هداية المسترشدين - ج3

- الشيخ محمد تقي الأصفهاني النجفي المزيد...
732 /
303

معالم الدين:

الفصل الثالث في ما يتعلّق بالمخصّص‏

أصل إذا تعقّب المخصّص متعدّدا، سواء كان جملا أو غيرها، و صحّ عوده إلى كلّ واحد، كان الأخير مخصوصا قطعا. و هل يخصّ معه الباقي، أو يختصّ هو به؟ أقوال. و قد جرت عادتهم بفرض الخلاف و الاحتجاج، في تعقّب الاستثناء. ثمّ يشيرون في باقي أنواع المخصّصات إلى أنّ الحال فيها كما في الاستثناء. و نحن نجري على منهجهم، حذرا من فوات بعض الخصوصيّات بالخروج عنه، لاحتياجه إلى تغيير أوضاع الاحتجاجات.

فنقول: ذهب قوم إلى أنّ الاستثناء المتعقّب للجمل المتعاطفة، ظاهر في رجوعه إلى الجميع. و فسّره بعضهم بكلّ واحدة. و يحكى هذا القول عن الشيخ (رحمه اللّه). و قال آخرون: إنّه ظاهر في العود الى الأخيرة.

و قيل: بالوقف، بمعنى لا ندري أنّه حقيقة في أيّ الأمرين. و قال السيّد المرتضى رضى اللّه عنه: إنّه مشترك بينهما، فيتوقّف إلى ظهور القرينة. و هذان القولان موافقان للقول الثاني في الحكم.

304

[الاستثناء المتعقّب للجمل‏]

قوله: (إذا تعقّب المخصّص.)

أراد به المتّصل فإنّ المنفصل خارج عن محلّ البحث لاستقلاله بالإفادة، و إنّما يقضي بتخصيص العامّ من جهة بنائه على الخاصّ على ما هو قضيّة تعارض العامّ و الخاصّ المطلقين، و هو إنّما يكون بعد معارضة العامّ و الخاصّ، و حينئذ فلا يرتبط بغير ما حصل التعارض بالنسبة إليه.

نعم لو اتّحد حكم العامّين كما لو قال «أكرم الفقهاء» و «أكرم الادباء» ثمّ قال «لا تكرم زيدا» و هو مندرج في الفقهاء و الادباء فالظاهر عدم التأمّل في رجوع التخصيص إلى العامّين، لقضاء إطلاق النهي عن إكرامه فيه ثمّ تعلّق الإكرام به مطلقا فيتخصّص به العمومات سواء كان جملا أو غيرها أو كان ملفّقا من الأمرين و سواء كان متعاطفا أو غيره ذا حكم واحد أو أحكام مختلفة، و ربما يظهر من العضدي خروج غير المتعاطفين عن محلّ البحث، حيث عنون البحث في خصوص المتعاطفة فيكون غير المتعاطفة راجعا إلى الأخير على الأقوال، و المحكيّ عن البعض دعوى الاتّفاق على رجوع المتعقّب للمفردات إلى الجميع، فيكون خارجا عن محلّ النزاع، و هو غير ظاهر، و ظاهر إطلاقهم يعمّ ما لو كانت الجمل أو العمومات المفروضة متناولة أو غيرها ما لم يكن الفصل الحاصل مانعا من رجوع المخصّص إليه.

قوله: (و صحّ عودة إلى كلّ واحد.)

احترز عمّا لا يصحّ عوده إلى الكلّ لعدم اندراج المستثنى في الجميع، نحو «أكرم العلماء» و «أحسن إلى الصلحاء إلّا الجهّال» فلابدّ من إخراجه عن الأخير و لو عكس الترتيب اختصّ بالأوّل.

و منه ما لو كان المستثنى شخصا معيّنا لا يندرج في بعضها نحو «أكرم العلماء» أو «أعن الادباء إلّا زيدا» إذا لم يكن زيد إلّا من أحدهما، أمّا لو اندرج فيهما فالظاهر اندراجه في محلّ البحث، لتوارد الحكمين عليه، فيحتمل تخصيصه بالنسبة إلى الأخيرة و إلى الجميع، هذا إذا لم يشتمل تخصيصه بالنسبة إلى الأخيرة و إلى الجميع على التدافع، و إلّا لم يصحّ عوده إلى الجميع، كما إذا قال «أكرم‏

305

العلماء» و «لا يجب إكرام الفسّاق إلّا زيدا» مع اندراجه في العامّين، و لا يمكن تخصيصه بالنسبة إليهما، و إلّا لوجب الحكم عليه بوجوب الإلزام و عدمه.

بقي الكلام هنا في امور:

أحدها: أنّ تقييد محلّ النزاع بذلك لا يخلو عن تأمّل، فإنّه إن كان النزاع في وضع المخصّص المتعقّب لتلك العمومات- كما هو الظاهر من جملة من كلماتهم- لم يتّجه ذلك، إذ غاية الأمر أن يقال باستعماله إذن في غير ما وضع له على القول بوضعه للعود إلى الجميع من جهة قيام القرينة الصارفة عليه، فلا ينافي ذلك ثبوت وضعه للرجوع إلى الجميع حينئذ أيضا، إلّا أن يقال باختصاص وضعه لذلك بغير الصورة المفروضة، فيكون حينئذ حقيقة في الرجوع إلى غيره، و هو بعيد جدّا و إن كان الخلاف في مجرّد الظهور دون الوضع، فظاهر أنّ ذلك إنّما يكون من جهة انصراف الإطلاق فلا ينافي عدم انصرافه إليه مع قيام القرينة على خلافه، فلا حاجة أيضا إلى التقييد، الّا أن يقال: إنّ ذلك بمنزلة أن يقال: إنّ محلّ النزاع فيما ينصرف إليه الإطلاق إذا كان اللفظ قابلا للرجوع إلى الأخيرة و الجميع، و إنّما خصّ ذلك بالذكر دون سائر القرائن، لكونها قرينة داخليّة قاضية بعدم الرجوع إلى الجميع بخلاف سائر القرائن الخارجيّة، فكان فرض انتفاء الأوّل من تتمة المقتضي، و انتفاء الثاني من قبيل انتفاء المانع، و اعتبار عدم الثاني ظاهر لا حاجة إلى التنبيه عليه، فاعتبر الأوّل في المقام لبيان مورد الاقتضاء.

ثانيها: أنّ ظاهر العبارة «خروج ما لو لم يصحّ عوده إلى الجميع عن محلّ البحث» و هو قد يكون باختصاص عوده إلى الأخيرة أو باحتمال عوده إلى متعدّد سوى الجميع، كما إذا تقدّمه عمومات ثلاثة لا يحتمل عوده إلى الأوّل فيدور الحال فيه بين عوده إلى الأخيرة و عوده إلى الأمرين، فظاهر العنوان أنّه حينئذ ذو وجه واحد فيرجع إلى الأخيرة و هو محلّ خفاء، إذ على القول بظهورها في العود إلى الجميع لا يبعد القول أيضا بظهوره في العود إلى المتعدّد، و أيضا قد يكون عدم صحّة عوده إلى الجميع من جهة عدم قابليّته للعود إلى الأخيرة فيدور بين كونه‏

306

عائدا إلى جميع ما عداها و الى واحد ممّا تقدّمها أو خصوص ما قبل الأخير ممّا يصحّ عوده إليه فذلك أيضا ممّا يقع الكلام فيه.

و يمكن أن يقال: إنّ إخراج المذكورات عن محلّ النزاع لا يقتضي أن يكون الحال فيها ظاهرا، بل غاية الأمر خروجها عن مورد هذا الخلاف و إن دار الأمر فيها أيضا بين وجهين أو وجوه فتأمّل.

ثالثها: أنّ صلاحيّة المستثنى للعود إلى الجميع تكون على وجوه:

أحدها: أن يكون من المبهمات الصادقة على الجميع، كما إذا قال: أكرم العلماء و أعن الصلحاء إلّا من أهانك أو إلّا الّذي شتمك.

ثانيها: أن يكون من المشتقات المندرجة في كلّ منهما، نحو «أهن كلّ من شتمك و اضرب كلّ من ضربك إلّا العالم» و كذا لو كان بمنزلة المشتقّ كما لو كان المستثنى إلّا البغدادي في المثال المذكور، و نحوه ما لو كان من المفاهيم الكلّية المندرجة في الجميع كما لو كان المستثنى هناك إلّا المراد، و لا فرق في ذلك بين المفرد و الجمع، و على كلّ من الوجهين المذكورين فإمّا أن يكون المستثنى مطلقا كما في المثالين المذكورين، أو عامّا كما إذا دخل على المستثنى أداة العموم، و على كلّ من الوجوه الأربعة فإمّا أن يكون المصداق الّذي يصدق عليه مفهوم المستثنى شيئا واحدا مندرجا في كلّ من تلك العمومات كما إذا قال «أكرم العلماء و أعطهم درهما إلّا من أهانك» و من ذلك آية القذف، و إمّا أن يختلف المصداقان كما في الأمثلة المتقدّمة و إن احتمل اتّفاقهما في بعض المصاديق.

ثالثها: أن يكون المستثنى جزئيّا حقيقيّا مندرجا في العمومين نحو «أكرم العلماء و أعن الصلحاء إلّا زيدا» إذا كان من العلماء و الصلحاء معا، فيصحّ إخراجه من الأخير و من الجميع.

رابعها: أن يكون المستثنى من النكرات ممّا يصحّ اندراجه في كلّ منهما، كما في أكرم العلماء و أعن الظرفاء إلّا رجلا أو إلّا واحدا.

و قد يشكل الحال فيه بأنّ النكرة حقيقة في فرد واحد دائر بين الأفراد، وهنا

307

على تقدير رجوع الاستثناء إلى الأمرين إنّما يراد بها ما يزيد على الواحد، فتكون قد اطلقت في المثال المذكور على رجل من العلماء و استثنى منهم، و رجل من الظرفاء و استثنى منهم، و هو خروج عن وضعها إن لوحظ الأمران معا في ذلك الاستعمال، بأن يكون خروج الأوّل من الأوّل و الثاني من الثاني فلا تكون صالحة لذلك، و إن لوحظ إطلاقها على كلّ منها بلحاظ مستقلّ- كما هو الظاهر في المقام- كان ذلك من إطلاق اللفظ على كلّ من مصداقيه استقلالا ليقوم الاستعمال الواحد مقام استعمالين، نظير استعمال المشترك في معنييه، فيدور جوازه مدار جواز ذلك الاستعمال و قد عرفت أنّ التحقيق المنع منه.

و يمكن دفعه بأنّ النكرة في المقام لم تستعمل إلّا في مفهومها- أعني فرد مّا- لا غير، و يكون إخراجها من العمومين دليلا على كون فرد مّا- الخارج من الأوّل- مغايرا للخارج من الثاني، فيكون مصداقه بالنسبة إلى الأوّل غير مصداقه بالنسبة إلى الثاني، و لا يستلزم ذلك أن تكون النكرة قد اطلقت على فردين أوّلا، أو تكون قد اطلقت على مصداق و على آخر استقلالا ليقوم مقام استعمالين، ألا ترى أنّه لو قال «أكرم رجلا من العلماء و من الظرفاء» لم يرد عليه المحذور المذكور، مع كون فرد مّا من العلماء مغايرا لفرد مّا من الظرفاء، و كذا إذا قال «أكرم كلّ عالم» فقد اطلق النكرة على كلّ من مصاديقها لكن بضميمة لفظ «كلّ» فلا منافاة بين الوحدة الملحوظة في معنى النكرة و إطلاقها على المتعدّد إذا كان الدالّ عليه أمرا خارجا و كان المراد بالنكرة نفسها هو فرد مّا كما في كلّ من الأمثلة المذكورة.

خامسها: أن يكون المستثنى من المشتركات اللفظيّة، فيصحّ عوده إلى الأمرين باعتبار معنييه، و هذا الوجه مبنيّ على جواز استعمال المشترك في معنييه، و على القول بالمنع فلا صلاحيّة لذلك، و من ذلك ما لو قال «أكرم العلماء و أحسن إلى الادباء إلّا زيدا» إذا كان هناك زيدان أحدهما من العلماء و الآخر من الادباء، و إذا اريد بزيد في المثال مفهوم المسمّى به كان من الوجه المتقدّم.

سادسها: أن يكون صلوحه للعود إلى الكلّ بتقسيط المستثنى عليها، كما إذا

308

قال «أكرم العلماء و أحسن إلى الظرفاء إلّا الرجلين» فيحتمل إخراجهما من الأخير و إخراج أحدهما من الأوّل و الآخر من الثاني، و لو اريد إخراج رجلين من الأوّلين و رجلين من الثاني كان من قبيل الوجه الرابع، و من ذلك ما لو كان المستثنى مشتركا لفظيّا و اريد به مجموع المعنيين على أن يكون المخرج من الأوّل أحدهما و من الثاني الآخر.

و قد يقال: إنّ أداة الاستثناء إنّما وضعت لإخراج المستثنى عن المستثنى منه، فإن عاد الاستثناء إلى الجميع لزم أن يراد إخراج جميع المستثنى من كلّ من الأمرين، فإرادة إخراج البعض خارج عمّا يقتضيه وضع الاستثناء، فإذا اريد من العبارة ذلك فلابدّ أن يلحظ المستثنى منه شيئا منتزعا من العامّين، فيلحظ إخراج ذلك بالنسبة إليه و هو حينئذ خارج عن محلّ النزاع.

و فيه: أنّه يمكن أن يقال بأنّ أداة الاستثناء موضوعة لمطلق الإخراج لمدخولها من العموم، سواء اريد إخراج المستثنى من كلّ من العمومين، أو من أحدهما، أو إخراج مجموعه من العمومين معا على وجه التقسيط، فيكون ما استعمل فيه هو إخراج واحد متعلّق بالمجموع عن العمومين معا، كما أنّ إخراجه عن كلّ منهما إخراج واحد متعلّق بكلّ منهما حسب ما يأتي توضيح القول فيه إن شاء اللّه، إلّا أنّ القول بعموم وضع الاستثناء لما ذكر محلّ خفاء.

و أنت خبير بأنّ هذا الوجه من الصلوح لو تمّ فهو خارج عن ظاهر المفروض في كلام القوم، فإنّ الظاهر ممّا عنونوه للمبحث كون المستثنى بتمامه مخرجا من كلّ من العمومين.

و يمكن أن يقال: إنّ كون المستثنى مخرجا عن كلّ منهما إنّما يتصوّر فيما إذا كان المستثنى بنفسه مندرجا في العامّين، كما مرّ في المثال المتقدّم فيما يكون المستثنى شخصا معيّنا مندرجا فيهما أو كان مفهومه مطلقا مندرجا فيهما معا، و أمّا إذا كان بعض مصاديقه مندرجا في الأوّل و بعضها في الآخر فلا محالة يكون رجوع المخصّص إلى العامّين على وجه التقسيط، فإنّ «من أهانك» في المثال‏

309

المتقدّم- يعمّ من أهانه من العلماء و الصلحاء، و قد حصل تخصيص العلماء بمن أهانه من العلماء و الصلحاء بمن أهانه من الصلحاء بعد قسط المستثنى على العامّين، و حصل تخصيص كلّ منهما ببعض مصاديق المستثنى المفروض، و لو كان المستثنى حينئذ عامّا لغويّا فالأمر أظهر، لكون المخصّص لكلّ من العمومين بعض جزئيّات ذلك العامّ، فعلى هذا يكون عمدة ما عدّ صالحا في المقام للرجوع إلى الجميع من قبيل الوجه المذكور، فكيف يقال بخروجه عن ظاهر كلام القوم.

و فيه أن لا شمول للمستثنى للأمرين على أن يكون ذلك مأخوذا في معناه.

كيف! و لو كان كذلك و قلنا برجوعه إلى الأخيرة لزم عدم ارتباط بعض مدلوله بالمستثنى منه ليمكن إخراجه عنه، بل المستثنى في المقام مفهوم واحد قد لوحظ مخرجا عن كلّ من العمومين بناء على رجوعه إلى الجميع، غاية الأمر اختلاف مصداقه واقعا بملاحظة الأمرين، و ذلك لا يقضي باختلاف نفس المعنى و مدلوله في المقامين، فمفهوم المستثنى في المقامين شي‏ء واحد لا اختلاف فيه أصلا قد لوحظ مخرجا عن كلّ من العمومين، و أين ذلك من بعض مسمّاه مخرجا عن أحدهما و بعضه الآخر عن الآخر.

فإن قلت: إنّه يلزم على ذلك أن يكون قد اطلق ذلك اللفظ تارة على مصداق منطبق على مفهومه و على مصداق آخر كذلك، فيكون الإطلاق المفروض منزّلا منزلة إطلاقين نظير استعمال المشترك في معنييه، فيكون إرادة ذلك مبنيّة على القول بجواز مثل ذلك.

قلت: ليس الحال كذلك و إنّما استعمال اللفظ في المقامين في مفهومه الوحداني و إنّما يأتي الاختلاف المفروض بملاحظة ضمّه إلى العامّ المخرج منه من غير أن يلحظ ذلك في إطلاق اللفظ و استعماله في معناه فتأمّل.

قوله: (ثمّ يشيرون في باقي أنواع المخصّصات ... الخ) ظاهر كلامه يومئ إلى الاتّفاق على عدم الفرق و هو محلّ تأمّل، بل قد حكي القول بالفرق في الجملة عن بعضهم، و الّذي يقتضيه التأمّل في المقام هو الفرق، و سيجي‏ء تفصيل الكلام فيه في آخر المسألة إن شاء اللّه تعالى.

310

قوله: (للجمل المتعاطفة.)

لا يخفى أنّ كون الجمل متعاطفة ممّا لم يؤخذ في عنوان المسألة فكأنّ القائل بعوده إلى الجميع نظر إلى اتّصال الجملتين من جهة العطف.

و أنت خبير بأنّ اتّصال الجملتين لا يتوقّف على العطف، على أنّ اعتباره ذلك في سائر الأقوال أيضا كما هو ظاهر تقريره أيضا ممّا لا وجه له.

كيف و العود إلى الأخيرة مع عدم اتّصال الجملتين أولى، إلّا أن يقال بخروج ذلك عن محلّ الخلاف، كما قد يومئ إليه كلام العضدي حسب ما أشرنا إليه، و هو لا يلائم إطلاقه الأوّل.

ثمّ إنّ تقرير النزاع في الجمل يومئ إلى كون النزاع فيها دون المفردات، مع أنّ المذكور في العنوان ما يعمّها و المفردات، و قد يحمل ذلك في كلامه و كلام غيره ممّن عنون البحث في الجمل على المثال، إلّا أنّك قد عرفت تنصيص بعضهم على خروج المتعقّب للمفردات عن محلّ النزاع.

قوله: (ظاهر في رجوعه إلى الجميع.)

التعبير المذكور هنا و في القول الآتي أعمّ من دعوى الوضع لخصوص الإخراج عن الجميع أو الأخيرة أو ظهور الإطلاق فيه و لو بالقول بوضعه للأعمّ، لكن قضيّة المقابلة بين الأقوال المذكورة كون المقصود من الظهور في المقام هو الظهور الوضعي دون الانصرافي، و عليه فيمكن تصوير النزاع في المقام بوجهين:

أحدهما: أن يكون الخلاف في وضع الأداة حال كونها متعقّبة للجمل المتعدّدة و نحوها، بأن يقال: حينئذ بوضعها للإخراج عن الجميع أو الأخيرة و إن كان أصل وضعها لمطلق الإخراج، حيث إنّها لو وقعت عقيب جملة واحدة كانت حقيقة في الإخراج عنها قطعا.

ثانيهما: أن يكون البحث هنا من جهة الهيئة التركيبيّة و ذلك بأن يقال بوضع الأداة لإفادة الإخراج المطلق، أو لجزئيّاته من غير ملاحظة لوروده عقيب المتعدّد أو الواحد، أو لرجوعها في الفرض الأوّل إلى الآخر أو الجميع، فيكون‏

311

النزاع في وضع الهيئة التركيبيّة الطارئة على الاستثناء الوارد عقيب المتعدّد لإفادة الرجوع إلى الجميع أو الأخيرة أو اشتراكها بين الأمرين، و كون الأداة موضوعة بإزاء المعنى الحرفيّ الرابطيّ لا يستلزم ملاحظة الخصوصيّة المذكورة في وضعها، فيكون الإخراج الرابطيّ مستفادا من الأداة، و خصوصيّة رجوعها إلى الجميع أو الأخيرة من الهيئة المذكورة. و على القول بعدم وضع الهيئة لا يكون المستفاد من الأداة سوى الإخراج المطلق من غير إفادة لإحدى الخصوصيّتين على ما هو أحد الأقوال في المقام، فيكون محصّل البحث أنّ الهيئة التركيبيّة هل وضعت لإفادة تعلّق الإخراج الرابطيّ المدلول عليه بالأداة بالجميع أو بخصوص الأخيرة، أو لم يوضع لشي‏ء من الأمرين و إنّما الموضوع خصوص الأداة لمطلق الإخراج من غير الدلالة على شي‏ء من الخصوصيّتين.

قوله: (و فسّره بعضهم بكلّ واحدة.)

كان إسناده التفسير المذكور إلى البعض يشير إلى عدم تعيّن الحمل عليه، إذ قد يقول القائل المذكور بغيره أو الأعمّ منه.

و توضيح المقام: أنّ رجوع الاستثناء إلى الجميع يتصوّر على وجوه:

أحدها: أن يكون راجعا إلى المجموع بأن يكون المستثنى مخرجا من مجموع المذكورات فيقسط ذلك عليها، كأن يراد من قوله «لزيد عليّ مائة و لعمرو خسمون و لبكر أربعون إلّا خمسة عشر» إخراج الخمسة عشر من مجموع المذكورات من غير أن يراد به إخراجه عن كلّ واحد منها، فلا يتعيّن حينئذ خصوص القدر المخرج عن كلّ منها.

ثانيها: أن يراد إخراجه عن كلّ واحد منها من المذكورات، فيكون المراد بالأداة هو الإخراج المتعلّق بالمتعدّد، فيكون التعدّد في متعلّق الإخراج، و المستعمل فيه للأداة هو الإخراج المخصوص المتعلّق بكلّ من المتعدّدات، فالمستعمل فيه هناك أمر واحد لكنّه ينحلّ في الخارج إلى إخراجات عديدة.

ثالثها: أن يستعمل في مجموع الإخراجات المتعلّق كلّ واحد منها بواحد من‏

312

العمومات المتقدّمة، فإنّ مجموع تلك الإخراجات أيضا معنى واحد، فيكون من قبيل استعمال المشترك في مجموع معانيه.

رابعها: أن يستعمل في كلّ واحد من الإخراجات المفروضة على أن يكون كلّ من إخراجه عن كلّ من المذكورات ممّا استعمل فيه اللفظ بخصوصه، فيكون اللفظ مستعملا في كلّ منها بإرادة مستقلّة نظير استعمال المشترك في جميع معانيه على ما هو محلّ النزاع كما مرّ الكلام فيه. فالقائل برجوعه إلى الجميع إمّا أن يقول به على أحد الوجوه المذكورة في الجملة من غير تعيين للخصوصيّة، أو يقول به على الوجه الأعمّ من الكلّ، فيصحّ عنده الرجوع إلى الجميع على أيّ من الوجوه المذكورة. و قد يكون تأمّل المصنّف في تفسير المذكور لأجل ذلك. لكنّ الأظهر أن يقال بخروج الوجه الأوّل عن ظاهر كلامه، إذ ظاهر كلامه في المقام وقوع الخلاف في خروج المستثنى بتمامه من الكلّ دون تقسيطه عليه، كما مرّت الإشارة إليه. و الظاهر أيضا خروج الأخير عمّا يريده القائل بالرجوع إلى الكلّ، بل الظاهر خروج ذلك عن محلّ الخلاف في المقام، و إن زعم بعض الأفاضل تنزيل كلام القائل برجوعه إلى الجميع إلى ذلك و جعل النزاع في رجوعه إلى الجميع أو الأخيرة منزّلا على ذلك و هو غير متّجه، حسب ما يأتي تفصيل الكلام فيه إن شاء اللّه عند نقل كلامه (رحمه اللّه).

بقي الكلام في الوجهين الباقيين و يمكن تنزيل كلامه على كلّ منهما و على إرادة الأعمّ منهما، و ظاهر كلام البعض تنزيله على الأوّل منهما. فيمكن أن يكون تأمّل المصنّف في ذلك من جهة احتمال الوجه الثاني، أو احتمال حمله على الأعم. و كان الأظهر هو ما ذكره البعض، إذ لا يخلو الوجه الثاني عن التكلّف.

و سيأتي تتمّة الكلام في ذلك إن شاء اللّه.

قوله: (و هذان القولان موافقان للقول الثاني في الحكم.)

ما ذكره مأخوذ من كلام العضدي، و قد تبعه جماعة من المتأخّرين. و ظاهر هذا الكلام الحكم بموافقة القولين للقول الثاني في الحكم بتخصيص الأخيرة و بقاء غيرها على العموم على ما يقتضيه ظاهر اللفظ.

313

و قد استدرك ذلك بثبوت فرق بينهما في أمر لفظي أشار إليه بقوله: نعم ... إلى آخره. فهو كالصريح بل صريح في عدم حصول فرق بينهما أظهر من ذلك.

و قد أورد عليه الفاضل المحشّي بأن ما ذكره محلّ تأمّل، لوضوح أنّه يحكم بالعموم في غير الأخيرة على القول الثاني قطعا. و أمّا على هذين القولين فلا وجه للحكم بعمومه، إذ بعد ملاحظة الاستثناء المفروض المشترك بين الوجهين أو المتردّد بينهما يتوقّف في حمله على أحدهما فيكون مجملا، و مع التوقّف فيه يشكل الحكم بالعموم فيها.

إلّا أن يقال: إنّ قضيّة التردّد و الاشتراك هو التوقّف بالنظر إلى نفس المخصّص، و لا ينافي ذلك ترجيح جانب العموم بالنظر إلى ملاحظة وضع العامّ و أصالة عدم التخصيص.

قال: و لا يخفى ما فيه سيّما فيما إذا كان إبقاء العموم مخالفا للأصل.

و قد أورد الفاضل المدقّق على ذلك أوّلا: بأنّه لا إشكال في موافقة القولين الأخيرين للثاني في تمام الحكم، إذ يجب أن لا يعمل في غير الأخيرة أصحابهما إلّا على العموم، لثبوت وضعه للعموم خاصّة و لم يتحقّق في الكلام دلالة اخرى تعارضها، و مجرّد احتمال المعارض لا يكفي في الصرف عنها و إلّا كان ذلك قائما على تقدير عدم الاستثناء المفروض، فكما أنّ البحث عن انتفاء المخصّص كاف في دفع التخصيص و البناء على العموم فكذا الحال في المقام، فإنّ ثبوت الاشتراك و عدم العثور على قرينة تقتضي رجوعه إلى الجميع، و عدم العثور عليه بعد الفحص القاضي بالتوقّف كاف فيه أيضا.

و الحاصل: أنّه لابدّ من حمل العامّ على مقتضى وضعه بعد الفحص عن المخصّص فيه حتّى يتبيّن المخرج عنه.

***

314

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

315

المطلب الخامس في الإجماع‏ (1)

لمّا فرغ المصنّف عن الكلام في المباحث المتعلّقة بالألفاظ ممّا يشترك فيه الكتاب و السنّة شرع في بيان الأدلة الشرعيّة و أغمض النظر عن مباحث الكتاب فإنّ حجّيّته كان معدودا من الضروريّات، و لذا لم يعنونوا له بحثا في سائر الكتب المعدّة لذكر الخلافيّات، فإنّ الظاهر أنّ الخلاف الواقع فيه إنّما وقع من جماعة من ظاهريّة علمائنا ممّن ينتمون إلى الأخبار و يأخذون بظواهر الآثار و لم يكن الخلاف مشتهرا في تلك الأعصار و إنّما هو أمر حدث بين المتأخّرين. و أمّا سائر المباحث المتعلّقة بالكتاب فممّا لا يتفرّع عليه ثمرة مهمّة في الأحكام حتّى يناسب ذكره في أمثال هذه المختصرات.

[أقسام الدليل‏]

ثمّ إنّ الأدلّة عندنا منحصرة في الكتاب و السنّة و الإجماع و دليل العقل، و لنذكر قبل الشروع في بيانها مطالب:

- المطلب الأوّل-

في بيان معنى الدليل و تفسيره على حسب ما بيّنوه.

____________

(1) لا يخفى أنّ المؤلّف (قدّس سرّه‏) من أوّل الكتاب إلى هنا كان يورد قطعة من متن المعالم قبل الشروع في الشرح، و نحن تسهيلا للمراجعة رأينا أن نورد قبل كلّ مبحث تمام المتن، و كان العمل على ذلك إلى هنا؛ و بعد لاحظنا أنّه (قدّس سرّه‏) فيما يأتي قلّما ينقل من المعالم كلاما، فلم نر كثير فائدة في إيراد المتن فأغمضنا عن ذلك.

316

- ثانيها- [أنّ الدليل ينقسم إلى ما يكون حجّة في نفسه مطلقا]

أنّ الدليل ينقسم إلى ما يكون حجّة في نفسه مطلقا- كظاهر الكتاب و خبر الواحد- و ما يكون حجّة عند عدم قيام حجّة على خلافه فتكون حجّة في نفسه لا مطلقا. فإذا كان تعارض في القسم الأوّل لزم الرجوع إلى حكم الترجيح و التعادل بخلاف ما إذا وقعت المعارضة بينه و بين القسم الثاني من الأدلّة، فإنّ الدليل على الوجه الثاني غير قابل لمزاحمة شي‏ء من الأدلّة على الوجه الأوّل، إذ المفروض كونه دليلا حيث لا دليل، فلو قام هناك دليل من القسم الأوّل و لو من أضعف الأدلّة قدّم عليه، لعدم اندراجه في الدليل مع وجوده.

فإن قلت: إنّ حجّية القسم الأوّل أيضا ليست مطلقة، فإنّه إنّما يكون حجّة مع عدم حصول معارض أقوى منه، و أمّا مع حصوله فلا ريب في سقوطه عن الحجّية.

قلت: المراد بإطلاقه في الحجّية كون حجّيته في نفسه مطلقة غير مقيّدة بشي‏ء كما في القسم الثاني لا وجوب العمل به مطلقا، إذ من البيّن كون المعمول به أقوى الحجّتين، و لا ملازمة بين الحجّية على الوجه المذكور و وجوب العمل به بالفعل، فهناك فرق بين ترك حجّة لوجود حجّة أقوى منها و عدم حجّية شي‏ء من أصله.

و بعبارة اخرى: ثمّ إنّ الأدلّة الشرعيّة تنقسم أيضا إلى أقسام:

أحدها: ما يفيد القطع بالواقع كالإجماع المحصّل و دليل العقل.

ثانيها: ما يفيد الظنّ بالواقع و يكون حجّيته من حيث حصول الظنّ منه، فالدليل هنا على الحقيقة هو الظنّ الحاصل من تلك الأدلّة، فلو لا حصول الظنّ منها لم تكن حجّة، و حصول هذا القسم في الأدلّة غير ظاهر عندنا كما سنفضّل القول فيه إن شاء اللّه.

ثالثها: ما تكون الحجّة خصوص امور ناظرة إلى الواقع كاشفة عنها بحسب دلالتها سواء كانت مفيدة للظنّ بالواقع أو لا، و من ذلك كثير من الأدلّة الشرعيّة كظواهر الكتاب و السنّة، فإنّ حجّيتها غير منوطة بإفادة الظنّ بالحكم الواقعيّ كما مرّت الإشارة إليه غير مرّة في المباحث المتقدّمة.

317

رابعها: أن لا يكون الدلالة على الواقع ملحوظة فيها أصلا لا من حيث إفادة المظنّة بالواقع و لا من حيث النظر إليه و الدلالة عليه، بل يكون المناط فيه هو بيان حكم المكلّف في ما يرد عليه من التكليف، و يراد منه في الحال الّتي هو عليها كما هو الحال في أصالة البراءة و الاستصحاب، فإنّ الثابت بهما هو الحكم الظاهري من غير دلالة على بيان الحكم الواقعي، و إن اتّفق حصول الظنّ منهما بالواقع في بعض الوقائع.

و قد عرفت ممّا قرّرناه وجود القسم الأوّل و الأخيرين من الأقسام المذكورة.

و أمّا القسم الثاني فلا يكاد يتحقّق حصوله في الأدلّة الشرعيّة، بل الظاهر عدمه و إن تسارع إلى كثير من الأوهام كون معظم أدلّة الأحكام من ذلك القبيل، إلّا أنّ الّذي يظهر بالتأمّل خلافه، لعدم إناطة الحجّية بحصول الظنّ بالأحكام الواقعيّة في شي‏ء من الأدلّة الشرعيّة كما يتبيّن الحال فيه إن شاء اللّه.

فإن قلت: إنّ المدار في حجّية أخبار الآحاد على الظنّ دون التعبّد من حيث الإسناد و من جهة الدلالة كما سيجي‏ء تفصيل القول فيه في محلّه، و مع إناطة الحجّية بالمظنّة لا يعقل المنع من حصول الظنّ منها مع القول بحجّيتها، و أيضا الوجوه الواردة في التراجيح عند تعارض الأخبار إنّما يناط الترجيح بها بالأخذ بالأقوى و الرجوع إلى ما هو الأحرى فيكون الأمر دائرا مدار الظنّ دون غيره، إذ لا يعقل الترجيح بين الشكوك لمساواتها في الدرجة.

قلت: هنا أمران ينبغي الفرق بينهما في المقام ليتبيّن به حقيقة المرام:

أحدهما: كون الخبر مفيدا للظنّ بما هو الواقع حتّى يكون الأرجح في نظر المجتهد أنّ ما يفتي به هو المطابق لمتن الواقع.

ثانيهما: كون الخبر محلّا للوثوق و الاعتماد من حيث الدلالة و الإسناد، و لو كان له معارض كان الظنّ الحاصل منه أقوى من الحاصل من الآخر.

و تبيّن الفرق بين الأمرين بأنّ الظنّ الحاصل في الصورة الاولى يقابله الوهم، لوضوح كون ما يقابل الظنّ بالواقع وهما.

318

و أمّا الحاصل في الصورة الثانية فيمكن أن يقابله كلّ من الظنّ و الشكّ و الوهم، إذ ليس متعلّق الظنّ هناك إلّا الصدور و الدلالة، و لا منافاة بين حصول الظنّ بصدور خبر و الظنّ بصدور معارضه أيضا أو الشكّ فيه. و كذا الحال في الظنّ بدلالة أحدهما على مضمونه و الظنّ بدلالة الآخر أيضا أو الشكّ فيه. فغاية الأمر أن يؤخذ حينئذ بالمظنون منهما، أو بأقوى الظنّين منهما، و ذلك لا يستدعي الظنّ بما هو الواقع في حكم المسألة حتّى يكون ما يقابله وهما.

إذ من البيّن أنّ مجرّد ظنّ الصدور أو الدلالة لا يقتضي الظنّ بالواقع، إذ قد يحتمل المكلّف- احتمالا مساويا لعدمه- وجود ما يعارضه بحسب الواقع، بل قد يرى ما يعارضه بسند ضعيف مع وضوح عدم قضاء ضعف الخبر بالظنّ بكذبه، و مع الشكّ فيه لا يمكن تحصيل الظنّ فيه بالواقع من الخبر الآخر و إن كان ذلك حجّة و هذا غير حجّة، فإنّ مقام الظنّ غير مقام الحجّية، بل قد يكون ما يعارضه مظنونا أيضا من حيث الإسناد و الدلالة، إذ لا منافاة بين الظنّين.

غاية الأمر حينئذ أن يؤخذ بأقوى الظنّين المفروضين، و هو أيضا لا يستلزم ظنّا بالواقع، و مجرّد كونه أقوى سندا و دلالة لا يقضي بالظنّ بكذب الآخر أو سقوط دلالته، و مع عدم حصول الظنّ به لا يعقل حصول الظنّ بالحكم الواقعيّ في المقام.

فإن قلت: كون الخبر مفيدا للظنّ و عدمه إنّما يلحظ بالنظر إلى الواقع، فإذا كان أحد الخبرين المفروضين مفيدا للظنّ بالنظر إلى الواقع دون الخبر الآخر، أو كان مفيدا للظنّ الأقوى و الآخر للأضعف فلا محالة يكون الحكم الحاصل من أحدهما راجحا على الآخر، فيكون ذلك مظنونا و الآخر موهوما، و إن كان الأضعف مفيدا للظنّ في نفسه مع قطع النظر عن الأقوى، فإنّ ملاحظة الأقوى يمنع من حصول الظنّ من الأضعف، بل يجعله موهوما فكيف لو كان مشكوكا فيه في نفسه؟

فالحاصل للمجتهد هنا أيضا هو الظنّ بالواقع المقابل للوهم كما فرض في الصورة الاولى.

319

قلت: ليس الأمر على ما ذكر، و كشف الحال أن يقال: إنّه إن كان الخبران المفروضان على وجه لا يمكن الجمع بينهما بوجه من الوجوه و كان أحدهما أقوى من الآخر كان الأمر- على ما ذكر- لظنّ الكذب حينئذ في طرف المرجوح، و أمّا لو كان الجمع بينهما ممكنا كالعامّ و الخاصّ و الحقيقة و المجاز لكن لم يكن الخاصّ أو الخبر المشتمل على قرينة المجاز بالغا إلى حدّ ما يفيد الظنّ بالصدور و كان مشكوكا من تلك الجهة لم يجز العمل به، و لا يجوز أن يترك الحجّة من أجله، و مع ذلك لا يعقل حصول الظنّ بإرادة العموم من العامّ المفروض بالنظر إلى الواقع و كذا إرادة المعنى الحقيقي من اللفظ مع الشكّ في ورود التخصيص عليه في الواقع أو قيام قرينة المجاز.

و الحاصل أنّه مع استفادة المعنى من اللفظ بحسب فهم العرف لا يصحّ تركه بمجرّد الشكّ الحاصل في تخصيصه أو الخروج عن ظاهره، بل لابدّ من العمل به إلى أن يثبت المخرج عنه.

و قد عرفت ممّا قرّرناه في المباحث السالفة أنّ مداليل الألفاظ إنّما يبنى حجّيتها على كونها مفهومة منها عند أهل اللسان، سواء حصل منها الظنّ بالمراد أو لا، حسب ما فصّلناه. و من ذلك يعرف الحال في باقي المعارضات مع عدم بلوغ المعارض إلى حدّ الحجّية أو بلوغه إليه و عدم مكافئته له في القوّة، هذا بالنظر إلى الدلالة.

و أمّا بالنسبة إلى الإسناد فنقول: إنّ ترجيح أحد الخبرين من حيث القوّة بحسب الصدور لا يقضي بالظنّ بكذب الآخر و عدم صدوره إلّا في الصورة المتقدّمة، و لا يكاد يوجد تلك في الأخبار المعروفة، و أمّا في غيرها فلا يقضي قوّة الظنّ بصدور أحد الخبرين لوهن صدور الآخر و عدم ثبوته في الواقع، إذ المفروض إمكان صدور الخبرين و ورودهما عن الحجّة، إلّا أنّه لمّا كان صدور أحدهما مظنونا و الآخر مشكوكا فيه كان عليه الأخذ بالمظنون، و كذا لو كان أحدهما مظنونا بالظنّ الأقوى و الآخر بالأضعف تعيّن الأخذ بالأقوى، و لا يلزم‏

320

من ذلك كون الحكم المدلول عليه بالأقوى مظنونا ليكون خلافه حسب ما يقتضيه الخبر الآخر موهوما، إذ لا يجامع ذلك الشكّ في صدق الخبر الآخر أو ظنّ صدقه بالظنّ الأضعف، مع أنّه يحصل الظنّ و الشكّ المذكوران في غالب الحال.

فإن قلت: إذا كان أحد الخبرين أقوى من الآخر كان الظنّ الحاصل منه أقوى من الظنّ الحاصل من معارضه و إن تساويا في وجه الدلالة أيضا فضلا عمّا لو كانت الدلالة أقوى أيضا، فكيف يقال حينئذ بعدم حصول الظنّ من الأقوى؟

قلت: على فرض كون دلالته أيضا أقوى لا يلزم منه كون الحكم مظنونا بالنظر إلى الواقع فكيف لو تساويا فيها؟ و ذلك لأنّ غاية ما يقتضيه قوّة الإسناد كون الوثوق بصدور تلك الرواية أكثر من الوثوق بصدور الاخرى، و ما يقتضيه قوّة الدلالة كون إفادته لمضمونه أوضح و أقوى من إفادة الآخر، و لا يستلزم ذلك الظنّ بكون الحكم المدلول عليه هو المطابق للواقع، إذ قد يحتمل عنده وجود الصارف عنه احتمالا متساويا كما إذا كان الخبر الآخر مشتملا على مشترك دائر بين معنيين يكون حمله على أحدهما صارفا لهذه الرواية عن معناها، فإنّه مع تساوي الاحتمالين هناك و لو مع الشكّ في صدوره عن الإمام (عليه السّلام) بعد ملاحظة هذه الرواية المعارضة لا يعقل حصول الظنّ من الرواية القويّة، لوضوح اقتضاء الظنّ بكون الشي‏ء مطابقا للواقع كون ما يقابله موهوما، و هو لا يجامع الشكّ فيه حسب ما هو الحال في مقتضى الخبر الآخر.

فإن قلت: إذا كان الحكم الحاصل من الخبر المظنون الصدور أو الخبر الأقوى مشكوك المطابقة للواقع كان الحال فيه على نحو غيره من الخبر المشكوك المطابقة كالرواية الضعيفة أو الخبر الّذي دونه في القوة فكيف يؤخذ به و يطرح الآخر مع تساويهما في ذلك؟

قلت: أيّ مانع من ذلك؟ بعد اختيار كون الحجّية غير منوطة بمظنّة إفادة الواقع كما هو المدّعى، فإذا وجدت شرائط الحجّية في خبر دون خبر اخذ به و إن شارك الآخر في عدم إفادة المظنّة بالواقع في خصوص الواقعة.

321

و دعوى كون التراجيح مبنيّة على الظنون دون التعبّد لا يراد به حصول الظنّ بالواقع، بل المقصود كون الخبر المشتمل على الرجحان في حدّ ذاته أقرب إلى مطابقة الواقع، فإنّه إذا كان أقوى من حيث الصدور أو من حيث الدلالة كان بالترجيح أحرى و إن كان مساويا لما يترجّح عليه في عدم إفادته الظنّ بالواقع إلّا أنّ جهات الشكّ في إصابة الواقع قد تتّحد و قد تتعدّد، و الجهات المتعدّدة قد تكون أقلّ و قد تكون أكثر، و حصول الترجيح بين الوجوه المفروضة ظاهر مع اشتراك الكلّ في عدم إفادة الظنّ بالواقع، و كون المكلّف مع ملاحظتها في مقام الشكّ في الإصابة نظر إلى حصول الجهة المشكّكة متّحدة كانت أو متكثّرة.

و من هنا يعلم إمكان حصول الترجيح بين الأخبار مع إفادتها للظنّ و سنفصّل القول في ذلك إن شاء اللّه في محلّه. و ليس المقصود ممّا قرّرنا المنع من حصول الظنّ بالواقع كلّيا، بل المراد عدم استلزامه له و عدم إناطة الحجّية بحصول المظنّة و إن حصل منه الظنّ بالواقع في بعض الأحيان. و يؤيّد ما ذكرناه أنّه قد يقوم في المقام أمارات ظنّية كالشهرة أو القياس أو عدم ظهور الخلاف و نحوها ممّا يفيد ظنّا بالحكم غير معتبر شرعا في مقابلة الخبر الصحيح و نحوه من الأدلّة المعتبرة.

و لا شكّ حينئذ في عدم حصول الظنّ من الدليل لاستحالة تعلّق الظنّين بالمتقابلين في آن واحد عدم سقوط الدليل بذلك عن الحجّية، و القول بأنّ قيام الدليل على عدم حجّية تلك الوجوه قاض بعدم حصول الظنّ منها كما يستفاد من بعض الأجلّة ممّا لا يعقل وجهه.

- ثالثها- [المدار في حجّية الأدلّة الشرعيّة حصول العلم منها]

أنّ مدار حجّية الأدلّة الشرعيّة حصول العلم منها و اليقين دون مجرّد الظنّ و التخمين، سواء كانت مفيدة للعلم ابتداء أو بواسطة أو وسائط، فلا عبرة بما إذا حصل منها الظنّ من حيث هو ظنّ من دون انتهائه إلى اليقين.

و يدلّ عليه العقل و النقل، إذ من البيّن استقلال العقل في إيجاب دفع الضرر عن النفس سيّما المضارّ الاخرويّة لعظمها و دوامها، فلابدّ من تحصيل الاطمئنان‏

322

بارتفاعها و الأمن من ترتّبها، و لا يحصل ذلك بمجرّد الظنّ، لقيام الاحتمال الباعث على الخوف، و أنّ الأخذ بطريق الظنّ ممّا يغلب فيه عدم الانطباق و يكثر فيه الخطأ فلا يؤمن مع الأخذ به من ترتّب الضرر.

كيف؟ و لو لا ذلك لما قامت الحجّة للأنبياء على الرعيّة، إذ بمجرّد ادّعاء النبوّة و دعوى إقامة المعجزة لا يحصل إلّا خوف الضرر مع المخالفة و عدم الاستكشاف عن حقيقة حاله، فلو لا حكم العقل إذن بوجوب ذلك لجاز لهم عدم الالتفات إلى كلامه و ترك الظنّ مع معجزته فلا يتمّ الحجّة عليهم. و الحاصل أنّ ذلك من الامور الواضحة الّتي تشهد بها الفطرة السليمة على سبيل الوضوح. ثمّ إنّ في عدّة من الآيات الكريمة دلالة عليه على ما قرّرناه من المنع من الأخذ بالظن كذلك.

و في عدّة من الآيات الكريمة دلالة عليه.

و القول بورودها في الاصول دون الفروع فلا تدلّ على عدم جواز الاستناد إليها في الأحكام، و أنّ الأخذ بذلك أخذ بالظنّ في عدم جواز الأخذ بالظنّ فيدور مدفوع.

أمّا الأوّل: فبأنّ جملة من تلك الآيات إنّما وردت في الفروع و إنّما المستفاد منها إعطاء القاعدة في عدم الاكتفاء بالظنّ في تحصيل الحقّ، بل هي واردة في مقام الإنكار على الكفّار و ذمّهم في اتّكالهم على الظنون و الاحتجاج عليهم بحكم العقل بقبحه، فهو استناد إلى ما هو مرتكز في العقول من عدم جواز الاعتماد على الظنّ و التخمين في امور الدين مع عظم خطرها و شدّة الضرر المتفرّع عليها، فالمقصود إقامة الحجّة عليهم بمقتضى عقولهم لا بالنصّ المتوقّف على صدقه ليدور الاحتجاج، و لا يكون وقع لإيراد الذمّ عليهم مع عدم ظهور قبح ما ارتكبوه إلّا من جهة نصّه‏ (1) فيكون ذلك شاهدا شرعيّا على صحّة ما وجدناه من حكم العقل بقبح الأخذ بالظنّ، فاحتمال طروّ التخصيص عليه ساقط جدّا مضافا إلى أخذه كبرى في القياس، فلا يراد به إلّا الكلّية ليتمّ الاحتجاج.

____________

(1) في «ف» و «ق»: ذمّه.

323

و أمّا الثاني: فبعد تسليم عدم اقتضاء المقام نصوصيّتها في الدلالة بأنّ دلالة الظواهر على عدم حجّية الظنّ كافية في المقام، إذ لا يخلو الواقع عن أحد الأمرين من حجّية و عدمها. و على التقديرين فالمطلوب ثابت، إذ الثاني عين المقصود و الأوّل قاض بصحّة الاستدلال‏ (1)، و أيضا كيف يمكن الحكم بالتعبّد بمجرّد الظنّ مع اقتضاء الظنّ عدم حجّيته؟ فلو كان الظنّ حجّة لم يكن حجّة لاندفاعه بنفسه، و كون حصول الحجّية مقتضيا لعدمها.

و ما يتوهّم حينئذ من لزوم مراعاة أقوى الظنّين من الظنّ المتعلّق بالحكم و المتعلّق بعدم حجّية ذلك الظنّ فاسد، إذ لا معارضة بينهما لاختلاف متعلّقيهما، فإنّ الأوّل إنّما قضى بثبوت الحكم على نحو غير مانع من النقيض، و الثاني إنّما قضى بعدم حجّية ذلك الظنّ كذلك و عدم الاعتداد به في الفتوى و العمل، و أيّ منافاة بين ذينك الظنّين حتّى يلزم الأخذ بأقواهما؟ فلا معارض أصلا للظنّ القاضي بعدم حجّية الظنّ فلابدّ من الأخذ به على فرض حجّية الظنّ و لو كان أضعف من الأوّل بمراتب.

نعم إن دلّ دليل على حجّية الظنّ حصل المعارضة بين ذلك الدليل و هذه الظواهر، و هو كلام آخر لا ربط له بالمقام.

ثمّ إنّ في الأخبار الكثيرة دلالة على وجوب تحصيل العلم و عدم الاكتفاء بغيره كالروايات الآمرة بالتعلّم و معرفة الأحكام و الدالّة على توقّف العمل على العلم، و الروايات المشتملة على النهي عن الحكم بغير العلم و الأخذ بالظنّ، إلى غير ذلك ممّا يقف عليه المتتبّع. و لا يبعد دعوى التواتر (2) فيها بعد ملاحظة الجميع.

و في ملاحظة الطريقة الجارية بين العلماء من الصدر الأوّل إلى الآن من مطالبة الدليل على حجّية ما يدّعى من الظنون و عدم الاكتفاء بكونه مظنّة كفاية في ذلك، فإنّه لا زالت العلماء مطبقة عليه في جميع الأعصار و الأمصار. و من ادّعى حجّية

____________

(1) في «ف»: إذ الأوّل عين المقصود و الثاني قاض بصحّة الاستدلال.

(2) في «ف» و «ق»: التواتر المعنوي.

324

مطلق الظنّ فإنّما يستند فيه إلى حجّة قطعيّة كيف؟ و لو استند فيه إلى الظنّ لدار.

فظهر ممّا قرّرنا أنّ المستفاد من العقل و النقل كتابا و سنّة و إجماعا عدم حجّية الظنّ من حيث إنّه ظنّ، نعم لو قام دليل قطعي ابتداء أو بواسطة على حجّيته كان حجّة و جاز الاستناد إليه و كان ذلك الظنّ خارجا عن القاعدة المذكورة.

فإن قلت: من المقرّر عدم قبول القواعد العقليّة للتخصيص، فلو كان العقل مستقلّا في الحكم المذكور لم يمكن القول بحجّية شي‏ء من الظنّون الخاصّة.

قلنا: لا نقول باستثناء ذلك من القاعدة المذكورة و إنّما نقول بخروجها عن موضوع تلك القاعدة.

و توضيح ذلك أنّ مقتضى القاعدة المذكورة عدم حجّية الظنّ من حيث هو ظنّ إذا لم يلاحظ انتهاؤه إلى اليقين، و المقصود في الاستثناء المذكور هو حجّية الظنون المنتهية إلى اليقين، و ليس أحدهما مندرجا في الآخر، بل هما أمران متباينان، فالقاعدة المذكورة غير مخصّصة و لا قابلة للتخصيص، و العقل و النقل متطابقان في الحكم بها من غير طريان تخصيص عليها. و كيف يتوهّم لزوم التخصيص في تلك القاعدة من جهة حجّية بعض الظنون، مع أنّ الآخذ به بعد انتهائه إلى اليقين أخذ باليقين دون الظنّ؟

فإن قلت: إذا اخذ الظنّ في بعض مقدّمات المطلوب كانت النتيجة تابعة للأخسّ، فكيف يدّعى كونها قطعيّة في المقام مع أنّ المفروض كون بعض مقدّماتها ظنّية؟

قلت: فرق بين أخذ القضيّة الظنّية في المقدّمات و أخذ الظنّ بها فيها، إذ لا شكّ في كون الثاني من الامور المعلومة الوجدانيّة، و المأخوذ في المقام إنّما هو الثاني دون الأوّل.

و الحاصل: أنّ المدّعى عدم حجّية الظنّ من حيث هو، و الظنّ الّذي دلّ الدليل القاطع أو المنتهي إلى القطع على حجّيته ليس من هذا القبيل، إذ ليس الحجّة حينئذ في الحقيقة هو ذلك الظنّ، بل الدليل القاطع الدالّ عليه، فيرجع الأمر حينئذ إلى‏

325

العلم فكذا الحال لو قلنا بقيام الدليل القاطع على حجّية مطلق الظنّ، فإنّ الحكم هناك إنّما يتبع ذلك الدليل القاطع لا مجرد الظنّ الحاصل المتعلّق بثبوت الحكم، و هو ظاهر.

و ربّما توهّم متوهّم حجّية الظنّ من حيث هو ظنّ من دون انتهائه إلى اليقين، و هو ضعيف سخيف قد ظهر فساده ممّا بيّناه و ربّما يؤول كلام قائله بما يرجع إلى ما ذكرناه.

- رابعها- [هل المناط في وجوب الأخذ بالعلم هو اليقين بالواقع أو اليقين بالوظيفة؟]

أنّ المناط في وجوب الأخذ بالعلم و تحصيل اليقين من الدليل هل هو اليقين بمصادفة الأحكام الواقعيّة الأوليّة إلّا أن يقوم الدليل على الاكتفاء بغيره، أو أنّ الواجب أوّلا هو تحصيل اليقين بتحصيل الأحكام و أداء الأعمال على وجه إرادة الشارع منّا في الظاهر و حكم به قطعا بتفريغ ذمّتنا بملاحظة الطرق المقرّرة لمعرفتها ممّا جعلها وسيلة للوصول إليها سواء علم مطابقته للواقع، أو ظنّ ذلك، أو لم يحصل به شي‏ء من العلم و الظنّ‏ (1) أصلا؟ وجهان، و الّذي يقتضيه التحقيق هو الثاني فإنّه القدر الّذي يحكم العقل بوجوبه و دلّت الأدلّة المتقدّمة على اعتباره، و لو حصل العلم بها على الوجه المذكور لم يحكم العقل قطعا بوجوب تحصيل العلم بما في الواقع و لم يقض شي‏ء من الأدلّة النقليّة بوجوب تحصيل شي‏ء آخر وراء ذلك، بل الأدلّة الشرعيّة قائمة على خلاف ذلك، إذ لم يبيّن الشريعة من أوّل الأمر على وجوب تحصيل كلّ من الأحكام الواقعيّة على سبيل القطع و اليقين، و لم يقع‏ (2) التكليف به حين انفتاح سبيل العلم بالواقع. و في ملاحظة طريقة السلف من زمن النبيّ و الأئمّة (عليهم السّلام) كفاية في المقام، إذ لم يوجب النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) على جميع من في بلده من الرجال و النسوان السماع منه لجميع الأحكام، أو حصول التواتر لآحادهم بالنسبة إلى آحاد الأحكام، أو قيام القرينة القاطعة على عدم تعمّد

____________

(1) في «ف» و «ق»: و لا الظنّ.

(2) في «ق»: يقطع.

326

الكذب أو الغلط في الفهم أو في سماع اللفظ بالنظر إلى الجميع، بل لو سمعوه من الثقة اكتفوا به، و القول بإفادة قول الثقة القطع بالنسبة إلى السامع منه بطريق المشافهة، نظرا إلى أنّ العلم بعدالته و الوقوف على أحواله يوجب العلم العادي بعدم اجترائه على الكذب كما هو معلوم عندنا بالنسبة إلى كثير من الأخبار العادية سيّما مع انضمام بعض القرائن القائمة مجازفة بيّنة، إذ بعد فرض المعرفة بالعدالة بطريق اليقين مع عدم اعتبارها في الشرع المبين كيف يمكن دعوى القطع مع انفتاح أبواب السهو و النسيان و سوء الفهم، سيّما بالنسبة إلى الأحكام البعيدة عن الأذهان كما نشاهد ذلك في أفهام العلماء فضلا عن العوامّ؟ مضافا إلى قيام احتمال النسخ في زمن النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله) في كلّ آن، و مع ذلك لم يوجب على جميع أهل بلده التجسّس بما يفيد العلم بعده في كلّ زمان، بل كانوا يبنون على الحكم الوارد إلى أن يصل إليهم نسخه، هذا كلّه بالنسبة إلى البلدة الّتي فيها الرسول و الإمام (عليهما السّلام) فكيف بالنسبة إلى سائر الأماكن و البلدان سيّما الأقطار البعيدة و البلاد النائية؟

و من الواضح أنّه (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) كان يكتفي منهم بالأخذ بالأخبار الواردة عليهم بتوسّط الثقات كما تدلّ عليه آية النفر و الطريقة الجارية المستمرّة المقطوعة، و لم يوجب (صلّى اللّه عليه و اله) يوما على كلّ من لم يتمكّن العلم من المهاجرة و نحوها، أو أخذ الأحكام على سبيل التواتر و نحوه. و كذا الحال في الأئمّة (عليهم السّلام) و ذلك أمر معلوم من ملاحظة أحوال السلف و الرجوع إلى كتب الرجال و إنكاره يشبه إنكار الضروريّات، و ليس ذلك إلّا للاكتفاء بالأخذ بطرق ظنّية.

و دعوى حصول العلم بالواقع من الامور البعيدة خصوصا بالنسبة إلى البلاد النائية، سيّما بعد ما كثرت الكذابة على النبيّ و الأئمّة (صلوات اللّه عليهم) حتّى قام (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) خطيبا في ذلك، و نادى به الأئمّة (عليهم السّلام) كما يظهر من ملاحظة الأخبار.

و ما يتراءى من دعوى السيّد و غيره إمكان حصول القطع بالأحكام في تلك الأعصار ممّا يقطع بخلافه، و يشهد له شهادة الشيخ (رحمه اللّه) و غيره بامتناعه. و الظاهر أنّ تلك الكلمات مؤوّلة بما لا يخالف ما قلناه، لبعد تلك الدعوى من أضرابه. و ممّا

327

ينادي بعدم بناء الأمر على تحصيل القطع ملاحظة حال العوامّ مع المجتهدين، فإنّ من البيّن عدم وجوب تحصيل القطع عليهم بفتاوى المجتهد على حسب المكنة، بل يجوز لهم الأخذ عن الواسطة العادلة مع التمكّن من العلم بلا ريبة. و عليه جرت طريقة الشيعة في سائر الأزمنة، بل الظاهر أنّه ممّا أطبقت عليه سائر الفرق أيضا و هل كان الحال في الرجوع إلى النبي (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) و الأئمّة (عليهم السّلام) في ذلك العصر إلّا كحال العوام في هذه الأعصار في الرجوع إلى المجتهدين.

فبملاحظة جميع ما ذكرناه يحصل القطع بتجويز الشارع العمل بغير العلم في الجملة مع انفتاح طريق العلم، سيّما مع ملاحظة ما في التكليف بالعلم في خصوصيّات الأحكام من الحرج التامّ بالنسبة إلى الخواصّ و العوامّ، و هو ممّا لا يناسب هذه الشريعة السمحة السهلة الّتي رفع عنها الحرج و المشقّة، و وضعت على كمال اليسر و السهولة. و يشهد بذلك أيضا ملاحظة الحال في موضوعات الأحكام فإنّه اكتفى الشارع في إثباتها بطرق مخصوصة من غير التزام بتحصيل العلم بها بالخصوص لما فيه من الحرج و المشقّة في كثير من الصور. فإذا كان الحال في الموضوعات على الوجه المذكور مع أنّ تحصيل العلم بها أسهل فذلك بالنسبة إلى الأحكام أولى، و أيضا من الواضح كون المقصود من الفقه هو العمل، و تحصيل العلم به إنّما هو من جهة العلم بصحّة العمل و أدائه مطابقا للواقع.

و من البيّن أنّ صحّة العمل كما يتوقّف على العلم بالحكم كذا يتوقّف على العلم بالموضوع، فالاقتصار على خصوص العلم بالنسبة إلى الحكم لا يثمر العلم بصحّة العمل بالنظر إلى الواقع مع الاكتفاء بغيره في تحصيل الموضوع، و ليس المتحصّل للمكلّف حينئذ بالنسبة إلى العمل إلّا العلم بمطابقة العمل لظاهر الشريعة و القطع بالخروج عن العهدة في حكم الشارع، فينبغي أن يكون ذلك هو المناط بالنسبة إلى العلمين.

فتحصّل ممّا قرّرنا كون العلم الّذي هو مناط التكليف أوّلا هو العلم بالأحكام من الوجه المقرّر شرعا لمعرفتها و الوصول إليها، و الواجب بالنسبة إلى العمل هو

328

أداؤه على وجه يقطع معه بتفريغ الذمّة في الحكم الشرعي، سواء حصل العلم بأدائها على طبق الواقع أو على طبق الطريق المقرّر من الشرع و إن لم يعلم و لم يظنّ بمطابقتها لمتن الواقع.

و بعبارة اخرى لا بدّ من المعرفة بالتكليف و أداء المكلّف به على وجه اليقين أو على وجه منته إلى اليقين من غير فرق بين الوجهين و لا ترتّب بينهما.

نعم لو لم يظهر طريق مقرّر من الشارع لمعرفتها تعيّن الأخذ بالعلم بالواقع مع إمكانه، إذ هو طريق إلى الواقع بحكم العقل من غير توقّف لإيصاله إلى الواقع على بيان الشرع، بخلاف غيره من الطرق المقرّرة.

و ظهر أيضا ممّا بيّنا تقرير الشارع طريقا إلى الواقع سوى العلم في معرفة الأحكام و لو مع انفتاح سبيل العلم، و هي الأدلّة الشرعيّة ممّا لا يفيد العلم بالواقع حسبما يجي‏ء تفصيل الكلام فيها في محلّها إن شاء اللّه.

- خامسها- [هل الحجّة في زمن الغيبة هو الظنّ المطلق أو الظنّ الخاصّ؟]

في بيان أنّ الحجّة في معرفة الأحكام الشرعيّة في زمن الغيبة و انقطاع اليد من الرجوع إلى أرباب العصمة و انسداد باب العلم بالأحكام الواقعيّة هل هي ظنّ المجتهد مطلقا من أيّ طريق حصل إلّا ما قام الدليل على عدم جواز الأخذ به بخصوصه من غير فرق بين الطرق المفيدة للظنّ، أو أنّ هناك طرق مخصوصة هي الحجّة دون غيرها فيجب على المجتهد الأخذ بها دون ما عداها من الظنون الحاصلة من الطرق الّتي لم يقم على جواز الأخذ بها بخصوصها حجّة؟

و هذه المسألة و إن لم تكن معنونة في كتب الاصول و لا تعرّض لبيانها مستقلّة أحد من علماء المعقول و المنقول، إلّا أنّه لابدّ من بنائهم فيها على أحد الوجهين و اختيارهم لأحد المسلكين و يمكن استعلام مذهبهم من الرجوع إلى طريقتهم و كيفيّة استنباطهم و ملاحظة احتجاجاتهم كما سنشير إليه إن شاء اللّه و كان كلّهم أو جلّهم كانوا قاطعين بأحد الوجهين المذكورين حيث لم يعنونوا لذلك بحثا و لا ذكروا فيه خلافا و لا فصّلوا فيه قولا مع ما يترتّب عليه من الثمرة العظيمة و الفائدة

329

المهمّة في استنباط الأحكام الفرعيّة، و لمّا كانت تلك المسألة من امّهات المسائل الاصوليّة، بل كان عليها أساس استنباط الأحكام الشرعيّة لم يكن بدّ من تفصيل الكلام فيها، و إشباع القول في وجوهها، و بيان أدلّتها، و تميّز صحيح المذهب من المزيف منها.

فنقول: إنّ الذي يستفاد من كلام المعظم هو البناء على الوجه الثاني، بل لا يبعد دعوى اتّفاقهم عليه حيث إنّه جرت طريقتهم على إثبات حجّية كلّ من الظنون الخاصّة بأدلّة مخصوصة ذكروها في الباب المعدّ له و لو بنوا على حجّية مطلق الظنّ لأثبتوا ذلك و قرّروه و اعتنوا ببيانه.

ثمّ بنوا عليها تلك المسائل من غير أن يحتاجوا في إثبات حجّية كلّ منها إلى تجشّم ذكر الأدلّة، بل كان المتوقّف على الدليل بعد تأصيل ذلك الأصل الأصيل هو بيان عدم الحجّية في ما لم يقولوا بحجّيته من الظنون، مع أنّ الأمر بالعكس، فإنّهم في بيان الحجج يفتقرون إلى الاستناد إلى الأدلّة لا في بيان عدم الحجّية و لم يعرف منهم الاستناد في الحكم بحجّية تلك الظنون إلى القاعدة المذكورة، و لو قالوا بها لكان ذلك رأس الأدلّة المذكورة في كلامهم و أصلها المعوّل عليه عندهم.

نعم ربّما يوجد الاستناد إليه في كلام آحاد منهم في طيّ الأدلّة على سبيل الندرة كما في النهاية في بيان حجّية أخبار الآحاد، و ذلك ممّا لا يثبت به المذهب فإنّ طريقته (قدّس سرّه‏) ضمّ المؤيّدات إلى الأدلّة و الاستناد في كتبه إلى وجوه موهونة لا يقول بحجّيتها أحد من الفرقة، و إنّما يأتي بها تأييدا للمرام أو من جهة إيراد الحجّة على المخالفين ممّن يقول بحجّيته في مثل ذلك.

و من هنا توهّم بعض القاصرين ذهابه إلى حجّية مثل تلك الوجوه ففتح باب الطعن عليه و على نظائره بأنّهم يعملون بقياسات عاميّة و استحسانات عقليّة، و ليس الأمر كما توهّم، بل ما يوجد من أمثال ذلك في كلامهم مبنيّ على أحد الوجهين المذكورين كما لا يخفى على من مارس كلماتهم، فإسناد القول المذكور إلى العلّامة (رحمه اللّه) لما ذكر كما يستفاد من بعضهم ليس على ما ينبغي، و كذا إسناده إلى‏

330

صاحب المعالم نظرا إلى ذكر ذلك في طيّ الأدلّة على حجّية خبر الواحد و عدم تعرّضه للمناقشة فيه، مع أنّ كلامه في دفع حجّية الشهرة و غيرها صريح في خلافه، و كذا الحال في ملاحظة طريقته في العمل بالأخبار و كان مقصوده بالاحتجاج المذكور بيان حجّية الظنّ في الجملة، و أنّ الظنّ الحاصل من خبر الواحد أولى بالحجّية من غيره فيتعيّن كونه حجّة.

و كيف كان، فالقول بعدم حجّية الظنّ إلّا ما قام الدليل على حجّيته مصرّح به في كلام جماعة من القدماء و المتأخّرين، فمن القدماء السيّدان و الشيخ ذكروا ذلك عند بيان المنع من العمل بالقياس حيث استندوا بعدم ورود العمل به في الشريعة فلا يكون حجّة، إذ الظنّ إنّما يكون حجّة مع قيام الدليل عليه. و قد يعزى القول بذلك إلى الحلّي و المحقّق، و من المتأخّرين المحقّق الأردبيلي و تلميذه السيّد و صاحب الذخيرة فيما حكي عنهم، و به نصّ صاحب الوافية حيث قال فيه بعد ذكر احتجاج القائل بحجّية الاستصحاب بأنّه مفيد للظنّ للبقاء.

و فيه: أنّه بناء على حجّية مطلق الظنّ و هو عندنا غير ثابت و اختار ذلك جماعة ممّن عاصرناه من مشايخنا منهم الاستاذان الأفضلان تغمّدهما اللّه برحمته، و المختار عند جماعة آخرين من أفاضل العصر هو حجّية الظنّ المطلق إلّا ما خرج بالدليل منهم المحقّق البهبهاني (قدّس سرّه‏) و تلميذاه السيّدان الأفضلان صاحب الرياض و شارح الوافية و تلميذه الفاضل صاحب القوانين (قدّس سرّه‏)، و لا نعرف القول به صريحا لأحد ممن تقدّمهم.

نعم ربّما يستظهر ذلك من الشهيد في الذكرى بل العلّامة و صاحب المعالم حسب ما أشرنا إليه، و قد عرفت ما فيه و الظاهر أنّ طريقة الأصحاب مستقيمة على الأوّل، و لذا لا ترى منهم الاتّكال على الشهرات و نحوها ممّا يقول به القائل بحجّية مطلق الظنّ، بل جماعة منهم يصرّحون بخلافه حتّى أنّ الشهيد (رحمه اللّه) مع استقرابه حجّية الشهرة لا يعهد منه الاستناد إليها في المسائل مع كثرتها و حصولها في كثير من الخلافيّات. نعم ربّما يوجد نادرا في بعض كلماته الاستناد إليها

331

و لا يعرف منه اتّكاله عليه، بل الظاهر أنّه من قبيل ضمّ المؤيّدات إلى الأدلّة.

هذا و ربّما يوجد في كلام بعضهم ممّن لا تحصيل له مخالفة القولين و البناء على فساد الوجهين بدعوى عدم حجّية الظنّ مطلقا في استنباط الأحكام و عدم انسداد سبيل العلم بالتكليف ما دام التكليف باقيا و أنّ الأخبار المعروفة الواردة عن أهل بيت العصمة (سلام اللّه عليهم) ممّا تداولته الشيعة قطعيّ الصدور و الدلالة، و أنّها كافية في بيان ما يرد علينا من الفروع المتجدّدة مفيدة للقطع بحكم الواقعة و هو من الأوهام الفاسدة الّتي لا يخفى وهنها على من له أدنى مسكة و لا علينا في المقام الإشارة إلى بيان وهنها و إبداء وجوه فسادها، إذ ليس ذلك من الامور المهمّة و لا ممّا يحتاج إلى إعمال نظر و رويّة و لعلّنا نشير إليه في مباحث الاجتهاد و التقليد إن شاء اللّه و إنّما المعقود عليه البحث في المقام هو الكلام في تميّز الحقّ من القولين الأوّلين و بيان أدلّة الجانبين.

ثمّ إنّه يقوم في كلّ من القولين المذكورين وجهان: فيحتمل أن يراد من حجّية الظنّ مطلقا كون الحجّة بعد انسداد سبيل العلم بالواقع هو الظنّ بالواقع فيكون حجّية الأدلّة عند القائل به منوطة بالظنّ بالواقع، بل لا تكون الحجّة عنده إذن إلّا نفس الظنّ، فمع عدم حصول الظنّ من الدليل لمانع يمنع منه لا تنهض حجّة و إن لم يكن المانع المفروض حجّة (1)، إذ منعه من حصول الظنّ إنّما يتبع الوجدان دون الحجّية، و قضيّة عدم الحجّية عدم الاتّكال على الظنّ الحاصل المانع و لا ربط له بالمنع من حصول الظنّ منه. و يحتمل أن يراد به حجّية ما يفيد الظنّ في نفسه سواء حصل به الظنّ بالحكم فعلا لانتفاء ما يمنع من حصوله‏ (2) أو لم يحصل لحصول مانع منه، و الأوّل هو الّذي يقتضيه ظاهر بعض كلماتهم و تقتضيه أدلّتهم.

و أمّا الثاني فلا يفي به ما قرّروه من الأدلّة كما ستعرف إن شاء اللّه.

و يمكن أن يقال بحجّية الظنّ مطلقا سواء تعلّق بالواقع أو بالطريق الموصل‏

____________

(1) في «ق» بإضافة: كالظنّ الحاصل من القياس في مقابل خبر الواحد.

(2) في «ق» بإضافة: و ذلك كالخبر الواحد المعارض بالقياس.

332

في حكم الشارع، فلو قام دليل ظنّي على حجّية أمر خاصّ- كظاهر الكتاب- قام حجّة و لو لم يحصل منه الظنّ بالواقع لمانع منه، و كان الأظهر بناء على القول المذكور هو ذلك، فإنّه إذا قام الظنّ مقام العلم قضى بحجّية الظنّ المتعلّق بالطريق أيضا، فإنّه أيضا من جملة الأحكام الشرعيّة.

إلّا أن يقال: إنّ المقصود حجّية الظنّ في مسائل الفروع بعد انسداد سبيل العلم بها دون ما يتعلّق بالاصول و بيان الطريق إلى استنباط الأحكام من مسائل الاصول، فلا يندرج تحت الأصل المذكور، و فيه تأمّل.

و يحتمل أيضا على القول الثاني أن يقال بحجّية الظنون الخاصّة ليكون الحجّة نفس الظنّ الحاصل من الأدلّة، فيناط حجّية الأدلّة عنده بالوصف المذكور، إلّا أنّه لا يوافقه بعض كلماتهم، و أن يقال بحجّية طرق خاصّة و ظنّيات مخصوصة أفادت الظنّ بالواقع أو لم تفده.

و هذا هو التحقيق في المقام، إذ ليست حجّية الأدلّة الشرعيّة منوطة بحصول الظنّ منها بالواقع و إنّما هي طرق مقرّرة لإفادة الواقع على نحو الطرق المقرّرة للموضوعات في إجراء الأحكام المقرّرة لها و النسبة بين القولين على الوجهين الأوّلين عموم مطلق كما هو الحال في الوجه الثاني منهما في وجه. و كذا الحال في الاحتمال الثالث من الأوّل مع الثاني و كذا من الثاني لو قيل بأحد الأخيرين من الأوّل و الأوّل من الثاني، و في عكسه يكون بينهما عموما من وجه.

هذا و قد يستشكل في القول الأوّل‏ (1) بأنّه إذا كانت قضيّة حكم العقل بعد انسداد سبيل العلم حجّية مطلق الظنّ و قيامه مقام العلم لزم القول به على الإطلاق، فلا وجه لتخصيص بعض الظنون و إخراجه عن العموم المذكور لقيام الدليل عليه لما تقرّر من عدم ورود التخصيص على القواعد العقليّة و إنّما وروده على العمومات اللفظيّة و القواعد الشرعيّة و نحوها، فكما أن لا تخصيص في الحكم بحجّية العلم فكذا ينبغي أن يكون الحال في الظنّ القائم مقامه بعد انسداد سبيله.

____________

(1) في «ف»: القول، و في «ق»: القول الثاني.

333

و أنت خبير بأنّ الإشكال المذكور مشترك الورود بين القولين فإنّ القائل بحجّية الظنون الخاصّة يقول بأصالة عدم حجّية الظنّ و أنّه لا يقوم شي‏ء من الظنون حجّة في حكم العقل إلّا ما قام الدليل على حجّيته، ففي ذلك أيضا التزام بالتخصيص في القاعدة العقليّة.

و قد عرفت الجواب عنه في ما مرّ، و أنّه ليس ذلك من التخصيص في شي‏ء و إنّما هو اختصاص في حكم العقل، فإنّ مفاد حكم العقل هو عدم حجّية كلّ ظنّ لم يقم دليل على حجّيته، فالمحكوم عليه بحكم العقل هو الظنّ الخالي عن الدليل لا مطلقا، و كذا الحال في القول الثاني، فإنّ المحكوم عليه بالحجّية هو الظنّ الّذي لم يقم دليل على عدم حجّيته، و الظنّ الّذي قام الدليل على عدم حجّيته خارج عن الموضوع لا أنّه يخرج عنه بعد حكم العقل بحجّية الظنّ مطلقا حتّى يكون تخصيصا في حكم العقل.

نعم هو تخصيص بالنسبة إلى ظاهر التعبير حيث يعبّر بلفظ عامّ ثمّ يخرج عنه ذلك كما هو الحال في التخصيصات الواردة على العمومات النقليّة، إذ ليس ذلك إلّا بحسب ظاهر التعبير دون الواقع إلّا ما كان من التخصيص البدائي فإنّه تخصيص بحسب الواقع، و لا يجري في حكم العقل و لا في شي‏ء من التخصيصات الواردة في الشرع.

فظهر بما ذكرنا أنّ ما ذكر من امتناع التخصيص في الأحكام العقليّة إنّما يراد به التخصيص الواقعي، و هو أيضا مستحيل في العمومات الشرعيّة، و التخصيص في التعبير جائز في الصورتين، إذ لا مانع من إبداء الحكم على وجه العموم ثمّ إيراد التخصيص عليه حتّى يكون الباقي هو المحكوم عليه بحكم العقل، كما في المقام.

فظهر بذلك أنّه لا فرق بحسب الحقيقة بين ورود التخصيص على الحكم العقلي و الشرعي غير أنّه لمّا كان المدار في الحكم الشرعي على ظواهر الألفاظ كان علينا الأخذ بالظاهر حتّى يتبيّن المخصّص بخلاف حكم العقل، فإنّه إن قضى‏

334

بالعموم لم يرد عليه التخصيص، و إن لم يورد فلا تخصيص، و إنّما يلحظ التخصيص بحسب تعبيرنا عن حكم العقل فهذا هو الفرق بينهما حيث حكموا بعدم جواز التخصيص في حكم العقل دون غيره و يستفاد من كلام بعض الأفاضل في الجواب عن الإيراد المذكور وجوه اخر موهونة:

أحدها: أنّا لا نلتزم بالتخصيص، بل نقول بعد انسداد باب العلم بحجّية جميع الظنون، و ما دلّ على عدم حجّية القياس و نحوه فإنّما هو قبل انسداد باب العلم، و أمّا بعده فلا فرق بين الظنّ الحاصل منه و من غيره.

و أنت خبير بما فيه، إذ المنع من العمل بالقياس في عصرنا و ما شابهه من الإجماعيّات عند الشيعة بل لا يبعد دعوى الضرورة عليه فالتزام العمل به حينئذ ممّا لا يقول به أحد، و الظاهر أنّ المجيب لا يعمل به أيضا.

ثانيها: المنع من حصول الظنّ من القياس و نحوه و ذلك علّة منع الشارع من الأخذ به، و هو كما ترى، إذ حصول الظنّ من القياس و نحوه من الامور الوجدانيّة الّتي لا مجال لإنكارها.

ثالثها: أنّ مورد القياس و نحوه لم يثبت انسداد باب العلم بالنسبة إلى مقتضاه، فإنّا نعلم بالضرورة من المذهب حرمة العمل بمؤدّى القياس، فيعلم أنّ حكم اللّه غيره و إن لم نعلمه أيّ شي‏ء هو، ففي تعيينه نرجع إلى سائر الأدلّة و إن كان مؤدّاها عين مؤدّاه.

و ملخّص هذا الجواب خروج مورد القياس و نحوه عن محل الكلام، فإنّ البحث في ما انسدّ فيه باب العلم و المفروض عدم انسداد باب العلم بالنسبة إليه فلا تخصيص. و يمكن أن يرجع ذلك أيضا إلى عدم إفادته الظنّ نظرا إلى قيام الدليل القاطع على عدم حجّيته فكيف يفيد الظنّ بمقتضاه مع قيام القاطع على خلاف ما يقتضيه؟ و فيه: أنّ الّذي لم ينسدّ فيه باب العلم هو حرمة العمل بالقياس لا عدم موافقة مؤدّاه للواقع، فالأخذ به أخذ بغير العلم لا أخذ بخلاف الواقع، فتفريعه العلم بكون حكم اللّه غير مؤدّى القياس على العلم الحاصل من الضرورة على حرمة العمل به إن أراد به حصول العلم من حرمة العمل بالقياس أنّ حكم اللّه‏

335

بالنسبة إلينا عدم الاعتماد على القياس و الاتّكال عليه في استنباط الحكم فلا يجوز لنا الأخذ بمؤدّاه من حيث إنّه مؤدّاه و إن جاز الأخذ به من حيث كونه مؤدّى دليل آخر، فهو كذلك، إلّا أنّه لا ربط له بالجواب عن الإيراد المذكور، فإنّ ذلك عين مفاد عدم حجّية القياس.

و حاصل الإيراد: أنّه إذا قضى العقل بعد انسداد سبيل العلم بالواقع بقيام الظنّ مقامه لم يتّجه عدم الاعتماد على الظنّ الحاصل من القياس و نحوه. و لا وجه لقيام الدليل على عدم الاعتداد به بعد قطع العقل بما ذكر، و هو على حاله لا ربط لما ذكر بالجواب عنه و إن أراد أنّ العلم بحرمة العمل بالقياس قاضية بكون الحكم في الواقع غير ما دلّ عليه القياس فهو واضح الفساد. و اعتبار كون الحكم مستفادا من القياس لا يقضي بتعدّد الحكم حتّى يقال: إنّ الحكم الواقعي من حيث كونه مستفادا من القياس غيره من حيث كونه مستفادا من دليل شرعي حتّى يعلم انتفاء الأوّل بعد العلم بحرمة العمل بالقياس، و هو ظاهر.

ثمّ إنّه قد يورد على القول المذكور أيضا بأنّه إذا دلّ الدليل على حجّية الظنّ من حيث هو و قيامه مقام العلم فلا وجه لورود التخصيص عليه، إذ المفروض كون المناط في الحجّية بعد انسداد سبيل العلم هو الرجحان الحاصل فيه، فلا وجه لإخراج بعض الظنون عنه و الحكم بعدم حجّيته مع حصول المناط المذكور في الجميع. و قد تخلّص عنه الفاضل المذكور بالوجوه المتقدّمة، و قد عرفت ضعفها.

و أجاب أيضا بأنّه مستثنى من الأدلّة المفيدة للظنّ لا أنّ الظنّ الحاصل منه مستثنى من مطلق الظنّ و قال: إنّ تكليف ما لا يطاق و انسداد باب العلم من جهة الأدلّة المقتضية للعلم أو الظنّ المعلوم الحجّية مع بقاء التكليف يوجب جواز العمل بما يفيد الظنّ في نفسه، يعني مع قطع النظر عمّا يفيد ظنّا أقوى.

و بالجملة: ما يدلّ على مراد الشارع و لو ظنّا و لكن لا من حيث إنّه يفيد الظنّ و هذا المعنى قابل للاستثناء فيقال: إنّه يجوز العمل بكلّ ما يفيد الظنّ بنفسه إلّا القياس، و بعد استثناء القياس إذا تعارض باقي الأدلّة المفيدة للظنّ فحينئذ يعتبر الظنّ النفس الأمري و يلاحظ القوّة و الضعف.

336

و أنت خبير بما فيه، فإنّ ما ذكروه من الأدلّة إنّما يفيد حجّية نفس الظنّ دون الامور الّتي من شأنها إفادة الظنّ و إن لم يحصل منها ظنّ، و لو سلّم إفادة تلك الأدلّة حجّية تلك الامور فلا ريب أنّ حجّيتها إذا منوطة بالظنّ، فلا تكون حجّة إلّا مع المناط المذكور، و متى وجد ذلك المناط حصلت الحجّية، و لا ترتبط الحجّية على مقتضى تلك الأدلّة بشي‏ء من خصوص تلك الموارد، فلا وجه للتخلّف، و حينئذ فأيّ فرق بين إيراد التخصيص على الظنّ أو الشي‏ء المفيد له؟

نعم إن دلّ الدليل على حجّية ما من شأنه إفادة الظنّ و إن لم يحصل منه الظنّ كما قد يستفاد من ملاحظة طرق الاستدلال اتّجه الفرق، إلّا أنّه لا يساعده الأدلّة الّتي قرّرها لحجّية مطلق الظنّ.

ثمّ لا يذهب عليك أنّه لا حاجة في دفع الإيراد المذكور إلى شي‏ء من الوجوه المذكورة، بل هو بيّن الاندفاع بعد ملاحظة ما سنقرّره إن شاء اللّه في تقرير دليلهم، فإنّ قضيّة انسداد باب العلم و بقاء التكليف هو حجّية الظنّ في الجملة على سبيل القضيّة المهملة، و إنّما تصير كلّية بملاحظة انتفاء المرجّح بين الظنون، و قيام الدليل القاطع على عدم جواز الرجوع إلى بعض الظنون يكفي مرجّحا في المقام، و معه لا اقتضاء في الدليل المذكور لحجّيته أصلا، فإنّه إنّما يقضي بحجّية الظنّ الّذي لم يقم دليل على عدم حجّيته حسب ما أشرنا إليه.

نعم يرد ذلك على غير الدليل المذكور من بعض أدلّتهم، و فيه دلالة على فساد ذلك الدليل حسب ما يأتي الكلام فيه إن شاء اللّه.

[أدلّة المانعين عن العمل بالظنّ و أجوبتها]

هذا و لنقدّم أوّلا حجج المختار حسب ما قرّرت في المقام و نذكر ما فيه من النقض و الإبرام، ثمّ نبيّن ما تيسّر لنا من وجوه الاحتجاج على ذلك المرام، فنقول:

قد احتجّوا على ذلك بوجوه:

- الأوّل-

الآيات و الأخبار المأثورة الدالة على النهي عن العمل بالظنون، أو المشتملة على ذمّ الأخذ بها، الدالّة على قبح ذلك، خرج منها ما خرج بالدليل، و بقي غيره تحت الأصل المذكور.

337

أمّا الآيات فمنها: قوله تعالى: وَ ما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (1) ففي الفقرة الاولى منها دلالة على ذمّ الأخذ بالظنّ، و في الثانية حكم بعدم إيصاله إلى الواقع و عدم الاكتفاء به فتفيد المنع من الأخذ به و قبح الاتّكال عليه، بل فيها إشارة إلى أنّ ذلك من الامور الواضحة المقرّرة في العقول حيث ذكره سبحانه في مقام الاحتجاج على الكفّار المنكرين للشريعة.

و منها: قوله تعالى: وَ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَ‏ (2) و فيها دلالة على ذمّ اتّباع الظنّ و قبحه عند الشرع، بل العقل.

و نحوه قوله تعالى: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ ما تَهْوَى الْأَنْفُسُ‏ (3).

و قوله تعالى: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِ‏ (4).

و منها: قوله تعالى في عداد ما حرّم اللّه سبحانه: وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏ (5) فقد دلّ على المنع من القول في الشريعة بغير العلم سواء كان ظانّا أو شاكّا أو غيرهما.

و منها: قوله تعالى لنبيّه (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم): وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ (6) و هو كسابقه دالّ على المنع من الأخذ بغير العلم سواء بناء على وجوب التأسّي أو لأصالة الاشتراك في التكاليف، لانحصار الخواصّ في امور مخصوصة لم يذكر ذلك في جملتها، أو لكون الخطاب له خطابا لامّته حسب ما ذكر في محلّه، إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على ذلك.

و أمّا الأخبار فهي مستفيضة في ذلك جدّا، بل ربّما يدّعى تواترها كالأخبار الدالّة على وجوب تعلّم الأحكام فإنّها تفيد تعيّن تحصيل العلم بها، و ما دلّ من الروايات‏ (7) على عدم جواز الأخذ بغير العلم و العمل بغير العلم و الإفتاء بدون العلم،

____________

(1) يونس: 36.

(2) النجم: 28.

(3) النجم: 23.

(4) النساء: 157.

(5) الأعراف: 33.

(6) الإسراء: 36.

(7) وسائل الشيعة: ج 18 ص 20 ب 6 من أبواب صفات القاضي.

338

و خصوص ما رواه المفضّل قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: «من شكّ أو ظنّ فأقام على أحدهما فقد حبط عمله، إنّ حجّة اللّه هي الحجّة الواضحة (1) و خبر تحف العقول عن النبي (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) قال: «إذا علمت فاقض، و إذا ظننت فلا تقض» (2).

و رواية مسعدة بن صدقة عن الصادق (عليه السّلام) عن آبائه (عليهم السّلام) قال قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم): «إيّاكم و الظنّ فإنّ الظنّ أكذب الكذب» (3)، و خبر سليم بن قيس عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال: «و من عمي نسي الذكر و اتّبع الظنّ وبارز خالقه- إلى أن قال- و من نجا من ذلك فمن فضل اليقين» (4) إلى غير ذلك من الأخبار ممّا يقف عليه المتتبّع في الآثار.

و قد اورد على الآيات المذكورة بوجوه:

منها: أنّ معظم تلك الآيات واردة في اصول الدين، و المنع من العمل بالظنّ فيها من الامور المسلّمة عند المعظم، و لا دلالة فيها على المنع من العمل بالظنّ في الفروع كما هو المدّعى.

و فيه: أنّ إطلاقها يعمّ الاصول و الفروع فلا وجه للتخصيص، و كون المقصود هنا خصوص الاصول غير ظاهر، و ورودها في شأن الكفّار الآخذين بظنونهم في اصول الدين لا يقضي باختصاصها بالاصول بناء على ما تقرّر عندنا من كونهم مكلّفين بالفروع، بل قد ورد عدّة من الآيات في خصوص الفروع ممّا يحكم به الكفّار من الأحكام الباطلة. و مع تسليمه فالعبرة بعموم اللفظ لا خصوص المورد، و القول باختصاص القاعدة المذكورة بالعمومات اللغويّة دون الإطلاقات- و منها المفرد المحلّى فإنّ الدعوى المذكورة محلّ منع بالنسبة إليها لضعف دلالتها على العموم فتنصرف إلى المورد- ضعيف على إطلاقه.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 25 ب 6 من أبواب صفات القاضي ح 8.

(2) تحف العقول: ص 50.

(3) وسائل الشيعة: ج 18 ص 38 ب 6 من أبواب صفات القاضي ح 42.

(4) وسائل الشيعة: ج 18 ص 25 ب 6 من أبواب صفات القاضي ح 9.

339

نعم إن كان المورد بحيث يصرف اللام إلى العهد صحّ ما ذكر، و إلّا فلا وجه لتقييد الإطلاق بمجرّد كون المورد خاصّا. و الظاهر أنّ القاعدة المذكورة في كلمات الاصوليين يعمّ العموم الوضعي و غيره، و لذا مثّلوا له في المشهور بقوله (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم): «خلق اللّه الماء طهورا لا ينجّسه ... إلى آخره» بعد وقوع السؤال عن بئر بضاعة. و لم نجد هناك من ناقش في ذلك بما ذكر، مضافا إلى عدّة من تلك الآيات قد وردت في مقام الاحتجاج الظاهر في عموم الحكم.

و استظهار كون اللام في الآية الاولى للعهد نظرا إلى تقدّم ذكر الظنّ، أو لا على‏ (1) وجه التنكير مرادا به الظنّ المتعلّق بالاصول و قد تقرّر عندهم كون النكرة المعادة (2) معرفة عين الأوّل فيتعيّن اللام فيها للعهد موهون جدّا، و سياق الآية كالصريح في خلافه. و ورودها في مقام الاحتجاج ظاهر جدّا في إرادة العموم كما يعرف ذلك من ملاحظة نظائرها كما إذا قلت: فلان قتل مؤمنا متعمّدا، و إنّ من قتل المؤمن متعمّدا كان مخلّدا في العذاب، و فلان أعان ظالما، و من أعان الظالم سلّطه اللّه عليه، إلى غير ذلك، و هو ظاهر.

و الحاصل: أنّ الظاهر عرفا من الآية الشريفة هو إرادة الاستغراق أو الجنس الراجع إليه دون العهد، و الاحتجاج المذكور مبنيّ على الظاهر، و قيام الاحتمال المرجوح لا يهدم الاستدلال بالظواهر.

و منها: أنّ مفاد هذه الآيات لا يزيد على الظنّ، فلا يجوز الاستناد إليها في المقام:

أمّا أوّلا: فلأنّ هذه المسألة من عمدة مسائل الاصول فلا يصحّ الاتّكال فيها على مجرّد الظنّ.

و أمّا ثانيا: فلأنّ قضيّة ظاهرها عدم حجّية ظواهرها، فلو صحّ العمل بتلك الظواهر لم يصحّ العمل بها، و ما يستلزم وجوده عدمه فهو باطل.

و يدفعها: أنّ الظنّ الحاصل من ظاهر الكتاب من الظنون الّتي دلّ القاطع‏

____________

(1) في «ف»: أو على.

(2) في «ف»: المفادة.

340

على حجّيتها، فلا مانع من الاتّكال عليها. و القول بعدم جواز الاستناد إلى الظنّ في المسائل الاصوليّة و لو من الظنون المفروضة من الأغلاط كما مرّ الكلام فيه مرارا، و قضاء ظاهرها بعدم حجّية ظاهرها إنّما يمنع من الاتّكال عليها لو لم يقم دليل على استثناء ظواهرها من الظاهر المذكور. و أمّا بعد قيام الدليل عليه كما هو مبنى الاحتجاج المذكور فلا مانع منه أصلا.

و مع الغضّ عن ذلك نقول: إنّ مفاد الظنون المذكورة عدم حجّية الظنّ، فلو كان الظنّ حجّة لم يكن حجّة فليس المقصود من الاحتجاج بتلك الظواهر الاتّكال على الظنّ الحاصل منها في عدم حجّية الظنّ حتّى يرد أنّه إذا لم يصحّ الاتّكال على الظنّ لم يصحّ الاتّكال على الظنّ في ذلك أيضا، بل المقصود أنّه لمّا قضى الدليل الظنّي بعدم حجّية الظنّ قضى ثبوت الحجّية بعدمها، و ما قضى وجوده بعدمه فهو باطل.

و قد يقال حينئذ: إنّ المدّعى حجّية الظنّ في الفروع، و ما دلّ على عدم حجّية الظنّ فإنّما هو في مسألة اصوليّة فلا يقضي القول بحجّيتها عدمها.

و فيه: أنّه يرجع الأمر في ذلك إلى الفروع، إذ مآله إلى الظنّ بعدم ثبوت الحكم الفرعي في شأننا (1) من جهة الظنّ، فلو كان الظنّ المتعلّق بالفروع حجّة لم يكن الظنّ بها حجّة، فتأمّل.

و منها: أنّ الظنّ المذكور في الآيات الشريفة لا يراد به العلم الراجح، بل هو مرادف للتردّد و الشكّ و التخمين، و ضعفه ظاهر، إذ لا داعي لحمل الظنّ على ذلك مع بعده عن ظاهر اللفظ في العرف و اللغة. و التزام التخصيص فيه لو حمل على معناه الظاهر نظرا إلى حجّية ظنون خاصّة قطعا بخلاف ما لو حمل على ذلك لا يقضي بالحمل عليه، لوضوح ترجيح التخصيص، مضافا إلى لزوم التخصيص مع الحمل عليه أيضا، لجواز العمل في بعض صور الشكّ في الواقع كما إذا لم يفد البيّنة ظنّا بالواقع، أو لم يحصل من الاستصحاب ظنّ به.

____________

(1) في «ف»: شأنها.

341

و منها: أنّ مفاد هذه الآيات عدم حجّية الظنّ من حيث هو، و أمّا إذا قام الدليل القاطع على حجّيته فليس الاتّكال على الظنّ، بل على القاطع الّذي دلّ على الأخذ بمقتضاه، فمفاد هذه الآيات هو ما دلّ عليه العقل من عدم جواز الاتّكال على مجرّد الظنّ على حسب ما بيّناه سابقا، و حينئذ فلا ترتبط بالمدّعى فإنّ من يقول بحجّية مطلق الظنّ إنّما يقول به من جهة قيام الدليل عليه كذلك، فمفاد هذه الآيات ممّا اتّفق عليه القائلون بالظنون الخاصّة و القائل بحجّية مطلق الظنّ، إلّا أنّ القائل بحجّية مطلق الظنّ إنّما يقول به بعد إقامة الدليل عليه كذلك كالقائل بحجّية الظنون الخاصّة، فلا دلالة في هذه الآيات على إبطال شي‏ء من الأمرين.

و منها: أنّ هذه الآيات عمومات و ما دلّ على حجّية ظنّ المجتهد ظنّ خاصّ قد قام الدليل القاطع على حجّيته، فلابدّ من تخصيص تلك العمومات.

و في هذين الوجهين ما سيأتي الإشارة إليه إن شاء اللّه تعالى.

و هناك إيرادات اخر على خصوص بعض تلك الآيات:

منها: ما اورد على الآية الاولى من أنّ المراد بالحقّ الثابت المعلوم، فالمقصود أنّ المعلوم الثابت لا يترك بالمظنون، إذ الظنّ لا يغني عنه حتّى يترك لأجله، و هو حينئذ ممّا لا كلام فيه و لا يفيد عدم جواز التمسّك بالظنّ مطلقا.

و فيه: أنّه خلاف ما يستفاد من ظاهر الآية فإنّ الظاهر أنّ المراد بالحقّ هو الأمر الثابت في الواقع و المراد بعدم إغناء الظنّ عنه عدم كونه طريقا موصلا إليه كافيا في الحكم به.

و قد فسّره بذلك الرازي في تفسيره أو أنّه يراد به العلم أيّ أنّ الظنّ لا يغني من العلم شيئا و لا يقوم مقامه، و قد فسّره الطبرسي به في المجمع، و على كلّ من الوجهين يفيد المقصود.

و منها: ما قد يورد على الآية الثانية من أنّ الذمّ هناك بمقتضى ظاهر الآية على حصرهم الأمر في اتّباع الظنّ. فغاية الأمر أن تدلّ الآية على لزوم تحصيل العلم في بعض المسائل، و عدم جواز الاقتصار على الظنّ في الجميع، و لا كلام لأحد فيه.

342

و فيه: أنّ ظاهر سياق الآية هو الذمّ على اتّباع الظنّ مطلقا، و حملها على إرادة الحصر الحقيقي لا يخلو عن بعد، بل قد يقطع بفساده. و على فرض حملها عليه فليس الذمّ واردا على خصوص الانحصار فيه، بل ظاهر السياق كون أصل الذمّ على اتّباع الظنّ، و إن كان حصر الأمر فيه أشنع كما تقول في مقام الذمّ لا يشتغل فلان إلّا بالعصيان، فإنّه يفيد شناعة أصل العصيان، كما لا يخفى.

و منها: ما قد يورد على الآية الثالثة من أنّه لا عموم فيها حتّى يشمل جميع الظنون، غاية الأمر دلالتها على عدم حجّية بعض الظنون أو عدم حجّية الظنّ مطلقا في بعض الأشياء، و لا كلام فيه، و أيضا أقصى ما يستفاد من الآية عدم جواز إسناد الحكم إليه تعالى على سبيل الجزم مع حصول الظنّ به، و أمّا إذا ابرز الحكم على سبيل الظنّ كما هو الواقع فلا دلالة فيها على المنع، و كذا لا دلالة فيها على المنع من العمل به.

و يدفع الأوّل أنّ في الإطلاق كفاية في المقام سيّما مع إشعاره بالعلّية، بل و دلالته فيها.

و الثاني أنّه لو جاز الإفتاء على سبيل الظنّ جاز الحكم على وجه البتّ أيضا من غير تأمّل لأحد فيه، فإذا دلّت الآية على المنع منه دلّت على المنع من الإفتاء رأسا، و مع المنع من الإفتاء مطلقا لا يجوز العمل به، إذ لا قائل بالفرق.

و منها: ما يورد على الآية الأخيرة و هو من وجوه:

أحدها: أنّها خطاب للنبي (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) فلا يعمّ غيره. و من البيّن أنّه مكلّف بالعمل بالوحي و لا يجوز له الأخذ بالظنّ، نعم فيها دلالة على بطلان قول من يجوز عليه الاجتهاد.

و قد يجاب عنها تارة: بأنّ ما دلّ على وجوب التأسّي قاض بجريان الحكم بالنسبة إلى امّته أيضا كيف؟ و الأصل الاشتراك في التكاليف إلّا أن يعلم اختصاصه به، و لذا حصرت خواصّه في امور معيّنة. و اخرى: بأنّه لا تأمّل لأحد في شمول الحكم المذكور للامّة إمّا لأنّ الخطاب إليه خطاب لامّته في الحقيقة حسب ما هو

343

المتداول في اختصاص الخطاب بالرئيس مع كون المطلوب حقيقة فعل الأتباع، أو للاتّفاق عليه نظرا إلى انحصار خواصّه (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) في امور لم يذكر ذلك في جملتها.

و يمكن دفع الوجهين بأنّا نسلّم الاشتراك، لكن مع الاتّفاق في ما يحتمل إناطة الحكم به، و ليس الحال كذلك في المقام، لوضوح الاختلاف حيث إنّه متمكّن من العلم، و ليس ذلك حاصلا لنا، إذ المفروض انسداد سبيل العلم بالنسبة إلينا، فأقصى الأمر أن يجري ذلك بالنسبة إلى المتمكّنين من العلم من امّته، و لا كلام فيه.

ثانيها: أنّه لا عموم في الآية لتفيد المنع من جميع الظنون و النهي عن بعضها ممّا لا كلام فيه، و قد فسّرها جماعة من المفسّرين بامور مخصوصة فقيل: معناه لا تقل سمعت و لم تسمع و لا رأيت و لم تر و لا علمت و لم تعلم، و قيل: معناه لا تقل في قفا غيرك شيئا، و قيل: هو شهادة الزور، و قيل: معناه لا ترم أحدا بما ليس لك به علم. و على كلّ من هذه التفاسير لا ترتبط بالمدّعى.

ثالثها: أنّه على فرض كونه للعموم إنّما يفيد رفع الإيجاب الكلّي دون السلب الكلّي، فهي إنّما تدلّ على النهي عن العموم لا عموم النهي كما هو المدّعى.

و الجواب عنها: أنّ الإطلاق هنا كاف في إفادة العموم لرجوع المطلق في المقام إلى العامّ، نظرا إلى دليل الحكمة، مضافا إلى وقوعه في سياق النهي الّذي هو بمنزلة النفي في اقتضائه عموم ما يقع في سياقه كما تقول: لا تهن العالم، و على كلّ من الوجهين فهو يفيد عموم النهي لا النهي عن العموم كما ظنّ.

و ما ذكر من كلام المفسّرين مبنيّ على إرادة المثال و مع الغضّ عنه فلا حجّة فيه مع مخالفته لظاهر الإطلاق.

و ممّا قرّرناه يظهر الإيراد على الأخبار المذكورة أيضا، فإنّه قد يناقش في إسنادها و دلالتها بأنّ أقصى ما تفيده الظنّ و حجّيته أوّل الكلام، بل نقول: إنّ مفادها عدم جواز الاتّكال على الظنون، فلو صحّ مفادها لما جاز الاعتماد عليها.

344

و يمكن الجواب عنها بنحو ما مرّ. و يرد عليها أيضا أنّ ما تفيده تلك الروايات عدم الاتّكال على الظنّ من حيث هو حسب ما ذكر في مفاد الآيات، و هو خارج عن محلّ الكلام.

و قد توافقت عن المنع منه الأفهام فلا تدلّ على المدّعى، و أيضا أقصى ما تفيده عموم المنع عن الأخذ بالظنّ، و قد خرج ظنّ المجتهد، للأدلّة القاطعة الدالّة على حجّيته، فأقصى ذلك تخصيص العامّ أو تقييد المطلق، لقيام الدليل عليه.

و يمكن دفع الوجهين بأنّ ذلك لا ينافي ما هو المقصود من الاحتجاج بتلك الظواهر، حيث إنّ المقصود من ذلك بيان أنّ مقتضى الأدلّة القائمة من الكتاب و السنّة عدم حجّية شي‏ء من الظنون إلى أن يقوم دليل على حجّيته، فإن تمّ الدليل على حجّية خصوص ظنّ المجتهد مطلقا فلا كلام و لم يزاحمه شي‏ء من تلك الظواهر، و إلّا كان مقتضى الدليل المذكور المنع من الأخذ به كذلك، و هو ظاهر، و سيأتي إن شاء اللّه توضيح القول فيه.

- الثاني-

الإجماع، و يقرّر بوجوه:

أحدها: الإجماع على عدم حجّية الظنّ و أنّ الحجّة إنّما هي العلم و أنّ على كلّ من الأحكام الشرعيّة دليلا قطعيّا يصل إليه الطالب، فلا فرق بينهما في ذلك، و لا وجه للرجوع إلى الظنّ في الفروع كما هو الحال في الاصول. يظهر ذلك من السيّد في ما حكي عنه قائلا: «إنّ الخلاف في فروع الدين يجري مجرى الخلاف في اصوله. و هذا المخالف في الأمرين على حكم واحد، لأنّ فروع الدين عندنا كاصوله في أنّ على كلّ واحد منها أدلّة قاطعة واضحة لا محالة، و أنّ التوصّل إلى العلم بكلّ من الأمرين يعني الاصول و الفروع ممكن صحيح، لأنّ الظنّ لا مجال له في شي‏ء من ذلك و لا الاجتهاد المفضي إلى الظنّ دون العلم، و الشيعة الإماميّة مطبقة على أنّ مخالفها في الفروع كمخالفها في الاصول في الأحكام» انتهى.

و الإجماع المذكور و إن قضى ببطلان القول بحجّية مطلق الظنّ إلّا أنّه مخالف‏

345

للقول بحجّية الظنون الخاصّة أيضا، نظرا إلى قضائه بعدم حجّية الظنّ مطلقا- كما ذهب إليه الأخباريّة- فلا يصحّ التمسّك به في المقام، بل لابدّ من القطع بفساده، لقيام الضرورة على حجّية الظنّ في الفروع في الجملة.

و قد يقال: إنّ ما ذكره السيّد (رحمه اللّه) إنّما كان بالنظر إلى زمانه الّذي لم ينسدّ فيه باب العلم و كان أخذ الأحكام من الأدلّة القطعيّة ممكنا حسب ما ذكره السيّد في مقام آخر أيضا.

و من البيّن أنّه مع عدم انسداد باب العلم لا داعي إلى القول بحجّية الظنّ بخلاف هذه الأزمنة و ما ضاهاها فلا يرتبط الإجماع المدّعى بالمقام، لكنّا نقول:

إنّ الظاهر أنّ انفتاح السبيل كذلك لم يكن حاصلا في عصره، بل و ما تقدّم على عصره أيضا، كيف! و لو كانت الأدلّة القطعيّة قائمة واضحة لما وقع هذه الاختلافات بين القدماء لبعد تفرّع الخلاف كذلك على الأدلّة القطعيّة النقليّة، و على فرض حصوله فإنّما يقع على سبيل الندرة، مع أنّ الخلاف الواقع بين القدماء لا يقصر عن الخلاف الحاصل بين المتأخّرين، و يشهد له أيضا ملاحظة طرق استدلالهم و وجوه احتجاجهم على المسائل، فإنّهم يتمسّكون غالبا بوجوه لا تفيد العلم بالواقع قطعا. فالدعوى المذكورة من السيد (رحمه اللّه) بعيدة جدّا، بل يكاد يقطع بخلافه. و يومئ إليه ما ذكره من قطع الإماميّة بأنّ مخالفها في الفروع كمخالفها في الاصول، فإنّه لا يعنى منه أنّ كلّا منهم يقطع بأنّ مخالفه في المسألة الفرعيّة و لو كان من الإماميّة كمخالفه في الاصول، للقطع بخلافه، كيف! و الاختلافات الواقعة بينهم معروفة واضحة، و لم يقطع أحد منهم بضلالة مخالفه و لا قطع موادّته، بل و لم يتحقّق منه جزمه لذلك و لا الظنّ فيه‏ (1) كما هو الحال في مخالفة الاصول، و هو من الامور الواضحة، بل الضروريّة بعد ملاحظة طريقتهم، و الظاهر أنّ مقصوده بذلك قطعهم بكون مخالفهم في الفروع من سائر المذاهب الآخذين فروعهم من غير الطرق المقرّرة في الشريعة عند الشيعة كمخالفهم في الاصول و إن كان المخالف‏

____________

(1) في «ق»: الطعن فيه.

346

في الفروع على الوجه المذكور هو المخالف في الاصول، إلّا أنّ الحيثيّة مختلفة و الجهة متعدّدة، و الظاهر أنّه (قدّس سرّه‏) عنى بقيام الدليل القاطع على كلّ مسألة من الفروع ما يعمّ القطع بالواقع و القطع‏ (1) بوجوب العمل، لاشتراكهما في القطع بالتكليف.

فلابدّ أن يكون الدليل مفيدا للقطع بالواقع أو (2) القطع بالتكليف بقيام القاطع على حجّيته حسب ما نصّ عليه في مقام آخر فلا يكتفى بمجرّد ما يفيد الظنّ بالواقع كما هو الحال في الاجتهاد المتداول بين العامّة، و لذا حكم بالمنع من الاجتهاد المفضي إلى الظنّ دون العلم.

و الحاصل: أنّ القطع بالطريق الموصل كالقطع بالواقع في قطع عذر المكلّف و وضوح التكليف عنده و بلوغ الحجّة بالنسبة إليه.

فإن قلت: إنّ مطلق الظنّ عند من يعمل به و يقول بحجّيته بتلك المثابة أيضا، فليس بناء العامّة على العمل بالظنّ إلّا مع القطع بحجّيته، و لذا قالوا: إنّ ظنّية الطريق لا تنافي قطعيّة الحكم.

قلت: مقصود السيّد من الإجماع المذكور هو دفع ذلك و الردّ عليه، و أنّ الظنّ مطلقا ممّا لا دليل على حجّيته، بل لابدّ من الأخذ بالعلم أو طريق قام الدليل العلمي على حجّيته، فما ادّعاه من الإجماع إنّما هو على أصالة عدم حجّية الظنّ و أنّ الحجّة إنّما هي الطرق الخاصّة الّتي دلّت عليه الأدلّة القاطعة، فمن أخذ الفروع من غير تلك الطرق العلميّة يحكمون بضلالته كالمخالف في اصول الدين و المذهب، و على هذا فيرجع ما ذكره من الإجماع إلى:

الوجه الثاني في تقرير الإجماع، و هو أن يدّعى الإجماع على أنّ الأصل الثابت بعد انسداد سبيل العلم هو عدم حجّية الظنّ مطلقا و إنّما الحجّة كلّ واحد من الطرق الخاصّة الّتي قامت عليها الأدلّة القاطعة في الشريعة.

و سيظهر دعوى الإجماع عليه كذلك من الشريف الاستاذ (قدّس سرّه‏) حيث ذكر في بعض تحقيقاته في دفع حجّية الشهرة أنّ اعتبارها مبنيّ على حجّية الظنّ مطلقا،

____________

(1) في «ف» و «ق»: أو القطع.

(2) في «ف» و بدل أو.

347

و ليس ذلك من مذهبنا و إن أوهمه بعض العبارات، و الحجّة عندنا ليس إلّا اليقين أو الظنّ المعتبر شرعا و هو المنتهي إلى اليقين- كظواهر الكتاب- و هو المطابق لما ادّعاه السيّد (رحمه اللّه) حسب ما عرفت فيتأيّد به الدعوى المذكورة، مضافا إلى ملاحظة طريقة العلماء خلفا عن سلف، فإنّه لا زال علماؤنا يستدلّون على حجّية الأدلّة الظنّية و الطرق الخاصّة بالأدلّة القائمة عليها من الكتاب و السنّة و غيرهما، و لم نجدهم يستندون إلى مجرّد كونه مفيدا للظنّ، و أيضا لا زالوا يتمسّكون في غير القطعيّات بالظنون الحاصلة من الكتاب و السنّة أو القواعد المأخوذة عنهما دون غيرهما، و على ذلك جرت طريقتهم من لدن أعصار الأئمّة (عليهم السّلام) إلى يومنا هذا، كما يظهر ذلك من ملاحظة الكتب الاستدلاليّة و مناظراتهم المحكيّة كيف! و لو كان مطلق الظنّ حجّة عندهم لأقاموا الدليل على ذلك و استراحوا عن مؤنة الأدلّة الخاصّة على الظنون المخصوصة، بل الّذي يظهر أنّ ذلك من طريقة العامّة حيث إنّهم يركنون إلى سائر ما يفيد الظنّ كما يشعر به كلام الشريف الاستاذ، و ربّما يشير إليه عبارة السيّد (رحمه اللّه)، و عليه مبنى الاجتهاد عندهم حيث إنّهم يطلبون به الظنّ بالحكم الشرعي، و لذا ورد ذمّ الاجتهاد في الأخبار، و أنكره علماؤنا يعنون به ذلك دون مطلق الاجتهاد، فإنّه مطلوب عندنا أيضا و إنّما يراد به بذل الوسع في تحصيل مفاد الأدلّة الّتي يقطع بحجّيتها و العمل بمؤدّاها، و تحصيل ما هو الأقوى منها عند تعارضها، و أين ذلك من الاجتهاد المطلوب عند العامّة؟ فمطلق الظنّ عندنا إنّما يعتبر في التراجيح الحاصلة بين ما يقطع بحجّيتها دون نفس الأدلّة.

و الحاصل: أنّ الحكم بانعقاد الإجماع على ما ذكرنا غير بعيد من ملاحظة طريقتهم و التأمّل في مطاوي كلماتهم حسب ما قرّرناه، و قد ادّعاه السيّدان الأفضلان حسب ما عرفت. و ربّما يدّعى الإجماع على عكس ذلك لبعض ما قد يوهم ذلك من كلماتهم، و هو توهّم فاسد كما سيجي‏ء الإشارة إليه.

ثالثها: أن يدّعى الإجماع على أنّ الظنّ ليس بحجّة إلّا ما قام الدليل القطعي أو المنتهي إلى القطع على اعتباره، فإن قام ذلك فلا كلام و إلّا بني على عدم‏

348

حجّيته. و الظاهر أنّه لا مجال لأحد في إنكاره حسب ما عرفت، بل هو ممّا اجتمعت عليه العقلاء كافّة، و إن فرض خلاف شاذّ فيه فهو من قبيل الخلاف في الضروريّات على نحو ما يقع من السوفسطائيّة، و حكاية إجماع المسلمين عليه مذكورة في كلام غير واحد من الأفاضل.

و اورد عليه: أنّ غاية ما يستفاد ممّا ذكر أنّ الظنّ ليس بحجّة من أوّل الأمر، و الأصل الأوّلي فيه عدم الحجّية على عكس العلم فلا يجوز التمسّك بشي‏ء من الظنون إلّا ما قام الدليل على حجّيته من مطلق الظنّ أو الظنون الخاصّة، و هذا كما عرفت خارج عن محلّ الكلام إنّما البحث في أنّ الأصل المذكور هل انقلب بعد انسداد باب العلم فصار الأصل الثانوي حجّية الظنّ حينئذ إلّا ما قام الدليل على خلافه، أو الأصل فيه أيضا عدم الحجّية و إنّما قام الدليل على حجّية ظنون مخصوصة؟ و لا ربط للإجماع المذكور بإثبات ذلك و نفيه، و انقلاب الاصول إلى اصول اخر بخلافها شائع في الفقه كحجّية شهادة العدلين و إخبار ذي اليد و دلالة يد المسلم على الطهارة بعد العلم بنجاسته، مع أنّ الأصل الأوّلي في الجميع على خلاف ذلك، و الكلام هنا في إثبات هذا الأصل، و لا يثبت بالإجماع المدّعى على ثبوت الأصل في التقدير الآخر.

قلت: المقصود من التمسّك بالإجماع المذكور بيان هذا الأصل المسلّم و أنّ قضيّة الأصل عدم حجّية شي‏ء من الظنون إلّا ما قام الدليل عليه، فالقائل بحجّية مطلق الظنّ حينئذ لا بدّ له من إقامة دليل علمي عليه، فإن تمّ له ذلك فلا كلام و إلّا لم يكن له بدّ من القول بنفي حجّية الظنّ بمقتضى الإجماع المذكور إلّا ما قام الدليل القاطع على حجّيته بالخصوص من الظنون فالإجماع القائم على الأصل الأوّلي كان حجّة على ثبوت الأصل في المقام الثاني بعد المناقشة في الدليل القائم على خلافه، فإذا لم ينهض دليل القائل بأصالة حجّية مطلق الظنّ بالأصل الثانوي حجّة في المقام انحصر الدليل بمقتضى الإجماع المذكور في الظنون الخاصّة من غير حاجة في إثبات هذا الأصل إلى إقامة دليل آخر، و هذا هو

349

المقصود من الاحتجاج المذكور، فمرجع هذا الدليل إلى الوجه السابق إلّا أنّ التفاوت بينهما أنّ ذلك الأصل قد يستدلّ عليه بعمومات الكتاب و السنّة، و قد يستدلّ عليه بالعقل حسب ما مرّت الإشارة إليه، فالأدلّة الأربعة مطابقة على إثبات الأصل المذكور، و هو قاض بعدم حجّية مطلق الظنّ و عدم جواز الاتّكال عليه إلّا ما قام دليل على حجّيته. فإذا نوقش في ما يستنهض دليلا على ذلك و لم نجد دليلا آخر سواه تمّ الاحتجاج المذكور، فيمكن أن يقرّر ذلك بالملاحظة المذكورة دليلا واحدا على المقصود، و يمكن أن يقرّر أدلّة أربعة نظرا إلى تعدّد الأدلّة القاضية به و لا مشاحّة فيه.

- الثالث-

أنّه لو كان مطلق الظنّ حجّة في الشريعة و كانت العبرة في استنباط الأحكام بعد انسداد باب العلم بالواقع بمطلق المظنّة لورد ذلك في الأخبار المأثورة و نصّ عليه صاحب الشريعة، بل تواترت فيه الروايات الواردة، إذ هو من المطالب المهمّة و ينوط به بقاء الشريعة و به يتّسق تكاليف الامّة فكيف يقع من صاحب الشريعة إهمال البيان؟! مع أنّا لا نجد في الكتاب و السنّة دلالة على ذلك و لا بيانا من صاحب الشريعة، بل و لا إشارة إليه في الروايات المأثورة، بل نجد الأمر بعكس ذلك حيث ورد في الأخبار ذمّ الآخذ بالظنّ و المنع من التعويل عليه، فعدم قيام الدليل من الشرع على حجّيته مع كون المسألة ممّا يعمّ به البليّة أقوى دليل على عدم ثبوت الحكم، بل قد ورد عنه طريق آخر لاستنباط الأحكام غير مطلق الظنّ قد وقع التنصيص عليه في أخبار كثيرة و هو الأخذ بالكتاب و السنّة و الأخبار المأثورة عن أهل بيت العصمة (عليهم السّلام).

و قد ورد الحثّ الأكيد على الرجوع إلى ذلك، ففيه أقوى دلالة على عدم الرجوع إلى مطلق الظنّ مع التمكّن من الرجوع إلى ذلك. نعم الرجوع إلى ما ذكر إنّما يكون غالبا على سبيل الظنّ، إلّا أنّه ظنّ خاصّ لا مدخل له بمطلق الظنّ، و من الغريب ما اورد في المقام أنّه قد ورد الأمر بالعمل بالظنّ في الأخبار،

350

فلا وجه لما يدّعى من عدم وروده في الأخبار مشيرا بذلك إلى الأخبار الدالّة على الأمر بالأخذ بالكتاب و السنّة، نظرا إلى أنّ الأخذ بهما غالبا إنّما يكون على سبيل الظنّ، إذ من الواضح أنّ ذلك أمر بالأخذ بالظنّ الخاص دون المطلق، فهو يؤيّد مقصود المستدلّ و يعاضد ما ادّعاه حسب ما ذكرنا لا أنّه ينافيه.

و قد يورد على الاحتجاج المذكور: بأنّه لم يكن سبيل العلم منسدّا في أزمنة المعصومين (عليهم السّلام) و إنّما حصل الانسداد بعد ذلك، و لو كان ذلك حاصلا في أزمنتهم صحّ ما ذكر في الاحتجاج، و أمّا إذا حصل بعد تلك الأزمنة فلا دلالة في خلوّ الأخبار عنه على عدم كونه طريقا، و عموم البلوى بها بعد ذلك لا يقضي بذكرها في الأخبار حال عدم الاحتياج إليها، و هذا هو الوجه في خلوّ الأخبار عن بيانه.

و يدفعه أنّه لو سلّم جواز إهمال الشارع لحال التكليف في زمن الغيبة مع اشتداد الحاجة إليه نقول: إنّ انسداد باب العلم كان حاصلا بالنسبة إلى كثير ممّن كان في أعصارهم (عليهم السّلام) سيّما من كان منهم في البلدان البعيدة و الأقطار النائية مع شدّة التقيّة، و في ملاحظة أحوال الرجال و ما يرى من اختلافهم في الفتاوى أقوى دلالة عليه، فمنع حصول الانسداد في تلك الأزمنة و إنكار شدّة الحاجة إلى حكمه ضعيف، فكيف يصحّ القول حينئذ بإهمالهم في بيان حكم المسألة و ركونهم إلى مجرّد حكم العقل مع ما يشاهد من إختلاف العقول في الإدراكات؟

- الرابع-

أنّ الظنون ممّا يختلف الحال فيها بحسب اختلاف السلائق و الأفهام فكيف‏ (1) يصلح أن يجعل مطلق الظنّ مناطا لاستنباط الأحكام؟ و إلّا لزم الهرج و المرج في الشريعة و عدم انضباط الأحكام الشرعيّة. نعم ما كان من الطرق الظنّية مضبوطة بعيدة عن الاضطراب- كظنون الكتاب و السنّة- لم يكن مانع من حجّيتها و الاتّكال عليها.

و فيه: أنّ ذلك إن تمّ فإنّما يتمّ بالنسبة إلى الظنون الّتي لا معيار لها كالأهواء و الآراء و الاستحسانات العقليّة و الوجوه التخريجيّة، و لا كلام عندنا في عدم صحة

____________

(1) في «ف» و «ق» بدل «فكيف»: فلا.

351

الاستناد إليها و قضاء الإجماع، بل الضرورة بعدم الاعتماد عليها، و أمّا ما سوى ذلك من الظنون فلا يجري فيها الوجه المذكور.

و يمكن دفعه: بأنّ ذلك خلاف ما اختاروه، فإنّهم إنّما (1) يقولون بقضاء العقل بحجّية الظنّ مطلقا، و إنّما قالوا بعدم جواز الاستناد إلى الظنون المذكورة لوجود المانع عنه، و إلّا فالمقتضي لجواز الاتّكال عليها موجود عندهم حسب ما قرّروه، و الوجه المذكور يدفعه.

نعم يمكن أن يقال: إنّه ليس الكلام في بناء الشريعة على الظنون إلّا حين انسداد سبيل العلم و حصول الضرورة الملجئة إليها، و اختلافها في الانضباط و عدمه إنّما يقضي بقوّة المنضبط و ضعف غيره، و ذلك إنّما يقضي بعدم جواز الأخذ بالضعيف مع التمكّن من الأقوى، و لا كلام فيه لتعيّن الرجوع إلى الأقوى حينئذ.

و أمّا مع عدم حصول الأقوى فلا ريب أنّ الأخذ بالضعيف أولى من الأخذ بخلافه و أقرب إلى إصابة الواقع، فهو في حال الضرورة بالترجيح أحرى، و المفسدة اللازمة في الأخذ بخلافه أقوى.

هذا و ربّما استدلّ بعضهم في المقام بأنّه لا دليل في الشرع على حجّية مطلق الظنّ حين انسداد باب العلم، و إنّما الدليل عليه عند القائل به هو العقل و هو لا يفيد وجوب الأخذ به شرعا كما هو المقصود، إذ الوجوب الشرعي لا يثبت إلّا بحكم الشرع دون العقل، و هذا الوجه موهون جدّا، لأنّه مبنيّ على أصل فاسد مقطوع بفساده، أعني نفي الملازمة بين العقل و الشرع و إنكار كون العقل القاطع من أدلّة الشرع، و قد قرّر وهنه في محلّه مستقصى.

[وجوه تصحيح القول بحجّية الظنون الخاصّة]

ثمّ إنّ لنا طرقا اخرى في المقام و وجوها شتّى في تصحيح هذا المرام نوضح القول في بيانها، و نشير إلى ما يرد عليها و ما به يمكن دفعه عنها.

أحدها:

أنّه لا ريب في كوننا مكلّفين بأحكام الشريعة و أنّه لم يسقط عنّا التكاليف‏

____________

(1) كذا، و الظاهر: لا.

352

و الأحكام الشرعيّة في الجملة و أنّ الواجب علينا أوّلا هو تحصيل العلم بتفريع الذمّة في حكم المكلّف بأن يقطع معه بحكمه بتفريغ ذمّتنا عمّا كلّفنا به و سقوط التكليف عنّا سواء حصل منه العلم بأداء الواقع أو لا، حسب ما مرّ تفصيل القول فيه.

و حينئذ نقول: إن صحّ‏ (1) لنا تحصيل العلم بتفريغ الذمّة في حكم الشارع فلا إشكال في وجوبه و حصول البراءة به، و إن انسدّ علينا سبيل العلم به كان الواجب علينا تحصيل الظنّ بالبراءة في حكمه، إذ هو الأقرب إلى العلم به فيتعيّن الأخذ به عند التنزّل من العلم في حكم العقل بعد انسداد سبيل العلم و القطع ببقاء التكليف دون ما يحصل معه الظنّ بأداء الواقع كما يدّعيه القائل بأصالة حجّية الظنّ، و بينهما بون بعيد، إذ المعتبر في الوجه الأوّل هو الأخذ بما يظنّ كونه حجّة لقيام دليل ظنّي على حجّيته سواء حصل منه الظنّ بالواقع أو لا، و في الوجه الثاني لا يلزم حصول الظنّ بالبراءة في حكم المكلّف، إذ لا يستلزم مجرّد الظنّ بالواقع ظنّا باكتفاء المكلّف بذلك الظنّ في العمل سيّما بعد ما ورد من النهي عن العمل بالظنّ و الأخذ به، فإذا تعيّن تحصيل ذلك بمقتضى حكم العقل حسب ما عرفت لزم اعتبار أمر آخر يظنّ معه برضاء المكلّف بالعمل به، و ليس ذلك إلّا الدليل الظنّي الدالّ على حجّيته، فكلّ طريق قام دليل ظنّي على حجّيته و اعتباره في نظر الشرع يكون حجّة دون ما لم يقم عليه ذلك.

فإن قلت: إن قام أوّلا طريق مقرّر من الشرع في الوصول إلى الحكم و الحكم معه بتفريغ الذمّة عن التكليف فلا كلام، و إن لم يقم فالواجب أوّلا تحصيل العلم بالواقع، فمع تعذّره ينوب منابه الظنّ بالواقع، أو يقال: إنّه إن لم يقم طريق مقرّر من الشارع للوصول إلى الواقع كان العلم هو الطريق الواقع، و إن قام اكتفى بما جعله طريقا، فإن لم يثبت عندنا ذلك أو ثبت و انسدّ سبيل العلم به كان المرجع هو العلم بالواقع، إذ القدر المسلّم من التكليف بالرجوع إلى الطريق إنّما هو مع العلم به، و بعد انسداد سبيل العلم به يرجع إلى الظنّ بالواقع حسب ما قرّروه.

____________

(1) في «ق»: إن أمكن.