ توضيح القول في مفاد الروايات المذكورة في المسألة المتقدّمة فلا حاجة إلى تكرار القول فيه. و قد يحمل الروايات المذكورة على ما إذا كانت هناك يد قاضية بالحلّ، كما هو مورد رواية عبد اللّه بن سنان، حيث سأله عن حال الجبنّ، و الأمثلة المذكورة في رواية مسعدة بن صدقة. و لا شبهة إذن في ثبوت الحكم المذكور مع الانحصار أيضا، و هو خارج عن محلّ الكلام كما مرّت الإشارة إليه.

و هذا هو الوجه في حمل الخبرين الواردين في نسل الفحل المرتضع من الخنزيرة مع الاشتباه. و قد يحملان على غير المحصور، و الوجه الأوّل أوفق بظاهر الخبرين.

و أمّا موثّقة سماعة فهي محمولة على ما إذا أخرج منه الخمس فيقيّد إطلاقها بذلك، لما دلّ على توقّف حلّية المال الممتزج بالحرام على إخراج الخمس، فيحمل المطلق على المقيّد كما هو مقتضى القاعدة.

و على الرابع: أنّه لا دلالة في شي‏ء منها على المدّعى، لقضاء يد المسلم بصحّة التصرّف إلّا إذا علم فساده بخصوصه، و قد عرفت الحال فيه.

و على الخامس: أنّ الحكم بحلّية الحلال المختلط بالحرام من جهة إخراج الخمس لا ربط له بالمحصور، كيف و لو كان كذلك لما كان هناك خصوصيّة للخمس، بل كان إفراز القدر الّذي ... (2) يعلم كونه حراما قاضيا بحلّ الباقي.

و الحاصل: أنّ تزكية المال المفروض بإخراج الخمس منه من جملة الأحكام الشرعيّة المخالفة للأصل الثابتة لقيام الدليل عليه، و لذا يقول به القائل بالأصل المدّعي و غيره، و لا مدخليّة له في المقام، و لا يثبت به الأصل المذكور بوجه من الوجوه.

____________

(1) هنا بياض.

(2) هنا بياض.

612

فظهر بما قرّرناه ضعف القول المذكور، لانحصار مداركه حسب ما عرفت في الوجوه المذكورة، و بظهور وهنها يظهر و هن القول المذكور.

حجّة القول الثالث: أمّا بالنسبة إلى جواز التصرّف ما لم يحصل العلم بارتكاب الحرام فبالوجوه المتقدّمة. و أمّا بالنسبة إلى المنع من الإقدام بما يحصل معه العلم باستعمال المحرّم فبأنّه كما يحرّم ارتكاب المحرّم الواقعي، كذا يحرّم تحصيل اليقين بارتكاب الحرام، و هو حاصل بارتكاب الفرد الآخر الّذي يوجب العلم بارتكاب الحرام الواقعي، فارتكاب الفرد الآخر مقدّمة لتحصيل اليقين بارتكاب الحرام، و مقدّمة المحرّم محرّمة، فيكون ارتكاب الفرد الآخر محرّما من هذه الجهة لا من جهة كونه حراما بحسب الواقع، ضرورة كون نسبة التحريم إليهما على وجه سواء، فلا معنى للترجيح حتّى يقال بإباحة أحدهما و حرمة الآخر.

و أورد عليه تارة: بمنع كون مقدّمة الحرام حراما، و يمكن دفعه: بأنّ مقدّمة الحرام إن كان شرطا للحرام و ما بمعناه فمن الظاهر عدم تحريمه، نعم إن قصد به فعل المحرّم كان محرّما من جهة اخرى، لا من جهة كونه مقدّمة، و هو غير المقصود في المقام. و أمّا إذا كانت علّة مقتضية لحصول المحرّم فالظاهر أنّه لا مجال للتأمّل في تحريمه، حسب ما قرّر في محلّه، كما هو الحال في المقام.

و اخرى: بمنع كون تحصيل العلم بارتكاب الحرام محرّما، و إنّما المحرّم هو الإتيان بالحرام، كيف و لو كان تحصيل العلم بارتكاب الحرام حراما لحرم أن يتجسّس الإنسان عن تحريم ما فعله بحسب الواقع حتّى يعلم حرمته، كما إذا تصرّف في شي‏ء أو أكل أو شرب ثمّ حصل له الشكّ في تحريمه، أو كان شاكّا فيه من أوّل الأمر على وجه لا يقتضي المنع منه، ثمّ بعد التعرّض له استعلم حاله فعلم تحريمه، و من الواضح عدم تحريم ذلك بوجه من الوجوه.

فإن قلت: إنّه لا تحريم هناك حال التعرّض نظرا إلى جهل التكليف، غاية الأمر حصول التحريم حال العلم بما يستكشف به تحريم ما فعله، لا حين ما أتى به حتّى يكون محرما، نظرا إلى ما ذكر بخلاف المشتبهين، للعلم بحرمة أحدهما

613

فإذا استعملهما فقد استعمل المحرّم قطعا، فيحصل باستعمالهما العلم بارتكاب الحرام.

قلت: لا فارق بين الصورتين، فإنّ الحرمة الواقعيّة حاصلة في المقامين.

و المفروض كون الجهل بحرمته بخصوصه قاضيا بجواز الإقدام، فيكون الإقدام على كلّ من المشتبهين سائغا، فلا يحرم في الظاهر في شي‏ء من الصورتين، و الحرام الواقعي و العلم به حاصل في المقامين، و العلم بحرمة أحدهما في الظاهر لا يثمر في المقام بعد عدم تأثيره في تحريم الخصوصيّة.

نعم لو ثبت من الخارج تحريم تحصيل العلم بارتكاب الحرام الواقعي تمّ الكلام، و قد عرفت ما فيه، فظهر بذلك ضعف التفصيل المذكور، مضافا إلى ما عرفت من وهن الأدلّة الدالّة على الجزء الأوّل من مقصوده.

و قد يحتجّ عليه بأنّه مع استعمال الجميع يشغل ذمّته بحقّ الناس قطعا، و شغل الذمّة بحقوق الناس محظور، فيحرم ما يحكم معه باشتغال الذمّة، و هو أوهن من سابقه، إذ مع عدم جريانه في جميع الفروض، و عدم وضوح بطلان الفصل، لا دليل على حرمة اشتغال الذمّة بالحقّ. كيف! و جميع المعاملات و المحاكمات مشتملة على اشتغال الذمّة إمّا على وجه ثبوتها في الذمّة أو باشتغال الذمّة بوجوب الدفع.

نعم لو كان ذلك على الوجه المحرّم- كالغصب- كان محرّما، و مع ذلك ليس هناك تحريمان، بل هناك حرام واحد يتبعه اشتغال الذمّة، فجعل الذمّة مشغولة بحقّ ليس حراما مستقلّا هناك أيضا و إن وجب تفريغه و الخروج عنه. و أمّا في المقام فلمّا قضى الدليل- على حسب ما يدّعيه المستدلّ- بجواز التصرّف كان اشتغال ذمّته بالحقّ على الوجه السائغ، كما في نظائره من المعاملات، مثل ما إذا كان التصرّف في المال عن إذن المالك له فيدفع عوضه إليه، فإنّ الإذن الشرعي على حسب ما يدّعيه لا يقصر عن إذن المالك، فإن كان لا يحرم هناك قطعا فمن أين يجي‏ء التحريم في المقام، و هو ظاهر.

***

614

[الاجتهاد]

[تعريف الاجتهاد]

قوله (رحمه اللّه): الاجتهاد في اللغة مأخوذ من الجهد.

بالضمّ أو الفتح بمعنى الوسع و الطاقة، و قد يخصّ حينئذ بالضمّ فهو بذل الوسع و الطاقة في أمر من الامور. أو مأخوذ من الجهد- بالفتح- بمعنى المشقّة فهو تحمّل المشقّة، و قد يخصّ معناه اللغوي بالأوّل و يجعل الثاني تفسيرا له باللازم، و كان الأظهر أنّهما معنيان متعدّدان و المناسبة بين كلّ من ذينك المعنيين و معناه الاصطلاحي على كلّ من الوجهين الآتيين ظاهرة و إن اختلفت فيها جهة المناسبة.

قوله: و في الاصطلاح استفراغ الفقيه وسعه ... الخ.

قد ذكروا للاجتهاد حدودا شتّى، و الّذي يتلخّص في المقام: أنّ له بحسب الاصطلاح إطلاقان: (1)

أحدهما: أن يؤخذ مصدرا، فيكون بمعناه الحدثي، و قد يجعل حينئذ اسما للحال في مقابلة ما سيجي‏ء من إطلاقه على الملكة. و قد عرّفه المصنّف- تبعا للعضدي- بأنّه استفراغ الفقيه وسعه إلى آخره. و في الوافية أنّه الاصطلاح المشهور.

و يرد على الحدّ المذكور امور:

أحدها: أنّ أخذ الفقيه في الحدّ يوجب الدور، فإنّ الفقيه هو العالم بالمسائل عن الاجتهاد، لوضوح خروج معرفة الأحكام عن التقليد عن اسم الفقه، فأخذه في حدّ الاجتهاد قاض بالدور.

____________

(1) إطلاقين، خ ل.

615

ثانيها: أنّ الفقيه إنّما يصدق بعد المعرفة بقدر يعتدّ به من الأحكام، فإنّ القادر على استنباط المسائل من الأدلّة لا يعدّ فقيها في العرف قبل تحصيله العلم بقدر يعتدّ به من الأحكام، حسب ما مرّت الإشارة إليه عند تعريف الفقه، كما هو الحال في المتكلّم، و النحوي، و الصرفي، و غيرها. و حينئذ نقول: إنّ الاستفراغ الحاصل منه قبل حصول الفعليّة المذكورة اجتهاد مع أنّه غير حاصل من الفقيه، فلا ينعكس الحدّ.

ثالثها: أنّ الحدّ المذكور إن كان تحديدا للاجتهاد الصحيح فلابدّ من ضمّ قيود اخر لينطبق على المحدود، و إن كان تحديدا للأعمّ فلا وجه لأخذ الفقيه في الحدّ.

رابعها: أنّ استفراغ الوسع غير معتبر في تحصيل كلّ من الأحكام، بل و أقصى ما يلزم المجتهد ذلك في المسائل المفصّلة، و أمّا سائر المسائل ممّا لا يكون بتلك المثابة فلا يلزم فيها ذلك.

توضيح ذلك: أنّ أقصى ما يجب على المجتهد هو الاطمئنان بتحصيله ما يستفاد من الأدلّة الموجودة، و ذلك قد يحصل بأوّل نظرة في المسألة، كما في كثير من المسائل الّتي مداركها ظاهرة و قد لا يحصل إلّا بعد استفراغ منتهى الوسع، كما في بعض المسائل المشكلة، و قد يكون بين الأمرين. و من البيّن تحقّق الاجتهاد في جميع ذلك فلا ينعكس الحدّ أيضا.

خامسها: أنّ جملة من الأدلّة الفقهيّة ليست مفيدة للظنّ بالواقع، بل إنّما يكون حجّة على سبيل التعبّد و إن لم يفد ظنّا بالواقع، كما هو الحال في الاستصحاب و أصالة البراءة، بل و كذا الحال في مداليل الألفاظ في كثير من الموارد، حسب ما نبّهنا عليه في المباحث السالفة، فليس هناك تحصيل ظنّ بالأحكام في كثير من الأحيان، مع أنّ تحصيل الحكم المستفاد من تلك الأدلّة يندرج في الاجتهاد قطعا فلا ينعكس أيضا.

سادسها: أنّه قد يتوقّف الفقيه في الحكم بعد اجتهاده في المسألة، فليس هناك تحصيل ظنّ بالحكم الشرعي مع استفراغه الوسع في ملاحظة الأدلّة، و كون استفراغه المذكور اجتهادا قطعا.

616

سابعها: أنّ الفقيه كثيرا ما يحصل له القطع بالحكم، إذ ليس جميع مسائل الفقه ظنّية، غاية الأمر أن يكون معظمها ظنّية، فأخذ الظنّ في الحدّ يقضي بخروج القطعيّات، مع أنّ استنباطها عن الأدلّة يكون بالاجتهاد.

كيف! و من البيّن: أنّ الاجتهاد قد ينتهي في بعض الأحيان إلى القطع لتراكم الظنون، و ظاهر الحدّ المذكور يقضي بخروجه من الاجتهاد.

ثامنها: أنّه يندرج في الحدّ استفراغ الفقيه وسعه في تحصيل الظنّ بالأحكام الاصوليّة ممّا يندرج في اصول الدين- كخصوصيّات عالم المعاد أو البرزخ- أو في اصول الفقه- كحجّية الحسن و الموثّق و الضعيف المنجبر بالشهرة و نحوها- مع أنّ ذلك لا يعدّ اجتهادا في العرف.

تاسعها: أنّه يندرج فيه استفراغ وسعه في تحصيل الأحكام الظنّية الخاصّة المتعلّقة بالموضوعات، كتعيين الهلال لوجوب الصوم أو الإفطار، و القيمة، و سائر ما يتعلّق به القضاء، و لا يندرج شي‏ء من ذلك في الاجتهاد.

و قد يذبّ عن الأوّل: بأنّ المراد بالفقيه من مارس الفقه احترازا من غير الممارس، كالمنطقي الصرف. و فيه: أنّ مجرّد ممارسة الفقه مع عدم المعرفة بالأدلّة و كيفيّة إجرائها و الاقتدار على ردّ الفروع إلى الاصول غير كاف في المقام، بل هو بمنزلة المنطقي الصرف في عدم الاعتداد باستفراغه، و عدم كونه اجتهادا بحسب الاصطلاح، و عدم اندراج المستفرغ المذكور في عنوان المجتهد، مضافا إلى ما في الحمل المذكور من التعسّف لخروجه عن المعنى المصطلح من غير قيام قرينة عليه.

و القول بأنّ استفراغه الوسع في تحصيل الأحكام لا يحصل إلّا بتحصيل جميع ما يتوقّف عليه مدفوع، بأنّه يأباه ظاهر الإطلاق، إذ الظاهر منه استفراغ الوسع الحاصل للمستدلّ على حسب ما يقتضيه حاله، و قد لا يسع لجميع ذلك، و لو اريد به خصوص ما يعتدّ به شرعا من استفراغ الوسع صحّ ذلك، إلّا أنّه لا شاهد في العبارة على التقييد.

617

و قد يقال: إنّه مع افتقاره إلى تحصيل تلك المقدّمات لا يعدّ الاستفراغ الحاصل منه قبل تحصيلها استفراغا للوسع. و فيه:- مع ظهور كونه في محلّ المنع- أنّ التقييد بالفقيه حينئذ يكون لغوا، و كأنّه لذا أو لانصراف الإطلاق إلى خصوص الاستفراغ الحاصل منه و لو بملاحظة المقام ترك التقييد به في كلام جماعة من الأعلام، منهم: المحقّق في المعارج، و العلّامة في النهاية و المبادئ، و الآمدي في الإحكام.

و قد يقال: إنّ الاجتهاد يعمّ الصحيح- الّذي يترتّب عليه الآثار- و الفاسد، فينبغي أن يكون التحديد للأعمّ لا خصوص الصحيح منه، فيندرج فيه الاستفراغ الحاصل من الفقيه و غيره.

غاية الأمر أن لا يعتدّ به إذا كان من غير الفقيه، و ذلك لا يقضي بخروجه عن الاجتهاد. فعلى هذا لا يتّجه التقييد بكونه من الفقيه، كذا ذكره بعض الأفاضل و لذا عرّف الاجتهاد: بأنّه استنباط الحكم من الأدلّة. و لذا تراهم- بعد ذكر تعريف الاجتهاد- يجعلون المعرفة بما يتوقّف عليه و منه القوّة القدسيّة من شرائطه، لا من مقوّماته.

و أنت خبير بما فيه، لظهور أنّه لا يعدّ كلّ استنباط من الأدلّة اجتهادا في الاصطلاح و لو صدر من العوامّ، بل من غير القادر على الاستنباط المعتبر، بل من القادر عليه إذا لم يأت به على وجهه. فظاهر الاصطلاح اختصاصه بالواقع عن المجتهد القادر على الاستنباط إذا أتى به على الوجه المعتبر، و كان عدم التقييد به في كلام الجماعة مبنيّ على أحد الوجهين المتقدّمين، و لذا وقع التقييد به في كلام آخرين- كالعلّامة في التهذيب و السيّد العميدي في منية اللبيب و العضدي- و لم يبنوا ذلك على اختلافهم في المقام. و عدّهم المعرفة بطرق الاستدلال، و القوّة القدسيّة الباعثة على الاقتدار من ردّ الفروع إلى الاصول من شرائطه لا ينافي ذلك، لوضوح أنّه بعد تقييده بالحاصل من القادر على الاستنباط يكون القدرة المذكورة شرطا في تحقّق الاجتهاد لا جزء مقوّما له، فيوافق ذلك عدّهم ما ذكر

618

من شرائط الاجتهاد، إذ ظاهر ما ذكروه كون ذلك من شرائط تحقّق الاجتهاد و حصوله، لا من شرائط جواز الأخذ به و الاعتماد عليه، كما حاوله الفاضل المذكور، فهو بالدلالة على خلاف ما حاوله أولى هذا.

و الأظهر في الجواب أن يقال: إنّ عدم تحقّق الفقاهة إلّا بتحقّق الاجتهاد لا يقضي بتوقّف تصوّره على تصوّره، و الدور المذكور إنّما يلزم بناء على الثاني دون الأوّل، على أنّ تحقّق الفقاهة من أصله غير مفتقر إلى الاجتهاد كما هو الحال بالنسبة إلى من يأخذ الأحكام من الإمام (عليه السّلام) من غير واسطة، إلّا أنّه قد توقّف حصوله على ذلك في عهد الغيبة من جهة العارض، نظرا إلى خفاء الطرق، و وقوع الفتن الباعثة على اختفاء الأحكام الشرعيّة.

و قد يورد الدور في المقام بوجه آخر بأن يقال: إنّ أخذ الفقيه في حدّ الاجتهاد يعطي توقّف حصول الاجتهاد على تحقّق الفقاهة، ضرورة كونه الاستفراغ الحاصل من الفقيه، و من البيّن توقّف حصول الفقاهة على الاجتهاد فيلزم الدور في تحقّق الاجتهاد في الخارج، لا في تصوّره ليندفع بما ذكر.

و يدفعه: منع توقّف كلّ من الاجتهاد و الفقاهة على الآخر على نحو يوجب الدور، غاية الأمر أن يستحيل انفكاك أحدهما عن الآخر لحصول الإناطة بينهما، فالدور هناك معّي.

و منه يظهر الجواب عن الإيراد الثاني: فإنّ ذلك الاستفراغ إنّما يعدّ اجتهادا إذا كان المستفرغ عالما بقدر يعتدّ به من الأحكام، فإنّه حينئذ يكون حجّة بالنسبة إليه، و يجوز لغيره تقليده فيه.

و أمّا قبل حصول الفعليّة المفروضة فهو كغيره ممّن يستنبط الأحكام من غير أن يعتدّ باستنباطه، فصدق الفقه و الاجتهاد في آن واحد و إن تقدّم منه حصول الاستفراغ. هذا إذا قلنا بتوقّف حجّية ظنّه على حصول الفعليّة المذكورة كما يبنى عليه‏ (1) الحدّ المذكور.

____________

(1) ينبئ عنه، خ ل.

619

و أمّا إذا قلنا بجواز الرجوع إلى ظنّه بمجرّد قدرته على الاستنباط و حصول ملكة الاجتهاد له فلا إشكال إذن في صدق الاجتهاد على استفراغه الحاصل قبل حصول الفعليّة، فحينئذ يشكل الحال في الحدّ المذكور، و ينبغي أن يراد بالفعليّة حينئذ من له ملكة الفقه و إن لم يكن عالما بشي‏ء منه فعلا، و لا يخلو عن بعد، و الأولى على هذا ترك أخذ الفقيه في الحدّ.

و عن الثالث: أنّ المقصود حينئذ استفراغ الوسع في تحصيل الحكم على الوجه المعتبر، كما هو الظاهر من لفظ الاجتهاد في الاصطلاح، فلا يندرج فيه ما لا يعتدّ بشأنه. و القول بأنّه لا حاجة حينئذ إلى اعتبار قيد الفقيه في الحدّ مدفوع، بأنّه إنّما اخذ ذلك فيه لإخراج استفراغ المقلّد وسعه في تحصيل قول المجتهد فيما إذا توقّف معرفته على ذلك، فهو أيضا استفراغ للوسع في تحصيل الحكم الشرعي، إلّا أنّه لا يعدّ اجتهادا في الاصطلاح، و كذا فيما إذا بذل وسعه في تحصيل الاحتياط أو المشهور فيما وجب عليه العمل بذلك.

و عن الرابع: بأنّ المراد ببذل الوسع هو صرف النظر في التفتيش عن الأدلّة إلى أن يحصل له الاطمئنان بتحصيل ما هو مقتضى الأدلّة الموجودة، بحيث يحسّ من نفسه العجز عن تحصيل ما عدا ذلك ممّا يفيد خلاف ما استفاده، فيكون ما أدّى نظره إليه هو غاية ما يمكنه الوصول إليه، و ذلك أنّه يختلف حصوله بحسب اختلاف المسائل، فربما يحصل بأدنى نظر في المسألة، و قد يتوقّف على فحص جديد و تجسّس واف في الأدلّة، و تأمّل تامّ في وجوه الاستنباط و طرق الاستدلال. و ليس المراد به أن يصرف ما يسعه من النظر و الزمان في كلّ واحد واحد من المسائل، إذ المعلوم خلافه.

و فيه: أنّه لا يوافقه ظاهر التقرير المذكور، فإنّ مفاد بذل الوسع في ذلك هو صرف الطاقة فيه على وجه لا يؤدّى إلى الحرج و أين ذلك من التفسير المذكور، إلّا أن يقال: إنّ بذل الوسع إنّما يعتبر بالنسبة إلى مجموع المسائل الّتي يحتاج إلى استنباطها، لا حصول كلّ مسألة. و حينئذ فيكتفي في كلّ منها بما يحصل به‏

620

الاطمئنان حسب ما ذكر، و هو أيضا لا يوافق ظاهر الحدّ حيث اعتبر فيه بذل الوسع بالنسبة إلى خصوص الأحكام.

و عن الخامس: أنّ المطلوب عند المجتهد في المسائل الاجتهاديّة هو تحصيل الظنّ بالواقع، إذ هو القائم مقام العلم بعد انسداد بابه، غاية الأمر أنّه مع عدم تحصيل الظنّ بالواقع و عجزه عن ذلك في مقام الاجتهاد يرجع إلى أدلّة الفقاهة، فيندرج استفراغه المفروض في الحدّ المذكور لكونه في تحصيل الظنّ و إن لم يحصل له الظنّ، إذ لم يعتبر في الحدّ حصوله. فثمرة الاجتهاد فيما إذا حصل منه الظنّ بالحكم هو الأخذ به، و كونه مكلّفا بالعمل بمؤدّاه، و فيما إذا عجز عن تحصيل الظنّ الرجوع إلى أدلّة الفقاهة: من الحكم بأصالة البراءة و الاحتياط و نحوهما.

فظهر بذلك: أنّ التوقّف في المسألة لا ينافي الاجتهاد فيها كما توهّمه بعضهم، كما سيجي‏ء الإشارة إليه إن شاء اللّه و منه يظهر الجواب عن السادس.

و أنت خبير بأنّ ذلك إنّما يتّجه في دفع هذا الإيراد.

و أمّا دفعه للرابع فيبتنى على اعتبار الترتيب المذكور بأن يكون الواجب أوّلا على المجتهد في المقام تحصيل الظنّ بالأحكام، ثمّ بعد العجز عنه ينتقل الى ما يقتضيه أدلّة الفقاهة، و هو في محلّ المنع، بل الظاهر أنّ اللازم عليه هو الرجوع إلى الأدلّة الشرعيّة، و تحصيل ما يستفاد منها سواء أفادت الظنّ بالواقع أو لا. و تقديم بعض الأدلّة على بعض عند التعارض بينها لا يقضي بكون اللازم على المجتهد هو تحصيل تلك الأدلّة في جميع الأحكام حتّى يؤخذ بما يستفاد منها، إذ قد يعلم من أوّل الأمر عدم قيام شي‏ء منها في بعض المسائل، فلا يمكن استفراغه الوسع في تحصيلها أصلا، مضافا إلى أنّ بعض الأدلّة الاجتهاديّة قد لا يكون مفيدا للظنّ بالواقع أيضا- كما مرّت الإشارة إليه- فلا يتمّ الجواب بوجوب بذل الفقيه وسعه في تحصيل الظنّ في كلّ مسألة.

و قد يقال في الجواب: إنّ الرجوع إلى أدلّة الفقاهة أيضا إنّما يفيد الظنّ في الغالب، لا بملاحظة الواقع، بل بالنظر إلى الحكم الّذي يقتضيه الأدلّة الموجودة،

621

فإنّ كون ما استنبطه هو مفاد تلك الأدلّة و أنّه هو الحكم الظاهري- المستفاد من الأدلّة القائمة- إنّما يثبت عند المستنبط على سبيل الظنّ، نظرا إلى احتمال حصول المعارض، أو احتمال حصول سهو منه في كيفيّة الاستنباط و نحو ذلك.

و عن السابع: بالتزام خروج استنباط المسائل القطعيّة عن الاجتهاد و اندراج العلم بها في الفقه لا يستدعي كونها اجتهاديّة، إذ مسائل الفقه كما سبقت الإشارة إليه على قسمين: قسم لم ينسدّ فيه سبيل القطع، و الأدلّة القطعيّة قائمة على إثباتها، فتلك المسائل ليست متعلّقة للاجتهاد بحسب الاصطلاح، و لذا ينقض حكم الحاكم مع خطائه فيها. و قسم آخر ممّا انسدّ فيه سبيل العلم، فيؤخذ فيه بالظنّ، و هو الّذي يتعلّق به الاجتهاد، و لا ينقض فيه حكم الحاكم و لو عدل عنه، أو رجعوا فيه إلى حاكم آخر.

نعم لو اتّفق حصول القطع للمجتهد في تلك المسائل بأن أدّاه النظر إلى ذلك أحيانا لم يخرج عن كونها اجتهاديّة، و كون استفراغ وسعه في تحصيلها اجتهادا.

فقد يشكل الحال في الحدّ بالنظر إلى ذلك، إلّا أنّه يمكن دفعه إذن بنحو ما مرّ: من أنّ استفراغه الوسع في تلك المسألة إنّما كان لتحصيل الظنّ حيث إنّه المتوقّع فيها، و إن اتّفق له حصول القطع فيندرج في الحدّ، إذ لم يعتبر فيه حصول الظنّ أيضا، فكما يندرج فيه ما إذا استفرغ الوسع في تحصيل الظنّ فاتّفق عجزه عن ذلك كذا يندرج فيه ما إذا اتّفق له حصول القطع بالحكم.

و يستفاد من غير واحد منهم استشكال الأمر في المقامين، إلّا أنّه لا شاهد في الظاهر على اعتباره فلا إيراد عليه من جهته.

فظهر بما ذكرنا: أنّ ما زعمه بعض الأفاضل من اتّحاد متعلّق الفقاهة و الاجتهاد- حيث جعل معرفة المسائل النظريّة فقها و تحصيلها و استنباطها عن أدلّتها اجتهادا سواء كانت قطعيّة أو ظنّية- ليس على ما ينبغي، لخروجه عن ظاهر الاصطلاح، حسب ما ينادي به ملاحظة حدودهم في المقام و يعطيه ملاحظة استعمالاتهم، حيث يجعلون المسائل الاجتهاديّة في مقابلة المسائل الفقهيّة

622

القطعيّة. و الظاهر أنّ الشبهة في المقام إنّما نشأ من ملاحظة ما ذكروه في حدّ الفقه، و لمّا زعم اتّحاد متعلّق الأمرين حكم بتعميم الاجتهاد للصورتين حيث رأى حكمهم بشمول الفقه لهما.

و قد وقع عكس ذلك لشيخنا البهائي (رحمه اللّه) حيث خصّ الفقه بالظنّيات و قطع بخروج القطعيّات عنه لمّا رأى من تخصيصهم الاجتهاد بالظنّيات، كما مرّت الإشارة إليه في أوّل الكتاب.

و قد عرفت: أنّ الحقّ اختلاف متعلّق الأمرين و أنّ متعلّق الاجتهاد أخصّ مطلقا من متعلّقات الفقاهة، كما هو ظاهر من ملاحظة إطلاقاتهم و الرجوع إلى تحديداتهم في المقامين.

و عن الثامن: أنّ الظاهر من الحكم الشرعي هو الفرعي، كما هو المنساق من حدّه المعروف، بل ربما يقال باختصاصه به بحسب الاصطلاح فتأمّل.

و بنحو ذلك يجاب عن التاسع، إذ المنساق من الحكم الشرعي هو الحكم الثابت من الشرع للأفعال من غير ملاحظة لخصوصيّة الموضوعات، و أمّا التمييز بينها و إثبات الأحكام الخاصّة لها حسب ما يستكشف في القضاء فممّا لا ينصرف إليه الإطلاق.

ثانيهما (1):

أن يؤخذ اسما غير مصدر و قد عرّفه شيخنا البهائي: بأنّه ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي من الأصل فعلا أو قوّة قريبة. فبأخذ الملكة في الحدّ يخرج استنباط بعض الأحكام تعسّفا من غير حصول ملكة، أو تلقينا للأدلّة من غيره من غير أن يكون له استقلال في الاستنباط. و بأخذ القوّة القريبة يدخل من له تلك الملكة من غير أن يستنبط بالفعل، بل يحتاج إلى زمان، إمّا لتعارض الأدلّة، أو لعدم استحضار الدليل، أو لاحتياجه إلى التفات أو نحو ذلك، كذا ذكر الشارح الجواد.

____________

(1) ثاني الإطلاقين للاجتهاد.

623

و أنت خبير: بأنّ قوله «فعلا أو قوّة قريبة» إمّا أن يكون قيدا للاقتدار، أو للاستنباط.

فعلى الأوّل يكون المقصود تعميم الاقتدار للصورتين، و حينئذ فشموله لما إذا كان الاستنباط حاصلا بالفعل لا يخلو عن خفاء، إذ لا قدرة بعد حصول الفعليّة.

و قد يدرج إذن في القوّة القريبة إذ تلك الحالة الحاصلة من شأنها أن يقتدر بها على تحصيل الحكم من غير فرق بين حصول الفعليّة و عدمه. غاية الأمر أن لا يصدق الاقتدار فعلا بعد حصول الفعليّة فتلك الشأنيّة حاصلة.

و على الثاني يكون المقصود به بيان أنّه ليس المراد بالملكة في المقام مجرّد القوة القريبة المقابلة للفعليّة، بل المراد بها الحالة الّتي يتسلّط بها على استنباط المسائل، سواء كان الاستنباط حاصلا بالفعل أو لا.

ثمّ إنّ ظاهر الحدّ المذكور يعمّ ما لو كان استنباطه الحكم على سبيل العلم أو الظنّ، و هو ينافي ما نصّ عليه من خروج القطعيّات عن الفقه، معللا بأنّه لا اجتهاد فيها.

و يدفعه: أنّ إخراج القطعيّات إنّما يتصوّر بالنسبة إلى إطلاقه الأوّل، و أمّا بالنظر إلى الإطلاق المذكور فلا، إذ الملكة الّتي يقتدر بها على كلّ من الأمرين شي‏ء واحد، فلذا لم يؤخذ فيه خصوص الظنّ. و يشكل بأنّ اتّحاد المبدأ للأمرين لا يقضي بجواز الإطلاق في الحدّ نظرا إلى اختلاف الحيثيّة. و الاجتهاد بناء على ما ذكر إنّما هو ملكة الاستنباط الظنّي دون العلمي.

و كان الأظهر: أنّ الاجتهاد بالنسبة إلى المعنى المذكور لم يؤخذ فيه الظنّ، إذ المقصود به مطلق الاقتدار على استنباط المسائل في مقابلة المقلّد الغير القادر عليه، سواء كان استنباطه ذلك بطريق القطع أو الظنّ، بخلاف إطلاقه على المعنى الأوّل، فإنّه كما لا يقع من المقلّد كذا لا يحصل من المجتهد أيضا بالنسبة إلى المسائل المقطوع بها، و لذا يقابل المسائل الاجتهاديّة بالمسائل القطعيّة.

و الاجتهاد بهذا المعنى يساوق الفقاهة و إن اختلفا في الاعتبار.

624

و قد يقال: بأنّ اعتبار الاجتهاد على الوجه المذكور أعمّ صدقا من الفقاهة، لإمكان حصول الملكة المذكورة من دون علم بالفعل بشي‏ء من المسائل الفقهيّة و هو متّجه إن اعتبرنا في صدق الفقاهة حصول الفعليّة بقدر يعتدّ به كما هو الأظهر، حسب ما مرّ. و أمّا إن اكتفينا بمجرّد حصول القوّة القريبة لاستنباط الأحكام عن الأدلّة فلا يتجه ذلك. و قد يقال بناء على الأوّل باعتبار الفعليّة كذلك في صدق الاجتهاد أيضا، نظرا إلى مساوقة لفظ المجتهد للفقيه بحسب إطلاقاتهم، فمن يعتبر ذلك في صدق الفقيه لابدّ أن يعتبره في صدق المجتهد أيضا. فعلى هذا يشكل الحال في التحديد المذكور أيضا.

ثمّ إنّ ظاهر الحدّ المذكور يعمّ الاجتهاد المطلق و غيره، و هو بناء على جواز التجزّي لا إشكال فيه، و أمّا بناء على المنع منه فيشكل الحال فيه، فإنّ الظاهر بناء على القول المذكور عدم كون استفراغه فيما يقدر على استنباطه من المسائل و لا ملكته الّتي يقتدر بها على ذلك اجتهادا في الاصطلاح، كما ينبئ عنه تعبيرهم عن تلك المسألة بأنّ الاجتهاد هل يقبل التجزئة أم لا؟

و القول باندراجه في الاجتهاد و إن لم يعوّل به بناء على القول بعدم التجزّي خروج عمّا يقتضيه ظاهر الإطلاقات كما لا يخفى.

هذا و للاجتهاد إطلاق ثالث، و هو أن يراد به استنباط حكم المسألة عمّا عدا النصّ من الأمارات الظنّية، و منه: ما يقال في مقام دفع بعض الاستنباطات الظنّية أنّه اجتهاد في مقابلة النصّ، و قد يحمل عليه ما مرّ في الذريعة في تعريف الاجتهاد من أنّه عبارة عن إثبات الأحكام الشرعيّة بغير النصوص، بل بما طريقة الأمارات و الظنون، و كأنّه المراد بما ورد من ذمّ الاجتهاد و عدم جواز البناء عليه في استنباط الأحكام، و بما ذكره علماء الرجال من تصنيف بعض قدمائنا كتابا في الردّ على الاجتهاد، حيث إنّ المناط في استنباط الأحكام الشرعيّة عندنا هو النصّ و ما بمنزلته دون سائر الأمارات و الاعتبارات الّتي يبتنى عليها الاجتهاد بالمعنى المذكور.

625

قوله: (و قد اختلف الناس في قبوله للتجزئة ... الخ.)

اعلم أن كلّا من الاجتهاد بمعنى الملكة و الفعل إمّا أن يكون مطلقا- بأن يكون هناك ملكة استنباط جميع المسائل مع حصول الفعليّة كذلك، و نعني بإطلاق حصول الفعليّة أن يكون مستفرغا لوسعه في المسائل المعروفة المدوّنة ممّا يعدّ العالم به عارفا بمسائل الفقه، لا جميع ما يمكن تصويره من المسائل، لعدم تناهيها، و امتناع إحاطة القوّة البشريّة بها- و إمّا أن يكونا جزئيّين، و إمّا أن يكون القوّة تامّة كلّية على الوجه المذكور، و الفعلية ناقصة جزئية. و أمّا العكس فغير متصوّر غالبا، و يمكن تصويره فيما إذا استنبط الحكم في المسائل المشكلة بمعاون من استاد و نحوه من غير أن يقتدر نفسه على الاستنباط بخلاف غيرها من المسائل.

فالأوّل اجتهاد مطلق من غير إشكال، كما أنّ الثاني تجزّي كذلك.

و أمّا الثالث فالّذي قطع به غير واحد من الأفاضل أنّه أيضا من الاجتهاد المطلق نظرا إلى أنّ تجزّي الاجتهاد و إطلاقه إنّما يعقل بالنسبة إلى القوّة و الملكة، و أمّا بالنسبة إلى الفعليّة فلا يعقل فيه إلّا التجزّي، إذ لا يتصور إحاطة الاجتهاد بجميع المسائل، لعدم تناهيها.

و فيه: أنّه إنّما يتمّ ذلك إذا اريد بإطلاق الفعليّة هو إطلاقها بالنسبة إلى ما يمكن تصويره من المسائل، و أمّا لو اريد به المسائل المعروفة المدوّنة حسب ما ذكرنا فلا.

و من البيّن أنّه مع علمه بتلك المسائل يعدّ عالما بحسب العرف بمسائل الفقه، بل الظاهر الاكتفاء في صدقه بما دون ذلك أيضا فيما إذا كان عالما بقدر يعتدّ به من تلك الأحكام، حسب ما مرّت الإشارة إليه.

و مع الغضّ عن ذلك فقد يناقش في امتناع الاجتهاد في جميع المسائل نظرا إلى إمكان استفراغ الوسع فيها على سبيل الكلّية و الاندراج تحت القاعدة و إن لم يتصوّرها بخصوصها. فما ذكر: من عدم تناهي المسائل و الفروع المتجدّدة، إنّما

626

يفيد امتناع استعلامها و استفراغ الوسع فيها على سبيل التفصيل و بعنوان مستقلّ و ملاحظة خاصّة، دون ما إذا اريد ذلك بعنوان كلّي على سبيل الإجمال في الملاحظة فتأمّل، و سيجي‏ء تتمّة الكلام في ذلك إن شاء اللّه.

و من الغريب أنّ بعض من حكينا عنه القطع بذلك في المقام قد نصّ في أوّل المسألة بخلاف ذلك، حيث قال: لا شكّ في جواز الأخذ من العالم إذا كان عالما بكلّ الأحكام أو ظانّا لها من الطرق الصحيحة، و هو المسمّى بالمجتهد المطلق و المجتهد في الكلّ. و أمّا جواز الأخذ عن الظانّ ببعضها من الطرق الصحيحة على الوجه الّذي ظنّه المجتهد المطلق و هو المسمّى بالمتجزّئ ففيه خلاف. انتهى ملخّصا.

و هذا كما ترى ظاهر جدّا في تقريره النزاع بملاحظة الفعليّة دون مجرّد القوّة و الملكة، و قد يؤول بعيدا بما يرجع إلى الأوّل، ثمّ إنّ في المقام وجوها ثلاثة اخرى:

أحدها: أن يحصل الاقتدار على استنباط جميع المسائل من دون استفراغ الوسع في تحصيل شي‏ء منها، فيكون القوّة تامّة، و الفعلية منتفية بالمرّة.

ثانيها: أن يحصل الاقتدار على استنباط بعض المسائل خاصّة مع عدم استفراغ الوسع في تحصيله، فالقوّة ناقصة، و الفعليّة منتفية أيضا.

ثالثها: أن يتحقّق هناك استنباط بعض المسائل من غير أن يكون للمستنبط ملكة في الاستنباط، و إنّما حصل له ذلك على سبيل التكلّف و التعسّف، أو بتفهيم الغير و إعانته في بيان الأدلّة و إبداء وجوه الاستنباط، بحيث حصل له الاطمئنان باستيفاء الأدلّة و وجوه دلالتها على حكم المسألة، فهناك فعليّة ناقصة من دون حصول القوّة و الملكة.

فتحصّل ممّا ذكرنا أنّ الوجوه المتصوّرة في المقام ستّة لا إشكال في الوجه الأوّل منها، و هو ما لو كانت الملكة تامّة مع حصول الفعليّة كذلك على الوجه المذكور، و الظاهر الاكتفاء في حصول الفعليّة بما يعدّ معها عالما بالأحكام‏

627

الشرعيّة، و ذلك بأن يعلم جملة وافية من الأحكام و يستنبط قدرا يعتدّ به من أبواب الفقه و إن لم يكن عالما بالفعل بخصوصيّات جميع المسائل المدوّنة على سبيل الاستفراغ الحقيقي. و أمّا من سوى ذلك ففي كونه مكلّفا معه بالرجوع إلى الأدلّة الشرعيّة، أو إلى تقليد غيره تأمّل و إشكال، إلّا أنّ إدراج جميع تلك الوجوه في التجزّي غير ظاهر، و القدر المتيقّن منه هو ما لو كان كلّ من القوّة و الفعليّة ناقصة و إن كان الظاهر شموله لبعض الوجوه الاخر أيضا كما سيجي‏ء الإشارة إليه إن شاء اللّه.

ثمّ إنّ الخلاف في مسألة التجزّي يمكن أن يكون في مقامين:

أحدهما: أن يقع النزاع في إمكان حصول التجزّي و عدمه، بأن يحصل للعالم ملكة الاجتهاد في بعض المسائل دون بعضها إن قرّر النزاع في الملكة، أو بأن يستفرغ الوسع في تحصيل الظنّ ببعض المسائل دون بعضها إن اعتبر الخلاف بالنسبة إلى الفعليّة.

ثانيهما: أن يقرّر الخلاف في الحجّية بعد تسليم أصل التجزّي. و قد يتخيّل في المقام عدم تعقّل الخلاف في المقام الأوّل، لوضوح إمكان التبعيض في القوّة، ضرورة اختلاف مسائل الفقه في الوضوح و الغموض.

و من البيّن أنّ ملكة استنباط الجميع لا تحصل دفعة بل على سبيل التدريج، إذ ملكة استنباط المسائل الظاهرة تحصل بأدنى ممارسة بخلاف الغامضة، و يلزم من ذلك إمكان تحصيل الظنّ ببعض المسائل دون البعض، فهو مع غاية وضوحه في نفسه، ظاهر بالبيان المذكور، كيف و لو لا ذلك لما أمكن تحصيل الظنّ بشي‏ء من المسائل، لتوقّف تحصيل الظنّ بكلّ منهما على تحصيل الظنّ بالآخر، و هو دور ظاهر.

و أنت خبير: بأنّ شيئا ممّا ذكر لا ينافي وقوع الخلاف فيه، غاية الأمر أن يكون الخلاف فيه ضعيفا ساقطا، كيف و صريح كلام بعضهم و قضيّة بعض أدلّتهم المذكورة في المسألة وقوع الخلاف في كلا المقامين. فقد نصّ بعضهم بأنّ الظاهر

628

أنّ التجزّي في القوّة و الملكة غير معقول، و كان الوجه فيه أنّ مسائل الفقه كلّها من قبيل واحد لاشتراكها في معظم المقدّمات، و الاحتجاج عليها إنّما يكون بسياق واحد، فإن بلغ المستدلّ إلى حيث يتمكّن من إجراء الأدلّة و تفريع الفرع على الأصل يصحّ له ذلك في الجميع، و إلّا لم يصحّ له في شي‏ء منها.

و الحاصل: أنّ القوّة الباعثة على الاقتدار على تحصيل تلك المسائل أمر واحد يختلف إعمالها بحسب اختلاف المسائل، فلا يعقل فيها التجزّي و التبعيض.

و قد احتجّوا على المنع من التجزّي بأنّ كلّ ما يقدر جهله به يجوز تعلّقه بالحكم، فلا يحصل له ظنّ بعدم المانع من الحكم بمقتضى ما وصل إليه من الأدلّة، و هو كما ترى يعطي المنع من تحصيل الظنّ من أصله و عدم حصول الاجتهاد قبل تحصيل الجميع، إذ لابدّ في الاجتهاد من استيفاء الأدلّة الموجودة و لو ظنّا، و لا يحصل ذلك حسب ما ذكر لغير المجتهد المطلق. و هذان الوجهان و إن كانا في غاية الوهن و الركاكة إلّا أنّهما مذكوران في كلامهم، و قضيّة الأوّل المنع من تجزّي الاجتهاد بمعنى الملكة، و قضيّة الثاني المنع من تجزّي الفعليّة و عدم إمكان انفكاك الظنّ ببعض المسائل عن بعض آخر، فالظاهر وقوع الخلاف في كلّ من المقامين المذكورين، إلّا أنّ الخلاف في المقام الأوّل في غاية الضعف و السخافة.

قال الشيخ سليمان البحراني في العشرة الكاملة: إنّ فرض التجزّي بمعنى الاقتدار على بعض المسائل دون بعض على وجه يساوي استنباط المجتهد المطلق أمر جائز، بل واقع، و المنازع فيها يكاد يلحق نزاعه بالمباهتة و المكابرة، إلى آخر ما ذكر. فحقّ الخلاف أن يقرّر في المقام الثاني، و الظاهر أنّ ملحوظ الجماعة في البحث عن التجزّي و إن عنونوا المسألة بقبول الاجتهاد للتجزّي و عدمه الظاهر في إرادة المقام الأوّل، إلّا أنّ الظاهر أنّ الملحوظ بالبحث هو اعتبار الحجّية دون حصول المظنّة، حيث إنّ الاجتهاد بحسب الاصطلاح كما عرفت إنّما يطلق حقيقة على استفراغ الوسع في تحصيل الأحكام الشرعيّة، بحيث يترتّب عليه أثر في الشريعة من جواز الأخذ بمؤدّاه، أو الرجوع إلى الاصول‏

629

الفقهيّة مع عجزه حينئذ من تحصيل المظنّة. و أمّا مجرّد تحصيل الظنّ بالأحكام عن ظواهر الأدلّة فممّا يمكن حصوله لغير البالغين إلى درجة الاجتهاد مطلقا، مع عدم عدّه من الاجتهاد قطعا، و لذا اعتبروا في حدّه أن يكون الاستفراغ المذكور من الفقيه- حسب ما مرّ الكلام فيه- فاستظهار التوقّف في المقام الأوّل من الشهيد في الألفيّة و شيخه فخر الإسلام و السيّد العميدي ليس في محلّه. و لا يبعد تنزيل ما ذكروه على المقام الثاني بالتقريب الذي بيّنّاه.

فظهر بما قرّرناه: أنّ مآل الحكم بقبول الاجتهاد التجزّي و عدمه و الحكم بحجّية ظنّ المتجزّي و عدمه أمر واحد، و لذا وقع التعبير في معظم كلماتهم بالأوّل، مع أنّ الملحوظ في المقام كما عرفت هو الثاني.

و منه يظهر ضعف ما استشكل في المقام: من أنّ المانعين من التجزّي إن اعتبروا في الاجتهاد- كما هو ظاهر العنوان- ملكة استنباط جميع المسائل، فإن كان ذلك لجواز العمل به لم يخل عن وجه لكن ذلك كلام في الحجّية لا في أصل حصول الاجتهاد كما هو ظاهر العنوان، و إن كان ذلك لنفس تحقّق الاجتهاد فلا يظهر وجهه، إذ الاجتهاد ليس إلّا الظنّ بالمسألة بعد استفراغ الوسع في أدلّتها، و هو غير متوقّف على الاقتدار على الجميع- استنباط غيرها- و القول بأنّ القائل بعدم التجزّي لا يسمّي الاقتدار على استنباط بعض المسائل اجتهادا بل يعتبر في التسمية الاقتدار على الجميع لا يرجع إلى طائل، فإنّه بحث لفظيّ لا فائدة فيه، مع أنّ المعظم قائلون بجواز التجزّي، فهم حاكمون بصدق الاجتهاد حينئذ، و المعاني الاصطلاحيّة إنّما تثبت بقول الأكثر. و إن اعتبروا في تحقّق الاجتهاد العلم بجميع أدلّة المسألة و هو غير حاصل للمتجزّي، فهو منقوض بالمطلق، لعدم حصوله بالنسبة إليه أيضا، إذ اقتضاء حصول الظنّ له بذلك و انعقاد الإجماع على تنزيل ظنّه منزلة العلم دون غيره لا يفيد في المقام، إذ ذلك إنّما يلحظ بالنسبة إلى حجّية ذلك الظنّ، لا في نفس حصول المظنّة، و تحقّق الاجتهاد في المسألة. و إن اكتفوا فيه بالظنّ باستيفاء الأدلّة فهو ممّا يمكن حصوله للمتجزّي قطعا، من غير فرق بينه و بين المطلق في ذلك فلا يقضي ذلك بالمنع من التجزّي انتهى ملخّصا.

630

إذ قد عرفت أنّ الاجتهاد في ظاهر اصطلاحهم اسم لاستفراغ الوسع في تحصيل الأحكام الشرعيّة على وجه يعتدّ به في الشريعة، فحينئذ فالخلاف في حجّية ظنّ المتجزّي يرجع إلى الخلاف في قبول الاجتهاد بالمعنى المذكور للتجزّي، فيلزم القائل بعدم حجّيته أن لا يسمّي ذلك اجتهادا كما يلزم القائل بحجّيته إدراجه في الاجتهاد. و حينئذ فذهاب المعظم إلى جواز التجزّي و مخالفة آخرين ليس مبنيّا على البحث اللفظي. و ليس القائل بالمنع من التجزّي قائلا بعدم إمكان حصول الظنّ لغير المجتهد المطلق، و القول به كما يظهر من بعض كلماتهم سخيف، إن صحّ وجود القائل به فهو لشذوذ منهم، لا يتّجه إسناده إلى الأفاضل فلا تغفل هذا. و حيث علمت أنّ المتيقّن من موضوع التجزّي هو التجزئة بحسب كلّ من القوّة و الفعليّة فلنفرض المسألة في تلك الصورة، ثمّ نتبعها بالكلام في باقي الوجوه المذكورة.

فنقول: إنّ في المسألة قولان معروفان‏ (1) أحدهما: القول بالتجزّي و عزي إلى أكثر الاصوليّين. و في الوافية: أنّ الأكثر على أنّه يقبل التجزئة، و قد اختاره جماعة من علمائنا منهم العلّامة (رحمه اللّه) في عدّة من كتبه الاصوليّة و الفقهيّة، و الشهيدان، و شيخنا البهائي و والده، و جماعة من المتأخّرين، بل استظهر بعضهم اتّفاق أصحابنا الاماميّة عليه، و على تقدير منعه فلا أقلّ من الشهرة العظيمة الّتي لا يعدّ معها في دعوى شذوذ المخالف، و اختاره أيضا جماعة من العامّة منهم: الغزالي، و الرازي، و التفتازاني، و يظهر القول به من الآمدي.

و ثانيهما: المنع منه و حكي القول به عن قوم، و عزاه بعضهم إلى أكثر العامّة، و اختاره بعض مشايخنا المحقّقين. و يظهر من جماعة التوقّف في ذلك منهم:

الحاجبي و العضدي من العامّة، و فخر المحقّقين و السيّد عميد الدين من الخاصّة، حيث ذكروا احتجاج الطرفين و لم يرجّحوا شيئا من القولين.

____________

(1) قولين معروفين، خ ل.

631

حجّة القول بقبوله للتجزّي وجوه:

- الأوّل-

ما أشار إليه المصنّف و يأتي الكلام فيه إن شاء اللّه.

- الثاني- أنّ قضيّة حكم العقل بعد انسداد باب العلم و بقاء التكاليف هو الرجوع إلى الظنّ‏

، لكونه الأقرب إلى العلم- حسب ما مرّ تفصيل القول فيه- سواء كان الظانّ به قادرا على استنباط غيره من الأحكام أو لا. فالّذي يقتضيه الدليل المذكور قيام الظنّ مقام العلم للقادر على تحصيله، فالعامي الصرف الغير المتمكّن من تحصيل المظنّة و استنباط الأحكام عن الأدلّة خارج عن موضوع المسألة، بخلاف المتجزّي.

و بالجملة: أنّ العبرة بحال الظنّ حسب ما يقتضيه الدليل المذكور- على ما مرّ تفصيل القول فيه- فيحكم به، لقيامه مقام العلم من غير ملاحظة لحال الظانّ و المستنبط، فمهما كان المكلّف قادرا على تحصيل الظنّ كان ذلك قائما عنده مقام العلم، مطلقا كان، أو متجزّئا. و إن لم يكن قادرا على ذلك كما هو الحال في الخارج عن القسمين المذكورين فهو خارج عن مؤدّى الدليل، و كان تكليفه شيئا آخر. و يورد عليه: بأنّه لو تمّ ذلك لدلّ على حجّية الظنّ الحاصل لغير القادر على ملاحظة جميع الأدلّة و التمكّن عن البحث عن معارضاتها و وجوه دلالتها حتّى العوام القادرين على تحصيل الظنّ بمجرّد الرجوع إلى بعض الروايات أو ملاحظة ترجمتها، لكون الجميع ظنّا بالحكم، بل قد يكون الظنّ الحاصل لهؤلاء أقوى من الظنون الحاصلة للمجتهدين، لعدم انسباق الشبهة إلى أذهانهم. و القول بخروج ظنّ هؤلاء بالإجماع مدفوع، بلزوم تخصيص القاعدة العقليّة. فما دلّ على عدم حجّية الظنّ المفروض يدلّ على عدم جواز التعويل على الوجه المذكور.

و يدفعه: أنّ قضيّة الدليل المذكور هو حجّية كلّ ظنّ لم يقم الدليل على خلافه، فما قام الدليل على عدم جواز الأخذ به خارج عن موضوع تلك القاعدة، إلّا أنّه‏

632

تخصيص لها نظرا إلى قيام الدليل عليه. و التحقيق في الإيراد عليه وجهان:

أحدهما: أنّ قضيّة العقل بعد انسداد باب العلم هو حجّية أقوى الظنون و قيامه مقام العلم، إذ هو الأقرب إليه. و لا ريب أنّ الظنّ الحاصل لصاحب الملكة القوّية- الباعثة على الاقتدار على استنباط جميع المسائل، و معرفة جميع الأدلّة الشرعيّة، و الوصول إلى وجوه دلالتها، و كيفيّة استنباط الأحكام منها- أقرب إلى إصابة الحقّ و الوصول إلى الواقع من استنباط من هو دونه في الملكة بحيث لا يقدر إلّا على استنباط بعض المسائل، و لا يتمكّن إلّا من إدراك بعض الدلائل. فإذا دار الأمر بين اعتبار القدرة على استنباط جميع الأدلّة و البحث عن معارضاتها و كيفيّة دلالتها- كما هو شأن المجتهد المطلق- أو الاكتفاء باستنباط مدارك المسألة الخاصّة و لو مع العجز عن إدراك غيرها- كما هو شأن المتجزّي- كان الأوّل هو الأولى.

و الحاصل: أنّه كما يجب تحصيل أقوى الظنون من حيث المدرك مع اختلاف المدارك في القوّة و الضعف، كذا يجب مراعاة الأقوى من حيث المدرك. فكما يجب عليه البحث عن الأدلّة لتحصيل المدرك الأقوى، كذا يجب عليه السعي في تحصيل القوّة القويّة حتّى يكون مدركا بالملكة الأقوى، لكون الظنّ الحاصل معها أقرب إلى مطابقة الواقع من الحاصل من القوّة الناقصة و الملكة الضعيفة.

فإن قلت: لو كان الأمر على ما ذكر لما اكتفى بالظنّ الحاصل من المجتهد المطلق مطلقا، بل كان الواجب عليه تحصيل القوّة الأتمّ و الملكة الأقوى على حسب الإمكان، لوضوح اختلاف المجتهدين المطلقين في القوّة و الملكة، مع أنّ أحدا لم يقل بوجوب ذلك.

قلت: لو لا قيام الدليل القاطع على الاكتفاء بظنّ المجتهد المطلق مطلقا كان مقتضى الدليل المذكور ذلك، إلّا أنّه لمّا قام الإجماع على عدم وجوب تحصيل كمال القوّة بعد تحصيل ملكة الاجتهاد المطلق كان ذلك دليلا على عدم وجوب مراعاة الزائد، فهو نظير ما إذا دلّ الدليل القاطع على الاكتفاء في مقدار البحث‏

633

و النظر في الأدلّة على قدر مخصوص من غير حاجة إلى اعتبار ما يزيد عليه و لو مع التمكّن من الزيادة، فإنّه لا منافاة فيه لمقتضى الدليل المذكور أصلا، إذ اعتبار وجوب تحصيل الأقوى إنّما هو لعدم قيام الدليل على الاكتفاء بما دونه، و أمّا بعد قيام الدليل عليه فلا. فصار المتحصّل من الدليل المذكور هو حجّية الظنّ الحاصل من صاحب الملكة المطلقة بعد تحصيل ما هو الأقوى من المدارك، حيث إنّه الظنّ الأقرب إلى إصابة الواقع، فيجب على المكلّف إذن تحصيل الأقوى بعد انسداد سبيل العلم بالحكم ليكون مؤدّيا للتكليف خارجا في حكم العقل عن عهدة التكليف الثابت باليقين، لعدم القطع بتحصيل البراءة من دونه. فذلك هو الظنّ القائم مقام العلم بحكم العقل دون سائر الظنون، و كان ذلك هو الاجتهاد الواجب في تحصيل الأحكام. و لمّا دلّ الدليل القاطع على عدم وجوب الاجتهاد على الأعيان بل على سبيل الكفاية قضى ذلك بعدم وجوب تحصيل المرتبة المذكورة إلّا على بعض المكلّفين، فيرجع الباقون إلى ظنّه و الأخذ بمقتضى اجتهاده.

فإن قلت: إنّ قضيّة حكم العقل وجوب تحصيل العلم بالأحكام بالنسبة إلى آحاد الأنام، و بعد انسداد باب العلم يرجع إلى الظنّ بالنسبة إلى كلّ واحد منهم، لاشتراك الجميع في التكليف.

غاية الأمر: قيام الدليل من الإجماع و الضرورة على جواز الرجوع إلى التقليد لغير البالغ إلى درجة التجزّي. و أمّا المتجزّئ فلا دلالة في الإجماع و الضرورة على جواز أخذه بالتقليد، و لا دليل قاطع سواه على خروجه عن الاشتغال المعلوم بمجرّد التقليد. و مجرّد دوران الأمر في شأنه بين الوجهين لا يقضي بتجويز الأمرين بالنسبة إليه و التخير بين المسلكين، بل الّذي يقتضيه العقل عند دوران أمره بين الرجوع إلى ظنّه و الأخذ بتقليد غيره في ما يكون المظنون عنده خلافه هو الأخذ بظنّه، فإنّ بناءه على التقليد حينئذ أخذ بالوهم و تنزّل من الظنّ إلى ما دونه من غير قيام دليل عليه، و هو خلاف ما يقتضيه حكم العقل. هذا إذا اجتهد في تلك المسألة و حصل له الظنّ بخلافه. و أمّا لو كان ذلك قبل اجتهاده‏

634

فلا أقلّ من احتمال أن يكون المظنون عنده خلاف ذلك بعد اجتهاده فيه و هو أيضا كاف في المقام.

قلت: بعد ما تقرّر بملاحظة ما بيّناه أنّ الاجتهاد الواجب هو استفراغ الوسع في معرفة الحكم بعد تحصيل المرتبة المفروضة من الملكة كان ذلك هو الواجب على سبيل الكفاية، فدوران الأمر في المكلّف بين أن يكون مجتهدا أو مقلّدا، عالما أو متعلّما يقضي بوجوب التقليد عليه، لما دلّ على وجوب التقليد على كلّ من لم يبلغ تلك الدرجة نظرا إلى عدم انتهاء ظنّه إلى العلم فلا يندرج في العالم، إذ مجرّد الظنّ الغير المنتهي إلى اليقين لا يعدّ علما، فيندرج فيما يقابله- أعني الجهل- و وظيفته الرجوع إلى العالم. فليس المقصود بالوجه‏ (1) المذكور إثبات وجوب التقليد عليه ابتداءا حتّى يقال: إنّه عند دوران الحكم في شأنه بين الأمرين لا وجه لترجيح التقليد على الأخذ بظنّه مع اشتراكهما في مخالفة الأصل، بل ينبغي ترجيح الأخذ بالظنّ إلى ما ذكر. و إنّما المراد أنّ الملحوظ في المقام اندراجه في موضوع الجاهل ليتعيّن عليه الرجوع إلى العالم، أو من قام الدليل القاطع على قيام ظنّه مقام العلم، فصار المحصّل أنّ وجوب رجوع الجاهل إلى العالم أمر معلوم، و إنّما الكلام في المقام في اندراج المتجزّئ في موضوع الجاهل.

و بعد ملاحظة الوجه المذكور يتبيّن اندراجه فيه، إذ قد عرفت أنّ قضيّة العقل حينئذ هو حجّية الظنّ في الجملة على سبيل القضيّة المهملة، و قضيّة ترجيح ظنّ المطلق من جهة القوّة انصراف المهملة إليه، فيبقى ظنّ غيره مجهولا، فلا يكون الظانّ المذكور عالما بما هو الحكم في شأنه فلا محالة يندرج في الجاهل.

و ما ذكر: من أنّ الظنّ أقرب إلى العلم فيتعيّن عليه الأخذ به حتّى يقوم الدليل على الاكتفاء بغيره إنّما يفيد في المقام إذا ثبت كونه من أهل الاستنباط، إذ بعد وجوب الاستنباط عليه لا وجه لترك الأقوى و الأخذ بالأضعف من دون قيام الدليل عليه.

____________

(1) بالأخذ، خ ل.

635

و أمّا إذا دار أمره بين الأمرين و جهل الحال في شأنه فذلك ممّا يحقّق اندراجه في الجاهل، و مجرّد أقربيّة الظنّ إلى العلم لا يثمر في حقّه شيئا، ألا ترى أنّه لو كان سبيل العلم بالأحكام مفتوحا كان الأمر أيضا دائرا بين العلم بالأحكام و بين أخذها عن العالم، فلا يصحّ أن يقال: إنّ شأن غير العالم ممّن له الاقتدار على تحصيل الظنّ أن يأخذ بظنّه دون أن يقلّد العالم، لكون الظنّ أقرب إلى العلم بالنظر إلى التقليد، بل الواجب في شأنه هو التقليد، حيث إنّه أحد الوجهين المذكورين من العلم أو التعلم.

و منه يظهر الحال في المقام، فإنّه إذا كانت تلك المرتبة من الظنّ نظرا إلى الوجه المذكور قائمة مقام العلم يكون الواجب في شأن كلّ من المكلّفين إمّا تحصيل تلك المرتبة، أو الرجوع إلى من يكون مستنبطا للحكم على الوجه المذكور، فمع عدم حصول الأوّل للمتجزّئ يتعيّن عليه الأخذ بالثاني. و أيضا لو تعيّن على كلّ من المكلّفين تحصيل العلم بالأحكام عن مداركها كان انسداد باب العلم قاضيا بالتنزّل إلى الظنّ بالنسبة إلى كلّ واحد منهم، و أمّا إذا قلنا بعدم تعيّن ذلك على كلّ واحد منهم و كان القدر اللازم قيام جماعة بتحصيل العلم بالأحكام بحيث يكتفى بهم في تعليم الباقين ليرجعوا إليهم في أخذ تلك الأحكام لم يقض انسداد باب العلم إلّا بالرجوع إلى الظنّ الأقوى مع انفتاح سبيله، و لو بالنسبة إلى البعض المذكورين دون ما دونه من المراتب و إن لم يتمكّن الكلّ من الأخذ بذلك الأقوى، فإن تمكّن من يقوم به الكفاية كاف في ذلك و كان وظيفة الباقين الرجوع إليهم.

فإن قلت: إنّ الواجبات الكفائيّة تتعلّق بكلّ واحد من الأعيان و إن كان تعلّقه على سبيل الكفاية، و تعلّق الوجوب بكلّ واحد منهم في الجملة كاف فيما نحن بصدده من الانتقال إلى الظنّ بالنسبة إلى من يتمكّن منه بعد انسداد سبيل العلم.

قلت: إنّ جميع المكلّفين في تحصيل العلم بالأحكام بمنزلة شخص واحد، فإذا تمكّن من تحصيله من يقوم به الكفاية لم ينتقل الأمر إلى الاكتفاء بالظنّ، و كذا

636

لو تمكّنوا من الظنّ الأقوى على الوجه المذكور و لم ينتقل الحال في الباقين إلى ما دونه، لحصول التمكّن من الأقوى بالنسبة إلى الكلّ، فإنّ الملحوظ بالتكليف الكفائي حال الكلّ دون كلّ واحد من الآحاد.

ثانيهما: أنّه إنّما يتمّ ما ذكر من الدليل لو لم يقم الإجماع على حجّية الظنّ المطلق، و أمّا بعد قيام الإجماع على حجّية ظنّه فلا وجه للحكم بحجّية الظنّ الحاصل لغيره، فإنّ قضيّة انسداد باب العلم و بقاء التكليف هو الرجوع إلى الظنّ في الجملة، و القدر الثابت هو الظنّ الخاص، لقيام الإجماع عليه، فالباقي يندرج تحت ما دلّ على المنع من الأخذ بالظنّ.

نعم إن لم يثبت هناك مرجّح بين الظنون من حيث المدرك- كما أنّه لا مرجّح بينها من حيث المدرك على ادّعاء القائل بأصالة حجّية الظنّ- لزم الحكم بتساوي الكلّ من الجهة المذكورة أيضا، لانتفاء المرجّح أيضا و ليس كذلك، لما عرفت من كون الإجماع على حجّية ظنّ المطلق مرجّحا في المقام.

و ما قد يقال: من منع انعقاد الإجماع على حجّية ظنّ المطلق على وجه ينفع في المقام نظرا إلى وقوع الخلاف في طرق الاستنباط من الأخذ بطريقة الاجتهاد، أو الأخبار، أو الطريقة الوسطى، حيث ذهب إلى كلّ من تلك الطرق الثلاثة جماعة، و في هؤلاء من يمنع الرجوع إلى غيره، فلا إجماع على الأخذ بظنّ خاصّ منها ليكون دليلا قاطعا في المقام، و كون الرجوع إلى المطلق في الجملة في مقابلة المتجزّئ مقطوعا لا يكفي في المقام بعد دوران الأمر فيه بين الوجوه المذكورة و انحصار الأمر في الرجوع إلى واحد منهم، فلا مناص إذن من الرجوع إلى الظنّ و يتمّ الاستدلال مدفوع، بأنّ قيام الإجماع على حجّية ظنّ المطلق ممّا لا مجال للتأمّل فيه. و جعل دوران الأمر بين أحد الطرق الثلاثة مانعا لانعقاد الإجماع موهون جدّا، إذ الاختلاف الواقع في ذلك كالاختلاف الحاصل بين المجتهدين في تعيين الأدلّة، حيث لا يسع‏ (1) أحدا من أجل ذلك الرجوع إلى غيره.

____________

(1) في «ق» يمنع.

637

نعم ربما وقع في البين خلاف لبعض القاصرين في جواز الرجوع إلى علمائنا المجتهدين، لشبهات واهية عرضت لهم، و ليسوا ممّن يعتدّ بشأنهم في مقابلة اولئك الأعلام ليكون خلافهم ناقضا لإجماعهم.

فإن قلت: إنّ ما ذكر لا يجدي فيما نحن فيه من المعرفة بتكليف المتجزّئ، إذ لا إجماع على جواز رجوعه إلى المطلق، بل الأشهر خلافه. و قيام الإجماع على حجّية ظنّ المطلق في شأن نفسه و شأن من يقلّده من العوام غير مفيد في شأنه، فلابدّ له إذن من الرجوع إلى الظنّ، و يتمّ الاحتجاج المذكور بالنسبة إليه. و القول بقضاء الأصل بعدم حجّية الظنّ فيقتصر فيما دلّ على خلافه على المقدار المعلوم مدفوع، بأنّه كما قضى الأصل الأوّلي بعدم حجّية الظنّ في شأنه فقد قضى أيضا بعدم جواز رجوعه إلى التقليد و الأخذ بقول الغير، فلا وجه لترجيح الثاني، بل نقول: إنّه لابدّ من ترجيح الأوّل نظرا إلى الدليل المذكور، إذ بعد دوران أمره بين أمرين مخالفين للأصل و عدم دليل قطعي على شي‏ء منهما لابدّ من البناء على الظنّ و الأخذ بمقتضاه، لكونه الأقرب إلى العلم، فيتعيّن البناء عليه بعد انسداد سبيل العلم و القطع ببقاء التكليف، فلا وجه للأخذ بالتقليد. و أيضا لو دار أمره بين تقليد العالم بالحكم و الأخذ بالظنّ لربما أمكن القول بتعادلهما. و أمّا لو دار بين الأخذ بالظنّ و تقليد الظانّ فلا ريب في تقديم الأوّل، إذ ليس فيه مخالفة الأصل إلّا من جهة الاتّكال على الظنّ، بخلاف الثاني لمخالفته للأصل من جهتين نظرا إلى اتّكاله على الظنّ و على فهم الغير، فالاتّكال على الظنّ مشترك بين الوجهين و يزيد الثاني بالأخذ بفهم الغير و دعواه.

قلت: لمّا انقسم الناس في حكم الشرع إلى قسمين: عالم بالأحكام و مستنبط لها عن مداركها و متعلّم آخذ بقول ذلك العالم كان العلم بالأحكام عن أدلّتها مطلوبا من ذلك العالم دون غيره، و حينئذ فإذا فرض انسداد باب العلم بالنسبة إليه مع القطع ببقاء التكليف قضى ذلك بالانتقال إلى الظنّ في الجملة، و حينئذ فإن لم يكن هناك ترجيح بين الظنون قضى ذلك بحجّية الجميع، لاستحالة الترجيح مع انتفاء المرجّح، فتكون القضيّة المهملة المذكورة بعد ملاحظة ذلك كلّية.

638

و أمّا إذا قام هناك دليل قطعي على حجّية بعضها و قيامه مقام العلم في استنباط الأحكام كان ذلك مرجّحا بين الظنون، و لم يكن المستفاد من الدليل المذكور جواز الاستناد إلى غيره، فينطبق القضيّة المهملة المستفادة من العقل على ذلك، و حينئذ نقول: إنّه لمّا قام الإجماع على قيام الظنّ الحاصل بعد تحصيل الملكة التامّة- و القدرة الكاملة على استنباط الأحكام الشرعيّة و إعمال تلك الملكة على حسب الوسع و الطاقة- مقام العلم و تنزيله منزلته قضى ذلك بكون ما دلّ عليه العقل من قيام الظنّ في الجملة مقام العلم هو خصوص الظنّ المفروض، إذ لا يستفاد حينئذ من المهملة المذكورة ما يزيد عليه، فيكون وظيفة العالم بعد انسداد سبيل العلم هو تحصيل الظنّ المفروض بتحصيله الملكة المفروضة، و إعمالها في البحث عن الأدلّة على حسب وسعه، و يكون وظيفة المتعلّم هو الرجوع إليه. و هذا كلّه ظاهر في حكم العقل بعد التأمّل فيما يقتضيه الدليل المذكور.

إذا تقرّر ذلك تفرّع عليه أن يكون وظيفة المتجزّئ الرجوع إلى العالم المذكور دون ظنّه الحاصل عن ملاحظة الأدلّة، فليس المقصود من جعل الإجماع على حجّية الظنّ المطلق مرجّحا في المقام إلّا إثبات كون المرجع حال انسداد باب العلم هو الظنّ المذكور، و أنّه القائم مقام العلم من غير ملاحظة لخصوص المتجزّئ و غيره، فعدم قيام الإجماع في خصوص المتجزّئ على جواز رجوعه إلى العالم المفروض لا ينافي ما قرّرنا، إذ يتفرّع على ما ذكر أنّ تكليف المتجزّئ في حكم العقل هو ما ذكرناه و إن لم يقم إجماع على جواز رجوعه إلى التقليد و الأخذ بقول الغير.

فإن قلت: لو كان حكم العقل بكون المناط في التكليف هو الظنّ المذكور- من جهة إدراكه أنّ ذلك هو المطلوب في الشريعة و الحجّة بعد انسداد باب العلم دون غيره- تمّ ما ذكر من غير إشكال. و أمّا إذا كان حكمه به من جهة عدم قيام دليل عنده على جواز الرجوع إلى غير الظنّ المذكور فيحكم بوجوب الأخذ به من جهة

639

قيام الدليل على حصول البراءة به دون غيره فلا يتفرّع عليه حكم المتجزّئ، إذ كما لم يقم دليل قطعي على رجوعه إلى ظنّه فليس في رجوعه إلى العالم المفروض أخذ باليقين، لدوران تكليفه في بادئ الرأي بين الأمرين، فكيف يصحّ القول بكون تكليفه في حكم العقل هو الرجوع إلى الغير.

قلت: لمّا كان الظنّ القائم مقام العلم في حكم العقل هو الظنّ المفروض لزمه الحكم بوجوب تحصيله في حصول البراءة، و إنّ ذلك لعدم قيام الدليل على الاكتفاء بغيره، إذ حينئذ يكون الظنّ المعتدّ به في ظاهر الشريعة هو ذلك دون غيره، فإذا لم يقم دليل على تنزيل غيره من الظنون منزلة العلم لزمه الحكم بعدم قيامه مقامه، لما دلّ من القاعدة على عدم الاكتفاء بالظنّ، فإذا كان الظنّ المذكور في ظاهر التكليف منزّلا منزلة عدمه كان قضيّة الأدلّة القطعيّة الدالّة على وجوب رجوع الجاهل إلى العالم وجوب رجوع الظانّ المذكور إلى العالم المفروض، فالمقصود ممّا قرّرناه هو إدراج الظانّ المذكور بحكم العقل في عنوان الجاهل.

لا يقال: إنّه كما قضى أصالة عدم حجّية الظنّ بعدم حجّية ظنّه و إدراجه في عنوان الجاهل، كذا يقضي أصالة عدم جواز التقليد بإدراجه في العالم.

لأنّا نقول: إنّه من الظاهر أنّ ما دلّ على المنع من التقليد إنّما هو في شأن العالم، و أمّا الجاهل فليس وظيفته إلّا التقليد إجماعا، فإذا شكّ في اندراج المتجزّئ تحت العالم أو الجاهل كان مشكوك الاندراج تحت ما دلّ على المنع من التقليد، فلا يمكن الاستناد إليه في المقام، على أنّه لو سلّم شمول ما دلّ على المنع من التقليد لمجهول الحال فإنّما يدل على المنع بالنسبة إليه من حيث إنّه مجهول، فلا يدلّ على اندراجه تحت العالم فلا يعارض ذلك ما دلّ على اندراجه في الجاهل، فيجب عليه التقليد، لخروجه بذلك عن الجهالة المأخوذة فيما يستفاد من الأوّل، مضافا إلى ما قد يقال: من أنّه مع عدم قيام الدليل على حجّية ظنّه و جواز عمله به يندرج في عنوان الجاهل بالوجدان، إذ المفروض جهله بالحكم، فيجب عليه التقليد من غير حاجة إلى الاحتجاج عليه بعموم ما دلّ على المنع من العمل‏

640

بالظنّ. و لا يعارضه حينئذ ما دلّ على المنع من التقليد، إذ بعد اندراجه في عنوان الجاهل لا يشمله تلك الأدلّة قطعا.

و ممّا قرّرنا ظهر اندفاع الوجوه المقرّرة في الإيراد، ثالثها: أنّ انسداد باب العلم و العلم ببقاء التكليف إنّما يقضي بجواز العمل بما ظنّ أنّه مكلّف به في ظاهر الشريعة لا ما ظنّ أنّه كذلك بحسب الواقع، كما هو ملحوظ المستدلّ.

و توضيح ذلك: أنّه بعد العلم بوقوع التكاليف إنّما يجب في حكم العقل الإتيان بما يحصل معه العلم بحصول البراءة في حكم المكلّف حسب ما قرّرناه في معرفة أداء ما كلّف به حكما و موضوعا، سواء حصل معه العلم بمطابقته للواقع أو لا؟ فلا يجب على المكلّف مراعاة ما يزيد عليه بعد العلم بما جعله طريقا إلى الواقع، إلّا أن يجعل الطريق إليه خصوص العلم به، فالقدر المعتبر في الحكم بالبراءة و الامتثال هو ما يعلم معه بتفريغ الذمّة في حكم الشرع و هو أعمّ مطلقا من العلم بأداء المكلّف به بحسب الواقع، فيحصل الأوّل مع تعيّن‏ (1) المكلّف لمراعاة الثاني بخلاف العكس، و لذا لو لم يقرّر المكلّف طريقا إلى الواقع أو قرّرها و لم يصل إلينا و كان سبيل العلم بالواقع مفتوحا تعيّن مراعاة ذلك، لعدم العلم بحصول البراءة و الخروج عن عهدة التكليف إلّا به، بل جاز مراعاته مع العلم بالطريق المقرّر أيضا، إذ لم يكن هناك مانع آخر. و حينئذ نقول: إذا انسدّ سبيل العلم بما جعله المكلّف طريقا إلى معرفة ما كلّف به و انسدّ أيضا سبيل العلم بالواقع مع القطع ببقاء التكليف تعيّن تحصيل الظنّ بما هو مكلّف به في ظاهر الشريعة، و مراعاة ما يظنّ كونه طريقا إلى تفريغ الذمّة في حكم المكلّف، لقيام الظنّ بذلك حينئذ مقام العلم به في حكم العقل حسب ما مرّت الإشارة إليه.

و لا يصحّ الاكتفاء حينئذ بمجرّد ما يظنّ معه بأداء الواقع، إذ لا ملازمة بينه و بين الأوّل، و ليس ذلك أخصّ مطلقا من مراعاة ما يظنّ معه بتفريغ الذمّة كما أنّ العلم به أخصّ مطلقا من العلم بذلك- حسب ما مرّ- بل النسبة بينهما عموم من‏

____________

(1) في ق: يقين.

641

وجه، لظهور أنّه قد يحصل الظنّ بتفريغ الذمّة في حكم الشرع مع عدم حصول الظنّ بأداء الواقع.

و قد يكون بالعكس فيما إذا شكّ في كون ذلك مناطا في حكم الشرع أو ظنّ خلافه، و المعتبر في المقام بمقتضى حكم العقل كما عرفت هو الأوّل، و حينئذ فلا يتمّ الاحتجاج إذ مجرّد ظنّ المتجزّئ بالحكم مع الشكّ في كونه مكلّفا شرعا بالعمل بظنّه أو رجوعه إلى ظنّ المجتهد المطلق لا يكفي في الحكم بحجّية ظنّه، و جواز الاعتماد عليه في حكم الشرع.

نعم، لو اقيم دليل ظنّي على حجّية ظنّه و الاكتفاء به في الشريعة أمكن الاستناد إلى الوجه المذكور، و هو غير مأخوذ فيما ذكر من البيان.

رابعها: أنّ الاحتجاج المذكور إنّما يتمّ إذا قام دليل قطعي على عدم وجوب الاحتياط على مثله، إذ مع احتمال وجوب الاحتياط عليه يتعيّن ذلك بالنسبة إليه، إذ هو أيضا نحو من العمل بالعلم، إذ المقصود في المقام تحصيل اليقين بالفراغ الحاصل بذلك و هو ممنوع، بل الظاهر خلافه، إذ أقصى ما يستفاد ممّا دلّ على عدم وجوبه هو عدمه في أصل الشريعة، و عدم وجوبه على المجتهد المطلق و من يقلّده.

و أمّا عدم وجوبه في الصورة المفروضة فلا، كما هو الحال بالنسبة إلى غير البالغ درجة الاجتهاد إذا تعذّر عليه الرجوع الى المجتهد فإنّ القول بوجوب الاحتياط عليه حينئذ- إذا أمكن من تحصيله- هو الموافق لظاهر القواعد، بل لا يبعد البناء عليه، و حينئذ فلا يصحّ الحكم بانتقاله إلى الظنّ بعد انسداد باب العلم و العلم ببقاء التكليف.

فإن قلت: إنّما يتمّ ما ذكر فيما يمكن فيه الاحتياط، و أمّا فيما لا يمكن مراعاته فلا يتمّ ذلك، و حينئذ فيمكن إقامة الدليل بالنسبة إليه فيتمّ إثبات المدّعى حينئذ بعدم القول بالفصل.

قلت: انعقاد الإجماع على عدم القول بالفصل غير معلوم، غاية الأمر عدم‏

642

قائل به في الكتب المعروفة، و مجرّد ذلك لا يعدّ إجماعا سيّما في المقام، فغاية الأمر حينئذ هو جواز الاعتماد على ظنّه في بعض الفروض النادرة ممّا لا يمكن فيه مراعاة الحائطة بشي‏ء من وجوهها، لمكان الضرورة و أين ذلك من المدّعى.

- الثالث- إطلاق ما دلّ على المنع من التقليد و الأخذ بقول الغير من العقل و النقل،

غاية الأمر جوازه في شأن غير القادر على الاستنباط لمكان الضرورة و قيام الإجماع عليه، فيبقى غيره مندرجا تحت أدلّة المنع.

و يمكن الإيراد عليه بوجوه:

أحدها: أنّ العمل بالظنّ على خلاف الأصل أيضا خرج عنه ظنّ المجتهد المطلق لقضاء الاضطرار به و قيام الإجماع عليه، فيبقى غيره مندرجا تحت قاعدة (1) المنع.

و اجيب عنه: بأنّ رجوعه إلى الظنّ ممّا لا كلام فيه، إذ بعد انسداد باب العلم لا يجوز للمتجزّئ البناء على ترك العمل، فلابدّ له من الرجوع إلى الظنّ الحاصل من الاجتهاد، أو الحاصل من التقليد، فلا يكون منهيّا عن اتّباع الظنّ على الإطلاق بخلاف التقليد.

و ردّ ذلك: بأنّه ضعيف في الغاية، إذ غاية ما يحصل للمتجزّئ العلم بكونه مكلّفا بالعمل بغير العلم، و أمّا أنّه التقليد أو الاجتهاد فغير معلوم عنده، إذ لا دليل على التعيين، فعلى هذا يجب عليه العمل بأحد الأمرين دون الآخر من دون علم بالتعيين، فهو حينئذ من باب اشتباه الحرام بالحلال، كالزوجة المشتبهة بالأجنبيّة فيجب الاجتناب عنهما، و لو لم يكن هناك بدّ من الإقدام على أحدهما تخيّر، و أين هو من لزوم الرجوع الى الاجتهاد كما هو المدّعى.

و يمكن دفعه: بأنّ مقصود المجيب أنّ هناك عمومات قاضية بالمنع عن العمل‏

____________

(1) أدلّة، خ ل.

643

بالظنّ، و أدلّة قاضية بالمنع من خصوص الظنّ الحاصل من التقليد، فتلك العمومات مخصوصة قطعا، إذ لا مناص له من الأخذ بأحد الظنّين، بخلاف ما دلّ على المنع من خصوص التقليد، إذ لا دليل على الخروج من مقتضاه حينئذ، فبعد تعيّن الرجوع إلى الظنّ لابدّ من الأخذ بالظنّ الحاصل من غير التقليد، للأدلّة الدالّة على المنع من التقليد من غير باعث للخروج عنها.

نعم يمكن الإيراد عليه: بأنّ الرجوع إلى التقليد ليس أخذا بالظنّ حتّى يكون بين ما دلّ على المنع من الرجوع إلى الظنّ و ما دلّ على المنع من الأخذ بالتقليد عموم مطلق ليكون عدم المناص من الرجوع إلى أحد الظنّين موجبا للخروج عن مقتضى تلك الأدلّة، دون هذه، بل هو نوع آخر من الأخذ بغير العلم قد دلّ الدليل على المنع منه. فبعد عدم المناص من الأخذ بأحد الوجهين يدور الأمر بين تخصيص كلّ من الدليلين، و لا دليل على الترجيح، فيجب تركهما، أو يتخيّر في البناء.

و لا يمكن دفعه تارة: بأنّ الترجيح حينئذ في تخصيص ما دلّ على المنع من العمل بالظنّ، إذ بعد كون السبيل إلى الواقع أوّلا هو العلم بكون الأقرب إليه هو الظنّ، فبعد دوران الأمر بين الرجوع إلى الأقرب إليه أو الأبعد من غير قيام دليل على التعيين يتعيّن الأخذ بالأقرب. و فيه: أنّه إنّما يتمّ إذا جعلنا الواجب أوّلا هو الأخذ بالعلم بالواقع، و أمّا إذا قلنا بوجوب الأخذ بما يعلم معه بتفريغ الذمّة من حكم الشرع سواء حصل معه العلم بالواقع أو لا كما هو الأظهر، و مرّ تفصيل القول فيه فلا يتمّ ذلك، إذ لو ظنّ بكونه مكلّفا شرعا بالرجوع إلى التقليد لزم اتّباعه، و مع الشكّ في كونه مكلّفا بالأخذ بالظنّ أو التقليد لا يصحّ له الحكم بالرجوع إلى شي‏ء منهما، لتساويهما بالنسبة إلى الحكم بتفريغ الذمّة في حكم الشرع كما هو قضيّة الشكّ.

فأقصى الأمر مع عدم المناص في الأخذ بأحد الوجهين أن يحكم بالتخيير.

و مجرّد اقتضاء أحد الوجهين ظنّا بالواقع لا يقضي بحصول الظنّ بالبراءة في حكم‏

644

الشرع، إذ لا ملازمة بين الأمرين حسب ما مرّ بيانه. نعم لو قام دليل ظنّي على كونه مكلّفا بالاجتهاد صحّ الأخذ به، و ليس في الاحتجاج المذكور ما يفيده.

و تارة: بأنّ التقليد أيضا اتّكال على الظنّ و إن لم يوجب حصول الظنّ للمقلّد نظرا إلى حكمه بحجّية الظنّ الحاصل للمجتهد بالنسبة إليه، و ما دلّ على عدم حجّية الظنّ و عدم جواز الاتّكال عليه يفيد عدم جواز الاستناد إليه مطلقا، سواء كان المستند إليه هو الظانّ أو غيره، بل ربما كان الثاني أولى بالمنع، فلابدّ من التزام التخصيص فيما دلّ على عدم الاعتداد بالظنّ فيتمّ التقرير المذكور.

و مع الغضّ عنه فالحاصل في تقليد المجتهد جهتان للمنع نظرا إلى الاتّكال فيه إلى الظنّ و إلى الغير ففيه استناد إلى التقليد و إلى الظنّ بخلاف العمل بالظنّ.

نعم لو كان من يقلّده عالما بالحكم كان المانع هناك مجرّد التقليد، فربما يكافئ ذلك رجوعه إلى الظنّ، إلّا أنّه لا يكون ذلك إلّا في نادر من الأحكام. و قد يدفع ذلك: بأنّه لا كلام في حجّية ظنّ المجتهد المطلق، إنّما الكلام في حجّية ظنّه بالنسبة إلى المتجزّئ و هو المراد من تقليده له، فليس هناك أمران مخالفان للأصل.

و بعبارة اخرى: إنّ ظنّ المجتهد المطلق منزّل منزلة العلم قطعا، فليس في المقام إلّا إثبات جواز التعويل على علم الغير، أو ما بمنزلته. و فيه: أنّ ما دلّ على حجّية ظنّ المجتهد إنّما أفاد حجّيته بالنسبة إلى نفسه و من يقلّده من العوام دون المتجزّئ، و لا دليل على تنزيله منزلة العلم مطلقا، فما يدلّ على عدم جواز الاتّكال على الظنّ يدلّ على المنع منه، و كون ذلك عين التقليد لا ينافي تعدّد الحيثيّة و حصول جهتين قاضيتين بالمنع، بخلاف الأخذ بالظنّ، فتأمّل.

ثانيها: أنّه ليس فيما دلّ على المنع من التقليد ما يشمل تقليد المجتهد مع كمال ثقته، و أمانته، و وفور علمه، و كونه بحسب الحقيقة حاكيا لقول الإمام (عليه السّلام) بحسب ظنّه.

غاية الأمر أنّه لا دليل على جواز اعتماد المتجزّئ على ذلك، فلا يمكن الحكم ببراءة ذمّته بمجرّد ذلك، و حينئذ فالدليل على المنع منه هو الدليل على‏

645

المنع من الأخذ بالظنّ مع اختصاص الظنّ بظواهر اخرى، فليس على المنع من التقليد دليل خاصّ يلزم الخروج عن مقتضاه لو قلنا بوجوب الرجوع إليه، بخلاف ما لو قلنا برجوعه إلى الظنّ ليتمّ ما ذكر في الاحتجاج. و منه يظهر وجه آخر لضعف ما ذكر في الإيراد المتقدّم.

ثالثها: أنّ المتلخّص من الأدلّة الدالّة عليه و الملحوظ في المقام‏ (1): أنّ المتجزّئ بعد تحصيل الظنّ بالحكم هل هو داخل في عنوان الجاهل أو العالم؟

فاندراجه فيما دلّ على المنع من التقليد غير ظاهر، بل الظاهر خلافه، لدلالة الأدلّة الدالّة على المنع من العمل بالظنّ على عدم الاعتداد بظنّه، فيندرج في الجاهل، و يشمله ما دلّ على وجوب رجوعه إلى العالم حسب ما مرّت الإشارة إليه.

- الرابع- انّ الأدلّة الدالّة على حجّية الظنون الخاصّة- من الروايات الدالّة على وجوب الرجوع إلى الكتاب و السنّة،

و الأخذ بالأخبار المأثورة عن الأئمّة (عليهم السّلام)، بتوسّط من يعتمد عليه من النقلة و غيرها- يعمّ المطلق و المتجزّئ، و لا دليل على اختصاصها بالمطلق، بل الظاهر منها كون الأخذ بها وظيفة لكلّ قادر على استنباط الحكم منها.

و من هنا نشأ توهّم كون الاجتهاد واجبا عينيّا، و لو لا قيام العسر و الحرج العظيم و اختلال نظام المعاش- الباعث على اختلال امور المعاد- مضافا إلى غير ذلك من الأدلّة الدالّة على جواز التقليد لكان القول بوجوبه العيني متّجها نظرا إلى ما ذكر.

و الحاصل: أنّ مرتبة الاجتهاد متقدّمة على مرتبة التقليد، و لو لا قيام ما قام من الأدلّة على جواز التقليد لقلنا بوجوب الاجتهاد على الأعيان. و حينئذ نقول: إنّ‏

____________

(1) لا يخفى قصور العبارة، و ينبغي أن يكون هكذا: أنّ المتحصّل من الأدلّة حرمة التقليد بالنسبة إلى العالم بالحكم و ما بمنزلته، و أمّا الجاهل بالحكم فيجوز التقليد في حقّه إجماعا و الملحوظ في المقام.

646

غاية ما ثبت من الأدلّة جواز التقليد بالنسبة إلى غير المتمكّن من الاستدلال، و أمّا القادر عليه على نحو المجتهد المطلق فلا دليل على جواز التقليد بالنسبة إليه.

و حينئذ فيتعيّن عليه الرجوع إلى الكتاب و السنّة و سائر الأدلّة المقرّرة.

و يرد عليه: أنّ أقصى ما يفيده تلك الأدلّة هو الظنّ بشمول الحكم للمتجزّئ، و من المقرّر أنّ الظنّ من حيث هو لا حجّية فيه، فالعبرة في المقام بالدليل القاطع القائم على حجّية الظنّ، و ليس إلّا الإجماع أو الضرورة، و هما لا يفيدان ما يزيد على حجّية ظنّ المطلق، إذ لا اجماع و لا ضرورة بالنسبة إلى غيره. و لو قلنا بأصالة حجّية الظنّ مطلقا و قيامه مقام‏ (1) بنفسه حجّة على المطلق من غير حاجة إلى ملاحظة تلك الأدلّة.

نعم لو قلنا بقيام الظنّ بتفريغ الذمّة مقام العلم به حسب ما مرّ بيانه صحّ إلّا أنّ جريان تلك القاعدة هنا على فرض ثبوتها غير ظاهر، لابتنائها على مقدّمات لا يمكن إثبات غير واحد منها في المقام كما ظهر الحال فيه ممّا قدّمناه.

- الخامس- أنّ جواز التقليد في الأحكام مشروط بعدم كون المكلّف مجتهدا فيها،

ضرورة عدم جواز تقليد المجتهد لغيره، و حينئذ فإن قام دليل على عدم جواز رجوعه إلى ظنّه و عدم تحقّق الاجتهاد في شأنه فلا كلام.

و أمّا مع عدم قيامه كما هو الواقع فلا وجه لرجوعه إلى التقليد، إذ لو كان أمران مترتّبان يكون التكليف بأحدهما متوقّفا على انتفاء الآخر لم يصحّ الأخذ بالثاني مع عدم قيام الدليل على انتفاء الأوّل، و هذا الوجه بظاهره في غاية الوهن، إذ من البيّن أنّ الوجه المذكور على فرض صحّته إنّما يفيد عدم جواز الحكم بالرجوع إلى التقليد قبل قيام الدليل عليه.

____________

(1) هكذا وجد فيما عندنا من النسخ و الظاهر هكذا: و قيامه مقام العلم كان الأصل المذكور بنفسه ... الى آخره.

647

أمّا صحّة الرجوع إلى الاجتهاد كما هو المدّعى فلا، كيف! و لو اريد إثبات جواز رجوعه إلى ظنّه قبل إثبات اجتهاده- نظرا إلى قضاء توقّف صحّة تقليده على انتفاء اجتهاده، و ترتّب الأمرين، و تقدّم الرجوع إلى الاجتهاد على الأخذ بالتقليد ليكون قضيّة الأصل هو الرجوع إلى الاجتهاد، حتّى يتبيّن المخرج عنه- لكان ذلك مقلوبا عليه، فإنّ صحّة اجتهاده في المسألة و جواز رجوعه إلى ظنّه مشروط بأن لا يكون وظيفته التقليد، ضرورة أنّه ليس الرجوع إلى الأدلّة من وظيفة المقلّد إلى آخر ما ذكر. فمجرّد اشتراط جواز تقليده على انتفاء اجتهاده لا يفيد تقدّم الآخر بحسب التكليف على الوجه المذكور، كيف! و من البيّن أنّ وجود كلّ من الضدّين يتوقّف على انتفاء الآخر، و مع ذلك فلا ترتّب بينهما كذلك، و إلّا لزم حصوله من الجانبين و هو غير معقول.

- السادس- جريان الطريقة في أعصار الأئمّة (عليهم السّلام) و ما قاربها بالرجوع إلى الروايات الواردة عن الأئمّة (عليهم السّلام)،

و معلوم بعد ملاحظة كتب الرجال عدم اطّلاع الجميع على جميع روايات الباب فضلا عن غيرها، بل ربما كان عند واحد منهم أصل أو أصلان أو اصول عديدة متعلّقة ببعض مباحث الفقه- كالطهارة و الصلاة و الصوم و نحوها- مع أنّهم كانوا بانين على الأخذ بها و العمل بمقتضاها من غير استنكار منهم لذلك، فكان إجماعا منهم كاشفا عن تقرير أئمّتهم (عليهم السّلام) لقيام العلم العادي على اطّلاعهم على ذلك.

و يرد عليه أوّلا: بالنقض، لقضاء ذلك بجواز الأخذ بما عثر عليه من الروايات من غير أن يجب البحث عمّا يعارضها، أو يؤيّدها، و ملاحظة الترجيح بينها، و لا قائل به.

و ثانيا: بالحلّ و ذلك، لظهور الفرق بين أعصار الأئمّة (عليهم السّلام) و ما قاربها و هذه الأعصار و ما ضاهاها، لكون الإمام (عليه السّلام) بالنسبة إلى كثير من أهل تلك الأعصار

648

كالمجتهد بالنسبة إلى عوامنا، فكما أنّه يأخذ العامي بقول المجتهد عند سماعه منه أو نقله إليه بتوسّط الثقات من غير حاجة إلى تحصيله لملكة الاجتهاد، فكذا الحال بالنسبة إلى كثير من الموجودين في تلك الأعصار في جملة من الأحكام، و ليس ذلك من التجزّي في الاجتهاد في شي‏ء، كيف! و لا خلاف في جواز العمل بما يأخذه المكلّف عن الإمام (عليه السّلام) بالمشافهة و إن كان حكما واحدا أو أحكاما عديدة، فلو كان ذلك من التجزّي فالاجتهاد لما كان محلّا للخلاف، فظهر أنّ استنباط الأحكام على النحو المذكور خارج عمّا هو محلّ الكلام، فلا حجّة فيه على ما هو مورد النزاع في المقام.

- السابع- ظواهر عدّة من الأخبار:

منها: مشهورة أبي خديجة (1) المرويّة في الفقيه و غيره، و قد ادّعي اشتهارها بين الأصحاب و اتّفاقهم على العمل بمضمونها، فينجبر بذلك ضعفها، و فيها: انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم قاضيا، فإنّي قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه، و ورود الرواية في القضاء لا يمنع من دلالتها على المدّعى، للاتّفاق على عدم الفرق بين القضاء و الإفتاء.

و قد يناقش فيه: بأنّ المذكور في الرواية خصوص العلم، و لا شكّ في جواز عمل المتجزّئ به، إنّما الكلام في الظنّ الحاصل له، و لا دلالة في الرواية على جواز أخذه به، و حمل العلم على الأعمّ من الظنّ و إن كان ممكنا لشيوعه في الاستعمالات سيّما في الشرعيّات، إلّا أنّه مجاز لا يصار إليه إلّا بدليل، و مجرّد الاحتمال غير كاف في مقام الاستدلال. و حمل قوله (عليه السّلام) «عرف أحكامنا» في مقبولة عمر بن حنظلة على الأعمّ من الظنّ نظرا إلى الإجماع على عدم اعتبار خصوص العلم في الأخذ بقول المطلق لا يكون دليلا على حمل العلم هنا أيضا على ذلك، لإمكان الفرق بين الأمرين.

____________

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 3 ح 3216.

649

و قد يجاب عنه: بقيام الإجماع على اعتبار الاجتهاد في القاضي، فإن كان ما يظنّه ذلك العالم بالبعض حجّة ثبت المقصود، و إلّا لم يكن مجتهدا، فيلزم الحكم بصحّة قضاء من لم يبلغ درجة الاجتهاد، و هو كما عرفت خلاف الإجماع فتأمّل.

و منها: مكاتبة إسحاق بن يعقوب‏ (1) إلى الحجّة (عليه السّلام) و فيها: و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم، و أنا حجّة اللّه. فإنّ ظاهر إطلاقها يعمّ القضاء و الإفتاء، و يتناول ما لو كانوا قادرين على استنباط جميع الأحكام أو لا؟

و قد يناقش فيه: بأنّ أمره (عليه السّلام) بالرجوع إليهم في الحوادث الواقعة شاهد على كون المرجوع إليهم عالمين أو قادرين على استنباط الجميع، إذ لا يمكن إرجاعهم إلى غير القادر على الاستنباط، و لا يكون ذلك في شأن المتجزّئ.

و قد يدفع ذلك: بأنّ غاية الأمر اعتبار قدرة الكلّ على استنباط الكلّ، و لا يلزم من ذلك اقتدار كلّ من الآحاد على الكلّ لئلّا ينطبق على المدّعى فتأمّل.

و منها: مكاتبة ابن ماجيلويه و أخيه إلى أبي الحسن الثالث (عليه السّلام) المرويّة في رجال الكشي، حيث سألاه عمّن يأخذا معالم دينهما، فكتب (عليه السّلام) إليهما: فاعتمدا في دينكما على كلّ مسنّ في حبّنا و كلّ كثير القدم في أمرنا فإنّهم كافوكما (2).

و منها: ما في تفسير الإمام (عليه السّلام) «فأمّا من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا لهواه، مطيعا لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه» (3) فإنّ ظاهر إطلاقها يعمّ المتجزّئ في الجملة بناء على شمول لفظ «الفقيه» لمن قدر على استنباط جملة وافية من الأحكام، و عرفها عن الأدلّة و إن عجز عن الباقي، و فيه تأمّل.

و يمكن الإيراد على الاستناد إلى تلك الأخبار: بأنّ أقصى ما يستفاد من إطلاقها على فرض دلالتها الظنّ بجريان الحكم في المتجزّئ، و من المقرّر عدم جواز الاستناد إلى الظنّ من حيث هو، فلا يصحّ اعتماد المتجزّئ عليها. نعم لو قام‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 باب 11 من أبواب صفات القاضي ص 101 ح 9.

(2) رجال الكشي: ص 4 رقم 7.

(3) تفسير الامام العسكري (عليه السّلام): 300.

650

دليل على حجّية الظنّ الحاصل من الأخبار مطلقا تمّ الاستدلال، إلّا أنّه محلّ المنع، لعدم قيام الإجماع عليه كذلك، كيف! و لو سلّم ذلك لكان بنفسه حجّة مستقلّة على جواز التجزّي من غير حاجة إلى ضمّها إلى ذلك.

حجّة القول بالمنع من التجزّي وجوه:

- أحدها- أصالة المنع من العمل بالظنّ الثابت من العقل،

و العمومات الناهية عن الأخذ به كتابا و سنّة خرج عنه ظنّ المجتهد المطلق بالإجماع فيبقى غيره تحت الأصل، إذ لم يقم دليل قطعي على حجّية ظنّ المتجزّئ كما قام على حجّية ظنّ المجتهد المطلق.

و فيه: أنّ الأصل كما قضى بالمنع من العمل بالظنّ كذا قضى بالمنع من التقليد، بل هو أولى بالترجيح، لكونه كاشفا عن الواقع على سبيل الرجحان، بخلاف التقليد، إذ لا يدور مدار ذلك، سيّما فيما إذا قضى الظنّ الحاصل للمتجزّئ بخلافه.

و يمكن دفعه بما مرّت الإشارة إليه: من أنّ ما دلّ على عدم جواز رجوعه إلى ظنّه لمّا قضى بعدم حجّية ظنّه في شأنه كان الظنّ الحاصل له كعدمه، فيندرج حينئذ في عنوان الجاهل، فلا يندرج فيما دلّ على المنع من التقليد.

و القول بقضاء ما دلّ على المنع من التقليد أيضا باندراجه في العالم- لانتفاء الواسطة بين الأمرين- مدفوع، بأنّ ما دلّ على المنع من التقليد لا يفيد جواز عمله بالظنّ، إذ أقصى الأمر قضاء الإطلاقين بعدم جواز عمله بشي‏ء منهما، لكن بعد دلالة إطلاق الأوّل على عدم جواز عمله بالظنّ يتعيّن عليه الأخذ بالتقليد، لاندراجه حينئذ بذلك في عنوان الجاهل حسب ما ذكرنا لا يقال: إنّه بعد قضاء الإطلاقين بعدم جواز عمله بكلّ من الظنّ و التقليد و قضاء الإجماع بكون وظيفته في الشرع الأخذ بأحد الوجهين، لابدّ من ملاحظة الترجيح بين الأمرين، أو التخيير، فلا يصحّ الحكم بتحكيم الأوّل نظرا إلى ما ذكر. أو (1) نقول: ذلك إنّما

____________

(1) كذا، و الظاهر: إذ.

651

يتمّ لو لم يكن هناك دليل على وجوب رجوعه إذن إلى التقليد، و أمّا إذا أفاد ما دلّ على عدم جواز عمله بالظنّ اندراجه في الجاهل و لم يفد ما دلّ على المنع من التقليد سوى منعه من الرجوع إلى الغير كان الأوّل حاكما على الأخير، بملاحظة ما دلّ على وجوب رجوع الجاهل إلى العالم، لوجوب تقديم الخاصّ على العامّ، فليس الحكم بوجوب التقليد عليه إلّا بملاحظة ذلك، لا بمجرّد تحكيم الإطلاق الأوّل على الأخير.

و بالجملة: بعد دلالة الإطلاقين على ما ذكرنا يكون قضيّة ما دلّ على وجوب رجوع الجاهل إلى العالم لزوم التقليد، فلا يبقى تردّد بين الأخذ بأحد الإطلاقين ليرجع إلى التخيير، أو غيره.

فإن قيل: إنّ ذلك مقلوب على المستدلّ، لدلالة الإجماع على حجّية الظنّ على من ليس شأنه التقليد، فإذا دلّ الإطلاق الثاني على عدم جواز التقليد في شأن المتجزّئ اخذ بما يقتضيه الإجماع من وجوب رجوعه إلى الظنّ لكونه حجّة في شأن غير المقلّد.

و الحاصل: أنّه كما قضى ما دلّ على المنع من العمل بالظنّ باندراجه في الجاهل، فيدلّ ما دلّ على وجوب التقليد في شأن الجاهل على وجوبه في شأنه، كذا قضيّة ما دلّ على حجّية الظنّ في شأن غير المقلّد هو وجوب أخذه بالظنّ.

قلت: لو لا اقتضاء الإطلاق الأوّل بنفسه اندراجه في الجاهل و عدم اقتضاء الثاني كذلك اندراجه في المجتهد صحّ ما ذكر، نظرا إلى قضاء الإطلاق الأوّل بعدم اندراجه في المجتهد، فيلزم اندراجه في المقلّد، للإجماع على لزوم التقليد في شأن غير المجتهد، و قضاء الإطلاق الثاني بمنعه من التقليد، فيرجع إلى الظنّ، لقيام الإجماع أيضا على حجّية الظنّ بالنسبة إلى غير المقلّد- أعني المجتهد- فلا وجه لتحكيم أحد الإطلاقين على الآخر من غير قيام دليل عليه، و أمّا بعد ملاحظة اندراجه في الجاهل بنفس ملاحظة الإطلاق الأوّل و عدم دلالة الثاني على اندراجه في العالم يكون قضيّة الإطلاقين المذكورين عدم جواز أخذ الجاهل‏

652

المفروض بالظنّ، و لا التقليد، و حينئذ فلا ريب في لزوم ترك الإطلاق الثاني، للدليل الخاصّ القاضي بوجوب تقليد الجاهل فتأمّل.

- ثانيها- أنّه قد قام الدليل القاطع على عدم العبرة بالظنّ من حيث إنّه ظنّ،

و إنّما يصحّ الاعتماد عليه بعد قيام القاطع على الاعتداد به و انتهائه بذلك إلى اليقين، و حيث لم يقم دليل قاطع على حجّية ظنّ المجتهد في المقام كما عرفت من ملاحظة أدلّتهم لم يصحّ له الاعتداد بظنّه، فيكون جاهلا بتكليفه فيما حصل له ظنّ بالحكم من المسائل الّتي اجتهد فيها، و مع اندراجه في الجاهل يتعيّن عليه الرجوع إلى المجتهد في استعلام الأحكام الشرعيّة، لما دلّ من الأدلّة على وجوب رجوع الجاهل إلى المجتهد، فينتظم قياس بهذه الصورة: المتجزّئ جاهل بتكاليفه المتعلّقة به في الشريعة، و كلّ جاهل يجب عليه الرجوع إلى العالم. أمّا الصغرى فلما قرّرناه، و أمّا الكبرى، فللأدلّة الدالّة عليه المقرّرة في محلّه.

و قد يناقش فيه: بعدم ظهور شمول ما دلّ على وجوب التقليد لمثله، لعدم شمول الإجماع للمقام نظرا إلى شياع الخلاف فيه، بل ذهاب الأكثر إلى خلافه، و أمّا غير ذلك من الأدلّة الدالّة عليه لو قلنا لشمولها لذلك فهي أيضا ظواهر لا تفيد القطع.

و قد يذبّ عنه: بأنّ وقوع الخلاف في المقام إنّما هو من جهة البناء على حجّية ظنّه.

و أمّا مع البناء على عدم الاعتماد به و عدم حجّيته فلا ريب في وجوب تقليده.

- ثالثها- [الاستصحاب فإنّه قبل البلوغ إلى درجة التجزّي كان مكلّفا بالتقليد ...]

الاستصحاب فإنّه قبل البلوغ إلى درجة التجزّي كان مكلّفا بالتقليد فيجب عليه الجري على التقليد إلى أن يثبت خلافه، ببلوغه إلى درجة المطلق إن حصل‏