هداية المسترشدين - ج3

- الشيخ محمد تقي الأصفهاني النجفي المزيد...
732 /
253

و علاقة الكلّ و الجزء حيث يكون استعمال اللفظ الموضوع للكلّ في الجزء غير مشترط بشي‏ء، كما نصّ عليه المحقّقون. و إنّما الشرط في عكسه، أعني: استعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكلّ، على ما مرّ تحقيقه. و حينئذ فما وجه تخصيص وجود العلاقة بالأكثر؟

قلت: لا ريب في أنّ كلّ واحد من أفراد العامّ بعض مدلوله، لكنّها ليست أجزاء له، كيف؟ و قد عرفت أنّ مدلول العامّ كامّ فرد، لا مجموع الأفراد. و إنّما يتصوّر في مدلوله تحقّق الجزء، و الكلّ، لو كان بالمعنى الثاني. و ليس كذلك. فظهر أنّه ليس المصحّح المتجوّز علاقة الكلّ و الجزء، كما توهّم. و إنّما هو علاقة المشابهة، أعني: الاشتراك في صفة، و هي ههنا الكثرة؛ فلابدّ في استعمال لفظ العامّ في الخصوص من تحقّق كثرة تقرب من مدلول العامّ، لتحقّق المشابهة المعتبرة لتصحيح الاستعمال. و ذلك هو المعنيّ بقولهم: «لابدّ من بقاء جمع يقرب، الخ».

و عن الثاني: بالمنع من كون الامتناع للتخصيص مطلقا، بل لتخصيص خاصّ، و هو ما يعدّ في اللغة لغوا، و ينكر عرفا.

و عن الثالث: أنّه غير محلّ النزاع، فانّه للتعظيم، و ليس من التعميم و التخصيص في شي‏ء و ذلك لما جرت العادة به، من أنّ العظماء يتكلّمون عنهم و عن أتباعهم، فيغلّبون المتكلّم؛ فصار ذلك استعارة عن العظمة و لم يبق معنى العموم ملحوظا فيه أصلا.

و عن الرابع: أنّه، على تقدير ثبوته، كالثالث في خروجه عن محلّ النزاع، لأنّ البحث في تخصيص العامّ، و «الناس»، على هذا التقدير ليس بعامّ بل للمعهود، و المعهود غير عامّ. و قد يتوقّف في هذا، لعدم ثبوت صحّة إطلاق «الناس» المعهود على واحد. و الأمر عندنا سهل.

و عن الخامس: أنّه غير محلّ النزاع أيضا؛ فإنّ كلّ واحد من الماء

254

و الخبز في المثالين ليس بعامّ، بل هو للبعض الخارجيّ المطابق للمعهود الذهنيّ، أعني: الخبز و الماء المقرّر في الذهن أنّه يؤكل و يشرب، و هو مقدار مّا معلوم.

و حاصل الأمر أنّه اطلق المعرّف بلام العهد الذهنيّ- الذي هو قسم من تعريف الجنس- على موجود معيّن، يحتمله و غيره اللفظ و اريد بخصوصه من بين تلك المحتملات بدلالة القرينة. و هذا مثل إطلاق المعرّف بلام العهد الخارجيّ على موجود معيّن من بين معهودات خارجيّة، كقولك لمخاطبك: «أدخل السوق» مريدا به واحدا من أسواق معهودة بينك و بينه عهدا خارجيّا معيّنا له من بينها بالقرينة، و لو بالعادة؛ فكما أنّ ذلك ليس من تخصيص العموم في شي‏ء، فكذا هذا.

حجّة مجوّزية إلى الثلاثة و الاثنين: ما قيل في الجمع، و أنّ أقلّه ثلاثة أو اثنان، كأنّهم جعلوه فرعا لكون الجمع حقيقة في الثلاثة أو في الاثنين.

و الجواب: أنّ الكلام في أقلّ مرتبة يخصّص إليها العامّ، لا في أقلّ مرتبة يطلق عليها الجمع، فانّ الجمع من حيث هو ليس بعامّ، و لم يقم دليل على تلازم حكميهما؛ فلا تعلّق لأحدهما بالآخر؛ فلا يكون المثبت لأحدهما مثبتا للآخر.

255

قوله: (في جملة مباحث التخصيص.)

[تعريف التخصيص و أقسامه‏]

التخصيص قصر الحكم المتعلّق بالعامّ على بعض مدلوله، فلو تعلّق الحكم من أوّل الأمر على بعض مدلوله لم يكن تخصيصا، كما في قولك «أكرم بعض العلماء» و كذا يخرج عنه التخصيص المتعلّق بغير العامّ في نحو قولك «له عليّ عشرة إلّا ثلاثة» و «أكلت الخبز إلّا نصفه» و يخرج عنه أيضا التخصيص المتعلّق ببعض أحوال العامّ، كما في قولك «أكرم العلماء إلى يوم الجمعة» أو «في يوم الجمعة» إذ لا عموم بالنسبة إلى الأحوال حتّى يكون إخراج الحال المذكور تخصيصا له، و إنّما العموم الحاصل فيه بالنسبة إلى الأفراد و هو حاصل في المثال المفروض، فهو يفيد بحسب الظاهر الإطلاق القاضي بالاكتفاء بالإكرام الحاصل في أيّ وقت كان، و يخرج عنه أيضا إطلاق العامّ على بعض أفراده لا على وجه التخصيص، كما إذا قلت: رأيت كلّ الرجل، و قد رأيت زيدا تنزيلا له منزلة الجميع، و يندرج فيه ما إذا كان التخصيص قرينة على إطلاق العامّ على بعض مدلوله، و ما إذا كان مخرجا لبعض الأفراد عن الحكم المتعلّق به، و إذا استعمل العامّ فيما وضع له من العموم في وجه، و قد يطلق التخصيص على ما يعمّ قصر الحكم المتعلّق بغير العامّ على بعض مدلوله، و يعرّف حينئذ بأنّه إخراج بعض ما يتناوله الخطاب، و ذلك كالتخصيص المتعلّق بأسماء العدد و إخراج بعض الأجزاء عن الكلّ، كما في «أكلت السمكة إلّا رأسها» ثمّ إنّ المخصّص قد يكون متّصلا و قد يكون منفصلا، و الصلة و إن كانت في معنى الصفة إلّا أنّها ليست مخصّصة للموصول، و ذلك لعدم تماميّة الموصول إلّا بها، فعمومه إنّما هو على حسب صلته بخلاف الموصوف، و أمّا القيود المتعلّقة بالصلة فهل يعدّ تخصيصا؟ وجهان: من تماميّة الموصول بنفس الصلة فيكون ذلك مخصّصا له ببعض الأفراد، و من كونه بمنزلة جزء الصلة فيكون عموم الموصول على حسبه.

و المخصّص المتّصل امور خمسة: الاستثناء، و الشرط، و الصفة، و الغاية، و بدل البعض من الكلّ، و يندرج في الصفة سائر القيود المنضمّة إلى اللفظ ممّا يوجب‏

256

تقييد الحكم به. و المراد بالمتّصل ما لا يستقلّ بنفسه، و بالمنفصل ما يكون مستقلّا في إفادة الحكم و إن اتّصل بالعامّ لفظا، و التخصيص المنفصل قد يكون عقليّا و قد يكون نقليّا نصّا أو إجماعا.

[منتهى التخصيص إلى كم هو؟]

قوله: (اختلفوا في منتهى التخصيص إلى كم هو.)

ظاهر إطلاقهم في المقام يعمّ التخصيص الواقع على كلّ من الوجوه المتقدّمة، و الظاهر أنّ المراد بالتخصيص هو الإطلاق الأوّل، أعني ما يرد على العامّ المصطلح دون ما يرد على الكلّ من جهة شموله لأجزائه، كما في أسماء العدد و نحوها، و إن لم يبعد اتّحاد المناط في المقامين.

ثمّ إنّ التخصيص الوارد على العامّ إمّا أن يكون بالنسبة إلى خصوص الأفراد المندرجة تحته، أو الأنواع المندرجة فيه، و حصول تخصيص الأكثر على كلّ من الوجهين إمّا أن يستلزم له كذلك على الوجه الآخر أو لا.

ثمّ إنّه إمّا أن يلحظ الأكثر بالنسبة إلى ما هو الموجود من أفراد العامّ و إن كان غير الموجود أضعافه، أو يلحظ بالنسبة إلى الأفراد أو الأنواع مطلقا مع بقاء أغلب الأفراد أو الانواع الموجودة و عدمه.

ثمّ إنّ التخصيص إمّا أن يكون مع إرادة العموم من اللفظ فيخرج المخرج من الحكم، و قد يكون باستعمال اللفظ في خصوص الباقي حسب ما أشرنا إليه.

ثمّ إنّ لهم في المسألة أقوالا عديدة أشار المصنّف (رحمه اللّه) إلى جملة منها:

و منها: أن يعتبر فيه بقاء جمع غير محصور سواء كان المخرج أقلّ أو أكثر.

و منها: التفصيل بين الجمع و غيره فيعتبر بقاء أقلّ الجمع في الأوّل، و يجوز إلى الواحد في الثاني.

و منها: ما ذهب إليه الحاجبي ففصّل بين المخصّص المتّصل و المنفصل، ثمّ فصّل في المتّصل بين ما يكون باستثناء أو بدل بعض فجوّزه إلى الواحد، و ما يكون بغيرهما من الشرط و الصفة و الغاية فاعتبر فيه بقاء الاثنين، و في المنفصل بين ما يكون العامّ منحصرا في محصور قليل نحو «قتلت كلّ زيدين» و هم ثلاثة

257

أو أربعة مثلا فيجوز التخصيص حينئذ إلى الاثنين، و ما لا ينحصر أفراده فاعتبر بقاء جمع يقرب من مدلول العامّ.

و الأظهر عندي دوران الأمر في الجواز و المنع مدار الاستنكار و الاستقباح العرفي، فكلّما لم يكن مستقبحا بحسب العرف يجوز التخصيص على حسبه، و مع الاستقباح يمنع منه، و ذلك ممّا يختلف جدّا بحسب اختلاف المقامات.

لنا على الجواز مع عدم الاستقباح: إنّه إن كان التخصيص على وجه الحقيقة من دون لزوم تجوّز في المقام فظاهر، و إن كان على وجه التجوّز فلما عرفت سابقا من دوران الأمر في المجاز مدار عدم الاستقباح، و عدم إباء العرف عن الاستعمال، من غير لزوم مراعاة شي‏ء من خصوصيات العلائق المعروفة، و لو سلّم اعتبار تلك الخصوصيّات فعلاقة العامّ و الخاصّ من جملة تلك العلائق، و هو الحاصل في العمومات المخصوصة. و القول بكون المراد به العامّ و الخاصّ المنطقي دون الاصولي موهون بما سيجي‏ء بيانه إن شاء اللّه، مضافا إلى أنّه يمكن حصول علاقة المشابهة في المقام أيضا و إن كان الباقي أقلّ إذا كان مقاربا للكلّ في الثمرة، كما في قولك «أخذت كلّ ما في الصندوق» و فيه آلاف من الأشياء و قد أخذت واحدا منها يعادل في القيمة جميع الباقي و يزيد عليه، و قولك «أكلت كلّ رمّانة في المحرز إلّا ما كان فاسدا» و لم يكن الصحيح منه إلّا أقلّه، و قد يكون ذلك من جهة إفادة المبالغة في دعوى المشابهة و كون الباقي كالعدم، كقول الضيف للمضيف «أكلت كلّ ما في الخوان» و إنّما أكل قليلا منه، إلى غير ذلك من الأمثلة.

و على المنع منه مع الاستقباح: أنّ التخصيص إمّا تجوّز في لفظ العامّ، أو تصرّف في مدلوله على وجه يقضي بالتصرّف في اللفظ، و كلا الأمرين يتوقّف على ترخيص الواضع و هو غير حاصل مع استقباحه في العرف، و لو قيل بعدم توقّفه عليه في الوجه الأخير فلا ريب في قضاء منعه منه بعدم الجواز، و القبح العرفي كاشف من حصول المنع.

فإن قلت: إنّ الاستقباح الحاصل في المقام ليس من جهة قبح نفس‏

258

الاستعمال الكاشف عن منع الواضع، بل من جهة سوء التعبير و ركاكة البيان، على نحو قولك «أكلت رمّانة و رمّانة و رمّانة» و هكذا أن تكمله عشرا أو عشرين، فإنّه ينبغي أن يعبّر عنه بقوله «أكلت عشر رمّانات أو عشرين» و كذا إذا أراد التعبير عن أكل رمّانتين أو ثلاث ينبغي أن يعبّر عنه بلفظه، لا أن يقول: أكلت كلّ رمّانة، ثمّ يستثنى عنه إلى أن يبقى واحد أو اثنان أو ثلاثة، و ممّا يشير إلى ذلك أنّه لو كان المنع من جهة اللغة لاطّرد الاستقباح المذكور و ليس كذلك، لوضوح استحسانه في بعض المقامات، حسب ما أشرنا إليه، فذلك شاهد على كون الاستقباح من جهة ركاكة التعبير و خلوّ العدول إليه من النكتة اللائقة، فلذا يستحسن مع وجودها في المقام، و لو كان ذلك من أجل المنع اللغوي لم يحسنه مراعاة المقام.

قلت: الظاهر أنّ القبح الحاصل في المقام إنّما هو في إطلاق لفظ العامّ على الوجه المذكور، و ليس ذلك من قبيل سوء التعبير الحاصل بملاحظة التراكيب، بل من جهة نفس إطلاقه الأفرادي، و ذلك قاض بكون الاستعمال غلطا، خارجا عن قانون اللغة، كما هو الحال في نظائره من الأغلاط، إذ ليس القاضي بالمنع من الاستعمال بالنسبة إليها سوى الاستقباح المذكور، و عدم تجويز العرف للاستقباح كما في هذا المقام. و ما ذكر من أنّه لو كان مستندا إلى الوضع لجرى في جميع الاستعمالات و إن لم يختلف الحال فيه بحسب المقامات غير متّجه، لوضوح اختلاف المعاني المجازيّة صحّة و فسادا بحسب اختلاف المقامات، لاختلاف الخصوصيّات الملحوظة في كلّ مقام، و ليس مجرّد صحّة التجوّز في مقام قاضيا باطّراده في سائر المقامات، و لذا قالوا بعدم لزوم الاطّراد في المجازات.

ألا ترى أنّه يصحّ إطلاق «اليد» على الإنسان في مقام الأخذ و الإعطاء و نحوهما و لا يصحّ إطلاقها عليه في غير ذلك المقام، و كذا إطلاق «الرقبة» في مقام يرتبط بالرقبة و نحوها دن غيره، حسب ما مرّ تفصيل القول فيه في محلّه، و هذا أمر واضح بالنسبة إلى المجازات، بل يمكن القول به في الحقائق أيضا إذا اشتمل على تصرّف زائد على مجرّد استعماله فيما وضع له، كما هو المفروض في‏

259

المقام لو قلنا باستعماله فيه، فإذا صحّ بحسب المقام تخصيص العامّ بالأكثر بملاحظة خصوصيّة مجوّزة له جاز استعمال العامّ على الوجه المذكور، كما إذا نزّل الباقي منزلة المعظم أو الكلّ و اطلق لفظ العامّ عليه تنزيلا له بتلك المنزلة، فيصحّ الاستعمال و لو كان المخرج أضعاف ما اطلق اللفظ عليه، أو نزّل القليل الحاصل منه منزلة الكثير إمّا لدعوى استجماعه لصفات الكلّ أو الجلّ، أو لاكتفائه بذلك عن الكلّ على حدّ قولك: «حصل لي اليوم كلّ الربح» إذا حصّلت منه قدرا كافيا لا تتوقّع الزيادة عليه، فيدور الأمر جوازا و منعا مدار ذلك، و ليس ذلك كاشفا عن جواز الاستعمال كذلك مطلقا و إن كان في بعض المقامات مستحسنا موافقا للبلاغة واردا على وفق مقتضى الحال و في بعض المقامات خلافه، بل الحال على خلاف ذلك، و إنّما يدور الجواز و المنع مدار ذلك، من جهة حصول المصحّح في بعض تلك المقامات دون غيره حسب ما بيّنا.

نعم لو كان الأمر الملحوظ في كلّ من تلك المقامات شيئا واحدا من غير اختلاف في اعتباراته و الجهات الملحوظة معه، فحسن في مقام و قبح في آخر، كان ذلك شاهدا على عدم استناد التحسين و التقبيح إلى الوضع، و إلّا لم يختلف الحال فيه كذلك و ليس الحال على ذلك.

فظهر بما قرّرنا أنّ تخصيص العامّ إلى أن يبقى واحد أو اثنان أو ثلاثة و نحوها من مراتب تخصيص الأكثر ممّا لا يجوز، مع قطع النظر عن ضمّ أمر آخر و ملاحظة جهة اخرى معه، و لا يختلف الحال فيه من تلك الجهة بحسب المقامات، و إنّما يختلف الحال فيه بحسب اختلاف سائر الامور المنضمّة إليه، و من ذلك ما إذا كان المخرج صنفا و الباقي صنفا آخر مع انحصار الباقي بحسب المصداق في الواحد أو الاثنين أو الثلاثة أو نحوها، و هو في التوصيف و الشرط و نحوهما ممّا لا ينبغي الريب فيه، بل لا يبعد القول بكون الاستعمال على وجه الحقيقة، كما في قولك «أكرم كلّ عالم عادل» و «أكلت كلّ رمّانة صحيحة في البستان» و «أهن كلّ فاسق إن أمنت شرّه» إذ لا يبعد القول بانتفاء التجوّز فيه و إن كان الباقي أقلّ. و سيجي‏ء

260

تفصيل القول في المسألة الآتية إن شاء اللّه تعالى، و هو اختيار المرتضى (رحمه اللّه) و قد عزاه الشريف الاستاد إلى أكثر أصحابنا قال: و به قال ابن ادريس و حكى الخلاف في ذلك عن ابن الجنيد، و هو قول العلّامة، و ظاهره انتفاء الخلاف في ذلك بين الأصحاب، حيث نسب الخلاف في ذلك الى العامّة.

قوله (رحمه اللّه): لنا القطع بقبح قول القائل ... الخ.

هذا أحد الوجوه الّتي يحتجّ بها على القول المذكور.

و أنت خبير: بأنّ ما ذكر لا يفيد الحكم بالمنع على سبيل الإطلاق كما هو المدّعى، غاية الأمر ثبوت المنع مع حصول الاستقباح كما في الأمثلة المذكورة، سيّما مع ثبوت القول بالتفصيل بين المخصّص المتّصل و المنفصل، فحصول الاستقباح مع انفصال المخصّص لا يستلزم المنع من اتّصاله و عدم ظهور استقباحه، كما في قولك «أكلت كلّ رمانة حامضة في البستان» و فيه آلاف من الرمّان و لا حامض فيها إلّا ثلاثة، و كذا قولك «كلّ من دخل داري من أصدقائي فأكرمه» و لم يكن الداخلون من أصدقائك سوى ثلاثة مثلا، و هكذا، مضافا إلى ما عرفت من عدم دلالته على المنع بالنسبة إلى المخصّص المنفصل على سبيل الإطلاق أيضا.

غاية الأمر أن يفيد المنع مع عدم ضمّ جهة خارجيّة مسوّغة للتعبير المذكور يرتفع به القبح، و أمّا مع انضمامها كما عرفت تفصيل الكلام فيه ممّا قرّرنا فلا قبح و لا منع، و قد يمنع في المقام من دلالة التقبيح المذكور على المنع كما مرّت الإشارة إليه و قد عرفت الجواب عنه فلا نعيده.

ثانيها: أنّ معاني الألفاظ حقائقها و مجازاتها توقيفيّة، لابدّ من ثبوتها بتوقيف الواضع على سبيل الخصوص أو العموم المستفاد من نقل النقلة أو الرجوع الى الاستعمالات المجازيّة، فيقتصر فيها على القدر الثابت، و الثابت من ملاحظة الأدلّة هو الإذن في التخصيص مع بقاء الأكثر، فيبقى جواز الاستعمال بالنسبة إلى غيره خاليا عن الدليل، فلا يجوز التخطّي إليه مع عدم قيام دليل عليه.

و أنت خبير بأنّ غاية ما يقتضيه الوجه المذكور عدم جواز استعمالنا على‏

261

الوجه المذكور، لا الحكم بفساد الاستعمال المنقول، حتّى يطرح الرواية المشتملة عليه، أو يحكم بعدم جواز حمل الرواية على المعنى المشتمل عليه، على ما هو الملحوظ في أنظار أرباب الاصول.

غاية الأمر أن لا يصحّ الحكم بالحمل عليه، و ليس ذلك ثمرة يعتدّ بها في المقام.

ثالثها: أنّ التخصيص استعمال العامّ في غير ما وضع له، فيتبع جوازه وجود العلاقة المصحّحة، و لا علاقة مصحّحة في المقام سوى علاقة المشابهة، و هي غير حاصلة إلّا بقاء الأكثر، و سيأتي الكلام إليه في كلام المصنّف.

و يضعّفه المنع من انحصار العلاقة هنا بالمشابهة، إذ علاقة العامّ و الخاصّ أيضا من جملة العلائق المعتبرة الجارية في تخصيص العمومات، بناء على القول بمجازيّتها، و هو أمر مشترك بين مراتب التخصيص، إلّا أنّه لمّا دار الأمر مدار عدم الاستقباح لم يطّرد في جميع الصور حسب ما قرّرناه.

و القول بكون علاقة العامّ و الخاصّ إنّما هي في العامّ و الخاصّ المنطقي دون الاصولي- كما ذكره المدقّق المحشّي (رحمه اللّه)- ممّا لا وجه له، إذ لا باعث على حملها عليه، مع أنّ ملاحظة الاستعمالات كما يقضي بجواز استعمال العامّ المنطقي في الخاصّ، كذا يقضي بجواز استعمال العامّ الاصولي في الخاصّ. و استعمال المنطقي في الخاصّ من قبيل استعمال المطلق في المقيّد، و قد عدّت علاقة اخرى فيختصّ علاقة العامّ و الخاصّ بالثاني، إلّا أن يفرق بينهما بأخذ المطلق على سبيل التفصيل في الإطلاق على المقيّد بخلاف إطلاق العامّ على الخاصّ. و فيه: أنّه لا وجه لتقييده بذلك مع صدق الإطلاق و التقييد على الوجهين.

و مع البناء عليه بناء على كون التعدّد المذكور مبنيّا على تكثير الأقسام لا مانع من عدّ اطلاق العامّ الاصولي على الخاصّ من جملة العلائق أيضا، كإطلاق العامّ المنطقي على الخاصّ، و ملاحظة الاستعمالات كما تشهد للثاني فهي شاهدة للأول أيضا، بل الأمر فيه أظهر لكونه أشيع في الإطلاقات.

***

262

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

263

معالم الدين:

أصل‏

و إذا خصّ العامّ و اريد به الباقي، فهو مجاز مطلقا على الأقوى، وفاقا للشيخ، و المحقّق، و العلّامة في أحد قوليه، و كثير من أهل الخلاف. و قال قوم: إنّه حقيقة مطلقا. و قيل: هو حقيقة، إن كان الباقي غير منحصر، بمعنى أنّ له كثرة يعسر العلم بعددها؛ و إلّا، فمجاز.

و ذهب آخرون إلى كونه حقيقة، إن خصّ بمخصّص لا يستقلّ بنفسه، من شرط، أو صفة، أو استثناء، أو غاية، و إن خصّ بمستقلّ، من سمع أو عقل، فمجاز. و هو القول الثاني للعلّامة، اختاره في التهذيب. و ينقل ههنا مذاهب للناس كثيرة سوى هذه، لكنّها شديدة الوهن، فلا جدوى للتعرّض لنقلها.

لنا: أنّه لو كان حقيقة في الباقي، كما في الكلّ، لكان مشتركا بينهما.

و اللازم منتف. بيان الملازمة: أنّه ثبت كونه للعموم حقيقة، و لا ريب أنّ البعض مخالف له بحسب المفهوم، و قد فرض كونه حقيقة فيه أيضا؛ فيكون حقيقة في معنيين مختلفين، و هو معنى المشترك. و بيان انتفاء اللازم: أنّ الفرض وقع في مثله، إذ الكلام في ألفاظ العموم التي قد ثبت اختصاصه بها في أصل الوضع.

264

حجّة القائل بأنّه حقيقة مطلقا، أمران:

أحدهما: أنّ اللفظ كان متناولا له حقيقة بالاتّفاق، و التناول باق على ما كان، لم يتغيّر، إنّما طرء عدم تناول الغير.

و الثاني: أنّه يسبق إلى الفهم؛ إذ مع القرينة لا يحتمل غيره. و ذلك دليل الحقيقة.

و الجواب عن الأوّل: أنّ تناول اللفظ له قبل التخصيص إنّما كان مع غيره، و بعده يتناوله وحده، و هما متغايران؛ فقد استعمل في غير ما وضع له.

و اعترض: بأنّ عدم تناوله للغير أو تناوله له، لا يغيّر صفة تناوله لما يتناوله.

و جوابه: أنّ كون اللفظ حقيقة قبل التخصيص ليس باعتبار تناوله للباقي، حتّى يكون بقاء التناول مستلزما لبقاء كونه حقيقة، بل من حيث إنّه مستعمل في المعنى الّذي ذلك الباقي بعض منه، و بعد التخصيص يستعمل في نفس الباقي، فلا يبقى حقيقة. و القول بأنّه كان متناولا له حقيقة مجرّد عبارة؛ إذ الكلام في الحقيقة المقابلة للمجاز، و هي صفة اللفظ.

و عن الثاني: بالمنع من السبق إلى الفهم. و إنّما يتبادر مع القرينة، و بدونها يسبق العموم. و هو دليل المجاز.

و اعترض: بأنّ إرادة الباقي معلومة بدون القرينة. إنّما المحتاج إلى القرينة، عدم إرادة المخرج.

و ضعفه ظاهر؛ لأنّ العلم بإرادة الباقي قبل القرينة إنّما هو باعتبار دخوله تحت المراد، و كونه بعضا منه. و المقتضي لكون اللفظ حقيقة فيه، هو العلم بارادته على أنّه نفس المراد، و هذا

265

لم يحصل إلّا بمعونة القرينة. و هو معنى المجاز.

حجّة من قال بأنّه حقيقة، إن بقى غير منحصر، أنّ معنى العموم حقيقة هو كون اللفظ دالا على أمر غير منحصر في عدد، و إذا كان الباقي غير منحصر، كان عاما.

و الجواب: منع كون معناه ذلك؛ بل معناه تناوله للجميع. و كان للجميع أوّلا، و قد صار لغيره. فكان مجازا.

و لا يذهب عليك أنّ منشأ الغلط في هذه الحجّة اشتباه كون النزاع في لفظ العامّ أو في الصيغ. و قد وقع مثله لكثير من الاصوليّين في مواضع متعدّدة، ككون الأمر للوجوب، و الجمع للاثنين، و الاستثناء مجازا في المنقطع. و هو من باب اشتباه العارض بالمعروض.

حجّة القائل بأنّه حقيقة، إن خصّ بغير مستقلّ: أنّه لو كان التقييد بما لا يستقلّ يوجب تجوّزا في نحو: «الرجال المسلمون» من المقيّد بالصفة، و: «أكرم بني تميم ان دخلوا» من المقيّد بالشرط، و «اعتزل الناس إلّا العلماء» من المقيّد بالاستثناء، لكان نحو: «مسلمون» للجماعة مجازا، و لكان نحو: «المسلم» للجنس أو للعهد مجازا، و لكان نحو: «ألف سنة إلّا خمسين عاما» مجازا. و اللوازم الثلاثة باطلة.

أمّا الأوّلان: فإجماعا، و أمّا الأخير، فلكونه موضع وفاق من الخصم.

بيان الملازمة: أنّ كلّ واحد من المذكورات يقيّد بقيد هو كالجزء له، و قد صار بواسطته لمعنى غير ما وضع له أوّلا. و هي بدونه، لما نقلت عنه، و معه لما نقلت إليه. و لا يحتمل غيره. و قد جعلتم ذلك موجبا للتجوّز. فالفرق تحكّم.

و الجواب: أنّ وجه الفرق ظاهر. فانّ الواو في «مسلمون»، كألف «ضارب» و واو «مضروب» جزء الكلمة، و المجموع لفظ واحد.

266

و الألف و اللام في نحو «المسلم» و إن كانت كلمة، إلّا أنّ المجموع يعدّ في العرف كلمة واحدة، و يفهم منه معنى واحد من غير تجوّز و نقل من معنى إلى آخر. فلا يقال: إنّ «مسلم» للجنس، و الألف و اللام للقيد و الحكم بكون نحو «ألف سنة إلّا خمسين عاما» حقيقة- على تقدير تسليمه- مبنيّ على أنّ المراد به تمام مدلوله، و أنّ الإخراج منه وقع قبل الإسناد و الحكم.

و أنت خبير بأنّه لا شي‏ء ممّا ذكرناه في هذه الصور الثلاث بمتحقّق في العامّ المخصوص؛ لظهور الامتياز بين لفظ العامّ و بين المخصّص، و كون كلّ منهما كلمة برأسها، و لأنّ المفروض إرادة الباقي من لفظ العامّ، لا تمام المدلول مقدّما على الإسناد. و حينئذ فكيف يلزم من كونه مجازا كون هذه مجازات؟

267

[هل التخصيص في العامّ يوجب المجازيّة أم لا؟]

قوله: (و إذا خصّ العامّ و اريد به الباقي ... الخ.)

لا يخفى أنّ ظاهر العنوان لا يوافق القول بكون ألفاظ العموم حقيقة في العموم بخصوصه حسب ما مرّ، إذ بعد فرض كون اللفظ حقيقة في العموم دون غيره لا يقبل النزاع في كونه حقيقة في الباقي، فعقد هذا النزاع بعد الفراغ من المسألة المذكورة و البناء على كون ألفاظ العموم حقيقة فيه بخصوصه لا يخلو في بادئ الرأي عن التدافع، و ربما يوجّه ذلك بأنّ عقد هذا النزاع إنّما يبتنى على وجود لفظ يفيد العموم في الجملة، و لا يبتنى على كون تلك الألفاظ موضوعة للعموم خاصّة، فعقدهم لهذا النزاع إنّما هو مع قطع النظر عن كون العامّ حقيقة في العموم بخصوصه مجازا في غيره، فمن يقول بكون ألفاظ العموم حقيقة في الخصوص خاصّة و من يقول باشتراكها بين العموم و الخصوص يقول بكونها حقيقة في الباقي، بخلاف القائل بوضعها للعموم خاصّة.

و فيه: أنّه لا فائدة إذن في عقد ذلك نزاعا آخر و جعله عنوانا برأسه لتفرّع كونه حقيقة أو مجازا على المختار في تلك المسألة حسب ما ذكر.

كيف! و القائل بكونه حقيقة عند إرادة الباقي إنّما يقول به على فرض كون اللفظ للعموم، لا من جهة كونه حقيقة في خصوص الخصوص، أو مشتركا بين العموم و الخصوص، و لذا لم يستند الى ذلك أحد من القائلين بكونه حقيقة عند إرادة الباقي، كما استند القائل بالتجوّز إلى أنّه قضيّة كونه حقيقة في العموم، كما في احتجاج المصنّف و غيره، فظاهر كلامهم عقد هذا النزاع بعد البناء على كون اللفظ حقيقة في العموم خاصّة كما هو ظاهر العنوان، حيث فرضوا البحث في أنّ تخصيص العام و إرادة الباقي هل يقضي بمجازيّته أو لا؟ فالملحوظ أنّ كون اللفظ للعموم هل يقضي بالتجوّز عند التخصيص و إرادة الباقي أو لا يقتضي ذلك؟

و سيأتي التنصيص عليه في كلام المصنّف، فالإشكال المذكور على حاله. و يمكن تصحيح محلّ النزاع في المقام بوجهين:

أحدهما: إنّه ليس الكلام في استعمال العامّ بخصوصه في خصوص الباقي‏

268

و إنّما الكلام في تخصيص العامّ و إرادة الباقي، فإنّه يتصوّر ذلك مع إرادة الباقي من العامّ بخصوصه، أو من مجموع العامّ و المخصّص، أو بإرادة العموم من اللفظ و إسناد الحكم إلى الباقي على ما يأتي تفصيل القول فيها.

فعلى الأوّل لا مناص من القول بالتجوّز بخلاف الأخيرين، إذ لا مانع من القول بكونه حقيقة، فيصحّ أن يكون بناء القائل بكونه حقيقة على أحد الوجهين الأخيرين من غير أن ينافي كونه موضوعا للعموم بخصوصه.

و قد اختار ذلك جماعة في الاستثناء كما سيجي‏ء تفصيل القول فيه إن شاء اللّه. هذا إذا اريد تصحيح النزاع على المذاهب المعروفة، و أمّا على بعض المذاهب النادرة فالأمر واضح لا حاجة إلى التوجيه كما يتبيّن الحال من ملاحظة أدلّتهم، لكنّك خبير بأنّ ذلك لا يوافق الحجّة المعروفة من القائل بكونه حقيقة، فإنّ مقتضاه كونه حقيقة في خصوص الباقي حسب ما هو ظاهر عنوان المصنّف، إلّا أن يقال:

إنّ ضعف الحجّة لا يقتضي فساد النزاع في المسألة، و لذا قد دفعوه بذلك كما في كلام المصنّف و غيره فتأمّل.

ثانيهما: إنّ العموم كيفيّة عارضة على دلالة اللفظ، قاضية بشمول اللفظ لجميع مصاديقه الحقيقيّة، أو جميع معانيه الموضوع لها عند القائل بكون المشترك ظاهرا في الجميع، فملحوظ القائل بكونه حقيقة عند عروض التخصيص أنّ الباقي أيضا مصداق حقيقي للّفظ، فمع إرادته يكون اللفظ مستعملا في معناه الحقيقي أيضا.

غاية الأمر سقوط تلك الكيفيّة في المقام، و ذلك لا يقضي بالتجوّز في العامّ الّذي هو معروض العموم، نعم لو ذهب القائل بكونه حقيقة في الباقي إلى كونه بعضا من الموضوع له لم يعقل ذهابه إلى كونه حقيقة فيه حينئذ، لكن ليس الحال على ذلك عنده، إذ دلالة العامّ على كلّ من جزئيّاته على سبيل المطابقة عندهم، كما مرّت الإشارة إليه، فبذلك يتصوّر القول فيه بكون العامّ حقيقة في الباقي، مع القول بأنّ للعموم صيغة تخصّه و إن فرض فساده بعد التأمّل فيه، و كأنّ هذا هو ملحوظ بعض القائلين به كما يظهر من احتجاجهم الآتي، و الأولى أن يصحّح‏

269

النزاع على الوجهين المذكورين، فيكون الوجه الأوّل ملحوظا عند بعض القائلين بكونه حقيقة، و الثاني عند غيره.

ثمّ إنّ الأقوال المذكورة في المسألة ثمانية كما سيجي‏ء إن شاء اللّه الإشارة إليها. و المختار عندنا أنّه لا تجوّز غالبا في لفظ العامّ، و إنّما التجوّز على فرض حصوله فيما يفيد العموم إن كان هناك لفظ موضوع بإزائه، فإنّك قد عرفت أنّ أغلب الألفاظ المستعملة في العموم ليست بنفسها موضوعة لخصوص العموم، فإنّ الدالّ على العموم هناك مغاير لما يفيد المعنى الّذي يتعلّق العموم به، ففي بعضها يكون العامّ لفظا و الموضوع لإفادة عمومه لفظا آخر كما في «كلّ رجل» و في بعضها يكون معنى العموم مستفادا بالالتزام، و في بعضها من ظاهر المقام أو نحو ذلك.

نعم لا يبعد في بعضها أن يكون العامّ و المفيد للعموم لفظا واحدا، كما في أسماء المجازات، و مع كون لفظ العامّ موضوعا لخصوص العموم أو كون الدالّ على عمومه موضوعا لذلك انّما يلزم التجوّز فيه إذا استعمل فيه في غير الشمول، و أمّا مع استعماله فيه كما في عدّة من المخصّصات فلا مجاز أيضا، فهناك تفصيل في المقام.

و لنوضح الكلام في المرام برسم امور:

أحدها: أنّه نصّ جماعة منهم بأنّ الغرض من وضع الألفاظ المفردة ليس إفادتها معانيها الأفراديّة، و إنّما المقصود من بعضها إفهام معانيها التركيبيّة بعد تركيب بعضها مع بعض، و الظاهر انّ مقصودهم من ذلك أنّ الغرض من تقرير الأوضاع هو إظهار ما في الضمير من المطالب و الحاجات، و ظاهر أنّ ما يتعلّق به الأغراض إنّما هو بيان المعاني التركيبيّة دون المفاهيم الأفراديّة، لعدم تعلّق الأغراض بها إلّا نادرا، فالحاجة إنّما تمسّ إلى بيانها من جهة توقّف المطالب التركيبيّة عليها، فالوضع إنّما تعلّق بالألفاظ المفردة من جهة توقّف المعاني التركيبية على المعاني الأفراديّة المدلول عليها بالألفاظ المفردة، و الغرض الباعث‏

270

إلى وضعها هو الإيصال إلى المعاني التركيبيّة الحاصلة من ضمّ بعضها إلى البعض بعد وضع الهيئات العارضة عليها لمعانيها النسبيّة على حسب ما تقرّر في محلّه.

فالمقصود الأصلي من وضع المفردات هو إفهام المعاني التركيبيّة الحاصلة من تركيبها للعالم بأوضاعها، و هذا ظاهر لكنهم علّلوا الحكم المذكور بأنّه لو كان الغرض من أوضاعها إفادة معانيها الأفراديّة لزم الدور، لأنّ استفادة المعاني منها يتوقّف على العلم بأوضاعها، ضرورة توقّف الدلالات الوضعيّة على العلم بالوضع، و العلم بالوضع للمعنى يتوقّف على تصوّر ذلك المعنى و حصوله في النفس، و هو دور مصرّح.

و ضعف هذا التعليل ظاهر، ضرورة أنّ المراد من كون الوضع لإفادة المعنى كون اللفظ باعثا لإخطار المعنى ببال السامع و الإشارة إليه، و العلم بالوضع إنّما يتوقّف على تصوّر المعنى و حصوله في البال في الجملة، لا على ذلك الإخطار الحاصل بسماع اللفظ عند تلفّظ المتكلّم به، فلا مجال لتوهّم الدور و هو واضح.

و يمكن أن يقال: إنّ المقصود ممّا ذكروه أنّه ليس الغرض من وضع المفردات إفادة معانيها و تصويرها في ذهن السامع من أوّل الأمر، لما عرفت من لزوم الدور، لتوقّف حصول تلك المعاني في النفس بواسطة تركيب تلك الألفاظ على العلم بوضعها لتلك المعاني المتوقّف على تصويرها و حصولها في النفس بخلاف المعاني التركيبيّة، فإنّه يمكن حصولها بواسطة تركيب تلك الألفاظ من غير أن تكون حاصلة للنفس قبل ذلك أصلا، فالمقصود أنّ وضع الألفاظ المفردة ليس لتصوير معانيها الأفراديّة للزوم الدور، و إنّما هي لأجل تصوير معانيها التركيبيّة الغير الحاصلة للمخاطب قبل تلفّظ المتكلّم بها.

و أنت خبير بأنّه لو اريد ذلك فكون الوضع لأجل تصوير المعاني التركيبيّة إنّما هو على سبيل الإهمال، إذ يمكن أن يكون الإفهام في المركّبات على الوجهين:

من إفادة تصوير المعنى المركّب، و من الإشارة إلى المعنى الحاصل في الذهن قبل تلفّظ المتكلّم به على ما هو الحال في المفردات.

271

و كيف كان، فالأنسب بالتعليل هو ما ذكرناه و إن صحّ توجيه ما علّلوه بما قلناه، ثمّ إنّك بعد التأمّل ممّا ذكرناه من الوجهين تعرف أنّه لا منافاة بين ما ذكروه في المقام و ما أخذوه في تعريف الوضع من «أنّه تعيين اللفظ أو تعيّنه للدلالة على المعنى بنفسه» نظرا إلى أنّ ظاهره كون وضع المفردات لأجل الدلالة على معانيها الأفراديّة فينافي ذلك ما قرّروه هناك، و ذلك لأنّ المراد بالدلالة هنا هو إخطار معانيها الموضوع لها عند التلفّظ بها و إن كان ذلك مقصودا بالتبع من أجل حصول معانيها التركيبيّة حسب ما قرّر أوّلا، و ليس المراد به تحصيل تصوّر تلك المعاني من أصلها لوضوح امتناعه نظرا إلى ما قرّرناه، و إنّما المراد مجرّد إحضارها و الإشارة إليها من بين المعاني المخزونة في الخيال و هو واضح.

و من الغريب ما ذكره بعض الأفاضل في بيان عدم المنافاة بين ما ذكروه في المقامين أنّ مقصودهم ممّا نفوه- من كون استفادة المعاني الأفراديّة غرضا في الوضع- أنّه ليس الغرض من وضعها إفادة معانيها، بمعنى حصول التصديق من وضعها بأنّ تلك المعاني قد وضعت لها تلك الألفاظ (1) و المقصود فيه.

ثانيها: أنّ استعمال اللفظ في المعنى- أعني إطلاق اللفظ و إرادة المعنى- يكون تارة بإرادة ذلك المعنى على وجه يكون هو المقصود بالإفادة فيريد المتكلّم إفادة تصديقه للمخاطب، و تارة لا يكون على الوجه المذكور، بل يكون مقصود المتكلّم تصوير ذلك المعنى في ذهن المخاطب لينتقل منه الى غيره بملاحظة القرينة الحاليّة أو المقاليّة القاضية به، و يكون ذلك الغير هو المقصود بالبيان و الإفادة، و حينئذ فهل يكون المستعمل فيه هو المعنى الأوّل أو الثاني؟

وجهان: و الّذي يتقوّى في النظر كون المستعمل فيه حينئذ هو الثاني، حسب ما مرّ تفصيل القول فيه، فإنّ الملحوظ في الاستعمال هو المعاني الّتي يكون المقصود من الكلام بيانها و إفادتها، فيكون اللفظ مستعملا فيها دون المعاني الّتي جعلت وسيلة للانتقال إليها من غير أن تكون مقصودة في الإسناد، و لا يراد بيانها و لا إفادتها

____________

(1) في هامش المطبوع ما يلي: هذه المقدّمة ناقصة في الأصل.

272

أصلا، فيكون المناط فيما يستعمل فيه اللفظ هو المعنى المقصود بالإفادة، فإن كان ذلك ممّا وضع اللفظ بإزائه كان اللفظ حقيقة، و إلّا كان مجازا و إن اريد من اللفظ صورة ما وضع بإزائه ليجعل وسيلة للانتقال إليه، على ما مرّ التفصيل فيه.

بقي الكلام في شي‏ء و هو أنّه قد يكون المعنى الّذي يراد الانتقال إليه حاصلا من ملاحظة أوضاع متعدّدة و يكون ذلك المعنى حاصلا باستعمال الألفاظ في معانيها الموضوع له، إلّا أنّ ذلك قد يستلزم أن لا يكون خصوص المعنى الموضوع له لبعض تلك الألفاظ مقصودا بالإفادة حقيقة، بل يكون المقصود بالإفادة غيره إلّا أنّه ليس مقصودا بالإفادة من تلك اللفظة، بل من مجموع تلك الألفاظ بملاحظة أوضاعها المنتقلة بها.

و توضيح المقام: أنّ المعنى الّذي يراد الانتقال إليه قد يكون معنى مجازيّا لتلك اللفظة و يراد من اللفظ خصوص معناه الحقيقي لأجل الانتقال إلى معناه المجازي الّذي هو المقصود بالإفادة، و قد يكون معنى مجازيّا مقصودا من ملاحظة مجموع الألفاظ من غير أن يراد ذلك المعنى من خصوص بعض منها، بل إنّما يراد من خصوص كلّ من تلك الألفاظ معناه الحقيقي لينتقل من المجموع إلى معناه الحقيقي التركيبي الحاصل من الأوضاع العديدة ثمّ ينتقل منه إلى المعنى المجازي المقصود بالإفادة، كما في التمثيل، و حينئذ يكون التجوّز في المركّب، بل و في خصوص كلّ من تلك الألفاظ أيضا، و قد يكون معنى حقيقيّا مقصودا بالإفادة من إرادة المعاني الحقيقيّة من كلّ من تلك الألفاظ المستعملة لكن يكون اللازم من ذلك عدم كون المراد من بعض تلك الألفاظ مقصودا بالإفادة، لا بأن يراد بتلك اللفظة الانتقال إلى المعنى الآخر ليجعل إرادة معناه الحقيقي وسيلة إليه، بل ذلك المعنى إنّما يراد من مجموع تلك الألفاظ بملاحظة أوضاعها الحقيقيّة، فليس ذلك المعنى مرادا من تلك اللفظة ليقال بكونها مستعملة فيه على وجه المجاز، كما في الصورة الاولى، و ليس المعنى المراد من الجملة خارجا عمّا وضعت له ليكون الانتقال من الجملة إلى ذلك المعنى قاضيا بالخروج عن أوضاع‏

273

المفردات، حسب ما قلناه في الصورة الثانية، فلا مجاز حينئذ، فيكون كلّ من المفردات مستعملة فيما وضع له و إن كان المعنى الموضوع له المراد من بعض تلك الألفاظ غير مقصود بالإفادة على الوجه الّذي قرّرناه.

و توضيح ذلك: أنّه كما يكون الحقيقة دالّة على المعنى الحقيقي بواسطة وضع اللفظ، فكذا المجاز هو الدالّ على المعنى المجازي بواسطة القرينة القائمة عليه، فالمستعمل في المعنى المجازي و المجعول عليه هو لفظ المجاز و إن كانت دلالته عليه بواسطة القرينة، فإذا لم يكن اللفظ ممّا اريد به معناه المجازي- و لم يكن تلك اللفظة دالّة على ذلك المعنى بواسطة القرينة، بل كان ذلك اللفظ و غيره دالّا عليه، و كان ذلك المعنى مرادا من مجموع اللفظين أو الألفاظ- لم يكن ذلك اللفظ مستعملا في ذلك المعنى، بل كان المستعمل فيه هو ما اريد منه من معناه الحقيقي و المجازي.

نعم لو كان المعنى مجازيّا للمركّب و كانت تلك الألفاظ في حال التركيب مستعملة فيه- كما في التمثيل- كان كلّ من الألفاظ المستعملة فيه مجازا حسب ما قرّرناه في التمثيل على تأمّل فيه من بعضهم كما مرّ بيانه في محلّه.

و بالجملة أنّ حصول التجوّز مبنيّ على أحد امور ثلاثة: من استعمال اللفظ ابتداء في غير ما وضع له كما في «رأيت أسدا يرمي» أو كون المراد منه بالأصالة غير ما وضع له و إن اريد به الموضوع له لأجل التوصل إليه كما في الكناية في المفرد، أو عدم كون المقصود بالإفادة منه معناه الموضوع له و إن لم يستعمل في معنى مجازي مخصوص، بل كان المقصود منه في ضمن الجملة إفادة غير ما وضع له، بأن كانت الجملة المركّبة منه مستعملة في غير معناه الموضوع له، كما في المجاز المركّب و الكناية المركّبة، و لا شي‏ء من الوجوه الثلاثة حاصلة في المقام، فلا وجه لالتزام التجوّز فيه.

ثالثها: أنّ القيود الواردة على اللفظ لا يقضي بتجوّز فيه، إلّا أن يكون مفاد ذلك القيد مندرجا في المعنى المراد من المطلق، فيكون ذلك قرينة على إرادة

274

خصوص ذلك المعنى منه، فيندرج حينئذ في المجاز، لكن ذلك غير شائع في التقييدات، بل الشائع فيها ضمّ القيد المدلول عليه باللفظ الدالّ عليه إلى المطلق المدلول عليه بلفظه، فيكون اللفظ الدالّ على المطلق مستعملا في معناه، و حيث إنّه مأخوذ على وجه اللا بشرط فلا ينافيه ضمّ الشرط إليه المدلول عليه بالقيد اللاحق، فإنّ اللا بشرط يجامع ألف شرط، و حينئذ فيكون ذلك المطلق ممّا اطلق على المقيد مع كون التقييد مستفادا من الخارج- أعني القيد المأخوذ معه- فلا تجوّز فيه حسب ما قرّرناه في إطلاق الكلّيات على أفرادها.

و لا فرق في ذلك بين التقييد المتّصل و المنفصل، فأقصى ما يفيده التقييد بالمنفصل إطلاق المطلق على خصوص ذلك القيد مع استفادة الخصوصيّة من الخارج و كونه قرينة على الإطلاق المذكور، إذ إطلاق المطلق على خصوص بعض الأفراد نظير التجوّز باللفظ في افتقاره إلى وجود القرينة الدالّة عليه، و بدونه لا يحمل المطلق إلّا على معناه الإطلاقي المأخوذ على وجه اللا بشرط من دون ضمّ شرط إليه.

رابعها: أنّ العموم الوارد على الألفاظ المقيّدة إنّما يرد عليها بملاحظة القيود المنضمّة إليها، و ذلك لأنّ المطلوب من تلك المطلقات هو معانيها الإطلاقيّة المقيّدة بالقيود المنضمّة إليها، فتكون تلك المطلقات مطلقة على خصوص بعض أنواعها على حسب التقييد الوارد عليها، كما عرفت، فيكون العموم الوارد عليها على حسب ذلك، فإنّ العموم الوارد على اللفظ إنّما يتبع ما اطلق عليه ذلك اللفظ، و حينئذ فعدّ الصفة و الشرط و نحوهما من القيود مخصّصا للعامّ إنّما هو من جهة إخراجه عن معناه الإطلاقي، بحيث لم يلحظ العموم فيه على حسب ظاهر مدلوله، بل خصّ ذلك بما يفيده القيد المنضمّ إليه، فسمّي تخصيصا للعامّ، حيث إنّه بمعناه و إن لم يكن ذلك عند التحقيق تخصيصا له، بإيراد العموم على المطلق ثمّ إخراج بعضه بالقيود المذكورة، بل لم يرد العموم إلّا على خصوص ما اطلق عليه ذلك المطلق نظرا إلى ما انضمّ إليه من القيد، و يجري نحو ذلك في المخصّص المنفصل‏

275

إذا دلّ ذلك على إطلاق ما يتعلّق العموم به على بعض مصاديقه، كما في قولك «أكرم كلّ رجل و لا تكرم الجهّال» فإنّ ذلك يفيد كون ما اطلق عليه الرجل هناك خصوص العالم، فيكون العموم الوارد عليه بحسب ما اريد من اللفظ و اطلق عليه دون مطلق الرجل، و حينئذ لا مجاز في لفظة «كلّ» و ما في معناه حيث استعمل في معناه، و لا في مدخولها حيث اطلق على بعض مصاديقها.

و قد عرفت أنّ إطلاقه عليه على وجه الحقيقة، نعم لو اريد بذلك هو معناه اللا بشرط من غير أن يقال بدلالة المخصّص على إطلاقه على خصوص المقيّد تعيّن التزام التجوّز فيما يفيد العموم من لفظة «كلّ» و ما بمعناه.

خامسها: أنّ الألفاظ الدالّة على العموم على وجوه:

فمنها: ما يكون موضوعا لإفادة العموم و الشمول و يكون الأمر الشامل غيره كما في لفظة «كلّ» و ما بمعناه.

و منها: ما يفيد ذلك من جهة المقام لوروده في سياق الشرط أو العموم كما في قولك «كلّما جاءك رجل فأكرمه» و منه أسماء المجازات و نحوها.

و منها: ما يدلّ على العموم على سبيل الالتزام كالنكرة الواقعة في سياق النفي.

و منها: ما يدلّ عليه من جهة انصراف ظاهر الإطلاق إليه كما في الجمع المعرّف، إذ ليس موضوعا لخصوص العموم كما مرّت الإشارة إليه.

سادسها: إنّك قد عرفت انّ شمول العامّ إنّما هو لمصاديقه و الجزئيّات المندرجة تحته، فلذا عرّفوه باللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له سوى بعض العمومات، كالجمع المعرّف حيث إنّ شموله بالنسبة إلى أجزائه حسب ما مرّ بيانه، فحينئذ نقول: إنّ صدق العامّ على كلّ من جزئيّاته على وجه الحقيقة من حيث انطباقه عليه، فيكون العموم الطارئ عليه قاضيا بإطلاقه على جميع مصاديقه، فيكون مستغرقا لجميع ما يصلح له، و حينئذ فمفاد التخصيص الوارد عليه إطلاق ذلك العامّ على بعض مصاديقه و الجزئيّات المطابقة له، فلا تجوّز إذن في اللفظ من تلك الجهة، إنّما التجوّز هناك- على القول به- بالنسبة إلى ما يفيد عموم اللفظ

276

و شموله لمصاديقه حيث لم يرد به معناه بعد ظهور التخصيص، و حينئذ فإن كان الدالّ على العموم موضوعا بإزائه كان ذلك مجازا، حيث اريد به غير ما وضع له من الشمول، و كذا لو كان دالّا على عموم النفي، فإنّه إنّما يجي‏ء التجوّز فيه من تلك الجهة، و أمّا إن لم يكن إفادته العموم بالوضع بل بالالتزام أو ظهور الإطلاق فلا تجوّز، كما في النكرة الواقعة في سياق النفي.

فإن قلت: إنّ العموم إذا كان معنى التزاميّا له كان عدم ثبوت العموم شاهدا على انتفاء ملزومه، فيلزم التجوّز فيه من تلك الجهة.

قلت: لا وجه لالتزام التجوّز من تلك الجهة إذ أقصى الأمر أنّه أن يكون النكرة الواقعة هناك قد اطلق على قسم خاصّ ليكون النفي واردا عليه، من غير أن يراد بها مطلق الفرد المنتشر ليستلزم انتفاؤه انتفاء الجميع، و ذلك أيضا ممّا لا تجوّز فيه كما عرفت.

و أمّا الجمع المعرّف إذا ورد التخصيص عليه فلا يخلو إمّا أن يكون ذلك مع إطلاقه على جميع الأفراد و إخراج المخرج عن الحكم فليس ذلك إذن مستعملا إلّا في العموم. و إمّا أن يكون باستعماله فيما دون الدرجة العليا من الجمع على حسب ما ورد عليه التخصيص و هو إذن مستعمل في بعض مراتب الجمع، و ليس إطلاق الجمع على تلك المرتبة إلّا على وجه الحقيقة، لوضع الجمع لما يشمل الجميع و لا اختصاص له وضعا بالدرجة العليا، و إنّما ينصرف إليه مع الإطلاق لما مرّ بيانه.

إذا تقرّر هذه الجملة فقد تلخّص لك منها أنّه لا تجوّز في التخصيص بالمتّصل من الاستثناء و غيره: من الوصف و الغاية و الشرط و نحوها.

أمّا الاستثناء فلما عرفت من عدم استعمال المستثنى منه في خصوص الباقي، بل إنّما يراد الباقي من مجموع المستثى و المستثنى منه، فنحو «عشرة إلّا ثلاثة» قد اريد من لفظ «العشرة» مفهومها و اريد «بإلّا ثلاثة» إخراج الثلاثة منها من حيث تعلّق الحكم به، فيبقى السبعة متعلّقا للحكم الوارد عليه، فالمستفاد من‏

277

مجموع الألفاظ المذكورة بملاحظة أوضاعها هو ذلك، فكلّ من تلك الألفاظ قد استعمل في موضوعه، و تلخّص ذلك من ملاحظة المجموع، و لو كان لفظ «العشرة» مستعملا في خصوص السبعة على سبيل المجاز لكان ما يستفاد منه خصوص الباقي هو العشرة، و كان الاستثناء قرينة عليه، كسائر القرائن المقاليّة القائمة على إرادة المعاني المجازيّة من غير أن يتلخّص ذلك من المجموع، حسب ما قرّرناه في دلالة المجاز و هو ممّا يأبى عنه ظاهر الفهم عند التأمّل في المقام.

و ممّا يشير إلى ذلك أنّهم أنكروا أنّ من فوائد الاستثناء تدارك ما فات المتكلّم عند ذكر المستثنى منه، إذ قد يغفل من خروج المستثنى فيذكر المستثنى منه على اطلاقه فيظهر منه إسناد الحكم إلى المجموع ثمّ إذا تنبّه على خروج المستثنى منه تداركه بالاستثناء مع بقاء محلّه، و حينئذ فلا يراد به إخراج المستثنى عن المستثنى منه من حيث تعلّق الحكم به، و ليس حينئذ قرينة على استعمال الستثنى في الباقي، إذ المفروض استعماله في المجموع، و قد يجعل الاستثناء في المقام قاضيا بنسخ الإرادة الأوّليّة و دلالته على إرادة البعض من ذلك اللفظ ثانيا، إلّا أنّ الظاهر بعده، كما لا يخفى على المتأمّل.

و إذا ظهر ورود الاستثناء في المقام على الوجه المذكور فالظاهر جريانه في سائر الصور، لوروده على وجه واحد في الجميع و إن كان في بعض الصور مبنيّا على الغفلة دون البعض، و ممّا يشهد بما ذكرناه أنّه لو كان ما استعمل فيه المستثنى منه هو الباقي بقرينة الاستثناء لجاز التخصيص المستوعب و بالأزيد من المستثنى منه إذا ورد استثناء آخر على المستثنى بجعله أنقص من المستثنى منه، كما إذا قال «له عليّ عشرة إلّا عشرة إلّا خمسة» أو «له عندي عشرة إلّا عشرين إلّا خمسة عشر» إذ لا استيعاب بالنظر إلى ما اريد من المستثنى في المقام، مع أنّ ملاحظة الاستعمالات تأبى عنه جدّا، بل الظاهر عدم التأمّل في فساده، و الظاهر أنّ الوجه فيه هو ما قرّرناه فيتأيّد به ما قلناه و يشير إلى ذلك أنّ أسامي الأعداد لا يجوز إطلاق الأكثر منها على الأقلّ من جهة علاقة الكلّ و الجزء في غير الاستثناء،

278

كما إذا قال «أكرم هذه العشرة» مشيرا إلى رجل واحد، أو قال «لزيد هذه الدراهم العشرون» مشيرا إلى عشرة دراهم، إلى غير ذلك من الأمثلة. فعدم جواز الاستعمال المذكور مطّردا في غير الاستثناء، و جوازه فيه على سبيل الاطّراد شاهد على عدم استعماله هناك في العدد الأقلّ، إذ لو جاز الاستعمال فيه من جهة العلاقة المذكورة لجاز في المقامين، لاتّحاد المعنى و العلاقة في الصورتين، غاية الأمر أن يكون التفاوت بينهما من جهة القرينة. و من البيّن أنّه لا يختلف الحال في المجازات من جهة اختلاف القرائن.

و أمّا سائر المخصّصات المتّصلة من الشرط و الصفة و الغاية و نحوها فلأنّ الظاهر تقييد ما يرد العموم عليه بها، فقد قيّد بذلك على حسب سائر المطلقات المقيّدة، و يكون العموم واردا عليه على حسب ما اريد منه و اطلق عليه بعد ضمّ القيد، فيكون العموم واردا على المقيّد، لأنّ التقييد حصل بعد إرادة العموم، بل نقول: إنّ التقييد المذكور كاشف في بعضها من إطلاق المطلق على خصوص المقيّد من حيث انطباقه معه حسب ما بيّناه، و حينئذ فيكون العموم واردا عليه كذلك.

نعم لو كان العموم مرادا من أوّل الأمر ثمّ تنبّه المتكلّم على خلافه فتداركه بالتوصيف أو غيره من التقييدات لم يتّجه في ذلك. إلّا أنّه يكون ذلك حينئذ قصرا للحكم الأوّل على محلّ الوصف و إخراجا لغيره عمّا حكم به، فيكون كلّ من تلك الألفاظ مستعملا فيما وضع له، و يكون الباقي هو المتلخّص من المجموع على نحو ما ذكر في الاستثناء، و لا تجوّز فيه حسب ما عرفت.

و قد يقال بكون التقييد حينئذ رفعا للإرادة الاولى من اللفظ و نسخا لما اريد به من الطبيعة المطلقة بتقييده بالوصف المذكور و إطلاق ذلك المطلق على المقيّد، حسب ما ذكرنا في المتفطّن، و لا مانع منه مع بقاء محلّه، و لا تجوّز فيه أيضا كما عرفت، و يجري ما ذكرناه في أسماء الشرط و نحوها، نظرا إلى ورود التقييد هناك على حمل الشرط أو الصفة، فيكون عمومه أيضا على حسب ذلك على نحو ما قرّرناه.

279

ثمّ إنّك قد عرفت أنّ استفادة العموم من بعض العمومات ليست بالوضع، بل من جهة الالتزام أو ظهور الإطلاق، فعدم اقتضاء التخصيص هناك تجوّزا في اللفظ أظهر حسب ما مرّ بيانه.

و أمّا المخصّصات المنفصلة فقد عرفت جريان الوجهين فيها، فيمكن أن يكون التخصيص الوارد هناك على غير وجه التجوّز بدلالة المخصّص على إطلاق ما ورد العموم عليه حين استعماله على خصوص المقيّد، و يكون المخصّص و لو كان منفصلا قرينة دالّة على ذلك، فيكون العموم واردا على المقيّد، و أن يكون قرينة دالّة على عدم إرادة العموم من اللفظ الموضوع له إلّا أنّه إنّما يتمّ المجازيّة فيما إذا كان العامّ موضوعا للعموم، و أمّا مع استفادة العموم من جهة اخرى فلا مجاز أيضا، حسب ما مرّت الإشارة إليه، هذا و قد ظهر بما قرّرناه دفع ما يورد في المقام من لزوم التناقض في الاستثناء نظرا إلى ما يترآى من إثبات الحكم تارة للمستثنى و نفيه عنه اخرى.

و لهم في التفصّي عنه وجوه:

أحدها: أنّ المراد بالمستثنى منه هو معناه الحقيقي و قد اخرج عنه المستثنى ثمّ اسند الحكم إلى الباقي من غير أن يكون هناك إسنادان ليحصل التناقض في المقام.

و قد عزي ذلك إلى جماعة منهم العلّامة و اختاره المحقّق الرضي و حكاه عن جماعة.

ثانيها: أنّ المراد بالمستثنى منه خصوص الباقي على سبيل المجاز و الاستثناء قرينة على التجوّز، فليس المستثنى داخلا في المستثنى منه ليلزم التناقض بالحكم عليه تارة بالإثبات و اخرى بالنفي.

و عزي ذلك إلى الأكثر تارة و إلى الجمهور اخرى، و أسنده المحقّق الرضي إلى البعض و حكاه بعضهم عن السكّاكي.

ثالثها: أنّ مجموع المستثنى منه و المستثنى و الأداة اسم للباقي، فعشرة

280

إلّا ثلاثة اسم للسبعة، و له اسمان مفرد و مركّب، حكاه المحقّق الرضي عن القاضي عبد الجبّار و عزّاه العضدي إلى القاضي أبي بكر، و حيث كانت الوجوه المذكورة مسوقة لبيان دفع الإيراد المذكور لم يتعرّضوا للاحتجاج على ما اختاروا منها، اكتفاء به في مقام دفع الإيراد، كما هو الحال في سائر الأجوبة المذكورة عمّا يورد في المقام، و إنّما اكتفوا بذكر الوجه المختار و الإيراد على غيره من الإشكال.

و يمكن الاستناد لكلّ من الوجوه المذكورة ببعض الوجوه: كأن يستند للوجه الأوّل بأصالة حمل اللفظ على الحقيقة مهما أمكن. و للثاني بأنّ المقصود بالإفادة من المستثنى منه بحسب الحقيقة إنّما هو الباقي خاصّة دون المجموع و الاستثناء قرينة عليه فيكون اللفظ مستعملا فيه كسائر المجازات المنضمّة إلى قرائنها.

و للثالث بأنّ التبادر أمارة الحقيقة فيكون المجموع حقيقة في ذلك.

و الوجوه المذكورة بعضها فاسد، و بعضها محلّ نظر، و سنبيّن لك حقيقة الحال إن شاء اللّه.

و كيف كان فقد اورد على الوجه الأوّل: تارة بأنّ البناء على ذلك يستلزم أن لا يكون الاستثناء من النفي إثباتا و من الإثبات نفيا، فلا يثبت على من قال «ليس له عليّ شي‏ء إلّا خمسة» شي‏ء أصلا، فإنّ إخراج المستثنى قبل تعلّق الحكم بالمستثنى منه يجعل المستثنى في حكم المسكوت عنه، و هو خلاف التحقيق، بل الثاني منه فاسد عند الكلّ على ما قيل. و تارة بأنّه لو اشير إلى عشرة مجتمعة شخصيّة كأن يقول «خذ هذه العشرة إلّا ثلاثة منها» لم يتصوّر هناك إخراج الّا عن الحكم، إذ المفروض عدم إخراج أشخاص الثلاثة من جملة العشرة، فلا يمكن إلّا أن يكون المراد إخراجها عنها بحسب الحكم، فلابدّ من القول بإخراجها عن الحكم المتعلّق بالمجموع، إذ لا حكم هناك إلّا الإسناد الموجود في الكلام و هو متعلّق بالمجموع. و اخرى بلزوم اللغو في كلام الحكيم، فإنّ إرادة الاستغراق من اللفظ حينئذ مع إسناد الحكم إليه ممّا لا فائدة فيه بل يندرج في الأغلاط، إذ الغرض من وضع الألفاظ تركيب معانيها، و تفهيم المعاني التركيبيّة الحاصلة منها،

281

و بيان الأحكام المتعلّقة بمفاهيم تلك الألفاظ المنضمّة بعضها إلى البعض، فإذا لم يرد في الكلام إسناد إلى مفهوم العامّ و لا إسناد إلى شي‏ء إسنادا تامّا أو ناقصا لم يكن هناك فائدة في إرادتها، و كان إخراجا (1) ممّا هو ملحوظ الواضع في وضع الألفاظ. كذا ذكره بعض الأفاضل.

و أنت خبير بوهن الكلّ.

أمّا الأوّل: فلأنّ من الواضح أنّه ليس المراد بإخراج المستثنى عن المستثنى منه إخراجه من جملتها بحسب الخارج، و لا إخراجه عن كونه مدلولا له، ضرورة حصول الدلالة بعد ثبوت الوضع، و لا إخراجه عن المراد من اللفظ، فإنّه غير معقول على سبيل الحقيقة، الّا أن يراد الإخراج عن ظاهر اللفظ ليكون قرينة على كون المراد هو الباقي، لكنّه مخالف لصريح ما بنى عليه الجواب المذكور. فالمراد إخراجه عنه من حيث كونه متعلّق الحكم، فإنّ ظاهر تعليق الحكم على العامّ شموله لجميع جزئيّاته، فيكون إخراجا لبعض مدلوله من كونه متعلّقا للحكم فيختصّ الحكم بالباقي.

و هذا الوجه كما ترى ممّا لا ربط له بما ذهب إليه أبو حنيفة، إذ يصحّ مع القول به، لكن‏ (2) دلالة الاستثناء على مخالفة حكم المستثنى للمستثنى منه و عدمها، فإنّ دلالته على مخالفة حكم المستثنى للمستثنى منه بحسب الواقع و عدمها مبنيّة على كون الإخراج بملاحظة ما حكم به المتكلّم من الإثبات و النفي، أو بملاحظة الواقع- أعني المطابقة لتلك النسبة الإيقاعيّة- فإن كان بملاحظة الثاني كما هو المشهور و يدلّ عليه ظاهر اللفظ تعيّن الأوّل، و إن كان بملاحظة الأوّل تعيّن ما ذهب إليه أبو حنيفة. و هذا ممّا لا ربط له بكون الإسناد قبل الإخراج أو بعده.

نعم لو توهّم كون الإخراج عن معناه الأفرادي من دون ملاحظة الإسناد و الحكم أصلا توجّه ذلك، إلّا أنّه توهّم فاسد لا مجال له في المقام كما عرفت.

و أمّا الثاني: فلابتنائه على كون مراد المجيب بإخراج المستثنى عن المستثنى‏

____________

(1) في «ق 1» و «ق 2»: خارجا.

(2) خ ل، بكلّ من دلالة.

282

منه هو إخراجه عن جملته بحسب الخارج و هو واضح الفساد و حمل كلام المجيب عليه غريب.

و أمّا الثالث: فبأنّه إن اريد من كون المقصود من وضع الألفاظ إفادة معانيها التركيبيّة أن يكون تلك المعاني الحاصلة من ملاحظة المفردات هي المقصودة بالإفادة حتّى إنّها إذا لم تكن مقصودة كذلك صار الكلام غلطا خارجا عن القانون اللغوي، فهو أوهن شي‏ء، كيف! و فيه سدّ لباب المجاز في المركّبات، إذ من البيّن أنّ من يقول «تقدّم رجلا و تؤخّر اخرى» عند بيان كونه مردّدا في الأمر يريد بالألفاظ المذكورة موضوعها اللغوي مع كون المقصود بالإفادة هو ما يشابه معناها التركيبي أعني التردّد في الأمر. و إن اريد أنّ المعنى التركيبي مقصود سواء كان مقصودا بالذات أو بالتبع فهذا القدر حاصل في المقام، ضرورة تعلّق الإسناد بالكلّ صورة للانتقال إلى إسناده إلى البعض بعد إخراج المستثنى.

فإن قلت: على ما ذكرت يكون هناك إسنادان أحدهما بالنظر إلى الظاهر و هو متعلّق بالكلّ، و الآخر بالنظر إلى الواقع و ما هو المقصود بالأصالة و هو متعلّق بالباقي، فلا يوافق ما ذكرت من كون الإسناد واحدا حاصلا بعد الإخراج، فهو مع عدم انطباقه على الجواب المذكور غير مفيد في دفع التناقض، لحصول التدافع إذن بين الإسنادين المذكورين.

قلت: الجواب المذكور يحتمل في بادئ الرأي وجوها:

أحدها: أن يكون المقصود إخراج المستثنى عن المستثنى منه بالنظر إلى معناه الأفرادي مع قطع النظر عن التركيب و ملاحظة الإسناد رأسا، فيلاحظ تركيبه مع الغير و الإسناد المتعلّق به بعد الإخراج فلا إسناد هناك إلّا إلى الباقي.

و قد عرفت وهن هذا الوجه و فساده، إذ لا يعقل الإخراج عن المعنى الأفرادي سوى أن يراد به الإخراج عن ظاهر مدلوله الوضعي ليفيد كون المقصود به هو الباقي، كما ذكره في الجواب الآتي، فيكون قرينة على كون المستثنى منه مستعملا في خصوص الباقي و لا ربط له بالجواب المذكور.

283

ثانيها: أن يكون المقصود اخراج المستثنى عن المستثنى منه من حيث تركيبه و من جهة تعلّق الحكم به فإنّه لمّا اريد من اللفظ تمام معناه كان قضيّة ذلك لو لا الاستثناء إسناد الحكم إلى تمامه فيكون ورود الاستثناء عليه مخرجا للمستثنى عن المراد من حيث تعلّق الحكم به نظرا إلى ما يقتضيه الظاهر، و حينئذ فيكون الإخراج بالنسبة إلى ظاهر اللفظ من حيث كونه مرادا من غير أن يكون ذلك الظاهر مرادا، فيكون ذلك هو الكاشف عن عدم إرادته من حيث التركيب و الدليل على تعلّق الإسناد بالباقي دون الجميع، و كأنّ هذا هو المراد ممّا عدّه بعض الفضلاء جوابا رابعا في المقام: من أنّ المستثنى منه من حيث الأفراد و اللفظ خارج عنه من حيث التركيب و الحكم، إذ الاستثناء بيان تغيير، و كلّ كلام التحق بآخره التغيير توقّف حكم صدره على آخره، فلا تناقض، و يمكن تنزيله على الوجه الآتي أيضا.

و يرد على الوجه المذكور: أنّه لا مجال للقول بتأخّر الإسناد إلى مجي‏ء ورود الاستثناء، و ذلك لوضوح إهمال القائل فيه قبل ورود الكاشف عن حصول الإسناد سيّما إذا كان هناك فصل بينه و بين الاستثناء.

ثالثها: أن يقال بحصول الإسناد الصوري إلى الكلّ و الحكم عليه كذلك من جهة إحضار ذلك في ذهن السامع ليتبعه بإخراج البعض، فيتبيّن بذلك ما هو المقصود بالإفادة من تلك العبارة، فكما أنّه يريد من المستثنى منه ما وضع له، فكذا يريد الإسناد إليه كذلك على حسب الصناعة و قانون العربيّة، إذ لا وجه للإسناد إلى بعض مدلول اللفظ الّا مع استعمال اللفظ فيه، و يكون ذلك حينئذ جميع مدلوله لاندراج المجاز في المطابقة، إلّا أنّه ليس الإسناد المذكور مقصودا بالإفادة و إنّما اتي به للتوصّل إلى غيره، و الإسناد المقصود في المقام إنّما هو الإسناد إلى البعض، و قد جعل الإسناد إلى الكلّ صورة و إخراج المستثنى دالّا عليه.

و قد عرفت فيما مرّ أنّ المناط في الاستعمال إنّما هو المعنى المقصود بالإفادة

284

دون ما يجعل ذريعة إلى الانتقال، فما يدلّ على النسبة إنّما استعمل حقيقة في النسبة الثانية دون الاولى، إذ ليست النسبة الاولى مقصودة بالإفادة مرادا بيانها من ذكر تلك العبارة، كما هو الحال في النسبة الحاصلة في قولك «زيد يقدّم رجلا و يؤخّر اخرى» فإنّ المنسوب إلى زيد بحسب الصناعة إنّما هو مفهوم يقدّم بمعناه المعروف لكن ذلك غير مقصود بالإفادة، و إنّما المقصود نسبة التردّد إليه، فليست تلك النسبة مقصودة إلّا من جهة التوصّل إلى النسبة الثانية، و المراد من العبارة هو النسبة الثانية خاصّة، فالمستعمل فيه هي تلك النسبة خاصّة دون الاولى، و كذا في غير ذلك من المجازات و الكنايات المركّبة. و حينئذ فالمراد من كون الإخراج قبل النسبة إنّما هو بالنظر إلى النسبة الثانية دون الاولى، إذ هي المستعمل فيها، و المراد من الكلام المذكور إفادتها، و إنّ تقدّمها نسبة صناعيّة صوريّة لأجل الانتقال إليها، كما هو الحال في نظائره، و هذا هو المراد ممّا ذكره بعض المحقّقين في الجواب عن التناقض المورد في المقام، من قوله و لك أن تريد أنّه يخرج عن النسبة إلى المتعدّد بأن تريد جميع المتعدّد و تنسب الشي‏ء إليه فتأتي بالاستثناء لإخراجه عن النسبة و لا تناقض، لأنّ الكذب صفة النسبة المتعلّقة للاعتقاد، و لم ترد بالنسبة إفادة الاعتقاد، بل قصدت النسبة ليخرج عنه شيئا، ثمّ تفيد الاعتقاد، فإنّه أراد بالنسبة المتعلّقة للاعتقاد هي النسبة المقصودة بالإفادة، و بالنسبة الاخرى الموصلة إليها هي النسبة الصوريّة الصناعيّة، و المناط في الاستعمال إنّما هي الاولى، إذ هي المقصودة من الكلام، و به ينوط الصدق و الكذب في المقام، فكون الإخراج قبل النسبة حسب ما قرّرنا في الجواب المذكور إنّما لوحظ بالنسبة إلى تلك النسبة الّتي استعملت فيها العبارة، دون النسبة الصوريّة الموصلة إليها ممّا لا يندرج في المراد من العبارة، و الإخراج حينئذ إنّما يكون بالنسبة إلى ظاهر اللفظ، نظرا إلى ظهوره فيما هو المقصود بالإفادة، فيخرج المستثنى عن المستثنى منه من حيث كونه متعلّقا للحكم المذكور، فلا يتعلّق إلّا بالباقي، و هذا الوجه هو المتّجه في المقام، و لا يرد عليه شي‏ء من الإيرادات المذكورة، كما لا يخفى على المتأمّل.

285

بقي الكلام في أنّ البناء على الوجه المذكور هل يشتمل على تجوّز في المقام أو لا؟ و الّذي يتراءى فيه احتمال التجوّز هنا امور:

أحدها: خصوص المستثنى منه و قد عرفت أنّه لا تجوّز بالنسبة إليه حسب ما مرّ تفصيل القول فيه.

ثانيها: التجوّز في الجملة حيث إنّ مفادها مع قطع النظر من الاستثناء هو الحكم على المستثنى منه بكماله و لم يرد منها ذلك.

و يدفعه: أنّه لم يرد من الجملة المذكورة بعد ضمّ المفردات بعضها إلى البعض إلّا ما هو مفادها بعد التركيب، فلا تجوّز في المركّب بما هو مركّب، حيث إنّه لم يرد به غير معناه الحاصل بالتركيب على نحو سائر المجازات المركّبة.

ثالثها: التجوّز فيما وضع لإفادة النسبة بناء على وضعه للإسناد إلى ما يستعمل فيه لفظ المنتسبين دون بعضه، كما هو المفروض في المقام، لحصول الإسناد هنا حقيقة بالنسبة إلى بعض مدلوله، حسب ما عرفت إلّا أنّ القول بوضعه لخصوص ذلك محلّ تأمّل، لإمكان القول بوضعه للأعمّ و إن كان المتبادر منه من جهة الإطلاق هو الإسناد إلى المجموع، فيكون الانصراف إليه لظهور الإطلاق لا من جهة وضعه له بالخصوص.

و الحاصل أنّ احتمال التجوّز فيه من الجهة المذكورة قائم في المقام نظرا إلى الاحتمالين المذكورين هذا.

و اورد على الوجه الثاني أيضا بوجوه:

أحدها: ما أشار إليه المحقّق الرضي و ذكره الحاجبي و العضدي و غيرهما من إجماع أهل اللغة على أنّ الاستثناء مخرج، و لا إخراج إلّا بعد الدخول. و يمكن دفعه بأنّ المراد دخوله في الظاهر دون ما هو المقصود بحسب الواقع، فهو في المقام و إن لم يكن داخلا في المقصود من اللفظ، لكنّه داخل فيما هو الظاهر منه، المحكوم بكونه المراد لو لا تعلّق الاستثناء به، و هو مخرج حقيقة عن ظاهر ما يدلّ عليه اللفظ، إلّا أنّه مخرج صورة من دون أن يكون هناك إخراج حقيقة، كما

286

يوهمه بعض العبائر، فتكون الأداة مستعملة في حقيقة الإخراج على ما هو مقتضى وضعها حسب ما نصّوا عليه.

ثانيها: ما أشار إليه المحقّق المذكور من أنّه يتعذّر دعوى عدم الدخول في قصد المتكلّم في نحو «له عليّ عشرة إلّا واحدا» إلّا إنّ واحدا داخل في المراد و بالعشرة يقصده ثمّ أخرج عنه، و إلّا كان مريدا بلفظ العشرة تسعة، و هو محال قطعا.

توضيحه: أنّ الاستثناء الوارد على أسماء العدد و غيرها على نحو واحد و لا يصحّ اختيار الوجه المذكور بالنسبة الى أسماء العدد قطعا، و إلّا لزم جواز إطلاق كلّ عدد على ما دونه من الأعداد، كأن يطلق العشرة على خمسة أو ثلاثة أو واحد، كيف! و لو جاز ذلك من جهة علاقة الكلّ و الجزء و كان الاستثناء قرينة على التجوّز لجاز ذلك عند قيام غيره من القرائن عليه، فنقول «ائتني بهذه العشرة» مشيرا إلى خمسة أو «بهذه الخمسة» مشيرا إلى واحد أو مفسّرا لهما بذلك.

و من البيّن بملاحظة الاستعمالات العرفيّة فساده و قبحه على نحو سائر الأغلاط.

و يمكن الجواب عنها بأنّه لا يلزم الاطّراد في المجازات، فأيّ مانع من تجويز الواضع لاستعمال العدد في بعض منه على الوجه المذكور دون غيره، ألا ترى أنّه يجوز استعمال «الرقبة» و «اليد» في الإنسان في موضع دون اخرى.

و يشكل ذلك بالفرق بين المقامين، و ذلك لقوّة العلاقة بين المعنيين في بعض المواضع فيجوز الاستعمال دون غيره ممّا ليست العلاقة بتلك القوّة، و ليس الحال كذلك في المقام لاتحاد العلاقة قوّة و ضعفا في المقامين.

غاية الأمر اختلاف الحال في القرينة من كونها استثناء أو غيره، و التزام اختلاف الحال في التجوّز جوازا أو منعا بمجرّد اختلاف القرينة بعيد جدّا، بل فاسد ظاهرا.

ثالثها: ما أشار إليه الحاجبي و العضدي و غيرهما على ما ذكره العضدي أنّه لو قيل «اشتريت الجارية إلّا نصفها» فإمّا أن يكون الضمير راجعا إلى كلّ الجارية

287

أو نصفها، فعلى الأوّل يلزم الاستثناء المستغرق، و على الثاني يلزم التسلسل، فإنّ المستثنى حينئذ هو الربع، و إذا كان المراد بالنصف الربع فيكون المراد بالمستثنى منه الثمن و هكذا.

و فيه: أنّه لا وجه للزوم الاستثناء المستغرق على الأوّل، لوضوح أنّ النصف المستثنى غير النصف الباقي، و الإيراد عليه بعدم اندراج المستثنى في المستثنى منه بيّن الوهن، لظهور أنّ الاندراج إنّما يعتبر بالنظر إلى الظاهر دون ما هو المراد، كيف! و لو لا ذلك لجرى في جميع موارد الاشتباه. فالأولى في تقرير الإيراد أن يقال: إنّه لو كان المستثنى منه مستعملا في خصوص الباقي لكان الضمير في المثال المذكور راجعا إلى الباقي، لوضوح وضع الضمير لما اريد من المرجع، مع أنّه لا يراد ذلك قطعا، إذ المستثنى نصف الجارية لا ربعها، و أيضا لو كان المراد ذلك لزم التسلسل إلى آخر ما ذكر.

و اجيب عنه بالتزام الاستخدام في المقام بإرجاع الضمير إلى كلّ الجارية مع أنّ المراد بالمرجع نصفها.

و أنت خبير بما فيه و إن كان جائزا لكنه بعيد عن المقام جدّا، و الاستخدام نادر في الاستعمالات، غير متداول في المخاطبات، سيّما في أمثال هذه المقامات.

و اورد على الثاني أيضا بوجوه:

منها: ما مرّ من مخالفته لإجماع أهل اللغة من كون أداة الاستثناء للإخراج.

و منها: القطع بأنّ في الكلام المذكور إثباتا و نفيا و على الوجه المذكور ليس الحال على ما ذكر إذ ليس مفاده إلّا إثبات الباقي و يفيد ابتداء.

و منها: العلم بخروجه عن قانون اللغة، إذ ليس في اللغة لفظ مركّب من ألفاظ ثلاثة يعرب الجزء الأوّل منه و هو غير مضاف.

و منها: أنّه يلزم إرجاع الضمير إلى بعض الكلمة في نحو قولك: اشتريت الجارية إلّا نصفها. و يمكن دفع بعض المذكورات بنحو ما مرّت الإشارة إليه، و يندفع الجميع بما سيجي‏ء من بيان مراده في المقام إلّا أنّه يرجع حينئذ إلى المذهب المختار.

288

قوله: (و ينقل للناس هنا مذاهب كثيرة.)

منها: أنّه حقيقة إن خصّ بدليل متّصل أو منفصل، و مجاز إن خصّ بغيره.

و منها: أنّه حقيقة إن خصّ باستثناء أو شرط دون الوصف و غيره.

و منها: أنّه حقيقة إن خصّ بشرط أو صفة دون الاستثناء و غيره، و حكي القول به عن القاضي عبد الجبّار.

و منها: أنّه حقيقة في تناوله، مجاز في الاقتصار عليه، و حكي عن الرازي.

قوله (: كان متناولا له حقيقة بالاتّفاق.)

اورد عليه تارة بالنقض بما إذا استعمل اللفظ الموضوع للكلّ في الجزء، فإنّه كان متناولا له حقيقة في ضمن الكلّ و التناول باق. غاية الأمر عدم تناوله للباقي مع أنّه لا كلام في مجازيّته.

و تارة بالحلّ حسب ما يشير إليه المصنّف بأنّ تناوله للباقي إن كان على سبيل الحقيقة بملاحظة نفسه تمّ ما ذكر في الاستدلال لكنّه محلّ منع بل فاسد، و أمّا إن كان تناوله له على سبيل الحقيقة في ضمن تناوله للجميع من جهة اندراجه في الجميع كما هو الواقع فلا معنى لدعوى بقاء ذلك التناول مع فرض عدم إرادة الجمع.

و اخرى بمنع كون تناوله للباقي في ضمن الكلّ على سبيل الحقيقة المصطلحة، إذ اللفظ إنّما يتّصف بالحقيقة باعتبار تناوله للجميع دون الباقي، و كون الباقي داخلا في المعنى الحقيقي لا يستدعي كون اللفظ حقيقة فيه.

و يمكن أن يقال في المقام: إنّ مقصود المستدلّ بتناول العامّ للباقي تناول المفهوم لجزئيّاته لا تناول الكلّ لأجزائه، فإنّ مفاد كونه مستغرقا لما يصلح له كونه صالحا لكلّ واحد ممّا يستغرقه على سبيل الحقيقة، فيكون إطلاقه على الجميع إطلاقا له على جميع مصاديقه الحقيقيّة، فيصير محصّل الاحتجاج إنّ صدقه على كلّ من الجزئيّات المندرجة تحته إذا كان على سبيل الحقيقة حال إرادة العموم كان صدقه عليه كذلك أيضا عند إخراج الباقي، فإنّ تناوله له على حاله إنّما طرأ عدم تناوله الغير و لا ربط لكون إطلاقه على الباقي على وجه الحقيقة بتناوله لغيره‏

289

و عدمه، و حينئذ فالنقض المذكور ساقط من أصله، و كذا ما ذكر في الحلّ، فإنّ دلالة العامّ على كلّ من جزئيّاته دلالة تامّة، لانطباق ذلك المفهوم عليه و كونه جزئيّا من جزئيّاته حسب ما مرّ بيانه في أوّل مباحث العموم.

و ما يقال: من أنّ دلالة العامّ على كلّ من جزئيّاته و إن كانت دلالة تامّة إلّا أنّه لا يثبت بذلك كون إطلاقه على كلّ منها حال انفراده عن إرادة الباقي حقيقة، فإنّ الموضوع له و إن كان كلّ فرد بدون قيد الانفراد و الاجتماع لكن الوضع إنّما يثبت في حال إرادة جميع الأفراد بعنوان الكلّي التفصيلي الأفرادي حسب ما مرّ نظيره في بحث استعمال المشترك في معنييه، فإرادته على غير الوجه المذكور خروج عن القدر الثابت من الوضع، فلا يجوز التخطّي إليه من غير قيام دليل عليه، لما تقرّر من كون الأوضاع توقيفيّة.

مدفوع: بأنّ دلالة العامّ على كلّ جزئي من جزئيّاته إذا كان على سبيل المطابقة يلزم أن يكون استعماله في الباقي على وجه الحقيقة، و القول بكون الوضع له حال الانضمام و إن لم يكن بقيد الانضمام غير مفيد، ضرورة شمول الوضع إذن للصورتين فيكون حقيقة على الوجهين، إذ المفروض عدم اعتبار القيد المذكور في الوضع، فوقوع الوضع في الحال المفروض مع عدم اعتباره في الوضع كما هو المفروض لا يفيد شيئا في المقام، حسب ما مرّ الكلام في نظائره مرارا. و أيضا لو تمّ ما ذكر من البيان لم يجز معه الحكم بكون الاستعمال على وجه الحقيقة، لا (1) أن يثبت به كون الاستعمال على وجه المجاز كما هو المدّعى.

نعم لو قيل بكون الوضع بشرط الانضمام صحّ ما ذكر، الّا أنّه نصّ على خلافه، على أنّ القول بكون الوضع لكلّ منها مستقلّا لكن بشرط الانضمام غير ظاهر، بل فاسد، إذ ليس نفس اللفظ موضوعا لخصوص الجزئيّات، و إنّما هو موضوع للمفهوم العامّ و يكون إطلاقه على الجزئيّات إطلاقا له على مصاديق ما وضع بإزائه، و شموله لجميع مصاديقه إنّما يكون من انضمام أداة العموم تدلّ عليه‏

____________

(1) في «ق 1» و «ق 2» إلّا.

290

بالوضع، كما في «كلّ رجل» و ما بمعناه، أو من جهة الالتزام أو دلالة المقام فهناك دلالتان: إحداهما على نفس المعنى، و الاخرى على شموله و عمومه لجميع ما يندرج فيه، لا (1) أنّ هناك دلالة واحدة على جميع الآحاد حاصلة بوضع واحد كما يتراءى في بادئ الرأي حسب ما مرّ تفصيل القول فيه، و حينئذ فالتجوّز في المقام إنّما يفيد الشمول إن كانت دلالته عليه بالوضع حسب ما قرّرناه.

و من ذلك يظهر ضعف الإيراد الآخر أيضا، فإنّه مبنيّ على البيان المذكور حسب ما قرّره المورد حيث قال: إنّ الخاصّ و إن لم يكن جزء من العامّ ليكون دلالته عليه تضمّنية نظرا إلى كون دلالة العامّ على كلّ من أفراده دلالة تامّة، بل يكون القدر الثابت وضعها لكلّ من الآحاد حال اجتماعها مع الباقي، فيكون استعمالها في الباقي استعمالا في غير ما وضع له، و كونه حقيقة في الباقي في الصورة الاولى لا يستدعي كونه حقيقة في الثانية.

و أنت بعد ما علمت ضعف الكلام المذكور لا تحتاج إلى تفصيل الكلام في الإيراد عليه. و من الغريب أنّه قال بعد ذلك: و ممّا ذكرنا يظهر أنّه لا معنى للتمسّك بالاستصحاب، إذ لم يكن تناول العامّ للباقي في حال تناوله للجميع بعنوان الحقيقة حتّى يستصحب، بل لأنّه كان تابعا للمدلول الحقيقي و هو الجميع انتهى.

فإنّ كلامه الأوّل صريح في تعلّق الوضع بكلّ من الأفراد، حال انضمامه إلى الباقي و هذا الكلام منه صريح في كون مدلوله الحقيقي هو الجميع و إنّ كلّا من الآحاد المندرجة فيه حال انضمام بعضها إلى البعض مدلول تبعي غير حقيقي.

ثمّ إنّه قال بعد ذلك: و لو سلّمنا كونه حقيقة فإنّما يثبت ذلك في حال كونه في ضمن الجميع و قد تغيّر الموضوع. و فيه: أنّ دعوى تغيير الموضوع غير ظاهرة بعد تسليم كون الباقي موضوعا له حال الانضمام، إذ لا تفاوت حينئذ بين الصورتين سوى تبدّل حال الانضمام بحال الانفراد، و لا وجه للحكم بتغيّر الموضوع بمجرّد ذلك.

____________

(1) في «ق 1» و «ق 2» إلّا.

291

فالمتّجه حينئذ في الإيراد منع حجّية الاستصحاب في المقام، لدوران الأمر في مباحث الألفاظ مدار الظنّ و هو غير حاصل هنا من مجرد الاستصحاب، فلابدّ أن يقتصر فيه على القدر الثابت و هو وضعه له في خصوص حال الانضمام دون غيره حسب ما عرفت في نظائره.

نعم يتمّ ما ذكره لو قلنا بكون دلالة العامّ على كلّ من الجزئيّات المندرجة تحته تضمّنية إمّا مطلقا أو في خصوص العامّ المجموعي، إذ كونه مدلولا في ضمن الكلّ لا يقضي بكونه مدلولا مع الانفراد أيضا، بل دلالته على الجزء في ضمن الكلّ ليست باقية على وجه الحقيقة و إن اتّحدت الدلالتان، إذ مناط اختلافهما هو اختلاف الاعتبار و هو كاف، فهي خارجة عن كونها على وجه الحقيقة بذلك الاعتبار الّذي يتميّز به عن المطابقة حسب ما مرّ الكلام فيه في محلّه.

قوله: (إنّه يسبق إلى الفهم إذ مع القرينة ... الخ.)

كأنّه أراد بذلك أنّ الباقي يسبق إلى الفهم بعد قيام القرينة على خروج المخرج من دون حاجة إلى قيام قرينة على إرادته، فلو كان مجازا لتوقّف على قيام قرينة معيّنة له بين المجازات، لتعدّدها في المقام فلا باعث على الفهم سوى الوضع.

و يدفعه حينئذ أنّ أقربيّة المجاز كافية في الانصراف إليه، حسب ما مرّ الكلام فيه في محلّه، و مع الغضّ عن ذلك فمراتب الباقي مختلفة بحسب اختلاف المخصّصات الواردة عليه، و المفروض أنّه حقيقة في الجميع عند القائل المذكور، إذ لا تخصيص في دعواه بمرتبة دون اخرى، فأيّ داع إلى انصرافه إلى تمام الباقي بعد إخراج المخرج، فما يجعل قاضيا بذلك على فرض كونه حقيقة يجعل ذلك شاهدا على تعيين المجاز أيضا.

قوله: (إنّ تناول اللفظ له قبل التخصيص إنّما كان مع غيره ... الخ.)

يمكن حمله على كلّ من الوجهين المتقدّمين بأن يراد به كون الباقي مدلولا عليه هناك في ضمن الكلّ على وجه التضمّن و قد صار مدلولا في المقام على وجه المطابقة، فكون التناول هناك على وجه الحقيقة لا يستدعي كونه هنا على وجه الحقيقة أيضا، نظرا إلى اختلاف المدلولين، إذ المدلول هناك هو الكلّ و إنّما يكون‏

292

الباقي مدلولا عليه بمدلوليّته بخلاف المقام، و قد عرفت ما يرد عليه، و قد يراد به أنّ كون دلالته على الباقي على وجه الحقيقة حال انضمامه إلى الغير لا يقضي بكون الدلالة عليه كذلك حال عدمه، فكونه حقيقة في الصورة الاولى لا يستلزم كونه حقيقة في الثانية.

و قد عرفت ما يرد عليه أيضا، و لا يساعد حمله على ذلك ما سنذكره في الجواب عن الاعتراض المذكور.

قوله: (ليس باعتبار تناوله للباقي ... الخ.)

مبنى الاحتجاج و الاعتراض المذكور على كون شمول العامّ لكلّ من الجزئيّات المندرجة تحته على سبيل الحقيقة لإطلاقه على جميع مصاديقه الحقيقيّة، و مبنى الجوابين المذكورين على نفي ذلك و كونه حقيقة بالنسبة إلى الجميع خاصّة، كما هو صريح هذا الجواب و الظاهر من الأصل الجواب على أصل الدليل.

قوله: (كون النزاع في لفظ العامّ ... الخ.)

لا يخفى أنّه لا يتمّ ذلك في لفظ العامّ أيضا، فإنّ اللفظة موضوعة أيضا للشمول و يختلف ذلك بحسب اختلاف الأمر المشمول، فقد يكون ذلك منحصرا و قد يكون غير منحصر و قد لا يصدق معناه مع عدم الانحصار.

قوله: (و أمّا الأخير فلكونه موضع وفاق من الخصم.)

كأنّه يشير بذلك إلى خصم معيّن كان يقول بذلك، و إلّا فليس كلّ من يقول بكون التخصيص مطلقا قسما من المجاز يقول بكون الاستثناء الوارد على اسم العدد غير قاض بالمجازيّة، كيف! و المعزي إلى الأكثر كون المستثنى منه مجازا في الباقي مطلقا.

قوله: (إنّ كلّ واحد من المذكورات يقيّد بقيد.)

توضيح ذلك أنّ التقييد بالوصف أو غيره من المخصّصات المتّصلة كسائر التقييدات الواردة في الكلام فكما لا يوجب ذلك تجوّزا فيما وردت عليه، فكذا في المقام، و إنّما خصّ الأمثلة المذكورة بالذكر للاتّفاق على عدم ثبوت التجوّز في‏

293

الأوّلين، و دعوى موافقة الخصم على الأخير، فكما أنّ لفظة «مسلم» مع الإطلاق موضوعة للطبيعة المطلقة، و بعد ورود اللام عليه تكون للطبيعة المتعيّنة، و مع تقييده بعلامة الجمع للطبيعة الحاصلة في ضمن الجماعة، و لفظ «الألف» مع تقييده بالاستثناء المذكور للألف المخرج منه خمسون من دون حصول تجوّز في تلك الألفاظ، فكذا الحال في التخصيص المتّصل الوارد على العمومات لورود الجميع على وجه واحد، فلو كان إخراج اللفظ عن إطلاقه بسبب ضمّ الضمائم موجبا للمجازيّة جرى في الجميع، و إلّا فلا تجوّز في الكلّ.

قوله: (إلّا أنّ المجموع في العرف يعدّ كلمة واحدة.)

لا يخفى أنّ ما ذكره من كون لفظ «مسلمون» و نحوه موضوعة بوضع واحد خلاف التحقيق، إذ الأظهر كون علامة الجمع موضوعة بوضع حرفي مستقلّ كما مرّت الإشارة إليه.

و مع الغضّ عن ذلك فأقصى الأمر أن يتمّ الجواب المذكور بالنسبة إليه، و أمّا بالنسبة إلى لفظة «المسلم» فلا وجه له أصلا، إذ عدّها في العرف لفظا واحدا لا يفيد شيئا في المقام، مع كون الموضوع له للفظة «مسلم» شيئا و كون المراد به بعد ضمّ اللام شيئا آخر، إذ لو كان البيان المذكور مفيدا لتعلّق وضع آخر بالمجموع تمّ ما ذكره، و ليس كذلك، لوضوح تعدّد الوضع المتعلّق باللفظتين، و التجوّز إنّما يتبع الخروج عن الوضع كما هو المفروض في المقام، فأيّ فائدة في عدّها لفظا واحدا بحسب العرف.

قوله: (مبنيّ على أنّ المراد به تمام المدلول.)

لو صحّ الكلام المذكور في ذلك جرى في محلّ النزاع، لكون الاستثناء في المقامين على وجه واحد و قوله (إنّ المفروض إرادة الباقي من لفظ العام) غير واضح، إذ القدر المفروض كون الباقي مقصودا بالإفادة، و أمّا كونه مستعملا فيه بخصوصه فلا، كيف! و لو كان كذلك لما كان النزاع فيه معقولا بعد فرض اختصاص اللفظ وضعا للعموم حسب ما أشرنا إليه فتأمّل.

***

294

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

295

معالم الدين:

أصل‏

الأقرب عندي أنّ تخصيص العامّ لا يخرجه عن الحجّية في غير محلّ التخصيص، ان لم يكن المخصّص مجملا مطلقا. و لا أعرف في ذلك من الأصحاب مخالفا. نعم يوجد في كلام بعض المتأخّرين ما يشعر بالرغبة عنه. و من الناس من أنكر حجّيته مطلقا. و منهم من فصّل، و اختلفوا في التفصيل على أقوال شتّى، منها: الفرق بين المتّصل و المنفصل، فالأوّل حجّة، لا الثاني. و لا حاجة لنا إلى التعرّض لباقيها، فانّه تطويل بلا طائل، إذ هي في غاية الضعف و السقوط. و ذهب بعض إلى أنّه يبقى حجّة في أقلّ الجمع، من اثنين أو ثلاثة، على الرأيين.

لنا: القطع بأنّ السيّد إذا قال لعبده: «كلّ من دخل داري فأكرمه» ثمّ قال بعد: «لا تكرم فلانا»، او قال في الحال: «إلّا فلانا» فترك إكرام غير من وقع النصّ على إخراجه، عدّ في العرف عاصيا، و ذمّه العقلاء على المخالفة. و ذلك دليل ظهوره في إرادة الباقي، و هو المطلوب.

احتجّ منكر الحجّيّة مطلقا بوجهين:

الأوّل: أنّ حقيقة اللفظ هي العموم، و لم يرد؛ و سائر ما تحته من المراتب مجازاته. و إذا لم ترد الحقيقة و تعدّدت المجازات، كان اللفظ مجملا فيها، فلا يحمل على شي‏ء منها. و تمام الباقي أحد المجازات؛

296

فلا يحمل عليه، بل يبقى متردّدا بين جميع مراتب الخصوص؛ فلا يكون حجّة في شي‏ء منها.

و من هذا يظهر حجّة المفصّل؛ فانّ المجازيّة عنده إنّما تتحقّق في المنفصل، للبناء على الخلاف في الأصل السابق.

الثاني: أنّه بالتخصيص خرج عن كونه ظاهرا؛ و ما لا يكون ظاهرا لا يكون حجّة.

و الجواب عن الأوّل: أنّ ما ذكرتموه صحيح، إذا كانت المجازات متساوية و لا دليل على تعيين أحدها. امّا إذا كان بعضها اقرب إلى الحقيقة، و وجد الدليل على تعيينه، كما في موضع النزاع، فانّ الباقي أقرب إلى الاستغراق. و ما ذكرناه من الدليل يعيّنه أيضا، لافادته كون التخصيص قرينة ظاهرة في إرادته، مظافا إلى منافاة عدم إرادته للحكمة، حيث يقع في كلام الحكيم، بتقريب ما مرّ في بيان إفادة المفرد المعرّف للعموم؛ إذ المفروض انتفاء الدلالة على المراد ههنا من غير جهة التخصيص. فحينئذ يجب الحمل على ذلك البعض، و سقط ما ذكرتموه. هذا مع أنّ الحجّة غير وافية بدفع القول بحجّيّته في أقلّ الجمع، إن لم يكن المحتجّ بها ممّن يرى جواز التجاوز في التخصيص إلى الواحد؛ لكون أقلّ الجمع حينئذ مقطوعا به، على كلّ تقدير.

و عن الثاني: بالمنع من عدم الظهور في الباقي، و إن لم يكن حقيقة.

و سند هذا المنع يظهر من دليلنا السابق. و انتفاء الظهور بالنسبة إلى العموم لا يضرّنا.

و احتجّ الذاهب إلى أنّه حجّة في أقلّ الجمع: بأنّ أقلّ الجمع هو المتحقّق، و الباقي مشكوك فيه، فلا يصار إليه.

و الجواب: لا نسلّم أنّ الباقي مشكوك فيه، لما ذكرنا من الدليل على وجوب الحمل على ما بقي.

297

[هل العامّ المخصّص حجّة في الباقي أم لا؟]

قوله: (الأقرب عندي أنّ تخصيص العامّ.)

لا يخفى أنّ ظاهر إطلاقهم في العنوان ثبوت الخلاف في حجّية العام المخصّص مطلقا سواء كان التخصيص بطريق الإخراج من غير تعيين للباقي أو بتعيين الباقي في بعض أفراده، متّصلا كان كالتخصيص بالوصف أو الشرط و نحوهما أو منفصلا كما إذا فسّر العامّ بالخاصّ. و الظاهر كما يتبيّن من ملاحظة الأدلّة اختصاص الخلاف بالصورة الاولى، و أمّا الثانية فلا مجال للخلاف فيه، لوضوح دلالته و صراحته في تعيين المراد بالعامّ، و لا خلاف أيضا في عدم حجّية العامّ المخصّص بالمجمل مع تسرية إجماله إلى العامّ مطلقا، كما في «أكرم القوم إلّا بعضهم» أو «أردت به بعضهم» و من ذلك قوله: و لو قضي بإجمال بعض الأنواع المندرجة في العامّ سقط العامّ عن الحجّية بالنسبة إليه، كما لو قال «اقتل المشركين إلّا بعض اليهود» و لو صدق المخصّص حينئذ على الأقلّ و الأكثر لم يقتصر فيه على الأقلّ، فيحكم بالرجوع إلى حكم العامّ بالنسبة إلى الباقي.

قوله: (لنا القطع ... الخ.)

و قد يحتجّ عليه بوجوه اخر:

منها: أنّ المقتضي للحجّية في الباقي موجود و المانع مفقود فوجب حصوله.

أمّا الأوّل: فلوجود اللفظ الموضوع للعموم و هو مقتض لثبوت الحكم لجميع أفراده الّتي من جملتها الباقي.

و أمّا الثاني: فلأنّ قضية التخصيص نفي الحكم الواقع من المتكلّم عن محلّ التخصيص، و ظاهر أنّ نفيه في مورد التخصيص لا يفيد نفيه عن غيره، و لذا يصحّ التصريح بانتفاء الحكم في محلّ التخصيص و ثبوته فيما عداه.

كيف! و لو أفاد التخصيص نفيه من غير محلّ التخصيص أيضا (1) هذا خلف.

و فيه: المنع من وجود المقتضي، لأنّ المقتضي لإفادة الحكم في الباقي هو العامّ على فرض إرادة العموم منه، و أمّا مع عدم إرادته كما هو المفروض في المقام فلا.

____________

(1) الظاهر: فيسقط من قوله لكان التخصيص بالمستوعب.

298

و يمكن الذبّ عنه بأنّه إنّما يتمّ ذلك لو قلنا بعدم إرادة العموم من اللفظ و حصول الإخراج عن الحكم، و أمّا لو قلنا باستعماله في العموم و تعلّق الإخراج بالحكم كما مرّ في الاستثناء فلا يتمّ ذلك، إذ لا يمكن دفع وجود المقتضى حينئذ، نعم لا يتمّ ذلك في جميع المخصّصات.

و منها: أنّ العامّ متناول لكلّ أفراده، و كونه حجّة في كلّ واحد منها ليس متوقّفا على كونه حجّة في الباقي، لأنّه إن عكس لزم الدور، و إلّا كان ترجيحا من غير مرجّح.

و يدفعه: أنّه إن اريد بالتوقّف ما يعمّ التوقّف في اللبنتين المتساندتين فمسلّم و لا مانع منه، و إن اريد به التوقّف المبتني على عليّة المتوقّف عليه في الوجود فممنوع.

و نقول بتقرير آخر: إنّه لا يتوقّف على كونه حجّة في خصوص المخرج إنّما يتوقّف على كونه حجّة في الجميع فإذا انتفى ذلك من جهة التخصيص لم يكن حجّة في الباقي.

فإن قلت: إنّا ننقل الكلام بالنسبة إلى الجميع فنقول: إنّ حجّيته في كلّ واحد منها لا يتوقّف على حجّيته في الجميع و إلّا لزم الدور أيضا، لتوقّف حجّيته في الجميع على حجّيته في كلّ واحد من الأفراد لالتئام الكلّ مع الأفراد.

قلت: هذا ضعيف جدّا، إذ لا توقّف لحجّيته في الكلّ على حجّيته في خصوص الأفراد، و إنّما يستلزم حجّيته في الجميع حجّيته في الأفراد، و القول بالتئام الكلّ مع الأفراد فيتوقّف عليها إن اريد به من حيث الوجود فمسلّم و لا ربط له بالمقام، و إن اريد من حيث المدلوليّة فممنوع، بل الدلالة إنّما يتعلّق بالكلّ، و كلّ من الأفراد يكون مدلولا عليه بالدلالة على الكلّ.

و منها: الاستصحاب فإنّه كان قبل ورود المخصّص حجّة في الباقي و كان العمل بمقتضاه واجبا فيستصحب ذلك بعد ورود التخصيص عليه.

و فيه: أنّ حجّية الدليل في الأوّل إنّما يتبع حصول الدلالة، و حجّيته في الباقي‏

299

إنّما كان من جهة مدلوليّة الكلّ، و لا ريب أنّ المدلول الابتدائي هنا هو العموم، فمع انتفاء ذلك الدلالة لا يبقي حجّة في الجميع، فينتفي الحكم المساوي منه إلى جزئيّاته، و مجي‏ء دلالة اخرى يفيد ثبوت الحكم للباقي أوّل الكلام. و منه يظهر فساد دعوى الاستصحاب في دلالة اللفظ، كما قد يومئ إليه كلام بعضهم نظرا إلى حصول الدلالة على حكم الباقي قبل ورود التخصيص فالأصل يقتضي بقاءه.

و يمكن أن يقال: إنّ ما ذكر إنّما يتمّ لو لم نقل باستعمال العامّ في معناه، و أمّا مع البناء على استعماله فيه و إخراج مورد التخصيص عن الحكم كما هو الحال في بعض المخصّصات حسب ما مرّ فلا يتمّ ذلك، لحصول الدلالة اللفظيّة حينئذ بالنسبة إلى الكلّ، و غاية ما قضى به المخصّص خروج مورد التخصيص، فيبقى حجّة في غيره.

قوله: (و إذا لم ترد الحقيقة و تعدّدت المجازات ... الخ.)

لا يخفى أنّ ما ذكر إنّما يتمّ إذا قال: مثلا أنّ هذا العامّ مخصوص، و لم يبيّن خصوص المخرج لكن ذلك ليس من مسألتنا، لكون ذلك إذن قرينة صارفة عن إرادة العموم من غير تعيين ما هو المراد من اللفظ، و أمّا إذا قال «أكرم العلماء إلّا زيدا» فليس المستفاد من قوله «الّا زيدا» مجرّد الصرف عن الظاهر من غير بيان للمراد، بل مفاده إخراج زيد عن العموم، فيبقى الباقي مندرجا فيه.

فإن قلت: انّه إذا اخرج زيد عن القوم كان قاضيا بعدم استعماله في معناه الحقيقي نظرا إلى خروج الفرد المذكور منه، فمن أين ثبت أنّ المراد تمام الباقي و أنّه لم يخرج عنه فرد آخر أيضا، فلو لم يكن هناك ما يفيد الخروج عن حقيقة اللفظ كانت أصالة الحقيقة قاضية باندراج جميع الأفراد فيه، و أمّا بعد ثبوت التجوّز في اللفظ فأيّ دليل على تعيين المرتبة الّتي استعملت فيها اللفظ؟ و كون المخرج خصوص الفرد المذكور لا يفيد عدم خروج غيره معه مع اشتراك الجميع في التجوّز و الخروج عن الظاهر، و مع قيام الاحتمال يخرج اللفظ عن الظهور.

قلت: ظهور اللفظ في إرادة الجميع كاف في الحكم بعدم خروج شي‏ء سوى‏

300

المستثنى، فإنّه إذا لوحظ الأمران كان مفادهما ثبوت الحكم لتمام الباقي، كما هو المفهوم في العرف، فلو غضّ النظر عن الوجه المذكور كان فهم العرف كافيا في المقام حسب ما أشار إليه المصنّف و غيره.

ثمّ لا يذهب عليك أنّ ما ذكره المصنّف لو تمّ فإنّما يتمّ لو قلنا باستعمال العامّ في خصوص الباقي.

و أمّا لو قلنا باستعماله في العموم و اخراج المخرج عن الحكم فإنّ الكلام المذكور ساقط من أصله.

قوله: (خرج عن كونه ظاهرا ... الخ.)

لا يخفى أنّه إنّما خرج عن كونه ظاهرا في العموم لا أنّه خرج من الظهور بالمرّة، بل هو ظاهر في الباقي، كما أنّه ظاهر قبل التخصيص في إرادة الجميع، بل ربما يقال: إنّ ظهوره في إرادة الباقي أقوى من ظهور العامّ في العموم.

قوله: (أمّا إذا كان بعضها أقرب ... الخ.)

لا يخفى أنّ مجرّد الأقربيّة غير كاف في إفادة المقصود، كيف! و لو كان ذلك كافيا في الانصراف لجرى فيما إذا قال: هذا العامّ مخصوص في الحكم بخروج الواحد دون ما زاد عليه، لدوران المخصّص هناك بين إرادة الأقرب و الأبعد، و كذا الحال في نظائره، مع أنّه لا يحكم هناك بإرادة الأقلّ و بقاء ما عداه تحت العامّ حسب ما مرّت الإشارة إليه.

فظهر بذلك أنّ الأقربيّة غير قاضية بذلك، و إنّما الوجه فيه ما ذكرناه، و لفهم العرف المنبعث عنه فالصواب الاستناد إليه دون الأقربيّة المذكورة.

قوله: (مع أنّ الحجّة غير وافية بدفع القول ... الخ.)

لا يخفى أنّ اعتبار بقاء أقلّ الجمع في التخصيص غير كاف في خروج العامّ المخصوص من الإجمال، لدورانه إذن بين أفراد شتّى، كما هو الحال في الواحد الباقي، بناء على جواز التخصيص إلى الواحد، بل و كذا الحال بناء على عدم جواز

301

التخصيص إلى النصف، فإنّه حجّة على هذا القول فيما يزيد على النصف، لكن لا يتعيّن به خصوص المخرج و الباقي، و من ذلك يجي‏ء الإجمال في الكلام.

نعم لو تعيّن الأفراد المخرجة بحيث لا يجوز التخصيص زيادة عليها على حسب ما يختاره القائل في منتهى التخصيص فالظاهر أنّه لا إشكال في كونه حجّة في الباقي، و لا مجال فيه للنزاع، و هو أيضا خارج عن محلّ الكلام.

قوله: (بأنّ أقلّ الجمع هو المحقّق ... الخ.)

قد عرفت أنّ ذلك لا يقضي بخروج العام عن الإجمال، لوضوح دوران المتيقّن من الباقي بين أفراد كثيرة، و أمّا حجّيته في الحكم ببقاء أقلّ الجمع على وجه الإجمال فهو ممّا لا ريب فيه على هذا القول، كما أنّه حجّة بالنسبة إلى الواحد على القول بجواز التخصيص إليه، و كذا بالنسبة إلى الأكثر بناء على القول بعدم جواز التخصيص إلّا بالأقلّ، فإن كان التفصيل المذكور من الجهة المذكورة فلا اختصاص له بالمذهب المذكور، بل يجي‏ء التفصيل في هذه المسألة على المختار في الاخرى حسب ما ذكرنا، و الظاهر أنّ ذلك ممّا لا ربط له بهذا الخلاف، إذ اعتبار بقاء أصل ما يجوز التخصيص إليه غير قابل للنزاع، فهذا القول في الحقيقة راجع الى ما تقدّمه، فتأمّل‏ (1).

***

____________

(1) في المعالم بعد ذلك الأصل الّذي تمّ شرحها، أصل لم يأت في النسخ شرحها، و هو:

أصل: ذهب العلّامة في التهذيب إلى جواز الاستدلال بالعامّ قبل استقصاء البحث في طلب التخصيص ... الخ.

302

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}