هداية المسترشدين - ج3

- الشيخ محمد تقي الأصفهاني النجفي المزيد...
732 /
153

[هل العموم من عوارض الألفاظ خاصّة أو المعاني أيضا؟]

أحدها: أنّه من عوارض الألفاظ و لا يطلق العامّ إلّا عليها و إطلاقها على المعاني مجاز، و حكي عن جماعة من الخاصّة و العامّة كالسيّد و ظاهر الفاضلين و الشهيد و شيخنا البهائي و أبي الحسين البصري و الغزالي و البيضاوي و عزي ذلك إلى الأكثر بل حكي عن البعض المنع من إطلاقه في غير الألفاظ حقيقة و مجازا.

ثانيها: أنّه حقيقة في المعنى الأعمّ من الأمرين و حكي عن جماعة منهم القاضي و العضدي.

ثالثها: أنّه مشترك لفظي بين الأمرين ذهب إليه الشيخ في ظاهر العدّة و حكاه عن قوم من الاصوليّين.

حجّة القول الأوّل وجوه:

الأوّل: أنّه حقيقة في شمول الألفاظ اتّفاقا، حكاه الجماعة المذكورون فيكون مجازا في غيره دفعا للاشتراك.

الثاني: أنّه المتبادر منه عند الإطلاق، و هو علامة الحقيقة و عدمه علامة المجاز.

الثالث: أنّه لو كان حقيقة لاطّرد فيقال عمّ الإنسان و عمّ الجدار و عمّ البلد مع أنّه لا يطلق معها، إلّا أن يقال: إنّه لا بدّ في الإطلاق من حصول معناه على الوجه المذكور المأخوذ في التسمية و هو غير حاصل في تلك الموارد و لذا قيل باختصاصه بالمعاني العرضية و هو مطّرد فيه فيكون علامة على الحقيقة.

حجّة الثاني: الأصل لإطلاقه على الأمرين فيكون حقيقة في القدر المشترك دفعا للاشتراك و المجاز و أنّ العموم لغة الشمول و هو حاصل في المقامين.

و حجّة الثالث: أنّه اشتمل على الوجهين فيكون حقيقة في الأمرين.

قلت: لا يخفى أنّ محلّ النزاع في هذه المسألة غير منقّح في كلامهم بل الخلاف فيه غير متصوّر، فإنّ العموم قد يطلق على شمول شي‏ء لأشياء في حصوله لها فيكون المشمول مباينا للشامل- كما في عموم المطر للأراضي و عموم الخصب للبلاد و عموم الجود للأشخاص و عموم الحاجة للممكنات- و قد يطلق على‏

154

عمومه في الصدق عليها- كما هو الحال في عموم المفاهيم الكلّية كالإنسان و الحيوان لمصاديقها- و هذا هو العموم الملحوظ عند أهل المعقول، و قد يدرج ذلك في المعنى الأوّل على أن يراد به شمول شي‏ء لأشياء إمّا صدقا أو حصولا، و قد يطلق على شمول اللفظ في الدلالة لجميع جزئيّات مدلوله أو أجزائه- حسب ما مرّ- فإن كان الكلام في تعيين مفاد العموم بحسب اللغة فمن الواضح الّذي لا مجال للريب فيه كونه في اللغة بمعنى الشمول الصادق على الوجه الأوّل على نحو الحقيقة و لذا يصحّ الحكم بالعموم في تلك الموارد بحسب الإطلاقات العرفيّة على سبيل الحقيقة من غير ريبة، و لا يبعد القول بشموله للمعنى الثاني لشمول تلك المعاني لجزئيّاتها فالملحوظ في تلك المفاهيم و الكلّيات عند أهل المعقول نحو من الشمول اللغوي إلّا أنّه على حسب ما اعتبروا من شمول المفهوم لجزئيّاته يعمّ المعاني و هو حينئذ لا يصدق على شمول اللفظ للمعنى قطعا. و قد يورد في المقام:

بأنّ شمول المطر للأماكن و شمول الخصب للبلاد و شمول الموت للأشخاص و نحوها ليس من حقيقة الشمول، فإنّ كلّ فرد منها يختصّ شخصا و محلّا فليس ذلك من حقيقة الشمول فيكون الإطلاق مجازا. و هو واضح الفساد، إذ ليس المقصود شمول الخصوصيّات و الأفراد بل المدّعى شمول الكلّي و القدر الجامع بينها للجميع و هو حاصل قطعا، و حينئذ فهذا المعنى غير حاصل بالنسبة إلى الألفاظ إذ لا حصول للألفاظ بالنسبة إلى معانيها.

نعم يتمّ ذلك بالنسبة إلى ملاحظة دلالتها عليها لشمول الدلالة حصولا بالنسبة إلى الكلّ و إن كان الكلام في العموم الاصطلاحي أعني استغراق اللفظ في دلالته على حسب ما مرّ، فمن الواضح أنّه يخصّ الألفاظ و لا يثبت للمعاني فإنّ استغراق دلالة اللفظ على جزئيّات مدلوله أو أجزائه كما هو المصطلح لا يعقل انفكاكه من اللفظ و لا يمكن إثباته للمعاني قطعا، و كون الاستغراق في الحقيقة وصفا للدلالة و هي غير اللفظ لا يقضي بكون استغراق دلالة اللفظ وصفا لغير اللفظ و هو ظاهر، فليس هناك معنى يصحّ وقوع النزاع فيه، فيمكن أن يعود النزاع هنا لفظيّا كما نبّه‏

155

عليه بعض الأعلام قائلا «إنّه إن اريد بالعموم استغراق اللفظ لمسمّياته على ما هو مصطلح أهل الاصول فهو من عوارض الألفاظ خاصّة، و إن اريد شمول أمر لمتعدّد عمّ الألفاظ و المعاني، و إن اريد شمول مفهوم لأفراد كما هو مصطلح أهل الاستدلال اختصّ بالمعاني» و قد يقال: إنّ شمول اللفظ لمسمّيات معناه نحو من الشمول اللغوي فالنسبة بينه و بين اللغوي من قبيل العموم و الخصوص، و حينئذ فيمكن تقرير النزاع في أنّ الشمول على ما هو مفاد العموم لغة هل يختصّ بمعناه الاصطلاحي فيكون من عوارض الألفاظ خاصّة أو أنّه يعمّ غيره أيضا؟ و حينئذ يبتني الخلاف على أنّ المعاني الذهنيّة هل هي امور موجودة في الأذهان أو لا؟

فعلى الأوّل يتّصف بالعموم قطعا و على الثاني لا يعقل العموم في غير الألفاظ على الوجه المذكور، إذ لا يتصوّر عموم الشي‏ء الخارجي لأشياء متعدّدة، ألا ترى أنّ المطر و الخصب لا عموم في الموجود منهما في الخارج، إذ الموجود منهما في كلّ مكان غير الموجود في الآخر. فالعموم إنّما يتصوّر للكلّي الجامع بينها و هو مفهوم ذهني لا وجود له عند الجماعة.

قال العضدي: إنّ الإطلاق اللغوي أمره سهل إنّما النزاع في واحد متعلّق بمتعدّد، و ذلك لا يتصوّر في الأعيان الخارجيّة إنّما يتصوّر في المعاني الذهنيّة و الاصوليّون ينكرون وجودها. فكأنّه أراد بذلك أنّ العموم و الشمول بمعناه اللغوي ممّا لا يتّصف به شي‏ء من المعاني على سبيل الحقيقة إذ المراد بها الأعيان الخارجيّة و هي لا يعقل اتّصافها بشمول، و إن اريد بها المعاني الذهنيّة فهي غير موجودة عندهم فكيف يتّصف بالشمول فيكون النزاع حينئذ في أمر عقلي لا لفظي. و الظاهر أنّه لا يساعده ظاهر أدلّتهم المذكورة على أنّ ما ذكره من امتناع شمول الواحد للمتعدّد في الأعيان الخارجيّة غير متّجه، لإمكان شمول المكان لمتمكّنات عديدة و كذا شمول الظرف لمظروفات شتّى، و شمول الخباء لأشخاص كثيرين، و هكذا، و ليس ذلك خارجا عن معناه الحقيقي له.

[ألفاظ العموم‏]

قوله: (انّ للعموم في لغة العرب صيغة تخصّه ... الخ.)

قد يقال: إنّ الظاهر أنّ المراد بالعموم هنا هو العموم المصطلح- أعني استغراق‏

156

اللفظ لجميع ما يصلح له- و حينئذ فالقول بأنّ هنا صيغة تدلّ على ذلك غير ظاهر، فإنّ ما يفيده اللفظ هو عموم المعنى لا عموم اللفظ، و حمل العموم في المقام على إرادة شمول المعنى بعيد، إذ مع خروجه عن ظاهر الاصطلاح لا يقول الأكثر باتّصاف المعاني به إلّا على سبيل المجاز- كما عرفت- و أيضا فالظاهر كون الخلاف في وضع اللفظ بإزاء العموم حسب ما يعطيه ملاحظة أدلّتهم و ليست الألفاظ المذكورة موضوعة بإزاء العموم و إنّما العموم كيفية ملحوظة في معانيها.

قلت: لا مانع من أن يراد بالعموم في المقام معناه المصطلح، فإنّ المراد أنّه هل للعموم بالمعنى المذكور صيغة تدلّ عليه- بأن يكون ذلك اللفظ دالّا على استغراقه لما يصلح له- فلا منافاة في التعبير المذكور لما هو المقصود، فإنّه إذا دلّ اللفظ على الاستغراق لما يصلح له صحّ أن يقال باستغراق ذلك اللفظ لما يصلح له، و انّ ذلك الاستغراق مدلوله بحسب الوضع و إن لم يكن الاستغراق المذكور عين الموضوع له، فليس المراد بكون الصيغة مختصّة بالعموم أن يكون العموم تمام معناه الموضوع له بل المراد به أن لا يكون مشتركا بينه و بين غيره و لا مختصّا بالغير.

ثمّ لا يخفى أنّ التعبير المذكور يعمّ ما لو كان اللفظ المفروض موضوعا للعموم أو يكون العموم من لوازم معناه- كما هو الحال في النكرة في سياق النفي على ما هو المختار- فإنّ الاختصاص قابل للوجهين إلّا أنّ الظاهر أنّ مقصودهم بذلك هو الوضع له بخصوصه حسب ما يستفاد من ملاحظة أدلّتهم.

ثمّ اعلم أنّ الألفاظ الدالّة على العموم قد تكون هي بنفسها عامّة فتكون دالّة على معانيها على سبيل العموم و الشمول، و قد يكون اللفظ دالّا على العموم لكن ذلك العموم لم يكن وضعا لمعناه بل لمعنى آخر فيكون العامّ هو اللفظ الدالّ على ذلك المعنى و تكون إرادة العموم من اللفظ الأوّل باعثا على عموم ذلك اللفظ- كما في لفظ كلّ و نظائره- فإنّ العامّ إنّما هو مدخوله و هو أداة العموميّة و حينئذ فالموضوع للعموم إنّما هو الأداة المذكور دون اللفظ الآخر، فمحلّ الخلاف في المقام هو ما يعمّ الوجهين و لذا عدّوا لفظة «كلّ» و نظائره من ألفاظ العموم.

***

157

معالم الدين:

أصل‏

الجمع المعرّف بالأداة يفيد العموم حيث لا عهد. و لا نعرف في ذلك مخالفا من الأصحاب. و محقّقوا مخالفينا على هذا أيضا. و ربّما خالف في ذلك بعض من لا يعتدّ به منهم، و هو شاذّ ضعيف، لا التفات إليه.

و أمّا المفرد المعرّف؛ فذهب جمع من الناس إلى أنّه يفيد العموم.

و عزاه المحقّق إلى الشيخ. و قال قوم بعدم إفادته، و اختاره المحقّق و العلّامة، و هو الأقرب. لنا: عدم تبادر العموم منه إلى الفهم، و أنّه لو عمّ لجاز الاستثناء منه مطّردا، و هو منتف قطعا.

احتجّوا بوجهين، أحدهما: جواز وصفه بالجمع، فيما حكاه البعض من قولهم: «أهلك الناس الدرهم البيض و الدينار الصّفر».

الثاني: صحّة الاستثناء منه، كما في قوله تعالى:

«إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا».

و اجيب عن الأوّل: بالمنع من دلالته على العموم؛ و ذلك لأنّ مدلول العامّ كلّ فرد، و مدلول الجمع مجموع الأفراد، و بينهما بون بعيد.

و عن الثاني: بأنّه مجاز؛ لعدم الاطّراد.

و في الجواب عن كلا الوجهين نظر:

أمّا الأوّل؛ فلأنّه مبنيّ على أنّ عموم الجمع ليس كعموم المفرد، و هو خلاف التحقيق، كما قرّر في موضعه.

158

و أمّا الثاني، فلأنّ الظاهر: أنّه لا مجال لإنكار إفادة المفرد المعرّف العموم في بعض الموارد حقيقة؛ كيف و دلالة أداة التعريف على الاستغراق حقيقة و كونه أحد معانيها، ممّا لا يظهر فيه خلاف بينهم؛ فالكلام حينئذ إنّما هو في دلالته على العموم مطلقا، بحيث لو استعمل في غيره كان مجازا، على حدّ صيغ العموم الّتي هذا شأنها. و من البيّن: أنّ هذه الحجّة لا تنهض بإثبات ذلك، بل إنّما تثبت المعنى الأوّل الّذي لا نزاع فيه.

فائدة مهمّة:

حيث علمت أنّ الغرض من نفي دلالة المفرد المعرّف على العموم، كونه ليس على حدّ الصيغ الموضوعة لذلك، لا عدم إفادته إيّاه مطلقا، فاعلم: أنّ القرينة الحاليّة قائمة في الأحكام الشرعيّة غالبا، على إرادة العموم منه، حيث لا عهد خارجيّ، كما في قوله تعالى:

«وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا»

و قوله (عليه السّلام): «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شي‏ء»، و نظائره، و وجه قيام القرينة على ذلك امتناع إرادة الماهيّة و الحقيقة؛ إذ الأحكام الشرعيّة إنّما تجري على الكلّيّات باعتبار وجودها، كما علم آنفا.

و حينئذ، فإمّا أن يراد الوجود الحاصل بجميع الأفراد أو ببعض غير معيّن. لكن إرادة البعض ينافي الحكمة؛ إذ لا معنى لتحليل بيع من البيوع، و تحريم فرد من الربا، و عدم تنجيس مقدار الكرّ من بعض الماء، إلى غير ذلك من موارد استعماله في الكتاب و السنّة؛ فتعيّن في هذا كلّه إرادة الجميع، و هو معنى العموم.

و لم أر أحدا تنبّه لذلك من متقدّمي الأصحاب، سوى المحقّق- (قدس اللّه نفسه)- فإنّه قال في آخر هذا البحث: «و لو قيل: إذا لم يكن ثمّ معهود، و صدر من حكيم، فإنّ ذلك قرينة حاليّة تدلّ على الاستغراق، لم ينكر ذلك».

159

[الجمع المعرّف بالأداة]

قوله: (الجمع المعرّف بالأداة.)

لا خلاف بينهم- على ما نصّ عليه غير واحد منهم- في إفادة الجمع المحلّى باللام للعموم حيث لا عهد، و يشهد لذلك بعد اتّفاقهم عليه ملاحظة العرف و الإطلاقات. فالمسألة ظاهرة إلّا أنّ هناك تأمّلا في امور:

أحدها: أنّ دلالته على العموم هل هي من جهة وضعه له بخصوصه أو أنّه يفيده من جهة اخرى؟ و على الأوّل فالموضوع للعموم هل هو المجموع المركّب أو أنّ اللام هي الموضوعة لإفادته فتكون أداة للعموم.

ثانيها: أنّ تقييدهم إفادته العموم بما إذا لم يكن عهد هل هو من جهة اشتراط الواضع ذلك في وضعه للعموم فيكون له وضعان في حالتين أو من جهة كونه قرينة صارفة عن العموم فاعتبروا عدمه؟ و على كلّ من التقديرين فلا يخلو الكلام عن الإشكال، إذ الأوّل كأنّه عديم النظير في الأوضاع اللغويّة، و على الثاني أيّ وجه لتخصيص القرينة المذكورة من بين القرائن الصارفة؟

ثالثها: أنّ المراد بانتفاء العهد أن لا يكون هناك عهد معلوم أو ما يعمّه و المظنون أو ما يعمّهما و المحتمل، و سنبيّن لك حقيقة الحال في ذلك كلّه إن شاء اللّه.

و اختلفوا في إفادة المفرد المحلّى باللام لذلك: فعن المحقّق و الشهيد الثاني عدم دلالته على العموم و هو المحكيّ عن أبي هاشم و جماعة من المحقّقين و عزي إلى أكثر البيانيّين و الاصوليّين و عن الشيخ في العدّة و شيخنا البهائي عدم دلالته على العموم و حكي ذلك عن المبرّد و الشافعي و أبي علي الجبائي و الحاجبي و البيضاوي و عزاه في التمهيد إلى جماعة من الاصوليّين و جعله المعروف من مذهب البيانيّين. و حكاه الآمدي عن الأكثرين و نقله الرازي عن الفقهاء.

و الحقّ أنّه عند التجرّد عن القرائن لا يفيد العموم و إن لم تكن إرادة الاستغراق منه خروجا عن مقتضى وضعه و استعمالا له في غير ما وضع له.

و تحقيق الكلام في المرام يحصل برسم مقامات:

160

[المقام‏] الأوّل في بيان الجنس و اسم الجنس أفراديا و جمعيّا و علم الجنس و المعرّف بلام الجنس و غيرها و النكرة و الجمع و اسم الجمع‏

فنقول: أمّا الجنس فهو اسم الماهيّة الكلّية المأخوذة لا بشرط شي‏ء من القيودات الزائدة عليها. و المراد بالماهيّة المأخوذة في الحدّ هو الكلّي الّذي دلّ عليه جوهر الكلمة مع قطع النظر عن لواحقه، فمفهوم الواحد جنس و إن كانت الوحدة ملحوظة فيه، إذ ليست قيدا زائدا عليه و إنّما لوحظ المجموع‏ (1) باعتبار واحد، و في المثنّى و المجموع لحاظان فبملاحظة المفرد فيهما مع اعتبار التثنية و الجمعيّة معه لا يعدّان من الجنس، و بملاحظة التثنية و الجمع بأنفسهما يمكن عدّهما من الجنس، إذ جنس التثنية و الجمع أيضا من الأجناس.

و قد ظهر بما ذكرنا: أنّ أسماء الإشارة ليست من أسماء الأجناس بناء على ما هو التحقيق من وضعها لخصوصيّات الجزئيّات، و كذا الحال في الجمع بالنسبة إلى معنى الجمعيّة لو قلنا بأنّ لفظ الجمع موضوع لكلّ واحد من مراتب الجمع بالوضع العامّ ليكون وضعه عامّا و الموضوع له خاصّا، و لا ينافي ذلك ملاحظة الجنسيّة بالنسبة إلى كلّ واحد من المراتب فلا ينافي ما قدّمناه فتأمّل.

قال بعض الأفاضل: لا اختصاص لجنسيّته بالمفردات بل قد يحصل للجمع لا بمعنى أنّ المراد من الجمع هو الجنس الموجود في ضمن جماعة بل بمعنى أنّ الجماعة أيضا مفهوم كلّي، فيقال: إنّ لفظة رجال مع قطع النظر عن اللام و التنوين موضوعة لما فوق الاثنين و هو يشمل الثلاثة و الأربعة و جميع رجال العالم انتهى ملخّصا.

أقول: ما ذكره من وضع الجمع للمعنى الشامل لمراتبه ليكون الموضوع له فيه‏

____________

(1) خ ل: المفهوم.

161

أيضا عامّا محلّ تأمّل. و الظاهر أنّ صيغ الجموع موضوعة لنفس آحاد ما فوق الاثنين من مصاديق الجماعة لا أنّ نفس مفهوم الجماعة ما وضعت لها، فإذا دخلت عليها لام الجنس كانت اللام فيها إشارة إلى مطلق الجنس الحاصل في ضمن الأفراد، فتارة لا يلاحظ وجوده في ضمن المتعدّد بل يكون الملحوظ مجرّد الماهيّة فيكون مفاده كالمفرد المعرّف به، كما تقول: فلان يركب الخيل أو لا أتزوّج النساء، فإنّه ليس المراد ركوبه لما زاد على الدابّتين أو عدم تزويج ما زاد على الإثنتين منهنّ و لا مجاز في لفظ الجمع كما توهّم على ما سنبيّنه إن شاء اللّه تعالى.

و تارة يلحظ الجنس من حيث وجوده فيما زاد على الاثنين و إرادة جنس الجماعة المفهوم من الجمع و إن أمكن إلّا أنّه كأنّه بعيد عن اللفظ فظهر بذلك ما في كلامه- زيد في إكرامه- فلا تغفل.

و اسم الجنس عبارة عن اللفظ الموضوع لتلك الماهيّة المطلقة من دون ملاحظة الأفراد و التعدّد على ما هو ظاهر إطلاقاتهم فليس المثنّى و المجموع من اسم الجنس و إن اشير بهما إلى الجنس- كما في لا أتزوّج الثيّبات فيما أشرنا إليه- و قد صرّح بوضع أسماء الأجناس للماهيّة المطلقة غير واحد من محقّقي أهل العربيّة- كنجم الأئمّة و الأزهري- و هو ظاهر التفتازاني في مطوّله. و ذهب بعضهم إلى وضعه للفرد المنتشر- كالنكرة- و الأوّل هو الأظهر، لتبادر نفس الجنس عند سماعه مجرّدا عن اللواحق الطارئة، و لأنّه المفهوم منه عند دخول اللام عليه أو «لا» الّتي لنفي الجنس، و لو كان موضوعا للفرد المنتشر لكان مجازا أو موضوعا هناك بالوضع الجديد. و كلاهما في غاية البعد، إذ لا وجه لالتزام التجوّز في مثله مع كثرته و عدم خروجه عن الظاهر- كما يظهر بالتأمّل في الإطلاقات- و القول باختصاص وضعه بتلك الحال كأنّه خروج عن ظاهر الطريقة في الأوضاع، و لا يرد ذلك في النكرة نظرا إلى كونها حقيقة في الفرد المنتشر، إذ يمكن أن يقال بكون نفس اللفظ فيها دالّا على الجنس و التنوين على الخصوصيّة. فوضعه للجنس المطلق لا ينافي إطلاقه على الفرد مع دلالة شي‏ء آخر على إرادة الخصوصيّة

162

بخلاف ما لو قيل بوضعه للفرد، إذ لا يمكن إرادة الجنس منه إذن على الحقيقة.

فظهر بما بيّنّا أنّ النكرة دالّة على الفرد المنتشر لا بوضع واحد بل بوضعين، فإنّ نفس اللفظ تدلّ على الجنس المطلق و التنوين اللاحق له على كون ذلك الجنس في ضمن فرد، فيدلّ مجموع الاسم و التنوين على الفرد المنتشر، و هذا هو المراد بكون النكرة حقيقة في الفرد المنتشر لا بمعنى أنّها موضوعة للفرد المنتشر بوضع مخصوص، فلا تغفل.

و من هنا يظهر مؤيّدا آخر لما ذكرناه من وضع أسماء الأجناس للماهيات المطلقة فإنّها القابلة لاعتبار ما يدلّ عليه الطوارئ الطارئة على اللفظ من اللام و التنوين و علامتي التثنية و الجمع من الخصوصيّات، فإنّه إذا دلّ مجرّد اللفظ على المعنى المطلق صحّ تقييده بتلك القيود بخلاف ما لو قلنا بوضعها للفرد.

و المعرّف بلام الجنس هو ما دخل عليه لام الجنس و هي التي يشار بها الى الجنس فتفيد تعريف الجنس و الإشارة إليه، فنفس اللفظ و إن دلّ على الجنس إلّا أنّه لا يفيد تعريفه و الإشارة إليه من حيث إنّه معيّن بل إنّما يدلّ عليه مطلقا، و إنّما يستفاد التعيين من اللام الداخلة عليه. فما ذكره نجم الأئمّة «من أنّ هذه الفائدة ممّا يقوم بها نفس الاسم المجرّد عن اللام فالحقّ أنّ تعريف اللام في مثله لفظي» ليس على ما ينبغي و سيظهر لك حقيقة الحال.

و علم الجنس ما وضع للجنس بملاحظة حضوره و تعيّنه في الذهن، فمدلوله كمدلول المعرّف بلام الجنس و لذا كانا من المعارف، و مجرّد اسم الجنس و إن دلّ على الماهيّة- كما مرّ- إلّا أنّ مدلوله لم يتقيّد بشرط الحضور.

فإن قلت: إنّ اللفظ إشارة إلى معناه فلا يكون مدلوله إلّا حاضرا في الذهن فما الفارق بين الأمرين.

قلت: فرق ظاهر بين حصول الصفة للشي‏ء و اعتباره معه، فالماهيّة إذا اخذت مطلقة كانت منكّرة، لعدم ملاحظة التعيين معها فلفظ أسد يدلّ على الماهيّة المعروفة من غير تقييدها بالحضور في الذهن، و إن لزمها الحضور عند دلالة اللفظ

163

عليها فهو دالّ على الماهيّة المطلقة و الحضور في الذهن من لوازم الدلالة، و لفظة «اسامة» موضوعة للماهيّة الحاضرة في الذهن فالحضور و التشخّص في الذهن مأخوذ في وضعها.

و بتقرير أوضح: قد يوضع اللفظ للماهيّة الخارجيّة سواء حصل عند العقل أو لا لكن دلالة اللفظ عليها يستلزم حصولها فيه حال الدلالة فليس خصوص المقيّدة بالحصول هو الموضوع له.

و قد يوضع للماهيّة المقيّدة بالحصول في الذهن فالحصول بالفعل فيه قيد للوضع مأخوذ فيه و ليس ما عداه من موضوع اللفظ، فالأوّل هو حال الوضع في اسم الجنس و الثاني هو الحال في علم الجنس و المعرّف بلام الجنس و العهد الذهني. فظهر بذلك ما في كلام نجم الأئمّة حيث بنى على أنّ التعريف في اللام لفظي في الجنس و الاستغراق و العهد الذهني و أنّ اللام المفيدة للتعريف حقيقة هي الّتي للعهد الخارجي لا غير، و بنى أيضا على أنّ التعريف في علم الجنس من قبيل التعريف اللفظي، قال- بعد توجيه كلامهم في جعل الأعلام الجنسيّة من المعرّف الحقيقي- أقول: إذا كان لنا تأنيث لفظي كغرفة و بشرى و نسبة لفظيّة نحو كرسي فلا بأس أن يكون لنا تعريف لفظي إمّا باللام- كما ذكرنا قبل- و إمّا بالعلميّة كما في اسامة، انتهى. فعلى هذا لا فرق بين اسم الجنس و علم الجنس في المعنى و كذا بينه و بين المعرّف بلام الجنس و إنّما الفرق بينهما في الامور اللفظيّة.

قلت: و تنقيح المرام يتمّ ببيان معنى التعريف في المقام، فنقول: إنّ التعريف هو تعيين الشي‏ء و إحضاره في الذهن من حيث كونه معيّنا. إمّا في الخارج أو في الذهن، فلا منافاة بين الكلّية و التعريف، إذ الكلّي متعيّن في الذهن فإن اريد من حيث تعيينه فيه كان معرفة و إلّا كان نكرة، فلفظ إنسان مع قطع النظر عن لواحقه العارضة له نكرة، لدلالتها على الطبيعة المطلقة، و كذا لو لحقها التنوين بل يزيده تنكيرا إذا كان تنوين التنكير، و لو لحقه لام التعريف كانت إشارة إلى الطبيعة الحاضرة في الذهن، إذ بنفس لفظة «الإنسان» تحضر الماهيّة المخصوصة في الذهن‏

164

فيشار باللام إليها، فيكون لفظة «الإنسان» معرّفا إشارة إلى الشي‏ء المعيّن فيكون معرفة. فتبيّن إذن فرق بيّن بين إنسان و الإنسان و أسد و اسامة و إن كان اللفظ إشارة إلى المعنى فيهما، إلّا أنّ الأوّل إشارة إلى المعنى مع عدم تعيّنه فيتعيّن بتلك الإشارة و الثاني إشارة إلى المعنى المتعيّن قبل تلك الإشارة فتأمّل.

و ممّا ذكرنا ظهر الوجه في كون الضمائر العائدة إلى النكرات معرفة، و ذلك لتعيّن معانيها في الذهن و إرادة ذلك المعيّن من ضمائرها كما هو الحال في المعهود الذكري إذا كان نكرة كما في قوله تعالى‏ إِلى‏ فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى‏ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ‏ (1) و بالجملة المعرفة ما دلّ على معنى معيّن و ذلك التعيّن إمّا أن يكون لتعيّن المعنى بذاته- كما في الأعلام الشخصيّة- أو لضمّ ما يعيّنه كذلك، إمّا في الخارج- كما في الضمائر الراجعة إلى النكرات المعيّنة بحسب الواقع و أسماء الإشارة إذا اشير بها إليها- فإنّ تقدّم المرجع و خصوصيّة الإشارة بها قاض بتعيّن معانيها، أو في الذهن- كما في المعرّف بلام الجنس- و نحوه علم الجنس لوضعه للماهيّة الحاضرة في الذهن- كما مرّ- و هي بهذه الحيثيّة معيّنة مشخّصة فيه و يجري القسمان الأخيران في الموصولات و المضاف إلى المعرفة. فما ذكره (رحمه اللّه) من «أنّ التعريف في المعرّف بلام الجنس و غيره ممّا مرّ لفظي» ليس على ما ينبغي، لما عرفت من ظهور الفرق بين الماهيّة المرسلة و المقيّدة بالحضور في الذهن، كيف! و لو لا ذلك لجرى ما ذكره في الموصولات و الضمائر و أسماء الإشارة و المضاف إلى المعارف. و القول بنفي التعريف عن جميع ذلك حينئذ خروج عن كلام القوم، بل نقول بجريان ما ذكره في المعرّف بلام العهد أيضا إذا كان المعهود كلّيا- كما في قولك أكرم رجلا و ليكن الرجل عالما- إذ ليس التعريف هناك إلّا من جهة كونه إشارة إلى المعنى الحاضر بالبال المتقدّم في الذكر، فلا تعيّن له إلّا من الجهة المذكورة و هي بعينها جارية في جميع المذكورات.

و قد اعترف (رحمه اللّه) بكون اللام في العهد الخارجي مفيدا للتعريف على الحقيقة

____________

(1) المزمّل: 73.

165

و العهد الذكري من أوضح صوره هذا. و قد ظهر بما قرّرنا أنّه ليس التعريف في الاستغراق إلّا من الجهة المذكورة دون تعيّن معناه بحسب الواقع من جهة استغراقه لجميع الآحاد، إذ لو كان ذلك باعثا على التعريف لجرى في غيره من- نحو كلّ رجل و كلّ عالم- و لا يتوهّم أحد اندراجه في المعرفة، إذ لا تعيّن له بأحد الوجوه الثلاثة المذكورة فلا تغفل.

فإن قلت: على ما ذكرت يكون اسامة و الأسد اسمين للصورة الذهنيّة الحاصلة في العقل فإطلاقهما على الفرد يكون مجازا، و عن الحاجبي أنّ أعلام الأجناس وضعت أعلاما للحقائق الذهنيّة كما اشير باللام في نحو اشتر اللحم إلى الحقيقة الذهنيّة فكلّ واحد من هذه الأعلام موضوع لحقيقة في الذهن متّحدة فهو إذن غير متناول غيرها وضعا، و إذا اطلق على فرد من الأفراد الخارجيّة- نحو هذا اسامة مقبلا- فليس ذلك بالوضع بل لمطابقة الحقيقة الذهنيّة لكلّ فرد خارجي مطابقة كلّ كلّي عقلي لجزئيّاته الخارجيّة.

قال نجم الأئمّة: و لم يصرّح المصنّف بكون استعماله في الفرد الخارجي مجازا و لا بدّ من كونه مجازا على مذهبه قال: و كذا ينبغي عنده أن لا يقع اسامة على الجنس المستغرق خارجا فلا يقال: إنّ اسامة كذا إلّا الأسد الفلاني، لأنّ الحقيقة الذهنيّة ليس فيها معنى الاستغراق كما ليس فيها التعيين انتهى.

و يظهر منه بعد ذلك إسناده الوجه المذكور إلى النحاة و إلزامه عليهم ما ألزمه على الحاجبي. و لا يخفى عليك أنّ التزام ذلك في غاية البعد، إذ المحتاج إليه في غالب الاستعمالات هو الحكم على الأفراد الخارجيّة و الإخبار عنها و بيان أحوالها فيلزم التجوّز في غالب استعمالاتها و هو في غاية البعد، بل لا وجه للقول به، فيلزم من فساد اللازم المذكور بطلان ملزومه، و هو ما ذكر في معنى المعرّف بلام الجنس و الأعلام الجنسيّة.

قلت: لا يلزم على ما ذكرنا أن يكون أعلام الأجناس و نحوها أسامي للصور الذهنيّة، بل نقول إنّها أسامي للامور الخارجيّة من حيث كونها متصوّرات عند

166

العقل حاضرات لديه فإنّ لفظة «الأسد» مع قطع النظر عن اللام إشارة إلى الجنس الخارجي على ما هو التحقيق من وضع الألفاظ للمعاني الخارجيّة دون الصور الذهنيّة فبتكلّمنا بنفس اللفظ تحضر الماهيّة الخارجيّة في الذهن، و اللام- كما يأتي بيانه- للإشارة فيكون المعرّف بها إشارة إلى الطبيعة الخارجيّة الحاضرة في الذهن و هو ما أردناه، و كذا الحال في أعلام الأجناس بل و كثير من المعارف، ألا ترى أنّ المعهود الذكري اسم للشي‏ء الخارجي من حيث معهوديّته في الذكر و حضوره عند العقل فهو مع كونه إشارة إلى الشي‏ء الحاضر عند العقل اسم للشي‏ء الموجود في الخارج فتبيّن عدم المنافاة بين الأمرين فعلى هذا لا يلزم من استعماله في الأمر الخارجي مجاز في الاستعمال في شي‏ء ممّا ذكر. و ما ذكره المحقّق الاسترآبادي مبنيّ على القول بكونه اسما لنفس الحقيقة الذهنيّة كما يتراءى من المنقول من كلام الحاجبي، و هو خلاف التحقيق و قد يؤول كلامه بما ذكرناه فلا تغفل.

هذا و قد عرفت ممّا بيّناه تحقيق الحال فيما مرّ من المفرد المعرّف بلام الجنس و أعلام الجنسيّة و أنّه لا فرق بينهما إلّا في كون المفرد المعرّف إشارة إلى الطبيعة الحاضرة بواسطة اللام و علم الجنس اسما لذلك. و لا يذهب عليك أنّ الفرق المذكور يرجع إلى شيئين:

أحدهما: في كون الدالّ على الحضور في الذهن جوهر الكلمة في الثاني و في الأوّل أداة التعريف.

ثانيهما: أنّ في المعرّف معنى الإشارة من جهة اللام بخلاف العلم فإنّه اسم للطبيعة الحاضرة فهناك تقييد في نفس تركيب في المعنى بخلافه. فما يظهر من الفاضل السمرقندي من انحصار الفرق بينهما في الأوّل- حيث ذكر في الفرق بينهما أنّ علم الجنس دلّ بجوهره على حضور الماهيّة في الذهن و المعرّف بواسطة اللام- ليس على ما ينبغي. و قد ظهر أيضا من البيان المذكور معنى النكرة و الفرق بينهما و بين كلّ من اسم الجنس و علمه و المعرّف بلامه، و كذا يتبيّن معنى الجمع و الفرق بينه و بين المذكورات.

167

و أمّا اسم الجمع فالظاهر أنّه كالجمع في المعنى و إنّما الفرق بينهما في أنّ للجمع مفردا من لفظه بخلاف اسم الجمع، نعم لا يبعد أن يقال بكون الجمع اسما لخصوص مراتبه- كما مرّ- و أمّا اسم الجمع فيحتمل القدر المشترك بين الجمع فيكون الوضع و الموضوع له فيه عامّين.

و أمّا اسم الجنس الجمعي فهو كغيره من أسماء الأجناس فيكون موضوعا لمطلق الجنس لكن الفرق بينهما أنّه خصّ في الاستعمالات بما فوق الاثنين، فعدم إطلاقه على الواحد و الاثنين من جهة الاستعمال لا الوضع كذا ذكره نجم الأئمّة فتأمّل.

أمّا المعرّف بلام العهد و الاستغراق فيتبيّن عند بيان معنى العهد و الاستغراق و سيظهر ذلك في المقام الآتي إن شاء اللّه.

المقام الثاني في بيان معنى اللام‏

اعلم أنّ هناك معان استظهرت للّام لا بأس لو نقلناها ثمّ أتبعناها بما هو التحقيق في المقام.

فنقول المعاني المذكورة لها ثلاثة: أحدها الجنسيّة و هي نوعان:

أحدها: أن تكون إشارة إلى الجنس من حيث هو من دون ملاحظة شي‏ء من خصوصيّات الأفراد و الجزئيّات كما في قولهم «الرجل خير من المرأة» فإنّه ليس المراد بالرجل سوى ماهيّة الرجل من حيث هي و لذا لا دلالة فيه لفظا على خيريّة شي‏ء من أفراده بالنسبة إلى أفراد المرأة، فيصدق الحكم المذكور و لو كان جميع أفراد المرأة في الخارج خيرا من أفراد الرجل.

ثانيهما: أن يراد به الجنس لكن لا من حيث هو بل بملاحظة الفرد فيتعلّق الحكم فيه بالجنس من جهة حصوله في ضمن الفرد كما في قولك: «لا أتكلّم المرأة و لا أتزوّج النساء و لا أشرب الماء إلى غير ذلك» فإنّ الحكم فيها لا يتعلّق‏

168

بالجنس من حيث هو بل إنّما تعلّق به بملاحظة حصوله في الأفراد، فيثبت هناك حكم الفرد كلّيا في النفي و جزئيّا في الإثبات أو كلّيا أيضا فيما يأتي بيانه إن شاء اللّه و كان الغالب في لام الجنس هو الثاني.

ثانيها: الاستغراق و هو أن يكون إشارة إلى جميع أفراد مدخوله و هو أيضا قسمان: حقيقي و عرفي و يفسّران بوجهين:

أحدهما: ما ذكره التفتازاني في مطوّله و هو أنّه إن كان المراد جميع أفراد المفهوم من اللفظ حقيقة كان الاستغراق حقيقيّا، كما في قوله تعالى‏ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ (1) فإنّ المراد من لفظة «الشي‏ء» مطلق الشي‏ء لغة. و إن كان المراد جميع أفراد المفهوم منه عرفا في ذلك المقام كان الاستغراق عرفيّا، كما في قولك:

جمع الأمير الصاغة، فإنّ المتبادر منه عرفا في خصوص المقام هو صاغة البلد أو مملكة الأمير فيكون الاستغراق بالنسبة إلى ذلك المعنى لا ما وضع له.

و ثانيهما: ما ذكره التفتازاني في شرح المفتاح و تبعه السيّد الشريف و جعله بعض المحقّقين أقرب إلى التحقيق و هو أنّ الشمول إن كان حقيقيّا بأن لا يخرج عنه شي‏ء من أفراد متعلّقه كان الاستغراق حقيقيّا، و إن لم يكن شموله كذلك لكن يعدّ في العرف شمولا كان الاستغراق عرفيا، فالاستغراق الحقيقي على المعنيين لا اختلاف فيه. و أمّا العرفي فيختلف بملاحظة اختلاف العرف في المقامات على التفسيرين، و الفرق بين المعنيين أنّ الخروج من مقتضى الحقيقة اللغويّة في الاستغراق على الأوّل في مدخول الأفراد و الاستغراق فيها على حدّ سواء و على الثاني يكون الخروج في الاستغراق فيكون التصرّف في نفس الأداة.

أقول: لا يخفى أنّ ملاحظة العرف في مدخول اللام في جعل الاستغراق عرفيّا ممّا لا يتمّ، إذ لو بني على ذلك لزم أن يكون جميع الألفاظ المستعملة في غير معانيها اللغويّة- ممّا استعملت في حقائها العرفيّة أو مجازاتها اللغويّة- إذا تعلّقت بها أداة الاستغراق من الاستغراق العرفي لا الحقيقي، و ذلك ما لا يتوهّمه أحد

____________

(1) الحديد: 57.

169

منهم. فليس المناط في كون الاستغراق حقيقيّا أو عرفيّا كون مدخوله مستعملا في حقيقته الأصليّة أو فيما يفهم منه في العرف الطارئ مطلقا و لو بمعونة المقام، فتعيّن البناء على الوجه الثاني في تعيين القسمين. فالاستغراق الحقيقي ما يكون شموله حقيقيّا، و العرفي ما كان الشمول فيه عرفيّا. لكن لا يخفى عليك أنّ البناء على ما ذكر يشكل أيضا بأنّ الشمول في قولك: «جمع الأمير الصاغة» ليس شمولا لجميع أفراد الصاغة ليكون جمعه بجميع صيّاغ مملكته منزّلا في العرف منزلة جمع جميع صاغة العالم كما لا يخفى.

و كان التحقيق في المقام أن يقال باتّحاد مدخول اللام في الحالين و المقصود من أداة العموم الداخل على اللفظ هو الشمول و الاستغراق فيهما، لكن قد يراد منها الشمول لجميع أفراد مدخولها، و قد يراد بها الشمول لنوع خاصّ يساعد عليه المقام أو العرف فالأوّل هو الحقيقي و الثاني هو العرفي. فلا فرق بينهما بملاحظة مدخول الأداة و لا في إرادة الشمول بها، و إنّما الفرق بينهما في كيفيّة الشمول لا غير. فتدبّر جدّا.

و ثالثها: أن يكون للعهد أي الإشارة إلى المعهود و هو على ما فسّره التفتازاني أن يكون إشارة إلى حصّة من الحقيقة معهودة بين المتكلّم و المخاطب واحدا كان أو إثنين أو جماعة، و عنه في التلويح تحديده اللام الّتي للعهد بما اشير إلى حصّة معيّنة من الحقيقة.

قلت: و تخصيص العهد بكونه إشارة إلى الحصّة خلاف الظاهر، فإنّ المعهود قد يكون جنسا بل و جميع الأفراد فإنّه إذا تقدّم ذكر الجنس أو جميع الأفراد ثمّ اشير بالمعرّف باللام إليه من حيث تقديمه في الذكر و معهوديّته عند المخاطب كان اللام للعهد عند التحقيق.

فالحقّ التعميم في ذلك، و لذا فسّره بدر الدين بما يعمّ الإشارة إلى الحصّة و غيرها حيث عرّفه بأنّه ما عهد مصحوبها بتقدّم ذكر أو علم، و كذا أطلق المحقّق الاسترابادي في تحديده. و كان الحامل له على التخصيص أنّ ملاحظة المعهوديّة

170

اعتبار زائد لا حاجة إليه مع إرادة الجنس أو الاستغراق، إذ يمكن الاهتداء إليهما من دون ملاحظة كونهما معهودا بخلاف ما لو كان إشارة إلى الحصّة إذ تعريف الحصّة المخصوصة إنّما يكون بالعهد.

و أنت خبير: بأنّ ما ذكر إنّما يفيد عدم لزوم اعتبار العهديّة عند إرادتهما لا عدم صحّته لو اعتبرت. غاية الأمر أن لا يكون فائدة في اعتبارها على أنّه يتصوّر فيه بعض الفوائد أيضا كما لا يخفى.

ثمّ إنّ ما ذكره من تخصيص العهد بكونه بين المتكلّم و المخاطب غير متّجه أيضا، إذ يكفي فيه المعهوديّة عند المخاطب إذا علم به المتكلّم و إن لم يكن معهودا بينهما. و لذا فسّره نجم الأئمّة بالّتي عهد المخاطب مطلوب مصحوبها قبل ذكره و هو ظاهر إطلاق العبارة المنقولة عن بدر الدين. و قد يقال: إنّ مراده بمعهوديّته بينهما مجرّد علمهما به و لا يخفى بعده عن العبارة. ثمّ إنّ العهد قد يكون خارجيّا، كقولك: خرج الأمير و حكم القاضي، إذا لم يكن في البلد أميرا و قاضيا مشتهرا غيره، و قد يكون ذكريّا إمّا مصرّحا به سابقا كقوله تعالى‏ كَما أَرْسَلْنا إِلى‏ فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى‏ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ‏ (1) أو مذكورا ضمنا و قد يعبّر عنه بالعهد التقديري كما في قوله تعالى‏ وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى‏ (2) فإنّ خصوص الذكر غير مذكور سابقا لكن قولها نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً (3) يدلّ عليه بالالتزام، و قد يكون حضوريّا إمّا محسوسا كقولك لمن يشتم رجلا بحضرتك: لا تشتم الرجل، أو غيره كما في قوله تعالى‏ آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ‏ (4) و الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ‏ (5) هذا و اعلم أنّ الفرق بين كلّ من الجنس و الاستغراق واضح لا خفاء فيه. و قد يفرق بينهما و بين العهد بأنّ العهد إشارة إلى الحصّة بخلاف الآخرين، فإنّ أحدهما إشارة إلى نفس الطبيعة الحاضرة و الآخر إلى جميع الأفراد. و فيه: ما قد

____________

(1) المزمّل: 15 و 16.

(2) آل عمران: 36.

(3) آل عمران: 35.

(4) يونس: 91.

(5) المائدة: 3.

171

عرفت من أنّ العهد قد يكون إشارة إلى نفس الطبيعة أو إلى جميع الأفراد. و قد يفرق أيضا بأنّ العهد يتوقّف على علم سابق بخلافهما. و فيه: أنّ العهد الحضوري لا يتوقّف على علم سابق، إذ هو إشارة إلى الحاضر حال التكلّم كما أنّ اللام الّتي للجنس إشارة إلى الماهيّة الحاضرة في الذهن بلا فارق بينهما إلّا في كون الحضور في أحدهما خارجيّا و الآخر ذهنيّا. فالأظهر في بيان الفرق أن يقال: إنّ العهديّة يتوقّف على أمر خارج عن مدلول اللفظ به يتحصّل العهد من تقدّم ذكر أو حضور حال التكلّم و نحوهما بخلاف الجنس و الاستغراق إذ لا حاجة فيهما إلى ذلك، فإنّ الأوّل إشارة إلى الطبيعة الحاضرة عند سماع مدخوله له، فيكون اللام إشارة إليه من غير حاجة إلى ملاحظة أمر آخر غير مدخوله و نظيره القول في الاستغراق.

نعم قد يكون فهمه في بعض المقامات متوقّفا على قيام دليل دالّ على عدم إرادة الجنسيّة- كما في المفرد المعرّف على ما يأتي- و ليس ذلك ممّا يحصل به الاستغراق و إنّما هو صارف له عن إرادة الجنسيّة بخلاف العهد فإنّ قوامه بالمعرفة الخارجيّة.

و قد ظهر ممّا قرّرناه عدم اندراج العهد الذهني في أفراد العهد، إذ الانتقال هناك إلى الفرد ليس بسبب معهوديّته و حصول العلم به خارجا عن تلك العبارة، بل من جهة عدم صحّة تعلّق ذلك الحكم إلّا بالجنس في ضمن بعض الأفراد خاصّة كما في قولك: أكلت اللحم و شربت الماء، و أكله الذئب، و مررت على اللئيم و نحو ذلك، فإنّ الامور المذكورة ممّا لا ربط لها بالطبيعة من حيث هي و إنّما يتعلّق بها في ضمن الأفراد، و لا يراد في ضمن جميع الأفراد إمّا لعدم قابليّتها لذلك- كما هو ظاهر في كثير من أمثلته- أو لدلالة المقام على خلافه. و الحاصل أنّ الانتقال إلى الفرد إنّما يكون من الجنس بتوسّط القرينة القائمة في المقام، فاللام إشارة إلى الجنس و يكون الفعل المتعلّق به دالّا على كون ذلك الجنس في ضمن بعض الأفراد كما لا يخفى بعد التأمّل في موارد استعماله.

و توضيح المقام: أنّ المعرّف بلام الجنس قد يكون متعلّقا بالفعل أو الترك‏

172

و على التقديرين إمّا أن يقع متعلّقا للتكليف أو الأخبار، و على الأوّل يكون المراد هو الطبيعة في ضمن بعض الأفراد، و على الثالث يراد في ضمن الجميع لتوقّف الترك عليه و كذا على الرابع في وجه قويّ، فكما يعدّ بعض ذلك من لام الجنس قطعا فليعدّ الباقي أيضا من ذلك، لاتّحاد المناط في الجميع. و بالجملة أنّا لا نعقل فرقا في المستعمل فيه في قولك «أهن اللئيم و مررت على اللئيم و لا تكرم اللئيم و ما رأيت اللئيم» فإنّه قد جعل المتعلّق للحكم في كلّ منها هو جنس اللئيم و لا يتعلّق ذلك الحكم المذكور إلّا بالفرد غير أنّه في الثاني في ضمن أحد الأفراد، و هذا القدر اللازم في الأوّل، و لا يكون الثالث إلّا بتركه في ضمن الجميع و لا الرابع إلّا مع انتفائه في الكلّ، و هذه كلّها خارجة عن مدلول نفس اللفظ و إنّما يأتي بملاحظة المقام، فلا وجه لجعل بعضها لتعريف الجنس و بعضها لإرادة الفرد فردا مّا بل المستعمل فيه في الجميع واحد، فليس المعرّف باللام في المقام مستعملا في خصوص فرد مّا كما قد توهّم، و ممّا قد يشير إلى ذلك ملاحظة ما ذكرناه من أمثلة الوجه الثاني من وجهي الجنس، لوضوح أنّ اللام هناك ليس لتعريف شي‏ء من الأفراد و قد نصّوا على كونه لتعريف الجنس مع عدم تعلّق الحكم المتعلّق به إلّا بالطبيعة في ضمن الفرد فكذا في المقام. و تفصيل الكلام في المرام أنّ المعرف باللام في نحو مررت على اللئيم يحتمل وجوها:

أحدها: أن يراد به الطبيعة المطلقة الحاضرة في الذهن من غير أن يراد به خصوص الفرد أو يطلق عليه و إنّما يفهم حصول تلك الطبيعة في ضمن الفرد من نسبة المرور إليه فيكون الخصوصيّة مفهومة من الخارج من غير أن يكون لللفظ فيه مدخلية.

ثانيها: أن يراد بها الطبيعة مع الخصوصيّة الحاصلة في ذلك الفرد بأن يستعمل في مجموع الأمرين فيكون مستعملا في خصوص الفرد الّذي وقع المرور عليه.

ثالثها: أن يراد به الطبيعة مع خصوصيّة مّا ليكون مستعملا في فرد مّا من الطبيعة كما هو المفهوم للمخاطب عند سماع الكلام إذ لا يتعيّن عنده شي‏ء من الأفراد.

173

رابعها: أن يراد به الفرد و يطلق عليه لا من حيث خصوصيّته بل من حيث مطابقته لتلك الحقيقة فيكون ما استعمل فيه اللفظ حينئذ هو تلك الطبيعة المطلقة إلّا أنّه اطلق على الفرد مع إرادة تلك الطبيعة منه. و الحال في الوجه الأوّل ظاهر لكونه مستعملا فيما وضع له قطعا فهو حقيقة بلا إشكال. و بيان الحال في الوجوه الاخر يتوقّف على تفصيل القول في إطلاق الكلّي على الفرد و بيان الحال فيه.

فنقول: إنّ اطلاق الكلّي على فرده يتصوّر على وجهين:

أحدهما: أن يستعمل في الطبيعة و الخصوصيّة بأن يراد منه خصوص الفرد و لا شكّ إذن في كونه مجازا لاعتبار غير الموضوع له معه فيما استعمل اللفظ فيه فيكون مفاد ذلك اللفظ مخصوصا بما استعمل فيه من الفرد من غير أن يصدق على غيره، ضرورة عدم صدق تلك الخصوصيّة المأخوذة فيه على غيره فينحصر مدلول ذلك اللفظ فيه، و من ذلك أيضا أن يستعمل في الطبيعة و خصوصيّة ما في الجملة و ذلك بأن يراد منه فرد ما لاعتبار غير الموضوع له فيكون مجازا أيضا.

ثانيهما: أن يستعمل في الطبيعة المطلقة و يطلق على الفرد من جهة انطباقه على الطبيعة و صدقها عليه لا من جهة خصوصيّته و تشخّصه، و إن شئت قلت: إنّه يستعمل في الفرد من جهة انطباقه على الطبيعة فالطبيعة المطلقة مرادة منه قطعا غير أنّ ما اطلق عليه الفرد من جهة كونه مصداقا له متّحدا معه فقد اطلق اللفظ مع إرادة الطبيعة منه على الفرد لاتّحاده معه. ألا ترى أنّ «هذا الرجل عالم» يفيد ثبوت مفهوم الرجوليّة لذلك الفرد، فهو بمنزلة حمل ذلك المفهوم عليه حملا متعارفا و إن كان هناك فرقا بينهما يأتي الإشارة إليه، و هو بخلاف ما إذا استعمل في خصوص الفرد فإنّه لا يراد منه إذا معناه الكلّي بل المستعمل فيه هو خصوص الفرد، فيكون حمله على ذلك الفرد حملا ذاتيّا لاتّحاد الموضوع و المحمول فيه بالذات و لذا كان اللفظ هناك مجازا و هاهنا حقيقة، لاستعمال اللفظ فيما وضع له من غير ضمّ شي‏ء إليه.

فإن قلت: لا شكّ في كون الفرد مغايرا للطبيعة من جهة اشتماله على‏

174

الخصوصيّة فإن اريد من اللفظ الطبيعة المطلقة فلا إشارة فيه إذا إلى الفرد و لم يطلق عليه، و إن اطلق على الفرد كان المستعمل فيه مغايرا للموضوع له- حسب ما ذكر- فكيف! يدّعى استعماله فيه مع فرض اطلاقه على الفرد. و بالجملة أيّ فرق بين الإطلاق على الفرد و الاستعمال فيه؟ مع أنّ إطلاق اللفظ على المعنى هو استعماله فيه، و حينئذ فبعد فرض استعماله في الطبيعة المطلقة كيف يقال بإطلاقه على خصوص الفرد، و هل هو إلّا من قبيل استعمال اللفظ في معناه الحقيقي و المجازي.

قلت: لمّا كان الفرد متّحدا مع الطبيعة في الخارج و كانت النسبة بين الطبيعة و التشخّص نسبة اتّحادية بحسب الخارج كان هناك اعتباران:

أحدهما: ملاحظة الفرد من حيث كونه هي الطبيعة. و الآخر: من حيث اشتماله على التشخّص فإن اطلق عليه اللفظ بملاحظة الجهتين معا كان مستعملا في خصوص الفرد و كان مجازا- حسب ما قدّمناه- و إن استعمل فيه من جهة كونه هي الطبيعة نظرا إلى اتّحادها معه كان حقيقة و لم يكن اللفظ مستعملا إلّا في الطبيعة.

غاية الأمر أنّ تلك الطبيعة مقيّدة في الواقع بالتشخّص. لا يقال: على هذا يكون المستعمل فيه هو الطبيعة المقيّدة مع خروج القيد عن المستعمل فيه فيكون التقييد معتبرا فيه و هو معنى الحصّة، و كما أنّ استعمال الكلّي في الفرد ليس استعمالا فيما وضع له كذلك الحال في الحصّة لدخول التقييد فيها و إن كان القيد خارجا. لأنّا نقول: إنّه ليس المستعمل فيه في المقام هو الحصّة من الطبيعة بل ليس مستعملا إلّا في مطلق الطبيعة الحاصلة هناك، إذ من البيّن أنّ الطبيعة لا بشرط حاصل في الطبيعة مع شرط شي‏ء، فالتقييد و القيد خارجان عن المستعمل فيه و إن كانا من لوازم ما اطلق عليه، فخصوصيّة الحصّة و الفرديّة غير ملحوظة فيما استعمل اللفظ فيه و إنّما هما من لوازم إطلاقه على الفرد. و من الظاهر أيضا أنّ دلالة اللفظ على الطبيعة اللابشرط أعني ما استعمل فيه في المقام غير مفتقر إلى ملاحظة قرينة تفيده، إذ المفروض وضعه بإزائها فلا حاجة في استعماله فيها إلى‏

175

القرينة. و أمّا في إطلاقه على الفرد أعني كون المستعمل فيه هو تلك الطبيعة المقيّدة بحسب الواقع و إن كان القيد و التقييد خارجين عنه فيفتقر الى ضمّ قرينة إليه حتّى يعلم ذلك، كأن يقول «هذا الرجل و هذا الفرس و هذا البساط» فإنّ كون الرجل و الفرس و البساط بدلا أو عطف بيان لهذا دالّ على إطلاقه على ذلك، و حينئذ يقال بإطلاق الكلّي على فرده و كون المستعمل فيه هو الطبيعة الحاصلة في ضمنه فصحّ القول بإطلاق الكلّي حينئذ على فرده و استعماله في الطبيعة المطلقة.

و إن شئت قلت باستعماله في الفرد و في الطبيعة لاتّحادهما من الجهة المذكورة، إلّا أنّ ذكر الإطلاق على الفرد كأنّه أوضح في المقام من ذكر الاستعمال فيه، لظهور الأخير في اعتبار الخصوصيّة. و كيف كان فظهر أنّه ليس إطلاقه على الفرد و استعماله في الطبيعة إطلاقا له على معنيين كما توهّم في الإيراد. و ممّا يوضح ما قرّرناه ملاحظة قولك «هذا رجل و هذا الرجل» فإنّه لا تجوّز في شي‏ء منهما قطعا.

و من الواضح أنّه قد استعمل الرجل في الطبيعة المطلقة في المثالين من غير إطلاقه على الفرد في المثال الأوّل و إنّما حمل عليه ليفيد اتّحادهما في الوجود و في المثال الثاني قد اطلق على الفرد، و لذا كان قولك «هذا رجل» مشيرا به إلى البساط كذبا لا غلطا، بخلاف قولك «هذا الرجل» مشيرا به إليه فإنّه غلط، و ليس ذلك إلّا لإطلاقه ذلك على الفرد مع عدم اتّحاده مع مفهوم الرجل و عدم مناسبته له؛ و قد ظهر بما قلناه أنّ حمل الكلّي على الفرد غير إطلاقه عليه، غير أنّ إطلاقه على الفرد يستلزم حمله عليه كما لا يخفى.

إذا تقرّر ما ذكرناه فقد اتّضح الحال في كلّ من الوجوه الثلاثة الأخيرة فإنّ كلّا من الوجهين الأوّلين منها مجاز لاعتبار ما يزيد على الطبيعة في كلّ منهما و الثالث حقيقة لاستعماله في مطلق الطبيعة و إنّما اطلق على الفرد حسب ما عرفت.

بقي الكلام في تعيين المراد بالمعهود الذهني من الوجوه المذكورة فنقول: إنّ الّذي يقتضيه الأصل في ذلك هو الوجه الأوّل، لوضع مدخول اللام للطبيعة المطلقة و كون اللام للتعريف، فيكون لتعريف تلك الطبيعة و لا يدلّ الحكم بالمرور عليه إلّا

176

على كون الطبيعة في ضمن الفرد و هو لا ينافي إرادة الطبيعة اللا بشرط من اللفظ، ضرورة أنّ الماهيّة لا بشرط شي‏ء يجامع ألف شرط. و قد ذكروا مثل ذلك في الماهيّات المطلقة المتعلّقة للأحكام الشرعيّة، إلّا أنّ هذا الوجه بعيد عن ظاهر كلماتهم، إذ لا ربط له إذا بالإشارة إلى الفرد و لا لمعهوديّته في الذهن، إلّا أن يجعل ذلك بسبب ما يعلم من دلالة القرينة على كون ذلك في ضمن الفرد و هو مخالف لظاهر كلامهم. فالوجه الرابع أقرب الى ظاهر كلماتهم بل هو ظاهر كلام التفتازاني في المطوّل، و الظاهر أنّ اللام حينئذ إشارة أيضا إلى الطبيعة غير أنّ تلك الطبيعة حاصلة في ضمن الفرد لإطلاق اللفظ عليه فكأنّها إشارة إليه بالتبع من جهة اتّحاده بالطبيعة. و لمّا كان أحد أفراد الطبيعة من الامور المعهودة في الأذهان و كان اللام إشارة إليه تبعا- حسب ما ذكرنا- عدّ ذلك من لام العهد.

و أنت خبير: بأنّ ذلك ليس من حقيقة العهد في شي‏ء، إذ لا معهود هناك حقيقة و لا يراد «باللام» الإشارة إليه فليس هناك تعريف للفرد على حسب غيره من العهود، فكان في جعله حينئذ من العهد نوع توسّع نظرا إلى الاعتبار المذكور، أو أنّه اصطلاح منهم. و الوجهان الآخران ممّا يبعد إرادتهما في المقام لبعدهما عن ظاهر اللفظ نظرا إلى اقتضاء استعمال الكلّي في خصوص الفرد انحصار مدلول اللفظ فيه و هو خلاف الظاهر في المقام، مضافا إلى لزوم التجوّز في اللفظ المخالف للأصل مع عدم قيام دليل عليه. و قد اتّضح بما قرّرنا أنّ المعهود الذهني معرفة بالنظر إلى ما استعمل فيه- أعني الماهيّة المطلقة- لحضورها في الذهن و الإشارة إليها باللام كما في غيرها من الأجناس المعرفة و في معنى النكرة بالنسبة إلى الفرد الّذي اطلق عليه، إذ لا تعيين فيه إلّا من جهة اتّحاده مع الطبيعة و ذلك ممّا لا يعيّن الفرد إذ معرفة الشي‏ء بالوجه العامّ ليس معرفة لذلك الخاصّ في الحقيقة، بل معرفة للعامّ الّذي صار وجها لمعرفته، فليس اللام في الحقيقة إشارة إلى خصوص الفرد و لا تعريفا له، و لذا نصّوا على كونه في معنى النكرة يعنون به بالنسبة إلى خصوص الفرد لا بالنظر إلى الطبيعة الّتي استعمل فيها.

177

و لبعض الأعلام كلام في المقام أحببت إيراده مع تلخيص له و توضيح لما يرد عليه ليكون تتميم الكلام في المرام قال: إنّ ما اشتهر بينهم من أنّ المفرد المحلّى بلام الجنس إذا استعمل في إرادة فرد مّا و يقال له المعهود فهو حقيقة غير واضح، لأنّ معيار كلامهم فيما ذكروه أنّه من باب إطلاق الكلّي على الفرد و هو حقيقة، فأورد على ذلك امورا:

منها: أنّ المعرّف بلام الجنس معناه الماهيّة المتعيّنة في الذهن المعرّاة عن ملاحظة الأفراد عموما و خصوصا و إطلاقه و إرادة الماهيّة باعتبار الوجود خلاف معناه الحقيقي.

فإن قلت: إنّ الماهيّة المعرّاة عن ملاحظة الأفراد لا يستلزم ملاحظة عدمها.

قلت: نعم لكنه ينافي اعتبار وجود الأفراد و إن لم يناف تحقّقها في ضمن الأفراد الموجودة.

و منها: أنّه لا مدخليّة للّام في دلالة الكلّي على فرده فيصير «اللام» ملغاة فإنّ اللفظ الموضوع للكلّي من حيث هو كلّي مدخول اللام لا المعرّف باللام، فكأنّه أراد بذلك أنّ الوجه المذكور إنّما يفيد كون مدخول «اللام» بنفسه حقيقة إذا اطلق على الفرد، فإذا جعل مفاد المعرّف باللام هو مفاد الخالي عنه كان «اللام» ملغاة، و إن جعل مفاده مغايرا لذلك فلا يفيد كون المعرّف باللام حقيقة في الفرد.

و منها: أنّ المعرّف باللام قد وضع للماهيّة المعرّاة في حال عدم ملاحظة الأفراد و لذلك مثّلوا له بقولهم «الرجل خير من المرأة» و رخصة استعمالها في حال ملاحظة الأفراد لم يثبت من الواضع كاستعمال المشترك في أكثر من معنى. لا يقال: يرد هذا في أصل المادّة بتقريب أنّها موضوعة للماهيّة في حال عدم ملاحظة الأفراد. لأنّا نقول إنّ استعمالها على هذا الوجه أيضا مجاز. و ما ذكرناه «من كونها حقيقة» إنّما كان من جهة الحمل لا من جهة الإطلاق، و هو غير متصوّر فيما نحن فيه، لعدم صحّة حمل الطبيعة على فرد مّا.

و منها: أنّ ما اطلق عليه المعرّف بلام العهد الذهني هو فرد مّا كما ذكر.

178

و من البيّن أنّه لا معنى لوجود الكلّي في ضمن فرد مّا، لأنّه لا وجود له إلّا في ضمن فرد معيّن. فوجود الكلّي و اتّحاده مع الفرد إنّما يصحّ في الفرد الموجود الّذي هو مصداق فرد مّا لا مفهوم فرد مّا المطلوب هنا من المعرّف بلام الجنس، فإنّ المفهوم المذكور ممّا لا وجود له حتّى يتحقّق الطبيعة في ضمنه.

و بالجملة: مقتضى ما ذكروه أنّ المراد بالمفرد المعرّف باللام إذا اطلق و اريد منه العهد الذهني هو الطبيعة بشرط وجودها في ضمن فرد مّا لا حال وجودها في الأعيان الخارجيّة، و لا معنى محصّل لذلك إلّا إرادة مفهوم فرد مّا من الطبيعة من اللفظ و لا شبهة أنّ مفهوم فرد مّا مغاير للطبيعة المطلقة و لا وجود له.

نعم، مصداق فرد مّا يتّحد معها في الوجود و ليس بمراد جزما، فهذا من باب اشتباه العارض بالمعروض.

فإن قلت: هذا بعينه يرد على قولك «جئني برجل» فإنّه اريد به الماهيّة بشرط الوجود في ضمن فرد مّا يعنى مصداق فرد مّا لا مفهوم فرد مّا، فلم قلت هنا: إنّها حقيقة، و لم تقل فيما نحن فيه؟

قلت: كونها حقيقة من جهة إرادة النكرة الملحوظة في مقابل اسم الجنس و له وضع نوعي من جهة التركيب مع التنوين و نفس معناه فرد مّا و هو أيضا كلّي و طلبه يرجع إلى طلب الكلّي لا طلب الفرد و لا طلب الكلّي في ضمن الفرد. فالمطلوب منه فرد مّا من الرجل لا طبيعة الرجل الحاصلة في ضمن فرد مّا، إلّا أنّ الإتيان بالكلّ يتوقّف على الإتيان بمصداق فرد مّا و هو فرد معيّن في الخارج بتعيين المخاطب. فلو أردت من قولك «جئني برجل» جئني بالطبيعة الموجودة في ضمن الفرد فهو مجاز أيضا، لعدم الوجود بالفعل اللازم لصحّة الإطلاق بالفعل بخلاف «هذا الرجل» مشيرا إلى الطبيعة الموجودة بالفعل في ضمن فرد. ثمّ قال: و مع هذا كلّه فالعجب من هؤلاء أنّهم أخرجوا العهد الخارجي عن حقيقة الجنس و هو أولى بالدخول. و لعلّهم توهّموا أنّ ها هنا لمّا اطلق و اريد الفرد بخصوصه فهو مجاز.

و هو توهّم فاسد، لأنّ هذا ليس معنى إرادة الخصوصيّة- كما بيّنا- فإنّ قولنا «هذا

179

الرجل» أيضا من باب العهد الخارجي الحضوري، و لا ريب أنّ المشار إليه هو الماهيّة الموجودة في الفرد لا أنّ المراد أنّ المشار إليه هو هذا الكلّي لا غير حتّى يكون مجازا انتهى.

و الوجوه المذكورة كلّها مدفوعة، ففي كلامه مواضع للنظر:

أحدها: ما ذكره من «أنّ إطلاق اسم الجنس الموضوع للماهيّة المعيّنة في الذهن و إرادة الماهيّة بحسب الماهيّة بحسب الوجود خلاف معناه الحقيقي» فإنّه إن جعل وجه المخالفة كون الموضوع له أمرا ذهنيّا فإرادة الأمر الخارجي يخالفه فقد عرفت ما فيه، إذ ليس المعرّف باللام موضوعا بإزاء الأمر الذهني بل قد اعتبر فيه الحضور في الذهن من جهة التعريف و الإشارة و هو لا ينافي كونه موضوعا لنفس الماهيّة أو لها باعتبار وجودها في الخارج- كما مرّ بيانه- و إن جعل وجه المخالفة كونها معرّاة عن ملاحظة الأفراد فاعتبار كونها في ضمن الفرد ينافيه- كما هو ظاهر كلامه- ففيه: أنّ المراد بتعريتها عن ملاحظة الأفراد عدم ملاحظة الأفراد معها لا اعتبار عدمها، و هو أيضا قد نصّ على ذلك، و حينئذ فلا ينافيه اعتبار كونها في ضمن الفرد إذا لم يكن مستعملا في خصوص الفرد بل إنّما اطلق عليه حسب ما مرّ تفصيل القول فيه. فظهر بذلك ما في قوله «لكنه ينافي اعتبار وجود الأفراد و إن لم يناف تحقّقها في ضمن الأفراد الموجودة» فإنّ إطلاقه على الفرد من حيث الوجود في الخارج نظرا إلى اتّحاده مع الطبيعة المطلقة لا يوجب تجوّزا في اللفظ و ليس المراد باعتبار الوجود ما يزيد على ذلك كما عرفت.

و من الغريب أنّه اعترف به بالنسبة إلى اسم الجنس و نصّ على كون إطلاقه كذلك على الفرد الموجود حقيقة مع جريان الكلام المذكور فيه بعينه- على أنّ دعوى المنافاة المذكورة- مع ما فيه- هو عين ما سيورده بعد ذلك فلا وجه لجعله ايرادا آخر.

ثانيها: قوله «لا مدخليّة للّام إلى آخره. إذ مع تسليم ذلك لا يلزم كون «اللام» ملغاة فإنّ من البيّن كون اللام مفيدا حينئذ لتعريف الحقيقة و هذا هو فائدة اللام‏

180

كما في غيره، و إطلاق الحقيقة على الفرد من الجهة المتقدّمة لا ينافي تعريفها على أنّ فيها نحو تعريف للفرد من جهة اتّحاده مع الطبيعة حسب ما مرّ.

و الحاصل: أنّ من البيّن أنّ الدالّ على إطلاق الكلّي في المقام على الفرد و هو الحكم المتعلّق به- كالمرور في المثال السابق أو غيره- و ليس للّام مدخليّة في الدلالة على إطلاقه على الفرد أصلا- كما هو ظاهر- و حينئذ فجعل ذلك سببا لإلغاء اللام مع إفادتها تعريف الطبيعة كما هو المفروض غريب.

ثالثها: ما ذكره «من أنّ الوضع إنّما ثبت حال عدم ملاحظة الأفراد فلابدّ من الاقتصار عليه لتوقيفيّة الوضع فلا يثبت الوضع في حال الملاحظة» فإنّ من البيّن أنّه إن اعتبر الواضع تلك الحال في وضعه اللفظ لمعناه فقد صار ذلك المعنى موضوعا له بشرط عدم ملاحظة الأفراد و هو لا يقول به، بل هو ظاهر الفساد، لوضوح عدم اعتباره ذلك. و إن لم يعتبر تلك الحال في الوضع بل جعل الموضوع له هو تلك الطبيعة لا بشرط شي‏ء، فمن الواضح حينئذ كون الاستعمال حقيقة إذا استعمل فيه سواء اطلق على الطبيعة في ضمن الفرد أو لا- كما أشرنا إليه- و قد بنى على مثله الحكم في مواضع متعدّدة و أشرنا إلى ما فيه. و ممّا يستغرب في المقام جدّا إيراد جريان مثل ذلك بالنسبة إلى مدخول اللام إذا اطلق على الفرد- كما أشار إليه- بقوله: «لا يقال ... إلخ» ثمّ دفعه بالتزام المجازيّة هناك أيضا إذا اطلق على فرد مّا نظرا إلى أنّه لا اتّحاد للطبيعة بالنسبة إليه و إنّما هي متّحدة مع الفرد المعيّن. فإنّ ذلك إن صحّ فلا ارتباط له بالكلام المذكور و ما أورد عليه، فإنّ مبنى الكلام المذكور على كونه موضوعا للطبيعة في حال تعريه عن ملاحظة الأفراد عموما و خصوصا فيكون إطلاقه عليها حال ملاحظة الفرد بعينه أو إجمالا مخالفا لما وضع له، و الإيراد عليه بنفس مدخول اللام يعمّ الحالين. و حينئذ فالغضّ عن ذلك في الجواب و الرجوع إلى وجه آخر و هو عدم اتّحاد الطبيعة مع فرد مّا كما ترى ممّا لا ربط له باعتبار كون الوضع في حال التعرّي عن ملاحظة الأفراد و عدمه، إذ لو قلنا بشمول الوضع للحالين جرى الكلام المذكور، إذ

181

المفروض وضع اللفظ للطبيعة و عدم حصول الطبيعة إلّا في ضمن الفرد المعيّن دون فرد مّا. فلا يصحّ إطلاق اللفظ حقيقة على ما لم يوضع له، فليس الخروج عن الموضوع له حينئذ من جهة انتفاء تلك الحالة الحاصلة في حال الوضع بل لانتفاء أصل المعنى الّذي وضع بإزائه و قد جعل ذلك وجها آخر في الإيراد عليه- حسب ما ذكرناه- فلو صحّ ما ذكرناه من إرجاع هذا الإيراد إليه فلا وجه لعدّهما إيرادين، فالتمسّك في أحدهما بملاحظة وضعه للطبيعة حال الانفراد فلا يصحّ إطلاقه عليه حال ملاحظة الأفراد ثمّ إرجاع ذلك إلى عدم وجود الطبيعة هناك أصلا فليس إطلاقا للّفظ عليها كما هو قضيّة إيراده.

رابعها: ما ذكره من «أنّ المراد في المقام هو الطبيعة في ضمن فرد مّا و لا وجود للطبيعة كذلك» فإنّ على ما ذكره يكون قد اطلق الكلّي على فرد مّا مبهم بحسب الواقع و لا ريب أنّ ذلك غير مراد من المعهود الذهني بل و لا من الكلّيات الّتي يطلق على أفرادها إلّا نادرا، فإنّ الكلّيات المأخوذة على الوجه المذكور ممّا لا وجود لها في الخارج و لا يمكن إيجادها كذلك، فلا يتعلّق بها غرض في الغالب.

و اللئيم في المثال المفروض قد اطلق على لئيم معيّن بحسب الواقع لكن لم يرد المتكلّم بيانه للمخاطب إلّا بعنوان أنّه أحد الأفراد حيث لم يأت بما يدلّ على التعيين، و إنّما دلّت نسبة المرور إليه على كونه في ضمن فرد معيّن بحسب الواقع غير معيّن في العبارة، و هذا هو المراد بإطلاقه على فرد مّا، ضرورة أنّ المبهم على إبهامه ممّا لا يمكن تعلّق المرور و لا شي‏ء من الأحكام الخارجيّة به. و كذا الكلام في نحو ادخل السوق إذا لم يكن هناك سوق معهود في الخارج فإنّه قد اطلق حينئذ على أحد الأسواق المعيّنة بحسب الواقع و قد اتّحدت الطبيعة بكلّ واحد منها فهي لا محالة متّحدة مع أحدها لا بمعناه الإبهامي، إذ لا يصدق على شي‏ء منها و لا وجود له في الخارج أصلا و لا مفهوم أحدها إذ لا اتّحاد للطبيعة إيّاه بنفسه بل المراد مصداق أحدها، فالمراد به الطبيعة المتّحدة مع أفرادها فهو بهذا المعنى قد اطلق على أحدها، فالسوق في قولك: ادخل السوق قد اطلق على أحد

182

الأسواق الخارجيّة و قد استعمل اللفظ في الطبيعة المطلقة من حيث انطباقها لأحد تلك الأسواق، و هذا بعينه جار في قولك: «مررت على اللئيم» إلّا أنّه لمّا كان الممرور به معيّنا بحسب الواقع أمكن القول بإطلاقه عليه حسب ما قرّرنا أوّلا.

فظهر بذلك ضعف قوله «إنّه قد اطلق هنا على مفهوم فرد مّا و لا وجود له في الخارج حتّى يتحقّق الطبيعة في ضمنه. و قوله «نعم مصداق فرد مّا يتّحد معه في الوجود و ليس بمراد جزما» فإنّه إن أراد به خصوص الفرد المعيّن فكذلك لكنه ليس بمراد جزما، و إن أراد به خصوص أحد تلك الأفراد الّذي يعبّر عنه بأحد الأفراد فأيّ شي‏ء أوجب الجزم بعدم إرادته؟ و أيّ مانع من أن يراد من الدخول في السوق الدخول في أحد أفراده؟ بإطلاق السوق عليه من حيث اتّحاد الطبيعة معه، ضرورة أنّها إذا اتّحدت مع كلّ منها فقد اتّحدت مع أحدها بالمعنى المذكور.

خامسها: إثبات الوضع النوعي للنكرة حيث قال «إنّ له وضعا نوعيّا من جهة التركيب مع التنوين و نفس معناه فرد مّا و طلبه يرجع إلى طلب الكلّي لا طلب الفرد و لا طلب الكلّي في ضمن الفرد فالمطلوب منه فرد مّا من الرجل لا طبيعة الرجل الحاصلة في ضمن فرد مّا» فإنّ الظاهر- كما أشرنا إليه- إنّ للتنوين وضعا شخصيّا حرفيّا للدلالة على كون الكلّي المدخول له حاصلا في ضمن الفرد، لا أنّ مجموع الرجل و التنوين قد وضع وضعا نوعيّا ليدلّ على فرد مّا ليكون المجموع كلمة واحدة بحسب الحقيقة و يكون وضع الرجل الخالي عن التنوين مرتفعا في المقام، ضرورة زيادة حرف آخر في أصل اللفظ الموضوع، فيكون «كضارب» المأخوذ من الضرب في عدم بقاء الوضع الشخصي الحاصل بمبدئه في ضمنه و انّما وضعت المادّة و الهيئة للمعنى المعروف بوضع نوعي- كما حقّق في محلّه- بل لكلّ من الاسم و التنوين وضع مستقلّ فلفظ «الرجل» مثلا خاليا عن اللواحق موضوع لنفس الطبيعة- كما بيّناه- و هو المعنى الصالح للحوق الطوارئ عليه من اللام و التنوين و علامتي التثنية و الجمع، و لكلّ من تلك اللواحق إفادة لا ينافي مفاد تلك اللفظة بل يجامعه، لعدم المنافاة بين الطبيعة اللا بشرط و الخصوصيّات الواردة

183

عليه. فالاسم المفروض يدلّ بنفسه على الطبيعة المطلقة و الحروف اللاحقة الطارئة عليه تدلّ على الخصوصيّات الحاصلة له و لذا صارت مكمّلة له، كيف! و لو كان لحوق تلك اللواحق مانعا لبقاء الوضع المذكور لانتفى معظم الفائدة في وضع أسماء الأجناس خالية عن اللواحق.

و قد عرفت أنّ أحد الشواهد على وضعها للماهيّة المطلقة هو صلاحيّتها للحوق تلك اللواحق.

ثمّ إنّ ما نفاه في المقام «من كون معنى النكرة الطبيعة الحاصلة في ضمن فرد مّا» قد أثبته سابقا في المقدّمات حيث صرّح بأنّ اسم الجنس الخالي عن اللواحق إذا دخله التنوين صار ظاهرا في فرد من تلك الطبيعة الحاصلة في ضمن فرد غير معيّن.

سادسها: قوله «فلو أردت من قولك: جئني برجل، إلى آخره» أمّا أوّلا فلأنّه لا وجه لنفيه الوجود عنه بالفعل مطلقا، و كأنّه مبنيّ على منافاة إرادة فرد مّا لكونه موجودا كما مرّ. و قد عرفت ما فيه كيف! و لا شكّ في صحّة أن يقول: صريحا جئني بفرد من أفراد الرجل موجود بالفعل، ألا ترى أنّ ما اطلق عليه حينئذ غير موجود. و أمّا ثانيا فبأنّ عدم وجوده حال الإطلاق لا ينافي صحّة استعماله فيه على سبيل الحقيقة، إذ ليست النكرة موضوعة بإزاء الفرد الموجود حال الإطلاق، بل لو وجد بعد ذلك أيضا كان إطلاقه عليه حقيقة. ألا ترى أنّه لو قال «ائتني بماء» فأتاه بماء وجد بعد القول المذكور كان ممتثلا و كان مندرجا في قوله قطعا.

و الحاصل: أنّ النكرة يدلّ وضعا على الفرد الخارجي- أعني الطبيعة بملاحظة حصوله في ضمن الفرد الخصوصيّة الخارجيّة- و إن شئت قلت: وضع بإزاء الطبيعة و الخصوصيّة الخارجيّة اللاحقة لها الباعثة على كونها فردا سواء كانت موجودة حال الإطلاق أو لا، كما يظهر الحال من ملاحظة إطلاقات النكرات.

سابعها: قوله «و العجب من هؤلاء أنّهم أخرجوا العهد الخارجي إلى آخره» إذ لا عجب لوضوح الفرق، فإنّ اللام في العهد الخارجي ليس لتعريف الطبيعة و إنّما

184

هو لتعريف الفرد غالبا- كما مرّ- و الإشارة إلى خصوص المقدّم في الذكر أو الحاضر أو المعلوم من الخارج من غير كونه إشارة إلى الجنس المدلول للّفظ أصلا كما هو واضح من ملاحظة أمثلته بخلاف الحال في العهد الذهني، إذ ليس اللام هناك إلّا لتعريف الجنس و الإشارة إليه من حيث حضوره في الذهن غير أنّه يراد به الجنس الحاصل في ضمن الفرد لقيام القرينة عليه، و ليس ذلك من حقيقة العهد في شي‏ء، إذ الفرد الغير المعيّن غير معلوم و لا متعيّن عند المخاطب و لا معهود معروف مع قطع النظر عن المقام، و إنّما انصرف الذهن إليه من جهة قيام القرينة عليه فلا إشارة إليه باللام من جهة حضوره بالبال و لا تعيّنه في الخارج، و لذا أخرجناه عن حقيقة العهد. و اللام في «الرجل» فيما ذكرنا من المثال إن جعلناه للعهد الحضوري كان لتعريف الشخص و لا ينافي كون مدخوله مستعملا في نفس الطبيعة، فإنّ المقصود تعريفه في ضمن الخصوصيّة دون نفس الطبيعة. و إن جعل لتعريف الجنس كان إطلاقه على الفرد من جهة اتّحاد الطبيعة معه فليس حينئذ من العهد الحضوري في شي‏ء كما لا يخفى. و جميع ما ذكرناه ظاهر لمن أعطى النظر حقّه في ملاحظة ما هو الملحوظ في إطلاق اللفظ في تلك المقامات. إذا عرفت جميع ما ذكرناه في معاني اللام فاعلم أنّه قد وقع الخلاف في المقام في بيان ما وضع له و يدلّ عليه بحسب الحقيقة، و كذا في إرجاع بعض المعاني المذكورة إلى البعض فها هنا وجوه و أقوال:

أحدها: أنّها حقيقة في تعريف الجنس و سائر الوجوه من الاستغراق و العهد الخارجي بأقسامه و الذهني راجعة إلى الجنس فيكون اللام في الجميع لتعريف الجنس لا بشرط شي‏ء. و الاستغراق و العهد الخارجي و الذهني امور مفهومة من الخارج، إذ قد يقوم القرينة من ملاحظة المقام أو غيره على كون تلك الطبيعة في ضمن جميع الأفراد فيكون استغراقا، أو على كونها في ضمن فرد معيّن بعد أن علم من الحضور أو من الخارج فيكون للعهد بأقسامه، أو على كونها في ضمن بعض الأفراد من غير تعيين فيكون للعهد الذهني، فلا تجوّز في اللام في شي‏ء من تلك‏

185

الإطلاقات، لاستعماله فيما وضع له من تعريف الجنس، و إنّما يعلم تلك الخصوصيّات من الامور الخارجيّة، و حكي القول به عن الفاضل القوشجي، و الوجه فيه ثبوت مجيئها لتعريف الجنس، كما يعرف من ملاحظة الاستعمالات، و شهادة التبادر، و عدم وضوح استعمالها في خصوص شي‏ء من المعاني الاخر لإمكان إرجاعها على الوجه المذكور بإرادة تعريف الطبيعة من اللفظ، و فهم تلك الخصوصيّات من الخارج فلا حاجة إلى تكثير معانيها ليلزم الاشتراك أو المجاز المخالفين للأصل.

و فيه: أنّ اللام في العهد ليس إلّا لتعريف خصوص الفرد و الإشارة إليه، و ليس فيه تعريف للجنس أصلا. ألا ترى إلى قوله تعالى‏ فَعَصى‏ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ‏ (1) فإنّه ليس المراد بقوله «الرسول» إلّا الإشارة إلى الرسول المقدّم في الذكر، و أين ذلك من تعريف الجنس و الإشارة إليه! و العلم بإطلاقه على الفرد من جهة القرينة- نظير ما ذكرناه في العهد الذهني- و لو كان ذلك لتعريف الجنس لم يفد تعريف خصوص الفرد و الإشارة إليه أصلا، لما هو واضح من أنّ تعريف العامّ و تعيّنه لا يفيد تعريف الخاصّ و تعيّنه أصلا، و كذا معرفة الخاصّ بالوجه العامّ ليس إلّا معرفة لذلك العامّ دون الخاصّ كما مرّ. و كذلك الحال في الاستغراق بالنسبة إلى الجمع، فإنّ التعريف و الإشارة فيه ليس إلّا لخصوص الأفراد من غير إشارة إلى الطبيعة أصلا- كما هو واضح من ملاحظة أمثلته- إذ الجمع الّذي هو مدخول اللام إنّما وضع لخصوص الآحاد و اللام الداخلة عليه إنّما يفيد تعريف تلك الآحاد و الإشارة إليها و أين ذلك من تعريف الطبيعة.

ثانيها: أنّها موضوعة لخصوص الجنس و العهد فهي مشتركة بين المعنيين و يرجع الاستغراق و العهد الذهني إلى الجنس فيكون الجنس على وجوه ثلاثة فإنّه إذا اشير باللام إلى الجنس فإمّا أن يكون إشارة الى الطبيعة من حيث هي أو من حيث حصوله في الأفراد، و على الثاني فإمّا أن يراد به الجنس الحاصل في‏

____________

(1) سورة المزمّل: 73.

186

ضمن جميع الأفراد أو بعضها، فالأوّل لتعريف الحقيقة و الثاني للاستغراق و الثالث للعهد الذهني، و الجميع يندرج في تعريف الجنس و حكي القول به من العلّامة التفتازاني و المحقّق الشريف، و الوجه فيه ما عرفت من وهن إرجاع العهد إلى الجنس فهما معنيان مستقلّان، و الظاهر من ملاحظة الإطلاقات كونها حقيقة في كلّ منهما، على أنّ كونه حقيقة في تعريف الجنس في الجملة ممّا لا كلام فيه، و إرادة العهد أوضح منه مع وجود المعهود، حيث إنّه أقرب إلى الفهم، و لذا يقدّم حينئذ على الجنس فيكون أولى بثبوت الوضع له. و إنّما أرجعوا الاستغراق إلى الجنس نظرا إلى أنّ حضور الطبيعة يكون سببا لإحضار أفراده في الذهن عند قيام القرينة الباعثة على الانتقال و جميع الأفراد أمر متعيّن في الذهن، فيعرّف حينئذ بتعريف الجنس و قد عرفت الحال في سهولة الأمر في إرجاع العهد الذهني إلى تعريف الطبيعة.

و فيه: أوّلا ما عرفت من وهن إرجاع الاستغراق إلى الجنس في الجمع المعرّف، و أنّه في كمال البعد، بل الظاهر أنّه ظاهر الفساد. نعم يحتمل القول به بالنسبة إلى المفرد المعرّف إذا اريد به الاستغراق- حسب ما مرّت الإشارة إليه- و ذلك على فرض تسليمه لا يقضي بإرجاع الاستغراق مطلقا إلى الجنس.

و ثانيا ما سيجي‏ء الإشارة إليه من بعد القول بالاشتراك في المقام.

ثالثها: أنّها موضوعة لكلّ من المعاني المذكورة من غير إرجاع شي‏ء منها إلى الآخر فتكون مشتركة بينها لفظا، حكاه بعضهم عن ظاهر كلام العلّامة التفتازاني في بعض تصانيفه، و الوجه فيه أنّها معان مستقلّة يستعمل اللفظ فيها و يراد منه إفهامها، فإرجاع بعضها إلى البعض تكلّف مستغنى عنه، و ظاهر الاستعمالات كونها حقيقة في الجميع، إمّا لترجيح الاشتراك على المجاز، أو لاستظهار ذلك من ملاحظة موارد استعمالها.

و يضعّفه ما عرفت من ظهور إرجاع العهد الذهني إلى الجنس، و أنّ القول باشتراكها بين تلك المعاني خلاف الظاهر، بل الظاهر وضعها لمعنى وحداني جار في الجميع حسب ما يأتي الإشارة إليه.

187

رابعها: أنّها موضوعة لتعريف الجنس خاصّة فاستعمالها في غيره من المعاني مجاز، من غير إرجاع شي‏ء من المعاني المذكورة إلى آخر، ذهب إليه غير واحد من متأخّري المتأخّرين، إلّا أنّه جعل الجمع المحلّى باللام موضوعا للعموم بوضع جديد- حسب ما يجي‏ء تفصيل القول فيه- و الوجه فيه أنّ المتبادر من المعرّف باللام هو تعريف الجنس فيكون حقيقة فيه مجازا في غيره، لرجحان المجاز على الاشتراك، و لتبادر الغير الّذي هو من أمارات المجاز. و من يدّعي كونه حقيقة في العهد و الاستغراق لا بدّ له من إثبات وضع جديد للهيئة التركيبيّة و أنّى له بذلك.

نعم لا يبعد القول به في الجمع المعرّف بالنسبة إلى الاستغراق لما دلّ عليه ممّا سيجي‏ء ذكره.

و يضعّفه: أنّ تبادر الجنس من المعرّف باللام إنّما هو في خصوص الفرد مع انتفاء العهد، و ليس ذلك من جهة وضع اللام لخصوص تعريف الجنس بل لكونه موضوعا لمطلق التعريف و وضع مدخوله للجنس فيفيد لذلك تعريف الجنس، فلا يدلّ ذلك على وضعها لخصوص تعريف الجنس، كيف! و كون استعماله في العهد حقيقة ممّا لا يعتريه ريب عند ملاحظة العرف. و هو الّذي يستفاد من كلام أهل العربيّة بل الظاهر تقديمه على غيره- كما يأتي- و كذا الحال في الاستغراق بالنسبة إلى الجمع بعد انتفاء العهد من غير حاجة إلى التزام وضع فيه للهيئة التركيبيّة كما ادّعاه و قد عرفت الحال في إرجاع العهد الذهني إلى تعريف الجنس.

خامسها: ما احتمله بعضهم في المقام و هو أن يجعل كلّ من الجنس و الاستغراق و العهد معنى برأسه و يرجع العهد الذهني خاصّة إلى الجنس.

و هذا الوجه أقرب من الوجوه المتقدّمة إلى ظاهر الاستعمالات. فإن قيل بوضعها لما يعمّ الجميع من غير أن يكون مشتركا لفظيّا بينها فهو التحقيق في المقام- كما سنبيّنه- و إن قيل باشتراكها لفظا بين المعاني الثلاثة فهو- بعد مخالفته للأصل- موهون بأنّ تلك الخصوصيّات ممّا لا دلالة في اللام عليها و لا يستعمل في خصوص شي‏ء منها.

188

سادسها: ما احتمله البعض المتقدّم أيضا و هو أن يكون اللام لتعريف الجنس و الفرد. ثمّ ينقسم الأخير إلى الوجوه الثلاثة من العهد و الاستغراق و العهد الذهني، و كان الوجه فيه سهولة الأمر في إرجاع الثلاثة الأخيرة إلى المعنى المذكور مع تقليل الاشتراك و عدم لزوم المجاز في شي‏ء من الاستعمالات.

و يضعّفه: أنّ اللام لا يفيد تعريف الفرد على جهة الإطلاق ليجعل موضوعا بإزائه و إنّما يفيد تعريف خصوص المعهود أو جميع الأفراد، و قد عرفت وهن القول بتعريفه للفرد في العهد الذهني، هذا ملخّص الوجوه المذكورة في المقام.

و أنت إذا أحطت خبرا بما ذكرنا عرفت: أنّ اللام ليست موضوعة إلّا لمعنى واحد هو التعريف و التمييز و الإشارة كما هو قضيّة جعلها أداة للتعريف مفيدا له، إذ الإشارة من أسبابه، و لذا عدّ أسماء الإشارة من المعارف لما تتضمّن من معنى الإشارة الباعثة على التعيين.

و قد حكي عن التلويح و غيره أنّ اللام بالإجماع للعهد و معناه الإشارة و التعيين و التمييز.

فنقول حينئذ: إنّ ذلك ممّا يصحّ تعلّقه بكلّ من الوجوه المذكورة فيختلف الحال باختلاف ما تعلّق به، فقد يتعلّق بالجنس و الطبيعة المطلقة فيكون لتعريف الجنس، و قد يتعلّق بجميع الأفراد فيكون للاستغراق، و قد يتعلّق بفرد مقدّم في الذكر أو معلوم بالحضور [أو] (1) من الخارج فيكون للعهد، فليس اللام موضوعة إلّا لمطلق التعريف و تلك الخصوصيّات إنّما يجي‏ء من جهة متعلّقه، فعند التحقيق لا يرجع شي‏ء من المعاني المذكورة إلى آخر بل كلّها امور متغايرة، إلّا أنّ اللام لم يوضع لخصوص شي‏ء منها، و إنّما يتحصّل تلك المعاني من جهة ضمّ معنى اللام إلى ما يراد من مدخوله، فهي إنّما تأتي من التركيب من غير أن يكون هناك وضع للهيئة التركيبيّة كما ظنّ في بعضها.

نعم الظاهر إرجاع العهد الذهني إلى تعريف الجنس- حسب ما مرّ تفصيل‏

____________

(1) لم يرد في بعض النسخ.

189

القول فيه- فيحتمل إرجاع الاستغراق في المفرد المعرّف إليه، إلّا أنّ كونه لتعريف الأفراد المفهومة من الجنس- بعد قيام القرينة على إرادته في ضمن الأفراد ليكون خارجا عن تعريف الجنس- ليس ببعيد أيضا. و أمّا الاستغراق المراد من الجمع فلا ربط له بالجنس، و كأنّ من أرجع الاستغراق إلى الجنس إنّما أراد ذلك بالنسبة إلى المفرد المعرّف، و أمّا بالنظر إلى الجمع فلا يتصوّر ذلك أصلا، ضرورة أنّه لا إشارة فيه إلى الجنس و إنّما المراد من مدخوله خصوص الأفراد.

و أمّا إرادة الجنس منه فلا يكون إلّا بواسطة القرينة كما سيأتي إن شاء اللّه.

المقام الثالث في بيان مفاد الجمع المعرّف باللام‏

و إذ قد عرفت كون اللام موضوعة للتعريف و الإشارة فلا محالة تكون مع انتفاء القرائن ظاهرة في الإشارة إلى ما دلّ عليه صريح مدخوله، و لمّا كان موضوع الجمع على ما عرفت هو خصوص مراتب الجمع من الثلاثة إلى ما فوقها و كانت تلك المراتب مختلفة لا تعيّن في شي‏ء منها لصدق كلّ منها على كثيرين مختلفين سوى جميع الأفراد إذ ذاك بمنزلة شخص واحد كانت اللام إشارة إليه، لتعيّنه و عدم عروض الإبهام له المنافي للتعيين و التعريف دون غيره من المراتب، إذ لا معروفيّة لها عند العقل ليشار إليها، و أيضا ليس في لفظ الجمع تخصيص بشي‏ء من خصوص المراتب فتخصيص بعضها بالإرادة دون الباقي ترجيح بلا مرجّح، و البناء على الإبهام و الإجمال ينافي التعريف، فيظهر من الإشارة المستلزمة للتعيين إرادة الجميع إذ هو المرتبة الجامعة لجميع المراتب، و لهذين الوجهين صار الجمع المحلّى باللام ظاهرا في العموم، لا من جهة وضعه له بالخصوص كما يظهر من جماعة.

بل صرّح بعض الأفاضل بكونه حقيقة فيه بخصوصه مجازا في غيره مطلقا حتّى في العهد، و جعل قضيّة وضع اللام و الجمع كونه لتعريف الجنس، لكنّه قال‏

190

بكونه حقيقة في الاستغراق من جهة الوضع الجديد للهيئة التركيبيّة قال: الظاهر أنّ هذا وضع مستقلّ للهيئة التركيبيّة على حدة، و صار ذلك سببا لهجر المعنى الّذي كان يقتضيه الأصل المقرّر في المقدّمات من إرادة جنس الجمع على طريق المفرد المحلّى، و كيف كان فالدليل قائم على كونه حقيقة في العموم فيكون في غيره مجازا، و الدليل: الاتّفاق ظاهرا، و التبادر، و جواز الاستثناء مطّردا انتهى.

و يرد عليه امور:

أحدها: أنّ ما ذكره من أنّ قضيّة وضع اللام و الجمع كون الجمع المحلّى لتعريف جنس الجماعة غير ظاهر و لو من جهة ظهوره في ذلك، فإنّه إنّما يتمّ إذا قلنا بوضع الجموع لطبيعة الجمع و قد عرفت وهنه، و أنّ الظاهر وضعها لخصوص الآحاد سواء قلنا بكون الوضع فيها عامّا و الموضوع له خصوص كلّ مرتبة مرتبة أو الموضوع له هو مصداق الجماعة أعني خصوص الوحدات كائنة ما كانت ليكون الموضوع له كلّيا أيضا كما هو الأظهر- حسب ما مرّت الإشارة إليه- و أين ذلك من وضعها لجنس الجماعة ليكون المستفاد منها بعد دخول اللام عليها الإشارة إلى جنس الجماعة حسب ما ادّعاه. بل لا يبعد القول بكون المفرد الحاصل في ضمنها موضوعا بإزاء المعنى الجنسي، و أداة الجمع حرفا موضوعا بالوضع المرآتي لإفادة الفرديّة، و في الجموع المكسّرة بكون المادّة و الهيئة ملحوظة على الوجه المذكور على نحو موادّ الأفعال و هيئاتها- حسب ما مرّ بيانه- و حينئذ فلا يعقل ورود التعريف على معنى الجمعيّة في المقام لكونه من المعاني الحرفيّة الغير القابلة للتعريف.

ثانيها: أنّ الأوضاع الطارئة للهيئات التركيبيّة ينبغي أن لا تنافي أوضاع المفردات ليصحّ ضمّ مفاد الهيئة الطارئة على الأجزاء الى ما يستفاد منها، و المفروض في المقام خلاف ذلك. فالظاهر أنّه أراد بالهيئة التركيبيّة مجموع اللفظين لا نفس الهيئة الطارئة عليها حال اجتماعهما، فيكون ذلك من قبيل وضع عبد اللّه في حال العلميّة الناسخة لأوضاع مفرداته، و يشير الى ذلك ما ذكره من‏

191

الحكم بانسلاخ معنى الجمعية عنه و أنّ الوضع المذكور صار سببا لهجر المعنى الأوّل من إفادته تعريف جنس الجماعة، فعلى هذا يكون مجموع اللام و الجمع لفظا واحدا فيخرج اللام عن كونه أداة للتعريف و لفظ الجمع عن كونه جمعا بل يكون المجموع لفظا واحدا مفيدا للاستغراق، و لا ينبغي عدّه من المعارف، إذ من البيّن أنّ مجرّد الدلالة على الاستغراق لا يدرج اللفظ في المعارف كما في كلّ رجل. و جميع ذلك من الفساد بمكان لا يحتاج إلى البيان.

و قد يصحّح ما ذكر بجعل اللام للتعريف و الإشارة و الجمع مستعملا في معناه و يكون الهيئة موضوعة لإفادة أنّ المراد من الجمع أعلى مراتبه و أنّ المشار إليه كلّ واحد من الجزئيّات المندرجة فيه، فبعد انضمام هذه الامور بعضها إلى البعض يكون مفاد الجمع المعرّف كلّ واحد واحد من جزئيّات مفردة.

و أنت خبير ببعد ذلك عن التعبير المذكور، و بما فيه من الوهن- بعد ملاحظة ما قرّرناه- و إن كان أقرب ممّا يظهر ممّا حكيناه عن الفاضل المذكور.

ثالثها: أنّ ما ذكره من تفريع كونه مجازا في غير العموم على قيام الدليل على كونه حقيقة في العموم غير ظاهر، فإنّه إن اريد بذلك أنّ قيام الدليل على كونه حقيقة في العموم قاض بمجازيّته في غيره تقديما للمجاز على الاشتراك فهو فاسد، فإنّ الأصل المفروض إنّما يتمّ إذا لم يثبت الوضع للمعنى الآخر، و أمّا مع ثبوت الوضع له أوّلا فالبناء على الهجر يتوقّف على الدليل، بل قضيّة الدليل الدالّ على كونه حقيقة في المعنى الجديد حصول الاشتراك بين المعنيين و ليس ذلك من الدوران بين المجاز و الاشتراك ليقدّم المجاز عليه بل من الدوران بين الاشتراك و النقل. و إن اريد به قيام الدليل على كونه حقيقة في العموم مجازا في غيره- فمع بعده عن ظاهر العبارة- فيه: أنّه لا دليل على كونه مجازا في غير العموم. و ما ذكره من الأدلّة غير ناهض عليه أمّا الاتّفاق فظاهر، فإنّه بعد تسليم ذلك إنّما اتّفقوا على كونه حقيقة في العموم حيث لا عهد، و القدر الثابت من ذلك هو الاتّفاق على كون إرادة العموم منه على وجه الحقيقة و أنّه المنساق منه عند الإطلاق مع انتفاء العهد،

192

و نحن نقول به و لا منافاة فيه لكونه حقيقة في غيره أيضا من الجنس و العهد، و لذا لم يصرّح أحد بكونه حقيقة في العموم و لا ظاهرا فيه- مع وجود المعهود- بل الظاهر من اعتبارهم انتفاء العهديّة في ذلك كون انصرافه الى المعهود مقدّما على الحمل على العموم، و قضيّة ذلك كونه حقيقة بل ظاهرا في العهد- مع وجود المعهود- فكيف يدّعى الاتفاق على مجازيّته في العهد.

فإن قلت: إنّ وجود العهد قرينة صارفة له عن معناه الموضوع له، فلا يكون اللفظ ظاهرا في الموضوع له مع وجودها، و هذا هو السبب في تقييدهم إفادته العموم بذلك.

قلت: إنّ ما ذكر- مع بعده عن الظاهر لعدم جريان الطريقة على أخذ انتفاء القرينة الصارفة عند بيان معاني الألفاظ فإنّ ذلك أمر معلوم من الخارج لا حاجة إلى الإشارة إليه فيه و لا اختصاص لتلك القرينة المعيّنة بذلك لجريانه في سائر القرائن الصارفة- فيه أنّ مجرّد وجود المعهود إنّما يصحّح إرادة العهديّة و ليس فيه ما يقتضي تعيين ذلك في الإرادة و صرف اللفظ إليه، فكيف! يصحّ جعله قرينة صارفة عن إرادة الحقيقة. و القول بأنّ القدر الملحوظ في القرائن صرفها اللفظ عن الظاهر بحسب متفاهم العرف و إن لم يكن هناك التزام عقلي و هذا القدر حاصل في المقام إذ المفروض حينئذ فهم العرف انصرافه إلى المعهود مدفوع، بأنّ القرينة الصارفة عن الموضوع له لابدّ أن تكون معاندة للحقيقة و لو بحسب متفاهم العرف حتّى يصحّ كونها صارفة للّفظ عن معناه الحقيقي في فهم العرفي.

و من البيّن أنّ مجرّد وجود معهود في المقام لا ينافي إرادة العموم في المقام و لو بحسب العرف، فكيف يصحّ جعله صارفا للّفظ عن معناه الحقيقي، و حينئذ فنقول: إنّه ليس في انصرافه إلى المعهود خروج عن مقتضى الوضع بوجه من الوجوه، إذ قد عرفت أنّ اللام موضوعة لتعريف مدخولها و الإشارة إليه، و حيث إنّ المراد بمدخولها في الجمع هو الأفراد في الجملة فإن كان في المقام أفراد معهودة بأن تكون تلك الأفراد من جهة معهوديّتها أعرف في نظر العقل من غيرها فلا

193

محالة تنصرف الإشارة إليها، فيكون المراد بالجمع هو تلك الآحاد، و تكون اللام تعريفا لها و إشارة إليها، فإنّ الإشارة إنّما تنصرف مع الإطلاق إلى ما هو أعرف في نظر العقل و أبين من غيره، و لا قاضي حينئذ بانصرافها إلى العموم، فإنّها إنّما كانت تنصرف إليه من الجهة الّتي قرّرناه و هي غير جارية في مقام وجود المعهود. فهذا هو الوجه في ظهوره في العهديّة مع وجود المعهود على الوجه المذكور لا من جهة حصول قرينة على إرادته له ليكون فهمه متوقّفا على قيام القرينة ليجعل ذلك شاهدا على مجازيّته- كما قد يتوهّم- فظهر بما قرّرناه أنّ إرادة العهد منه جارية على الظاهر لا خروج فيها عن قانون الوضع بالنظر إلى اللام و مدخولها. و ذلك هو الوجه في تقييدهم إفادته العموم بانتفاء العهد في المقام.

و أمّا تبادر العموم منه: فقد عرفت الوجه فيه، و أنّه غير مستند إلى نفس اللفظ بل مبنيّ على ظهوره نظرا إلى الوجه المذكور. و منه يظهر الحال في حسن الاستفهام، فإنّه مبنيّ على انفهام العموم و هو حاصل من الجهة الّتي قرّرناه، فلا دلالة في شي‏ء من الوجوه المذكورة على مجازيّته في غير العموم، بل هو حقيقة في العهد قطعا لما عرفت من انتفاء التجوّز بالنسبة إلى اللام و مدخولها، بل يتقدّم الحمل عليه على الحمل على العموم، و لذا قيّدوا إفادته العموم بانتفاء العهد.

و أمّا استعماله في الجنس كما في قولك: «فلان يركب الخيل أو يتزوّج الأبكار» فهل هو على وجه الحقيقة أو المجاز؟ و توضيح الكلام في ذلك يتوقّف على تصوير استعماله فيه فنقول: إنّ إرادة الجنس في المقام يتصوّر على وجوه:

منها: أن يراد بالجمع مفهوم الجماعة و يكون اللام إشارة إليها و آلة لتعريفها فيكون مؤدّاه تعريف جنس الجماعة. و هذا الوجه هو الّذي نصّ غير واحد من متأخّري المتأخّرين على ظهوره من لفظ الجمع المعرّف بناء على بقاء كلّ من اللام و الجمع على معناه الأصلي و عدم طروّ وضع آخر عليهما، فيكون استعماله في الجنس على الوجه المذكور مبنيّا على ملاحظة وضعه الاولى.

و قد عرفت وهنه ممّا بيّنّاه، إذ ليس معنى الجمع مفهوم الجماعة ليرد التعريف‏

194

عليه و إنّما معناه مصداق الجمع، و هو على إطلاقه غير قابل للتعريف إلّا أن يتصرّف في لفظ الجمع بإخراجه عن معناه الحقيقي و استعماله في مفهوم الجماعة إن صحّ التجوّز عنه بذلك فيكون التجوّز إذن في مدخول اللام.

و منها: أن يكون اللام الداخل عليه لتعريف الجنس على أن يكون الجنس قيدا مأخوذا في معناها على وجه المجاز، فيكون تعريف الجنس مفهوما من اللام و يكون الجمع باقيا على معناه فيكون المستفاد منه تعريف جنس الجمع، و لا يخفى ما فيه من التعسّف.

و منها: أن يقال باستعمال الجمع في مدلول اسم جنسه بانسلاخه عن الجمعية مجازا أو بالوضع الطارئ فيكون اللام الوارد عليه لتعريف الجنس كالفرد. و فيه أيضا تكلّف ظاهر، لبعد دعوى الوضع الطارئ مع عدم مساعدة الفهم، و كون التجوّز المذكور مبنيّا على وجود العلاقة المصحّحة و هو محلّ تأمّل.

و منها: أن يقال باستعمال الجمع في معناه أعني ما فوق الاثنين من الأفراد لكن يكون التعريف الوارد عليه لا بملاحظة خصوصية الأفراد- حسب ما يعطيه ظاهر اللفظ كما في تعريف العهد و الاستغراق- بل من جهة اتّحاد تلك الأفراد مع الطبيعة و كون الطبيعة حاصلة بها، فيكون مفاده بملاحظة ما ذكر تعريف الطبيعة المتّحدة مع الأفراد، و حيث كان حينئذ ورود التعريف على الأفراد من الجهة المذكورة مع قطع النظر عن ملاحظة خصوصيّاتها لم يتوقّف تعريفها على حمل الجمع على أقصى درجاته أو على خصوص مرتبة معيّنة من سائر مراتبه ليتعيّن بذلك مدلوله حتّى يصحّ ورود التعريف عليه- حسب ما مرّ- و ذلك لخروجه عن الإبهام بملاحظة الجهة المذكورة و صحّة تعريفه و الإشارة إليه من تلك الجهة، فيراد بالجمع مطلق الأفراد على الوجه المذكور و يكون اللام تعريفا لها من تلك الجهة.

و هذا الوجه هو الّذي يخطر بالبال في هذا المقام، و هو المختار، و يساعده التأمّل في الاستعمالات، و لا تجوّز حينئذ في اللام و لا في مدخولها، أمّا الأوّل فلكونها موضوعة للتعريف و الإشارة إلى مدخولها و هو حاصل في المقام، غير أنّ التعريف‏

195

الوارد على مدخولها من جهة مخصوصة لا بملاحظة خصوصيّته، و ذلك غير مخرج لها عن مقتضى وضعها و إن كان الظاهر منه مع الإطلاق و انتفاء القرينة هو الوجه الثاني. و أمّا الثاني فلاستعماله في مدلوله أعني خصوص الأفراد و إن لم يطلق على مرتبة معيّنة من مراتبه، و ورود التعريف عليها بملاحظة اتّحادها مع الطبيعة، و كونها عينها في الخارج لا يقضي بخروجها عن معناها، إذ لا يمنع ذلك من إرادة الأفراد منها فالحال في المقام على عكس المفرد المعرّف، فإنّ صرف التعريف هناك إلى الفرد يتوقّف على قيام الدليل عليه بإطلاق الكلّي على الفرد أو جعل الطبيعة مرآتا لملاحظة جزئيّاته- على ما سيجي‏ء بيانه إن شاء اللّه- كصرف التعريف في الجمع المعرّف إلى الطبيعة بملاحظة الأفراد من حيث اتّحادها مع الطبيعة و مرآتا لملاحظتها و إيراد التعريف عليها من تلك الجهة حسب ما قرّرناه هذا.

و لنتمّم الكلام في المرام برسم امور:

أحدها: أنّه لا ريب أنّ الاستغراق الوارد على المفرد أشمل من الاستغراق الوارد على الجمع، فإنّ قولك «لا رجل في الدار» يفيد نفي الآحاد بخلاف «لا رجال فيها» و لذا يصدق الثاني مع وجود رجل أو رجلين في الدار، و كذا قولك:

كلّ رجل أتاني فله درهم و كلّ رجال أتوني فلهم كذا، فإنّه لا يثبت ذلك لرجل أو لرجلين على الثاني بخلاف الأوّل.

و قد اختلفوا في المفرد المحلّى بلام الاستغراق و الجمع المحلّى بلام الاستغراق أنّ المفرد أشمل من الجمع أم هما سيّان في الشمول؟ فذهب بعضهم إلى الأوّل و المختار عند جماعة هو الثاني و هو المعروف بين المتأخّرين و به نصّ صاحب الكشّاف و غيره من أئمّة التفسير و هو المختار.

حجّة الأوّل: أنّه كما يكون استغراق المفرد بشموله لجميع الوحدات و الأفراد المندرجة تحت مدخول اللام كذا استغراق الجمع إنّما يكون بشموله لجميع الجموع و وحدات الجمع المندرجة تحت جنس الجمع.

196

و من البيّن صدق الثاني مع تخلّف الحكم عن الواحد و الاثنين بخلاف الأوّل حسب ما ذكر في الاستغراق الحاصل في غير المعرّف.

قال المحقّق الشريف- بعد ما نصّ على أنّ المفرد المعرّف بلام الاستغراق يفيد استغراق الآحاد- و أمّا الجمع فلما دلّ على الجنس مع الجمعيّة فلو أجرى حاله في الاستغراق على قياس حال المفرد كان معناه كلّ جماعة جماعة لا كلّ واحد، فإذا نسب إليه حكم كان الظاهر انتسابه إلى كلّ جماعة، انتهى.

و اورد عليه بوجوه:

منها: أنّه لو كان مفاد الجمع ما ذكر لزم التكرار في معناه، فإنّ الثلاثة جماعة و الأربعة جماعة فيندرج الثلاثة فيها و الخمسة كذلك فيندرج الثلاثة و الأربعة فيها و هكذا إلى أن يبلغ من حيث‏ (1) هو كلّ فإنّه أيضا جماعة فيكون معتبرا في الجمع المستغرق مع اندراج سائر المراتب المعتبرة فيه كلّا ألا ترى الأئمّة يفسّرون الجماعة المعرفة بكلّ واحد واحد أو بالمجموع من حيث هو مجموع لا بكلّ جمع جمع كذا يستفاد من كلام المحقّق الشريف.

و فيه أوّلا: النقض بالاستغراق الوارد على الجماعة كما في قولك «أكرم كلّ جماعة من العلماء، و أعط كلّ جمع من القوم» إذ لا ريب في صحّة الاستعمال المذكور من دون غضاضة مع جريان الكلام المذكور فيه حرفا بحرف.

و ثانيا: أنّ المستفاد من قولنا كلّ جماعة هو استغراق الجماعات الغير المتداخلة كما يشهد به ملاحظة العرف و لذا لا يتوهّم فيه حصول التكرار، فكذا الحال في الاستغراق المفهوم من الجمع المعرّف.

و منها: أنّه لو سلّم كون مفاد الجمع في المقام كلّ جمع فلا يمكن خروج الواحد و الإثنين، لأنّ الواحد مع اثنين آخرين من الآحاد و الاثنين مع واحد آخر منها جمع من الجموع داخل في الحكم فيعمّ الحكم لجميع الآحاد على نحو عموم‏

____________

(1) كذا وجد فيما عندنا في النسخ و لا يخفى ما فيه و المقصود الى أن يبلغ أعلى المراتب الّذي هو الكلّ.

197

المفرد و لا يتمّ ما ذكر من الفرق. كذا أورد التفتازاني في شرح التلخيص.

و يدفعه: أنّ أقصى ما يفيد ذلك ثبوت الحكم للوحدات في ضمن الجمع لا في نفسها بخلاف الاستغراق المتعلّق بالمفرد فقوله «أكرم الرجل الّذي بأتيني» يعمّ الوحدات أجمع بخلاف «أكرم الرجال الّذين يأتوني» فإنّه لا يشمل ما إذا كان الجائي واحدا أو اثنين. و ما ذكره من الوجه غير جار فيه على أنّه إذا عدّ الواحد أو الاثنين مع الاثنين أو الواحد جمعا لم يصحّ اعتباره مع غيره جمعا آخر، لما عرفت من عدم انفهام التكرار، فيبقى ذلك الواحد أو الاثنين بعد ملاحظة سائر الجموع خارجا عنها، إلّا أن يعدّ تلك الجماعات أربعة أو خمسة و لا دليل عليه و قضيّة الأصل عدمه مضافا إلى حصول فرق آخر و هو تعلّق الحكم بناء على كونه مستغرقا للوحدات بخصوص كلّ من الآحاد، و بناء على القول الآخر يتعلّق الحكم بالجماعات فلا يكون الواحد و الاثنين مناطا للحكم و إنّما يناط بالحكم بهما في ضمن الجماعة.

و منها: أنّه إنّما يتمّ ذلك لو كان إفادته الاستغراق بملاحظة وضع كلّ من اللام و الجمع بالاستقلال بناء على إفادة اللام للاستغراق و مدخوله للجمع ليكون ضمّ الأوّل الى الثاني مفيدا لاستغراق الجموع و ليس كذلك، بل إفادته الاستغراق إنّما هي بوضع جديد متعلّق بالهيئة التركيبيّة- حسب ما مرّ- و ليس مفاد ذلك استغراق الجموع بل الآحاد كما سيجي‏ء بيانه، بل لو لوحظ فيه كلّ من الوضعين بأنفسهما كان المستفاد منهما إذن تعريف جنس الجمع دون استغراق آحاد الجموع كما مرّت حكايته عن غير واحد من المتأخّرين.

و فيه ما تقدّم من ضعف القول بثبوت وضع جديد للهيئة التركيبيّة، بل ليس استفادة العموم من الجميع‏ (1) إلّا بملاحظة كلّ من وضع اللام و الجمع حسب ما مرّ بيانه.

حجّة القول الثاني على ما يستفاد من كلام جماعة من المتأخّرين وجوه:

____________

(1) «الجمع المعرّف خ ل».

198

أحدها: التبادر فإنّ المفهوم من الجمع المعرّف بحسب العرف هو استغراق الآحاد دون الجموع كما يعرف ذلك من ملاحظة موارد استعماله، و لذا نصّ جماعة بانسلاخه عن معنى الجمعيّة حيث لا تفاوت بين ما يستفاد منه و ما يستفاد من الاستغراق الوارد على المفردات، فإنّ المفهوم من قولك «أكرم العلماء» هو المفهوم من قولك «أكرم كلّ عالم».

ثانيها: نصّ جماعة من أئمّة الفنّ عليه قال التفتازاني: إنّه ممّا ذكره أكثر أئمّة الاصول و النحو و صرّح به أئمّة التفسير في كلّ ما وقع في التنزيل من هذا القبيل نحو إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ (1) وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها (2) وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا (3) وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ‏ (4) وَ ما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (5) وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ‏ (6) إلى غير ذلك. و ذكر أنّ كلام الزمخشري في الكشّاف مشحون بذلك حيث قال في قوله تعالى‏ وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ‏ إنّه جمع يتناول كلّ محسن، و في قوله تعالى‏ وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ‏ إنه نكّر ظلما و جمع العالمين على معنى ما يريد شيئا من الظلم لأحد.

من خلقه، و في قوله تعالى‏ وَ لا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (7) أي و لا تخاصم عن خائن قطّ، و في قوله‏ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ (8) إنّه جمع ليشمل كلّ جنس ممّا سمّي بالعالم.

ثالثها: أنّه يصحّ بلا خلاف «جائني العلماء إلّا زيدا، و جائني القوم إلّا عمرا» مع امتناع قولك «جائني كلّ جماعة من العلماء إلّا زيدا» بناء على إرادة الاستثناء المتّصل و لو كان مفاد اللفظين واحدا لجاز ذلك في المقامين.

و اورد عليه: بأنّه لا شكّ في جواز استثناء البعض من الكلّ على نحو

____________

(1) البقرة: 33.

(2) البقرة: 31.

(3) البقرة: 34.

(4) آل عمران: 134.

(5) هود: 83.

(6) آل عمران: 108.

(7) النساء: 105.

(8) الفاتحة: 2.

199

الاستثناء المتّصل- حسب ما نصّ عليه المحقّقون من النحاة- تقول «رأيت زيدا إلّا صدره، و له عليّ عشرة إلّا واحدا» و نحو ذلك، مع عدم كون المستثنى من أفراد المستثنى منه بل من أجزائه فلم لا يجوز أن يكون الاستثناء في المقام على الوجه المذكور.

و يدفعه: أنّ من الظاهر أنّ قضيّة الاستثناء اندراج المستثنى في المستثنى منه سواء كان من قبيل اندراج الخاصّ تحت العامّ أو الجزء تحت الكلّ، فيصحّ الاستثناء على كلّ من الوجهين إلّا أنّه إذا كان هناك عموم وارد على كلّ كان الظاهر ورود الاستثناء على العموم دون ذلك الكلّ و لذا لم يجز أكرم كلّ جماعة من العلماء إلّا زيدا، هذا بالنظر إلى ما هو الظاهر من إخراجه عن العامّ. و أمّا إخراجه عن خصوصيّات ما اندرج في العامّ فلا مانع منه أيضا إلّا أنّه خارج عن ظاهر العبارة، و مبنى الاستدلال على جواز استخراجه عن العامّ كما هو الظاهر من ملاحظة الاستعمالات لا على المنع منه على الوجه الآخر و إن كان خارجا عن مقتضى الظاهر حسب ما توهّم. و بهذه الوجوه و إن ظهر كون المفهوم من الجمع المحلّى استغراق الآحاد دون الجموع لكن لا يظهر منها الجهة الباعثة على انصرافه إليه و استفادة ذلك منه، مع أنّ الّذي يتراءى في الظاهر كون مفاد الاستغراق الوارد عليه استغراق الجماعات دون الآحاد، و لذا اختار جماعة كون الاستفادة المذكورة من جهة وضع جديد متعلّق به ينسلخ باعتباره من معنى الجمعيّة، و قد يشير إليه كلام المحقّق الشريف حيث قال- بعد أن ذكر كون مفاد الجمع المعرّف استغراق الآحاد دون الجموع- كأنّه قد بطل فيه معنى الجمعيّة.

لكنّك قد عرفت وهن القول بثبوت وضع جديد للهيئة التركيبيّة يكون انفهام الاستغراق من جهته كما زعموه، و كذا القول بانسلاخه عن الجمعيّة، إذ قد عرفت إطلاقه حينئذ على الدرجة العليا من مراتب الجمع فهو في إفادة الجمعيّة فوق سائر الجموع ما اطلقت على ما دونه من المراتب فكيف يصحّ القول بعدم إفادته لمعنى الجمعيّة.

200

فالحقّ في المقام أنّ الاستغراق هنا متعلّق بأجزاء ذلك الجمع و الوحدات المندرجة فيه و ليس ذلك مستندا إلى وضع اللام، بل الجمع في نفسه مستغرق للآحاد المندرجة تحته سواء اطلق على أعلى مراتبه أو على ما دونه من المراتب إلى الثلاثة، إلّا أنّه مع إطلاقه على ما دون الكلّ من المراتب لا يندرج في العامّ، لعدم استغراقه لجميع ما يصلح له بخلاف ما إذا اطلق على الدرجة العليا، و مدخليّة اللام في استفادة العموم منه إنّما هو من جهة دلالته على إطلاق الجمع على الدرجة المذكورة نظرا إلى تعيّنه من بين المراتب و انصراف التعريف مع الإطلاق إليه، و ليس اللام بمعنى كلّ ليفيد عمومه عموم مدخوله، و ليس مفاده بحسب الوضع سوى الإشارة و التعريف- حسب ما مرّ القول فيه- و حينئذ فتحقيق المرام أنّ الجمع في المقام إنّما اطلق على مرتبة واحدة من مراتبه أعني المرتبة العليا و ليس فيه استغراق لمراتب الجمع أصلا بل ليس مفاده قابلا لأن يلاحظ الاستغراق فيه بحسب الجماعات.

نعم لو كان موضوعا لجنس الجماعة حتّى يكون مفاده مفاد لفظ الجماعة أمكن فيه ذلك لكنك قد عرفت فساده، و أنّه موضوع لصدق الجماعة، و أنّ دلالته على الكثرة و التعدّد من قبيل دلالة الحروف، و معناه المستقلّ هو معناه الإفرادي فالتعريف و غيره من الضمائم إنّما يرد عليه دون معناه الحرفي، فلا يعقل دلالته على العموم بحسب أفراد الجماعة كما أنّه لا يعقل تعريفه لجنس الجماعة حسب ما مرّت الإشارة إليه.

و كيف كان فالاستغراق الحاصل في المقام إنّما هو من جهة شمول الجمع للوحدات المندرجة فيه، و لذا جعلنا العموم فيه من جهة استغراقه لأجزائه كما أشرنا إليه عند تحديد العامّ فهذا هو الوجه في استغراقه للآحاد دون الجموع، و ليس ذلك مستندا إلى وضع تركيبي و لا قاضيا بانسلاخه عن الجمعيّة. و ليس في شي‏ء من الأدلّة المتقدّمة الدالّة على استغراقه للآحاد دلالة على خلاف ذلك، و أقصى ما يفيده تلك الأدلّة كون مفاد اللفظ استغراق الآحاد دون الجماعات و هو

201

حاصل بما ذكرناه، فتبيّن بما بيّناه أنّ الاستناد إلى الوجوه المتقدّمة في وضعه للمعنى المذكور ليس في محلّه، لما عرفت من عدم استناد التبادر إلى نفس اللفظ و أنّ الوجه فيه ما قرّرناه، و كذا الحال فيما ذكره أئمّة الفنّ من إفادته عموم الأفراد و جواز استثناء الواحد منه على ما مرّ.

ثانيها: أنّ الجمع المعرّف هل هو حقيقة في خصوص العموم الأفرادي أو يعمّه و العموم المجموعي؟ وجهان، و قد نصّ بعض المتأخّرين على كونه حقيقة في خصوص العموم الأفرادي مجازا في غيره. و نصّ المحقّق الشريف بأنّ الأوّل أكثر تداولا عن الثاني لكن لم يصرّح بكونه حقيقة فيه بخصوصه. و لم أر في كلماتهم تنصيصا على كونه حقيقة في خصوص الأوّل سوى من أشرنا إليه من متأخّري المتأخّرين و من يحذو حذوه. و ظاهر ما حكاه المحقّق الشريف عنهم- من الحكم بأنّ قول القائل للرجال: «عندي درهم» إقرار بدرهم واحد للكلّ بخلاف قوله لكلّ واحد من الرجال: «عندي درهم» فإنّه إقرار لكلّ رجل بدرهم- يعطي تكافؤ الاحتمالين المذكورين عندهم حيث لم يحكموا باشتغال ذمّته بما يزيد على درهم، و لو كان المفهوم منه عندهم خصوص العموم الأفرادي لنزّلوه منزلة كلّ كما في المثال الثاني، و ربما يتراءى انصراف القول بكونه حقيقة في العموم إلى العموم الاستغراقي و هو ضعيف، لما عرفت من كونه أعمّ من الوجهين، و ما ذكر عنهم في مسألة الإقرار أقوى شاهد عليه. و كيف كان فالتحقيق كما عرفت كون إفادته العموم من الجهة الّتي ذكرناه، لا لوضعه لخصوص العموم حسب ما توهّمه الجماعة من المتأخّرين، و ذلك أعمّ من كونه على وجه العموم الأفرادي ليكون الحكم منوطا بكلّ واحد من الآحاد المندرجة فيه أو مجموعيّا يتعلّق الحكم بالمجموع، فكلّ من اللام و مدخوله حقيقة على كلّ من الوجهين فإن ظهر من المقام أو من الحكم المتعلّق به أحد الوجهين بني عليه من دون تجوّز، و إن احتمل الأمران من غير ظهور و ترجيح لأحد الوجهين من شواهد المقام لزم التوقّف في مقام الاجتهاد، و الرجوع إلى الاصول الفقهيّة في مقام العمل. و منه ما ذكر من مثال‏

202

الإقرار، لقضاء الأصل ببراءة ذمّته من الزائد، و دعوى أغلبيّة الأوّل بحيث يوجب ظنّا بإرادته غير ظاهرة.

نعم قد يتخيّل كون إرادة العموم المجموعي أقرب إلى ظاهر اللفظ حيث اطلق الجمع على الدرجة العليا و اشير باللام إليها فظاهر ذلك تعلّق الحكم بمجموع الأفراد، فإنّ ملاحظة كلّ منها على وجه يستقلّ في تعلّق الحكم به اعتبار زائد يتوقّف على قيام الشاهد عليه و إن لم يكن فيه خروج عن موضوع اللفظ، لكن يمكن أن يقال: إنّ شيوع استعمال الجموع المعرفة على الوجه الثاني يكافؤ ذلك إن لم نقل بزيادته عليه، و كيف كان فالظاهر أنّه لا شاهد يعوّل عليه في المقام على ترجيح أحد الوجهين مع عدم قيام شاهد هناك على التعيين.

ثالثها: أنّه مع إرادة الجنس من الجمع المعرّف هل يكون الحال فيه كالمفرد المعرّف إذا اريد به الجنس فيعمّ الواحد و الاثنين و الثلاثة و ما فوقها لانسلاخه حينئذ عن الجمعيّة أو أنّه يعتبر فيه كون الجنس هنا في ضمن الجماعة فلو قال «للّه عليّ أن أتزوّج الأبكار، أو أركب الأفراس، أو أن أشتري الجواري» حصل البرء بالإتيان بما دون الثلاث على الأوّل بخلاف الثاني، إذ لا يحصل الوفاء حينئذ إلّا بالإتيان بما فوق الاثنين وجهان. و ذكر بعض الأفاضل وجهين في إرادة الجنس من الجمع المعرّف.

أحدهما: أن يراد به جنس الجماعة لتكون الجنسيّة ملحوظة بالنسبة إلى مفهوم الجماعة فإنّه أيضا من جملة الأجناس.

ثانيهما: أن يراد به مطلق الجنس فيسقط عنه اعتبار الجمعيّة و يبقى إرادة الجنس، فحينئذ يجوز إرادة الواحد منه أيضا، قال: لكنه مجاز لأنّ انسلاخ معنى الجمعيّة لا يوجب كون اللفظ حقيقة في المفرد، على أنّ انسلاخ الجمعيّة لا يوجب انسلاخ العموم، فعلى القول بكونه حقيقة في العموم كما هو المشهور يكون حينئذ مجازا.

نعم يمكن أن يقال: إنّه بعد هذا التجوّز بإرادة الجنس لا يكون إرادة الواحد مجازا بالنسبة إلى هذا المعنى المجازي.