هداية المسترشدين - ج3

- الشيخ محمد تقي الأصفهاني النجفي المزيد...
732 /
203

و أنت قد عرفت وهن الوجه الأوّل و كذا الثاني، فإنّه الوجه الثالث من الوجوه المتقدّمة لتصوير إرادة الجنس في المقام و هو في غاية البعد، فإنّ إسقاط معنى الجمعيّة و إرادة نفس الطبيعة من اللفظ مع كونه مجازا كما اعترف به بعيد عن ظاهر الاستعمالات.

و قد عرفت أنّ الظاهر في حمله على الجنس هو ما مرّت الإشارة إليه و حينئذ فيكون التعدّد ملحوظا في معناه على ما هو مقتضى الجمعيّة.

غاية الأمر أن يكون تعريف الأفراد الملحوظة فيه من حيث اتّحادها مع الطبيعة- حسب ما مرّ بيانه- فلا تجوّز في المقام و لا يحصل الامتثال حينئذ إلّا بالإتيان به كذلك، و لذا لو أوصى شيئا للفقراء أو السادات و غيرهم من غير المحصور حيث لا يمكن إرادة العموم منها و يتعيّن حملها على الجنس لم يجز الدفع إلى ما دون الثلاثة كما نصّوا عليه، و كذا الحال في النذور و الأيمان و غيرها.

نعم لو قامت القرينة على قطع النظر عن ملاحظة الجمعيّة و إنّما اريد حصول الفعل من ذلك الجنس و إنّما لوحظ فيه خصوص الجنسيّة دون غيرها اكتفي بالواحد، و حينئذ فإمّا أن يكون ذلك بتخصيص الجمع بمطلق الجنس أو بإسناد الفعل المتعلّق بالبعض إلى الجماعة على نحو «بنو فلان قتلوا فلانا» و كلا الوجهين مجاز بعيد غالبا عن ظاهر الاستعمالات كما لا يخفى.

رابعها: أنّ ظاهر ما يتراءى من دلالة الجمع المعرّف على العموم أن يكون متعلّقا للنفي أو النهي قاضيا بإفادة سلب العموم- أي دفعا للإيجاب الكلّي الحاصل بالسلب الجزئي على حدّ النفي الوارد على سائر العمومات نحو قوله: ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه، و ما كلّ برق لاح لي تستفزّني، إلى غير ذلك- لكن لا يساعده في المقام كثير من الإطلاقات، فإنّ الظاهر هو السلب الكلّي. و يمكن توجيهه بأنّ النفي أو النهي قد يرد على كلّ من جزئيّات الجمع ليكون كلّ منها مناطا للنفي أو النهي و قد يرد ذلك على العموم المستفاد منه كان العموم الملحوظ فيه مجموعيّا أو أفراديّا.

204

و توضيح المقام: أنّ العموم الملحوظ في الجمع إمّا أن يكون مجموعيّا أو أفراديّا، فعلى الأوّل يكون مفاده في المقام سلب الكلّي الحاصل برفع بعضه، و على الثاني فإمّا أن يكون السلب واردا على العموم أو على كلّ واحد من جزئيّات العامّ، فعلى الأوّل يكون مفاده رفع السلب الكلّي أيضا على نحو قولك «ما تزوّجت بكلّ بكر في هذه البلدة، و ما زرت كلّ واحد من علمائنا» و على الثاني يكون مفاده سلبا كلّيا، و الظاهر من هذين الوجهين في المقام هو الثاني و إن كان الظاهر من ورود النفي على لفظة «كلّ» و ما بمعناه هو الأوّل.

بيان ذلك أنّه ليس في المقام ما يفيد المفهوم من لفظة «كلّ» و ما بمعناه، و إنّما مفاد الجمع هو خصوص الجزئيّات المندرجة تحته فالاستغراق من أحواله و صفاته من غير أن يكون هناك ما يفيد خصوص معنى الشمول ليرد النفي عليه كما هو الحال في النفي الوارد على «كلّ» و ما يفيد مفاده، فإذا تعلّق حكم بالجمع على الوجه المفروض فقد تعلّق بكلّ واحد من جزئيّاته سواء كان ذلك الحكم نفيا أو إثباتا، فكما يكون تعلّق الحكم المثبت به حكما على كلّ من تلك الجزئيّات فكذا الحال في النفي.

نعم لو لوحظ شموله للجمع نظرا إلى اندراج جميع الآحاد في مدلوله و علّق النفي عليه صحّ ما ذكر من دلالته على سلب العموم إلّا أنّه اعتبار زائد لا يساعد عليه ظاهر الإطلاق ليتوقّف على قيام شاهد عليه، و حينئذ فإن كان في المقام ما يستظهر منه كون المقصود من الجمع عموم الآحاد تعيّن كون المراد منه عموم السلب إلّا أن يقوم دليل على خلافه، و إن ظهر كون المراد منه العموم المجموعي دلّ على سلب العموم، و إن دار الأمر بين الوجهين من غير ظهور ترجيح لأحد الجانبين تعيّن الرجوع إلى اصول الفقاهة حسب ما بيّناه في وقوعه في سياق الإثبات، و القدر المفهوم من اللفظ حينئذ هو السلب الجزئي، و ما يزيد عليه فغير مفهوم من اللفظ بل يتوقّف على قيام شاهد عليه.

205

المقام الرابع في بيان الحال في المفرد المعرّف‏

و قد عرفت وقوع الخلاف في إفادته العموم و ظاهر ما يتراءى من كلماتهم و صريح المصنّف فيما يأتي كون الخلاف في وضعه لخصوص العموم على أن يكون استعماله في غيره مجازا فلا يكون موضوعا لما عدا العموم و لا مشتركا بين العموم و غيره.

و أنت خبير بوهن ذلك جدّا، كيف و استعماله في العهد ممّا لا مجال لإنكار كونه على وجه الحقيقة، بل هو أظهر من إرادة الجنس و العموم قطعا و لذا ينصرف إليه عند وجود المعهود، و قد قيّدوا إفادة الجمع المحلّى للعموم بما إذا لم يكن هناك عهد فيكون الحال كذلك في المفرد بطريق أولى. و الّذي يخطر بالبال في المقام أنّ الخلاف هنا نظير الخلاف في الجمع المحلّى في تقديم تعريفه للأفراد على تعريف الجنس بعد انسداد طريق العهد، فالمراد أنّه إذا لم يكن هناك عهد هل ينصرف المفرد المحلّى باللام مع الإطلاق إلى تعريف الأفراد ليفيد العموم- كما في الجمع المعرّف- أو إنّما ينصرف حينئذ إلى تعريف الجنس فلا يفيد العموم. و القول بوضعه لخصوص العموم- على أن يكون هناك وضع متعلّق بالهيئة التركيبيّة مغايرة لوضع اللام و مدخوله- قاض بإفادته الاستغراق أو القول بكون اللام سورا بمنزلة «كلّ» ليفيد الاستغراق من أبعد الأوهام. و حمل الخلاف الواقع بينهم على إرادة ذلك مع وضوح فساده من دون قيام شاهد في كلماتهم على إرادته في المقام بعيد جدّا.

و غاية ما يستفاد من كلام القائل بكونه للعموم استفادة العموم منه عند الإطلاق و انتفاء العهد و هو لا يأبى الحمل على ما قرّرناه، غاية الأمر أن يلحظ الخلاف على الوجه الأعمّ فلا حاجة إلى حمله على ذلك الوجه الفاسد، و كيف كان فلهم في المسألة أقوال عديدة:

أحدها: ما ذهب إليه غير واحد من المتأخّرين من كونه حقيقة في تعريف الجنس في مقابلة العهد و الاستغراق مجازا في غيره.

206

ثانيها: أنّه حقيقة في العموم مجاز في غيره، حكي ذلك قولا حسب ما نصّ عليه المصنّف فإنّه حمل كلام القائل بإفادته العموم على كونه موضوعا لخصوص العموم مجازا في غيره على حدّ سائر الصيغ المختصّة.

ثالثها: القول بالاشتراك اللفظي بين العموم و غيره، و هو الّذي يلوح من المصنّف بل قضيّة كلامه كما سيجي‏ء حكاية الاتّفاق عليه ممّن لا يقول بوضعه للعموم خاصّة.

رابعها: التفصيل بين ما يتميّز الواحد منه بالتاء و ما لا يتميّز به، فيفيد العموم في الأوّل دون الثاني، و حكي القول به عن إمام الحرمين.

خامسها: التفصيل المذكور بعينه إلّا أنّه ألحق بما يتميّز الواحد منه بالتاء ما يصحّ توصيفه بالوحدة- كالدينار و الدرهم- فإنّه يصحّ أن يقال: دينار واحد و درهم واحد، بخلاف نحو الذهب و الفضّة، إذ لا يقال: ذهب واحد و فضّة واحدة و حكي القول به عن الغزالي.

و المختار عندنا أنّه عند انتفاء القرائن و عدم حصول عهد في المقام إنّما يفيد تعريف الجنس و ينصرف إليه، و ذلك لما عرفت من كون اللام موضوعة للإشارة إلى مدخولها و إفادة تعريفه، و قد مرّ أيضا أنّ أسامي الأجناس إنّما وضعت للطبائع المطلقة المأخوذة لا بشرط شي‏ء، و إنّما يجي‏ء إفادة الخصوصيّات بملاحظة ما يطرؤها من الطوارئ و اللواحق، و المفروض أنّ الطارئ الحاصل في المقام- أعني اللام- لا يفيد سوى التعريف و الإشارة، فيكون مفاد اللفظين بملاحظة الوضعين هو تعريف الطبيعة نفسها حيث لم يلحظ أمر آخر معها، فيكون مفادها تعريف الطبيعة من حيث هي أي مع قطع النظر عن كونها متّحدة مع فرد خاصّ منها- كما في تعريف العهد- أو مع جميع الأفراد كما في الاستغراق.

و الحاصل: أنّ ما وضع له اسم الجنس هو الطبيعة لا بشرط شي‏ء فيعمّ الوجوه الثلاثة المذكورة حيث إنّ اللابشرط يجامع ألف شرط، فيتمّ تعريفه على كلّ من تلك الوجوه من غير لزوم تجوّز، إلّا أنّ كلّا من الوجهين الأخيرين يتوقّف على‏

207

انضمام أمر آخر ليكون اللفظ بتلك الواسطة دالّا عليه و يكون التعريف و الإشارة منصرفا إليه، و أمّا إرادة الجنس فلا يتوقّف على انضمام أمر إليه إذ مجرّد اللفظ كاف في الدلالة عليه، و يكفي في عدم إرادة تلك الخصوصيّات انتفاء ما يدلّ عليها، فيكون مفاد اللفظ حينئذ بملاحظة وضع اللام و اسم الجنس منضمّا إلى ما ذكرنا هو الطبيعة من حيث هي على الوجه الّذي بيّنا، فليس مجرّد وضع اللام للتعريف و الإشارة و وضع مدخولها لمطلق الجنس قاضيا بكونه حقيقة في الجنس بالمعنى المذكور مجازا في غيره، لما عرفت من كون الجنس الّذي وضع أسامي الأجناس بإزائه هو الطبيعة المطلقة الحاصلة في صورة العهد و الاستغراق أيضا، أمّا الجنس المقابل لهما فهو مأخوذ على وجه اللابشرط حاصل في صورة إرادة العهد عند إطلاقه على خصوص المعهود، و كذا في صورة إرادة الاستغراق فإنّ اللابشرط لا ينافي وجود الشرط.

غاية الأمر أن تكون الخصوصيّة مدلولة عليها بأمر خارجي لوضوح أنّ ما يدلّ على اللابشرط لا يفيد خصوصيّة الشرط.

و الحاصل: أنّ ملاحظة الوضعين المذكورين لا يقضي بكونه حقيقة في خصوص تعريف الجنس المقابل للعهد و الاستغراق، بل مقتضاه كونه حقيقة في الأعمّ من الوجوه الثلاثة.

غاية الأمر أنّه لمّا كان إطلاق اللفظ على خصوص المعهود أو على جميع الأفراد متوقّفا على ضمّ خصوصيّة إليه- و لم يكن نفس اللفظ دالّا على تلك الخصوصيّة، لوضعه للقدر المشترك- توقّف الدلالة على كلّ منهما على قيام قرينة دالّة عليه بخلاف الحمل على الجنس المقابل لهما، فإنّ عدم قيام الدليل على إطلاق اللفظ على إحدى الخصوصيّتين المذكورتين كاف في إفادته. فتبيّن بما قرّرنا أنّ المفرد المعرّف حقيقة في القدر المشترك بين الوجوه الثلاثة إلّا أنّه ينصرف عند الإطلاق إلى الجنس. و الظاهر أنّ ما اخترناه من كونه حقيقة في الأعمّ مختار جماعة من الأعلام كما يستفاد من كلماتهم. قال بعض الأفاضل: إنّ‏

208

طريقة تقسيمهم الجنس المعرّف باللام إلى أقسامه يقتضي القول بكونه حقيقة في الجميع، لكن لا على سبيل الاشتراك، بل من باب استعمال الكلّي في الأفراد انتهى.

و كيف كان فحمل اللام على الجنس في المفرد المعرّف متقدّم على حمله على العهد و الاستغراق و إن كان الحمل على العهد متقدّما عليه مع وجود المعهود، إذ هو أظهر من غيره كما مرّ في الجمع المعرّف إلّا أنّ صحّة الحمل عليه موقوف على وجود المعهود و لا يعقل الحمل عليه من دونه، فهو في الحقيقة مصحّح للحمل على العهد لا قرينة على الحمل عليه، كما مرّت الإشارة إليه و سيجي‏ء أيضا إن شاء اللّه.

هذا و القول بكونه للعموم يتوقّف على القول بتعلّق وضع خاصّ باللام الداخلة على المفرد يفيد الاستغراق من جهته أو القول بحصول وضع للهيئة التركيبيّة حسب ما مرّ نظيره للقول بوضع الجمع المعرّف لخصوص العموم و هو- مع بعده عن الظاهر- مدفوع بالأصل، مضافا إلى قضاء التبادر بخلافه، إذ لا يتبادر من المفرد المحلّى مع الإطلاق إلّا الطبيعة المطلقة المعرفة بواسطة الإشارة، و يشير إليه أيضا عدم صحّة الاستثناء منه مطّردا، و لو كان موضوعا للعموم ظاهرا فيه لاطّرد جواز الاستثناء منه.

حجّة القول بوضعه لتعريف الجنس خاصّة و كونه مجازا في إرادة العهد و الاستغراق وجوه:

أحدها: ما أشار إليه بعض المتأخّرين على نحو ما أشرنا إليه من أنّ ذلك قضيّة وضع اللام للإشارة و التعريف و وضع أسامي الأجناس للطبائع المطلقة- حسب ما مرّ الكلام فيها- فيكون مفاد اللفظ المذكور بملاحظة الوضعين المفروضين هو تعريف الجنس. و دعوى طروّ وضع آخر متعلّق بالهيئة التركيبيّة يفيد الاستغراق من جهته خلاف الأصل فلا يصار إليه إلّا بدليل.

و اورد عليه أنّه لا ريب في حصول وضع متعلّق بالهيئة التركيبيّة يصحّ التركيب بين اللفظين من جهته، و لا ريب أيضا في حصول الرخصة في الجملة في‏

209

استعمالها على كلّ من الوجوه الثلاثة المذكورة من الجنس و العهد و الاستغراق، و احتمال إرادة التكلّم بالنسبة إلى الكلّ متساوية، فلا يجري أصل العدم بالنسبة إلى شي‏ء منها و القول بأنّ مدخول اللام حقيقة في الطبيعة اللا بشرط فأصل الحقيقة لا يثبت الحقيقة بالنسبة إلى الهيئة التركيبيّة.

و أنت خبير بوهن الإيراد فإنّ تركيب اللام مع مدخوله ليس إلّا كسائر التراكيب و الوضع المتعلّق به كلّي نوعي يندرج فيه هذا التركيب أيضا، و لا داعي إلى التزام وضع شخصي يتعلّق بهذا التركيب الخاصّ حتّى يحتمل أن يكون خصوصيّة الدلالة على الاستغراق أو غيره حاصلة من جهته، و ليس مفاد الوضع العامّ المتعلّق بالتراكيب سوى الترخيص المتعلّق بتراكيب الألفاظ بعضها مع بعض و ضمّ بعضها مع آخر لحصول المعاني المركّبة من ذلك.

نعم قد لوحظ في بعض الهيئات معنى آخر يضمّ إلى معاني المفردات- كالنسبة الإضافيّة الملحوظة في وضع الإضافة و النسبة التوصيفيّة في التوصيف و نحو ذلك- و هو غير متحقّق الحصول في المقام، و قضيّة الأصل عدمه، و مقتضى الترخيص المطلق في التركيب ليس إلّا ضمّ معنى التعريف إلى معنى الجنس. فما ذكره من أنّ أصل الحقيقة لا يثبت الحقيقة بالنسبة إلى الهيئة التركيبيّة كما ترى، إذ ليس المقصود إثبات مفاد الهيئة التركيبيّة من جهة ذلك الأصل، بل المقصود أنّ قضيّة الأصل حمل اللفظين على معناهما الموضوع له، و قضيّة التركيب المرخّص فيه صحّة ضمّ أحدهما إلى الآخر، و جواز إرادة المعنى المركّب كما هو قضيّة الترخيص الحاصل في سائر التراكيب و تعلّق وضع خاصّ بتلك الهيئة غير معلوم، فالأصل عدمه، و لم يتحقّق هناك وضع خاصّ متعلّق ليشكّ فيما تعلّق به لئلّا يصحّ إجراء الأصل بالنسبة إليه. و من الغريب أنّ المورد المذكور لا زال يتمسك في دفع المعاني الزائدة بالأصل بالنسبة إلى الهيئات بعد تعلّق الوضع بها كما نصّ في دفع اعتبار الفوريّة فيما وضع له هيئة الأمر إلى غير ذلك من سائر الأبواب، فكيف! لم يعوّل عليه في المقام.

210

الثاني: تبادر تعريف الجنس من المفرد المعرّف عند الإطلاق من دون أن يتردّد الذهن بينه و بين العهد أو الاستغراق، و ذلك دليل على كونه حقيقة فيه مجازا في غيره.

الثالث: عدم صحّة الاستثناء منه مطّردا، لقبح «جاءني الرجل إلّا البصري، و أكرم الرجل إلّا الفساق» إلى غير ذلك.

و لا يذهب عليك أنّ شيئا من الوجوه المذكورة لا ينافي ما اخترناه من كونه حقيقة في تعريف الجنس بمعناه المطلق الشامل لإطلاقه على المعهود و الاستغراق و الجنس المأخوذ في مقابلتهما، فإنّا نقول به بانصرافه عند استعماله في الجنس المأخوذ على الوجه الأوّل إلى خصوص الأخير حسب ما قرّرناه و هو الوجه في تبادره منه فلا يفيد وضعه له بالخصوص. و غاية ما يقتضيه عدم اطّراد الاستثناء عدم وضعه للعموم و نحن نقول به أيضا. و ما ذكر في الوجه الأوّل من الرجوع إلى الأصل فهو في الحقيقة دليل على المختار- حسب ما مرّ بيانه- و الاحتجاج به على القول المذكور مبنيّ على الخلط بين مفادي الجنس على الوجهين المذكورين.

هذا، و قد يتخيّل في المقام أنّه لا تجوّز هنا بالنسبة إلى اللام في شي‏ء من الإطلاقات المذكورة لكونها موضوعة لتعريف مدخولها و الإشارة إليه و هو حاصل في كلّ من الوجوه المذكورة، و إنّما التجوّز في المقام عند استعمال المفرد المعرّف في العهد أو الاستغراق أو العهد الذهني في مدخول اللام، لكونه حقيقة في مطلق الجنس حسب ما تقرّر من وضع أسامي الأجناس لنفس الأجناس و الطبائع المطلقة، فاستعمالها في الفرد المعيّن أو في جميع الأفراد أو الفرد المنتشر مجاز، لضمّ الخصوصيّة المذكورة إلى مفاد نفس الكلمة، و لأنّ إرادة أيّ من المعاني المذكورة منها متوقّفة على قيام القرينة سوى إرادة الجنس، و ذلك شاهد على المجازيّة، و حيث لا تجوّز بالنسبة إلى الأداة حسب ما قرّرناه فالتجوّز في مدخولها.

211

و ضعفه ظاهر ممّا قرّرناه فإنّ ما وضع له أسامي الأجناس هو الطبائع المطلقة المأخوذة لا بشرط شي‏ء، و من المقرّر أنّ الماهيّة اللا بشرط يجامع ألف شرط فإطلاقه على الماهيّة المطلقة المقيّدة لا يقضي بخروج اللفظ عن موضوعه إذا كانت الخصوصيّة مرادة من الخارج لا من نفس اللفظ حسب ما قرّرناه في إطلاق الكلّي على الفرد كما هو الحال في معظم استعمالات الكلّيات، فإنّها في الغالب إنّما تطلق على المفاهيم المقيّدة مع أنّه لا تجوّز فيها كما هو ظاهر من ملاحظة استعمالاتها.

و قد مرّ تفصيل القول فيه و من ذلك موضع الكلام في المقام فإنّ من تأمّل في استعمالاته العرفيّة في المخاطبات الجارية يكاد يقطع بكون استعماله على وجه الحقيقة حين إطلاقه على المعهود كما في قولك «يا أيّها الرجل أو أكرم هذا الرجل و ائتني بذلك الرجل و نحوها» من الاستعمالات الشائعة المتكثّرة و كذا الحال في إطلاقه على جميع الأفراد و الفرد المنتشر عند التأمّل في المقام، فالحيثيّة الملحوظة في وضع المادّة أعمّ من الجنس الملحوظ في المقام، فإنّ المراد بالجنس هناك يعمّ ما إذا اريد به العهد أو الاستغراق أو العهد الذهني أيضا بخلاف ما يراد من الجنس هنا، فإنّه يقابلها فالجنسيّة على الوجه الثاني ملحوظة بشرط لا، لعدم اجتماع إرادتها مع إرادة أحد المعاني المذكورة بخلاف الجنس الملحوظ في الوجه الأوّل، فإنّه مأخوذ على وجه اللا بشرط فيعمّ كلّا من الوجوه المذكورة.

و ما ذكر من توقّف فهم تلك المعاني على ضمّ القرينة فيكون شاهدا على مجازيّته فيها أوهن شي‏ء، و ذلك لأنّ ضمّ أحد القيود المذكورة إلى الطبيعة المطلقة و كون الطبيعة اللا بشرط حاصلة مع أحد الشروط المعيّنة لا بدّ له من دليل يدلّ عليه، فإنّ مجرّد اللفظ الموضوع للطبيعة المطلقة لا يدلّ عليه، فلابدّ من قرينة تدلّ على كون تلك الطبيعة المطلقة مقترنة بواحد منها حاصلة معها- كما هو الحال في إطلاق الكلّي على الفرد في سائر المقامات- فإنّه لو لم يقم دليل على إطلاق الكلّي على الفرد لم يحمل اللفظ إلّا على الطبيعة المطلقة إذ لا يزيد مدخول اللفظ على ذلك.

212

فإن قلت: إذا كان نفس مدلول اللفظ لا يزيد إلّا على ذلك و لا يفيد سوى إرادة الطبيعة المطلقة كان إرادة ما سوى ذلك منه خروجا عن مقتضى وضعه فيكون مجازا، فإذا كان الألفاظ الخالية عن اللام و التنوين موضوعة لنفس الأجناس كان مفادها بعد ضمّ لام التعريف هو الجنس المعرّف لا غيره من العهد أو الاستغراق أو غيرها فلا محالة يكون إطلاقه مجازا.

قلت: إنّما يتمّ ذلك لو ادرجت تلك الخصوصيّات في المراد من اللفظ و ليس كذلك، بل انّما تراد تلك من القرائن المنضمّة و لا يراد من اللفظ إلّا نفس الطبيعة، فمراد المتكلّم هو الطبيعة المقيّدة و قد اطلق اللفظ عليها لكن نفس الطبيعة مدلولة لنفس اللفظ و القيد مستفاد من القرائن المنضمّة إليه- حسب ما فصّل الكلام فيه في بيان إطلاق الكلّي على الفرد- و بيّنا أنّ الاستعمال المفروض على وجه الحقيقة و إن اطلق اللفظ على خصوص الفرد إذا كان ذلك من حيث اتّحاده مع الطبيعة و انطباقها عليه مع كون الخصوصيّة مفهومة من الخارج.

حجّة القول بكونه للعموم وجوه تأتي الإشارة إلى وجهين منها في كلام المصنّف.

قوله: (لنا عدم تبادر العموم منه.)

لا يخفى أنّه لو تمّ الاستدلال المذكور لأفاد كونه مجازا في العموم، فإنّ عدم التبادر من أمارات المجاز و حينئذ ينافي ذلك ما سيصرّح به من كونه حقيقة في العموم قطعا، و إنّما الكلام في كونه حقيقة فيه خاصّة أو أنّه حقيقة فيه و في غيره أيضا، و يمكن توجيهه بأنّ المقصود عدم تبادر العموم منه على وجه يعلم أنّه المراد و هو يفيد عدم كونه حقيقة فيه بخصوصه سواء كان مجازا فيه أو مشتركا بينه و بين غيره.

قوله: (لو عمّ لجاز الاستثناء منه مطّردا.)

أراد بذلك الدلالة على عدم وضعه خاصّة سواء كان مجازا فيه أو مشتركا بينه و بين غيره حيث لا يجري اطّراد الاستثناء حينئذ بالنسبة إلى معناه الآخر، فلا ينافي ذلك أيضا ما سيجي‏ء من اعترافه بوضعه للعموم في الجملة.

213

و يمكن الإيراد عليه بأنّ عدم اطّراد الاستثناء إن كان مع الخلوّ عن القرائن أفاد عدم وضعه للعموم أصلا، إذ لو كان موضوعا للعموم لجاز إرادة العموم منه في كلّ موضع خال عن القرينة فيصحّ الاستثناء و يكون ذلك قرينة معيّنة لاستعماله في العموم. و إن كان مع وجود القرينة لم يكن فيه دلالة على وضعه للعموم أصلا، ضرورة عدم صحّة الاستثناء بعد قيام القرينة على عدم إرادة العموم و لو كان اللفظ موضوعا للعموم.

نعم قد يتّضح الاستدلال بذلك على ما هو المختار من كونه موضوعا للأعمّ إذ ليس معناه الموضوع له خصوص العموم فلا يطّرد صحّة الاستثناء بالنسبة إليه و إنّما يتبع ذلك خصوص المقامات.

هذا و قد يستدل على القول المذكور بوجوه اخر موهونة:

منها: أنّه لو كان للعموم لما صحّ أن يقال «أكلت الخبز و شربت الماء» و قد أكل خبزا واحدا و شرب شربة من الماء، فإنّه مع انتفاء الوضع يتوقّف صحّة الاستعمال على وجود العلاقة بينهما و حيث لا علاقة بينهما- كما هو الحال في سائر العمومات إذا اريد بها الواحد حسب ما فصّل في محلّه- يتعيّن كونه غلطا. و هو ما ذكرناه من الملازمة و التالي باطل قطعا فكذا المقدّم.

و اورد عليه بأنّ غاية ما يلزم من ذلك عدم صحّة ذلك حقيقة و أمّا جوازه مجازا فلا مانع منه، و القرينة عليه حاصلة في المقام، لوضوح عدم تمكّن أحد من أكل كلّ خبز و شرب جميع الماء.

و أورد عليه بعض الأفاضل بأنّ المقام محلّ تأمّل، لوضوح أنّ صحّة التخصيص المذكور محلّ تشاجر بين الاصوليّين. و محقّقوهم ذهبوا إلى المنع منه و اشتراط بقاء جمع يقرب من مدلول العامّ كما سيجي‏ء بيانه إن شاء اللّه.

و استندوا في المنع إلى استهجان العرف و عدم وجود العلاقة المعتبرة، فلو كان المفرد المعرّف عامّا كان ما ذكر مندرجا تحت ذلك و كان مستهجنا في العرف خاليا عن العلاقة المعتبرة على ما ذكروه، بل لو قلنا بجواز التخصيص المذكور

214

فلا أقلّ من كون ذلك محلّا للخلاف، موردا للالتباس، ممنوعا عند الجماعة، مع جواز الاستعمال المذكور عند الكلّ، بل قضاء ضرورة اللغة به، حيث لا مجال لاحتمال المنع منه، فكيف! يبنى صحّته على الوجه المذكور المختلف فيه بل الممنوع منه عند المحقّقين، فالاتّفاق على صحّة التعبير المذكور مع ظهور الخلاف في صحّة التخصيص إلى الحدّ المذكور دليل على عدم استناد جوازه إلى ذلك، فيكون شاهدا على عدم وضعه للعموم. و يوضّح ذلك أنّ العبارة المذكورة بناء على كون المفرد المعرّف للعموم بمنزلة قولك: أكلت كلّ خبز و شربت جميع المياه، و من الواضح استهجان الثاني في العرف و عدم جريانه في الاستعمالات و المنع منه عند الجماعة بخلاف الأوّل، لجريانه في الاستعمال و عدم استهجانه أصلا، و عدم توهّم أحد حصول المنع منه فهو أقوى دليل على الفرق، و ليس إلّا من جهة إفادة الثاني للعموم دون الأوّل كما هو المدّعى.

و يدفعه: أنّه إنّما يتمّ ذلك لو انحصر طريق التجوّز فيه في التخصيص كما في المثال المذكور، أمّا لو أمكن التجوّز فيه بغيره كإرادة الجنس أو العهد فلا مجال للإيراد المذكور أصلا، و لا خلاف لأحد في جواز استعمال المفرد المعرّف في كلّ من المعنيين و إن اختلفوا في اختصاصه وضعا بالعموم على ما يتراءى من ظاهر كلماتهم.

و هذا هو الوجه في الاتّفاق على جواز الاستعمال المذكور مع وضوح الخلاف في جواز التخصيص بالأكثر، فالاحتجاج المذكور ضعيف جدّا على أنّه- مع الغضّ عمّا ذكرنا و القول بصحّة البيان المذكور- فهو لا يقضي بنفي كونه حقيقة في العموم مطلقا أقصى الأمر أن يفيد عدم وضعه لخصوص العموم، فلا ينافي ما اخترناه من وضعه للقدر المشترك. فإن كان المقصود بالاحتجاج بيان ذلك فلا كلام. و إن اريد نفي كون إطلاقه مع إرادة العموم حقيقة مطلقا فهو موهون جدّا، على أنّه يمكن الإيراد عليه بأنّه لا مانع من القول بكونه موضوعا للعموم بكون الاستعمال المذكور مجازا، و ما ذكر من منع إطلاق العامّ على الواحد على فرض‏

215

تسليمه إنّما يتمّ إذا كان على سبيل التخصيص، و لا مانع من القول بكون اللام بحسب وضعه للاستغراق و يستعمل في الجنس على سبيل المجاز لعلاقة له، حيث إنّ كلّا منهما إنّما يراد به تعريف مدخوله، كيف! و جواز إرادة الجنس من الفرد المعرّف حقيقة أو مجازا ممّا لا خلاف فيه و إن اختلفوا في اختصاصه وضعا بالعموم على ما يتراءى من ظاهر كلامهم.

و منها: أنّه لو كان للعموم لجاز وصفه بالجمع المعرّف و تأكيده به و هو غير جائز، إذ لا يقال: رأيت الرجل العدول، أو ذهب الفقيه كلّهم.

و فيه: أنّه قد يكون من جهة مراعاة المشاكلة اللفظية.

قوله: (جواز وصفه بالجمع ... الخ) توضيح الاستدلال: أنّه قد وقع توصيف المفرد المحلّى بالجمع المعرّف في كلام من يعتدّ بشأنه من العرب- حسب ما حكاه الأخفش من العبارتين المذكورتين- فيفيد ذلك جواز توصيفه به و حيث إنّ الجمع المحلّى يفيد العموم كما مرّ فكذا المفرد و إلّا لم يحصل المطابقة بين الموصوف و الصفة.

قوله: (صحّة الاستثناء منه.)

يمكن أن يريد به جواز الاستثناء منه مطّردا فإنّه دليل الوضع للعموم، و قد يراد به صحّة الاستثناء منه في الجملة بدعوى كون ذلك أيضا دليلا على الوضع للعموم، أو يجعل ذلك دليلا على استعماله هناك في العموم، و يتمسّك حينئذ في كونه حقيقة بأنّ الأصل في الاستعمال الحقيقة.

قوله: (بالمنع من دلالته على العموم) كأنّه يريد بذلك أنّ العموم الحاصل في المفرد على القول به إنّما يكون بدلالته على كلّ فرد، و عموم الجمع إنّما هو بدلالته على مجموع الأفراد و لا تطابق بينهما، و لو قلنا بعموم المفرد فلابدّ من التوجيه في تطبيق الوصف على الموصوف على كلّ حال، و معه لا يبقى فيه دلالة على المدّعى لعدم انحصار الوجه في التوجيه.

و قد يتراءى من ظاهر تعبيره أنّ المراد بما ذكره في سند المنع أنّ بناء العموم‏

216

هو الدلالة على كلّ فرد، إذ العامّ هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له، و مدلول الجمع هو مجموع الأفراد حيث اطلق الجمع في المقام على أعلى مراتبه و دلالته على خصوصيّات الأفراد المندرجة تحته من قبيل دلالة الكلّ على أجزائه، و ليس ذلك من قبيل دلالة العامّ، فلا دلالة في توصيفه به على عموم المفرد، إذ لا عموم فيه كذلك حتّى يفيد العموم في موصوفه. و يضعّفه حينئذ ما عرفت من دلالة الجمع المحلّى على العموم و أنّ مبنى العموم يعمّ الوجهين، و لذا ذهب المعظم إلى عموم الجمع من غير خلاف يعتدّ به كما مرّ.

قوله: (بأنّه مجاز لعدم الاطّراد.)

أراد بذلك أنّ مجرّد صحّة الاستثناء في بعض الفروض لا يفيد الوضع للعموم بل عدم اطّراده كما في المقام يفيد خلافه، إذ لو كان موضوعا له لاطّرد ذلك و جاز الاستثناء في سائر الموارد لصحّة الاستثناء من العامّ في كلّ مقام.

قوله: (فلأنّه مبنيّ على أنّ عموم الجمع ليس كعموم المفرد.)

يريد أنّ التحقيق أنّ عموم الجمع على نحو عموم المفرد، فمفاد الجمع المحلّى هو كلّ واحد من أفراد مفرده- كما أنّ عموم المفرد هو كلّ واحد منه- و لذا اختار بعضهم ثبوت وضع جديد للهيئة التركيبيّة في الجمع المحلّى مفيد لذلك كما مرّت الإشارة إليه.

و قد يورد عليه بأنّ القول بحصول وضع جديد للجمع المحلّى يفيد بسببه العموم الأفرادي بعيد جدّا، بل فاسد ظاهرا- حسب ما مرّ بيانه- و إنّما يفيد العموم الأفرادي من جهة تعلّق الحكم بكلّ واحد من الجزئيّات المندرجة تحت الجميع اندراج الجزء تحت الكلّ، حيث اطلق الجمع على مرتبته العليا، فتعلّق الحكم بكلّ واحد من الآحاد المندرجة فيها، و حينئذ فالمراد بالجمع هو مجموع الأفراد الّتي هي المرتبة العليا من الجمع، و عموم الحكم إنّما هو بالنسبة إلى جزئيّات مفرده المندرجة فيها حيث تعلّق الحكم بكلّ واحد منها، فشمول الحكم لكلّ واحد من الآحاد لا ينافي استعمال الجمع بنفسه في المجموع. و التوصيف في المقام إنّما

217

يلاحظ بالنسبة إلى معناه الأفرادي و لا يراد به سوى مجموع تلك الآحاد، و العموم الأفرادي إنّما يجي‏ء من ملاحظة التركيب و تعلّق الحكم به و لا ربط له بالتوصيف حتّى يجعل ذلك مصحّحا لتوصيفه بالجمع. و فيه نظر المذكور في الأصل بعد الإيراد. و يدفعه من غير ذكر وجه.

قوله: (لا مجال لإنكار إفادة.)

هذا الكلام ظاهر في ذهابه- بعد إنكاره كون المفرد المعرّف من ألفاظ العموم- إلى اشتراكه لفظا بين الاستغراق و العهد و الجنس، و قد عرفت وهنه.

نعم كون الاستعمال الواقع على كلّ من الوجوه الثلاثة على سبيل الحقيقة هو الظاهر، لكن لا من جهة الاشتراك اللفظي، بل من جهة الاشتراك المعنوي و حصول ما وضع له اللفظان أعني اللام و مدخوله كما مرّ تفصيل القول فيه.

قوله: (و كونه أحد معانيها ممّا لا يظهر فيه خلاف.)

هذه العبارة واضحة الدلالة على كون الاستغراق مدلول اللام عنده و أنّها موضوعة بإزائه، و قد عرفت أنّه لا وجه له و أنّ الاستغراق حاصل بمعونة المقام، و أنّ نفس الاستغراق ممّا لا يستعمل فيه اللفظ قطعا، كما هو الحال فيما يراد منه الجنس و العهد.

نعم يتحصّل من ضمّ اللام إلى مدخوله معنى يكون مستغرقا للآحاد المندرجة فيه. هذا بالنسبة إلى الجمع و أمّا المفرد فعلى أحد الوجوه فيه.

و توضيح المقام: أنّ إرادة الاستغراق من المفرد المعرّف يتصوّر على وجوه:

أحدها: أن يكون الهيئة التركيبيّة أو المجموع المركّب من اللفظين موضوعة لإفادة الاستغراق على ما مرّ نظيره في الجمع.

ثانيها: أن يكون اللام الداخلة عليه بمعنى كلّ و يكون قولك «العالم» بمنزلة كلّ عالم، و حينئذ فيكون التعريف فيه لفظيّا- حسب ما مرّت الإشارة إليه في كلام نجم الأئمّة- أو يقال حينئذ بكون مفاده مفاد كلّ من حيث حضور الكلّ في الذهن و الإشارة إليه ليكون ذلك سببا مفيدا للتعريف، و قد مرّ نظير ذلك في الجمع أيضا.

218

ثالثها: أن يكون المراد من مدخول اللام هو الطبيعة المطلقة من حيث كونها مرآتا للآحاد المندرجة تحتها نظرا إلى القرينة الدالّة عليه و يكون اللام الداخلة عليها إشارة إلى الطبيعة المفروضة تعريفا لها من تلك الحيثيّة، فيكون مفاده هو تعريف الآحاد، إذ مفاد الطبيعة الملحوظة على الوجه المفروض عين مفاد الفرد.

رابعها: أن يطلق الجنس المدخول للّام على جميع الآحاد كما أنّه يطلق في المعهود على خصوص فرد أو أفراد معهودة، فيكون اللام حينئذ للإشارة إلى خصوص تلك الأفراد و تعريفها، كما هو الحال في تعريف العهد من غير لزوم مجاز في اللام و لا في مدخوله.

خامسها: أن يكون المراد من مدخوله نفس الجنس و الطبيعة المطلقة المأخوذة لا بشرط شي‏ء و لكن قامت القرينة على إطلاق تلك الطبيعة على جميع الآحاد المندرجة تحتها، فيكون اللام تعريفا للطبيعة بالذات و لتلك الآحاد بالعرض بملاحظة إطلاقها عليها.

سادسها: أن يكون اللام لتعريف نفس الطبيعة كغيرها من المقامات لكن تقوم هناك قرينة خارجيّة على الاستغراق و حصول تلك الطبيعة في ضمن جميع الآحاد من غير أن يراد من لفظ الجنس المذكور بوجه من الوجوه، فلا يكون الاستغراق حينئذ من مدلول المفرد أصلا، و إنّما هو مدلول خارجي حاصل من القرينة من غير أن تفيد القرينة استعمال اللفظ فيه و لا إطلاقه عليه.

قوله: (إنّ القرينة الحاليّة قائمة ... الخ.)

الظاهر العبارة المذكورة- سيّما بملاحظة ما تقدّم- يعطي كون مراده كون العموم المحمول عليه هنا من جهة حمل اللام على الاستغراق حملا للمشترك على أحد معانيه، فيكون عموم المفرد حينئذ استغراقيّا وضعيّا كسائر ألفاظ العموم، إلّا أنّ الفرق اشتراكه هنا بين العموم و غيره، و تعيين الأوّل من جهة القرينة بخلاف غيره من ألفاظ العموم، فلا يندرج إذن في المطلقات لينصرف إلى الأفراد الشائعة- حسب ما سيجي‏ء الكلام فيه- و هو ضعيف و ما يذكره في بيانه غير متّجه- كما سيجي‏ء الإشارة إليه-.

219

و في قوله «غالبا» إشارة إلى عدم إفادته العموم في بعض المواضع ممّا يقع متعلّقا للأمر أو يقع في سياقه للاكتفاء بإيقاعه في ضمن فرد مّا، و لذا فصّل بعض الأفاضل في المقام فقال: إنّ المفرد المعرّف إذا وقع متعلّقا للأمر كان مفاده الطبيعة في ضمن فرد مّا، لشهادة العرف بحصول الامتثال به، و إذا وقع متعلّقا للنهي أفاد العموم، لعدم حصول ترك الطبيعة إلّا بتركها في ضمن جميع الأفراد مضافا إلى شهادة فهم العرف بإرادة ذلك و توقّف حصول الامتثال عندهم على ذلك، و إذا وقع متعلّقا لسائر الأحكام- كالحلّية و الطهارة و عدم الانفعال بالنجاسة و نحوها- أفاد العموم بالنظر إلى دليل الحكمة- حسب ما أشار إليه- و يمكن أن يقال باستفادة العموم منه في مقام الأمر أيضا، إذ ليس المقصود حينئذ إيجاد الطبيعة في ضمن فرد معيّن إذ لا تعيين، و لا في ضمن فرد مّا على سبيل الإبهام و الإجمال لخروج الكلام منه عن الإفادة، بل المقصود أداؤها في ضمن أيّ فرد كان.

غاية الأمر أن يكون العموم فيه بدليّا فاستفادة العموم حاصلة في المقامين غير أنّ العموم هنا بدلي و في غيره استغراقي، و الظاهر أنّ المفصّل المذكور قائل بذلك أيضا، و المصنّف أيضا يقول به، فلا خلاف في المعنى إنّما الكلام في التسمية.

و الحقّ أن يقال: إنّ متعلّق الأحكام الشرعيّة إنّما هي الطبائع من حيث اتّحادها مع أفرادها، و كونها عنوانات لمصاديقها من غير أن يكون الأفراد بنفسها متعلّقا للأحكام، بل من حيث اتّحادها مع الطبيعة، حيث إنّ الأمر قد تعلّق بالطبيعة من الحيثيّة المذكورة- حسب ما أشرنا إليه- و حينئذ فإمّا أن يتعلّق الأمر بها من حيث اتّحادها مع فرد مخصوص أو مع فرد مّا أو جميع الأفراد، و حيث لا سبيل إلى الأوّل لانتفاء العهديّة و الجهة المعيّنة و عدم حصول فائدة في الثاني يتعيّن الثالث، و ليس ذلك قاضيا باستعمال اللفظ في العموم، بل إنّما يفيد كون المراد من تعليق الحكم على الطبيعة هو الطبيعة الحاصلة في ضمن كلّ فرد من أفرادها، فيكون اعتبار الحكم المذكور مكمّلا للمراد دالّا على العموم من دون أن يكون ذلك مرادا من اللفظ، و يحتمل القول بكون الحكمة المذكورة قرينة على إرادة ذلك‏

220

من اللفظ بأن يفيد كون المراد من اللفظ الدالّ على الطبيعة هو الطبيعة من حيث اتّحادها مع كلّ من الآحاد و لا مجاز أيضا- كما عرفت الحال فيه ممّا مرّ- فإنّ ذلك أيضا من إطلاق الكلّي على الفرد مع كون المفهم له أمرا خارجيّا و هذا هو الأظهر، و كيف كان فالعموم المستفاد على الوجه المذكور لا يتعدّى إلى الأفراد الشائعة، بل إنّما ينصرف إليها دون النادرة، بل ينصرف إلى ما يقتضيه خصوص المقام- كما إذا وكّله في شراء العبد- فإنّ ظاهر التوكيل في الشراء ينصرف إلى إرادة العبد السليم الخالي من العيب مع أنّ لفظ العبد في نفسه يعمّ ذلك و غيره.

و هذا في الحقيقة خارج عمّا نحن بصدده، لرجوعه إذن إلى فهم الخصوصيّة من خصوص المقام لا بانصراف اللفظ إليه في نفسه- كما هو الملحوظ من انصراف المطلق إلى الأفراد الشائعة-.

[الجمع المضاف و المفرد المضاف‏]

و لنتبع الكلام في المقام بذكر امور: أحدها: أنّه يجري في الجمع المضاف و المفرد المضاف ما ذكرناه في الجمع المعرّف و المفرد المعرّف، فكما أنّ الجمع المعرّف يفيد العموم فكذا الجمع المضاف، و التبادر الحاصل هناك قائم هنا أيضا، إلّا أنّ العموم في الجمع المعرّف بالنسبة إلى أفراد الجمع وهنا إلى أفراده المقيّدة بالمضاف إليه.

و التحقيق فيه نظير ما ذكرنا في الجمع المعرّف فإنّ التعريف كما يحصل بالألف و اللام كذا يحصل بالإضافة، و كما أنّ التعريف قد يكون بتعريف الجنس قد يكون بتعريف العهد و قد يكون بالاستغراق، فلمّا كان الجمع اسما للوحدات- حسب ما عرفت- و كان المرتبة المتيقّنة من الجمع هي الدرجة العليا منه- حسب ما مرّ- لزم انصراف التعريف إليه إلى آخر ما ذكر. و أمّا على القول المذكور في الجمع فينبغي القول بوضع الهيئة التركيبيّة هنا للعموم، فينبغي القول بتعلّق وضع خاصّ لإضافة الجمع نظرا الى زيادة ذلك في معناه بخلاف غيره من الإضافات، و هو أيضا يوهن الدعوى المذكورة، إذ ثبوت وضع خاصّ للإضافة المفروضة خلاف الأصل و الظاهر.

221

ثمّ إنّ قضيّة ما ذكرناه في بيان المختار اختصاص القول بالعموم بالجمع المضاف إلى المعرفة ليتحصّل به تعريف المضاف، و أمّا المضاف إلى النكرة فلا يجزي فيه الوجه المذكور، فالظاهر عدم إفادته للعموم، و لو قيل بكون دلالته عليه من جهة الوضع التركيبي فربما يقال بتعميم الحكم للأمرين، و قد يشير إلى ذلك إطلاق بعضهم بكون الجمع المضاف للعموم- كما في كلام شيخنا البهائي في الزبدة و غيره-.

و قد يحتجّ عليه بالتبادر، لكنّك خبير بأنّ التأمّل في العرف قاض بالفرق، و دعوى التبادر بالنسبة إلى المضاف إلى النكرة ممنوعة و المسلّم منه إنّما هو بالنسبة إلى المضاف إلى المعرفة، و ليس مستندا إلى نفس اللفظ ليفيد الوضع و إنّما هو مستند إلى ما ذكرناه من الوجه- حسب ما مرّ القول فيه-.

و أقصى ما يسلّم في المضاف إلى النكرة هو الإطلاق الراجع إلى العموم في كثير من المقامات من جهة دليل الحكمة و لا ربط له بالمقام. و الحقّ في المفرد المضاف ما ذكرناه في المفرد المعرّف بالأداة.

ثانيها: أنّه قد يتوهّم أنّ انصراف المطلق إلى الشائع بحصول النقل و كون اللفظ منقولا في العرف إلى خصوص ما يعمّ الأفراد الشائعة و هجره من المعنى العامّ الشامل للجميع، نظرا إلى تبادر غيره منه في العرف، فيكون حقيقة عرفيّة في الشائع مجازا في غيره أخذا بمقتضى العلامتين، فلابدّ إذن من الحمل عليه لتقديم الحقيقة العرفيّة على اللغويّة القديمة قطعا، و انصراف كلام الشارع إليه مع دورانه بين الأمرين، لتقديم العرف على اللغة حسب ما قرّر في محلّه.

و هذا الوجه فاسد جدّا، إذ دعوى كونه مجازا في المعنى العامّ و حصول الهجر بالنسبة إليه ممّا ينافيه صريح العرف، كيف! و لو كان كذلك لم يكن هناك فرق بين العمومات و المطلقات، إذ العموم إنّما يعرض اللفظ بالنسبة إلى ما وضع بإزائه، و دعوى دلالة التبادر على كونه حقيقة في خصوص الشائع و عدم تبادر المعنى الأعمّ منه و من النادر على كونه مجازا فيه فاسدة، إذ التبادر في المقام ليس‏

222

مستندا إلى نفس اللفظ بل من جهة غلبة الإطلاق، فهو نظير تبادر المجاز الراجح على الحقيقة بملاحظة الشهرة، فلا يكون علامة على الحقيقة و لا عدمه علامة للمجاز حسب ما مرّ بيانه، و مع الغضّ عن ظهور ذلك في المقام فمجرّد الشكّ في استناده إلى اللفظ أو الغلبة الظاهرة كاف في دفع ذلك، لأصالة عدم النقل. و دعوى أنّ الأصل في التبادر أن يكون مستندا إلى نفس اللفظ و كونه أمارة على الحقيقة على إطلاقها فاسدة، بل الأصل في المقام قاض بخلافه، لظهور حصول الشهرة الباعثة على الفهم، فالأصل عدم حصول سبب آخر ليستند الفهم إلى الوضع. و قد مرّ بيان ذلك في محلّه.

و يظهر من بعض الأفاضل القول بثبوت الوضع الجديد العرفي لخصوص ما يعمّ الأفراد الشائعة من غير هجر المعنى القديم الشامل للجميع، فيكون اللفظ مشتركا بين المعنيين، إذ حصول الشهرة لاستعماله في خصوص الجامع بين الأفراد الشائعة ليكون مجازا مشهورا فيه من غير أن يبلغ إلى حدّ الحقيقة، فعلى الوجهين لا يتّجه الحمل على الأفراد الشائعة، بل لابدّ من التوقّف بين المعنيين، لعدم مدخليّة مجرّد شهرة أحد معاني المشترك في ترجيح الحمل عليه، لمعارضة الشهرة في المجاز المشهور بأصالة الحقيقة، إلّا أنّه لمّا كانت الأفراد الشائعة مندرجة في المعنيين كان الحكم ثابتا بالنسبة إليها قطعا، فيحكم بثبوت الحكم بالنسبة إليها دون غيرها، لعدم إفادة اللفظ حينئذ ما يزيد على ثبوت الحكم بالنسبة إلى الأفراد الشائعة من جهة الإجمال المفروض.

و فيه: أنّ القول بثبوت الوضع الجديد بعيد جدّا و لا شاهد عليه سوى التبادر المذكور، و قد عرفت الحال فيه، و هو أيضا مدفوع بالأصل- كما عرفت- و التزام التجوّز في إطلاقه على الأفراد الشائعة- كما جرى عليه مسلّم الاستعمالات- موهون جدّا. و يدفعه الأصل أيضا مع عدم الحاجة إلى التزامه، كيف و لو كان الوجه فيه ما ذكر لم يكن اللفظ منصرفا إلى الشائع بحيث يفهم منه عرفا إرادة الشائع، بل يكون مجملا في مقام الفهم، و إنّما يثبت الحكم للشائع من جهة

223

اندراجه في المفهوم على الوجهين و هو خلاف ما يقتضيه الرجوع إلى المخاطبات العرفيّة، حيث إنّ المفهوم منها إرادة الشائع دون الحكم به من جهة الإجمال- حسب ما قرّرنا- و هو ظاهر. و أيضا لو كان الوجه فيه ما ذكر لزم الرجوع إلى الأصل، و هو كما يقتضي الاقتصار على الأفراد الشائعة فقد يقتضي التعميم- كما إذا كان الحكم المدلول عليه موافقا للأصل- فيكون ذلك قاضيا في مقام الفقاهة بثبوت الحكم للأعمّ، بل قد يقال بكون الأصل مرجّحا لحمله عليه أيضا.

و يمكن أن يقال: إنّ الكلام في المقام في بيان ما يستفاد من اللفظ و الأصل المذكور إنّما يعمل عليه في مقام الفقاهة و لا يقضي باستفادته من اللفظ، فلا يصحّ جعله مرجّحا لحمل اللفظ عليه. و أمّا ثبوت الحكم للأفراد الشائعة فهو مستفاد من اللفظ دون غيره نظرا إلى الوجه المذكور من جهة الإجمال المفروض، فيكون القدر الثابت من اللفظ هو ثبوت الحكم للأفراد الشائعة دون غيره، فمقتضاه الأصل بثبوت الحكم للأعمّ غير أن يكون ذلك هو القدر المستفاد من اللفظ كما يقتضيه الوجه المذكور و ذلك هو الملحوظ في المقام.

و فيه: أنّ ذلك لا يتمّ على التقرير المذكور أيضا، إذ قد يكون قضيّة الأخذ بالمتيقّن حمله على الأعمّ فيكون ذلك هو القدر المستفاد عن اللفظ كما إذا علّق عليه تكليف وجودي- كما إذا قال «إذا لم يأتك الإنسان فاقتل زيدا» فإنّه إن حمل على الأفراد الشائعة وجب القتل عند عدم مجيئه و لو جاءه غير الشائع، و هو خلاف الأصل، فالقدر الثابت من الإجمال هو وجوب القتل عند عدم مجي‏ء الشائع و غيره، و لابدّ من الاقتصار عليه حتّى يقوم دليل على الوجوب عند عدم مجي‏ء الشائع- نظير ما قرّرنا هناك-.

فالحقّ أن يقال: إنّ انصراف المطلق إلى الشائع إنّما هو من جهة غلبة إطلاق المطلق عليه من دون لزوم تجوّز و لا نقل و لا التزام وضع جديد.

و توضيح الكلام فيه: أنّك قد عرفت أنّ إطلاق الكلّي على الفرد غير استعماله في خصوص الفرد، و أنّه لا يستلزم ذلك تجوّزا في اللفظ و إن كانت الخصوصيّة

224

ملحوظة للمستعمل إذا لم يقحمه في معنى اللفظ و إنّما يريدها من الخارج، و أنّه قد ينتهي الغلبة المذكورة إلى حدّ النقل فيتعيّن اللفظ لمّا اطلق عليه و يكون حقيقة فيه بخصوصه من غير أن يكون نقله إليه مسبوقا بالتجوّز، فحينئذ نقول: إنّه إذا لم ينته إلى حدّ النقل- بحيث يكون اللفظ منصرفا إليه من دون ملاحظة الشهرة- فقد يكون بحيث ينصرف إليه بملاحظة الشهرة نظير المجاز المشهور فيما يستعمل اللفظ فيه، و حينئذ يكون اللفظ باقيا على الحقيقة الأصليّة منصرفا إلى الشائع بملاحظة الشهرة المفروضة. و القول بأنّ الشهرة لا تكون باعثة على الحمل و أنّها معارضة بأصالة الحقيقة- كما في كلام الفاضل المذكور- قد عرفت فساده ممّا قرّرناه في محلّه، إذ ذاك ممّا يتبع درجة الشهرة كما عرفت الحال فيه.

غاية الأمر تردّد الذهن عند عدم بلوغها إلى تلك الدرجة إذا كانت مطابقة لما يقتضيه ظاهر الإطلاق، و أمّا إذا كان الظنّ الحاصل من الشهرة راجحا على الحاصل من ظاهر الإطلاق- كما هو الحال في موارد انصراف المطلق إلى الشائع- فلا ريب في ترجيحها عليه- نظير ما ذكرناه في درجات المجاز المشهور-.

فغاية الأمر أن يكون الأفراد الشائعة في بعض الصور ممّا يتردّد الذهن بين حمل اللفظ عليها أو على الأعمّ، نظرا إلى معادلة ظاهر الإطلاق للظهور الحاصل من الغلبة، و لا ينافي ذلك ما قرّرناه من الانصراف إلى الشائع في محلّ الكلام، و لو ادرجت تلك الصور في محلّ الكلام فغاية الأمر أن يقال: حينئذ بالتفصيل المذكور نظير ما ذكر في المجاز المشهور. ثمّ إنّ عدم كون الشهرة قرينة لحمل المشترك على المعنى المشهور ضعيف جدّا، كدعوى معارضة الشهرة لأصالة الحقيقة في المجاز المشهور، فإنّه إنّما يصحّ إذا تكافأ الظنّان، و أمّا إذا ترجّح ظنّ الشهرة لقوّته فلا محيص عن الأخذ بمقتضاه.

و الحاصل: أنّه بعد قيام الإجماع على حجّية الظنّ في مباحث الألفاظ و جريان المخاطبات عليه لا محيص من الاكتفاء به في القرائن الظنّية المعيّنة و الصارفة، و من جملتها الشهرة بل هي من أقوى الامور الباعثة على المظنّة، فلا وجه لعدم جواز الاتّكال عليها.

225

فإن قلت: إنّ غلبة إطلاق المطلق على الشائع إن كان مع ملاحظة الخصوصيّة لزمه التجوّز في الإطلاق، و إن كان من دون ملاحظة الخصوصيّة بأن لا يلاحظ في المقام إلّا المفهوم العامّ الّذي وضع اللفظ بإزائه فلا ثمرة لغلبة الإطلاق في انصراف المطلق إلى الشائع، إذ لا يراد من اللفظ إلّا معناه العامّ الشامل للأمرين. غاية الأمر أن يكون ذلك المفهوم حاصلا في الغالب في ضمن مصاديقه الشائعة دون غيرها، و ذلك لا يقضي بعدم ثبوت الحكم بمقتضى مدلول ذلك اللفظ لغير الشائع إذا فرض تحقّقه فيه.

ألا ترى أنّ غلبة إطلاق الماء على المياه الموجودة عندنا أو الموجودة في زمان الشارع لا يقضي بانصراف إطلاقه عندنا و في كلام الشارع إليه، و كذا الحال في سائر المفاهيم بالنسبة إلى غلبة إطلاقها على الأفراد الموجودة المتداولة، إذ لا يلاحظ في الإطلاق خصوصيّة ذلك الوجود أصلا، بل لا يلاحظ فيه إلّا المفهوم العامّ، و لذا لا يقال بانصراف الإطلاق إلى الشائع في مثل ذلك قطعا، فندور وجوده بل و عدمه حينئذ لا يقضي بانصراف الإطلاق عنه، و لذا لو فرض حصوله في المقام على خلاف المتعارف اندرج في الإطلاق قطعا.

ألا ترى أنّه لو قال المولى لعبده «اسقني الماء» فأتاه بماء السيل من طيّ الأرض- مثلا- كان ممتثلا قطعا، فغلبة الإطلاق على الوجه المذكور لا يقضي بانصراف الإطلاق إلى الغالب أصلا.

قلت: إنّا لا نقول بعدم ملاحظة الخصوصيّة في المقام أصلا حتّى لا يكون شيوع الإطلاق قاضيا بالانصراف- كما في الصورة المذكورة- بل نقول بملاحظتها في المقام إلّا أنّ تلك الملاحظة لا تستلزم المجازيّة، و توضيح ذلك: أنّ الخصوصيّة قد تقحم في المفهوم الّذي يراد من نفس اللفظ و يستعمل اللفظ فيه، و قد لا يقحم فيه و لكن يراد الخصوصيّة من الخارج و يلحظ في الاستعمال و إن لم يكن مرادا من نفس اللفظ، و قد لا يكون الخصوصيّة ملحوظة أصلا، إلّا أنّه قد اطلق عليه لأنّه الموجود على سبيل الاتّفاق أو لغلبة وجوده، فلا تكون‏

226

الخصوصية ملحوظة للمستعمل لا بأخذها جزءا للمفهوم الّذي استعمل اللفظ فيه و لا بإرادة الخصوصيّة من القرائن القاضية به، فاستعمال اللفظ على الوجه الأوّل مجاز قطعا، و حصول الشهرة على الوجه المذكور قاض بالنقل أو شهرة المجاز، و على الوجه الثاني لا تجوّز فيه، إذ لا يراد من نفس اللفظ إلّا المفهوم الّذي وضع بإزائه.

غاية الأمر إرادة الخصوصيّة من الخارج و إطلاق اللفظ على ذلك الخاصّ إنّما هو من جهة حصول ذلك المعنى فيه و انطباقه عليه، إلّا أنّ غلبة ذلك الإطلاق يقضي بالانصراف فتقوم تلك الغلبة مقام سائر القرائن الخاصّة القائمة عليه قبل حصولها. و قد ينتهي الأمر فيه إلى النقل- حسب ما مرّ- و الوجه الثالث لا تجوّز فيه أيضا و لا يقضي بالانصراف أصلا، إذ ليست تلك الخصوصيّة ملحوظة في إطلاق اللفظ من الوجوه، و لذا لا يكون مجرّد ندور الفرد قاضيا بانصراف الإطلاق عنه.

و الفرق بين الوجوه الثلاثة ظاهر للمتأمّل و مورد انصراف الإطلاق إلى الشائع هو القسم الثاني ما لم يتحقّق النقل. و أمّا القسم الأوّل فهو مندرج في المجاز المشهور قبل حصول النقل. و أمّا الثالث فلا انصراف للإطلاق إليه- كما بيّنّاه- و قد يقع الخلط بين الأقسام في كلمات الأعلام و تحقيق الحال ما ذكرنا، حسب ما يقتضيه التأمّل في المقام.

ثالثها: أنّه إذا دار الأمر في المفرد المعرّف بين كونه للعهد أو الجنس أو العموم فإن كان هناك معهود حمل عليه، لانصراف التعريف إليه كما عرفت، إلّا إذا كان في المقام ما يفيد إرادة غيره، كما إذا قال: لا تنقض يقين الطهارة بالشكّ في الحدث فإنّ اليقين لا ينقض بالشكّ، إذ التعليل ظاهر في إرادة العموم. و إن لم يكن هناك معهود انصرف إلى الجنس، و القدر اللازم منه ثبوت الحكم لذلك الجنس على سبيل الإهمال الراجع إلى الجزئيّة على ما هو الحال في القضايا المهملة، كما إذا قلت: جاء الإنسان و أكرمت الرجل، و كذا الحال فيما إذا نذر اكرام الإنسان أو دفع‏

227

الدرهم إلى الفقير و نحو ذلك. و لو لم يصحّ حمله على ذلك لزم حمله على العموم، و من ذلك قضاء المقام به- حسب ما قرّرناه في إرجاع المفرد المحلّى إلى العموم من جهة الحكمة- بأن يجعل المعنى الجنسي مرآتا لملاحظة الأفراد المندرجة تحته، و يحكم عليه من حيث اتّحاده بها فيراد به استغراق الأفراد الشائعة- حسب ما مرّ- كما في البيع حلال، و اليقين لا ينقض بالشكّ، و الشكّ لا عبرة به بعد الفراغ، و نحوها.

قال الشهيد (رحمه اللّه) في التمهيد: إذا احتمل كون «ال» للعهد و كونها لغيره، كالجنس أو العموم، حملت على العهد، لأصالة البراءة عن الزائد، و لأنّ تقدّمه قرينة مرشدة إليه، و من فروعها: ما لو حلف أن لا يشرب الماء، فإنّه يحمل على المعهود، حتّى يحنث بنقضه إذ لو حمل على العموم لم يحنث. و منها: أنّه إذا حلف أن لا يأكل البطّيخ، قال بعضهم: لا يحنث بالهندي، و هو الأخضر. و هذا يتمّ حيث لا يكون الأخضر معهودا عند الحالف إطلاقه عليه إلّا مقيّدا. و منها: الحالف بأن لا يأكل الجوز، لا يحنث بالجوز الهندي. و الكلام فيه كالسابق، إذ لو كان إطلاقه عليه معهودا في عرفه حنث به، إلّا أنّ الغالب خلافه، بخلاف السابق، فإنّه على العكس.

قلت: أمّا ما ذكره من تقديم العهد على المعنيين فهو المتّجه، كما عرفت لكن الوجه فيه ما ذكرنا، و كأنّه أشار بتعليله الثاني إليه، و أمّا تعليله الأوّل: فهو إن تمّ فلا يفيد انصراف اللفظ و دلالته عليه، بل غاية ما يدلّ عليه أنّه بعد الدوران بين العهد و العموم يكون المعهود متعلّقا للتكليف على الوجهين، و تعلّق التكليف بغيره مبنيّ على احتمال كونه للعموم، و بمجرّد الاحتمال لا يثبت التكليف فيدفع الزائد بالأصل، فيكون القدر الثابت من اللفظ هو ثبوت الحكم للمعهود دون غيره، و لا بأس بذكره في المقام لموافقته للأوّل في الثمرة.

و أورد عليه بعض الأفاضل: أنّه لا يقتضي ما ذكره إلّا عدم ثبوت التكليف في غير المعهود، لعدم العهد بأزيد منه، لا أنّ المتكلّم استعمل اللفظ في العهد. فالأولى أن يقال: في موضع أصالة البراءة أصالة عدم ثبوت الحكم إلّا في المعهود، يعني‏

228

إذا دار الأمر بين إرادة الجنس و العهد فالمعهود مراد بالضرورة، لدخوله تحتهما، و الأصل عدم ثبوت الحكم في غيره.

و أنت خبير بأنّه لا يعقل فرق بين الوجهين فيما ذكره بعده، بل ما أورده على الأوّل وارد على الثاني بعينه، لوضوح عدم دلالة الأصل المذكور على استعمال اللفظ في خصوص العهد، كيف! و لو دلّ عليه الأصل المذكور لدلّ عليه أصالة البراءة أيضا من غير فرق بينهما في ذلك أصلا، فكون القدر الثابت من اللفظ تعلّق الحكم بالمعهود مشترك بينهما.

ثمّ أورد عليه حينئذ إنّه إنّما يتمّ لو لم يحتمل الجنس إرادة وجوده في ضمن فرد مّا، فإنّ المعهود حينئذ غير معلوم المراد جزما.

و فيه أنّ المعهود أيضا مندرج في المراد لكونه من أحد الأفراد غاية الأمر أن لا يتعيّن الإتيان به بناء على الجنسيّة، فهو مطلوب إمّا بخصوصه أو لحصول المطلوب به، و مطلوبيّة غيره مع أحد الوجهين غير معلومة فهي أيضا مدفوعة بالأصل، و يوضح الحال في ذلك ما لو تعذّر عليه الإتيان بالمعهود، فإنّ الحكم بوجوب إتيانه بفرد من غير المعهود ممّا لا دليل عليه، إذ لا يفيد وجوبه إلّا مجرّد الاحتمال، و هو لا يثبت التكليف، و أصالة عدم وجوب خصوصيّة المعهود لا يثبت التكليف به، فإنّ الأصل أيضا عدمه.

فالحقّ أن يقال: إنّ التكليف ثابت في المقام و يقين الامتثال حاصل بأداء المعهود دون غيره، فيتعيّن الإتيان به عند التمكّن منه، و لا يثبت تكليف بغيره، و مع عدمه فتحقّق التكليف بغيره غير معلوم، فهو مدفوع بالأصل. هذا و كان مقصود الشهيد من التمسّك بأصالة البراءة هو قضاء الأصل به في الجملة فيما إذا تعلّق التكليف به، كما إذا قال «أكرم العالم، و أغن المسكين، و تصدّق بالدينار» إذا تقدّمه المعهود، فإنّ حمله على العموم على خلاف الأصل في مقابلة حمله على المعهود، و إلّا فمن البيّن أنّه لو تعلّق به الإباحة أو رفع التكليف، كما إذا قال «لا يجب عليك إكرام المسكين، أو يباح لك إعطاء الدرهم» لا معنى حينئذ لدفع العموم بأصل البراءة.

229

نعم لو تمسّك حينئذ بأصالة عدم إرادة غيره في دفع الزائد حيث إنّ ارادة المتكلّم ثبوت الحكم المعهود مستفاد من اللفظ مدلول له، فإنّه إمّا أن يكون هو المراد أو يكون مندرجا في المراد، و أمّا إرادته ثبوت الحكم لغيره فغير ظاهر من اللفظ، فهو مدفوع بالأصل في مورد التكليف و غيره، إلّا أنّ التمسّك بذلك في بيان مداليل الألفاظ و حملها على معانيها غير متّجه، و الحكم بكون المعهود مرادا في الجملة و لو تبعا غير كونه هو المراد. ألا ترى أنّه لو كان لفظ مشتركا بين الكلّ و البعض و استعمل مجرّدا عن القرائن لم يصحّ ترجيح إرادة البعض بالأصل المذكور، بل يتوقّف في مقام الحمل كما هو قضيّة الاشتراك، و حينئذ لو كان ثبوت الحكم للكلّ قاضيا بثبوته للبعض حكم به لثبوته حينئذ على الوجهين، و ليس ذلك قاضيا بحمل المشترك على البعض، كما هو المقصود في المقام، لكنّك خبير بأنّ دلالته على ثبوت الحكم للبعض لا يتمّ أيضا في جميع الموارد، بل إنّما يتمّ فيما يكون ثبوت الحكم للكلّ قاضيا بثبوته للبعض دون غيره، و حينئذ لا حاجة إلى ضميمة الأصل في بيان مفاد اللفظ. أو يقال حينئذ: إنّ القدر المستفاد من اللفظ عند التجرّد من القرائن إرادة الأقلّ، لكونه مرادا على كلّ من الوجهين المحتملين بخلاف ما يزيد عليه لابتناء إرادته على مجرّد الاحتمال، فلا يكون مدلوله عند الإطلاق إلّا ما ذكرناه.

و قوله: «من فروعه ما لو حلف إلى آخره». أراد به أنّه يحمل الماء في المثال على المعهود من إطلاق الماء إذا تعلّق به الشرب و لذا يحنث بشرب بعض المياه، و لو أراد به العموم لم يحنث بشرب البعض، لعدم وقوع الحلف حينئذ إلّا على ترك شرب الجميع.

و أنت خبير بأنّ ما ذكره إنّما يتمّ إذا أخذ عموم المفرد المعرّف من قبيل العموم المجموعي، فيكون قد نذر ترك شرب مجموع المياه فلا يحنث بشرب البعض، أو جعل النفي واردا على نفس العموم لا على الجزئيات المندرجة في العام، كما تقول: ما كلّ إنسان أبيض، فيكون قد نذر ترك شرب كلّ واحد من المياه، فيكون‏

230

منذوره شيئا واحدا و هو ترك الكلّ، و المعنيان المذكوران كما ترى في غاية البعد عن المفرد، بل الظاهر فساد الحمل عليهما، أمّا الأوّل فظاهر، و أمّا الثاني فلأنّه إنّما يتمّ إذا كان هناك أداة للعموم ليتعلّق النفي به، فيكون سببا للعموم، كما في قولك: ما جائني كلّ واحد من الناس إذا جاءك بعضهم.

و أمّا إذا كان مفاد اللفظ نفس الوحدات، كما إذا قلت: ما جائني العالم، مريدا بالعالم خصوص عالم عالم، بأن تجعل ذلك المفهوم مرآتا لملاحظة الأفراد المندرجة تحته، فلا يكون مفاده إلّا عموم السلب.

و على هذا فيكون مفاد العبارة في المقام الحلف على عدم شرب آحاد المياه، فيحنث إذا شرب واحدا منها، كما إذا نذر أن لا يتزوّج الثيّبات، فإنّه يحنث بتزويج واحدة منها على التحقيق، إذ ثبت منها على القول الآخر. فما ذكره من التفريع لا يتمّ إلّا على أحد الوجهين، و قد عرفت ضعف إرادتهما في المقام.

ثمّ لا يخفى أنّه لم يتعرّض في المثال لحمله على الجنس، مع أنّ الحمل عليه أظهر في المقام، لما عرفت من أنّ حمل المفرد على الجنس أوضح من غيره، بعد انتفاء معهود خاصّ يحمل عليه، كما في المقام و حمله على المتعارف بين الناس ليس من العهد، بل من حمل المطلق على المتعارف إن سلّم الشيوع في المقام في إطلاق الماء، لكن لا يذهب عليك أنّ حمله على الجنس في المقام يرجع إلى العموم على الوجه الثالث، حسب ما يأتي بيانه إن شاء اللّه، فيتحقّق الحنث بشرب البعض قطعا.

ثمّ إنّك قد عرفت أنّ ما ذكره- من قضاء أصالة البراءة عن الزائد بحمله على المعهود- ليس جاريا في جميع الموارد، و لا يريد أنّ الاحتجاج بها على ذلك كلّها، بل إنّما أراد به قضاء الأصل به في الجملة، كما عرفت الحال فيه في الأمثلة المتقدّمة، فلا يرد عليه عدم جريانه في المثال المذكور، لكون حمله للعموم هنا أوفق بالأصل، إذ لا يجب عليه حينئذ ترك شرب شي‏ء من المياه.

فالإيراد المذكور عليه- بأنّ لزوم الكفّارة في الحنث يعني عند شرب البعض عند إرادة العهد مخالف لأصل البراءة- ليس على ما ينبغي.

231

و ما ذكر في توجيه قضاء أصالة البراءة بحمله على العهد «من أنّه لو حمل على المعهود المتعارف يحصل الحنث بشرب بعض المياه فينحلّ اليمين، فلا يبقى مانع من الشرب، بخلاف ما لو حمل على العموم لعدم انحلال اليمين» أغرب شي‏ء، لوضوح أنّ ما يشرب بعد الانحلال و قبله أنّه هو بعض من المياه، فعلى العموم لا مانع منه قبل الانحلال لا بعده، فكيف يصحّ بذلك كون العموم موافقا للأصل دون العهد، على أنّ الأصل بعد ثبوت التكليف عدم ارتفاعه عن المكلّف إلّا بعد قيام الدلالة، فالحكم بارتفاع التكليف بمجرّد الاحتمال من جهة الأصل المذكور غير متّجه، بل قضيّة الأصل حينئذ خلافه.

ثمّ إنّه لا يخفى أنّ تعلّق التكليف بترك شي‏ء يستحيل صدوره من المكلّف- كالطيران في الهواء و اجتماع النقيضين- ممّا لا وجه له، فانعقاد النذر على الوجه المذكور غير متّجه، فهو أقوى دليل على عدم إرادة العموم في المثال على الوجه المذكور. و أصالة حمل فعل المسلم على الصحّة يقتضي عدم قصده ذلك من غير حاجة إلى ملاحظة ما ذكر لو صحّ التمسّك به هذا.

و ما ذكره في الفرع الثاني: إنّه إذا حلف لا يأكل البطّيخ قال بعضهم لا يحنث بالهندي إلى آخره. و توضيحه: أنّ هناك معهودا في أكل البطّيخ بحسب المقدار و معهودا بحسب الجنس منه، من الهندي و غيره، فلو حمل البطّيخ على العموم بالنسبة إلى الأوّل لم يحنث بأكل شي‏ء منه لا من الهندي و لا من غيره. و لو حمل ذلك على المعهود، كما ذكره في الفرع الأوّل، فإن كان هناك جنس خاص معهود حنث بالأكل منه دون غيره، و إن لم يكن يحنث بأكل أيّ من القسمين. و ملحوظ الشهيد في المقام هو ملاحظة المعهودية الثانية و عدمها، و إلّا فهو محمول عنده على المعهود الأوّل كما في مثال الماء من غير فرق. و كذا الحال في الفرع الثالث.

و بذلك يندفع ما أورد على قوله في المثال السابق، إذ لو حمل على العموم لم يحنث بأن في صورة العموم يحصل الحنث، كما إذا جعل البطّيخ أعمّ من الهندي على سبيل المساواة، لما عرفت من عدم ارتباط أحد المعهودين بالآخر، و حصول‏

232

الحنث بالهندي أو بغيره مبني على حمل البطّيخ على المعهود بحسب المقدار، لا على جميع أفراده، حسب ما ذكر في الماء و إن لم يحصل الحنث بشي‏ء منهما كما في الماء. و المعهودية الملحوظة في المقام إثباتا أو نفيا انّما هي في جنس البطّيخ حسب ما ذكرنا.

ثمّ إنّ ما قرّره الشهيد (رحمه اللّه) من- أنّه يتمّ حيث لا يكون الأخضر معهودا عند المخاطب- غير متّجه، فإنّ حمل البطّيخ على غير الأخضر حينئذ ليس من العهد في شي‏ء، و إنّما هو من قبيل حمل الإطلاق على الشائع من غير فرق بين ما يكون معرّفا باللام و غيره حسب ما مرّ تفصيل القول فيه.

فالحقّ حمل البطّيخ في المقام على الجنس الراجع إلى العموم في المقام، من جهة ورود النفي عليه، إلّا أنّه يحمل على الشائع في الإطلاق- أعني غير الهندي- إذا ورد في كلام من يكون ذلك هو الشائع عنده في الإطلاقات و إن كان الشائع في الإطلاق عنده القسمان، كما هو المتعارف في بعض البلدان شمول النوعين، و كذا الحال في الفرع الثالث ربما يجعل الجوز من قبيل المشترك اللفظي، فلا ربط له بالمقام.

[النكرة في سياق النفي‏]

و اعلم أنّ من ألفاظ العموم النكرة في سياق النفي، و لا خلاف ظاهرا بين الاصوليّين- ممّن قال بأنّ للعموم صيغة تخصّه كما هو المعروف- أنّها تفيد العموم إذا كان إسما لا وصفا، و هي مختلفة في وضوح الدلالة و عدمه، فالكائنة بعد لا النافية للجنس نحو «لا رجل» أو ما زيد عليها «من» الزائدة، نحو ما من رجل في الدار، أو كانت النكرة مثل لفظ «أحد» و «بدّ» ممّا لا يستعمل إلّا مع النفي صريحة في العموم، و الحق بها ما إذا كانت النكرة صادقة على القليل و الكثير، كالشي‏ء و الماء و الدهن و الدبس و نحوها.

و قد ذكر الشهيد (رحمه اللّه) في التمهيد: أنّ الكائنة بعد «ليس» و «ما» و «لا»

233

المشبّهتين به ظاهر فيه، و ألحق بعضهم النكرة الواقعة بعد «لم» أو «لن» بالأوّل، قالوا: و الفرق بين المعنيين أنّه لا يصحّ إثبات الزائد على الواحد في الأوّل بخلاف الثاني، فلا يقال «لا رجل عندي بل رجلان» أو «ما من رجل عندي بل رجلان» بخلاف «ليس عندي رجل بل رجلان» أو «ما عندي رجل بل رجلان أو رجال».

و أنت خبير بأنّ نصوصية الأوّل و ظهور الثاني إنّما هي في الدلالة على العموميّة مطلقا، و أمّا الدلالة على العموم بالنسبة إلى المعنى المراد بالنكرة فلا فرق بينهما في ذلك كما مرّت الإشارة إليه.

نعم قد يقال: إنّ النكرة في قولك: «ليس عندي رجل» يحتمل أن يراد به الفرد المعيّن في الواقع، المبهم عند المخاطب، كما في النكرة الواقعة متعلّقا بالخبر المثبت في كلام بعضهم، حسب ما مرّت الإشارة إليه، و حينئذ فلا دلالة فيها على العموم أصلا. و ربما كان المفرد في قولك: «عندي رجل» ظاهرا في العموم، من جهة احتمال أن يراد بالتنوين في «رجل» الوحدة البدليّة المقابلة للتثنية و الجمع، و لذا صحّ أن يقول: «بل رجلان أو رجال» كما مرّت الإشارة إليه. و أمّا لو اريد به الوحدة المطلقة فلا فرق بينه و بين «لا رجل» إذ لا فرق بين نفي الطبيعة و نفي فرد مّا في إفادة العموم، حسب ما عرفت. و هذا الاحتمال قائم في الجمع الأفراد (1)، إذ لا يصحّ أن يراد بالتنوين فيه الإشارة إلى جمع‏ (2) واحد، و لذا لا يجوز أن يقابله بنفي الستّة أو التسعة- مثلا- و إن أمكن أن ينفي الجميع‏ (3)، فإنّ ذلك من الامور النادرة و لا يلحظ بالتنوين المقابلة لهما.

فإن قلت: إنّه يحتمل أن يكون قد أطلق رجالا على عدّة معيّنة و حكم بنفيها فلا يفيد نفي الجميع فلذا لا يكون نصّا في العموم.

قلت: إنّ الكلام في النصوصيّة من جهة دلالة اللفظ لا من جهة الإرادة،

____________

(1) في المخطوطتين: في الجميع، بدون لفظ «الأفراد».

(2) في المخطوطتين: جميع.

(3) في المخطوطتين زيادة: أو يجمع.

234

و إلّا فليس «لا رجل» نصّا فيه أيضا كما مرّ، و لا ريب أنّ قضيّة ظاهر اللفظ هو الإطلاق، و نفي ذلك يفيد العموم قطعا، كما هو الحال في لا رجل. و أمّا احتمال إطلاقه على الخاصّ و ورود النفي عليه فهو قائم في «لا رجال» أيضا، بأن يكون قد أطلقه على رجال مخصوصين و أورد النفي عليها، ثمّ يأتي بعد ذلك بقرينة تدلّ على ذلك، كما هو الحال في قوله: ليس عندي رجال.

و الحاصل: أنّ ذلك خروج عمّا يقتضيه مدلول اللفظ و رجوع إلى ما يقتضيه القرائن، و لا ينافي ذلك النصوصيّة الملحوظة في المقام، فتأمّل. و ينقل فيه خلاف عن النحاة فيما إذا كان الدالّ على النفي «ليس» و مشابهتاه في نحو قولك: ليس في الدار رجل و «ما في الدار رجل» و «لا رجل قائما» فالمحكيّ عن سيبويه أنّها للعموم، و المحكيّ عن المبرّد و الجرجاني و الزمخشري أنّها ليست للعموم لا نصّا و لا ظاهرا، و عن اليمني في المغني أنّ «ما من رجل» و «لا رجل في الدار» و «لا رجل قائما» جواب لسؤال مطابق له في العموم، منطوق به أو مقدّر، و هو «هل من رجل» و «هل فيها رجل» و «هل رجل في الدار» و إنّ السؤال في الأوّلين كان عن الجنس فجاء الجواب بنفي الجنس، و في الثاني عن الواحد فجاء نافيا له.

و من ثمّ امتنعت المخالفة في الأوّلين و صحّت في الثاني، فيجوز بل رجلان.

ثمّ ذكر أنّ هذا تحقيق مذهب النحاة، و حكي من أرباب الاصول إطلاق القول بالعموم، قال: و التحقيق ما قال النحاة. و ظاهر كلامه إطباق النحاة عليه، حيث أسنده إليهم من غير نقل خلاف عنهم. و ظاهر ما يستفاد من كلامه أنّ استفادة العموم من النكرة في الأوّلين إنّما هي من جهة نفي الجنس القاضي بنفي جميع الآحاد لا من جهة الوضع بالخصوص، و عدم الدلالة في الأخير من جهة كون المنفيّ خصوص الواحد، فلا يدلّ على نفي ما عداه. ثمّ إنّ ظاهر ما حكي عن الاصوليّين إنّها تفيد العموم بالوضع، و قد اختاره جماعة من المتأخّرين، و حينئذ فالموضوع للعموم إمّا الهيئة التركيبيّة أو خصوص النكرة المقيّدة بالوقوع في سياق النفي.

235

و عن السبكي و الحنفيّة أنّ دلالة النكرة المنفيّة عليه التزاميّة، و هذا هو الظاهر عندي. و قد احتجّوا على كونها للعموم بوجوه:

أحدها: التبادر فإنّ السيّد إذا قال لعبده: «لا تضرب أحدا» فضرب واحدا عدّ عاصيا، و ذمّه العقلاء، و صحّ للمولى عقوبته.

ثانيها: صحّة الاستثناء منه مطّردا، و هو دليل الوضع للعموم، فإنّ الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل.

ثالثها: أنّها لو لم تكن مفيدة للعموم لكان كلمة «لا إله إلّا اللّه» غير مفيدة للتوحيد، لعدم إفادتها نفي الالوهيّة عن جميع من سواه تعالى، و هو باطل إجماعا.

رابعها: أنّ أهل اللسان إذا أرادوا تكذيب من قال: «ما أكلت شيئا» قالوا: قد أكلت كذا، و هو موجبة جزئيّة، فيكون الأوّل سلبا كلّيا، و إلّا لم يكن ذلك تكذيبا له، لجواز صدق الجزئيّتين.

خامسها: إجماع العلماء على التمسّك بقوله (عليه السّلام): «لا يقتل والد بولده و لا يقتل مؤمن بكافر» و نحوهما على العموم، و لو لا دلالتهما عليه لما صحّ ذلك.

سادسها: ظهور الاتّفاق عليه من القائلين بوضع صيغة للعموم تخصّه، كما هو مختار المعظم.

سابعها: أنّ النكرة المثبتة لا تفيد ثبوت الحكم على سبيل الجمع و الاستغراق إجماعا، و لا ثبوته لفرد مخصوص، و إلّا لكان علما، فهو إنّما يفيد ثبوت الحكم لواحد غير معيّن، فنفيه إنّما يكون باستغراق النفي، إذ نقيض كلّ شي‏ء رفعه، و لا تناقض بين الجزئين ليكون أحدهما نفيا للآخر و رفعا له.

و أنت خبير بأنّ الوجه الأخير إنّما يفيد دلالة النكرة على العموم على سبيل الالتزام، حيث إنّ نفي فرد مّا إنّما يكون بنفي جميع الأفراد، حسب ما هو المختار، من غير حاجة إلى وضعها لذلك، لحصول الإفادة المذكورة نظرا إلى ذلك مع فرض انتفاء الوضع له بالخصوص، فمن فرض وقوع الاحتجاج بذلك في كلامه- كالعلّامة في النهاية- فالظاهر منه قوله بما اخترناه، بل ليس القدر المسلّم من سائر

236

الأدلّة المذكورة إلّا حصول الإفادة في الجملة، فلا ينافي ما ذكرنا، و بذلك يندفع دلالتها على ثبوت وضعها للعموم إجمالا.

و تفصيل القول في ذلك انّه يرد على الأوّل: المنع من كون التبادر المدّعى مستندا إلى نفس اللفظ ليكون دليلا على الوضع، إذ يحتمل أن يستند إلى نفي الطبيعة أو نفي فرد مّا الحاصل بنفي جميع الأفراد حسب ما نقول به.

و اجيب عنه: بأنّ الأصل في التبادر أن يكون من جهة اللفظ، فمجرّد قيام الاحتمال لا يكفي في الإيراد بعد قضاء الأصل بخلافه، مضافا إلى قضاء الدليل باستناده إلى الوضع و استفادة المعنى من نفس اللفظ، إذ لو لم يكن العموم مستفادا من نفس اللفظ لكان هناك انتقالان أحدهما الانتقال من اللفظ إلى المعنى و الآخر الانتقال منه إلى العموم، و ليس هناك انتقالان، لشهادة الوجدان. و أيضا لو كان العموم في نحو «لا رجل» مستفادا من نفي الطبيعة لما صحّ الاستثناء منه إلّا على سبيل الانقطاع، إذ ليست الخصوصيّة من جنس الطبيعة، فلا يكون الفرد المركّب منها و من الطبيعة إلّا شيئا آخر مغايرا للطبيعة، فيكون استثناؤه منها على وجه الانقطاع و هو واضح الفساد، و لا أقلّ من كونه على خلاف الأصل.

و فيه: أنّ دعوى كون الأصل في التبادر أن يكون مستندا إلى نفس اللفظ على إطلاقها غير متّجهة. و التحقيق كما مرّت الإشارة إليه في محلّه: أنّه لو لم يكن في الظاهر ما يمكن استناد التبادر إليه فالظاهر استناده إلى نفس اللفظ، و أمّا لو كان هناك ما يصحّ استناد التبادر إليه مع قطع النظر عن الوضع كما في المقام حسب ما قرّرناه فلا وجه لدعوى استناده إلى الوضع، و كون الوضع هو الباعث على الانتقال، إذ لا دلالة في فهم ذلك من اللفظ على حصول الوضع، بل لا حاجة إلى ارتكاب الوضع له بعد حصول الفهم من دونه.

و ما ذكر مؤيّدا لاستناد التبادر إلى نفس اللفظ بيّن الاندفاع، أمّا الأوّل:

فبظهور منع عدم تعدّد الانتقال في المقام بل الظاهر تعدده، فإنّ المستفاد أوّلا من قولك «ليس عندي رجل» نفي فرد مّا، و قضيّة ذلك نفي جميع الأفراد فهو لازم بيّن‏

237

لذلك، و لغاية الاتّصال بين الأمرين يتراءى في جليل النظر كون مدلول اللفظ أوّلا هو نفي جميع الأفراد، و ليس كذلك بعد التأمّل الصحيح في مدلول اللفظ، لظهور تعدّد المدلولين حسب ما ذكرنا.

و أمّا الثاني: فلوضوح أنّ نفي الماهيّة إنّما يراد به نفيها من حيث الوجود، و ظاهر أنّ نفي وجود الماهيّة مطلقا إنّما يكون بنفي جميع أفرادها، فإذا ثبت وجود واحد منها كان إخراجا له عن مدلول اللفظ.

فإن قلت: إنّ الإخراج المذكور حينئذ إنّما يكون عن مدلوله الالتزامي فلا يكون الإخراج عمّا هو المراد من اللفظ، و هو خروج عن قاعدة الاستثناء مخالف للظاهر، فإنّ قضيّة الاستثناء هو الإخراج عن المستثنى منه دون الأمر اللازم له.

قلت: إن كان الأمر اللازم أمرا مباينا للمستثنى منه فالحال على ما ذكر، و أمّا إن كان ذلك مصداقا لمدلول اللفظ حاصلا بحصوله منضمّا إلى مدلول اللفظ بيانا لخصوصيّة في ذلك المدلول ملحوظا في إطلاق اللفظ بملاحظة تلك الدلالة الالتزاميّة من غير لزوم تجوّز في الاستعمال كما في المقام فلا مانع، فإنّ مفاد «لا رجل» بضميمة الملاحظة المذكورة اللازمة لمؤدّاه نفي جميع الآحاد، فلا مانع من إخراج بعض الأفراد عنه، نظرا إلى دخوله في مدلول اللفظ و إن كان استفادة ذلك منه عند النظر الدقيق بملاحظة الخارج اللازم.

و على الثاني: أنّ اطّراد الاستثناء دليل على فهم العموم منه عند الإطلاق، و هو أعمّ من الوضع له، فلا مانع من أن يكون من أجل ما قرّرناه.

و نحوه يرد على الثالث و الرابع و الخامس، فإنّ أقصى ما يستفاد منها الدلالة على العموم لا خصوص كونها من جهة الوضع له.

و على السادس: أنّه إن اريد به دعوى الاتّفاق منهم على استفادة العموم منه عند الإطلاق فمسلّم، و لا ينافي ما قرّرناه، و إن اريد دعوى الاتّفاق على وضعه له فممنوع.

ثمّ إنّ الظاهر ممّا حكي عن النحاة من نفي دلالتها على العموم أنّهم أرادوا

238

عدم دلالتها على نفي التثنية و الجمع، و لذا قالوا بجواز «ليس عندي رجل بل رجلان» فإنّه قاض بعدم دلالتها على نفي الزائد على الواحد، و مرجع ذلك إلى اختلاف معنى النكرة، فإنّ المراد بالنكرة إن كان مطلق الجنس كما في «لا رجل» فقد نصّوا بإفادته العموم، و إن كان المراد بها الواحد المطلق كما في «ما من رجل» فقد قالوا به أيضا، و إن اريد بها الواحد العددي المقابل للتثنية و الجمع منعوا من دلالتها على العموم يعني العموم بالمعنى المذكور، و أمّا دلالته على العموم بالنسبة إلى الآحاد- أعني نفيه جميع الوحدات العدديّة على نحو إفادة النكرة بمعناه الآخر لجميع الوحدات المندرجة فيها- فالظاهر أنّهم يقولون به، و لذا لا يجوز «ليس عندي رجل بل زيد» فليس اختلافهم في المقام من جهة عدم دلالتها على العموم بالنسبة إلى ما يصدق عليه، بل من جهة اختلاف معنى النكرة، و هي على الوجهين تفيد نفي جميع مصاديقها، فتفيد نفي جميع الوحدات المطلقة في الأوّلين، و تفيد نفي جميع الوحدات العدديّة في الثالث، فالبحث معهم حينئذ في مدلول النكرة، و الظاهر من ملاحظة الاستعمالات العرفيّة كون المنساق من النكرة في مدخولة «ليس» و مشابهتيه أيضا هو الواحد المطلق، فلذا قلنا بظهورها في العموم على نحو الأوّلين و إن قام فيه الاحتمال المذكور دون الأوّلين، و هم قالوا بعدم دلالتها على ذلك إمّا لدعوى ظهورها في الواحد العددي أو لدورانها بين الوجهين، فينبغي دلالتها على الوجه المذكور من جهة قيام الاحتمال المساوي، و الفهم العرفي كما عرفت يدفع ما ذكروه.

نعم لو ذكر بعده الإضراب المذكور دلّ على إرادة الواحد العددي، و الظاهر أنّه لا تجوّز في النكرة حينئذ و إن كان ذلك خلاف الظاهر، فإنّ الظاهر كون النكرة حقيقة في الصورتين و إن انصرفت عند الإطلاق إلى الأوّل، و قد مرّ الكلام فيه.

[اختلاف الحال في النكرات‏]

هذا، و لنتمّم الكلام في المرام بذكر امور: أحدها: انّه يختلف الحال في النكرات وضوحا و خفاء في الدلالة على العموم، فالكائنة بعد «لا» النافية للجنس نحو «لا رجل» و ما زيد عليها «من» الزائدة نحو

239

«ما من رجل في الدار» و ما كانت النكرة مثل لفظ «بدّ» و «ديّار» و «أحد» إذا كان اسما لا وصفا ممّا لا يستعمل إلّا مع النفي صريحة في العموم، و الحق بها ما إذا كانت النكرة صادقة على القليل و الكثير على نحو واحد- كالشي‏ء و الماء و الدهن و الدبس و نحوها- و قد نبّه عليه الشهيد (رحمه اللّه) في التمهيد، و الكائنة بعد «ليس» و «ما و لا» المشابهتين لها ظاهرة فيه. قالوا و الفرق بين القسمين أنّه لا يصحّ إثبات الزائد على الواحد في الأوّل بخلاف الثاني، فلا يقال «لا رجل عندي بل رجلان» أو «ما من رجل عندي بل رجلان» بخلاف «ليس عندي رجل بل رجلان أو رجال».

و أنت خبير بأنّ نصوصيّة الأوّل و ظهور الثاني انّما هي في الدلالة على العموم مطلقا، و أمّا الدلالة على العموم بالنسبة إلى المعنى المراد بالنكرة فلا فرق بينهما في ذلك، حسب ما مرّت الإشارة إليه.

نعم يمكن أن يقال: إنّ النكرة في قولك «ليس عندي رجل» يحتمل أن يراد به الفرد المعيّن في الواقع، المبهم عند المخاطب، كما في النكرة الواقعة في الخبر المثبت على ما نصّ عليه بعضهم فيما مرّ، و لا دلالة فيها على العموم أصلا، فظهورها في العموم إنّما هو من جهة قيام الاحتمال المذكور في الصورة الثانية بخلاف الاولى.

و يشكل ذلك بأنّ الاحتمال المذكور أبعد الوجوه في النكرة في المقام، و ربما لا يكون قيام مثل هذا الاحتمال منافيا للنصوصيّة، و لذا لم يعلّل الحكم بالظهور بذلك في كلامهم، و كيف كان فقيام هذا الاحتمال هنا قاض بالاختلاف في وضوح الدلالة لو سلّم عدم إخراجه لها عن النصوصيّة في الجملة هذا. و ألحق بعضهم بالأوّل النكرة الواقعة بعد «لم» و «لن» و هو غير متّجه، لقيام ما ذكر من الاحتمال بالنسبة إليهما أيضا، إذ لا مانع من أن يقال: لم يجئني رجل بل رجلان. و مثله الواقع بعد ما النافية للفعل نحو «ما جائني رجل بل رجلان» و يقوم فيها الاحتمال الأخير أيضا، فالأظهر إلحاق الجميع بالظاهر في العموم المطلق.

240

ثانيها: أنّه يجري ما ذكرناه في النكرة الواقعة في سياق النفي من الدلالة على العموم- بالنسبة إلى الواقعة في سياق النهي، نحو «لا تضرب أحدا» و «لا تشتم رجلا» و هي أيضا مختلفة في وضوح الدلالة، فإن كانت النكرة ممّا لا يقع إلّا بعد النفي و ما بمعناه، نحو «لا تضرب أحدا» و «لا تقتل ديّارا» كان أوضح في الدلالة.

و كذا لو اشترك القليل و الكثير في الإسم نحو «لا تعط زيدا شيئا» و أمّا نحو قولك:

«لا تضرب رجلا» فهو دونه في الوضوح، و يقوم فيه احتمال إرادة الوحدة العدديّة فيعقّبه بقوله: بل رجلين إلّا أنّه بعيد، لكنّه يفيد العموم بالنسبة إلى معناه حسب ما مرّ. و يحتمل أيضا على بعد إرادة النكرة الإبهاميّة، فلا دلالة فيه إذن على العموم أصلا، و قد عرفت بعد إرادة ذلك من النكرة جدّا.

ثمّ إنّه يجري ما ذكرناه في النكرة المتعقّبة للنهي و غيره، و يجري في النكرة الواحدة و المتعدّدة، تقول: لا تعط من شتمك و شتم أباك درهما، و لا تعط رجلا أهانك درهما.

ثالثها: أنّ النكرة الواقعة في سياق الاستفهام تفيد العموم أيضا على ما صرّح به بعضهم، كما في قولك «هل أكرمت رجلا» فمفاده السؤال عن جميع آحاد الرجال أنّه وقع الإكرام عليه لكن على سبيل البدل فالمسؤول هو إكرام الواحد و إن وقع السؤال عن الكلّ، و يتفرّع على ذلك أنّه لو وقع السؤال عن الماء القليل أنّه هل ينجّسه شي‏ء؟ فقال: لا، أفاد عدم تنجيس شي‏ء من الأشياء له، فإنّه لمّا وقع السؤال عن كلّ نجاسة يكون «لا» جوابا بالنسبة إلى كلّ منها ليطابق السؤال.

و يمكن أن يجعل ذلك من قبيل النكرة المقدّرة في سياق النفي، أي لا ينجّسه شي‏ء فلا حاجة إلى ملاحظة ذلك، نعم لو قال «لا ينجّسه ما سئلت عنه» انحصر في الوجه الأوّل، فتأمّل.

رابعها: أنّهم اختلفوا في دلالة النكرة الواقعة في سياق الشرط على العموم، فحكى الشهيد (رحمه اللّه) في التمهيد عن جماعة من الاصوليّين ذلك، قال: و به صرّح الجوهري في البرهان و تابعه الأنباري في شرحه و اقتضاه كلام الآمدي، و المختار عند آخرين عدم إفادته العموم.

241

نعم لو انضمّ إليه قرينة المقام كما في قوله و قوله‏ (1) أفاد ذلك و لا كلام فيه.

و فرّعوا عليه ما إذا قال الموصي: إن ولدت ذكرا فله الألف، و إن ولدت انثى فلها مائة. فولدت ذكرين أو انثيين فيشترك الذكران في الألف و الانثيان في المائة، لأنّه ليس أحدهما أولى من الآخر فيكون عامّا، و قيل: إنّه على العموم تعطى كلّ واحد من الذكرين ألفا و من الانثيين مائة، إذ المعنى حينئذ كلّ من ولدته فله كذا، و بدونه تشتركان في العين و لا يخصّ أحدهما، لانتفاء الأولويّة. و يحتمل حينئذ القول بثبوته للواحد يستخرج بالقرعة، أو يقال بتخيير الوصي حينئذ في الدفع إلى أيّ منهما. و يحتمل أيضا سقوط الوصيّة فلا يعطى شي‏ء، لتعلّق الوصيّة بولادتها ذكرا واحدا أو انثى واحدة لظهور اللفظ في الوحدة، فمع انتفائها ينتفي الوصيّة. و كيف كان فالمختار عندنا عدم إفادتها العموم وضعا قطعا و لا لزوما، إذ مجرّد التعليق لا يدلّ عليه.

نعم يشير تعليق الحكم على النكرة إلى كون مناط الحكم مجرّد ثبوت مفاد النكرة فيثبت الحكم المعلّق عليه بمجرّد ثبوته، فإن كان الحكم المعلّق عليه مطلق الفعل كما في قولك «إن جاءك رجل فأكرم عمرا» أفاد ثبوت وجوب إكرام عمر و بمجرّد مجي‏ء أيّ رجل كان، فيشير إلى العموم البدلي، و إن كان ممّا يثبت لمصاديق المعلّق عليه أو على ما يتعلّق به نحو «إن جاءك رجل فأكرمه». و قوله تعالى‏ إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ... الخ‏ (2) أفاد ثبوت الحكم لجميع مصاديق المعلّق عليه، فيشير الى العموم الاستغراقي.

خامسها: أنّ النكرة إذا وقعت في سياق الأمر أفادت العموم، كما في «أعتق رقبة» فإنّه يفيد الاجتزاء بعتق أيّ رقبة كان، فيستفاد منه وجوب عتق رقبة مّا، و التخيير بين مصاديقه من الرقاب، و ليس استفادة العموم هنا من جهة وضعه له قطعا، و إنّما هو من جهة صدق فرد مّا على كلّ من مصاديق الرقبة و قضاء الأمر بالاجتزاء، فيرجع إلى العموم الاستغراقي في ثبوت الوجوب لكلّ منها على سبيل‏

____________

(1) كذا في النسخ.

(2) الحجرات: 6.

242

التخيير، لكن يكون استغراقه بالنسبة إلى الأفراد الشائعة، إذ لا يزيد ذلك له على الإطلاق، و إنّما يرجع الإطلاق إلى العموم بملاحظة ما ذكرناه. فيكون ذلك مدلولا التزاميّا، و يكون عمومه على حسب ما ينصرف الإطلاق إليه من القدر الجامع بين الأفراد الشائعة حسب ما مرّت الإشارة إليه.

فما ذكره الرازي من: أنّ النكرة إن وقعت في الخبر نحو «جائني رجل» فلا تعمّ، و إن وقعت في الأمر ك «أعتق رقبة» عمّت عند الأكثرين، بدليل الخروج عن العهدة بإعتاق ما شاء. فإن أراد به ما ذكرناه فلا كلام، و إن أراد عمومه على حسب اللغة فلا وجه له. و ما احتجّ به عليه من الخروج عن العهدة بإعتاق ما شاء لا يدلّ عليه، و أقصى الأمر فيه ما ذكرناه، و في معنى الأمر ما يفيد مفاده» و لو كان بصورة الإخبار، كما يجب في الظهار عتق رقبة، و لا حاجة في إرجاعه حينئذ إلى العموم إلى ضمّ أصالة البراءة عن اعتبار قيد زائد إلى ذلك ليكون الإطلاق و الأصل المذكور معا قاضيين بالاجتزاء بأيّ فرد من ذلك، بل مجرّد الإطلاق كاف في الدلالة عليه، حسب ما عرفت من التقرير المذكور كما هو الحال في سائر الإطلاقات.

و الحاصل: أنّ مدلول اللفظ كاف في إفادة ذلك، و أصالة البراءة من الزائد أمر آخر، و أمّا أصالة عدم التقييد فهو عين مفاد الأخذ بظاهر الإطلاق و ليس أمرا ينضمّ إليه الظاهر.

فما ذكره بعض الأفاضل- من أنّه لو كانت مدخولة للأمر نحو «أعتق رقبة» فيفيد العموم على البدل لا الشمول، و هذا العموم مستفاد من انضمام أصالة البراءة عن اعتبار قيد زائد من الايمان و غيره، فالإطلاق مع أصل البراءة يقتضيان كفاية ما صدق عليه الرقبة أيّ فرد يكون منه- ليس على ما ينبغي.

ثمّ إنّ ما ذكرناه إنّما يجري فيما إذا اريد بالنكرة النكرة المطلقة كما هو الظاهر منها، و أمّا إذا اريد بها المعيّنة في الواقع المبهمة عند المخاطب- كما في الآية الشريفة على حسب ظاهر فهم اليهود- فلا يرجع إلى العموم أصلا و يكون مجملا، إلّا أنّه خلاف الظاهر من إطلاق النكرة، فهي إمّا مجاز فيه أو انّه خلاف ما ينصرف‏

243

الإطلاق إليه. و قد أشرنا إلى مثل ذلك في النكرة الواقعة في سياق النفي و نحوه، و قد مرّ الكلام فيه عند بيان معنى النكرة.

سادسها: أنّ النكرة في مقام الإثبات إن كانت في مقام بيان وقوع فعل منه أو عليه في الماضي أو المستقبل نحو «جاء رجل» أو «يجي‏ء رجل» أو «ضربته بعصا» أو «أكرمته يوما» فلا عموم فيه مطلقا، و إنّما يفيد ثبوت الحكم لفرد مّا من غير الدلالة على الخصوصيّة المعيّنة أصلا لا ابتداءا و لا إلزاما. و إن كان في مقام إثبات حكم له فإن لم يكن المقام مقام البيان فلم يحكم بعمومه، و إنّما يفيد ثبوت الحكم لفرد مّا على وجه الإجمال، كما إذا قال «أوجبت عليكم اليوم شيئا، أو كلّفتكم بتكليف» و نحو ذلك. و إن ورد في مقام البيان و كان بيان ثبوت الحكم لفرد مّا غير مفيد بحسب المقام و المفروض أنّه لا إشارة إلى تعيين الفرد انصرف إلى العموم، من جهة قضاء الحكمة به على ما مرّت الإشارة إليه في المفرد المعرّف.

و قد يكون المراد بالنكرة حينئذ هو مطلق الطبيعة المرسلة و يكون التنوين فيه لمحض التمكن على نحو «أسد عليّ» و يعمّ ثبوت الحكم للطبيعة لأفراده المتّحدة بها كما في قولك: رجل ... (1) تبعا، و حمل النكرة على ذلك و إن كان خلاف ما هو الظاهر منها، إلّا أنّ قرينة المقام حسب ما ذكرنا قاضية بالحمل عليه، و من ذلك ما إذا وردت في مقام الامتنان و لم يحصل بإثبات الحكم لفرد مّا منه على ما هو الظاهر من النكرة و لا للطبيعة بالنسبة إلى بعض أفرادها- كما في الآية الشريفة- فيعمّ الظهور لجميع أفراد الماء النازل من السماء، و هذا هو المراد من قولهم: إنّ النكرة الواقعة في مقام الامتنان تفيد العموم. و أمّا إذا حصل الامتنان بثبوت فرد مّا له- كما في قولك «قد أعطاك سمعا و بصرا، و آتاك قوّة، و منحك علما و فضلا» و نحو ذلك- فلا دلالة فيه على العموم قطعا. و كذا لو حصل ذلك بالحكم على الطبيعة في ضمن بعض الأفراد- كما في قوله تعالى‏ فِيهِما فاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمَّانٌ‏ (2)- فإنّه لا يدلّ على وجود أفراد الفواكه و النخل و الرّمان في الجنّة،

____________

(1) قد سقط من هنا شي‏ء.

(2) الرحمن: 68.

244

بل إنّما يفيد وجود هذه الأجناس فيه، فالتنوين فيها بحسب ظاهر المقام للتمكّن، لكن لا يفيد ثبوت الحكم لجميع أفراده، لحصول الامتنان بثبوت تلك الأجناس فيها، فما ذكره في الوافية كما ترى، و كذا الحال في قوله‏ وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (1) فإنّه لا يفيد إلّا ثبوت المطهّريّة لما نزّله عليهم من غير أن يفيد نزول جميع المياه عليهم أصلا، و هو ظاهر، فما ذكره فيها من الآية كما ترى.

سابعها: أنّ ما ذكرناه في النكرة المنفيّة أو المنهيّ عنها هل يجري في الفعل المنفيّ نحو «ما ضربت» أو المنهيّ عنها نحو «لا تضرب» فتكون المادّة المنفيّة أو المنهيّ عنها كالنكرة الواقعة في سياق النفي أو النهي؟ وجهان، فالمحكيّ عن ظاهر العضدي أنّه كذلك فيفيد العموم.

و قد يحتجّ عليه بوجوه:

أحدها: أنّ المتبادر منها ذلك- حسب ما ادّعي من التبادر في النكرة المصرّحة- من غير فرق، و نحن نقول: إنّ التبادر المدّعى متّجه، إلّا أنّه من مقتضيات الإطلاق، و ليس دليلا على الوضع، نظير ما مرّ في النكرة المصرّحة فإن اريد بذلك قضاء الإطلاق به فمتّجه، و إن اريد بذلك إثبات الوضع فلا. و قد مرّ تفصيل القول في ذلك في مبحث النهي، و يجري ما ذكرناه في الفعل المنفيّ من غير فرق.

ثانيها: أنّ الفعل نكرة باتّفاق النحاة فيجري فيه حكمها و أنّه يوصف به النكرة دون المعرفة.

و اورد على الأوّل: بأنّ نجم الأئمّة منع من كون الأفعال نكرات، محتجّا بأنّ التنكير كالتعريف من خواصّ الأسماء و من عوارض الذات. و فيه: أنّه إن اريد بذلك عدم اتّصاف الأفعال بملاحظة تمام معناها بالتعريف و التنكير فهو كذلك، لظهور كون معنى الفعل مركّبا من المعنى الاسمي و الحرفي، و لا يوصف بهما الحروف فلا يصحّ اتّصاف الملفّق منه و من غيره بهما، و إن اريد عدم اتّصافها

____________

(1) سورة الفرقان: 48.

245

بملاحظة معناه التامّ بذلك فغير متّجه، إذ لا يمكن خلوّ المعنى التامّ عن أحد الوجهين، أقصى الأمر عدم اندراج الأفعال في النكرة المصطلحة حيث إنّه اصطلح المعرفة و النكرة في الألفاظ بملاحظة معناها المطابقي دون التضمّني، و التنكير الحاصل في معناها التامّ من قبيل تنكير المصادر الغير المنوّنة و ليس كتنكير الفرد المنكّر ليكون المراد بها فردا ما- حسب ما مرّت الإشارة إليه- و قد عرفت أنّ النكرة على وجهيها يفيد العموم عند الوقوع في سياق النفي أو النهي.

و على الثاني: بأنّ ذلك لمناسبتها لها من حيث إنّه يصحّ تأويلها بها كما تقول في «قام رجل ذهب أبوه ذاهب أبوه» كذا حكي عن نجم الأئمّة. و فيه: أنّه إن اريد بذلك عدم اندراجها في النكرة المصطلحة فمسلّم، و لا يجدي في المقام. و إن اريد عدم إفادتها مفاد النكرة فغير متّجه، إذ لو لا ذلك لما قامت النكرة مقامها.

ثالثها: أنّ مفاد الفعل حكم، و الأحكام من النكرات، لأنّ الحكم بشي‏ء على آخر يجب أن يكون مجهولا عند السامع، و إلّا لغى الكلام و خرج عن الإفادة، كبيان الواضحات نحو «السماء فوقنا» و هذا الوجه ضعيف جدّا، فإنّ النكرة في اصطلاحهم ليست عبارة عن كون الشي‏ء مجهولا عند السامع، بل كون الذات غير مشاربها إلى متعيّن في الذهن أو الخارج، و أيضا سلّمنا كون الشي‏ء مجهولا نكرة لكن لا يلزم من ذلك أن يكون نفس الخبر و الصيغة نكرة، إذ المجهول انتساب ما تضمّنه الخبر و الصيغة إلى المحكوم عليه، فإنّ المجهول من مجي‏ء زيد انتساب المجي‏ء إلى زيد لا مفهوم المجي‏ء المحمول عليه، كيف و لو لزم تنكير المحكوم لم يجز أن يقول: «زيد القائم و أنا زيد» و كان التعريف في المقام قاضيا بمعرفة النسبة، فكان كقولك «السماء فوقنا» و ليس كذلك ضرورة. و ذلك محصّل ما حكي عن نجم الأئمّة و هو متّجه.

و كيف كان فالمختار عندنا إفادته العموم على مقتضى الإطلاق من غير أن يكون تقييده ببعض الصور قاضيا بالتجوّز فيه، فالعموم من لوازم الإطلاق و مقتضياته من غير أن يكون اللفظ موضوعا بإزائه حسب ما مرّ تفصيل القول فيه في مبحث النهي.

246

و يجري الكلام المقدّم في النكرة الواقعة في سياق فعل الشرط نحو إن أكلت فأنت حرّ أو أنت طالق، و ظاهر اللفظ دوران الجزاء مدار مطلق حصول ماهيّة الشرط فيرجع أيضا إلى العموم البدلي، و ظاهر التعليق على الطبيعة دوران الحكم على مجرّد ذلك من دون اعتبار شي‏ء من الخصوصيّات فيه، إلّا أنّه كغيره ينصرف إلى الشائع.

ثامنها: الجمع المنكّر الواقع في سياق النفي يفيد العموم على نحو المفرد الواقع في سياقه، كما هو ظاهر من ملاحظة الاستعمالات. و قد ذكر بعضهم أنّ الحكم بالنصوصيّة و الظهوريّة لا يختلف في المقامين ف «لا رجال في الدار» و «ما من رجال» نصّ في العموم، و «ليس في الدار رجال» و «ما في البيت رجال» ظاهر فيه، و عندي في ذلك كلام، لعدم ظهور فرق بين تلك العبارة في فهم العرف، إلّا أنّ ما زيد فيه «من» أبلغ في العموم من الخالي عنه.

نعم، هنا كلام في إفادته النفي من الآحاد كالمفرد أو أنّه يفيد النفي عن أفراد الجموع، و قد نصّ بعضهم بأنّ «لا رجال» نصّ في عموم أفراد الجموع و إن قلنا بكونه ظاهرا في عموم الأفراد أيضا كالجمع المحلّى يسلخ معنى الجمعيّة. قلت:

دعوى ظهوره في نظر الوجدان لا يخلو من خفاء كيف! و لو كان الأغلبيّة لكان قوله «ليس لي على زيد دراهم» إقرار بعدم اشتغال ذمّته بدرهم و درهمين، و ليس كذلك قطعا، و كذا لو نذر أن لا يستقرض من زيد دراهم لم يحنث باستقراض درهم أو درهمين.

و بالجملة: أنّ الجمع اسم للوحدات الثلاث و ما فوقها، و النفي الوارد عليه يمكن أن يرد على تلك الوحدات و على المجموع، فعلى الأوّل يعمّ الآحاد، و على الثاني لا يفيد إلّا نفي مراتب الجمع، و نفي الأوّل يستلزم نفي الثاني بخلاف العكس، فالقدر المتحقّق من الأوّل هو الثاني، و يتوقّف إرادة الآخر به على قيام القرينة عليه. و دعوى ظهوره فيه مع الإطلاق غير متّجهة، و لذا يصحّ أن يقال «لا رجال في الدار بل رجل أو رجلان» مع أنّه لا يصحّ أن يقال: لا رجل في الدار بل رجلان أو رجال. و كذا الحال في أسماء العدد الواقعة في سياق النفي، إذ يمكن‏

247

ورود النفي على الوحدات المندرجة فيها و على المجموع فلا ينافي ثبوته لبعضه- و يجري ما ذكرناه في الواقع في سياق النهي، نحو «لا تشتر عبيدا» و «لا تأكل أرغفة» و الحقّ أنّها لا تفيد المنع عن شراء الواحد أو الاثنين- إلّا أن يقوم قرينة في المقام على تسلّط النفي على الوحدات.

و لو وقع الجمع المعرّف في سياق النفي فالظاهر منه عموم السلب، كما في قولك «ما جائني العلماء» و «ما أكرمت الفسّاق» و «ما أهنت العلماء» فإنّه ظاهر في عدم مجي‏ء أحد من العلماء إليه، و عدم إكرامه أحدا من الفسّاق، و عدم إهانته أحدا من العلماء.

فإن قلت: إنّ الجمع المعرّف يفيد العموم، فالنفي الوارد عليه يكون سلبا للعموم، كما في قولك «ما جائني كلّ عالم» فكيف يكون ظاهرا في عموم السلب.

قلت: إنّما يتمّ ما ذكر لو كان مدخول النفي ما يدلّ على مفهوم الشمول كما في المثال، فيرجع النفي إليه و يكون سلبا للعموم، و ليس من ذلك العموم في الجمع، حسب ما مرّ بيانه، بل الجمع المعرّف إشارة إلى جميع الوحدات المندرجة فيه، و يكون الحكم متعلّقا بجميع تلك الوحدات، فهو شامل لجميع الوحدات المندرجة من غير أن يكون مفهوم الشمول مأخوذا فيه، فيتعلّق الحكم بكلّ من تلك الآحاد إيجابيّا كان أو سلبيّا، فيرجع في الإيجاب إلى موجبة كلّية و في السلب إلى سالبة كلّية، فلو حلف أن لا يتزوّج الثيّبات حنث بتزويج ثيّبة واحدة، هذا كلّه على المختار من كونه حقيقة في استغراق الآحاد. أمّا لو قلنا بدلالته على استغراق المجموع لم يحنث بتزويج واحدة أو اثنتين. و كذا الحال إذا وقع الجمع المعرّف في سياق النهي من غير فرق. هذا إذا اريد بالجمع المعرّف ما هو الظاهر منه أعني الاستغراق. و أمّا إذا اريد به الجنس ففيه وجهان: من إرادة الجنس المطلق فيفيد عموم النفي و النهي بالنسبة إلى الآحاد، و من إرادة جنس الجمع فلا يفيد إلّا عمومه بالنسبة إلى المجموع فلا يفيد نفي الحكم عن الواحد و الاثنين، و كذا النهي عنه و قد مرّ الكلام فيه حينئذ، و لا فرق في ذلك بين وروده في سياق الإيجاب أو السلب.

و لو وقع في سياق الشرط تعلّق الجزاء بحصول الجميع، فلا يثبت إلّا مع حصول‏

248

الكلّ كما إذا قال: إن جاءك العلماء فأكرم زيدا. هذا إذا لم يكن حكم الجزاء متعلّقا بهم، و أمّا إذا كان متعلّقا بهم فهو ظاهر في إفادة إناطة الحكم في كلّ منها بحصول الشرط المذكور بالنسبة إليه، كما إذا قال: إن جاءك العلماء فأكرمهم. و يحتمل أن يكون المقصود إناطة إكرام الكلّ على مجي‏ء الكلّ، إلّا أنّه خلاف ظاهر الإطلاق حسب ما هو المفهوم منه في العرف.

و لو وقع الجمع المنكّر في سياق الأمر أو الإيجاب ففي إفادته العموم خلاف، أشار إليه المصنّف بقوله: أكثر العلماء على أنّ الجمع المنكّر لا يفيد العموم، هذا هو المعروف من الاصوليّين بل لا يبعد حصول الاتّفاق عليه بعد الخلاف المذكور، إذ لم ينقل فيه خلاف بعد من نسب الخلاف إليه من القدماء، و الظاهر أنّه لا خلاف فيه أيضا من جهة وضعه لخصوص العموم، بل لا يبعد قضاء ضرورة اللغة بخلافه، و إنّما الخلاف المذكور في انصرافه إلى العموم من جهة اقتضاء الحكمة به، كما عزي إلى الشيخ أو غيره ممّا عزي إلى أبي علي الجبائي، و هو أيضا خلاف ضعيف. و لا يبعد تنزيل كلام الشيخ على ما سنقرّره إن شاء اللّه.

و كيف كان، فالمختار عدم انصرافه إلى العموم أيضا إلّا في بعض مواضع نادرة تقضي الحكمة به بحسب المقام كما سنقرّره، و يدلّ عليه أنّ المتبادر من الجمع المنكّر في الاستعمالات بعد الرجوع إلى العرف ليس إلّا الوحدات المتعدّدة ما فوق الاثنين كما هو المفهوم من الجمع، و ليس مفاد التنوين فيه إلّا التمكّن، و لا دلالة فيه على الوحدة كما هو الحال في المفرد، و لا يفيد إطلاقه على عدد خاصّ و لا مرتبة مخصوصة من الجمع، فالمعنى المستفاد منه صادق على جميع مراتب الجمع من غير ترجيح لخصوص المرتبة العليا منه بوجه من الوجوه، و القدر المتيقّن منه هو الأوّل، فلا دلالة في لفظه على خصوص المرتبة العليا و لا قرينة، فإنّه يفيد إطلاقه عليها، و إلّا لانساق ذلك منه إلى الفهم عند الإطلاق و من المعلوم عدمه، و دعوى قضاء الحكمة به ممنوعة إلّا في بعض موارد خاصّة، و لا ربط له بمحلّ البحث في المسألة.

و توضيح القول في ذلك أنّ الجمع المنكّر إمّا أن يقع في مورد الأخبار،

249

و حينئذ فإمّا أن يتعلّق به حكم من الأحكام كأكل [اللحوم‏] و أرباح متاجر و نحو ذلك، أو غيرها من سائر الأخبار كجائني رجال، أو يقع متعلّقا للأمر، أو يقع للشرط المتعلّق عليه حكم من الأحكام الشرعيّة أو غيرها.

فهاهنا صور:

أحدها: أن يقع متعلّقا للأخبار سواء كان ركنا في الإسناد نحو «جائني رجال» أو كان من متعلّقات المخبر به ك «دفعت إليه دراهم» و حينئذ فالقدر المستفاد منه وقوع أقلّ الجمع، و لا دلالة فيه على ما يزيد على ذلك، إذ العامّ لا دلالة فيه على الخاصّ، و إنّما أفاد الأقلّ لاشتراكه بين جميع المراتب، و لا دلالة فيه على تعيين المصداق على نحو ما ذكرناه في المفرد المنكّر، إلّا أنّ ذلك يفيد وحدة المخبر به، و هذا يفيد تعدّده بما يزيد على الاثنين.

فالإبهام الحاصل في المفرد من جهة واحدة و هو عدم تعيّن الفرد الّذي تعلّق الإخبار به، وهنا من جهتين: أحدهما: دوران الجمع بين الثلاثة و ما فوقها إلى أن يستغرق الجميع ليكون الجمع موضوعا لإفادة القدر المشترك بينها، فلا يتعيّن شي‏ء من مراتبه، و حيث كان أقلّها الثلاثة دلّ على حصوله قطعا، و يكون إطلاقه على ما يزيد عليها في مقام الاحتمال، و ليس ذلك من جهة إجمال اللفظ و دورانه بين امور، كما هو الحال في المشترك بين المعاني و إن كانت تلك المعاني متداخلة، فإنّ نفس المعنى غير متعيّن هناك، بل من جهة كون معناه صادقا على الجميع و حاصلا بكلّ منها فمعنى اللفظ و مفاده متعيّن في المقام أعني ما فوق الاثنين، إلّا أنّ ذلك المعنى غير متعيّن الصدق على مرتبة معيّنة، بل يصدق على مراتب غير متناهية، فلا دلالة في اللفظ إلّا على القدر المشترك من غير أن يدلّ على شي‏ء من تلك. إلى هنا جفّ القلم‏ (1).

***

____________

(1) لا يخفى أنّ في المعالم قبل مباحث التخصيص أصلين:

1- أصل: أكثر العلماء على أنّ الجمع المنكّر لا يفيد العموم ... الخ.

2- أصل: ما وضع لخطاب المشافهة ... الخ.

لم يأت في النسخ شرحهما.

250

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

251

معالم الدين:

الفصل الثاني في جملة من مباحث التخصيص‏

أصل اختلف القوم في منتهى التخصيص إلى كم هو، فذهب بعضهم إلى جوازه حتّى يبقى واحد. و هو اختيار المرتضى، و الشيخ، و أبي المكارم ابن زهرة. و قيل: حتّى يبقى ثلاثة. و قيل: اثنان. و ذهب الأكثر و منهم المحقّق إلى أنّه لابدّ من بقاء جمع يقرب من مدلول العامّ، إلّا أن يستعمل في حقّ الواحد على سبيل التعظيم. و هو الأقرب.

لنا: القطع بقبح قول القائل: «أكلت كلّ رمّانة في البستان»، و فيه آلاف و قد أكل واحدة أو ثلاثة. و قوله: «أخذت كلّ ما في الصندوق من الذهب» و فيه ألف، و قد أخذ دينارا إلى ثلاثة. و كذا قوله: «كلّ من دخل دارى فهو حرّ»، أو «كلّ من جاءك، فأكرمه»، و فسّره بواحد أو ثلاثة، فقال: «أردت زيدا أو هو مع عمرو و بكر». و لا كذلك لو اريد من اللفظ في جميعها كثرة قريبة من مدلوله.

252

احتجّ مجوّزوه إلى الواحد بوجوه:

الأوّل: أنّ استعمال العامّ في غير الاستغراق يكون بطريق المجاز، على ما هو التحقيق، و ليس بعض الأفراد أولى من البعض؛ فوجب جواز استعماله في جميع الأقسام إلى أن ينتهى إلى الواحد.

الثاني: أنّه لو امتنع ذلك، لكان لتخصيصه و إخراج اللفظ عن موضوعه إلى غيره. و هذا يقتضي امتناع كل تخصيص.

الثالث: قوله تعالى:

«وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ»،*

و المراد هو اللّه تعالى وحده.

الرابع: قوله تعالى:

«الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ»،

و المراد نعيم بن مسعود، باتّفاق المفسّرين. و لم يعدّه أهل اللسان مستهجنا؛ لوجود القرينة؛ فوجب جواز التخصيص إلى الواحد، مهما وجدت القرينة.

و هو المدّعى.

الخامس: أنّه علم بالضرورة من اللغة صحّة قولنا: «أكلت الخبز و شربت الماء»، و يراد به أقلّ القليل ممّا يتناوله الماء و الخبز.

و الجواب عن الأوّل: المنع من عدم الأولويّة؛ فانّ الأكثر أقرب إلى الجميع من الأقلّ. هكذا أجاب العلّامة (رحمه اللّه) في النهاية.

و فيه نظر، لأنّ أقربيّة الأكثر إلى الجميع يقتضى أرجحيّة إرادته على إرادة الأقلّ، لا امتناع إرادة الأقلّ، كما هو المدّعى.

فالتحقيق في الجواب أن يقال: لمّا كان مبنى الدليل على أنّ استعمال العامّ في الخصوص مجاز، كما هو الحقّ، و ستسمعه، و لا بدّ في جواز مثله من وجود العلاقة المصحّحة للتجوّز، لا جرم كان الحكم مختصّا باستعماله في الأكثر، لانتفاء العلاقة في غيره.

فان قلت: كلّ واحد من الأفراد بعض مدلول العامّ، فهو جزؤه.