هداية المسترشدين - ج3

- الشيخ محمد تقي الأصفهاني النجفي المزيد...
732 /
703

تعاقب فتاوى عديدة لاجتهاد واحد. و كذا لو كان مستحضرا للدليل على سبيل التفصيل قاطعا بعدم انقلاب رأيه بالنظر الجديد، و كأنّه ممّا لا ينبغي الخلاف فيه.

و لا يبعد جريان ذلك فيما إذا قطع بعدم انقلاب رأيه بتجديد الاجتهاد و لو لم يكن مستحضرا للدليل. و إن عثر على معارض للدليل الّذي اعتمد عليه، أو عنّ له بعض الوجوه الدافعة لاستدلاله و نحو ذلك، فالظاهر أنّه لا تأمّل في وجوب تجديد النظر و ملاحظة الراجح، سيّما إذا تراخى إفتاؤه عن الاجتهاد و لو بالنظر إلى الواقعة الاولى، لوجوب بذل الوسع على المجتهد. و عدم عثوره أوّلا على المعارض إنّما يصحّح حكمه في تلك الحال دون الحالة الثانية، فلا يصحّ له الحكم قبل إمعان النظر فيه ثانيا. و قد نبّه عليه بعض الأفاضل و كأنّه ممّا لا خلاف فيه أيضا.

و إن تراخى إفتاؤه عن النظر الأوّل من غير أن يعرض له ما يعارض دليله على المسألة و احتمل عدوله عن الحكم بعد تجديد النظر ففي وجوبه حينئذ للواقعة الثانية الوجوه المذكورة، أجودها: القول بعدم الوجوب، و يدلّ عليه- بعد الاستصحاب بالتقريب المذكور المعتضد بالشهرة- كما نصّ عليه بعضهم أنّه لا كلام ظاهرا في جواز جريان المقلّد على تقليد المجتهد ما لم يعلم رجوعه عن الحكم، و هو لا يتمّ إلّا مع حجّية ظنّه بالنسبة إلى الوقائع المتأخّرة من غير اختصاص لها بالواقعة الاولى و الأزمنة المقاربة لزمان اجتهاده، إذ لو كان طول المدّة باعثا على عدم اعتماد المجتهد على ظنّه الأوّل و لزمه تجديد النظر و الاجتهاد ثانيا للواقعة المتأخّرة كان عدم اعتماد المقلّد على فتواه أولى، لظهور كون رجوعه إلى ظنّ المجتهد فرع حجّية قول المجتهد. فلو لم يجز له البناء على ظنّه السابق و لم يكن ذلك الظنّ حجّة في شأنه فوجب عليه تجديد النظر لم يجز لمقلّده البناء على فتواه السابق، و وجب عليه الرجوع ثانيا لاستعلام ما يؤدّى إليه نظره الثاني، و لم نقف إلى الآن على من أوجب عليه ذلك و قال بعدم مضي الاجتهاد الأوّل في شأنه بعد طول المدّة بالنسبة إلى الوقائع المتأخّرة: بل ظاهر

704

كلامهم الإطباق على جواز الجري على ذلك إلى أن يعلم رجوع المجتهد عنه.

نعم فرّق بعض العامّة في المقام فرجّح وجوب تجديد السؤال عند تجدّد الواقعة إذا علم استناد المجيب إلى الرأي و القياس أو شكّ فيه و كان المقلّد حيّا و قطع بعدم الوجوب في غيره، و هو وجه ضعيف مبنيّ على اصولهم. و أيضا الظاهر إطباقهم على جواز حكاية المقلّد فتاوى المجتهد لسائر المقلّدين و جواز أخذهم بذلك مع وثاقة الواسطة و لو بعد طول المدّة، و لا يتمّ ذلك إلّا مع حجّية ظنّه بالنسبة إلى الوقائع المتأخّرة، و يؤيّده ما مرّ من لزوم العسر و الحرج. و القول بالفرق بين نسيانه دليل المسألة و تذكّره لها، ممّا لا يظهر له وجه يعتمد عليه كما عرفت. و كذا القول في التفصيل الآخر.

نعم لو كان الأمر بحيث يرتفع معه وثوق المجتهد بما أفتى به و أوجب تزلزله في المسألة فلا يبعد القول بوجوب تكرار النظر ليحصل الوثوق و الاطمئنان، و الظاهر جريان ذلك بالنسبة إلى فتواه الأوّل أيضا إذا تخلّل فصل بينه و بين زمان الاجتهاد مع خروجه عن محلّ البحث على ما هو ظاهر عناوينهم.

و الحاصل: أنّه مع بقاء اطمئنان المجتهد بما ظنّه و وثوقه بكونه مقتضى الأدلّة الشرعيّة، لا ينبغي الإشكال في عدم وجوب تجديد النظر. و أمّا مع انتفاء وثوقه إمّا لعدم اعتماده على نظره السابق، أو لاحتمال عثوره على ما لم يعثر عليه أوّلا من المدارك- بحيث يضطرب و يتزلزل في كون ما أدركه هو مقتضى الأدلّة- فلا يبعد حينئذ وجوب التجديد سيّما إذا لم يبق له ظنّ بالحكم.

فإن قلنا بخروج هذه الصور عن محلّ البحث- بناء على النزاع فيما إذا بقى ظنّ المجتهد على الصفة الّتي يطلب حين الاجتهاد بأن يطمئنّ كون ذلك مقتضى الأدلّة و يحسّ من نفسه العجز عن تحصيل غيره لو فرض كونه حكم اللّه بحسب الواقع- كان ذلك اختيارا لما هو المشهور و إلّا كان تفصيلا آخر، و لا مانع من عدم العثور على من ذهب إليه، إذ لا إجماع على خلافه.

هذا و ربما يتخرّج على هذه المسألة الاجتهاد المتعلّق بالموضوعات فهل‏

705

يجب التكرار هناك بتكرّر الحاجة أو لا؟ كما إذا اجتهد في طلب القبلة لصلاة فحضرت اخرى، أو طلب الماء للتيمّم مرّة فأحدث ثمّ أراد أن يتيمّم اخرى، أو زكّي الشاهد عند الحاكم لقبول شهادته في واقعة و شهد في اخرى، و نحو ذلك فقد يقال بوجوب التكرار هنا بناء على وجوب التكرار في الاجتهاد المتعلّق بالأحكام، و عدمه بناء على عدم وجوبه هناك، و الأظهر انتفاء الملازمة بين الأمرين، و المتّبع هو ما يقتضيه الدليل في خصوص كلّ من تلك المقامات.

- المسألة الثالثة- [في عدول المجتهد عن رأيه‏]

إذا حكم المفتي بشي‏ء ثمّ عدل عنه وجب عليه الأخذ بمقتضى اجتهاده الثاني سواء كان قاطعا أوّلا بالحكم ثمّ ظنّ خلافه أو بالعكس، أو كان الحكمان ظنّيين مختلفين في القوّة أو متّفقين، و سواء كان أقوى نظرا و أوسع باعا حال اجتهاده الأوّل أو بالعكس، أو تساوى حاله في الحالين. و كذا الحال بالنسبة إلى من قلّده فيه فإنّه يجب عليه العدول عن فتواه الأوّل مطلقا بلا خلاف ظاهر في شي‏ء من المقامين، بل قد حكي الإجماع على الأمرين.

ففي شرح المبادئ: إذا اجتهد في مسألة فأدّاه اجتهاده إلى حكم ثمّ اجتهد في تلك المسألة فأدّاه اجتهاده إلى غير ذلك الحكم فإنّه يجب عليه الرجوع إلى ما أدّاه اجتهاده ثانيا إليه إجماعا، و يجب على المستفتي العمل بما أدّاه اجتهاده إليه ثانيا و الرجوع عن الأوّل إجماعا. انتهى.

و ظاهره دعوى الإجماع على تعيّن أخذ المقلّد بفتواه الثاني، و هو غير ظاهر، إذ بعد رجوعه عن تقليده في حكمه الأوّل لا دليل على تعيّن أخذه بالحكم الثاني، لجواز رجوعه حينئذ إلى مجتهد آخر، كما هو قضيّة الأصل. و قد ينزّل العبارة على تعيّن أخذه بالفتوى الثاني إن أراد الرجوع إليه و الفرض بيان عدم جواز أخذه بفتواه الأوّل، أو بحمل الوجوب على التخييري. و كيف كان فالمتعيّن رجوع المقلّد عن حكمه الأوّل، و يتخيّر حينئذ بين الأخذ بفتواه الثاني أو الرجوع إلى غيره على ما كان تكليفه في ذلك قبل تقليده فيه.

706

و يظهر من الفقيه الاستاد (قدّس سرّه‏) احتمال الفرق بين ما إذا كان عدول المجتهد عن فتواه الأوّل على سبيل القطع أو الظنّ، فقد قطع في الأوّل بعدول المقلّد عن الأوّل و أخذه بالثاني، و جعل ذلك في الثاني هو الأقوى.

قال (قدّس سرّه‏): و إن علم عدوله عن حكم مخصوص بطريق علمي عدل ممّا كان عليه أوّلا إلى ما صار إليه أخيرا و إن كان ظنّيا كان الأقوى ذلك أيضا و إن لم نوجب هنا قضاء ما عمل أوّلا و لا إعادته، و كان الوجه فيه أنّ كلا من فتواه الأوّل و الأخير ظنّي فلا وجه لترجيح الثاني. و فيه: أنّه بعد عدوله عنه يكون حاكما بفساد ظنّه الأوّل، فقضيّة الرجوع إليه ترك الأخذ بحكمه الأوّل، مضافا إلى الاتّفاق عليه ظاهرا. و قد عرفت إطلاق ما حكي من الإجماع، فالوجه المقابل للأقوى ضعيف جدّا. و هل يجب على المفتي إعلام من قلّده برجوعه؟ وجهان، بل قولان، فظاهر العلّامة في غير واحد من كتبه وجوب ذلك، و ظاهر المحقّق عدمه حيث جعل التعريف أولى، و هو الظاهر من السيّد العميدي حيث جعله أليق.

و احتجّ للأوّل: بأنّ المقلّد إنّما عمل في المسألة بقول المفتي و المفروض رجوعه عنه، فلو استمرّ لبقي عاملا بالحكم من غير دليل و لا فتوى مفت. و أنّه روي عن ابن مسعود: أنّه كان يقول باشتراط الدخول في تحريم الزوجة، فلقي أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) و ذاكرهم فكرهوا، فرجع ابن مسعود إلى من أفتاه بذلك قال: سألت أصحابي فكرهوا.

و أنت خبير: بأنّ ما حكي عن ابن مسعود على فرض صحّته و دلالته على رجوعه و على كون الإعلام على سبيل الوجوب لا حجّة فيه. و أمّا ما ذكر من لزوم كونه عاملا بالحكم من غير دليل و لا فتوى مفت فمدفوع، بأنّ المفروض كونه آخذا بالحكم عن فتوى المفتي بانيا على استمراره من جهة الاستصحاب المقطوع حجّيته في مثل المقام، فلا يكون أخذه بالحكم خاليا عن المستند، و لذا يحكم بصحّة أعماله.

حجّة القول الثاني: الأصل السالم عن المعارض، لبطلان حجّة القائل‏

707

بالوجوب، و لزوم الضيق و الحرج الشديد بناء على وجوب الإعلام سيّما مع تشتّت المقلّدين في البلدان، و ظاهر السيرة المستمرّة الجارية بين العلماء الأعلام لشيوع تجدّد الآراء مع عدم تعرّضهم للإعلام، مضافا إلى ما في ذلك من سقوط اعتماد العامّة على اجتهاد المجتهدين و تنفّر طباعهم عمّا يفتون به من أحكام الدين.

أقول و توضيح الكلام في المرام مع خروج من خصوص المقام أن يقال: إنّ الرجوع عن الحكم إمّا أن يكون في الأحكام أو في الموضوعات، و على كلّ حال فإمّا أن يكون من المجتهد أو من المقلّد- كما إذا حكى العدل فتوى المجتهد ثمّ تبيّن له فساد حكايته، أو شهد في خصوص واقعة ثمّ تبيّن له خلافه- ثمّ الرجوع إمّا أن يكون بقطعه بخلاف ما حكم به أو بظنّه ذلك أو بتردّده فيه، ثمّ إنّ ذلك إمّا أن يكون في المسائل القطعيّة الّتي لا تكون مورد الاجتهاد أو غيرها من المسائل الاجتهاديّة، و على كلّ حال فإمّا أن يعلم بأخذ الغير بقوله و جريه عليه بعد ذلك أو يعلم بعدمه أو لا يعلم شيئا منهما.

فنقول: إنّ الّذي يقتضيه الأصل في جميع ذلك في صورة علمه بعمل الغير به هو وجوب الإعلام مع الإمكان، نظرا إلى أنّ إيقاع المكلّف إلى ما يخالف الواقع علما أو ظنّا إنّما كان من جهته فلابدّ من تنبيهه و إرجاعه عن ذلك. و جواز عمله به قبل علمه بالحال لا يقضي بجواز إبقائه على حاله، إذ المفروض كون جواز الجري عليه من جهة جهله بالحال و كونه معذورا من جهته لا لكونه هو المكلّف به بحسب الواقع.

ألا ترى أنّه لا مجال لإنكار وجوب الإعلام في كثير من صور المسألة، كما إذا شهد الشاهد عند الحاكم ثمّ تفطّن أنّ الأمر على خلاف ما شهد به، و كذا الحال فيما إذا علم باشتباهه في حكاية قول المجتهد. و كذا لو علم المجتهد بفساد حكمه الأوّل سيّما فيما يتعلّق بأموال الناس. و لو تمّ ما ذكر لم يجب الإعلام في شي‏ء من الصور المذكورة مع وضوح خلافه.

708

نعم لو قلنا بأنّ كلّا من حكمي المجتهد حكم ظاهري تكليفي يجوز الجري عليه في حكم الشرع إلّا أن يعلم عدوله عنه- فلا يكون العدول باعثا على رجوع المقلّد عن الأوّل في حكم الشرع إلّا بعد بلوغه إليه فيكون عدوله حينئذ كعدمه بالنسبة إليه- أمكن القول بعدم وجوب الإعلام إلّا أنّ الظاهر خلافه، إذ المكلّف به بحسب الواقع أمر واحد و الطريق إليه في ظاهر الشرع هو ما ظنّه المجتهد، و المفروض صيرورة ظنّه الأوّل وهما خارجا عن كونه مظنونا، فوجب على المجتهد و من يقلّده الأخذ بالثاني. و جواز أخذ المقلّد بالأوّل قبل علمه به إنّما هو لحكمه ببقاء الظنّ و معذوريّته في جهالته بذلك على نحو نظائره عن موارد الجهل حسب ما أشرنا إليه، فوجوب عمله بذلك فعلا لكونه هو المظنون عند المجتهد فعلا لا يجعل الأخذ به حكما شرعيّا من حيث تعلّق ظنّ المجتهد به في الزمان السابق و جهله بعدوله عنه، و بون بيّن بين الاعتبارين، و عدم وجوب الإعلام إنّما يتفرّع على الثاني فلا تغفل.

هذا، و إن علم عدم الأخذ به فالظاهر عدم وجوب الإعلام مطلقا لانتفاء الباعث عليه، و مجرّد اعتقاده بما يخالف الواقع لا يقضي بوجوب الإعلام. و أمّا مع جهله بالحال ففي وجوب الإعلام وجهان: من الأصل، و مراعاة الاحتياط، لاحتمال أخذه به، فلابدّ من إعلامه لئلّا يقع في الخطأ من جهته. إذا عرفت ذلك تبيّن لك ما يرد على الأدلّة المذكورة للقول بعدم وجوب الإعلام، أمّا الأصل فبما عرفت. و أمّا لزوم الضيق و الحرج فإنّما يتمّ لو قلنا بوجوب ذلك و لو مع جهله بعمله به، و أمّا إذا قلنا باختصاصه بما إذا علم بذلك فلا، لتوقّفه على العلم بحاجة المقلّد إلى تلك المسألة و بنائه في العمل على مجرّد الفتوى دون الرجوع إلى الاحتياط، و العلم بذلك ليس أغلبيّا حتّى يلزم العسر و الحرج. و منه يظهر ما في دعوى السيرة، إذ قيامها في صورة العلم بالأمرين غير واضح، فأقصى ما يلزم من ملاحظة السيرة عدم وجوب الإعلام مطلقا، لا عدم وجوبه مع علمه بعمل المقلّد بفتواه السابق. فغاية ما يسلّم من لزوم الحرج و دعوى السيرة هو عدم وجوب الإعلام مع الشكّ في عمل المقلّد بفتواه، و هو لا يستلزم المدّعى.

709

فظهر بما قرّرنا أنّ الحكم بعدم وجوب الإعلام مطلقا كما يظهر من بعض الأفاضل ليس على ما ينبغي، بل الظاهر فيما إذا قطع‏ (1) ببطلان فتواه السابق و علم عمل المقلّد به سيّما إذا كان المسألة قطعيّة. و أمّا إذا ظنّ بخلافه أو تردّد في المسألة مع قضاء أصل الفقاهة عنده بخلاف ما أفتى به أوّلا فالحكم بعدم وجوب الإعلام مع العلم بعمل المقلّد به لو لا إعلامه بالحال لا يخلو عن الإشكال، سيّما بالنسبة إلى مسائل المعاملات مع تصريح جماعة هناك بعدم مضيّ ما وقع بفتوى المجتهد حال ظنّه بالحكم بعد رجوعه عنه إذا لم يضمّ إليه حكم الحاكم كما سيجي‏ء الإشارة إليه إن شاء اللّه.

و لو سلّم قيام السيرة في المقام أو لزوم الضيق و الحرج التامّ فإنّما هو في هذه الصورة دون غيرها، فلابدّ من الاقتصار عليها في الخروج عن مقتضى القاعدة المذكورة فتأمّل.

بقي الكلام في المقام في الأعمال الواقعة على مقتضى فتواه الأوّل قبل رجوعه عنه، فهل يحكم بمضيّها بعد العدول عنه أو لا؟ و تفصيل القول في ذلك أنّ الأخذ بالفتوى الأوّل إمّا أن يكون في العبادات و الطاعات أو في العقود و الإيقاعات أو في الأحكام، و على كلّ حال فإمّا أن يقطع المفتي بفساد فتواه السابق أو يظنّه أو يتردّد فيه، و على كلّ حال فإمّا أن يكون المسألة قطعيّة أو اجتهاديّة، ثمّ إنّه إمّا أن يراد معرفة حال العمل الواقع عن المفتي أو الأعمال الواقعة عن مقلّديه.

فنقول: إن كانت المسألة قطعيّة و قد قطع المفتي بذلك، فالظاهر حينئذ فساد ما أتى به من الأفعال الواقعة على مقتضى فتواه الأوّل، لعلمه بوقوعه على خلاف ما قرّره الشارع، من غير فرق في ذلك بين العبادات و المعاملات.

____________

(1) العبارة غلط و الغرض بيان أولويّة هذه الصورة في الحكم بوجوب الإعلام و أنّ الحكم في هذه الصورة مقطوع به و لا يبعد أن يكون في الأصل هكذا، بل قطعيّ البطلان. هامش المطبوع.

710

و الحقّ انتفاء الاثم عنه مع عدم تقصيره في استنباط الحكم، كما مرّت الإشارة إليه. و كذا الحال بالنسبة إلى مقلّده إذا رجع إليه أو إلى غيره ممّن يعتقد كون المسألة قطعيّة، و أمّا إذا رجع إلى من يعتقد كونها اجتهاديّة فحكم بصحّة ما فعله اجتزى به، و لا يلزمه الرجوع إلى المفتي الأوّل إلّا أن يكون قد تعيّن عليه تقليده من جهة اخرى، و وقوع عباداته على مقتضى الأمر لا يقضي بصحّتها، لكون الأمر ظاهريّا صرفا و هو لا يقضي بالإجزاء بعد انكشاف الخلاف. و إن ظنّ خلاف ما أفتى به أو تردّد فيه مع قضاء اصول الفقاهة عنده بخلاف فتواه السابق جرى حكم العدول في المسائل الاجتهاديّة بالنسبة إليه، لاندراج المسألة في جملتها بحسب اعتقاده. و كذا الحال فيمن قلّده إن رجع في ذلك إليه أو إلى من يوافقه في ذلك. و إن رجع إلى من يعتقد كون المسألة قطعيّة جرى عليها حكمها المتقدّم من البناء على الفساد، كما أنّه يحكم بعدم ترتّب الآثار على العقود و الإيقاعات المفروضة الواقعة عن المجتهد المفروض و من قلّده في ذلك، إذ أقصى ما يترتّب على الاجتهاد حينئذ ارتفاع الاثم، و أمّا الصحّة الشرعيّة فلا، كما عرفت.

و إن كانت المسألة اجتهاديّة لكن بلغ اجتهاده الثاني إلى حدّ القطع بفساد الأوّل، فالّذي نصّ عليه بعضهم هو الحكم بفساد ما أتى به من العبادات الواقعة على النحو المذكور، فيجب عليه الإعادة و القضاء فيما يثبت فيه القضاء بالفوات، و يدلّ عليه ما أشرنا إليه في الصورة المتقدّمة و هو الأظهر. و ظاهر بعض فضلاء العصر عدم وجوب الإعادة و القضاء في المقام و في المسألة المتقدّمة أيضا- نظرا إلى قضاء الأمر بالإجزاء و عدم تكليفه بغير ما أدّى إليه الاجتهاد، إذ المفروض بذل وسعهم في فهم المسألة- و هو ضعيف، لما عرفت من كون تكليفه بما أدّى إليه ظنّه ظاهريّا فلا يراد منه الأخذ بالظنّ إلّا من حيث كونه كاشفا عن الواقع موصلا إليه، و الفعل المفروض مطلوب شرعا من حيث إنّه واقع لا من حيث ذاته و لو مع مخالفته للواقع، فلمّا كان ذلك قبل انكشاف الخلاف محكوما في الشرع بأنّه الواقع كان مجزيا، فبعد انكشاف المخالفة لا يمكن الحكم بأداء الواجب، فيجب عليه‏

711

الإعادة في الوقت و القضاء في خارجه فيما ثبت وجوب قضائه بعد فواته.

و سيأتي إن شاء اللّه توضيح القول في ذلك في مباحث التقليد. هذا بالنسبة إلى العبادات. و أمّا بالنظر إلى غيرها من العقود و الإيقاعات و الأحكام فلابدّ من حكمه بالنقض إلّا فيما إذا انضمّ إلى الفتوى حكم الحاكم فيجري فيه الكلام الآتي، و الوجه فيه ظاهر بعد القول بالتخطئة و عدم كون فتوى المجتهد باعثا على تغيير الحكم بحسب الواقع، و الظاهر أنّه ممّا لا كلام فيه عندنا. و لا فرق فيه أيضا بين الأعمال الصادرة عن المجتهد أو عن مقلّديه إن رجعوا في ذلك إليه. و أمّا إن رجعوا إلى غيره ممّن لا قطع له بالحكم فحكم بصحّة الأفعال الواقعة منهم جروا عليه.

و إن بلغ اجتهاده الثاني إلى حدّ الظنّ أو تردّد في المسألة و قضى أصل الفقاهة عنده بخلاف ما أفتى به أوّلا فظاهر المذهب عدم وجوب الإعادة و القضاء للعبادات الواقعة منه و من مقلّديه، و يدلّ عليه بعد لزوم العسر و الحرج في القول بوجوب القضاء أنّ غاية ما يفيده الدليل الدالّ على وجوب الأخذ بالظنّ الأخير هو بالنسبة إلى حال حصوله و أمّا بالنظر إلى ما قبل حصوله فلا دليل على وجوب الأخذ به، و قد وقع الفعل المفروض على مقتضى حكم الشرع، و ما دلّ عليه الدليل الشرعي فيكون مجزئا، و الظنّ المذكور القاضي بفساده لم يقم دليل على وجوب الأخذ به بالنسبة إلى الفعل المتقدّم. و حينئذ فلا داعي إلى الخروج عن مقتضى الظنّ الأوّل بعد وقوع الفعل حال حصوله و كون إيقاعه على ذلك الوجه مطلوبا للشرع، و منه يعلم الحال بالنسبة إلى من قلّده.

نعم لو سئل عن الواقعة المفروضة غير من قلّده و كانت المسألة قطعيّة عند من استفتاه فأفتاه بوجوب الإعادة و القضاء لزمه ذلك.

فإن قلت: إنّه كما قضى الظنّ الأوّل بصحّة الفعل الواقع على مقتضاه فقد قضى الظنّ الثاني باشتغال الذمّة بالفعل المطابق لمقتضاه، فغاية الأمر حينئذ عدم وجوب القضاء لعدم تحقّق صدق الفوات، و أمّا الإعادة فلا وجه لسقوطه عنه، إذ مع بقاء

712

الوقت و قضاء الظنّ الثاني باشتغال الذمّة بأداء الفعل على الوجه الّذي اقتضاه الظنّ المفروض لابدّ من الإتيان به على ذلك الوجه، فلا يفتقر الحكم بالاشتغال حينئذ إلى تعلّق أمر آخر حتّى يمكن دفعه بالأصل.

قلت: بعد الحكم شرعا بحصول البراءة بأداء الفعل على مقتضى الظنّ الأوّل لا يبقى مجال للحكم بالاشتغال به بناء على الوجه الثاني، لوضوح أنّه ليس هناك إلّا تكليف واحد، فإذا كان الوجه الأوّل طريقا إلى تفريغ الذمّة شرعا و لم يقم دليل على فساد ذلك الطريق و عدم جواز الأخذ به صحّ الحكم بالبراءة، و حينئذ فلا وجه للحكم بالاشتغال من جهة الظنّ الثاني. نعم لو لم يأت بالفعل على الوجه الأوّل تعيّن الإتيان به على نحو ما يقتضيه الظنّ الثاني.

فإن قلت: كما قضى الظنّ الأوّل بحصول البراءة بإتيان الفعل على الوجه الأوّل فقد قضى الظنّ الثاني بعدم حصول البراءة إلّا بإتيانه على الوجه الثاني، و كما أنّ الأوّل طريق شرعي فكذا الثاني فأيّ وجه للترجيح؟

قلت: لا ريب أنّه بعد تعارض الظنّين المفروضين لا وجه للحكم بترجيح الأوّل بل يتعيّن الأخذ بالثاني، كما إذا لم يأت به على الوجه الأوّل حسب ما ذكرناه. و أمّا في الصورة المفروضة فلا تعارض بين الظنّين المفروضين، إذ بعد الحكم بحصول البراءة بالفعل الأوّل لا اشتغال في ظاهر الشرع حتّى تكون قضيّة الثاني توقّف البراءة عنه بإتيانه على الوجه الثاني.

نعم لو قضى الظنّ الثاني بعدم حصول البراءة بما أتى به أوّلا تمّ الكلام المذكور، إلّا أنّك قد عرفت أنّه لا دليل على حجّية الظنّ الثاني إلّا بالنسبة إلى ما بعد حصوله أمّا بالنظر إلى الفعل الواقع قبل حصوله فلا. و حينئذ فمع عدم حجّية الظنّ المفروض إلّا بذلك الوجه المخصوص لا يبقى مجال للمعارضة بين الظنّين حسب ما قرّرناه. و أمّا العقود و الإيقاعات الواقعة على مقتضى الاجتهاد الأوّل فإمّا أن تكون صادرة عن المجتهد المفروض أو عن مقلّديه، فإن كانت صادرة عن المجتهد فإمّا أن ينضمّ إليها حكم الحاكم أو لا؟ أمّا على الأوّل فقد نصّ جماعة بعدم نقضه و يعلّل ذلك بوجهين:

713

أحدهما: أنّه قد اعتضد الفتوى حينئذ بالحكم و تقوّى به فلا يجوز نقضه بمجرّد الفتوى الثاني.

و أورد عليه في النهاية و منية اللبيب: بأنّ حكم الحاكم تابع لحكم الشي‏ء في نفسه لا متبوع له، إذ حكم الشي‏ء عندنا لا يتغيّر من جهة حكم القاضي و عدمه، فلا يجعل حكم القاضي ما ليس بحلال حلالا أو بالعكس. و حينئذ فأيّ فائدة في انضمام حكم القاضي و عدمه.

ثانيهما: أنّ جواز نقض الحكم بمجرّد تغيير الاجتهاد مخالف للمصلحة الّتي تنصب القضاة لأجلها فإنّ المقصود ...

إلى هنا جفّ قلمه الشريف أعلى اللّه مقامه و رفع اللّه درجته‏ (1).

قد عرفت أنّ الناس في زمان الغيبة صنفان: مجتهد أو مقلّد، و عرفت الحال في الواسطة بينهما من المحتاطين، و مرّ تفصيل القول فيهم. و كذا عرفت الحال في غير القادر على الاجتهاد و الوصول إلى فتوى المجتهد الحيّ. و أمّا من يكون قادرا عليه أو على سائر المراتب المتأخّرة عنه جاهلا بالحكم غير آخذ به على الوجه المقرّر على ما هو الحال في كثير من عوام المسلمين فقد وقع الخلاف في حاله أنّه هل يعذر لجهالته أو لا؟ و المقصود حينئذ في المقام توضيح الحال فيه، و تفصيل الكلام في صحّة عمله و فساده، و لنجر الكلام في مطلق الجاهل.

فنقول: إنّ الجاهل إمّا أن يكون جاهلا بالحكم أو بموضوعه، و على التقديرين فإمّا أن يكون جاهلا صرفا أو متردّدا، و على كلّ حال فإمّا أن يأتي بالفعل على وفق الواقع من جهة الموافقة الاتّفاقيّة أو لرعاية الاحتياط، أو لا يأتي به على ما هو الواقع، و ما يراعى فيه الاحتياط إمّا أن يكون في الحقيقة موردا للاحتياط أو يكون الاحتياط فيه من جهة جهله بالحال مع وضوح الأمر بعد الرجوع إلى العالم، و على كلّ حال فإمّا أن يلحظ ذلك في العبادات أو في العقود و الإيقاعات أو غيرهما من الأفعال.

____________

(1) من هنا إلى آخر الكتاب لم يرد في المخطوطات.

714

ثمّ إنّ الملحوظ في المقام إمّا معذورة (1) من جهة ترتّب العصيان و استحقاق العقاب أو من جهة الصحّة أو من جهة ترتّب سائر الآثار.

و أمّا الجاهل بالحكم فالكلام فيه إمّا من جهة ترتّب الإثم و العقوبة (2). و نقول حينئذ: إنّه إن كان جاهلا صرفا و غافلا محضا فلا إشكال حينئذ في عدم ترتّب إثم عليه، سواء كان غافلا عن التكليف مطلقا أو عن ذلك التكليف الخاصّ أو كان ملتفتا إليه معتقدا حصوله على وجه خاصّ لا يستريب في أداء التكليف به فجرى على وفق معتقده، لوضوح توقّف التكليف على العلم، و الغافل عن الشي‏ء لا يتعلّق به تكليف بالفعل أو الترك حين جهله و غفلته، و لا يجب عليه السؤال عنه، فإنّ وجوب السؤال موقوف على تصوير الشي‏ء و قيام الاحتمال عند السائل لينبعث النفس إلى السؤال، و أمّا إن كان غافلا عن الشي‏ء بالمرّة أو كان معتقدا لحكمه على وجه لا يحتمل خلافه من جهة غفلته عن الطريق المقرّر له لم يمكن في شأنه الترديد الباعث على السؤال. هذا إذا كان جهله كذلك بدون تقصير منه في معرفة الحكم كما إذا كان غافلا محضا عن تعلّق التكليف به أو تفحّص عن الأحكام المتعلّقة به على حسب معرفته و غفل عن ذلك.

و أمّا إذا كان مع التقصير في الرجوع و استعلام الأحكام فاتّفق غفلته عن الحكم في المسألة لأجل ذلك، ففي تحقّق الاثم و العصيان بالنسبة إليه وجهان: من حصول الغفلة الباعثة على سقوط التكليف، و من كون الغفلة ناشئة عن تقصيره في الاستعلام، فلو لم يقصّر في الاستعلام لتفطّن لذلك و لم يتحقّق غفلته عنه و كان الأظهر هو الثاني. و تحقّق السؤال عنه حين الغفلة و إن كان ممتنعا إلّا أنّ امتناعه مستند إلى اختياره، و إن كان متفطّنا متردّدا في الحكم سواء كان ظانّا على وجه لا يعلم جواز الركون إليه و الأخذ به أو شاكّا جرى عليه حكم العصيان مع إمكان الاستعلام و التماهن فيه، و مع عدم التمكّن منه كان عليه الاحتياط في الظاهر مع الإمكان ثمّ الأخذ بمقتضى الظنّ على ما مرّ تفصيل القول فيه، فإن أخذ به فلا

____________

(1) كذا في ظاهر النسخة.

(2) كذا، و الكلام مقطوع.

715

إشكال في ارتفاع الإثم عنه. و لو قصر في الاستعلام ثمّ عرض الضيق المانع منه أو غيره ممّا يتعذّر معه ذلك ففيه الوجهان المذكوران. و يحتمل وجه ثالث و هو أنّه إن تاب من ذلك جرى عليه الحكم المتقدّم، و مع عدم توبته يحكم عليه بالعصيان لاستناده إلى تقصيره، و هذا الوجه لا يخلو عن قرب.

و أمّا من جهة الصحّة و ترتّب الآثار، فإمّا أن يكون البحث في العبادات و الصحّة المترتّبة عليها أو في المعاملات و نحوها ممّا يترتّب عليه الآثار.

أمّا بالنسبة إلى العبادات فإن كان الغافل غافلا عن المسألة غير ملتفت إليها و كان معتقدا للصحّة من دون تردّد فيها فعند الالتفات إذا وجد العمل مطابقا لما أخذه عن المجتهد جرى عليه حكم الصحّة، لأدائه المأمور به على ما أمر به الشارع سواء كان ما أتى به موافقا لمتن الواقع كما في المسألة الإجماعيّة، أو لفتوى جميع الأحياء، أو خصوص من أخذ الحكم عنه. فعلى الأوّل ظاهر، و كذا على الثاني إذ تكليفه الأخذ بقول الأحياء، أمّا على الثالث فلكون فتواه طريقا له إلى الوصول إلى الواقع فيجري عليه ذلك الحكم بالنسبة إلى السابق و اللاحق.

و يشكل ذلك: بأنّ ما دلّ على توقّف العمل على العلم و اشتراطه به قاض ببطلان العمل الحاصل من دون العلم مطلقا قضاء لحقّ الشرطيّة.

و يدفع ذلك: أنّ اشتراط العلم بالعمل مطلقا ممنوع، بل الّذي يقتضيه الأصل- و هو المستفاد من الأخبار الآمرة بالتفقّه و العلم لأجل العمل و ذمّ العامل من غير بصيرة- توقّف العمل على العلم في الجملة.

أمّا بالنسبة إلى غير العبادات فللزوم كون التصرّف الحاصل منه على وفق ما يقتضيه الأسباب الشرعيّة الحاصلة فلا بدّ من العلم بتلك الأسباب و ما تقتضيه ليجري على مقتضاها، و ذلك قاض بالمنع من التصرّف فيما يحتمل المنع من التصرّف فيه قبل استعلام الحال دون إيقاع نفس العقود أو الإيقاعات و غيرها.

و أمّا في العبادات فلأنّ الإقدام على الطاعة و الإتيان بالفعل على وجه القربة لا يتمّ إلّا بعد معرفة المأمور به و التميّز بينه و بين غيره ليأتي به على ذلك الوجه،

716

و ذلك إنّما يتمّ بالنسبة إلى المتفطّن. و أمّا الجاهل الغافل فلا يتعلّق به الأمر بهذا التميّز حسب ما عرفت في الصورة الاولى، و لا عصيان بالنسبة إليه في التلبّس بتلك الأفعال وافقت الواقع أو لا، فلا باعث على فسادها مع توافقها و تحقّق قصد التقرّب بها.

فإن قلت: إن وافق عباداته ما هو المعلوم من الواقع كان الحال على ما ذكرت.

و كذا الحال لو وافق فتاوى جميع الأحياء، و أمّا إذا وافق خصوص فتوى المجتهد الّذي قلّده فيه فمن أين يثبت صحّته؟ إذ غاية الأمر ثبوت ذلك الحكم عليه من حين أخذه بقوله و بناء عمله على فتواه، و ذلك لا يصحّح عمله الواقع قبل ذلك.

قلت: إنّ قول المجتهد حجّة شرعيّة بالنسبة إليه و طريق شرعي له في استكشاف الواقع و الوصول إليه، فهو بمنزلة الظنّ الحاصل من الأدلّة بالنسبة إلى المجتهد، فإذا ثبت أنّ ذلك هو حكم اللّه في شأنه جرى عليه بالنسبة إلى المتقدّم و المتأخّر.

فإن قلت: إنّ غاية ما ثبت من الأدلّة حجّيته عليه بعد الأخذ به دون ما قبله، إذ هو القدر الثابت من الإجماع و غيره، فلا وجه للحكم بصحّة العمل الواقع قبل الأخذ به من جهة التقليد اللاحق.

قلت: إنّ هناك صحّة للعمل و حكما به و التقليد إنّما يفيد الحكم بها دون نفس الصحّة، فإنّ الصحّة الواقعيّة تتبع الأمر الواقعي، و الحكم بالصحّة إن ثبت بالتقليد أو الاجتهاد إنّما يفيد الحكم الظاهري، فغاية الأمر أنّ حكمه بالصحّة إنّما يكون بعد تقليده، و ذلك الحكم كما يتعلّق بالحال أو الاستقبال كذا يتعلّق بالماضي أيضا.

فالحكم و إن ثبت في الحال إلّا أنّ المحكوم به هو ما وقع منه في الماضي و هو المطلوب. و القول بتخصيصه بالأوّلين خلاف المستفاد من الأدلّة الدالّة على حجّية ظنّ المجتهد و لزوم أخذ العامي به، فإنّه لا تفصيل فيه بين الوجوه المذكورة أصلا.

هذا و إن وجدها مخالفا لفتواه قضى ذلك بعدم تحقّق الامتثال و بقاء الشغل على حاله، فإن كان الوقت باقيا أو لم يكن الواجب موقّتا وجب عليه الإعادة

717

لبقاء الاشتغال و عدم الإتيان بالمكلّف به، و إن كان فائتا توقّف وجوب القضاء على ثبوت الأمر الجديد، فإن ثبت وجوب قضائه مع الفوات جرى في المقام، لصدق الفوات عند عدم المطابقة و إن لم يكن مكلّفا بالأداء من جهة الجهل و الغفلة فإنّ انتفاء التكليف من جهة الغفلة و نحوها لا ينافي صدق الفوات كما في النائم و الناسي.

و توهّم توقّف صدق الفوات على تحقّق التكليف بالفعل الفائت في الوقت- كما يظهر من بعض الأفاضل فالحكم بوجوب القضاء في النائم و الناسي لقيام الدليل عليه لا لصدق الفوات- ضعيف جدّا، لوضوح صدق اسم الفوات فيهما في المقام و نظائره ممّا يتفوّت بسببهما فعل مشتمل على مصلحة المكلّف، فيصحّ أن يقال فات عنه بسبب نومه الفعل الفلاني من غير تجوّز أصلا. و اعتقاده حال العمل كونه مكلّفا بما أتى به لا يقضي بصحّة العمل، إذ هو فرع الأمر و لا أمر في المقام، إذ أقصى الأمر حينئذ عدم ترتّب الإثم عليه من جهة الغفلة. و تعلّق الأمر به في الظاهر بذلك العمل غير ظاهر، فإنّه ممنوع و إن كان تركه بالمرّة عصيانا في معتقده، فإنّ ذلك تجرّ على العصيان لا أنّه عصيان، كما هو الحال في الطاعات المقرّرة في سائر الأديان إذا كان العامل بها قاطعا بصحّتها غير محتمل لفسادها أصلا، فإنّ ذلك لا يقضي بتعلّق الأمر بها من الشارع حتّى تكون تلك الأعمال امورا مقرّبة من الشارع مطلوبة له على نحو ما نقوله في فتاوى المجتهد إذا لم يطابق ظنّه الواقع.

و مع الغضّ عن ذلك و تسليم تعلّق الأمر به في الظاهر فهو مغيّا بظهور خلافه، و بعد انكشاف الخلاف يتبيّن أنّه لا أمر به فلا صحّة حسب ما قرّرناه في مسألة دلالة الأمر على الإجزاء.

و أنت خبير بأنّ ما ذكر إنّما يتمّ فيما إذا كان الحكم المذكور مخالفا لأمر قطعي. و أمّا إذا كانت المخالفة في أمر اجتهادي أشكل حينئذ جريان الوجه المذكور بالنسبة إليه، لكون الثاني أيضا تكليفا ظاهريّا، فلابدّ إذن من الأخذ بكلّ من الحكمين في محلّه- على نحو ما قرّرناه في مسألة رجوع المجتهد عن رأيه-

718

فلا يتمّ الجواب المذكور على إطلاقه. و إن كان متردّدا في الحكم فإن لاحظ فيه جانب الاحتياط و أتى به كذلك كان ما أتى به صحيحا، لما عرفت من كون الاحتياط أيضا طريقا و إن كان ذلك بتكرار العمل. و لو بنى على التكرار ثمّ علم بعد الإتيان بأحد وجهين أو الوجوه أنّه هو الصحيح فلا حاجة إلى الإتيان بالآخر.

و الإتيان به أوّلا على وجه احتمال مصادفته الواقع لا ينافي الحكم بصحّته بعد العلم بالحال. و إن حصل عنه غفلة في معرفة الاحتياط فقطع بكونه احتياطا ثمّ ظهر له بعد العمل خلافه جرى فيه ما ذكر من التفصيل في الحكم بصحّة عمل الغافل و عدمه، إذ هو أيضا من مورد القطع بالصحّة مع ظهور فساد قطعه. هذا إذا علم كونه موردا للاحتياط بحيث لو رجع فيه إلى الفقيه حكم فيه بالاحتياط. و أمّا إذا أراد بالاحتياط إحراز الواقع من غير علم بكونه من مورد الإشكال و الاحتياط.

فهناك وجوه أربعة:

أحدها: أن يتعيّن عنده نفس العمل تفصيلا من واجباته و مندوباته، لكن يتعلّق الجهل بموانعه و ما يقضي بفساده. و حينئذ لا إشكال ظاهرا في الصحّة بعد تركه جميع ما يحتمل كونه مانعا، لقطعه حينئذ بأدائه مطلوب الشارع. و عدم تعيّن المانع في نظره تفصيلا لا يمنع من الصحّة بعد علمه إجمالا بخلوّ ما أتى به من العبادة عن جميع الموانع قطعا و إتيانه بما أمر به يقينا. و الظاهر أنّه يجري ذلك بالنسبة إلى الشرائط أيضا، فإذا أتى بكلّ ما يحتمل الشرطيّة حينئذ كان كافيا في الحكم بالصحّة إلّا أن يكون هناك مانع آخر.

ثانيها: أن يتبيّن عنده أجزاء العبادة تفصيلا و يتميّز له من غيرها، لكن لا يتميّز عنده الواجب من الأجزاء عن ندبها. فإن اعتبرنا نيّة الوجه ثمّ اعتبرناها بالنسبة إلى الأجزاء أيضا تعيّن عليه التميّز و لم يصحّ العبادة من دونها مع إمكانها في شأنه، إلّا أنّ القول باعتبار نيّة الوجه ضعيف، و أضعف منه اعتبارها في الأجزاء، فلا مانع إذن من الصحّة مع الجهل المذكور أيضا إذا أتى بالجميع، لعلمه حينئذ بأداء الواجب. نعم إذا أراد ترك شي‏ء منها لم يجز له ذلك إلّا بعد الرجوع و الاستعلام.

ثالثها: أن لا يتميّز عنده أجزاء العبادة من غيرها إلّا أنّه ينحصر عنده في‏

719

جملة امور يعلم عدم خروجه منها، و يدور أجزاء الفعل بينها إمّا بأن يعلم وجود ما هو خارج عن العمل في جملتها و لكن لا يتعيّن عنده بالخصوص، أو لا يعلم ذلك و لكن يحتمله. و على كلّ حال فهو يعلم عدم مانعيّة شي‏ء منها لتلك العبادة. و حينئذ فالظاهر صحّة العمل الواقع منه على الوجه المذكور من غير حاجة إلى التميّز، بأن ينوي التقرّب بالإتيان بذلك الفعل إجمالا الحاصل بإتيان ما يؤدّيه من الأجزاء، فهو ينوي أداء الفعل المطلوب في الشريعة و يقطع بحصوله بما يأتي به من الأفعال، فالمصداق الّذي يأتي به من مصاديق ذلك المفهوم قطعا، و هو ينوي القربة بالمفهوم الحاصل بحصوله و إن لم يتميّز عنده خصوص المأخوذ في ذلك المفهوم من تلك الأجزاء، فإنّ ذلك ممّا لا دليل على اعتبار العلم به في أداء التكليف، إذ القدر اللازم من العلم هو ما يحصل منه العلم بأداء الواجب فيه، و هو حاصل بذلك قطعا.

فتوهّم الفساد في هذه الصورة- كما هو صريح البعض- إمّا من جهة انتفاء العلم بالحقيقة التفصيليّة فيكون ما دلّ من الأخبار و غيره على اشتراط العمل بالعلم قاضيا بفساده، و هو فاسد، لعدم قيام الدليل عليه كذلك. و أقصى ما يستفاد من الأدلّة اعتبار العلم به على وجه يحصل العلم بأداء مطلوب الشارع به، و هو حاصل بما ذكرناه قطعا. أو من جهة إبهام المنويّ و عدم تعيّنه عند العامل فلا يكون قصده قبل ارتفاع الإبهام للزوم تعيّن المقصود عنده، و هو أيضا ظاهر الفساد، لأنّه إن اريد تعيّنه في الجملة و لو بوجه مّا فهو حاصل في المقام قطعا، و إن اريد تعيّنه بالكنه ليتميّز حقيقة الفعل على وجه التفصيل فهو ممّا لا دليل عليه.

و أورد في المقام: أنّ ذلك إنّما يجوز عند عدم التمكّن من الاستعلام و قيام الضرورة فيصحّ من جهته، التقرّب‏ (1) بمجموع امور مشتملة على المطلوب لتحصيل اليقين بالفراغ إنّما يصحّ بعد عجز المكلّف عن التميّز و انحصار أمره في ذلك، كما في الصلاة في الثوبين المشتبهين و إلى الجوانب الأربع عند اشتباه القبلة، و لا يجوز ذلك مع إمكان تعيين الجهة أو تميّز الطاهر من النجس قطعا.

____________

(1) كذا في الأصل، و الأظهر: إذ التقرّب (هامش المطبوع).

720

و يدفعه: أنّه إنّما ينوي التقرّب في المقام بخصوص ما تعلّق به الأمر الحاصل في ضمن المجموع، مثلا ينوي التقرّب بالصوم المأمور به شرعا الحاصل في ضمن التروك الخمسين، و لا ينوي الصوم بمجموع التروك الخمسين حتّى يندرج في البدعة. و لا مانع من عدم تعيّن الأجزاء و تميّزها عنده كلّا أو بعضا، إذ لا دليل على لزوم تعيّنها بعد قصد الفعل المعيّن في الشرع المعلوم حصوله بذلك.

و الحاصل: أنّ تصوّر الفعل بوجه مّا و تعيّنها كذلك كاف في قصده و نيّته.

و العلم بحصوله في ضمن تلك الجملة كاف في أدائه و تفريغ الذمّة منه، فلا بدعة من جهة النيّة حيث إنّه لم ينو التقرّب إلّا بنفس المأمور به، و لا محذور في أدائه في ضمن الجملة، لحصول العلم بالإتيان به بذلك من غير لزوم مفسدة.

غاية الأمر عدم تعيّن الأجزاء على وجه التفصيل و لا مانع منه، إذ لا باعث في اعتباره في أداء المأمور به، و هذا بخلاف الصلاة في الثوبين المشتبهين و نحوها، لقصده هناك التقرّب بما ليس بمقرّب في الواقع.

فإن قلت: إنّه إن كان الداعي له على التلبّس بجميع تلك الأفعال هو القربة، فقد نوى التقرّب بما ليس بمقرّب، أو بغير ما يعلم أنّه يندرج في المقرّب، فيندرج في البدعة إلّا حال الضرورة، لتوقّف الواجب عليه. و إن لم يكن الداعي على بعضها القربة لم يمكن الحكم بالصحّة، لاحتمال اندراجه في المطلوب فلا يحصل التقرّب بالمجموع مع إيقاع بعضه لا على وجه القربة.

قلت: إنّ قصد التقرّب بالفعل الشرعي إجمالا كالصوم و الصلاة- مثلا- مع العلم بحصول مصداقه بالفعل المفروض كاف في أداء المأمور به على وجه القربة و إن لم ينو التقرّب بالمجموع و هو مستمرّ فعلا أو حكما حين الإتيان بتلك الأجزاء، و لا يعتبر فيه التقرّب بخصوص كلّ من الأجزاء، بل لابدّ من مقارنتها لتلك النيّة فعلا أو حكما و هو حاصل في المقام.

نعم لو نوى الإتيان بها على أنّها أجزاء للفعل المطلوب كان ذلك بدعة، لكنه غير معتبر في الإتيان بالعبادة. و لو اعتبرت نيّة الجزئيّة في الجملة فالإتيان بكلّ‏

721

منها من جهة احتمال اندراجه في المطلوب كاف في ذلك من غير أن يشوبه شائبة البدعيّة.

رابعها: أن يدور الواجب بين فعلين أو أفعال عديدة فلا بدّ له من تكرار العمل حتّى يحصل له اليقين بالفراغ، كأن يدور الأمر بين كون بعض الأفعال جزء منه أو شرطا أو مانعا فلا يحصل له اليقين إلّا بالتكرار، و حينئذ فلا يصحّ له الأخذ بالاحتياط مع إمكان الاستعلام، إذ قصد التقرّب لغير المقرّب من باب الاحتياط إنّما يتمّ عند الضرورة و عدم التمكّن من الوصول إلى الواقع.

نعم يصحّ ذلك في الصورة السابقة حيث يعلم كون التكرار محلّا للاحتياط بخلاف هذه الصورة. هذا بالنسبة إلى العبادات المتوقّفة على قصد القربة.

و أمّا بالنسبة إلى غيرها من سائر الواجبات ممّا يمكن إحراز الواقع فيها بالتكرار فلا إشكال، مع عدم قيام احتمال التحريم. و كذا الحال بالنسبة إلى المعاملات فلا مانع من تكرار العقود و الإيقاعات عند الشكّ في صحّة كلّ منها و العلم بحصول الصحيح في جملتها. و كذا الحال في الصور المتقدّمة من غير إشكال في الجميع.

و قد يستشكل في قصد الإنشاء في المقام مع التردّد في حصول المنشأ بكلّ من الصيغ.

و يدفعه: ما مرّ من الفرق بين حصول ذلك في حكم الشرع و إيقاع مدلوله العرفي، و لا ريب في حصول الثاني بمجرّد قصد الإنشاء بالصيغة سواء ترتّب عليه الأوّل أولا، و هو الّذي يقصد بإنشاء العقود و الإيقاعات، و أمّا الأوّل فلا ربط له بالإنشاء، و إنّما هو حكم شرعي متفرّع عليه على فرض استجماعه الشرائط هذا.

و إن لم يمكن إحراز الواقع بمراعاة الاحتياط على أحد الوجوه المذكورة و أتى بالفعل متردّدا في صحّتها، فإن كان من العبادات كان فاسدا، لعدم إمكان قصد التقرّب بالفعل و الإتيان به على وجه الامتثال مع التردّد في كونه مطلوبا للآمر راجحا عنده و لو من باب الاحتياط، بل يكون الإتيان به كذلك بدعة محرّمة لا يجامع كونه واجبا مطلوبا في الشريعة، و لو فرض مصادفة العمل للواقع فإنّها

722

مصادفة صوريّة، و إلّا فمع عدم تحقّق القربة لا يعقل مصادفة العمل للواقع، لوضوح كونها شرطا مأخوذا في صحّة العبادة. هذا إذا كان المكلّف عارفا بذلك.

و أمّا إذا كان جاهلا به زاعما إمكان حصول القربة مع الاحتمال، لتوهّمه جواز التقرّب به من جهة احتماله كون ذلك مطلوبا لمولاه محصّلا لرضاه على نحو ما ذكر في بيان التسامح في أدلّة السنن فاعتقد صحّة التقرّب في المقام- و إن لم يكن كذلك- قوي القول بصحّته مع المطابقة للواقع لعين ما مرّ.

فما ذكرناه من عدم إمكان قصد التقرّب في مثله إنّما هو بالنسبة إلى العارف المتفطّن لذلك، و أمّا غيره فيمكن صدور القصد المذكور من جهة غفلته عمّا ذكر.

و حينئذ فلا مانع من صحّة عمله. فما ذكره بعض الأفاضل: من عدم إمكان قصد التقرّب مع التقصير في الاستعلام و التردّد في المطابقة، ليس على إطلاقه. هذا في العبادات.

و أمّا في غيرها من الواجبات فلا إشكال في حصولها بمجرّد المصادفة للواقع دون ما إذا لم يصادفها، إذ المناط هناك حصول نفس العمل و عدمه. و كذا الحال في المعاملات فلا إشكال إذن في فسادها مع عدم المطابقة و صحّتها مع استجماعها للشرائط و لو وقعت في حال التردّد في صحّتها، نظرا إلى حصول المقتضي و انتفاء المانع.

و قد عرفت عدم منافاة التردّد لقصد الإنشاء إلّا أنّه لا يمكن إجراء أحكام الصحّة عليها و لا الفساد إلّا بعد الرجوع إلى الفقيه، و لا يجوز له البناء حينئذ على استحباب عدم ترتّب الآثار، إذ لا حجّيّة فيه في المقام بالنسبة إلى العوام. فظهر من ذلك عدم جواز التصرّف في المبيع و الثمن حينئذ من البائع أو المشتري قبل الرجوع، بل لابدّ من الرجوع إلى الفقيه ثمّ التصرف على حسب ما يفتيه. ثمّ إنّ جميع ما ذكرناه إنّما هو في الجاهل بالحكم.

و أمّا الجاهل بالموضوع: فإن كان جهله متفرّعا عن الجهل بالحكم سواء كان جهلا بأصل الحكم- كما إذا تصرّف في المبيع أو الثمن معتقدا لتملّكه مع انتفائه بحسب الواقع و جهله بالحال- أو كان جاهلا بالطريق المقرّر كما إذا شهد عنده‏

723

عدلان بنجاسة الثوب و لبسه في الصلاة لجهله بكونه طريقا في الشرع إلى ثبوت الحكم، فالحكم فيه هو ما ذكر من التفصيل في جاهل الحكم. فلو كان الفساد متفرّعا على التحريم لم يحكم به في محلّ يحكم فيه بنفي التكليف، و إلّا جرى عليه في تلك الصورة حكمه الوضعي من الصحّة و الفساد.

و يمكن أن يقال بالصحّة فيما إذا كان جاهلا محضا بالطريق و اتّفق تخلّف ذلك الطريق عن الواقع فكان العمل مصادفا لما هو الواقع- كما إذا شهد عنده عدلان بنجاسة الثوب و كان جاهلا كذلك باعتبار قولهما في الشرع فلبسه في الصلاة ثمّ تبيّن سهوهما- لم يبعد القول بالصحّة و إن كان مخالفا للطريق المقرّر.

و كذا الحال في نظائره لانتفاء التكليف عنه مع الغفلة و مصادفة العمل للواقع، كما أنّه لو كان بالعكس كان عليه الإعادة و القضاء لو فرض ثبوته مع فوات الأداء، إلّا ما قام الدليل على خلافه أو كان الفساد فيه ناشئا عن التحريم.

و إن كان جهله بالموضوع من غير جهة الجهل بالحكم: فإن كان غافلا بالمرّة فلا تكليف بالنسبة إليه قطعا و لا إثم عليه، و لكن لا يثمر ذلك في صحّة العمل، لكونه حكما وضعيّا إلّا فيما ترتّب الفساد فيه على التحريم، كالصلاة في المكان أو الثوب المغصوبين بخلاف الصلاة في جلد ما لا يؤكل لحمه أو شعره و نحوهما. و إن كان متردّدا كان عليه الأخذ بالطريق المقرّر شرعا في تعيين ذلك الموضوع، و يتفرّع عليه الأحكام على طبق ذلك، و مع تخلّف الطريق عن الواقع كان عليه مدار الإثم و عدمه دون الواقع، و يدور الحكم بالصحّة أو الفساد مدار الواقع بالنسبة إلى غير العبادات، و كذا فيها بالنسبة إلى الحكم بالفساد. و لو انكشفت الموافقة لم يحكم فيها بالصحّة من جهة النهي.

نعم ما تفرّع فيه الفساد على العصيان لم يحكم به مع انتفائه. و لو لم يكن هناك طريق معيّن للتعيين و أمكن الاحتياط تعيّن عليه ذلك، كالصلاة في الثوبين المشتبهين و إلى الجهات الأربع، و إذا أتى بواحد منها فانكشف موافقتها للواقع سقط عنه إكمال الباقي و تبيّن صحّة ما أتى به، لموافقته لما امر به القاضي بإجزائه فلا حاجة إلى إعادته.

724

و قد يتوهّم أنّ ما أتى به حينئذ بعض ما كلّف به فلا يقضى بالبراءة و قد سقط عنه ذلك التكليف بعد العلم بالتعيين، فيرجع إلى ما كلّف به أوّلا من الصلاة الواقعة في ثوب معلوم الطهارة أو الجهة المعيّنة للعلم بحصول الاشتغال و عدم أداء المكلّف له. و وهنه ظاهر، إذ كونه مكلّفا بتكرار العمل ليس تكليفا واقعيّا، لوضوح كون الصلاة الواجبة متّحدة، و إنّما وجوب ذلك من جهة المقدّمة العلميّة و تحصيل اليقين بتفريغ الذمّة فإذا تيقّن بعد الإتيان بالفعل بأداء الواجب على ما هو عليه و حصل له العلم فقد حصل له ما هو المطلوب من التكرار، و سقط التكليف به و سقط عنه أصل الواجب لأدائه مستجمعا لشرائطه. و كون ما أدّاه بعضا من المكلّف به ظاهرا نظرا إلى الجهة المذكورة لا يقضي بعدم تفريغ ذمّته بعد القطع بأداء الواجب.

هذا ما يتقوّى في النظر في أعمال الجاهل الّذي لم يأخذ الأحكام أو الموضوعات على الوجه المقرّر في الشريعة.

و للقوم في مسألة عبادات الجاهل أقوال عديدة:

أحدها: ما حكي الشهرة عليه بين الأصحاب، و هو الحكم بفساد عباداته أجمع سواء اتّفقت مطابقته للواقع أو لا، و سواء كان قاصرا عن معرفة الأحكام أو مقصّرا في معرفتها.

ثانيها: الحكم بالصحّة مع المطابقة الاتّفاقيّة، سواء كان مقصّرا في استعلام الأحكام أو قاصرا غافلا عنه، و هو مختار المحقّق الأردبيلي.

ثالثها: أنّ المسألة إن كانت من ضروريّات الدين أو المذهب أو الإجماعيّات و خالف فيها الواقع كانت فاسدة، و إن لم تكن كذلك كانت صحيحة، سواء كان قاصرا أو مقصّرا، وافق الواقع أو خالفه. و هو الّذي ذهب إليه الفاضل التستري على ما يظهر من كلامه في منبع الحياة و شرحه على تهذيب الحديث.

رابعها: صحّة عباداته الواقعة منه حال قصدها و غفلته و زعمه صحّتها من جهة جهالته سواء طابقت الواقع أو خالفته. و لو كانت المخالفة في المسائل الضروريّة

725

و فساد ما يأتي به بعد التفطّن لوجوب الاستعلام و تقصيره فيه سواء طابقت الواقع صورة أو خالفته. هذا، كلّه في العبادات الواقعة منه.

و أمّا بالنسبة إلى المعاملات الصادرة عنه، فالظاهر عدم التأمّل في صحّتها مع الموافقة، و فسادها مع عدمها- حسب ما قرّرناه- و لم يعلم من هؤلاء خلافا في ذلك.

حجّة القول الأوّل بعد الاعتضاد بالشهرة المدّعاة و الاحتياط في الدين أمران:

أحدهما: الأصل فإنّ أقصى ما دلّ الدليل على حجّيته و حصول البراءة به هو ظنّ المجتهد بالنسبة إليه و إلى من يأخذ عنه. و أمّا ظنّ غيره ممّن لم يبلغ درجة الاجتهاد و لم يأخذ الأحكام عن الأدلّة الشرعيّة فلا دليل على حجّية قوله بالنسبة إليه و إلى من يأخذ عنه و لو كان من الجهّال الغافلين، إذ أقصى ما يقتضيه الغفلة سقوط الإثم لا صحّة العبادة.

فإن قلت: إنّ ذلك إن تمّ فإنّما يتم بالنسبة إلى الظنّ الحاصل من ذلك أو ما دون الظنّ. و أمّا إذا كان قاطعا بذلك متيقّنا به فلا مجال للريب في حجّيته عليه، إذ لا يمكن أن يطلب من المكلّف ما فوق اليقين. فإذا كان مكلّفا بالأخذ على مقتضى يقينه مأمورا بالعمل به مؤدّيا له على الوجه المذكور كان قضيّة الأمر الإجزاء.

قلت: لا ريب أنّ اليقين الحاصل له ليس من الطرق المفيدة للعلم، و إنّما حصل له ذلك من جهة الجهل و الغفلة و قلّة الإدراك و عدم الفطنة. و اليقين الحاصل على الوجه المذكور ليس طريقا موصلا إلى الواقع و إن كان قاضيا بسقوط تكليفه بالواقع بحسب حاله، لاستحالة تكليف الغافل.

فغاية الأمر أن يكون ذلك عذرا له ما دامت الجهالة باقية. و أمّا بعد انكشاف الخلاف و العلم بعدم كون ما أخذ به طريقا شرعيّا فلا يصحّ الحكم بمقتضاه.

و الحاصل: أنّ مجرّد حصول اليقين و لو من الطرق الفاسدة ممّا لا يمكن تحصيل العلم بل الظنّ منه بحسب الواقع ليس طريقا إلى الواقع عقلا، فإنّ إصابة الحقّ في مثله إنّما يكون على وجه الاتّفاق، و مثل ذلك لا يمكن أن يكون طريقا إليه. نعم لو قام في الشريعة على كونه طريقا إليه كان طريقا شرعيّا إلى ذلك. و في‏

726

الحقيقة يكون حينئذ طريقا عقليّا إلى حكم الشرع به، لا يمكن الانفكاك بينهما بعد جعله أو تقريره. فمجرّد اليقين بالشي‏ء من دون أن يكون مستندا إلى برهان علمي ليس طريقا عقليّا إلى الوصول إلى الشي‏ء. و لم يقم دليل شرعي أيضا على كونه طريقا. كيف! و لو كان طريقا إليه لزم تصويب أكثر أهل الأديان الباطلة و الشرائع الفاسدة، لحصول اليقين لكثير من أربابها من الطرق الفاسدة.

فغاية الأمر أن يكون اليقين الحاصل من غير الطريق عذرا لصاحبه مع عدم إصابته و عدم تقصيره في تحصيل الحقّ، و أين ذلك من كونه مكلّفا به مطلوبا منه العمل به. و لو سلّم كون مجرّد اليقين من أيّ وجه حصل طريقا موصلا إلى المكلّف به فغاية ما يقتضيه ذلك أداء الواجب به ما دام باقيا، و أمّا بعد انكشاف الخلاف فلا وجه للجري على مقتضاه، فإنّ قضيّة كونه طريقا أن يكون ذلك مكلّفا به من حيث إنّه الواقع لا من حيث ذاته. و إن لم يوافق الواقع فلا يتمّ ذلك مع انكشاف المخالفة.

ثانيهما: الأخبار الآمرة بتعلّم الأحكام و التفقّه في الدين و الرجوع إلى العلماء الدالّة على توقّف العمل على العلم و إناطته به، و إنّ العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده كثرة السير إلّا بعدا و نحو ذلك، ممّا ورد في الروايات.

فيكون عبادات الجاهل المفروض فاسدة من جهة انتفاء الشرط المذكور. فلو فرض انّه أدّى عين ما هو الواقع على سبيل الاتّفاق لم يكن مؤدّيا له على ما هو عليه عند التأمّل، لانتفاء الشرط المذكور أعني العلم بالأحكام بالرجوع إلى الأدلّة الشرعيّة، أو الرجوع إلى الثقات من العلماء الآخذين بها، فإنّه أيضا من شرائط صحّة العبادة كما يستفاد من تلك الأدلّة.

و اورد على الأوّل: أنّ ما ذكر إنّما يتمّ بالنسبة إلى العارف المتفطّن لذلك الّذي لم يقصر فهمه عن إدراك ما ذكر، و لا ريب في كونه مكلّفا بالأخذ عن الطرق المقرّرة و منعه عن الرجوع إلى غيرها من الطرق المذكورة.

و أمّا الغافل القاصر عن إدراك ذلك الّذي غاية مبلغ فهمه أنّ ما يعلّمه أبواه أو معلّمه هو الحقّ الصريح الّذي لا يحتمل الخلاف و لا يختلج بباله ريب في ذلك، فلا يعقل القول بكونه مكلّفا مع ما ذكر بالرجوع إلى المجتهد الجامع لشرائط

727

الإفتاء. و كيف يمكن القول بتكليفه بما يزيد على مرتبة فهمه و إدراكه، و ليس ذلك إلّا من قبيل التكليف بما لا يطاق. و بنحو ذلك يجاب عن الثاني، فإنّ تلك الأوامر الواردة كلّها خطابات شرعيّة متعلّقة بمن يفهم تلك و يتفطّن بها و يطّلع عليها، و أمّا الجاهلون بها الغافلون عنها بالمرّة ممّن لا يتفطّن لأزيد ممّا وصل إليه من جهة أبيه أو امّه و من بمنزلتهما و لا يحتمل أن يكون تكليفه ما عدا ذلك فلا، و كيف! يعقل القول بتكليفهم بذلك و توجيه تلك الخطابات إليهم مع وضوح بطلان تكليف الغافل و تكليف ما لا يطاق، فلا يتمّ الحكم بالبطلان مطلقا.

و الجواب عنه: أنّ ما ذكر من لزوم التكليف بما لا يطاق إنّما ينفى القول بتعلّق ذلك التكليف بالغافلين، و لا يقتضي ذلك تكليفهم بالأخذ بقول آبائهم أو امّهاتهم، فإنّ ذلك أيضا ممّا لا دليل عليه. و كونهم مكلّفين بالأباطيل و الأعمال الفاسدة الّتي قرّروها لهم ممّا لم يقم عليه إجماع و لا ضرورة.

فغاية الأمر أن يكونوا معذورين في ترك التكاليف الشرعيّة، و أمّا تكليفهم بتلك الأعمال المخالفة للشريعة ليقوم تلك الأعمال مقام الواقع ليكون تكليفا واقعيّا ثانويّا على نحو فتاوى المجتهد عند عدم إصابته فيحصل بها التقرّب المطلوب حصوله فيحكم بحصول البراءة من التكاليف الواقعيّة من جهة الإتيان بها حتّى أنّه لو علم بالحال في الوقت أو خارجه سقط عنه تداركها، فممّا لا يقضي به الوجه المذكور أصلا، و قضيّة الأصل كما عرفت عدم حصول الفراغ من جهة الإتيان بها، و سقوط التكليف من جهة المعذوريّة لا يقضي بحصول البراءة بالمرّة، حتّى أنّه لو انكشف له الحال في الوقت أو خارجه لم يلزمه تداركه على تقدير وجوب قضائه عند فواته، و كذا الإتيان بما يعتقده مأمورا به لا يقوم مقام الواقع لما عرفت من انتفاء التكليف به. فدفع الاحتجاج المذكور بذلك ممّا لا وجه له.

جفّ قلمه الشريف، و يا ليت امتدّ في الليالي و الأيّام‏

شكر اللّه سعيه و حشره مع سيّد الأنام‏

وفّقنا اللّه بفهم كلماته و علماء الأعلام‏

و أنا العبد الذليل أقلّ الطلاب جرما و أكثرهم جرما ميرزا محمّد

728

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

729

فهرس الموضوعات‏

النواهي متن المعالم 3

صيغة النهي 4

متن المعالم 15

المطلوب بالنهي ما هو؟ 17

متن المعالم 23

هل في النهي دلالة على المرّة أو التكرار؟ 25

هل يدلّ النهي على الفور أم لا؟ 40

متن المعالم 43

اجتماع الأمر و النهي‏

بيان محلّ النزاع 46

حجّة المانعين 55

حجّة المجوّزين 71

العبادات المكروهة 93

تنبيهات اجتماع الأمر و النهي 102

متن المعالم 115

730

هل يدلّ النهي على فساد المنهيّ أم لا؟ 119

تتميم 136

متن المعالم 141

العامّ و الخاصّ‏

تعريف العامّ 144

أقسام العامّ 151

هل العموم من عوارض الألفاظ خاصّة أو المعاني أيضا؟ 153

ألفاظ العموم 155

متن المعالم 157

الجمع المعرّف بالأداة 159

بيان الجنس و اسم الجنس و علم الجنس ... 160

بيان معنى اللام 167

في بيان مفاد الجمع المعرّف باللام 189

تتميم الكلام برسم امور 195

في بيان الحال في المفرد المعرّف 205

فائدة مهمّة 218

الجمع المضاف و المفرد المضاف 220

هل ينصرف المطلق إلى الفرد الشائع أم لا؟ 221

دوران الأمر في المفرد المعرّف بين العهد أو الجنس أو العموم 227

النكرة في سياق النفي 232

اختلاف الحال في النكرات 238

النكرة الواقعة في سياق النهي 240

النكرة الواقعة في سياق الاستفهام 240

النكرة الواقعة في سياق الشرط 240

النكرة الواقعة في سياق الأمر 241

731

النكرة في مقام الإثبات 243

الفعل الواقع في سياق النفي أو النهي 244

الجمع المنكّر في سياق النفي 246

جملة من مباحث التخصيص:

متن المعالم 251

تعريف التخصيص و أقسامه 255

منتهى التخصيص إلى كم هو؟ 256

متن المعالم 263

هل التخصيص في العامّ يوجب المجازيّة أم لا؟ 267

متن المعالم 295

هل العامّ المخصّص حجّة في الباقي أم لا؟ 297

متن المعالم 303

الاستثناء المتعقّب للجمل 304

مباحث الحجّة

أقسام الدليل 315

المدار في حجّية الأدلّة الشرعيّة حصول العلم منها 321

هل المناط في وجوب الأخذ بالعلم هو اليقين بالواقع أو اليقين بالوظيفة؟ 325

هل الحجّة في زمن الغيبة هو الظنّ المطلق أو الظنّ الخاصّ؟ 328

أدلّة المانعين عن العمل بالظنّ و أجوبتها 336

وجوه تصحيح القول بحجّية الظنون الخاصّة 351

حجّة القول بحجّية مطلق الظنّ 388

حجّية الشهرة 440

التسامح في أدلّة السنن و الآداب 464

النسخ 482

732

الأدلّة العقليّة 496

في التحسين و التقبيح العقليّين 504

في حجّية العقل 539

أصالة النفي 543

الشكّ في التكليف، أدلّة القائلين بالبراءة 545

الشكّ في المكلّف به 559

الأقلّ و الأكثر غير الارتباطيّين 560

الأقلّ و الأكثر الارتباطيّان 562

الشكّ في الشرائط و الموانع 588

الشبهة الموضوعيّة 591

المراد بغير المحصور 598

الاجتهاد

تعريف الاجتهاد 614

التجزّي في الاجتهاد 625

حجّة القول بقبول الاجتهاد للتجزّي 631

حجّة القول بالمنع من التجزّي 650

وجوه الاحتياط المتصوّرة للمتجزّئ 663

التجزّي في الاجتهاد 665

في شرعيّة الاجتهاد 673

أدلّة الأخباريّين على عدم مشروعيّة الاجتهاد 679

هل يجب تجديد النظر على المجتهد عند تجدّد الواقعة أم لا؟ 698

في عدول المجتهد عن رأيه 705

الجاهل بالحكم 713

الجاهل بالموضوع 722