هداية المسترشدين - ج3

- الشيخ محمد تقي الأصفهاني النجفي المزيد...
732 /
653

له ذلك. و القول بعدم جريانه فيمن بلغ درجة التجزّي أوّل بلوغه أو قبله فلا يتمّ به المدّعى مدفوع، بإمكان تتميم المقصود حينئذ بعدم القول بالفصل.

و فيه: أنّ جواز احتجاج المتجزّئ بالأصل المذكور أوّل الكلام، إذ لا فرق بين إجرائه الاستصحاب في المقام أو في المسائل الفقهيّة ممّا يجري فيه ذلك، فلا يصحّ استناده إلى ذلك إلّا بعد إثبات كونه حجّة في شأنه، و معه يتمّ المدّعى، و لا حاجة إلى الاستناد إلى الاستصحاب، على أنّه منقوض بما إذا بلغ درجة الاجتهاد المطلق ثمّ صار متجزّئا فإنّ قضيّة الاستصحاب حينئذ بقاؤه على العمل بظنّه.

- رابعها- [ظاهر مقبولة عمر بن حنظلة المرويّة عن الصادق (عليه السّلام)‏]

ظاهر مقبولة عمر بن حنظلة المرويّة عن الصادق (عليه السّلام) «انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا، و نظر في حلالنا و حرامنا، و عرف أحكامنا، فارضوا به حكما، فإنّي قد جعلته عليكم حاكما» (1) فإنّ الجمع المضاف حقيقة في العموم، فإن لم يكن يراد به الاستغراق الحقيقي فلا أقلّ من حمله على العرفي، بأن يعرف جملة وافية من الأحكام بحيث يعدّ مع علمه بها عارفا بالأحكام.

و قد يناقش فيه: بأنّ الظاهر كون الإضافة فيه جنسيّة بقرينة ما تقدّمه من المفرد المضاف الظاهر في الجنسيّة و ليجمع بينه و بين رواية أبي خديجة المتقدّمة.

و مع الغضّ عن ذلك فأقصى ما يفيده الرواية اعتبار الإطلاق في نصبه للقضاء و الرجوع إليه في الحكومات، و أين ذلك من الرجوع إليه في الفتيا، بل حجّية ظنّه بالنسبة إلى نفسه كما هو المدّعى. و دعوى الملازمة بين الامور المذكورة ممنوعة، فلا يثبت بها المدّعى، و لو سلّم ذلك فليس في الروايات دلالة على اعتبار الظنّ سواء تعلّق بالكلّ أو بالبعض، إذ المفروض فيها هو العلم الظاهر في اليقين، إلّا أن يقال: إنّه إذا اعتبر الإطلاق في نصبه للقضاء في صورة تحصيله العلم بالأحكام فاعتباره عند تحصيله الظنّ بالاولى، و لو سلّم حمله على الأعمّ من الظنّ فأقصى‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 باب 31 من أبواب كيفيّة الحكم ص 220 ح 2 و فيه ينظران.

654

ما في الرواية الدلالة على اعتبار ظنّ المجتهد المطلق، و أمّا ظنّ المتجزّئ فلا دلالة فيها على اعتباره و لا عدمه.

- خامسها- أنّ القول بجواز رجوع المتجزّئ إلى ظنّه يستلزم الدور.

و قد يقرّر ذلك بوجوه:

منها: ما قرّره الفاضل الجواد «من أنّ صحّة اجتهاد المتجزّئ في مسائل الفروع متوقّفة على صحّة اجتهاده في مسألة التجزّي، و صحّة اجتهاده في مسألة التجزّي موقوفة على صحّة اجتهاد المتجزّئ مطلقا، لكونها من جزئيّات تلك المسألة، حيث إنّها مسألة اجتهاديّة، فالموقوف عليه في الثاني و إن لم يكن خصوص المتوقّف في الأوّل، لكنّه أعمّ منه بحيث يندرج ذلك فيه اندراج الخاصّ تحت العامّ الاصولي و هو كاف في لزوم الدور. و أورد عليه: بمنع كون صحّة اجتهاده في مسائل الفروع متوقّفة على صحّة اجتهاده في مسألة التجزّي و إنّما يتوقّف على صحّتها نفسها، و مع الغضّ عنه فالتوقّف فرع التغاير، و ظاهر أنّ صحّة اجتهاده في المسائل الفرعيّة هي عين صحّة اجتهاده في تجزّي الاجتهاد.

قلت: إن اريد بتوقّف صحّة اجتهاده في مسائل الفروع على صحّة اجتهاده في جواز التجزّي أنّ مطابقة اجتهاده في الواقع يتوقّف على ذلك فهو واضح الفساد، إذ لا يعقل توقّف بينهما. و إن اريد أنّ جواز عمله بما اجتهد فيه من المسائل يتوقّف على جواز عمله بما اجتهد فيه من جواز التجزّي ففيه أيضا ذلك، و إنّما يتوقّف على جواز التجزّي في نفسه كما أنّ جواز عمله بما اجتهده من جواز التجزّي يتوقّف على ذلك أيضا.

فغاية الأمر أن لا يكون عالما بالجواز، فلا يعقل الدور على شي‏ء من التقريرين المذكورين. و يمكن أن يقال: إنّ المراد بذلك أنّ حكم المتجزّئ بجواز اجتهاده في المسائل الفقهيّة و جواز عمله به في حكمه يتوقّف على حكمه بصحّة

655

اجتهاده في جواز التجزّي. و حينئذ فالتوقّف ظاهر لا إشكال فيه، لوضوح أنّ حكمه بجواز عمله في كلّ مسألة اجتهد فيها بالظنّ المتعلّق فيها مبنيّ على ثبوت كلّية الكبرى الواقعة في استدلاله على جواز عمله بظنّه في تلك المسألة، كما أنّ المجتهد المطلق يتوقّف حكمه بجواز عمله بظنّه في خصوص المسائل، على أنّ كلّ ما يظنّه المجتهد المطلق مطلقا، أو عن الأدلّة الخاصّة حجّة في شأنه لينتظم له قياس بهذه الصورة: هذا الظنّ ممّا حصل للمجتهد المطلق، و كلّ ظنّ حصل للمجتهد المطلق فهو حجّة في حقه، لينتج أنّ ظنّه المتعلّق بكلّ من المسائل الخاصّة حجّة في حقّه، فإنّ نظير ذلك جار في حقّ المتجزّئ، و بيانه لكلّية الكبرى هو إثباته للمتجزّئ فإنكار التوقّف ممّا لا وجه له. و دعوى اتّحاد الأمرين غير معقول أيضا. و توقّف حكمه بصحّة اجتهاده في جواز التجزّي على حكمه بحجّية ظنّ المتجزّئ مطلقا ظاهر أيضا، إذ ذلك أيضا مسألة ظنّية على نحو سائر المسائل الفقهيّة، فيتوقّف علمه بحجّية ظنّه فيها على علمه بتلك الكلّية الواقعة في كبرى القياس الدالّ على حجّية ظنّه به.

و قد يورد عليه: بأنّ الحكم بقبول الاجتهاد للتجزّي من المسائل الاصوليّة فيتوقّف جواز الاجتهاد في الفروع على جواز الاجتهاد في تلك المسألة الاصوليّة، و لا يتوقّف جواز الاجتهاد في تلك المسألة على جواز التجزّي في الاجتهاد مطلقا، بل على جواز التجزّي في المسائل الاصوليّة، و هو خارج عن محلّ الكلام، بل لا خلاف في جوازه على ما قيل فلا دور، و أيضا لا ملازمة بين التجزّي في مسائل الفروع و التجزّي في الاصول، فقد لا يكون متجزّئا في الاصول بأن يكون قادرا على استنباط جميع مسائل‏ (1) له عن أدلّتها، فلا يتوقّف العلم بالتجزّي في الاجتهاد على العلم بالتجزّي أصلا، كيف! و لو تمّ ما ذكر لجرى ذلك بعينه في شأن المطلق، إذ جواز اجتهاده في مسائل الفقهية يتوقّف على جواز اجتهاده في جواز الاجتهاد، و جواز اجتهاده في هذه المسألة يتوقّف على جواز

____________

(1) سقط من هنا شي‏ء.

656

اجتهاده في المسائل، لكون تلك المسألة أيضا كغيرها من المسائل. و الجواب في المقامين أمر واحد، و هو ما ذكر من الفرق بين مسائل الاصول و الفروع.

و يدفعه: أنّه لا فرق بين حجّية ظنّ المتجزّئ في الفروع أو الاصول، كيف! و المسألة جارية فيما يجري فيه التكليف بالتقليد.

و من البيّن: ثبوته في مسائل اصول الفقه في الجملة ممّا يتوقّف عليه عمل العوام، إذ ما دلّ على الأخذ بالتقليد في الفروع دلّ عليه في الاصول أيضا كما سنفصّل القول فيه في محلّه إن شاء اللّه.

و ما ذكر: من إمكان كونه مجتهدا مطلقا في الاصول فيخرج عن محلّ البحث مدفوع، بأنّه لا فائدة في فرض كونه مطلقا في استنباط الاصول، إذ الكلام في المقام أنّ المتجزّئ في مسائل الفروع هل يعتدّ بظنّه شرعا أو لا؟ سواء تعلّق ذلك الظنّ بالفروع أو الاصول، و سواء كان مطلقا في الاصول أو لا؟ بل يجري ذلك في سائر العلوم المرتبطة بالفروع.

ألا ترى: أنّه لو كان متجزّئا في الفقه كان جواز استناده في لفظ الصعيد- مثلا- إلى ظنّه مبنيّا على هذه المسألة، و لم يتّجه القول بجواز استناده إلى ظنّه مع عدم القول بحجّية ظنّ المتجزّئ نظرا إلى كونه لغويّا غير متجزّ بحسبه، كيف! و لو كان كذلك لجرى في المقلّد إذا كان لغويّا و الظاهر أنّهم لا يقولون به.

و بالجملة: أنّ البلوغ إلى درجة الاجتهاد المطلق قاض بحجّية ظنّه في المسائل الفقهيّة و ما يرتبط بها من مقدّماتها الاستنباطيّة، سواء كانت اصوليّة، أو لغويّة، أو غيرهما، و لا حجّية في شي‏ء من ذلك الظنّ المقلّد في المسائل الشرعيّة.

و أمّا المتجزّئ فيها فالكلام المذكور جار فيه بعينه من غير فرق في ذلك بين كونه مطلقا في سائر العلوم، أو متجزّئا فيها أيضا. و ما ذكر من جريان الإيراد في المجتهد المطلق بيّن الفساد، نظرا إلى قيام الإجماع على حجّية ظنّه. و قد عرفت فساد المناقشة في ثبوت الإجماع، و لو سلّم ذلك فقضاء العقل به بعد انسداد سبيل العلم كاف في الحكم بحجّيته و لا يجري ذلك في المتجزّئ كما عرفت.

657

نعم يمكن دفع الدور على التقرير المذكور باختلاف طرفيه نظرا إلى أنّ حكمه بحجّية ظنّ المتجزّئ مطلقا غير حكمه بحجّية الظنّ الحاصل للمستنبط المفروض في خصوص كلّ مسألة من المسائل الفقهيّة ممّا اجتهد فيها، كيف! و يقع الكلّية المذكورة كبرى في القياس الدالّ عليه، فكيف يتّحد معه ليلزم الدور، حسب ما ذكر في الإيراد.

و منها: أن يقال: إنّ صحّة اجتهاد المتجزّئ في المسائل الفقهيّة و جواز عمله به متوقّفة على صحّة اجتهاده في أنّ الاجتهاد يتجزّى، و صحّة اجتهاده في تجزّي الاجتهاد متوقّفة على تجزّي الاجتهاد و جواز عمله بظنّه- أعني صحّة اجتهاده في المسائل الفقهيّة- ضرورة أنّ صحّة كلّ حكم يتوقّف على وقوع المحكوم به بحسب الواقع.

و دفعه ظاهر، لاختلاف معنى الصحّة في المقامين، فإنّ صحّة الاجتهاد في المسائل بمعنى جواز عمله على وفق اجتهاده و إن لم يكن مطابقا للواقع، و صحّة الحكم المتوقّف على وقوع المحكوم به بمعنى مطابقته للواقع و إن لم يتعلّق التكليف على حسبه.

و منها: أنّه قد تقرّر أنّ شيئا من الظنون لا يكون حجّة إلّا بعد انتهائه إلى اليقين، فلا يجوز الاعتماد على الظنّ من حيث إنّه ظنّ. فحينئذ نقول: إنّ علم المتجزّئ بجواز عمله بظنّه في مسألة التجزّي و بالدليل الظنّي الدالّ على حجّية ظنّ المتجزّئ يتوقّف على علمه بقبول الاجتهاد للتجزّي- أعني حجّية كلّ ظنّ للمتجزّئ، إذ المفروض أنّ المسألة المفروضة من المسائل الظنّية، و علمه بحجّية كلّ ظنّ للمتجزّئ متوقّف على علمه بجواز عمله بالدليل الظنّي الدالّ عليه، إذ المفروض توقّف إثباته على ذلك، و عدم قيام دليل قطعي عليه. و الحاصل أنّ علمه بحجّية هذا الظنّ الحاصل متوقّف على علمه بحجّية كلّ ظنّ من ظنونه، و علمه بحجّية كلّ ظنّ له يتوقّف على علمه بحجّية هذا الظنّ الخاصّ. و إن شئت قلت: إنّ علمه بقيام ظنّه في المسائل مقام العلم يتوقّف على علمه بصحّة الدليل الدالّ على‏

658

التجزّي، و علمه بصحّة الدليل يتوقّف على علمه بقيام ظنّه مقام العلم في المسائل.

و لا يمكن دفعه إلّا بالقول بالفرق بين مسائل الاصول و الفقه، بأن يقال: إنّ المختلف فيه هو حجّية ظنّ المتجزّئ في المسائل الفقهيّة، و أمّا المسائل الاصوليّة فلا كلام في حجّية ظنّ المتجزّئ بالنسبة إليها. و لذا وقع في كلام شيخنا البهائي حكاية الإجماع عليه، و قد عرفت وهنه، إذ لا فرق في مقام الحكم بالحجّية و جواز العمل بين مسائل الفقه و الاصول و غيرهما من المسائل المربوطة بالعمل، و إن كان موضوع التجزّي هو خصوص المسائل الفقهيّة نظرا إلى اختصاص الاجتهاد اصطلاحا بالمسائل الفرعيّة دون الاصوليّة، إلّا أنّه لا فرق في البحث عن حجّية ظنّ المتجزّئ فيها بين الظنّ المتعلّق بها و بغيرها ممّا يرتبط بها حسب ما أشرنا إليه.

و منها: أنّ علم المتجزّئ بجواز عمله بظنّه في المسائل يتوقّف على علمه بقبول الاجتهاد للتجزّي، إذ مسألة التجزّي أيضا من جملة المسائل الظنّية، و علمه بجواز بنائه عليه موقوف على علمه بحجّية الظنّ الحاصل له.

و يرد عليه: أنّ علمه بحجّية ظنّه في المسائل هو عين علمه بقبول الاجتهاد للتجزّي، إذ مفاده هو حجّية كلّ ظنّ حاصل للمتجزّئ في المسائل الفقهيّة و مقدّماتها، فلا يتّجه لزوم الدور، إذ هو فرع مغايرة الطرفين.

نعم هو من توقّف الشي‏ء على نفسه و هو كاف في المقام، فإنّه و إن لم يكن دورا في الاصطلاح، إلّا أنّه نظيره في المفسدة، بل هو أوضح فسادا منه في وجه.

و ما قد يقال: من أنّه إن اريد بتوقّف علمه بجواز عمله بظنّه في المسائل على علمه بقبول الاجتهاد للتجزّي أنّ علمه بجواز اجتهاده في المسائل الفقهيّة موقوف على علمه بصحّة اجتهاده في تلك المسألة ليس اجتهادا في المسألة الفقهيّة ليتوقّف على جواز التجزّي في الاجتهاد، و انّما هي مسألة اصولية، و لا خلاف في جواز التجزّي في الاصول، على أنّه قد يكون مجتهدا مطلقا فيه و إن كان متجزّئا في الفروع، إذ لا ملازمة بين الأمرين. و إن اريد به أنّ علمه بجواز عمله بظنّه في‏

659

المسائل اصوليّة كانت أو فروعيّة يتوقّف على علمه بقبول الاجتهاد للتجزّي، فهو على إطلاقه ممنوع، إذ لا توقّف للعلم بحجّيّة ظنّه في المسائل الاصوليّة على صحّة التجزّي في المسائل الفقهيّة.

فمدفوع، بما مرّ بيانه من عدم الفرق في الحكم بحجّية الظنّ المتجزّئ في المسائل الفقهيّة و الاصوليّة و غيرهما ممّا يتوقّف عليه استنباط الأحكام الشرعيّة، فمنع التوقّف في المقام غير متّجه، و فرض كونه مطلقا في استنباط الأحكام الاصوليّة غير مفيد كما عرفت.

و الّذي يقتضيه التحقيق في المقام أن يقال: إنّ استنباط المتجزّئ إمّا أن يكون بالنسبة إلى المسائل القطعيّة أو الظنّية، و على الثاني فإمّا أن يتّفق له القطع بالمسألة أو لا، و على الثاني فإمّا أن يراد معرفة جواز التجزّي في الاجتهاد و عدمه في نفسه و لو كان الحاكم به مجتهدا مطلقا على نحو غيرها من المسائل، أو يراد معرفة الحكم بالنسبة إلى معرفة تكليف المتجزّئ نفسه في جواز بنائه على ما يستنبطه في المسائل إذا ذهب إلى جواز التجزّي و حجّية ظنّ المتجزّئ، و على كلّ حال فإمّا أن يراد معرفة حاله في جواز رجوعه إلى ظنّه، أو جواز رجوع غيره إليه في الفتيا و إمضاء حكوماته في القضاء.

فنقول: لا ينبغي التأمّل ظاهرا في حجّية ما يحصله من الأدلّة بالنسبة إليه في الصورتين الاوليين، إذ لا مزيد على القطع في معرفة التكاليف، فبعد حصول القطع بالحكم لا مجال للتأمّل في حجّيته، و لو حصل له القطع بكونه مؤدّى الأدلّة الموجودة و إنّ من خالفه فيه مخطئ قطعا لما قامت عليه الأدلّة الشرعيّة ممّا يمكن الوصول إليه، ففي جواز اتّكاله عليه وجهان: من عدم حصول القطع بالواقع فيكون الحال فيه كسائر ظنونه، و من تحصيله القطع بالطريق و هذا هو الظاهر.

و كون المتيقّن من حجّية تلك الأدلّة حجّيتها بالنسبة إلى المجتهد المطلق دون المتجزّئ فلا فائدة في تحصيله القطع بمقتضاها مدفوع، بأنّ قول المجتهد إنّما يكون حجّة من حيث كشفه عن الأدلّة الشرعيّة، و ليس قوله حجّة من حيث هو،

660

فإذا حصل له القطع بذلك، فلا حاجة إلى التوصّل بقوله إليه، بل لا يجوز له الرجوع إليه بعد القطع المذكور إذا كان ما فهمه مخالفا لذلك.

هذا إذا علم انحصار الأدلّة الموجودة فيما إذا وصل إليه و علم كون مقتضاها ذلك، و أمّا لو حصل له الظنّ بالأمرين أو أحدهما فهو يندرج في مسألة الظنّ، و الظاهر أنّه الملحوظ بالبحث في المقام.

و حينئذ فإن اريد معرفة حكم التجزّي في نفسه و لو كان الحاكم به مجتهدا مطلقا فالظاهر حينئذ هو القول بحجّية الظنّ الحاصل له و جواز أخذه به، و لو قيل بعدم جواز الأخذ بمجرّد ظنّ المتجزّئ و كونه حجّة في شأنه، فإنّ طريان المنع من الأخذ به من جهة عدم انتهائه إلى اليقين، فلا ينافي ذلك جواز الأخذ به في حكم المطلق، و حينئذ فله أن يحكم بجواز التجزّي و إن لم يكن للمتجزّئ الرجوع إليه بمجرّد ظنّه.

فإن قلت: إنّه إذا لم يجز للمتجزّئ الرجوع إلى ظنّه لعدم دليل قاطع على جواز رجوعه إليه لم يكن أيضا للمجتهد المطلق الحكم بجواز رجوعه إلى ظنّه بل اللازم عليه الحكم بمنعه من الرجوع إليه.

قلت: فرق بين عدم قبول الاجتهاد للتجزّي في نفسه و عدم حجّية ظنّ المتجزّئ من أصله و بين حجّيته في الواقع و عدم جواز كون المتجزّئ إليه من جهة انتفاء علمه به، فهناك جواز للتجزّي و علم بجوازه، فعدم جواز الحكم بالتجزّي في شأن المتجزّئ لانتفاء علمه به غير الحكم بعدم جوازه من أصله، و إنّما يمتنع حكم المطلق بالجواز مع اختيار عدمه في الثاني دون الأوّل، فأقصى الأمر أن يحكم بعدم جواز اعتماد المتجزّئ بمجرّد ظنّه و إن جاز التجزّي في نفسه، و الملحوظ في المقام هو نفس الجواز و إن كان الحاكم به هو المطلق دون المتجزّئ. و من هذا القبيل ما لو حكم المجتهد بجواز تقليد المفضول مع التمكّن من الرجوع إلى الأفضل، فإنّه يجوز استناده إلى الأدلّة الظنّية و إن لم يجز ذلك للمقلّد و لم يكن له في نفسه إلّا الرجوع إلى الأفضل، لعدم علمه بحصول البراءة إلّا به. و حينئذ يدلّ‏

661

على جواز التجزّي عدّة من الوجوه الظنّية قد مرّت الإشارة إلى بعضها، و يأتي الكلام في بعضها عند تعرّض المصنّف إن شاء اللّه.

و لا مانع من استناد المجتهد المطلق إليها بعد قيام الدليل القاطع على جواز حكمه بتلك الأدلّة الظنّية بخلاف حكم المتجزّئ بها، لعدم قيام دليل قطعي على جواز استناده إليها، مضافا إلى أنّه المعروف من مذهب الأصحاب و الشهرة محكيّة عليه حدّ الاستفاضة.

و إن اريد معرفة حكم المتجزّئ نفسه في معرفة تكليفه من الأخذ بظنّه أو رجوعه إلى غيره، فإن حصل له القطع في مسألة التجزّي بجوازه أو عدم جوازه فلا كلام في حجّيته إذن في شأنه، فيرجع على الأوّل إلى ظنّه، و على الثاني إلى تقليد غيره، و لا إشكال، لانتهاء الأمر في ظنّه أو تقليده إلى العلم، فيخرج بذلك عمّا دلّ على المنع من الأخذ بالظنّ أو التقليد، لما عرفت من أنّ المنهيّ عنه هناك إنّما هو الاتّكال على الظنّ أو التقليد بما هو، دون ما انتهى الأمر فيه إلى اليقين و حصل الاتّكال فيه على القطع، فإنّه في الحقيقة أخذ بالعلم حسب ما مرّ تفصيل القول فيه. و إن لم يحصل له القطع بالواقع في المسألة المفروضة، فإن تمّ ما مرّ من الكلام في تقرير القاعدة النقليّة في المقام- من كون الظنّ القائم مقام العلم بحكم العقل هو الظنّ الحاصل من صاحب الملكة القويّة دون غيره، و إنّ الواجب على غيره الرجوع إليه، لما دلّ على أنّ الرعيّة صنفان: عالم و متعلّم، و مجتهد و مقلّد، حسب ما مرّ تفصيل القول فيه- تعيّن عليه الرجوع إلى المجتهد المطلق، و كذا إن تمّ ما مرّت الإشارة إليه من اندراجه إذن في عنوان الجاهل نظرا إلى عدم انتهاء ظنّه في خصوصيّات المسائل و في مسألة التجزّي إلى اليقين، و قيام الدليل القاطع من صريح العقل أو النقل على عدم جواز التعويل على الظنّ من حيث إنّه ظنّ، فيندرج إذن في الكلّية القائلة بوجوب رجوع الجاهل إلى العالم. فهما إذن دليلان ظاهريّان يفيدان القطع بالتكليف في مقام العمل من وجوب رجوعه إلى التقليد، و منعه من الأخذ بظنه.

662

و حينئذ فنقول: إن كانت مسألة التجزّي من المسائل الّتي لا يقدر على استنباط حكمها، و كان من يرجع إليه من المجتهدين قائلا بمنع التجزّي فليس وظيفته إلّا الأخذ بتقليده في خصوصيّات المسائل، و إن كان قائلا بجوازه تعيّن الرجوع إلى ظنّه، فيكون اتّكال المتجزّئ حينئذ في الأخذ بظنّه على تقليد المجتهد المطلق، و لا مانع منه بعد قضاء الدليل به، فهو في الحقيقة رجوع إلى التقليد لانتهاء أمره إليه. و إن كانت المسألة المذكورة ممّا استنبط حكمه فإن كان قائلا بجواز التجزّي و كان المجتهد الّذي يرجع إليه قائلا بجوازه أيضا وجب عليه الرجوع إلى اجتهاده، و إن كان قائلا بالمنع منه تعيّن عليه الرجوع إلى التقليد، و لا عبرة بظنّه المتعلّق بمسألة التجزّي، و كذا لو كان قائلا بالمنع منه سواء كان من يرجع إليه قائلا بمنعه أو جوازه.

هذا كلّه إذا كان المتجزّئ قاطعا بجواز التقليد في المسائل المتعلّقة بالعمل من غير فرق بين الاصول و الفروع كما هو الحقّ.

و أمّا لو كان قاطعا بعدمه فلا يصحّ له في الصورة المفروضة سوى تقليد المجتهد في الأحكام الفرعيّة، سواء كان ذلك المجتهد مجوّزا للتقليد في الاصول أو لا، قائلا بتجزّي الاجتهاد أو لا.

و أمّا لو كان متردّدا في تلك المسألة أو ظانّا بأحد الجانبين لزمه مراعاة الاحتياط مع الإمكان، إمّا باعتبار ما يحصل معه العلم بأداء الواقع، أو بأداء التكليف حسب ما نقرّره في الصورة الآتية.

ثمّ إنّ جميع ما ذكرناه مبنيّ على صحّة ما ذكر، و إن لم ينهض شي‏ء من الوجهين المذكورين القاضيين بوجوب رجوعه إلى العالم حجّة في المقام- حسب ما نوقش فيهما بما مرّت الإشارة إليه- و تمّ ما ذكر من الإيراد تعيّن القول برجوعه إلى الاحتياط، و لم يصحّ له الرجوع إلى التقليد و الأخذ بقول الغير، لعدم قيام الدليل القاطع عليه بالنسبة إليه و إلى مجرّد ما يظنّه، لما عرفت من عدم قيام دليل قطعي على حجّية ظنّه، و الدليل العقلي القائم على حجّية ظنّ المقلّد لا يتمّ في‏

663

شأن المتجزّئ، لتوقّفه على إثبات عدم وجوب الاحتياط في شأنه، و ليس هناك دليل قاطع على عدم وجوبه بالنسبة إليه، كما مرّ التنبيه عليه، و حينئذ فقضيّة الأصل رجوعه إلى الاحتياط مع الإمكان.

[وجوه الاحتياط المتصوّرة للمتجزّئ‏]

و يتصوّر الاحتياط في شأنه على وجوه: أحدها: مراعاة ما يحصل منه القطع بأداء الواقع.

ثانيها: مراعاة التوافق بين ما ظنّه و ما يفتيه المجتهد المطلق لحصول القطع له بتفريغ الذمّة، لدوران أمره بين الأخذ بقوله و رجوعه إلى المجتهد المطلق، و المفروض إثباته‏ (1) على كلّ من الوجهين.

ثالثها: أنّه يرجع إلى فتوى المطلق في جواز التجزّي، و الرجوع إلى الوجه المذكور مبنيّ على جواز التقليد في مسائل الاصول، كما أنّ مع عدم القول بجوازه لا يتمّ له الاحتياط بمراعاة ذلك. فحينئذ نقول: إنّه إمّا أن يكون المتجزّئ قادرا على استنباط حكم التجزّي أو لا، و على الأوّل فإمّا أن يكون مرجّحا لجواز التجزّي أو لمنعه، و على التقادير المذكورة فإمّا أن يكون من يرجع إليه قائلا بالتجزّي أو مانعا منه، فيجري فيه الاحتمالات الستّة المتقدّمة أيضا، فإن كان عاجزا عن ترجيح مسألة التجزّي تعيّن عليه الرجوع إلى المجتهد المطلق في جوازه و منعه، لوضوح وجوب التقليد عليه فيما لا يقدر على استنباطه، فعلى الأوّل يأخذ بظنّه، و على الثاني يرجع إلى تقليد المجتهد في المسائل، و إن كان قادرا عليه و كان قائلا بجوازه كالمجتهد الّذي يرجع إليه فلا إشكال، و إن كان من يرجع إليه قائلا بمنعه فلا مجال للاحتياط فيه على الوجه المذكور، كما هو الحال في عكسه، بل يتعيّن فيهما الرجوع إلى أحد الوجهين المذكورين، و لو كانا قائلين بمنع التجزّي تعيّن عليه الأخذ بالتقليد هذا كلّه مع إمكان الاحتياط في حقّه على أحد الوجوه المذكورة، و أمّا مع عدم إمكانه، فإن كان مرجّحا لجواز التجزّي و حجّية ظنّ المتجزّئ تعيّن به كتعيّن أخذه بالتقليد إذا كان مرجّحا لعدمه، و ذلك‏

____________

(1) إتيانه، خ ل.

664

لقضاء العقل بقيام الظنّ بتفريغ الذمّة مقام العلم به بعد انسداد سبيله، و المفروض حصوله بذلك. و لو كان متوقّفا في المسألة من غير ترجيح عنده لأحد الجانبين تخيّر بين الوجهين و لا ترجيح حينئذ للأخذ باجتهاده نظرا إلى تحصيله الظنّ بالواقع، لما عرفت فيما مضى من أنّ المناط أوّلا هو تحصيل العلم بتفريغ الذمّة فينوب منابه الظنّ بالتفريغ بعد انسداد باب العلم به، و المفروض عدم حصوله في المقام، لتساوي الاحتمالين عنده في مقام الفقاهة، فالرجوع إلى ظنّه و إن كان راجحا من جهة تحصيل الواقع إلّا أنّ رجوعه إلى ظنّ المجتهد المطلق أرجح من جهة اخرى كما لا يخفى.

و الحاصل: أنّ المفروض تساوي الاحتمالين في نظره بحسب التكليف فلا مناص له عن التخيير، و ممّا ذكرنا يظهر ما في كلام بعض الأفاضل: من أنّه مع عدم تمكّنه من الأخذ بالاحتياط يتخيّر بين العمل بظنّه و تقليد المجتهد المطلق- كما هو الحال في الخبرين المتعارضين- لكن الأولى أخذه بما أدّى إليه ظنّه لرجحان القول به، إذ مع رجحان القول بأخذه بظنّه لا وجه لتخييره بينه و بين الوجه المرجوح، لقطع العقل إذن بترجيح الراجح بعد القطع ببقاء التكليف و عدم إمكان الاحتياط، و ليس المانع من الأخذ بظنّه من أوّل الأمر إلّا تقدّم الأخذ بالاحتياط على الرجوع إلى الظنّ، فمع فرض عدم إمكانه و حصول الظنّ بكونه مكلّفا شرعا بالأخذ بظنّه لا وجه لجواز أخذه بالطرف المرجوح. و كذا الحال لو ترجّح عنده الرجوع إلى التقليد كما هو الحال في الخبرين المتعارضين إذا كان أحدهما راجحا على الآخر في إفادة ما هو المكلّف به في ظاهر الشريعة. نعم لو تساوى الاحتمالان في نظره تعيّن البناء على التخيير حسب ما بيّناه.

و من ذلك يظهر ضعف ما في كلام بعض آخر من تعيين أخذه بظنّه بعد انسداد سبيل العلم بالواقع، إذ مع الغضّ عن تكليفه أوّلا لمراعاة الاحتياط يرد عليه أنّ اللازم عليه حينئذ مراعاة ما هو الراجح عنده في أداء التكليف دون ما يظنّ معه بأداء الواقع، إذ قد يظنّ عدم أدائه التكليف الشرعي بالرجوع إلى ظنّه، أو يتساوى‏

665

عنده الوجهان، فلا وجه للترجيح مع تساويهما بالنسبة إلى أداء التكليف فتأمّل.

قوله: (بمعنى جريانه في بعض المسائل.)

لمّا كان التفسير المذكور مشعرا بكون الكلام في جواز التجزّي بحسب الفعليّة و عدمه- بأن يستفرغ وسعه في تحصيل بعض المسائل دون بعضها و لو كانت القوّة و الملكة تامّة- عقّب ذلك بقوله بأن يحصل للعالم إلى آخره، مفيدا بذلك كون التجزئة المذكورة لنقص الاقتدار على الاستنباط، لا بمجرّد عدم التصدّي لاستفراغ الوسع في ذلك البعض، فيكون محلّ الكلام على ظاهر كلامه في جواز تجزّي القوّة و عدمه، و قد فرّع عليه جواز الاستفراغ في ذلك البعض بمعنى حجّية ظنّه في ذلك و عدمه.

و أنت خبير بأنّ تقرير النزاع في جواز التجزّي في نفس الاقتدار و القوّة في كمال الضعف، لوضوح جوازه كما مرّت الإشارة إليه، كيف! و القوّة على استنباط الكلّ مسبوق غالبا بالقوّة الجزئيّة، فإنّ الاقتدار على الجميع لا يحصل غالبا إلّا على سبيل التدريج، ثمّ مع البناء على جواز التجزّي في القوّة لا وجه لتفريع حجّيته على ذلك.

نعم قد يقال: بعدم حجّية الظنّ الحاصل له كما هو الظاهر من كلام المانعين.

و الجواب عنه ما عرفت: من أنّ المقصود من الاجتهاد في المقام هو الاستفراغ المعتبر في نظر الشرع، إذ هو المعنى المصطلح عندهم دون مطلق الاستفراغ.

و حينئذ يتّجه تقرير النزاع في جواز التجزّي بحسب القوّة و الملكة، إذ القدر المعلوم الّذي ليس قابلا للنزاع هو مجرّد الاقتدار على تحصيل الظنّ ببعض المسائل دون البعض، دون الاقتدار عليه على الوجه المعتبر. و حينئذ يندفع عنه ما ذكر من عدم صحّة التفريع المذكور، لوضوح تفريع حجّية ظنّه على القول بقبوله للتجزّي كما هو ظاهر العبارة، ففي تعبير المصنّف (رحمه اللّه) إشارة إلى ما ذكرناه. و قد يجعل قوله: فله أن يجتهد فيها أو لا بيانا لمحلّ النزاع، فيكون المقصود أنّه بعد تحصيل ما هو المناط في الاجتهاد بالنسبة إلى بعض المسائل دون بعضها هل‏

666

يجوز الاجتهاد في ذلك البعض أو لا؟ فليس المفروض في تقرير الخلاف في جواز تجزّي القوّة و عدمه، بل في حجّية ظنّ المتجزّئ و عدمها. و هو بعيد عن ظاهر العبارة كما لا يخفى.

قوله: (و ذهب العلّامة (رحمه اللّه) ... الخ.)

و قد اختار ذلك جماعة ممّن تأخّر عن هؤلاء كشيخنا البهائي و والده و صاحب الوافية و كشف اللثام، و اختاره أيضا جماعة من العامّة منهم: الرازي و التفتازاني و ابن النعماني، و قد حكي القول به عن المعظم.

قوله: (و صار قوم إلى الثاني ...) و كأنّهم من العامّة، إذ لم نجد في أصحابنا ممّن تقدّم على المصنّف من صرّح بالمنع منه.

قوله: (إنّه إذا اطّلع على دليل مسألة بالاستقصاء ... الخ.)

توضيح الاستدلال أنّ المناط في حجّية ظنّ المجتهد المطلق في كلّ مسألة بعد استفراغ وسعه في الأدلّة القائمة عليها هو اطّلاعه على الأدلّة الموجودة في تلك المسألة و وقوفه على وجوه دلالتها، و ما هو المناط في قوّة الظنّ فيها على حسب وسعه و طاقته بحيث يحصل العلم أو الظنّ بانتفاء ما ينافيها و المفروض حصول ذلك للمتجزّئ إذ الكلام فيما إذا اطّلع على الأدلّة القائمة في المسألة الّتي اجتهد فيها على نحو المجتهد المطلق من غير فرق بينهما سوى اقتدار المطلق على استنباط الحكم في غيره و عدم اقتداره أو اطّلاعه على الأدلّة القائمة في غيرها و عدم اطّلاعه. و هذا ممّا لا مدخل له قطّ في استنباط حكم هذه المسألة المفروضة، ضرورة أنّ استنباط حكم المسألة إنّما يتوقّف على الأدلّة القائمة عليه دون غيره، فلا ربط له بحجّية ظنّه الحاصل في تلك المسألة، فمع ثبوت انتفاء الفارق بينهما إلّا في ذلك و عدم العبرة بما هو الفارق قطعا يتعيّن القول بحجّية حكم المتجزّئ أيضا.

قوله: (فلا يحصل له ظنّ عدم المانع.)

هذا الكلام يوهم كون القائل بمنع التجزّي مانعا عن تحصيل الظنّ و قد عرفت وهنه جدّا، ضرورة إمكان حصول الظنّ لغير المطلق من غير إشكال. و يمكن‏

667

توجيهه: بأنّه مع قيام احتمال وجود المعارض في الأدلّة لابدّ من مراجعتها فلا يكون ظنّه بانتفاء المانع قبل المراجعة حجّة شرعا، فإنّ ظنّ المجتهد إنّما يكون حجّة بعد المراجعة إلى الأدلّة الشرعيّة، دون ما إذا حصل من ملاحظة بعض الأدلّة من غير استيفاء لما يعارضه و ما يحتمل ترجيحه عليه أو مساواته له. و حينئذ فما ذكر في الجواب عنه: من أنّ المفروض تحصيل جميع ما هو دليل في تلك المسألة بحسب ظنّه، لا يجدي نفعا في المقام فإنّ ذلك إنّما يقضي بحصول الظنّ له.

و أمّا جواز الاعتماد على ذلك الظنّ من غير مراجعة إلى سائر الأدلّة و اقتداره على استنباط الأحكام منها فغير متّجه. و الفرق بين ذلك و الظنّ الحاصل للمجتهد المطلق- الناظر في جميع الأدلّة و العارف بوجوه استنباط الأحكام منها- ظاهر، و هل ذلك إلّا نظير الظنّ الحاصل للمجتهد المطلق قبل ملاحظة جميع الأدلّة و استفراغ وسعه في تحصيلها؟.

و من البيّن أنّ الظنّ الحاصل له حينئذ بانتفاء المعارض لا حجّة فيه، غاية الأمر في الفرق بينهما أنّ المجتهد المطلق قادر على استيفاء الأدلّة و هذا غير قادر عليه و هو غير مجد في المقام.

نعم يمكن الإيراد عليه: بأنّه لا يجب على المجتهد ملاحظة جميع الأدلّة الشرعيّة القائمة على المسائل الفرعيّة في استنباط كلّ حكم بل لابدّ من ملاحظة مظانّ الأدلّة، و ذلك ممّا يمكن حصوله للمتجزّئ أيضا. و قد يمكن استيفاء جميع الأدلّة من حيث استنباط الحكم المذكور عنها و عدمه و إن لم يقدر على استنباط سائر الأحكام عنها. و مع الغضّ عن ذلك أيضا فقد يحصل للمجتهد القطع بكون ما حكم به هو مقتضى الأدلّة الموجودة الّتي يمكن الوصول إليها بحسب العادة، و قد يحصل له الظنّ بذلك. و غاية ما يستفاد من الوجه المذكور عدم جواز اعتماد المتجزّئ على الظنّ الحاصل له كذلك، و أمّا مع قطعه به كما يتّفق ذلك في كثير من الأحكام أو قطعه بانتفاء ما يعارضه في سائر المقامات فلا، و ليس ما استفاده حينئذ قطعيّا حتّى يخرج عن محلّ البحث، إذ لا ينافي ذلك كونه ظانّا بالحكم الواقعي بل و شاكّا فيه فتأمّل.

668

قوله: (و لكن الشأن في العلم بالعلّة.)

أنت خبير بأنّ ذلك إن تمّ فلا يتمّ فيما إذا قطع بكون الحكم مقتضى الأدلّة الموجودة حسب ما أشرنا إليه لكن‏ (1) التعويل في الاعتماد على الإجماع و قضاء الضرورة، فبعد تسليمه إنّما يفيد عدم قيام دليل على تعويله على ظنّ المتجزّئ و لا يفيد ذلك عدم تعويل المتجزّئ على ظنّه. و إن أراد أنّ تعويل المجتهد على ظنّه إنّما هو من الجهتين المذكورتين فغير مسلّم، إذ الأدلّة الدالّة على حجّية الأدلّة الشرعيّة إنّما تفيد حجّيتها لكلّ من يقدر على الوصول إليها و يقتدر على استنباط الأحكام منها، و المفروض مساواة المتجزّئ للمطلق بالنسبة إلى المسائل المفروضة، فلا وجه لسقوطها عن الحجّية بالنسبة إليها مع إطلاق ما دلّ على حجّيتها و عدم رجحان المجتهد المطلق عليه بالنسبة إلى تلك المسائل.

و قد يورد عليه أيضا: بأنّ الباعث على التعويل على ظنّ المجتهد المطلق ليس منحصرا في ذلك، بل العمدة فيه هو انسداد سبيل العلم بعد القطع ببقاء التكليف القاضي برجوعه إلى الظنّ و تقديمه على غيره بعد ثبوت عدم وجوب الاحتياط، إمّا لعدم إمكانه في كثير من الصور، أو لاشتماله على العسر و الحرج العظيم المرجوح في هذه الشريعة السمحة المؤيّد بجريان الطريقة من الأصحاب على خلافه، حيث إنّ القول بوجوب الاحتياط الشاذّ من الأصحاب، بل لا قائل بوجوبه على الإطلاق. و هذا كما ترى جار في المتجزّئ أيضا، إذ بعد إمكان رجوعه إلى الظنّ لا وجه لرجوعه إلى التقليد الموهوم بعد ظنّه بخلافه، و قد عرفت ما فيه ممّا قرّرناه سابقا فلا نعيد القول فيه.

قوله: (و هو إجماع الامّة عليه و قضاء الضرورة به.)

قد يورد عليه تارة: بما مرّت الإشارة إليه من أنّه لا إجماع في المقام على الرجوع إلى ظنّ مخصوص، للاختلاف الظاهر بين الطائفة في اختيار طريقة المجتهدين أو الأخباريّين أو المتوسّطين. و قيام الإجماع على الرجوع إلى‏

____________

(1) الظاهر سقوط شي‏ء من العبارة.

669

المطلق في الجملة في مقابلة المتجزّئ لا ينفع في المقام بعد الاختلاف المذكور.

و قد عرفت الجواب عنه فيما سبق.

و تارة: بأنّ حصول الإجماع في هذه المسألة غير ظاهر، إذ ظاهر أنّ هذه المسألة ممّا لم يسئل عنه الإمام (عليه السّلام)، فالعلم بالإجماع الّذي يقطع بدخول المعصوم فيه بالنسبة إليها و إلى ما يضاهيها من المسائل الّتي لم يوجد فيها نصّ شرعي ممّا لا يكاد يمكن، كيف! و العمل بالروايات في عصر الأئمّة (عليهم السّلام) للرواة بل و غيرهم لم يكن موقوفا على إحاطتهم بمدارك الأحكام و القوّة القويّة على الاستنباط بل يظهر بكلامه بأدنى الاطّلاع‏ (1) على حقيقة أحوال القدماء، فلا معنى لدعوى الإجماع في المسألة.

و ما ذكره من قضاء الضرورة به، إن أراد كونه بديهيّا من غير ملاحظة أمر خارج فهو بديهيّ البطلان. و إن اريد بداهته بعد ملاحظة أمر خارج و هو احتياج المكلّف إلى العمل و انحصار الأمر بين الاجتهاد و التقليد فالبديهة تحكم بتقديم الاجتهاد فهو صحيح، لكنّه مشترك بين المطلق و المتجزّئ.

كذا ذكره بعض الأفاضل و هو موهون جدّا، إذ المناقشة في الإجماع المذكور عجيبة بعد وضوح اتّفاق الكلّ على حجّية ما فهمه المطلق من غير شائبة تأمّل لأحد فيه. كيف! و لو لم يكن فهم المطلق حجّة عند البعض لم يكن فهم المتجزّئ حجّة عنده بالضرورة، و فيه هدم للدين.

و لا يتوقّف كشف الإجماع عن قول المعصوم (عليه السّلام) على ورود النصّ، بل يكفي فيه وجود الكاشف من قوله و لو بتوسّط العقل، على أنّ الأخبار المأثورة في الرجوع إلى العلماء و المشتملة على أمرهم بالرجوع إلى جماعة من فضلاء أصحابهم كثيرة، بل قد يكون متواترة. و جريان طريقة العوام في عصرهم في الرجوع إلى أهل العلم أمر ظاهر لا سترة فيه، فقول الإمام (عليه السّلام) و تقريره موجودان في المقام، فكيف! يتوهّم عدم كشف الاتّفاق عن قول الإمام (عليه السّلام)، لخلوّ المسألة

____________

(1) كذا، و الظاهر: و ذلك ظاهر لكلّ من له أدنى اطّلاع.

670

من الرواية. فما ذكره: من وضوح انتفاء السؤال عن المسألة، إن أراد به عدم سؤالهم عن خصوص حجّية فهم المجتهد المطلق فمسلّم، و لا يمنع ذلك من كشف الاتّفاق عن قول الإمام (عليه السّلام) بعد ورود ما يدلّ على الرجوع إلى العالم الشامل لذلك. و إن أراد عدم ورود ما يدلّ على حجّية فهمه و جواز الرجوع إليه فممنوع، كيف! و من الظاهر خلافه، و هو كاف في كشف الاتّفاق عن قول المعصوم على مذاقه أيضا.

و الحاصل: أنّ مقصود المصنّف (رحمه اللّه) أنّ القدر المقطوع به المتّفق عليه بين الكلّ هو حجّية ظنّ المجتهد المطلق، و ما زاد عليه لم يتّفق عليه اتّفاق و لم يقم عليه دليل قاطع آخر، فلا يصحّ الأخذ به مع انتفاء القطع بجوازه. فلو نوقش في المقام فإنّما يناقش في منعه من قيام القاطع على حجّية ظنّ غيره لا في حجّية ظنّه.

فما ذكره: من أنّ العمل بالروايات في عصر الأئمّة (عليهم السّلام) للرواة، غير مرتبط بمنع الإجماع على جواز الرجوع إلى صاحب القوّة القويّة المحيطة بمدارك الأحكام الشرعيّة. غاية الأمر أنّه يدّعى جريان الطريقة هناك على الرجوع إلى غيره أيضا، و هو كلام آخر لا ربط له بالمقام، و قد مرّت الإشارة إلى ما فيه.

ثمّ إنّ الظاهر أنّ مقصود المصنّف من «قضاء الضرورة بحجّية ظنّ المطلق» هو أنّ الاضطرار إلى العمل بعد خفاء مدارك الأحكام يقضي بحجّية فهم من يستنبط الأحكام منها، و إلّا لزم الخروج عن الدين و القدر المتيقّن من ذلك هو حجّية فهم المطلق لاندفاع تلك الضرورة به دون ما يزيد عليه، و ليس مقصوده شيئا من الوجهين اللذين أشار إليهما، كيف! و الوجه الأوّل منهما ضروريّ الفساد، و الثاني فاسد أيضا و إن سلّمه المعترض، إذ لا بداهة قاضية بترجيح الناقص فهم نفسه على فهم الكامل المتدرّب حتّى يكون عدم جواز تقليده له من الضروريّات، كيف! و قد ذهب جماعة من الفحول إلى عدم جواز ترجيح ظنّه على ظنّ الآخر و وجوب الأخذ بقوله.

قوله: (و مع ذلك فالحكم في نفسه مستبعد.)

671

لا يخفى أنّه لو كان وظيفة المتجزّئ هو التقليد لم يكن من شأنه إلّا الرجوع إلى المجتهد، فإذا كان ذاهبا إلى جواز التجزّي و حجّية ظنّ المتجزّئ و قائلا بجواز التقليد في المسائل المتعلّقة بالعمل من اصول الفقه كهذه المسألة لم يكن له بدّ من الحكم بعمله بمؤدّى ظنّه، فالاستبعاد المذكور ليس في محلّه.

ثمّ لا يذهب عليك: أنّ ما ذكره المصنّف على فرض صحّته لا يفيد كون وظيفة المتجزّئ هو الأخذ بالتقليد، إذ غاية ما يلزم حينئذ بطلان الدليل الدالّ على وجوب رجوعه إلى ظنّه، و لم يقم دليلا قطعيّا على جواز أخذه بالتقليد. و كما أنّ رجوعه إلى ظنّه يتوقّف على قيام دليل قاطع قطعي عليه فكذا رجوعه إلى التقليد، و مع عدم قيام دليل قطعي عليه لا يتمّ الحكم بعدم جواز أخذه بظنّه، بل قضيّة التقرير المذكور هو حجّية ظنّه في الجملة، إذ غاية الأمر حينئذ تخييره بين الوجهين و هو يفيد جواز رجوعه إلى ظنّه أيضا فتأمّل. هذا ملخّص القول في مسألة التجزّي.

و قد عرفت: أنّ المتيقّن من المتجزّئ هو من كان كلّ من استنباطه للمسائل و اقتداره على ذلك جزئيّا، و أمّا لو كانت قوّته تامّة مع كون الفعليّة ناقصة على الوجه الّذي أشرنا إليه فالّذي نصّ عليه جماعة أنّه مجتهد مطلق، كما قدّمنا الإشارة إليه. و كان الفقيه الاستاد (قدّس سرّه‏) ذاهبا إلى عدم حجّية ظنّه فما لم يكن مستنبطا لقدر يعتدّ به من الأحكام- بحيث يعدّ فقيها عرفا على نحو صدق سائر ما يشتقّ من أسامي العلوم على أربابها- لا حجّية في ظنّه بالنسبة إليه و إلى غيره.

و هو قبل البلوغ إلى تلك الدرجة ليس بفقيه و وظيفته الرجوع إلى الفقيه، لما دلّ على أنّ الناس صنفان: فقيه و غير فقيه و إنّ وظيفة الثاني الرجوع إلى الأوّل، و لأنّ المذكور في مقبولة عمر بن حنظلة اعتبار معرفتهم بأحكامهم (عليهم السّلام) و هو جمع مضاف يفيد العموم و لا أقلّ من العموم العرفي، و هو غير صادق بمجرّد عموم الملكة ما لم يكن عالما بالفعل بقدر يعتدّ به بحيث يصدق عليه عرفا أنّه عارف بالأحكام. فالتفصيل بين حجّية ظنّه بالنسبة إليه دون غيره خارج عن الطريقة، إذ

672

لو كان مجتهدا صحّ له الرجوع إلى ظنّه و لغيره الرجوع إليه، و إلّا لم يجز في المقامين.

و يشكل بأنّه لا دليل على دوران المكلّف بين الوجهين سوى ما قد يتخيّل من الإجماع، و القدر المسلّم منه على ثبوته هو لزوم كون المكلّف عالما بحكمه على سبيل الاجتهاد أو آخذا له بطريق التقليد و أمّا كونه مجتهدا في بعضها و مقلّدا في بعضها لم يقم اجماع على المنع منه، كيف و كثير منهم قد جوّزوا التجزّي في الاجتهاد على أنّه قد يقال: بصدق عنوان الفقيه عليه بالنسبة إلى ما اجتهد فيه، إلّا أنّه غير متّجه حسب ما مرّت الإشارة إليه في أوائل الكتاب. و قيام الإجماع على الملازمة بين عدم حجّية ظنّه بالنسبة إلى غيره و عدمها بالنسبة إليه غير ظاهر، كيف! و الافتراق بينهما في المجتهد الفاسق و المفضول مع وجود الأفضل بناء على المنع من الرجوع إليه ظاهر، فأيّ مانع من البناء على التفصيل في المقام أيضا؟

لكن لا يخفى عليك: أنّه لم يقم أيضا إجماع على حجّية ظنّه بالنسبة إليه.

و حينئذ فيشكل اعتماده عليه على نحو ما مرّ بيانه في المتجزّئ فيجري فيه ما قدّمناه من التفصيل في حكم المتجزّئ، فالظاهر أنّه بمنزلته و إن كان القول بحجّية ظنّه أقوى من الحكم بحجّية ظنّ المتجزّئ. و يجري الكلام المذكور في صاحب القوّة التامّة الخالية عن الفعليّة بالمرّة، فإن قلنا بجواز التقليد للمجتهد المطلق بالنسبة إلى المسائل الّتي لم يجتهد فيها فالأمر فيه ظاهر، و أمّا بناء على المنع منه فيشكل الحال فيه أيضا. و الأظهر حينئذ رجوعه إلى ظنّه حسب ما مرّ في المتجزّئ لما عرفت.

هذا بالنسبة إلى ما يقتضيه ظواهر الأدلّة في شأنه، و أمّا تكليفه في نفسه و بحسب فهمه في صحّة تقليده أو وجوب اجتهاده و رجوعه إلى ظنّه فيجري فيه ما قدّمناه من التفصيل، لعدم قيام دليل قاطع على جواز تقليده، أو رجوعه إلى ظنّه على نحو ما ثبت بالنسبة إلى العامي و المجتهد المطلق. و ظاهر الجماعة أيضا إدراجه في المطلق، و هو ضعيف. و لو كانت فعليّة تامّة مع نقص القوّة- بأن كان‏

673

عاجزا عن إدراك المسائل المشكلة من دون تلقين الغير و تعليمه إيّاه لوجه الترجيح فلا يقتدر بنفسه على استخراجها و الابتداء إليها- فالظاهر إدراجه في الفقيه، لصدق العنوان فيندرج تحت الإجماع القاضي بحجّيته.

و ربما يتراءى من ظاهر بعض كلماتهم عدم اندراجه فيه، نظرا إلى أنّ القدر المتيقّن من الحكم بجواز التقليد هو تقليد المجتهد المطلق، و أمّا غيره فلم يقم دليل قاطع على جواز الرجوع إليه، و قضيّة الأصل عدم جواز الرجوع إليه و عدم الاكتفاء في الحكم بالبراءة بعد اليقين بالاشتغال بمجرّد تقليده. و الأظهر أنّ حجّية ظنّه بالنسبة إليه قاض بحجّيته بالنظر إلى غيره أيضا في الجملة. و في مشهورة أبي خديجة المتقدّمة دلالة عليه. فلو انحصر الأمر في الرجوع إليه لم يبعد وجوبه.

نعم لو دار الأمر بين الرجوع إليه و إلى المطلق من الأحياء لم يجز الرجوع إليه، بناء على وجوب تقليد الأفضل، فلا فرق بينه و بين المطلق في ذلك. هذا بالنظر إلى ما يقتضيه الأدلّة الظنّية. و أمّا المقلّد فلا يجوز له الرجوع إليه من غير قيام دليل قاطع عنده على جواز تعويله عليه، لما عرفت. و لو رجع إلى المجتهد المطلق في جواز رجوعه إليه لم يكن به بأس، كما إذا قلّد الميّت أو المفضول بتقليده الحيّ أو الأفضل في ذلك.

و لنتمّم الكلام في مباحث الاجتهاد برسم امور:

- أحدها- [في شرعيّة الاجتهاد]

في بيان شرعيّة الاجتهاد و إثبات الاعتماد على ظنّ المجتهد، و يمكن الاستدلال عليها بوجوه:

الأوّل: العقل و يبتني ذلك على بيان انسداد باب العلم في كثير من الأحكام الشرعيّة بل معظمها و انحصار الطريق في العمل بالظنّ و الأخذ بالظنّيات و القواعد الّتي لا يفيد علما بالواقع في الخصوصيّات، و يدلّ عليه بعد قضاء ضرورة الوجدان بذلك- إذ لا يحصل للنفس بعد كمال الجدّ و بذل الوسع في معرفة الأحكام و غاية

674

الاهتمام في النظر في الأدلّة و البحث عن مدارك الأحكام الشرعيّة و ملاحظة الأمارات المؤيّدة ما يزيد على المظنّة فيكفي فيه ملاحظة الوجدان عن مؤنة البيان- أنّ ما يكون من الأدلّة الشرعيّة علميّة مفيدة للقطع بالواقع في الوقائع، أو محتملة لإفادة اليقين بالواقع، أو قيل بإفادتها لذلك. إمّا الإجماع أو العقل المستقلّ، أو الكتاب، أو السنّة المتواترة و ما بمنزلتها، أو سائر الأخبار المأثورة عن العترة الطاهرة المذكورة في الكتب المعتمدة.

أمّا الإجماع و العقل الكاشف عن الواقع فلم ينهضا إلّا في قليل من الأحكام، و مع ذلك فلا يفيان غالبا بالتفصيل.

و أمّا الكتاب فهو و إن كان قطعي المتن إلّا أنّه في الغالب ظنّي الدلالة، و مع ذلك لا يستفاد منه غالبا إلّا امور إجماليّة.

و أمّا السنّة المتواترة و ما بمنزلتها فلا توجد إلّا في نادر من الأحكام، مع أنّها لا تفي غالبا إلّا بالأحكام الإجمالية.

و أمّا سائر الأخبار المأثورة المذكورة في الكتب المعتمدة فهي ظنّية بحسب المتن و الدلالة، إذ وجود الاختلال الطارئة عليها سندا و دلالة كثيرة قد أشرنا إليها فيما مضى، و قد فصّلنا القول في بيان ظنّيتها و عدم إفادتها اليقين بالواقع بما لا مزيد عليه، و أوضحنا فساد ما لفّقه جماعة من الأخباريّة من الشبه في بيان قطعيّتها، و لو سلّم قطعيّة تلك الأخبار حسب ما ادّعوه، فمن البيّن أنّها لا تفي ببيان جميع الفروع المتجدّدة على سبيل التفصيل، بل لابدّ من التأمّل في إدراجها فيما يناسبها من القواعد المقرّرة في تلك الأخبار. و من الظاهر أيضا اختلاف الأنظار في ذلك و عدم إمكان تحصيل اليقين غالبا بذلك، كما لا يخفى على من مارس التفريعات الفقهيّة و أمعن النظر فيما يرد عليه من الفروع المتجدّدة، فإنّه لا مناص غالبا من الأخذ بالظنّ في الحكم باندراجها في خصوص كلّ من القواعد المقرّرة.

و ذلك أيضا من الوضوح بمكان لا يحتاج إلى البيان. فإذا تقرّر انسداد باب العلم في معرفة الأحكام مع القطع ببقاء التكليف تعيّن الانتقال إلى الظنّ، أو الأخذ

675

بالوجوه الظنية الّتي دلّت على حجّيتها الأدلّة المخصوصة، و هو المعنيّ بالاجتهاد.

الثاني: انعقاد الإجماع عليه من الخاصّة و العامّة، و قد نصّ بانعقاد الإجماع عليه جماعة من أجلّاء الطائفة، و هو معلوم من ملاحظة الطريقة الجارية المستمرّة في سائر الأعصار و الأمصار بين الشيعة. و ملاحظة كتب الفتاوى و الاستدلال كافية في العلم به.

و قد ناقش في ذلك بعض من الأخباريّين بوجوه موهونة لا بأس بالإشارة إليها ليقضى بالعجب منها.

قال: و الجواب أوّلا: بمنع حجّية الإجماع إذ لم يوردوا لها دليلا قطعيّا، و الاعتماد على الظنّ في الاصول غير معقول، بل الدليل الظنّي الّذي أوردوه غير تامّ و لا سالم عن المعارضة بما هو أقوى منه.

و ثانيا: بمنع انعقاد الإجماع هنا بمخالفة المتقدّمين و المتأخّرين و تصريحاتهم بذلك يطول الكلام بنقلها.

و ثالثا: بتقدير انعقاد الإجماع فهو دليل ظنّي لا يجوز العمل به في الاصول.

و رابعا: أنّه ظنّي لا يجوز الاستدلال به على الظنّ، إذ يلزم منه الدور.

و خامسا: المعارضة بمثله فقد نقل الشيخ في العدّة الإجماع على خلافه و هو مقدّم، لتقدّمه و تواتر النصوص به.

و سادسا: أنّ الإجماع عند محقّقيهم إنّما يعتبر مع العلم بدخول الإمام (عليه السّلام)، و لا سبيل إلى تحقيق ذلك هنا.

و سابعا: أنّه على تقدير ثبوت قول الإمام (عليه السّلام) هنا فالحجّة قول الإمام (عليه السّلام) لا الإجماع، و هو على ذلك التقدير خبر واحد لا يعارض المتواتر.

و ثامنا: أنّه على تقدير ثبوت قول الإمام (عليه السّلام) هنا فهو خلاف الآيات الصريحة، و معارضته‏ (1) من قول الأئمّة (عليهم السّلام) موافق لها فيتعيّن المصير إليه للأمر بالعرض على الكتاب.

____________

(1) بصيغة الاسم الفاعل المؤنّث.

676

و تاسعا: أنّه على ذلك التقدير موافق للعامّة فيتعيّن حمله على التقيّة، و العمل بما يعارضه، لعدم احتمال التقيّة، و نظيره الإجماع على بيعة أبي بكر فقد دخل فيها أمير المؤمنين (عليه السّلام) و لم يدلّ دخوله على صحّتها، للتقيّة و هذا أقوى المرجّحات المنصوصة على تقدير وجود المعارض الصحيح، فكيف! و أهونها غير موجود انتهى.

و أنت خبير بأنّ أقصى ما يمكن ايراده في المقام و إن كان واضح الفساد أيضا:

المنع من تحقّق الإجماع، لما يتوهّم من كلمات جماعة من الأصحاب من المنع من الاجتهاد، أو العمل بالظنّ، و قد أشار إليه بما ذكره: من مخالفة جماعة من المتقدّمين و المتأخّرين فيه، و حكاية الشيخ الإجماع عليه، و سيجي‏ء الإشارة إلى جملة من عبائرهم بما يوهم دلالتها على ذلك. و توضيح القول في فساده إن شاء اللّه.

و أمّا سائر ما ذكر من الإيرادات فغير معقولة، لما هو واضح من أنّ الإجماع على فرض تحقّقه من الأدلّة القطعيّة الكاشفة عن رأي الإمام (عليه السّلام)، أو عن الحجّة الّتي لا مجال للتشكيك في حجّيته، و لزوم الأخذ به حسب ما حقّق في محلّه.

نعم لو اريد به الإجماع المنقول صحّت دعوى كونه ظنّيا، إلّا أنّه غير مراد المستدلّ قطعا، و حينئذ فمعارضته بحكاية الشيخ غير متّجهة، على أنّه من الواضح أنّ مراد الشيخ من الاجتهاد غير ما هو المقصود في المقام، و ليت شعري كيف يعقل القول بدعوى الشيخ الإجماع على حرمة الاجتهاد و المنع منه، مع ما يرى من طريقته في الاحتجاج في المبسوط و الخلاف و غيرهما. و سنوضح ما هو مقصوده من الاجتهاد في ذلك المقام، و أنّه ممّا لا ربط له بالمرام. و ما ذكره: من أنّ مفاد الإجماع المذكور مخالف للآيات الصريحة و الأخبار المأثورة، ضعيف جدّا، لوضوح كون مفاد الإجماع على فرض تحقّقه قطعيّا، و أقصى ما يسلّم كون ظاهر إطلاق الآيات و الروايات ذلك فكيف! يمكن أن يقاوم القاطع، مضافا إلى أنّ الاستناد إليها استناد إلى الظنّ و المدّعى خلافه، فلو صحّ الاستناد إليها بطل ما ذكر

677

من الدعوى، على أنّ دلالتها على ذلك محلّ منع أيضا كما ستعرف الوجه فيه إن شاء اللّه.

الثالث: ظواهر كثير من الأخبار:

منها: الصحاح المستفيضة الدالّة على أنّ عليهم (عليهم السّلام) إلقاء الاصول و إنّ علينا التفريع عليها. فقد رواه زرارة و أبو بصير في الصحيح عن الباقر (عليه السّلام) و الصادق (عليه السّلام) و رواه البزنطي في جامعه عن هشام بن سالم عن الصادق (عليه السّلام)، و رواه البزنطي بنفسه عن الرضا (عليه السّلام)، إذ من البيّن انّ تفريع الفروع على الاصول و القواعد لا يكون غالبا إلّا على سبيل الظنّ، إذ دلالة العمومات على حكم كلّ من الجزئيّات المندرجة فيها إنّما تكون في الغالب على سبيل الظهور دون التنصيص، و أيضا كثير من التفريعات ممّا يختلف فيه الأنظار و يتفاوت الأفهام في إدراجها تحت القواعد المقرّرة. و كثيرا مّا لا يتأتّى الحكم باندراج الفرع تحت أصل معيّن إلّا على سبيل يندرج فيها المداليل الالتزاميّة المفهومة بتوسّط الخطاب، كدلالة الأمر بالشي‏ء على الأمر بمقدّمته و دلالة النهي على الفساد، و كثير من دلالات المفاهيم و نحوها.

و قد يناقش فيه بالمنع من شمولها للتفريعات الظنّية فلا يفيد المدّعى.

و يمكن دفعها: بأنّ قضيّة الأمر بالتفريع إثبات ما يتفرّع على الكلام من الأحكام بحسب العرف، و هو أعمّ ممّا يفيد العلم بالواقع هذا.

و قد أورد بعض المحدّثين في المقام: بأنّه لا دلالة في الأخبار المذكورة على صحّة الاجتهاد الظنّي في أحكام اللّه تعالى، فإنّ مفادها الأخذ بالقواعد الكلّية المأخوذة عن أهل العصمة كقولهم (عليهم السّلام) «إذا اختلط الحلال بالحرام غلب الحرام» و قولهم (عليهم السّلام) «كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه فتدعه» و قوله (عليه السّلام) «الشكّ بعد الانصراف لا يلتفت إليه» و قولهم «لا تنقض اليقين بالشكّ أبدا و إنّما تنقضه بيقين آخر» و ذلك أنّ الأنظار العقليّة إذا كانت مادّة الفكر فيها و صورته مأخوذين عن أهل العصمة فلا ريب في جواز العمل به، لأنّه معصوم عن الخطأ. و لا شكّ أنّ مفاد الأخبار المذكورة هو التفريع على الاصول المأخوذة

678

عن الأئمّة (عليهم السّلام) خاصّة، و هو عين مذهب الأخباريين و خلاف دعوى الاصوليين.

قلت: من البيّن أنّ تفريع الأحكام على الاصول المأخوذة عن أهل العصمة إمّا أن يكون ثابتا بإثبات تلك الأحكام للجزئيّات الظاهرة الاندراج أو للجزئيّات الّتي يتأمّل في اندراجها تحت أيّ من تلك القواعد و يتوقّف اندراجها في خصوص بعضها على البحث و النظر، أو بإثبات اللوازم المتفرّعة على الملزومات المأخوذة عنهم (عليهم السّلام). و حينئذ فقد يكون اللزوم بيّنا، و قد يفتقر إلى البيان، فقد يكون المبيّن له العقل، أو النقل، أو الملفّق منهما. و ظاهر تلك الأخبار تعميم ذلك للجميع. و من البيّن حينئذ أنّه لا يلائم طريقة الأخباريّين. و تخصيصها بالصورة الاولى خروج عما يقتضيه إطلاق تلك النصوص. بل ربما يقال بعدم عدّ ذلك تفريعا، فإنّ تلك الصور الجزئيّة هو نفس ما ذكر في تلك القواعد الكلّية، لظهور أنّ المحكوم عليه في القضايا الكلّية هو خصوص كلّ من الجزئيّات، فإثبات الحكم لكلّ منها من جهة الأخذ بعين المنصوص لا التفريع على المنصوص.

و مع الغضّ عن ذلك فلا ينفكّ ما ذكر أيضا من استعمال الظنّ، لظهور احتمال التخصيص في تلك العمومات. فالقول بحصول العصمة عن الخطأ بمجرّد الأخذ بظواهر تلك العمومات و الإطلاقات كما ترى.

و منها: الأخبار الكثيرة الدالّة على الرجوع إلى المرجّحات الظنّية عند تعارض الأخبار المأثورة ليتميّز الصحيح منها عن السقيم، و المقبول من المردود؛ و من البيّن أنّ ذلك من أعظم موارد الاجتهاد، فإنّ تمييز المعوّل عليه من الأخبار من غيرها قد يشكل جدّا.

و قد دلّت الأخبار المذكورة على الرجوع في التميز إلى وجوه ظنّية، و المستفاد من جميعها بعد الجمع بينها هو الأخذ بالراجح من حيث المفاد و السند.

و ما قد يتوهّم من أنّ المرجّحات المذكورة إنّما هي لأجل تمييز الخبر الوارد من جهة التقيّة من غيرها- و إنّ جميع أخبارنا المذكورة في الكتب المعتمدة قطعي الصدور من الأئمّة (عليهم السّلام)- واضح الفساد حسب ما مرّت الإشارة إليه، مضافا إلى‏

679

أنّ في تلك الأخبار شهادة على خلافه، إذ الرجوع إلى الأعدل و ترجيحه على غيره لا ربط له بالجهة المذكورة. و كذا الحال في عدّة من المرجّحات المقرّرة، كما لا يخفى على المتدبّر.

[أدلّة الأخباريّين على عدم مشروعيّة الاجتهاد]

و منها: ما دلّ من الأخبار على حجّية قول الثقة و الاعتماد على نقله، إذ من البيّن أنّ الوثاقة لا يبلغ إلى درجة العصمة حتّى يمتنع في شأنه الخطأ و الغفلة. كيف! و قد وقع من أعاظم الثقات من السهو و الاشتباه في أسناد الروايات و متونها ما لا يخفى على المتتبّع في الأخبار، سيّما كتابي التهذيب و الاستبصار، مضافا إلى ما عرفت من الاكتفاء في العدالة بحسن الظاهر. و من الظاهر أنّه بمجرّده لا يفيد العلم بحصول العدالة، فلو سلّمنا قضاء تلك الصفة بعدم وقوع الكذب و الغفلة و الزيادة و النقيصة من المتّصف بها فكيف! يعقل القول بقضاء الظنّ بها للعلم بذلك.

و منها: غير ذلك من الأخبار المتكثّرة الدالّة على حجّية أخبار الآحاد حسب ما فصّل في محلّه.

فالملخّص من ملاحظة مجموع الأخبار المذكورة القطع بحجّية الظنّ في نفس إثبات الأحكام الشرعيّة. و كون كلّ واحد من تلك الروايات ظنّيا لا يقدح في المقصود بعد كون القدر الجامع بينها قطعيّا، على أنّهم يدّعون قطعيّة الأخبار، فكلّ واحد منها حجّة قاطعة بالنسبة إليهم.

هذا و قد زعمت الأخباريّة عدم جواز الاجتهاد في نفس الأحكام الشرعيّة و حكموا بحظرها في الشريعة لشبه واهية، و شكوك ركيكة، واضحة الفساد، غير صالحة للاعتماد عند من له أدنى مسكة لا بأس بالإشارة إلى جملة منها.

منها: أنّه لا دليل على جواز العمل بالظنّ، فلا وجه للرجوع إليه و التعويل في استنباط الأحكام عليه.

و فيه: أنّه لا كلام في عدم جواز الاستناد إلى الظنّ من غير قيام دليل عليه، و ما ادّعي من انتفاء الدلالة في المقام فهو بيّن الفساد. كيف! و لو لم يكن هناك دليل على حجّيته سوى انسداد سبيل العلم- و انحصار الطريق في الظنّ مع القطع ببقاء

680

التكليف- لكفى في القطع بحجّيته، مع أنّ هناك أدلّة خاصّة على حجّية عدّة من الطرق الظنّية، كما قرّر في محلّه.

و قد اعترف الأخباريّون بحجّية قول الثقة و جواز الاعتماد عليه في الأحكام الشرعيّة- كما دلّت عليه عدّة من النصوص- مع أنّه لا يفيد غالبا ما يزيد على الظنّ. و دعوى إفادة قول الثقة القطع بالواقع- كما صدر من جماعة منهم- ممّا يشهد ضرورة الوجدان بخلافه مع ثبوت وثاقته بطريق اليقين فكيف! مع ثبوتها بحسن الظاهر.

و منها: أنّ العمل بالظنّ ممّا يستقلّ العقل بقبحه فيستحيل تجويز الشرع له، و وهنه ظاهر، فإنّه إن تمّ ذلك فإنّما يتمّ بالنسبة إلى الاعتماد على الظنّ من حيث إنّه ظنّ، و أمّا مع أوله إلى العلم و انتهائه إلى اليقين فكلّا. و كيف! يتوهّم ذلك و لا عمل حينئذ إلّا بالعلم.

و من البيّن أنّ المسائل الفقهيّة إنّما يراد لأصل العمل، و من الظاهر أيضا أنّه بعد قيام الدليل القاطع على وجوب العمل بمؤدّى الأدلّة الظنّية يكون العمل حاصلا على وجه اليقين، دون الظنّ و التخمين. كيف! و لو لا ذلك لم يجز بناء الشرع على الأخذ بالظنّ أصلا لعدم جواز الاستثناء في القواعد العقليّة، مع أنّ جواز العمل بالظنّ في كثير من المقامات- كالحكم بالشهادات و الاعتماد على إخبار ذي اليد و نحوهما- ممّا لا كلام في وروده في الشرع، بل و كذا الحال بالنسبة إلى دلالة الألفاظ، لقيام الإجماع على جواز الاعتماد فيها على الظنون، و كذا الحال في جواز الاعتماد على قول الثقة، كما دلّت عليه روايات عديدة.

و منها: ما ذكره بعض المحدّثين: من أنّ المتقدّمين من علمائنا لا يقولون بجواز الاجتهاد و التقليد و لا يجيزون العمل بغير الكتاب و السنّة من وجوه الاستنباطات الظنّية. و من المعلوم أنّ طريقة المتقدّمين هي الموافقة للأئمّة (عليهم السّلام) و لأحاديثهم المتواترة، فإن شذّ منهم شاذّ أحيانا أنكر عليه الأئمّة إن كان في زمان ظهورهم. و في هذه الطريقة مباينة لطريقة العامّة مباينة كلّية. و طريقة المتأخّرين‏

681

موافقة لهم لا تخالفهم إلّا نادرا، و ناهيك بذلك على تحقيق الحقّ من الطريقين.

ثمّ قال: و بالجملة فعدم جواز الاجتهاد في نفس الأحكام الشرعيّة و عدم جواز العمل بالاستنباطات الظنّية كان معلوما من مذهب المتقدّمين من الإماميّة إلى زمان العلّامة. بل كان معلوما عند العامّة و الخاصّة أنّه من اعتقادات الشيعة و قد نقلوه عن أئمّتهم لتواتر النصّ بذلك عنهم، و هذا كما ترى يفيد دعوى إجماع الشيعة الكاشف عن قول الأئمّة (عليهم السّلام) على بطلان الاجتهاد في الأحكام الشرعيّة.

و قال في موضع آخر: إنّ القول بحجّية ظنّ المجتهد على نفسه و على من يقلّده مذهب العلّامة و الشهيدين و الشيخ حسن و الشيخ علي و الشيخ بهاء الدين لا غير، و باقي علمائنا المتقدّمين و المتأخّرين على بطلان ذلك كلّه. هذا.

و قد ذكر جملة من عبائر القدماء الموهمة لما ادّعاه لا بأس بأن نشير إلى جملة منها ثمّ نتبعها بإيضاح فساد تلك الدعوى، فمن ذلك: ما ذكره الكليني في أوّل الكافي قال: و الشرط من اللّه فيما استعبد به خلقه أن يؤدّوا جميع فرائضه بعلم و يقين و بصيرة إلى أن قال: و من أراد خذلانه و أن يكون إيمانه معارا مستودعا سبّب له أسباب الاستحسان و التقليد و التأويل بغير علم و بصيرة.

و قال الصدوق في العلل بعد ذكر حديث موسى (عليه السّلام) و الخضر (عليه السّلام): إنّ موسى مع كمال عقله و فضله و محلّه من اللّه تعالى لم يدرك باستنباطه و استدلاله معنى أفعال الخضر حتّى اشتبه عليه وجه الأمر به، فإذا لم يجز لأنبياء اللّه تعالى و رسله القياس و الاستدلال و الاستخراج كان من دونهم من الامم أولى بأن لا يجوز لهم ذلك. إلى أن قال: فإذا لم يصلح موسى (عليه السّلام) للاختيار مع فضله و محلّه فكيف! تصلح الامّة لاختيار الإمام (عليه السّلام)، و كيف! يصلحون لاستنباط الأحكام الشرعيّة و استخراجها بعقولهم الناقصة و آرائهم المتفاوتة.

و قال السيّد في الذريعة: عندنا أنّ الاجتهاد باطل و أنّ الحق مدلول عليه، و أنّ من أخطأ غير معذور، و قد نصّ السيّد هناك أيضا بأنّ الإماميّة لا يجوز عندهم العمل بالظنّ و لا الرأي و لا القياس و لا الاجتهاد. و قال في الانتصار في أوّل كتاب‏

682

القضاء: إنّما عوّل ابن الجنيد في هذه المسألة على ضرب من الرأي و الاجتهاد، و خطؤه ظاهر.

و قال في المسألة الّتي بينها: إنّ من خالفنا اعتمد على الرأي و الاجتهاد دون النصّ و التوقيف، و ذلك لا يجوز. و قال في كتاب الطهارة منه في مسألة مسح الرجلين: إنّا لا نرى الاجتهاد و لا نقول به. و قد ذكر أيضا في عدّة من كتبه: أنّ ما يفيد الظنّ دون العلم لا يجوز العمل به عندنا.

و قال الشيخ في العدّة: و أمّا القياس و الاجتهاد فعندنا أنّهما ليسا بدليلين، بل محظور في الشريعة استعمالهما.

و قال في موضع آخر منه: و لسنا نقول بالاجتهاد و القياس. و قال أيضا: و أمّا الظنّ فعندنا أنّه ليس بفاصل في الشريعة تنسب الأحكام إليه و إن كان تقف أحكام كثيرة عليه، نحو تنفيذ الحكم عند شهادة الشاهدين، و نحو جهات القبلة و ما يجري مجراه. انتهى.

و معلوم أنّ ما حكم بجواز العمل فيه بالظنّ من الموضوعات دون الأحكام.

و قال في مواضع من التهذيب: و إنّا لا نتعدّى الأخبار.

و قال ابن إدريس (رحمه اللّه) في مسألة تعارض البيّنتين بعد ذكر عدّة من المرجّحات: و لا ترجيح بغير ذلك عند أصحابنا، و القياس و الاستحسان و الاجتهاد باطل عندنا.

و قال الطبرسي في المجمع: لا يجوز العمل بالظنّ عند الإماميّة إلّا في شهادة العدلين، و قيم المتلفات، و أرش الجنايات. و ظاهر أنّ ما استثناه من قبيل الموضوعات دون الأحكام.

و قال المحقّق في المعتبر: ثمّ إنّ أئمّتنا مع هذه الأخلاق الطاهرة و العدالة الظاهرة يصوّبون رأي الإماميّة في الأخذ عنهم، و يعيبون على غيرهم ممّن أفتى باجتهاده و قال برأيه، و يمنعون من يأخذ عنه، و يستخفّون رأيه، و ينسبونه إلى الضلال، و يعلم ذلك علما ضروريّا صادرا عن النقل المتواتر. فلو كان ذلك يسوغ‏

683

لغيرهم لما عابوه. و قال فيه أيضا: و اعلم أنّك مخبر في حال فتواك عن ربّك، فما أسعدك إن أخذت بالجزم، و ما أخيبك إن بنيت على الوهم، فاجعل فهمك تلقاء قوله تعالى‏ وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏ (1) انتهى.

و في ملاحظة أحوال الرواة أيضا ما يفيد ذلك فقد روى الكشّي عن أبي حنيفة قال له: أنت لا تقول شيئا إلّا برواية؟ قال: أجل‏ (2). و روى الكشّي و غيره من أكثر علمائنا المتقدّمين و خواصّ الأئمّة (عليهم السّلام) أيضا مثل ذلك، بل ما هو أبلغ منه.

و قد صنّف جماعة من قدمائنا كتبا في ردّ الاجتهاد و عدم جواز الأخذ به.

منها: كتاب النقض على عيسى بن أبان في الاجتهاد، و ذكره النجاشي و الشيخ في مصنّفات الشيخ الجليل إسماعيل بن إسحاق عن أبي سهل بن نوبخت.

و منها: كتاب نقض اجتهاد الرأي على ابن الراوندي، ذكره الشيخ في ترجمة إسماعيل المذكور نقلا عن ابن النديم أنّه من مصنّفاته.

و منها: الاستفادة في الطعون على الأوائل و الردّ على أصحاب الاجتهاد و القياس، من مصنّفات عبد اللّه بن عبد الرحمن التبريزي، ذكره النجاشي.

و منها: كتاب الردّ على من ردّ آثار الرسول و اعتمد على نتائج العقول، من مؤلّفات الشيخ الجليل هلال بن إبراهيم بن أبي الفتح المدني، ذكره النجاشي.

و منها: كتاب النقض على ابن الجنيد في اجتهاد الرأي، من مؤلّفات الشيخ المفيد. إلى غير ذلك من الكتب المؤلّفة في هذا الشأن.

أقول: و أنت خبير بأنّه لا دلالة في شي‏ء ممّا ذكر على ما ادّعاه بل لا إشعار فيها على ما ذكره. أمّا عبارة الكليني و الصدوق رحمهما اللّه فلظهور أنّ المقصود ممّا ذكراه عدم جواز الاعتماد في الأحكام الشرعيّة على الظنون العقليّة و الاستحسانات الظنّية و التخريجات التخمينيّة كما هي الطريقة المتداولة بين العامّة. و من البيّن إطباق أصحابنا على المنع منه، و ليس في كلامهما ما يفيد غير ذلك. و ليس مقصودهما عدم جواز الاجتهاد، بمعنى بذل الوسع في فهم الكتاب و الأخبار

____________

(1) سورة البقرة: 169.

(2) رجال الكشي: ص 384، رقم 718.

684

النبويّة و الإماميّة و تمييز الأخبار المعتبرة عن غيرها، و في إجراء القواعد المقرّرة في الشريعة من أصالة البراءة و الإباحة و الاحتياط و غيرها من الاصول الممهّدة في الشريعة.

و أمّا ما ذكره السيّد و الشيخ من المنع من الرجوع إلى الاجتهاد و الأخذ بالظنّ في مذهب الشيعة، فالمراد بالاجتهاد هو المتداول بين العامّة- أعني تحصيل مطلق الظنّ بالحكم- دون الرجوع إلى الأدلة الشرعيّة المقرّرة في الشريعة الّتي قامت عليها الأدلّة، و بذل الوسع في تحصيل الظنّ من تلك المدارك المعيّنة المفيدة للعلم من جهة اخرى.

و الحاصل: أنّ هناك اجتهادا في استخراج الأحكام و لو بمجرّد الظنون العقليّة و نحوها، و اجتهادا في فهم الحكم و استخراجه من الأدلّة المذكورة، و الممنوع منه في كلامهم إنّما هو الأوّل دون الثاني، لوضوح رجوعهم إلى الأدلّة و تحصيل الظنّ بالأحكام الشرعيّة. و الحكم على سبيل الظنّ و الاستظهار عن الأدلّة غير عزيز في كلام السيّد و الشيخ و غيرهما. و قد كان الاجتهاد في كلام الأوائل إنّما يطلق على تحصيل الحكم بالوجه الأوّل، كما يظهر من ملاحظة كتب الاصول.

و من ذلك: ما اشتهر في مقام دفع بعض الوجوه التخريجيّة أنّه اجتهاد في مقابلة النصّ و يشير إليه ذكر القياس و الرأي معه، و مقابلته بالرجوع إلى النصّ و التوقيف. بل في ظاهر العدّة و غيره دلالة على إطلاق الاجتهاد عندهم على خصوص استنباط الحكم بالقياس.

و قد حملوا الاجتهاد الوارد في حديث معاذ على القياس، و جعلوا تلك الرواية دليلا على مشروعيّته و قد ذكروه في باب القياس، و كأنّها و ما في معناها ممّا رووا هي الأصل في إطلاق تلك اللفظة على القياس و الرأي. و المراد بالظنّ الممنوع منه هو مطلق الظنّ من حيث إنّه ظنّ، حيث إنّ المدارك الشرعيّة للأحكام المقرّرة في الشريعة و امور مضبوطة مقرّرة عند الشيعة في الجملة مقطوع بها عندهم، و لا يجوّزون الرجوع إلى مطلق الظنّ كما جوّزه أهل الخلاف.

685

و من البيّن: أنّ الحكم المستفاد ممّا قام على حجّية الأدلّة القطعيّة يكون قطعيّا بحسب الشريعة و إن كانت مصادفته للواقع ظنّية، فهم إنّما يريدون بالدليل القطعي ما يقطع بوجوب العمل به، فإذا كان الدليل قطعيّا بحسب العمل كان كغيره من الأدلّة المفيدة للقطع بالواقع، حيث إنّ المقصود من الفقه تصحيح العمل دون مجرّد الاعتقاد، و المفروض كون ما يفيد العلم بالواقع و ما يفيد العلم بوجوب العمل مشتركين في القطع بالعمل و معرفة التكليف، فلذا صحّ عدّ الأدلّة المذكورة علميّة مفيدة للقطع في مقابلة سائر الأمارات المفيدة للظنّ. و منه يظهر الوجه في عدم تجويزهم للعمل بالظنّ حيث لم يقم عندهم دليل قطعي على جواز الأخذ به، بل قام على خلافه، كما بيّن في محلّه.

و في كلام الشيخ في العدّة ما يشير إلى ما ذكرنا، حيث إنّه دفع استدلال القائلين بالمنع من القياس بالآيات الدالّة على المنع من الحكم بغير العلم، بأنّ للمخالف أن يقول: ما قلنا بالقياس إلّا بالعلم و عن العلم فلم نخالف ظاهر الكتاب و إنّما ظننتم علينا أنّا نعلّق الأحكام بالظنون و ليس نفعل ذلك بل الحكم عندنا معلوم و إن كان الطريق إليه الظنّ، هذا.

و لا يذهب عليك أنّ المستفاد من العبارات المذكورة: أنّ عدم جواز العمل بمطلق الظنّ من الاتّفاقيات بين الخاصّة، و أنّ القول بجوازه من خواصّ العامّة.

و ظاهر ذلك يعطي كون الأصل عندهم عدم جواز العمل بالظنّ إلّا ما قام الدليل القاطع أو المنتهي إلى القطع على خلافه كما هو المختار، لا ما يدّعيه جماعة من متأخّري المتأخّرين من انقلاب الأصل و كون قضيّة الأصل حينئذ حجّية الظنّ إلّا ما قام الدليل على خلافه، فإنّه أشبه شي‏ء بمذهب العامّة، بل عين ما ذهبوا إليه.

و أمّا الوجه الأوّل فهو بعيد جدّا عن طريقتهم كما لا يخفى. و منه يظهر ضعف ما ذكره المحدّث المذكور من كون طريقة المجتهدين موافقة العامّة لا مخالفتهم إلّا نادرا.

ثمّ إنّ ما ذكره الشيخ: من أنّه لا يتعدّى مضمون الأخبار، فهو من الامور

686

المعلومة عند الشيعة، لعدم حجّية القياس عندهم. و الاستناد إلى منصوص العلّة أو مفهوم الموافقة و نحوهما ليس تعدّيا عن الأخبار كما قرّر في محلّه.

و ممّا ذكرنا: يظهر الحال في باقي العبارات المنقولة.

و قد نصّ المحقّق في المعارج: بأنّ الاجتهاد في عرف الفقهاء بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعيّة. قال: و بهذا الاعتبار يكون استخراج الأحكام الشرعيّة من أدلّة الشرع اجتهادا، لأنّها يبتنى على اعتبارات نظريّة ليست مستفادة من ظواهر النصوص في الأكثر، سواء كان ذلك الدليل قياسا أو غيره، فيكون القياس على هذا التقدير أحد أقسام الاجتهاد.

فإن قيل: يلزم على هذا أن يكون الإماميّة من أهل الاجتهاد.

قلنا: الأمر كذلك، لكن فيه إبهام، من حيث إنّ القياس من جملة الاجتهاد، فإذا استثني القياس كنّا من أهل الاجتهاد في تحصيل الأحكام بالطرق النظريّة الّتي ليس أحدها القياس انتهى.

و الحاصل: أنّ اختيار كثير من هؤلاء- كالسيّد و الشيخ و ابن إدريس و المحقّق و أضرابهم- لطريقة المجتهدين أمر ظاهر جليّ معلوم من ملاحظة كتبهم في الاستدلال. و كذا الحال في اعتمادهم على الإجماع و استنادهم إليه في كثير من المسائل ممّا لا مجال لإنكاره، كما ينادي به ملاحظة كتبهم. و كذا الحال في اعتمادهم على كثير من المطالب المقرّرة في الاصول، كما يظهر من الرجوع إلى كيفيّة استدلالهم في المسائل الفقهيّة. و من ملاحظة ما قرّره السيّد في الذريعة و الشيخ في العدّة و المحقّق في المعارج: بأنّ للعامي تقليد العالم و الأخذ بقوله، و حكينا (1) الإجماع عليه.

و بالجملة: أنّ اختيار هؤلاء لطريقة المجتهدين أمر واضح، يكاد يلحق بالضروريّات. فالاستناد إلى ما يوهمه العبارة المذكورة لدفعهم طريقة الاجتهاد و اختيارهم مذهب الأخباريّين من العجائب. و حيث إنّهم لم يقرّروا خلافا بين‏

____________

(1) في «ق» حكيا.

687

الشيعة في الطريقة على حسب ما وقع الاختلاف فيه بين المتأخّرين و لا أشاروا إلى ذلك في شي‏ء من كتبهم الاصوليّة- كالذريعة و العدّة و الغنية و المعارج و كتب العلّامة و غيرها- دلّ ذلك على انتفاء الخلاف في ذلك و إن اختلفوا في بعض الخصوصيّات حسب ما بيّنوا كلّا منها في محلّه.

فما ذهب إليه الأخباريّة من متأخّري علمائنا: من حرمة العمل بالأدلّة الظنّية مطلقا و وجوب تحصيل العلم بالأحكام و انفتاح سبيله على المكلّفين في المسائل الشرعيّة، و المنع من التقليد بالمرّة، فالظاهر أنّه مذهب جديد لم يذهب إليه أحد من علمائنا المتقدّمين قد أحدثه مولانا محمّد أمين الاسترابادي، لزعمه أنّه مذهب قدمائنا، أخذا بما يوهمه بعض إطلاقاتهم من غير إمعان النظر فيما حاولوا من ذلك، و لشبهات عرضت له قد عجز عن حلّها، و زعم أنّها أدلّة على الطريقة الّتي سلكها و سنشير إليها، و نوضح القول في فسادها إن شاء اللّه. كيف! و لو كان ذلك مذهبا معروفا بين علماء الشيعة لذكروه في الكتب الاصوليّة و أشاروا إلى من خالف فيه.

فإن قلت: إنّ علماء الشيعة قد كانوا من قديم الزمان على صنفين: أخباري، و اصولي، كما أشار إليه العلّامة في النهاية و غيره.

قلت: إنّه و إن كان المتقدّمون من علمائنا أيضا على صنفين، و كان فيهم أخباريّة يعملون بمتون الأخبار، إلّا أنّه لم يكن طريقتهم ما زعمه هؤلاء، بل لم يكن الاختلاف بينهم و بين الاصوليّة إلّا في سعة الباع في التفريعات الفقهيّة و قوّة النظر في القواعد الكلّية و الاقتدار على تفريع الفروع عليها.

فقد كانت طائفة منهم أرباب النصوص و رواة الأخبار، و لم يكن طريقتهم التعدّي عن مضامين الروايات و موارد النصوص، بل كانوا يفتون غالبا على طبق ما يروون، و يحكمون على وفق متون الأخبار في المسائل المتعلّقة بالفروع و الاصول، و لم يكن كثير منهم من أهل النظر و التعمّق في المسائل العلميّة ممّن له سعة باع في الاقتدار على الاستدلال في المسائل الكلاميّة و الفروع الفقهيّة و إن‏

688

تصدّوا لذلك أحيانا عند مسيس الحاجة، و هؤلاء لا يتعرّضون غالبا للفروع الغير المنصوصة و هم المعروفون بالأخباريّة.

و طائفة منهم أرباب النظر و البحث عن المسائل، و أصحاب التحقيق و التدقيق في استعلام الأحكام من الدلائل، و لهم الاقتدار على تأصيل الاصول و القواعد الكلّية عن الأدلّة القائمة عليها في الشريعة، و التسلّط على تفريع الفروع عليها و استخراج أحكامها منها، و هم الاصوليّون منهم: كالعمّاني و الإسكافي و شيخنا المفيد و سيّدنا المرتضى و الشيخ (قدّس اللّه أرواحهم) و غيرهم ممّن يحذو حذوهم.

و أنت إذا تأمّلت لا تجد فرقا بين الطريقتين إلّا من جهة كون هؤلاء أرباب التحقيق في المطالب، و أصحاب النظر الدقيق في استنباط المقاصد، و تفريع الفروع على القواعد، و لذا اتّسعت دائرتهم في البحث و النظر، و أكثروا من بيان الفروع و المسائل، و تعدّوا عن متون الأخبار إلى ما يستفاد منها بالفحوى أو بطريق الالتزام أو غيرهما. و اولئك المحدّثون ليسوا غالبا بتلك القوّة من الملكة و ذلك التمكّن من الفنّ، فلذا اقتصروا على ظواهر الروايات و لم يتعدّوا غالبا عن ظاهر مضامينها، و لم يوسّعوا الدائرة في التفريعات على القواعد، و إنّهم لمّا كانوا في أوائل انتشار الفقه و ظهور المذهب كان من شأنهم تنقيح اصول الأحكام الّتي عمدتها الأخبار المأثورة عن العترة الطاهرة، فلم يتمكّنوا من مزيد إمعان النظر في مضامينها، و تكثير الفروع المتفرّعة عليها. ثمّ إنّ ذلك إنّما حصلت بتلاحق الأفكار في الأزمنة المتأخّرة، و لا زالت تتزايد بتلاحق الأعصار و تزايد الأفكار.

هذا، و قد ظهر ممّا ذكرناه: أنّ ما حكاه عن ضرير و أضرابه من اقتصارهم على موارد النصوص ممّا لا منافاة فيه لما ذكرنا، مع ما هناك من البون البعيد بيننا و بين اولئك، لكونهم في عصر الإمام (عليه السّلام) و عدم احتياجهم في كثير من المسائل إلى الاجتهاد، على أنّه لا يبعد أن يكون مقصوده بذلك عدم احتياجه في استنباط الأحكام الشرعيّة إلى القياس و نحوه من التخريجات العقليّة الظنّية ممّا لا يستند

689

إلى صاحب الشريعة، و يؤيّده أنّه قد روى الكشّي (رحمه اللّه) عنه‏ (1) و هذا يشير إلى عمله بظاهر الكتاب من دون حاجة إلى ورود رواية في تفسيره، و أخذه بما يتفرّع عليه من الفروعات و عدم اقتصاره في الأحكام على موارد الأخبار.

و ظهر أيضا ممّا بيّناه: أنّ تصانيفهم المتعلّقة بردّ الاجتهاد و بيان المنع منه ممّا لا ربط له بما نحن فيه، إذ المقصود هناك على ما عرفته هو ردّ ما عليه العامّة العميا من الرجوع إلى القياس أو غيره من سائر الوجوه التخريجيّة و الاستحسانات العقليّة الغير المستندة إلى صاحب الشريعة، و اشتراك ذلك و ما نحن فيه في إطلاق لفظ «الاجتهاد» عليه لا يوجب سريان المنع إلى الاجتهاد بالمعنى المقصود في المقام و هو واضح.

و منها: نصوص الكتاب الدالّة على المنع من الأخذ بالظنّ، و الروايات المتكثّرة بل المتواترة الدالّة على لزوم الأخذ بالعلم و عدم جواز الحكم بالظنّ، و ما دلّ على عدم جواز الإفتاء بالرأي، مثل قوله: اتّقوا اللّه و لا تفتوا الناس بما لا تعلمون‏ (2). و قوله (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم): إيّاك أن تدين اللّه و تفتي الناس بما لا تعلم‏ (3).

و قوله (عليه السّلام): إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا و إذا جاءكم ما لا تعلمون فها (4). و وضع يده على فيه. و قوله (عليه السّلام): رجل قضى بحقّ و هو لا يعلم فهو في النار (5). و قوله (عليه السّلام):

من أفتى الناس و هو لا يعلم الناسخ من المنسوخ و المحكم من المتشابه فقد هلك و أهلك‏ (6). و قوله (عليه السّلام): من دان اللّه بالرأي لم يزل دهره في التباس‏ (7). و قول‏

____________

(1) بياض في الأصل.

(2) البحار: ج 2 ص 113 ح 1، و فيه عن امير المؤمنين (عليه السّلام).

(3) الكافي: ج 1 ص 42 ذيل ح 1، و فيه: عن أبي عبد اللّه، و هكذا لفظه «أنهاك أن تدين اللّه بالباطل و تفتي الناس بما لا تعلم».

(4) وسائل الشيعة: ج 18 باب 6 من أبواب صفات القاضي ص 23 ح 3.

(5) وسائل الشيعة: ج 18 باب 4 من أبواب صفات القاضي ص 11 ح 6.

(6) الكافي: ج 1 ص 43 ذيل ح 9.

(7) وسائل الشيعة: ج 18 باب 6 من أبواب صفات القاضي ص 25 ح 11، و فيه ارتماس.

690

الباقر (عليه السّلام): من أفتى برأيه فقد دان اللّه بما لا يعلم‏ (1). و قول الصادق (عليه السّلام) فيما رواه محمّد بن مسلم و قد قال له: إنّ قوما من أصحابنا قد تفقّهوا و أصابوا علما، و رووا أحاديث فيرد عليهم، و يقولون برأيهم فقال: لا و هل هلك من مضى إلّا بهذا و أشباهه‏ (2). و قوله (عليه السّلام) فيما رواه ابن مسكان عن حبيب قال: قال لنا أبو عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ الناس سلكوا سبلا شتّى، فمنهم من أخذ بهواه، و منهم من أخذ برأيه، و إنّكم أخذتم بما له أصل‏ (3)، يعني بالكتاب و السنّة، و قوله (عليه السّلام): إيّاكم و أصحاب الرأي فإنّهم أعيتهم السنن أن يحفظوها فقالوا في الحلال و الحرام برأيهم، فأحلّوا ما حرّم اللّه‏ (4). و قوله (عليه السّلام) في أصحاب الرأي: استغنوا بحملهم‏ (5) و تدابيرهم من علم اللّه و اكتفوا بذلك دون رسوله، و القوام بأمره، و قالوا لا شي‏ء إلّا أدركته عقولنا و عرفته ألبابنا و أمّا هم ماتوا (6) و أهملهم و خذلهم حتّى صاروا عبدة أنفسهم من حيث لا يشعرون‏ (7). و قوله (عليه السّلام): إيّاك أن تفتي الناس برأيك، أو تدين بما لا تعلم‏ (8) إلى غير ذلك من الأخبار.

فالمستفاد من هذه الروايات و ما يفيد مفادها عدم جواز الاجتهاد في الأحكام الشرعيّة، و المنع من العمل بالاستنباطات الظنّية.

قال في الفوائد الطوسيّة: إنّ الأخبار في هذا المعنى قد تجاوزت حدّ التواتر، و قد جمعنا منها في مواضع اخر أكثر من ألف حديث.

و فيه أمّا أوّلا: فبأنّ المراد بالآيات و الروايات الدالّة على وجوب الرجوع إلى العلم و عدم جواز الأخذ بالظنّ، هو عدم الاكتفاء في الحكم و الإفتاء بالظنّ من‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 باب 6 من أبواب صفات القاضي ص 25 ح 12.

(2) البحار: ج 2 ص 305 ح 51.

(3) وسائل الشيعة: ج 18 باب 6 من أبواب صفات القاضي ص 31 ح 31.

(4) البحار: ج 2 ص 308 ح 69.

(5) كذا، و الظاهر: بحيلهم- في الوسائل بجهلهم.

(6) بياض في الأصل.

(7) وسائل الشيعة: ج 18 باب 6 من أبواب صفات القاضي ص 32 ضمن ح 32.

(8) وسائل الشيعة: ج 18 باب 4 من أبواب صفات القاضي ص 10 ح 3.

691

حيث إنّه ظنّ. و أمّا بعد الأول إلى العلم و قيام الدليل القاطع على تعيين العمل بالوجوه المقرّرة أفادت العلم بالواقع أو لم تفد، فلا ريب أنّ الفتوى و العمل إنّما يكون حينئذ بالعلم دون غيره، فلا تندرج الصورة المفروضة في شي‏ء من الآيات و الروايات المذكورة لعلم المفتي‏ (1) و العامل بكون ذلك هو المقصود منه في الشريعة و المكلّف به في حكم الشرع و إن لم يعلم بكون ذلك هو الحكم الأوّلي.

و قد أشار إلى ذلك الشيخ في العدّة كما مرّ، و الأخبار المانعة عن الفتوى بالرأي إنّما يراد بها ما تداولته العامّة أو ما بمعناه من الاستحسان و نحوه. و أمّا الرجوع إلى الكتاب و السنّة و سائر الاصول المقرّرة في الشريعة فليس من الرجوع إلى الرأي أصلا و إن لم يستفد منها العلم بالواقع، سيّما بعد قيام الدليل القاطع على وجوب الأخذ بها كما هو المدّعى.

و أمّا ثانيا: فبأنّ تلك الروايات و إن سلّم كونها متواترة لكن دلالتها على ما ذكر ليست قطعيّة، فلو لم نقل بأنّ الظاهر منها النهي عن الأخذ بما لا يعلم تجويز الشارع الأخذ به فلا أقلّ من احتمال ذلك و لو احتمالا مرجوحا. و كذا يحتمل ورود التقييد على تلك الإطلاقات فلا يزيد مفادها على الظنّ، ففي الاستناد إليها على المدّعى إبطال لأصل الدعوى.

و أمّا ثالثا: فبأنّه لو سلّم دلالتها على ذلك و جواز الاستناد إليها فيما ذكر، فلا مانع من ورود التقييد عليها بعد ثبوت المقيّد.

و من البيّن: أنّ القائل بحجّية الظنون الخاصّة أو مطلق المظنّة حين انسداد سبيل العلم به إنّما يقول به بدليل قطعي، لما عرفت من عدم حجّية الظنّ من حيث إنّه ظنّ من غير خلاف ظاهر فيه، و ظاهر أنّه بعد ثبوته بالدليل لا وجه للاستناد إلى الإطلاق.

و منها: ما دلّ عليه الأخبار المتواترة بل ضرورة دين الإسلام من أنّ حلال محمّد (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة، فإنّ ذلك ينافي‏

____________

(1) بياض في الأصل.

692

جواز الأخذ بالأدلّة الظنّية، ضرورة أنّ الظنّ ممّا يتغيّر و يتبدّل، و حرام اللّه و حلاله ممّا لا تغيّر فيه و لا تبديل.

و قد قرّر بعضهم هذا الوجه بهذه الصورة، و هي: أنّ كلّ حكم اجتهادي قابل للتغيير، و كلّ حكم قابل للتغيير مخالف للشريعة الإسلاميّة الأبديّة، فينتج أنّ كلّ حكم اجتهادي مخالف للشريعة الإسلاميّة.

و وهنه واضح، أمّا أوّلا: فبأنّه منقوض بما يحكم به الأخباريّون، لجواز الرجوع عن الحكم بالنسبة إليهم أيضا، كما إذا عملوا بالعموم ثمّ عثروا بعد ذلك على خبر يخصّصه، أو فهموا أوّلا من الخبر حكما ثمّ عدلوا عن فهمهم. و إنكار إمكان ذلك في شأنهم مكابرة ظاهرة. و حينئذ فنقول: إنّ حكم الأخباري قابل للتغيير إلى آخر ما ذكر.

و أمّا ثانيا: فبأنّه لو تمّ فإنّما يتمّ لو قلنا بكون ما يفيد الظنّ هو حكم اللّه الواقعي ليكون الأخذ بالظنون هو المطلوب الأوّل. و أمّا إذا قلنا بكون الأخذ به مطلوبا من حيث كشفه عن الواقع و كونه طريقا إليه- ليكون حكما ظاهريّا كما هو المذهب عندنا- فلا، إذ تغيير الأحكام الظاهريّة غير عزيز في الشريعة. و قد اتّفق عليه الفريقان، كما إذا وجد شيئا في أسواق المسلمين فحكم بحلّه ثمّ علم بعد ذلك كونه حراما، أو أخذ لحما من يد مسلم ثمّ علم كونه لحم خنزير أو ميتة، فإنّ حكمه بالحلّ أوّلا حكم ظاهري قد انكشف بعد ذلك خلافه. و لو جعل كلّ من الحلّ و الحرمة المتعلّقين بالموضوع الواحد حكما واقعيّا في المقام فمع وضوح فساده يجري الدليل المذكور بالنسبة إليه أيضا، فلابدّ من الالتزام بفساده و القول بعدم جواز الأخذ بأحد الحكمين المذكورين، و هو واضح الفساد.

فظهر أنّه لا دلالة لأبديّة الأحكام على عدم جواز الأخذ بالاجتهاد القابل للتغيير، إذ لا يتوهّم أحد نسخ الحكم بعد رجوع المجتهد عنه حتّى يلزم انقطاع الحكم و خروجه عن التأبيد، بل ليس اختلاف الحكم من جهة الاختلاف في الاجتهاد و الرجوع عن الحكم الأوّل إلّا ظاهريّا، كاختلاف الحاصل في الحكم‏

693

المتعلّق بالموضوع الواحد من جهة انكشاف خلاف ما ثبت أوّلا، كما عرفت في المثال المذكور، فكما يحكم هناك بالحلّ في وقت و بالحرمة في وقت آخر مع كون الحكم الواقعي المتعلّق بذلك الموضوع المعيّن شيئا واحدا لا يختلف بحسب اختلاف العلم و الجهل به فكذا في المقام، و كما أنّ ذلك لا يقضي بانقطاع حكم الشريعة و خروجه عن التأبيد فكذا الحال في محلّ الكلام.

و أمّا ثالثا: فبأنّه إن أراد بقوله «كلّ حكم اجتهادي قابل للتغيير» أنّه قابل للتغيير بالنسبة الى الموضوع المفروض حينئذ مع جميع خصوصيّاته فممنوع، ضرورة أنّه ما دام المجتهد باقيا على حاله الأوّل لا يمكن تغيير ذلك الحكم في شأنه أصلا. و إن أراد أنّه قابل للتغيير في الجملة و لو بسبب تغيّر حاله، كأن يصير ظانّا بخلاف ما ظنّه أوّلا فمسلّم و لا مانع منه، ضرورة أنّ أبديّة الأحكام لا تقضي بعدم اختلافها بحسب اختلاف أحوال المكلّفين. كيف! و اختلاف صلاة الحاضر و المسافر، و الصحيح و المريض، و القادر و العاجز، من الضروريّات، و لا منافاة فيه لأبديّة الأحكام الثابتة بالضرورة أصلا فكذا الحال في المقام.

و أمّا رابعا: فبأنّه إن أراد بكون كلّ حكم اجتهادي قابلا للتغيير أنّ ما يحكم به المجتهدون من الأحكام قابل للتغيير فهو ممنوع، بل فاسد، لأنّ ما يدركه من الأحكام غير قابل للتغيير عمّا هو عليه، فإنّه إن كان ما أدركه مطابقا للواقع لم يكن قابلا للتغيير عمّا هو عليه و إن أدرك بعد ذلك خلافه. غاية الأمر أن يكون معذورا في خطئه فيه ثانيا، و إن كان غير مطابق للواقع فكذلك أيضا، غاية الأمر أن يكون معذورا في خطئه فيه أوّلا.

و إن أراد به أنّ نفس حكمه و إدراكه قابل للتغيير، بأن يدرك ثانيا خلاف ما أدركه أوّلا فيزول إدراكه الأوّل و يخلفه الثاني فمسلّم، و لا يلزم من ذلك أن يكون إدراكه مطلقا منافيا للشريعة الأبديّة، كما هو قضيّة الكلّية المدّعاة، إذ قبول الإدراك للتغيير إنّما يقضي بعدم الملازمة بينه و بين إصابة الواقع، لأنّه لا يكون مصيبا للواقع مطلقا. و حينئذ فأقصى ما يلزم من الدليل المذكور أنّ ظنون‏

694

المجتهدين قد تصيب الواقع و قد تخطئه. و هذا ممّا اتّفق عليه أصحابنا و اتّفقوا مع ذلك على وجوب العمل بظنّه، إذ لا منافاة بين عدم إصابة الظنّ للواقع و وجوب العمل بمؤدّاه، كما هو الحال في سائر الطرق المقرّرة في الشريعة فلا تغفل.

و منها: أنّ الدليل الدالّ على وجوب عصمة الإمام (عليه السّلام) قاض بعدم جواز الرجوع إلى الظنّ، فإنّهم قالوا باعتبار العصمة في الإمام (عليه السّلام) من جهة حصول الاعتماد بقوله و الوثوق بما يؤدّيه. فقضيّة ذلك أن لا يجب اتّباع ما لا يقطع مصادفته للواقع و يحتمل فيه انتفاء الإصابة نظرا إلى العلّة المذكورة، فكما أنّ جعل الإمام حجّة يقضي بعصمته فيكون كلامه مفيدا للقطع و حجّة قاطعة للعذر في الكشف عن الواقع، كذا كون سائر الوجوه و الأدلّة حجّة على المكلّف يتوقّف على كونها مفيدة للقطع كاشفة عن الواقع ليكون قاطعة لعذر المكلّف.

و من البيّن أنّ رأي المجتهد ممّا لا وثوق بكشفه عن الواقع بالنسبة إلى المجتهد نفسه فكيف لغيره.

و فيه أوّلا: أنّ ذلك منقوض بما يذهب إليه الأخباريّة من جواز رجوع الجاهل إلى العالم و البصير بالأخبار، و كذا اعتماد العالم بقول الثقة.

و من البيّن أنّ قول الواحد لا يفيد العلم بالواقع و لو فرضنا حصول العلم بوثاقته بالمعاشرة الباطنة الموصلة إلى درجة اليقين بالعدالة مع أنّه في كمال الندرة، لعدم بلوغه بذلك إلى درجة العصمة. كيف! و لو كان كذلك لاكتفى بذلك في الإمام أيضا فكيف مع الاكتفاء فيها بحسن الظاهر كما هو المذهب، إذ لا يقطع معه بحصول العدالة فضلا عن القطع بمطابقة ما يحكيه للواقع. فلو تمّ ما ذكروه لقضى باعتبار العصمة في الوسائط الّتي بين المكلّف و بين الإمام في زمان الحضور و في أزمنة الغيبة، مضافا إلى أنّ القواعد المقرّرة في الشريعة لاستكشاف أحكام الموضوعات- كأصالة طهارة الماء، و أصالة صحّة فعل المسلم، و قبول إخبار ذي اليد و نحوها- لا يفيد قطعا، مع أنّ الشارع حكم بجواز الرجوع إليها اتّفاقا من الفريقين، بل إجماعا من المسلمين. و كذا الحال في استصحاب حكم العموم إلى‏

695

أن يأتي المخصّص، و استصحاب الحكم الثابت إلى أن يثبت نسخه. و لو قيل بحصول القطع هناك بتجويز الشرع فهو بعينه جار في المقام، إذ القائلون بحجّية الظنّ إنّما يقولون به لقيام الدليل القاطع عليه لا بمجرّد كونه ظنّا.

و ثانيا: بالفرق الظاهر بين الإمام و المجتهد، فإنّ الإمام (عليه السّلام) أمين اللّه على كافّة الأنام و له الرئاسة العامّة و وجوب الطاعة على الخاصّ و العامّ و هو مرجع الجميع في استفادة الأحكام، و مع ذلك لا يستند في العلم بها إلى الأسباب الظاهرة.

و من البيّن أنّ مجرّد العدالة غير كاف في اطمئنان النفس بمثل ذلك، إذ لا تطمئنّ بقول العدل إذا ادّعى شيئا خارجا عن المعتاد خارقا للعادة الجارية بين الناس، بل يتسارع الظنون إليه بالتهمة.

نعم لو دلّ الدليل على عصمته كان قوله برهانا قاطعا لا مجال لإنكاره.

فالفرق بينه و بين المجتهد ظاهر من وجوه شتّى فاعتبار العصمة فيه لا يقضي باعتبارها في المجتهد الّذي هو بمنزلة الراوي عنهم (عليهم السّلام)، و لا يكون السبيل الّذي يستنبطه ذلك المجتهد قطعيّا بعد القطع بوجوب العمل بمؤدّاه.

و منها: أنّ فتح سبيل العلم على المكلّفين و تكليفهم بالعلم بالأحكام من اللطف، فيجب أن يكون حاصلا لوجوب اللطف على اللّه تعالى. أمّا الصغرى فلما فيه من تقريب العبد إلى الطاعة و إبعاده عن المعصية ما ليس في الظنّ، لوضوح أنّ اليقين أدعى إلى تحصيل الامتثال من الظنّ. و أمّا الكبرى فظاهرة.

و الجواب عنه أمّا أوّلا: فبأنّ العلم و الظنّ مشتركان فيما ذكر إذا كان الظنّ منتهيا إلى اليقين كما هو المفروض في المقام، لظهور كون المكلّف في مقام العمل عالما بالتكليف قاطعا به.

نعم لو قيل بابتناء التكليف على الظنّ من حيث إنّه ظنّ لربما أمكن التمسّك في دفعه بما ذكر. فظهر بذلك فساد ما قد يقال: إنّه مع كون المسألة ظنّية لا ركون‏ (1)

____________

(1) في النسخ: لا كون على ترتّب.

696

على ترتّب الثواب أو العقاب ليكون ذلك داعيا إلى الإقدام و الإحجام، نظرا إلى وضوح ترتّب الثواب أو العقاب على مخالفة الأحكام الظاهريّة لقيامها مقام الواقعيّة. بل قد يقال بإناطة الثواب و العقاب مدار التكليف الظاهري سواء طابق الواقع أو لا و إن أمكن القول باختلاف الثواب و العقاب مع المطابقة و عدمها، و ذلك لا يستلزم التصويب كما لا يخفى.

و أمّا ثانيا: فبالمنع من كلّية الكبرى، إذ ليس كلّ لطف واجبا عليه تعالى. كيف! و ظهور الإمام (عليه السّلام) من اللطف على الوجه المذكور قطعا. و دفع أهل الفساد المانعين من تمكّنه من اللطف كذلك فيكون واجبا عليه تعالى مع أنّ المعلوم خلافه، فلا مانع من أن يكون البناء على الظنّ في أزمنة الغيبة و انقطاع اليد عن الرجوع إلى الأئمّة (عليهم السّلام) من قبيل ذلك. بل يمكن أن يكون ذلك من فروعه، حيث إنّ انسداد سبيل العلم إنّما جاء من جهة غيبة الإمام (عليه السّلام) و خفاء طرق الأحكام فيكون الأمران من قبيل واحد، مضافا إلى أنّ كون التكليف بالعلم لطفا محلّ منع، بل قد يقال بأنّ عدم إلزام المكلّفين بتحصيل اليقين في خصوصيّات التكاليف هو اللطف، لما في إناطة التكليف بخصوص العلم بالأحكام من الحرج التامّ، و لذا اكتفى الشارع في زمانه عن المكلّفين بالأخذ بعدّة من الطرق الظنّية مع انفتاح سبيل العلم حينئذ كما أشرنا إليه في محلّه.

و منها: أنّ الظنّ مداركه مختلفة غير جارية على وجوه منضبطة فلا يكون الأحكام المبتنية عليها جارية على قانون واحد بل يختلف جدّا بحسب اختلاف الآراء، و مثل ذلك لا يصلح أن يكون مدارا للتكليف سيّما بالنسبة إلى عامّة الأنام إلى قيام القيام.

و يوهنه: أنّ ذلك لو تمّ فإنّما يتمّ لو قلنا بكون المرجع هو مطلق الظنّ من أيّ طريق. و أمّا إذا قلنا بكون المناط هو الأخذ بظنّيات خاصّة و التمسّك بقواعد مخصوصة منضبطة كما هو المختار فلا، مضافا إلى أنّ ذلك وجه استحساني لا يصلح حجّة لتأسيس حكم شرعي، و أيّ مانع من اختلاف التكاليف في ظاهر الشريعة على حسب اختلاف الظنون و إن كان الحكم الواقعي أمرا واحدا.

697

و منها: أنّه يتفرّع على بناء التكاليف على الظنون وجوه من الفساد: من إثارة الفتن و إقامة الحروب و سفك الدماء و نحوها، فلا يقع التكليف به من الحكيم. كيف! و ذلك من شبهات العامّة في الاعتذار عمّا صدر من سلفهم من وجوه الفساد في الإسلام من إثارة الحروب و سفك الدماء و هتك الأعراض و نهب الأموال و غيرها.

و يدفعه: أنّ الأخذ بالطرق الظنّية الشرعيّة على الوجه المعتبر في الشريعة لا يفضي إلى شي‏ء من ذلك، بل نقول: إنّها في الانضباط ليست دون الوجوه العلميّة.

و جعل الاجتهاد الشرعي عذرا لإقدام اولئك على الفساد لا يقضي بفساد الرجوع إلى الاجتهاد، مع وضوح فساد دعواهم في ذلك الاستناد. كيف! و ربما يعتذرون لهم بقطع كلّ منهم بشرعيّة ما يأتي به من الفساد، مضافا إلى اتّفاق الفريقين على جواز العمل بالظنّ في الجملة بالنظر إلى الموضوعات. و إثارة الفتن و إقامة الحروب و نحوها إنّما يتفرّع في الغالب على ذلك دون نفس الأحكام الشرعيّة، و اعتذار العامّة عن سلفهم إنّما هو بالنسبة إلى ذلك غالبا، فلو تمّ ذلك لقضى بعدم جواز الرجوع إلى الظنّ في ذلك و لا قائل به.

و منها: أنّ الاجتهاد أمر خفي لابتنائه على الاستنباطات الخفيّة و على الملكة الّتي يقتدر بها على استنباط حكم المسألة و هي أيضا من الامور الخفيّة النفسيّة، فلا يمكن أن يكون مناطا للأحكام الشرعيّة سيّما بالنسبة إلى جميع الامّة.

و وهنه واضح، إذ لا خفاء في شي‏ء من ذلك عند المجتهد، و العامي ليس وظيفته الرجوع إلى الأدلّة، فلا ربط لخفاء وجوه الاستنباط لذلك، و علمه بكون من يقلّده بالغا درجة الاجتهاد يحصل بالرجوع إلى أهل الخبرة أو بغيره ممّا يجي‏ء الإشارة إليه. فنفس الملكة و إن لم تكن ظاهرة إلّا أنّ الطريق أمر ظاهر كما هو الحال في العدالة و غيرها من الملكات، مضافا إلى جريان ذلك على طريقة الأخباريّين أيضا، إذ لابدّ عند المحقّقين منهم في الرجوع إلى الأدلّة الشرعيّة من الاقتدار على فهم الأخبار و الجمع بينها و التمكّن من ردّ الفروع إلى الاصول، و ذلك أيضا من الامور النفسيّة الغير الظاهرة. فلو كان ذلك مانعا لجرى في كلّ من الطريقتين.

698

- المسألة الثانية (*)- [هل يجب تجديد النظر على المجتهد عند تجدّد الواقعة أم لا؟]

أنّهم اختلفوا في وجوب تجديد النظر على المجتهد عند تجدّد الواقعة الّتي اجتهد في حكمها و جواز بقائه على مقتضى اجتهاده الأوّل إلى أن ينساه أو يتغيّر رأيه عنه فيجوز له الإفتاء باجتهاده السابق في الوقائع المتأخّرة من غير حاجة إلى اجتهاد آخر على أقوال:

ثالثها: التفصيل بين نسيان دليل المسألة و عدمه فيجب عليه تجديد الاجتهاد في الأوّل دون الثاني، ذهب إليه المحقّق و السيّد العميدي، و حكي القول به عن الإمام و الآمدي، و عزاه في النهاية إلى قوم، و قال العلّامة في قواعده أنّه تفصيل حسن يقرب من قواعدهم الفقهيّة.

رابعها: التفصيل بين ما إذا قويت قوّته في الاستنباط لكثرة الممارسة و الاطّلاع على وجوه الأدلّة و عدمها فيجب على الأوّل دون الثاني، و قد نفى عنه البعد في الزبدة، و مال إليه الفاضل الجواد في شرحها.

و المحكيّ عليه الشهرة بين الاصوليّين من أصحابنا و العامّة هو القول بعدم وجوب تجديد النظر مطلقا و قد احتجّوا عليه بوجوه:

أحدها: استصحاب الحكم الثابت بالاجتهاد الأوّل.

ثانيها: حصول ما وجب عليه من الاجتهاد بالمرّة الاولى نظرا إلى تعلّق الوجوب بالطبيعة و حصول الطبيعة بالمرّة. و وجوب الإتيان به مرّة اخرى يحتاج إلى قيام دليل عليه عدا ما دلّ على وجوب أصل الاجتهاد، و حيث لم يقم دليل آخر عليه قضى ذلك بالاجتزاء بالمرّة الاولى.

و غاية ما يتخيّل لاحتمال وجوب التجديد إمكان اطّلاعه على ما لم يطّلع عليه في الاجتهاد السابق و هو مع عدم قيام دليل على منعه من الحكم، مدفوع بالأصل، على أنّه لو كان مانعا من الحكم لجرى بالنسبة إلى الواقعة الاولى، مع أنّه لا يجب تكرار النظر بالنظر إليها بالاتّفاق.

____________

(*) المناسب «ثانيها» يعني ثاني الامور، تقدّم أوّلها بلفظ «أحدها» في ص 673.

699

ثالثها: أنّ القول بوجوب تجديد النظر موجب للعسر العظيم و الحرج الشديد المنفي في الشريعة نظرا إلى شيوع تكرّر الوقائع سيّما فيما يعمّ به البلوى، فوجوب تكرّر الاجتهاد بحسبها باعث على ما ذكرنا.

رابعها: جريان السيرة المستمرّة على عدم وجوب التكرار، و لذا لو سئل مجتهد عن المسألة الّتي اجتهد فيها مرّات عديدة لم يتوقّف عن الإفتاء في غير المرّة الاولى بل يفتي اخرى بما ذهب إليه و لا من غير تأمّل أصلا. و ربما يستدلّ له أيضا بإطلاق ما دلّ على حجّية كلّ من الأدلّة الشرعيّة، فإنّ قضيّة ما دلّ على ذلك هو جواز الرجوع إلى كلّ منها و الأخذ بما يدلّ عليه من غير حاجة إلى البحث عمّا يعارضه خرج عن ذلك ما إذا كان الرجوع إليه قبل البحث عن الأدلّة و الاجتهاد في تحصيل حكم المسألة نظرا إلى ما دلّ على وجوب استفراغ الوسع في ملاحظة الأدلّة، فيبقى غير تلك الصورة مندرجا تحت الأدلّة المذكورة فلا يجب الاجتهاد ثانيا و إن زادت القوّة أو نسي ما لاحظه من تفصيل الأدلّة.

و أنت خبير بوهن ذلك لعدم انطباقه على المدّعى، فإنّ أقصى ما يدلّ عليه الاكتفاء حينئذ في الاستدلال بمجرّد الرجوع إلى أحد الأدلّة المذكورة من غير حاجة إلى البحث عمّا يعارضها، و أين ذلك عن المدّعى، على أنّ الظاهر قيام الإجماع على وجوب البحث عن المعارض على فرض الاستدلال بتلك الأدلّة و الأخذ بها، و على القول بعدم وجوب تجديد النظر لا حاجة إلى الرجوع إلى أحد الأدلّة المذكورة أيضا، مضافا إلى أنّ ذلك لا يوافق القول بحجّية الظنون الخاصّة حيث إنّه اقيم الدليل حينئذ على حجّية كلّ واحد منها.

و أمّا على القول بحجّية مطلق الظنّ فإنّما قام الدليل على الرجوع إلى الظنّ بعد بذل الوسع و الاجتهاد في تحصيل الأدلّة، فحينئذ يبقى الكلام في اعتبار الإتيان بالاجتهاد المذكور بالنسبة إلى كلّ واقعة أو يكتفي باجتهاد واحد للجميع، و ليس هناك ما يدلّ على الثاني لو لم نقل باقتضائه الوجه الأوّل. فتأمّل هذا.

و يرد على الأوّل: أنّ الاستصحاب إنّما يكون حجّة عند عدم قيام دليل شرعي‏

700

و لو ظاهر عموم أو إطلاق على خلافه، فلذا لا يقاوم الاستصحاب شيئا من الظواهر و الإطلاقات.

و حينئذ فنقول: إنّ قضيّة العمومات و الإطلاقات الدالّة على عدم جواز الأخذ بالظنّ هو عدم جواز الرجوع إليه و العمل به في شي‏ء من الأحوال و الأزمان، خرج عن ذلك ظنّ المجتهد المطلق بالنسبة إلى الإفتاء الحاصل عقيب الاجتهاد.

و أمّا العمل به بعد الحكم الأوّل فممّا لا إجماع عليه، و قضيّة تلك الإطلاقات هو المنع من الأخذ به و الحكم ثانيا بمقتضاه فلا يصحّ الخروج عن مقتضاه بما ذكر من الاستصحاب.

و يمكن دفعه: بأنّ قضيّة تلك الإطلاقات عدم حجّية الظنّ من حيث هو مع عدم قيام دليل شرعي قاطع على جواز الرجوع إليه، لوضوح أنّه مع قيام الدليل عليه يكون الاتّكال على العلم دون الظنّ، كما مرّت الإشارة إليه. فإذا قضى الاستصحاب بجواز الرجوع إليه كفى في المقام، إذ لا معارضة إذن بينه و بين تلك الإطلاقات حيث إنّها لم تدلّ إلّا على عدم جواز الرجوع إلى كلّ ظنّ لم يقم دليل على حجّيته، فبعد قضاء الدليل بحجّية الاستصحاب و قضاء الاستصحاب بحجّية الظنّ المذكور لا يكون الاتّكال في المقام على الظنّ، بل على الدليل القاطع الّذي ينتهي إليه الظنّ المذكور. فهذا غاية ما يوجّه به التمسّك بالاستصحاب في المقام، و فيه تأمّل.

و على الثاني: أنّ جواز الحكم و الإفتاء بمجرّد الظنّ على خلاف الأصل خرج عنه ما إذا وقع ذلك عقيب الاجتهاد لقيام الإجماع عليه، فيبقى غيره تحت قاعدة المنع، إذ لا دليل على جواز الحكم حينئذ عند تجدّد الواقعة من غير تجدّد النظر.

و على الثالث: أنّه إن سلّم فإنّما ينفي وجوب تجديد النظر مطلقا دون القول بالتفصيل. و مثله يرد على الرابع أيضا، لعدم وضوح قيام السيرة مع نسيان دليل المسألة أو زيادة القوّة زيادة ظاهرة يحتمل بسببها عثوره على دليل آخر أو استدراك وجه آخر للاستنباط.

701

حجّة القول بوجوب تجديد النظر مطلقا، أنّه يحتمل حينئذ تغيّر اجتهاده بعد تجديد نظره، كما يتّفق في كثير من المسائل الظنّية، و مع الاحتمال المذكور لابقاء للظنّ، فلابدّ ثانيا من استكشاف الحال لدفع هذا الاحتمال.

و يدفعه أوّلا: النقض بقيام الاحتمال المذكور قبل إفتائه في الواقعة الاولى أيضا، فلو صحّ ما ذكر لزم تكرّر النظر بالنسبة إليها أيضا، و هو باطل اتّفاقا كما نصّ عليه العضدي، و هو الظاهر من ملاحظة كلماتهم.

و ثانيا: بالمنع من كون قيام الاحتمال المذكور مانعا من حصول الظنّ، و هو ظاهر جدّا.

قلت: و يمكن الاحتجاج للقول المذكور بالإطلاقات المانعة عن العمل بالظنّ حسب ما عرفت بيانه، و حينئذ يتوقّف دفعه على إثبات الجواز بالدليل، فالقاعدة إذن قاضية بوجوب تجديد النظر إلى أن يثبت خلافه.

حجّة القول الثالث: العمومات الدالّة على المنع من الأخذ بالظنّ خرج عنه صورة تذكّر الدليل لما دلّ على حجّية ذلك الدليل و وجوب الأخذ بمقتضاه، فيبقى الباقي تحت دليل المنع. و أيضا من لم يذكر دليل المسألة لم يكن حكمه فيها مستندا إلى الدليل فيكون محظورا، لوضوح حرمة الحكم من غير دليل.

و يرد على الأوّل: أنّه إن سلّم قيام الدليل على حجّية الأدلّة الّتي استند إليها في الحكم للواقعة الاولى بالنسبة إلى سائر الوقائع أيضا كان ذلك الاجتهاد كافيا في الحكم للجميع من غير حاجة إلى تجديد الاجتهاد، و لا فرق حينئذ بين نسيان الدليل و تذكّره، إذ المفروض نسيان خصوصيّة الدليل. و أمّا كون الحكم مستندا إلى الحجّة الشرعيّة فالمفروض علمه به، هو كاف في جواز الأخذ به.

و إن قلنا بأنّ القدر الثابت حجّية تلك الأدلّة نظرا إلى تلك الملاحظة بالنسبة إلى حكم الواقعة الاولى دون غيرها، فلا فرق أيضا في عدم جواز الاستناد إليه بين تذكّر الدليل على سبيل التفصيل و عدمه.

و على الثاني: أنّه إنّما يتمّ إذا لم يذكر استناد الحكم إلى الدليل بأن احتمل عدم‏

702

استناده إلى الدليل رأسا، و أمّا إذا علم استناده إلى الدليل إجمالا لكن لم يذكر تفصيل الدليل على ما هو المفروض في المقام فليس الحكم به حكما بغير دليل، لوضوح كونه حينئذ حاصلا عن الدليل مستندا إليه و إن لم يذكر حين الحكم تفصيله، كيف و لو كان ذلك مانعا عن الحكم لكان نسيان تفصيل الدليل قبل حكمه في الواقعة الاولى مانعا عن الاعتماد عليه بالنسبة إليها أيضا، و لا قائل به ظاهرا.

حجّة القول الرابع: أنّ مزيد القوّة بكثرة الاطّلاع و الممارسة و الاقتدار على استنباط وجوه الدلالة قاض بقوّة احتمال اطّلاعه على ما لم يطّلع عليه في المرّة الاولى، فلا يبقى له ظنّ بصحّة ما حكم به أوّلا. و يمكن أن يستدلّ له أيضا بأنّ ظنّ صاحب القوّة القويّة أقرب إلى إصابة الواقع من غيره. و لذا قدّم تقليد الأفضل على تقليد المفضول، فيكون ظنّه الحاصل من الاجتهاد الثاني هو المتّبع بالنسبة إليه دون ظنّه الأوّل، فلابدّ لتحصيله من تجديد الاجتهاد له.

و يرد على الأوّل: أنّ مجرّد مزيد القوّة لا يقضي بذلك، كيف! و من البيّن عدم اختلاف الحال في الحكم في كثير من المسائل بين زيادة القوّة و نقصها، بل ربما يقطع المجتهد مع زيادة القوّة بعدم اختلاف فهمه للحكم سيّما إذا تذكّر تفصيل الأدلّة، فلا حاجة إلى المراجعة الجديدة.

و منه يظهر الجواب عن الوجه الثاني لاختلاف المسائل في ذلك، فلا يتمّ إطلاق القول بوجوب تجديد النظر مع زيادة القوّة.

و الّذي يقتضيه التحقيق في المقام أن يقال: إنّ الإفتاء الثاني إمّا أن يكون عقيب الأوّل من غير تراخ عنه أو مع التراخي، مع استحضاره لدليل المسألة و استقصائه فيه- بحيث يعلم عدم تغيير رأيه مع تجديد النظر كما يتّفق في كثير من المسائل- أو عدمه بأن يكون ناسيا للدليل أو يحتمل تجدّد رأيه بتجدّد النظر. فإن كان الإفتاء الثاني عقيب الأوّل الحاصل عقيب الاجتهاد في المسألة فالظاهر أنّه لا مجال للتأمّل في عدم توقّفه على النظر الجديد، إذ المفروض وقوع الإفتاء المذكور عقيب النظر و الاجتهاد و إن سبقه الإفتاء الأوّل، إذ لا يعقل مانع من‏