رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - ج1

- كارستن نيبور المزيد...
398 /
55

في 8 تشرين الثاني/ نوفمبر، مررنا أمام مدينة فوه، و قد فقدت هذه المدينة مجدها و ازدهارها السابقين.

يقال إننا يمكن أن نرى حتى اليوم الجمارك، و منزل قنصل البندقية الذي أقام في هذه المدينة. و نجد بالقرب منها قناة، تتحد مع أخرى أكبر من منها رشماني، و بعد ريّ الحقول المجاورة، و مل‏ء خزانات المياه في الإسكندرية، تصب في البحر قرب هذه الأقنية غالبا، و كوّنت هذه الأتربة تلالا لا نجدها في أماكن أخرى في هذا البلد المسطح. و ترسو السفن المتوجهة من رشيد و دمياط إلى القاهرة في مرفأ بولاق الذي وصلناه في 10 تشرين الثاني/ نوفمبر مساء.

إن الرحلة ممتعة للغاية في هذا الفصل حيث يكتسي الريف ثوبا أخضر، و تحيط بالنهر القرى على الضفتين. و بالرغم من أن المنازل حقيرة بشكل عام، لأنها مبنية من الآجر غير المشوي و مسطّحة من الأعلى، يحيط بها الكثير من أشجار النخيل، و تكثر أبراج الحمام المميزة في هذه البلاد، مما يضفي على المشهد العام طابعا ممتعا و غريبا بالنسبة لأورويي وصل البلاد لتوه. و نشاهد قرب العديد من القرى، بقايا مدن قديمة، كما نجد قرب تيران(Ter ne) كميات كبيرة من الملح أو ملح البارود الذي يستقدم من أماكن مختلفة، لنقله عبر النيل، و إرساله إلى الخارج. و لم أر تماسيح في هذا النهر بين رشيد و القاهرة و دمياط، و يعتقد المصريون، أن حجابا وضع في السور في المكياس(Mikkias) قرب القاهرة يمنع هذه الحيوانات من التوجه نحو أسفل مجرى النهر.

و لكل مركب و إن اختلف قليلا عن غيره اسم مختلف في اللغة العربية كما في اللغات الأوروبية، أما تلك التي تقتصر رحلتها على الإبحار بين الإسكندرية و القاهرة فصغيرة و مسطحة القعر. و قمنا برحلتنا بين الإسكندرية و رشيد على متن مركب يحمل اسم شرم(Scherme) ، و فيه حجرة واسعة مريحة، و كان يتم جرّه حين يكون الطقس هادئا، لذا لم تستغرق رحلتنا طويلا. و يكثر الحديث عن قراصنة يجوبون النيل، لكنهم لا يثيرون القلق، شرط أن نقوم بالحراسة ليلا، و أن نطلق النار غالبا، كي يدركوا أننا نحمل أسلحة نارية. و نبقي عادة مصباحا مضاء أثناء الليل، ليعرفوا أن المركب يحمل أوروبيين، و هم يعلمون أنه يصعب مفاجأتهم و هم نيام. و في شهر آذار/ مارس من العام 1762، تمّ نهب ثلاثة مراكب على ساعد النيل هذا.

و يسود الاعتقاد بأن هؤلاء القراصنة قلّما يهاجمون مركبا بأكمله، إلا إذا علموا مسبقا بأن عدد ركابه قليل أو إذا كانوا على اتفاق مسبق مع الريّس(Re ?is) . و هناك أمثلة على (ريّاس) تقاسموا الغنيمة مع القراصنة، لذا ينبغي على المسافر الاستعلام لمعرفة لمن يسلّم أمره. و يعرف قراصنة النيل عملهم جيدا، و بما أنهم تعلموا السباحة ككافة سكّان ضفاف النهر، إما لقضاء ساعات حلوة في الماء عند اشتداد القيظ أو لاجتياز النهر بأقل كلفة، يصعد هؤلاء على متن المركب حين لا يجرؤون على الظهور مع مراكبهم الخاصة، و يحملون كل ما تقع عليه يدهم على سطح السفينة ثم يقفزون إلى الماء مع ما سلبوه. و لدينا أمثلة على أنهم لم يدخلوا المركب في بعض المرات، بل اكتفوا بمدّ أيديهم، و سرقة الأغراض من تحت‏

56

رؤوس النيام. و يروي الأتراك القصة التالية عن أحد القراصنة: خيّم أحد الباشاوات، الذي وصل حديثا إلى مصر، على ضفة النيل، و قام رجاله بحراسته جيدا فألقوا القبض على لص أراد سلبهم متاعهم. و عند الصباح، أحضر اللص أمام الباشا الذي هدّده بقتله على الفور، فلم يطلب السجين سوى إذن القيام بلعبة خفّة فريدة، على أمل أن ينال عفو الباشا على حدّ قوله. و سمح هذا الأخير بذلك بعد أن دفعه حب الاستطلاع إلى تعلّم هذه اللعبة، عندها جمع اللص ثياب الباشا و ما وجده في الخيمة في صرّة، كما يلف المصريون ثيابهم عند ما يريدون الانتقال من ضفة إلى أخرى سباحة. و بعد أن قام بألعاب خفة عدة، ألقى بنفسه في النيل، و فرّ إلى الضفة الأخرى و هو يحمل غنيمته على رأسه قبل أن يتمكن الأتراك من جلب بنادقهم لإيقافه.

57

رحلة دمياط و العودة إلى القاهرة

بعد أن رسمت ساعد نهر النيل الممتد من القاهرة إلى البحر الأبيض المتوسط، شعرت برغبة في رؤية الساعد الآخر الذي يمر بمحاذاة دمياط و ذلك في سبيل رسم خارطة صحيحة لهذا الجزء من بلاد مصر الذي يسميه الأوروبيون اليوم الدلتا؛ هذا هو الجزء الناقص على الخارطة التي رسمها السيد نوردن لمجرى النيل، بدءا من الشلال الأول و وصولا إلى البحر. و كنت على استعداد للسفر إلى دمياط فور وصولي إلى القاهرة و لكنني اضطررت لإرجاء هذه المهمة إلى شهر أيار/ مايو من السنة القادمة لأن الطقس الممطر و الغائم كان يمنعني من الرصد الجوي. و لكنني لم أندم على تأجيل الرحلة، لأنني استفدت من هذه الفترة و حاولت أن أتقرب من الشرقيين نظرا لجهلي التام بعاداتهم و لغتهم.

يطلب الأوروبيون الذين يتنقلون في هذه البلاد الحماية من الحاكم ظنا منهم أنه لمن المستحيل التنقل بأمان إن لم يعط الحاكم قادة السفن و الأشخاص الذين يؤجرون الجمال للسفر برا، الأمر بالاعتناء بهم.

و غالبا ما يقوم أحد خدام الحاكم باستدعاء أول ربّان يصادفه أو ينتظر منه هدية؛ و حين يعلم هذا الأخير أن شخصا مرموقا يطلب منه الاعتناء بأحد المسافرين، يخال أنه سيجني ثروة طائلة؛ فيستغل الفرص لتقديم خدماته للشخص الموكل إليه، و يحاول أن يختلق المخاطر في كل مكان، حتى يثبت شجاعته.

و لطالما اعتقدت أن اللجوء إلى كبار التجار في هذه البلاد، هو الحل الأنسب في الظروف المماثلة؛ فهم يدركون أكثر من سواهم المخاطر التي قد نتعرض لها في الأماكن التي ننوي زيارتها؛ كما و أنه يعمل لحسابهم قادة سفن و جمالون ينقلون لهم البضائع، و يسعون لنيل حظوة لدى التجار أكثر منه لدى حاكم لا يجنون منه شيئا. و من الصعب رسم خارطة صحيحة لبلد غريب، خاصة إن كان المرشد لا يعرف أسماء القرى التي يمر بها، أو أنه لا يريد إعطاء أسمائها للرحالة. و لقد كنت أبحث عن ربان قطع عدة مرات الطريق المؤدية إلى دمياط، و يعرف القرى جيدا و لا يحبذ السفر ليلا، حتى تتاح لي فرصة مراقبة مواقع القرى و تعرجات النيل. فطلبت من أحد التجار أن يعلمني بموعد سفر الربان الذي يتمتع بالصفات المطلوبة، فأوصاني بربان ماهر للغاية، أما السيد بورانفيند الذي لم يغادر القاهرة إلا لماما خلال إقامتنا فيها فقرر مرافقتي في هذه الرحلة. فاستخدمنا انكشاريا للسهر على راحتنا و خادما آخر لتحضير الطعام لنا، و عدنا إلى بولاق في 30 نيسان/ أبريل 1762. كان المركب الصغير الذي نقلنا إلى دمياط يحمل اسم كنج، و تتوافر فيه كافة وسائل الراحة التي نعمنا بها في المركب الذي سافرنا به إلى رشيد.

و في صباح الأول من أيار/ مايو غادرنا بولاق و لم أستفق إلا بعد أن قطعنا عدة أميال و لكنني لم يفتني‏

58

شي‏ء لأنني اجتزت هذه الطريق من قبل. و عند الطرف الجنوبي للدلتا شاهدنا قصر القاهرة. و يطلق العرب على هذه البقعة اسم بطن البقرة؛ و هم يؤمنون بالأسطورة القديمة التي تقول إنه في زمن الوثنيين، عثر في هذه البقعة، على تمثال ضخم، على شكل بقرة. و يمتاز النيل بسعته و كثرة جزره بدءا من القاهرة و وصولا إلى الدلتا. و يؤدي ارتفاع منسوب مياه النهر إلى جرف هذه الجزر من مكان إلى آخر؛ و لما كانت مياه النهر تعلو و تنخفض جدا في هذه البقعة، لا حظنا أن عدد الجزر قد زاد عن شهر تشرين الثاني/ نوفمبر؛ و ذلك لأن منسوب المياه ينخفض في شهر أيار/ مايو. و كنا نشاهد في القرى المحاذية لنهر النيل، خفرا مهمتهم إعلام الناس بوصول بواخر القراصنة. لكن سكان بعض القرى كانوا يرسلون مراكبهم ليلا، و كل من يطلب حمايتهم يتعرض للسلب. في ذلك اليوم، ألقيا المرساة قرب تعبل(Tabble) لأن الربان كان يخشى القرى الأخرى؛ فأنزلت المزولة لأحدد ارتفاع القطب؛ و لكني لاحظت أن الدقران مكسور.

فأعدت الأداة إلى مكانها دون أن أتمكن من تدوين أي ملاحظة.

غادرنا تعبل صباح الثاني من أيار/ مايو؛ لكن الرياح القوية أرغمتنا على الإرساء في «مصدر الشادر».

و لما كنت قد أصلحت آلتي، استطعت بصعوبة تحديد بعد الشمس عن خط المراقبة العمودي حتى أتمكن من تقدير بعد هذه البلدة عن خط العرض. و مع اقتراب المغيب، بلغنا «ميت العطار»؛ و رغم هدوء الرياح مع حلول المساء، عادت لتهب بعد نصف ساعة من الجهة الجنوبية- الغربية، حاملة معها عواصف قوية، و غبارا و رمالا. و لما كانت مراكب النيل مزودة بأشرعة كبيرة لا يحسن القادة التحكم بها، فغالبا ما تؤدي العواصف القوية إلى قلبها؛ و فضّلنا بالتالي أن نلقي بالمرساة في تلك الساعة.

عند الساعة الخامسة من صباح الثالث من أيار/ مايو، تابعنا طريقنا و بلغنا قرية «زفتة»، حيث رصدنا ظهرا ارتفاع الشمس. و يتبين لي أن القرية المذكورة تبعد عن خط العرض 30 دقيقة و 42 ثانية. و تبعد بلدة زفتة عن ساعد النيل، الممتد من القاهرة إلى رشيد 6 فراسخ و هي تقع بين القاهرة و دمياط، وفقا لحسابات ربابنة السفن. يحكم هذه البلدة وال من القسطنطينية، يقيم في القاهرة حيث عين قائم مقام له؛ و نجد فيها 3 جوامع وقبة مبنية على قبر نبي يقدسه الناس. و يزيد عدد منازل الأقباط فيها على 300 منزل؛ و قد وجهوا لي دعوة لزيارة كنيستهم المتداعية. تغطي أرض هذا المعبد حصر قذرة تتكاثر فيها البراغيث من شدة الحر و نجد فيه عددا كبيرا من العكازات التي يستند عليها الأقباط خلال إقامة شعائرهم؛ و يظن الأوروبيون أن هذا الأمر يسي‏ء لزينة الكنيسة خاصة و أن لوحات الأقباط قبيحة للغاية؛ فقد شاهدت في إحدى كنائس «مصر العتيقة» لوحة ليسوع المسيح و مريم العذراء و بعض القديسين، و هم يمتطون حصانا.

و لعل الأقباط يرون أن الحمير لا تتلاءم مع هذه الشخصيات المقدسة رغم أنه يحظر عليهم ركوب دواب أخرى في القاهرة. تتميز كنيسة زفتة بعتبة بابها التي كانت قديما تمثالا لأحد آلهة الإغريق. تقع مدينة ميت غمر على الضفة الشرقية للنيل قبالة مدينة زفتة. و نجد فيها 6 جوامع و كنيسة للأقباط. و بالرغم من‏

59

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

60

أن جميع منارات الجوامع مستديرة الشكل، لاحظنا أن إحدى منارات ميت غمر مربعة، مما يدفعنا للظن أنها كانت قديما جرس كنيسة.

مما لا شك فيه أن السكون الذي يسود عند المساء، يساعد البواخر القادمة من القاهرة على الإبحار ليلا، دون أن يخشوا ردة فعل سكان القرى المحاذية للنيل، و خاصة و أن الرياح الشمالية تهب في النهار؛ و في ذلك اليوم حالت الرياح القوية دون متابعة طريقنا، لكن بعد أن هدأت ليلا غادرنا زفته، ترافقنا باخرتان أخريان. و ما كدنا نقطع مسافة صغيرة، حتى رأينا سفينة للقراصنة متوجهة نحونا؛ لكنها بدّلت و جهتها بعد أن أطلقنا النار عليها. و شاهدنا لاحقا، في ظل الأشجار، و خلف الجزر الصغيرة، زوارق مختلفة، ظن الربّان أنها تابعة للقراصنة؛ و لكن لم تجازف أي منها بقطع الطريق علينا. و في اليوم التالي، رأينا عوامات محمّلة بالأواني و الأباريق الفخارية، من مصر العليا. و في سبيل صنع عوامة مماثلة تعلق الأواني و تربط إلى جانب بعضها تحت خشب النخيل الخفيف الوزن، و يتراوح طولها بين 40 و 70 قدما و عرضها بين ربع و نصف قدم؛ يقودها 6 أو 7 رجال، يستعملون أغصان الشجر لدفعها، و يحملون عليها كل ما يلزم لتحضير الطعام في تدبير أمورهم. و يقال إنهم ينقلون في الأواني الفخارية بضائع غالية الثمن.

لكن لا يبدو لي ذلك صحيحا، لأن المياه تتسرب إلى الأواني و تتلف كل ما فيها. و الجدير ذكره أن هؤلاء الرجال يستعملون (النقّافة) للدفاع عن أنفسهم ضد القراصنة. و بعد أن يبيعوا الأواني الفخارية و العوامة، يعودون إلى مصر العليا مشيا على الأقدام. و في ذلك النهار، لم يلفت نظري إلا بلدة المنصورة حيث سجن لويس الحادي عشر. و مع أنها لا تبدو أكبر حجما من دمياط إلا أنني لم أستطع مشاهدتها إلا عند مرورنا بقربها. فقد بني على هذه الضفة من النيل، سور كبير، يمتد حتى بحيرة باهر، و هذا السور يحول دون تدفق المياه بكثرة لري الأرياف المجاورة الغنية بالأرز. ثم عند وصولنا إلى المنصورة، هبت الرياح الشمالية و أجبرتنا على بلوغ الشاطى‏ء. فاغتنمت هذه الفرصة لتحديد ارتفاع القطب على بعد نصف ميل من البلدة الشمالية- الشمالية الشرقية؛ فتبين لي أن المنصورة تقع على بعد 31 دقيقة و 3 ثوان من خط العرض. و في الخامس من أيار/ مايو أنهينا رحلتنا إلى دمياط. و لم يلفت انتباهنا في الطريق، سوى 20 مركبا، محمّلة بالنحل؛ و كان سنجق المنصورة قد حطّ رحاله مع 40 عبدا و خادما بين قريتي بدوي و كفر بدوي بغية تحصيل أرباح النحل؛ إذ كان كل مركب يحمل 200 خلية نحل، مما يعني أن العشرين مركبا كانت تنقل 4000 خلية، يبلغ طول كل واحدة منها ثلاث أقدام، و قطرها قدم واحد.

مما لا شك فيه أن موقع بلدة دمياط ملائم للتجارة، شأنه في ذلك شأن بلدة رشيد؛ فالبضائع الآتية من سوريا و البلدان المجاورة تمر في دمياط حتى تنقل بعدها إلى القاهرة. و في المقابل لا نجد فيها تجارا أو كهنة أوروبيين، رغم أنها تضم بعض الموارنة و المسيحيين الشرقيين الذين ارتبطوا بالكنيسة الرومانية، و يحكى أنه كان يقيم قديما في دمياط قنصل و تجار فرنسيون؛ لكن بعد أن لاحظ السكان تعلّق الأوروبيين‏

61

بنساء المسلمين، قرروا قتلهم جميعا. و منذ ذلك الحين، منع ملك فرنسا رعاياه من الذهاب إليها. فكانوا ينتدبون مفوضين عنهم للاهتمام بمصالحهم في تلك البلدة، أو يجرون تبادلاتهم التجارية على سطح السفن. غير أنني قابلت ربانين فرنسيين مقيمين في تلك البلدة؛ و كان يبدو عليهما الخوف من السكان الذين لم ينسوا الحملات الصليبية، و لا الحادثة التي أتيت على ذكرها آنفا. و أكّدا لي أنهما لن يتجرآ على إخبار سفير فرنسا في القسطنطينية عن سوء معاملة السكان لهما؛ كما و أنهما لا يتوقعان أن يساعدهما أحد. و لا حظت أن هذين الربانين يعتمران عمامة على رأسيهما و يرتديان الأزياء التركية، و يستعملان اللغة المحكية في المنطقة، حتى لا يحاول الرعاع إساءة معاملتهما. كنت أحمل رسالتي توصية إلى تاجر إغريقي و آخر إيطالي، كان قديما تاجرا معتمدا في القاعدة؛ و بعد أن غرق في الديون، لم يتجرأ على العودة إلى بلاده و فضل اعتناق الإسلام. و كان يأمل أن يجمع ثروة طائلة في مصر خاصة و أن واحدا من كبار البهاوات في القاهرة، تكفل بحمايته. و لكن بعد أن فقد صديقه هذا حظوته اكتفى الإيطالي بأنه يشغل وظيفة في جمارك دمياط. و يقال إنه كان يعيش حياة مترفة من جراء تعامله مع الأوروبيين؛ فهو يسهل عليهم عملية نقل البضائع التي يرسلونها عبر دمياط أو يرعى مصالحهم في هذه البلدة. و رغم اعتناقه الإسلام منذ عدة سنوات، لم يكف عن مجاملة الأوروبيين علما أن المرتدين عن الدين يكرهون الأوروبيين أكثر من المسلمين الأصليين.

يتبيّن لي من خلال الرصد الجوي أن بلدة دمياط تقع على بعد ربع ميل شمالي رشيد و على بعد ميلين من البحر الأبيض المتوسط، أي إنها أبعد من رشيد الواقعة على الضفة الأخرى للنيل. و استنادا إلى تقرير أحد الربابنة الذي يرتاد غالبا السواحل الممتدة بين دمياط و رشيد، يقع رأس برولوس على بعد ميل و نصف الميل شمالا. و منذ فترة و جيزة، ارتفع عدد اللصوص في هذه المنطقة، و باتت طريقها محفوفة بالمخاطر.

فمن الجهة الغربية للهند، بدءا من دمياط شمالا، وصولا إلى مصبّ النيل، و رأس برولوس غربا، تمتد طبقة رقيقة من الرمال، تجعل الأرض قاحلة. لم أر أثرا لأسوار مدينة دمياط؛ و لعل أحدا لم يحاول إعادة بنائها، بعد أن دمّرت عام 648 للهجرة استنادا لأقوال أبي الفدا. و لكنني استطعت رؤية المكان الذي سدّ فيه مجرى نهر النيل بسلسلة؛ فعلى الصفحة الشمالية داخل البلدة، نجد برجا قديما حيث لا يزيد عرض النهر على 100 قدم، كما و نجد على الضفة الغربية، أنقاض برج مماثل مدمّر كليا.

و بما أنني لم أقض وقتا طويلا في دمياط، لم أتمكن من تحديد مواقع شوارع هذه المدينة كلها. و بعد أن قست طول السوق، الذي يخترق البلدة كلها، و طول السور وضعت الخارطة التي نراها على اللوحة 7.

كما و رسم السيد بورانفيد منظرا عاما للبلدة (راجعوا اللوحة 8). و تكثر في المناطق المحيطة بدمياط قنوات المياه المخصصة لري حقول الأرزّ فيها. و تشير الأحرف الموضوعة على خارطة مدينة دمياط إلى مواقع الأماكن التالية: 1) برج قديم مزود بنقوش عربية، (خارطة الطابق الثاني للبرج)، 2) بقايا قصر قديم، 3)

62

كنيسة حوّلها المسلمون إلى جامع؛ و يقال إنها تضم لوحات من عهد الإغريق، 4) مغسل القطن، 5) مقابر، 6) جامع بناه السلطان، 7) المنشية، 8) مكان ذبح الدواب، 9) منطقة شيخ عباس، 10) دير الإغريق، 11) الجمارك، 12) الجامع الكبير.

63

و قمت برحلة صغيرة من دمياط إلى مصبّ النيل أو بوغاز(Boghas) ؛ و خلافا لمصب رشيد، لا يشكل هذا المصب خطرا على البواخر، إذ تكثر فيه الأرصفة الرملية و المنارات و زوارق الإنقاذ، المعدّة لإغاثة البحّارة الغرباء. تجتاز هذا المصب بواخر ضخمة متوجهة نحو البلدة؛ لكن نظرا لانخفاض منسوب المياه على هذا الساحل، تلقي معظمها المرساة على بعد ميل عن اليابسة. تمثل اللوحة 9 حصنا قديما يبعد عن البحر 700 قدم. و قد قست هذه المسافة بدقة حتى يتمكن الرحالة اللاحقون من تحديد بعد مصر عن البحر. و يبلغ طول هذا الحصن 58 قدما و عرضه 23. و يزعم خادمي أنه قرأ تحت النقوش على بوابة الحصن «169».

و الجدير ذكره أن لا أحد يجرؤ على السكن في هذا الحصن خوفا من الأشباح؛ فعند اقترابنا منه، راح المسلمون يتلون الصلوات. و عند وصولنا، تلوا صلاة أخرى قرب المدافع الضخمة؛ فاضطررت للعودة معهم إلى المركب دون أن أشاهد الجزء الداخلي من الحصن، كانت هذه المرة الأولى التي أشاهد فيها مسلمين خائفين من الأشباح. و لم أتجرأ على ذكر الموضوع أمام العرب. و نرى غربي النيل، نحو الجنوب، على بعد 150 قدما عن الساحل حصنا جديدا مأهولا، من العام 1116؛ أي إنه لم يمض على وجوده 59 سنة قمرية. يتخذ هذا البناء شكلا مستديرا كما يبدو على الخارطة أوب من اللوحة 9. و نرى عند الأسفل قاعدة مستديرة فيها مدفعان برونزيان، و ثلاثة حديدية. كما و نجد خمسة مدافع صغيرة في الطبقة الثانية من المبنى، و إن تقدمنا أكثر نحو الجنوب نر برجا قديما متداعيا، مأهولا بالسكان. أما في الجهة الشرقية، قرب قرية القولي، فنرى قواعد مدفعية مهدمة طولها 20 قدما، و فيها مدفع قديم مكسور، و آخر أكله الصدأ.

أتيت على ذكر بحيرة باحر، في وصف شبه الجزيرة العربية، تمتد هذه البحيرة من دمياط شرقا وصولا إلى غسا(Ghassa) ؛ نشاهد على جزر هذه البحيرة بقايا بلدات قديمة. و قبل سنوات خلت، قدم مضيفنا لربان فرنسي كتابا مطبوعا بالأحرف الأوروبية، و حجارة من هذه الجزر، موضوعة في صندوق حديدي؛ و حين أقول إن الكتاب مطبوع بأحرف أوروبية، أقصد أنها أحرف غريبة عن مضيفنا، لأن الشرقيين يعتبرون كل حرف أو نقش لا يفهمونه من أصل أوروبي. و نشاهد على مقربة من المتوسط، قرب قرية مطارد، أنقاض بلدة ستانوس أو تنوس، التي تحمل اسمها إحدى مصبّات النيل. سمعت الناس يتحدثون عن أنقاض هذه البلدة، و لكن لم يرها أحد منهم. و عرفت أنه يمكننا السفر برا إلى دمياط و العودة منها بعد ثلاثة أيام. فمع ارتفاع عدد اللصوص، باتت هذه الطريق محفوفة بالمخاطر أكثر من طريق باحر؛ فسكان هذه المنطقة فقراء و لا يحبذون أن يعود الرحالة بحقائبهم كلها. و تقع في الجهة الجنوبية غرب دمياط، بلدة ديمشلي حيث يصنع النسيج، و لا تزال حتى اليوم بلدة بلباس غنية عن التعريف، و لكن أحدا لم يحدثني عن موقعها؛ و هي تضم عددا وافرا من النصب القديمة (*).

____________

(*) شاهد غرانجر بقايا تهموس وبوط على بعد ستة فراسخ شرقي المنصورة.

64

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

65

كنت أتمنى أن أشاهد بقايا تنسوس قبل مغادرة هذه المنطقة، فضلا عن زيارة ديمشلي و منصل، و المرور بباحر للذهاب إلى المنصورة. و لكنني أخاطر بخسارة معداتي، و خاصة و أنها زيارات ثانوية، و علينا التوجه لاحقا إلى شبه الجزيرة، التي تشكل أساس رحلتنا. لذلك غادرت و السيد بورانفيند دمياط في 12 أيار/ مايو. و لما كنت قد رصدت ارتفاع القطب خلال توجهي إلى دمياط، اكتفيت في طريق العودة، بمشاهدة تعرجات النيل، و نقل أسماء القرى و المسافة التي تفصل بينها بغية التحقق من ملاحظاتي الأولى. و الجدير ذكره أن الرياح أسعفتنا كثيرا في طريق العودة، حتى أننا بلغنا القاهرة في 15 أيار/ مايو.

66

ملاحظات حول سير الرحلة من رشيد إلى القاهرة و دمياط، استنادا إلى الخارطة على اللوحة 10

يتحدث التاريخ القديم عن بلاد مصر الشهيرة المكتظة بالسكان؛ و يأتي التاريخ الشرقي على ذكرها عدة مرات. لكن علماء الجغرافيا يسعون إلى دراسة بنيتها الحالية، بغية فهم الوصف الذي أعطاه المؤلفون القدامى لها. ممّا لا شك فيه أنه تتوافر لدينا خرائط مفصّلة و مرسومة بذكاء؛ لكنني لا أظن أن واضعيها استطاعوا الاعتماد دوما على الأبحاث التي استعملوها لتنفيذ عملهم. و من بين كل الأشخاص الذين زاروا مصر، لم يستطع أحد رسم خرائط دقيقة لها مثل الأب سيكار و الكابتن نوردن؛ و لكن لم تتح الفرصة لأي منهما للتحقّق من صحتها من خلال الرصد الجوي. غير أن مراقبة خطوط العرض و خاصة في مصر، تساعد على وضع خرائط جغرافية صحيحة؛ إذ تقع الأماكن الأكثر أهمية على ضفاف النيل، أو على مقربة منه، و هو يجري بشكل مستقيم من الجنوب إلى الشمال. و يمكننا بالتالي قياس المسافة التي تفصل القرى بعضها عن بعض انطلاقا من خطوط العرض المختلفة.

و لا يمكننا أن نطلب من الرحّالة الذي لا يقيم في مصر إلا لفترة وجيزة أن يضع خارطة للبلاد؛ و لا أظنه يقدم لنا معروفا بأن ينقل خارطة قديمة و يدخل عليها بعض التعديلات. و في هذا الإطار وضعت خارطة لسير رحلتي، و أشرت إلى المبادى‏ء التي استعملتها في رسمها. و خلافا للخرائط الأخرى، لا تجدون عليها عددا كبيرا من القنوات و الأنهر و البحيرات الصغيرة. إن الشريف الإدريسي يتحدث عن أنهر طويلة، لا تزال موجودة حتى يومنا هذا، كما و أكّد لي المصريون أن بلادهم تحوي عددا كبيرا من القنوات و البحيرات الصغيرة، التي تظهر عند ارتفاع منسوب مياه النيل؛ بيد أنني لم أشاهد ذلك في الأماكن التي رأيتها بأم عيني أو تلك التي حدثني عنها أشخاص يعرفون البلاد جيدا؛ فلو حاول الرحالة كلهم أن يحذوا حذوي، لاستطعنا أن نقدر الخدمات التي يقدمها كل واحد منهم لعلم الجغرافية الحديث. و إنني أفتخر بنفسي لأني استطعت أن أحدد بدقة مجرى الفرعين الأساسيين للنيل، من القاهرة إلى المتوسط، فضلا عن موقع البلدات و القرى المحاذية له. و لعل الرحالة الآخرون قد يزورون المناطق المصرية الأخرى و يرسمون خرائط مماثلة عن سير رحلاتهم.

إنني أتمنى على الأوروبيين كافة الذين يزورون البلاد أن يكسبوا صداقة الأقباط الذين يعملون أمناء سر أو محاسبين لدى البهاوات؛ لأنني واثق كل الثقة أنه من الصعب الحصول على لوائح كاملة بأسماء

67

القرى التي تخضع لنفوذ أرباب عملهم. لكنني لم أحاول سلوك هذه الدرب؛ و أظن أنكم ستعذرونني لأن خارطة مدينة القاهرة أخذت الكثير من وقتي فضلا عن أنني لم أجرؤ على توطيد علاقاتي بسكان البلاد و الاستعلام عن الأمور كلها. و مما لا شك فيه أن الرسم المفضل لمصر الحديثة يساعد الرحالة على تقديم وصف جغرافي دقيق لبعض المناطق و أظن أن بعض علماء أوروبا سيجمعون هذه التفاصيل لرسم خرائط كاملة لهذا البلد.

لا حظت في مقدمة كتاب «وصف شبه الجزيرة العربية»، أنه من الصعب كتابة أسماء المدن و القرى بلغتنا، خاصة إن كان يلفظها أشخاص يستعملون لهجة مختلفة، و لا يحسنون لغتهم الأم. لهذا السبب، كتبت أسماء القرى نفسها بطريقة مختلفة، معتمدا بذلك على لفظ عدة أشخاص. و إليكم ما فعلته للحصول على الأسماء العربية للقرى و المدن في مصر؛ فبعد أن دونّتها كلها خلال الرحلة باللغة الأجنبية، طلبت من لغوي عربي في القاهرة أن يكتبها لي بالعربية وفقا للسان القوم الذين رافقوني. و إنني لفخور بنفسي لأنني استطعت كتابتها بلغة عربية صحيحة، حتى يتمكن كل أوروبي من أي بلد كان أن يكتبها بلغته الأصلية. و على كل شخص يحمل لائحة بأسماء المدن المصرية أن يتلوها على نفسه ليعيد كتابتها بالأحرف الأوروبية. و غالبا ما يكتب العرب الأسماء العربية المألوفة عندهم من دون نقاط؛ أما الأقباط فيبدلون مكان النقاط أو ينسون وضعها. لهذا السبب يتعذر على الأجنبي قراءتها بشكل صحيح، كما يتعذر على المترجم كتابة الأسماء بشكل لائق. و سأذكر فيما يلي الأسماء الواردة في كتاب «جغرافية السودان»، علما أن معظمها مشوه للغاية حتى أن الأشخاص الذين لا يحسنون كتابة العربية لن يتمكنوا أبدا من التعرف عليها.

68

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

69

و لعلّي لم أرض القارى‏ء حين أدرجت أسماء المدن و القرى الواقعة على طرفي النيل، في وصف سير رحلتي من الرشيد إلى القاهرة، و من القاهرة إلى دمياط؛ فجمعت بالتالي هذه الأسماء، و تعرجات النهر، في قسم منفصل، حتى يتمكن الجميع من مراجعتها. و قد يظن البعض أن إدراج اللائحة برمّتها، غير ضروري، خاصة و أن بعض القرى متلاصقة للغاية، و ذكرها كلها يتطلب خارطة أكبر. و سآتي أيضا على ذكر رحلة السيد فورسكال من القاهرة إلى الإسكندرية. و أظن أنه لي كامل الحق في ذلك، لأنني أعطيت صديقي هذا بوصلة قبيل انطلاقه، و رجوته أن يدوّن لي أسماء القرى التي يمر بها. و يحدد لي مواقعها؛ و عند عودته سلّمني هذه اللائحة بنفسه.

و مما لا شك فيه أننا نستطيع الاستفادة من هذه المعلومات كلها، لرسم خرائط محدّدة، إن جمعنا معلومات وافرة عن مصر السفلى.

70

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

71

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

72

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

73

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

74

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

75

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

76

رحلة اى الجزيرة العربية و الى بلاد اخرى‏ (*)

____________

(*) لا يمكننا الاعتماد كليا على هذه اللائحة. على خلاف اللائحة السابقة. نظرا لجهل الأشخاص الذين رافقوني من جهة، و لأنني لم أكن أحسن خلال رحلتي من الرشيد إلى القاهرة، لغة المسلمين و طريقهم في التفكير من جهة أخرى.

77

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

78

(نجد في هذا المكان قناة تنبع من ساعد النيل و تمر أمام دمياط و طنطا، حيث دفن أحمد البدوي و هو وليّ مصري شهير. و يقال إن العديد من الحجاج يزورون يوميا قبر المذكور حيث يقام سوق كبير. و هذا سبب وجيه لجذب الأجانب.)

79

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

80

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

81

أسماء المدن و القرى التي ذكرها السيد فورسكال خلال رحلته من القاهرة إلى الأسكندرية (*) من القاهرة إلى الإسكندرية

باب البكري 1) منية السرج، جنوبي- غربي القاهرة 2) شبرا المكاسة، جنوبي- غربي القاهرة 3) دمنهور 4) باسوس، غربي- جنوبي- غربي الأهرام 5) أبو الغيط، جنوبي- غربي- جنوبي الأهرام، أبو المنجه: جسر 6) خراقانيه، جنوبي- غربي الأهرام 7) بهاده 8) سفيته، ساعد النيل الذي يمر أمام دمياط 9) شبرا الشهابيه 10) كفر الحمه 11) شنادان؛ يمتد الطريق نحو الشمالي- غربي 13) فرعانيه- شمالي- غربي الأهرام 14) سمان: لا نرى منها الأهرام الخضرة 15) قلته: ساعد من ساعدي النيل 16) ثلولنا 17) فيشه النصارى 18) سرس القته 19) منوف العلا 20) تشا و غمرين 21) منيه الواط 23) سلمون عشمة 24) دمشه شمالي- شمالي- غربي أبو كلس 25) بشادي 26) عمروس، على النيل- كومازن 27) طنوب 28) الزعبره؛ يمتد الطريق شمالا على مقربة من النيل 29) النجيلة، شمال النيل: تقع في منتصف الطريق بين القاهرة و الإسكندرية- مليحة 30) كفر بريم، شمالي- غربي- غربي بلاقوش 31) بريم 32) تقيده 33) صفه العنب 34) أبراج الحمام 35) رمسيس، شمالي- غربي- شمالي دقدوقة- النقراش 36) النيرة، شمالي- غربي 37) أبو زينة، شمالي- غربي بهاي 38) دنشان، شمالي- غربي- شمالي عوجه 39) تسونس 40) دمنهور البحيري الواقعة في ثلثي الطريق بين القاهرة و الإسكندرية 41) القروي 42) بركة غطاس 43) كريون، شمالي- غربي- شمالي نشو 44) عكريشة العجوز 45) كفر سليم؛ تقع بلدة أبو قير على شمالي- غربي هذه المنطقة 46) بيضه، و هي مدينة مهدمة 47) الإسكندرية.

من الإسكندرية إلى الرشيد

بحيره سبخة عراما؛ حصن أبو قير؛ سد؛ بحيرة المعدية؛ قرية الزاوية القريبة من قرية الشيخ حصر؛ أدكوي، العلامات، أو 11 دعامة حجرية على طريق الرشيد.

____________

(*) أتيت على ذكر بعض الأسماء التالية في لائحتي؛ و يمكنكم ملاحظة الفرق بين الكتابة الدانمركية و السويدية، فاللغوي العربي نفسه الذي دوّن لي اللائحتين استنادا إلى لفظ الربابنة، كتب أيضا لائحة السيد فورسكال في حضورنا، و استنادا للفظ سائق معنا، لكن الأسماء التي تحمل علامة (+) كتبت بأحرف مختلفة، لكن إن كتب العربي الأسماء نفسها بطريقة مختلفة وفقا للفظ مواطنيه، لن يلومني أحد لأنني لم أشأ كتابة الأسماء بنفسي بأحرف عربية.

82

من الرشيد إلى القاهرة

1) شيخ منصور 2) سلمية 3) محلة الأمير 4) ديبي 5) تفينة: ساعد النيل الذي يمر أمام الرشيد 6) أمطوبس 7) شمشيزة 8) سنديون؛ في منتصف الطريق بين الرشيد و محلة الكبير 9) فوا 10) محلة العلوي 11) محلة مالك 12) سلميه 13) شرفا 14) سيدي إبراهيم الدسوقي 15) دماجون 16) محلة أبو علي الغريبة 17) جمينة 18) شباس الشهدة، الواقعة شرقي- جنوبي- شرقي الطريق 19) شباس الأمير، شرقي- جنوبي- شرقي الطريق 20) طويلة، شرقي- جنوبي- شرقي الطريق- شيخ حاوس البدوي 21) روينة النطاح شرقي- جنوبي الطريق 22) سخا، شرقي- جنوبي- شرقي الطريق 23) جنوبي- شرقي شرقي الطريق 24) نمرة، شرقي- جنوبي الطريق 25) مهتندية، جنوبي- شرقي الطريق 26) سندسيس 27) محلة الكبيرة 28) شرنبابل 29) العجازية، جنوبي- شرقي الطريق 30) متحاسي، جنوبي- شرقي الطريق 31) شبرا، جنوبي- جنوبي- شرقي، غربي النيل- سنباط، 32) دهتورا- حانوت 33) دمسيس، شرقي النيل 34) أبو البنهان، جنوبي- شرقي الطريق 35) عشنة جنوبي شرقي النيل 36) نعمان 37) كفر نعمان، قبالة سنباط 38) سرنكه، قبالة داكورا 39) كفر سرنكه، على مقربة من النيل 40) أبو نغا 41) دقادوس 42) ميت غمر 43) زفتة، غربي النيل 44) أولاد عنان؛ يمتد بعدها الطريق جنوبي- جنوبي- غربي الدلتا 45) فرسين 46) ميت الرخا 47) شرنبخون 48) بقسه 49) ميت بره؛ ينعطف بعدها الطريق إلى داخل البلاد 50) ميت الحوفين 51) دامله جنوبي- غربي- جنوبي النيل 52) بره 53) وروره 54) كفر الجزار 55) بطا 56) عرب أرمل 57) مسيد الخضر، غربي النيل 58) طحله شرقي النيل 59) كفر الرحلات؛ نرى الأهرام جنوبا 60) أميه، جنوبي- غربي الطريق 61) خراب 62) أكهور الورد جنوبي- غرب الأهرام 63) قرنفيل 64) سندابيس 65) كفر الحارث جنوبي- شرقي الطريق 66) كفر الجديد جنوبي- شرقي الطريق 67) قليوب، جنوبي- شرقي الطريق، و جنوبي- غربي الأهرام، و جنوبي القاهرة- جسر أبو المنكه 68) المكاسة 69) منيه السراج 70) مصر القاهرة.

83

مواقع بعض المدن المصرية القديمة

تكثر في الكتب المصرية القديمة أسماء مدن شهدت تغيرات جذرية، حتى أننا لم نعد نستطيع تحديد موقعها؛ و نسمع اليوم الناس يتحدثون عن دمياط و المنصورة و محلة الكبير و زفته و ميت غمر و رشيد و فوه و منوص و كالجوب، و غيرها من المدن التي لم تظهر إلا منذ وقت قصير. و لما كانت الإسكندرية قد قضت على ممفيس و فسطاط الإسكندرية و فسطاط القاهرة، سقطت المدن المصرية الأخرى تباعا و حلّت محلها مدن أخرى، دخل معظمها طي النسيان أيضا. أما بالنسبة للمدن الأخرى، فقد شهدت بدورها تقلبات كبيرة؛ فبعد ترسيخ الدور السياسي في البلاد، اتحد السكان و حققوا معا ازدهارا صناعيا باهرا؛ و لكنهم ما لبثوا أن دخلوا عهد الانحلال. و اللافت للنظر أن مدن الدلتا كلها عرفت تغيرات جذرية؛ يقول هيرودوس في كتابه الثاني، إن بوفيروس (المعروفة اليوم بأبو صير)، كانت تقع في وسط الدلتا؛ و يبدو أن هذا الجزء من مصر الذي كان يعرف قديما بالدلتا كان أكثر اتساعا منه اليوم، و أنه كان يحدّه من الشرق تارة مويس، حيث تصب القناة الكبيرة الممتدة بين قطريب و القاهرة، في بحيرة باهر. أما عدد المدن المصرية الحالي، فلا يوازي عدد المدن التي كانت موجودة قديما في البلاد؛ و هذا الأمر لا يثير الدهشة، لأن الفرس و اليونان و الرومان و العرب و الأتراك الذين حكموا مصر تباعا، عمدوا إلى تدمير هذا البلد الخصب، من خلال حكامهم، بعد أن جنوا منه أموالا طائلة، فراحوا يقلصون سبل عيش السكان، الذين اضطروا للهجرة منه و التخلي عن قراهم و مدنهم.

لا أظن أنه من السهل تحديد موقع معظم المدن المصرية القديمة التي ازدهرت خلال الألفي سنة الماضية. لكننا نستطيع استرجاع موقع عواصم بعض الأقاليم و المدن، مع الأخذ بعين الاعتبار السدود التي شيّدها المصريون القدامى، لحماية أنفسهم من فيضانات نهر النيل، و خاصة تلك التي نجدها قرب بقايا المدن القديمة، من هضاب و قطع صوان، و رخام و خزف، و الجدير ذكره أننا لا نجد في مصر السفلى كميات كبيرة من المعالم القديمة الجميلة، فقد غطى التراب معظمها مع مرور الزمن، كما و نقلت كافة المواد، حتى المدفونة منها تحت الأرض، إلى مناطق أخرى، لتستعمل في تشييد الأبنية الحديثة. و لم يكف المصريون عن التنقيب في الأماكن الأثرية بغية استخراج الحجارة اللازمة لبناء الجوامع و المنازل و حتى الأكواخ المتواضعة؛ كما و أنهم يبحثون عن كنوز أسلافهم الأثرياء فيغربلون الأرض المحفورة بحثا عن الفضة و الذهب و الحجارة المنحوتة. و سأذكر لكم المناطق التي في زرتها في مصر السفلى حيث تمّ العثور على بقايا مدن قديمة. و يمكنكم مقارنة مواقعها على خارطتي. أما بالنسبة للأسماء فسأترك للعلماء الذين يحسنون قراءة كتب المؤلفين القدامى، عناء تحديدها.

عند وصول المسافر إلى هذه الجهة من مصر، يرى آثارا قديمة قرب الإسكندرية الجديدة؛ و لقد قدمت‏

84

وصفا مفصلا لها سابقا؛ و الجدير ذكره أن اسم هذه المدينة غير مشكوك فيه لأننا نعرف تماما من بناها، و أنها احتفظت باسمها الأصلي. و رغم أن هذه المدينة تعد قديمة مقارنة بالمدن الأوروبية و مدن مصر الحديثة، فهي تعتبر حديثة مقارنة بالمدن القديمة في هذه البلاد؛ كما و أن بانيها شخص غريب. أتيت على ذكر بلدة كابوبوس و يقال إنها كانت تقع قرب بلدة أبو مندور في الجنوب، في جوار رشيد، و إنها مغطاة اليوم بطبقة من الرمال الرقيقة، جرفتها الرياح شيئا فشيئا. و نشاهد على مقربة من هذا المكان، بقايا بلدة قديمة في جوار منتوس؛ لم أشاهد هذه البلدة رغم أنني سمعت عنها في القاهرة. أخبرني السيد فورسكال أنه خلال سفره برا من القاهرة إلى الإسكندرية، عثر على بقايا بلدة قديمة، غربي النيل، بين دمنهور و بريم على مقربة من قرية رمسيس. و علاوة على ذلك، نرى اليوم آثارا قديمة قرب سلحجر في الدلتا؛ يعود اسم هذه البلدة إلى أصل عربي، لكن البلدة التي كانت تحمل هذا الاسم ازدهرت زمن المصريين القدامى.

و شاهدت في بولاق صندوقا من الصوان عليه أحرف هيروغليفية، منقولا من سلحجر. فسافرت إليها خصيصا من القاهرة بعد أن أكدوا لي أنها تحوي آثارا قديمة رائعة. لكنني لم أر إلا معالم البلدة التي تحدثت عنها آنفا، و بعض الأعمدة الشبيهة بتلك التي رسمها نوردن و بوكوك في مصر العليا، و التي استعملها سكان هذه القرية الفقراء لدعم منازلهم. اكتفيت برسم الحجارة التي عثرت عليها أمام معصرة للزيت (راجعوا اللوحة 11، د) و تدل الرسوم الهيروغليفية على هذه الحجارة، على أن المصريين القدامى قاموا بنحتها؛ فهي منقوشة عليها شأنها شأن الرسوم التي رأيتها على الحجارة الأخرى؛ و لكن اللافت للنظر هو أن الصور الوسطى كانت بارزة أكثر من سواها. و خلال هذه الرحلة شاهدت قرب قرية القم مرتفعات ضخمة، قيل لي إنها بقايا مدينة قديمة.

تكثر في الجهة الشرقية للدلتا معالم مدن قديمة. ذكرت سابقا أنه في مدينة ستانسوس المطلة على باحر، نجد معالم مدينة قديمة كثيرة، و أننا نستطيع بالتالي تحديد موقع بلدة تانسوس القديمة. و ذكرت اسم بلدة أبو صير الصغيرة، الواقعة على ساعد النيل الذي يمر أمام دمياط، و اسم بلدة بوصير الشهيرة؛ تقع قرب هذه المنطقة بلدة بعليت حيث شاهد بوكوك و سيكارد معالم رائعة الجمال. و يقال إن الآثار القديمة تكثر قرب ميت بعذ و قناطر الويش، و الغال و سمنوّر. و من الواضح أن هذه المنطقة من الدلتا مميزة جدا و تستحق أن يتوقف فيها الرحالة للقيام بأبحاثه؛ و يزعم أنه في عهد هيرودوس كان المصريون يحجون إلى هذه الشوارع؛ و يزور الأقباط سنويا كنيسة في جميان؛ و يمكننا مرافقة هؤلاء الحجاج خلال سفرهم دون التعرض للمخاطر. فهم ينزلون في سمانود؛ إنها بلدة صغيرة جدا و لكنها تقع في الموقع نفسه الذي كانت تقع فيه قديما بلدة سبانتوس؛ و نجد صوب الجنوب مرتفعات ضخمة في جوار قرية قطريب. و هذه المرتفعات هي بقايا بلدة قطريبس. و بعد عناء طويل، أقنعت ربان السفينة بإلقاء المرساة فيها، لأن سكانها من القراصنة. و أدركت لاحقا أنهم نقلوا الحجارة التي يمكن استعمالها و لم يتركوا إلا الصوان و الرخام.

كان سيد هذه المنطقة، صديقا لي، و يقوم بأعمال التنقيب في هذه المنطقة؛ حتى أنه كان يغربل الأرض بحثا عن حجارة أو خواتم أو شي‏ء من هذا القبيل. فقدم لي خنفساء ذهبية، استخرجها مؤخرا من‏

85

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

86

الأرض، (ترونها على اللوحة 11، ج) من الصعب قراءة الأحرف المكتوبة عليها و كأنها نقشت بواسطة إزميل شبيه بذلك الذي يستعمله النحاتون اليوم. و لقد شاهدت خنفساء في البصرة، عند السيد ريغو، و لكنها لا تضاهي هذه جمالا. و نرى في الصورة أ، قطعة من الخزف اللماع، و كأنها غطاء وعاء ما.

و أظن أن الصور محفورة بالطين، و هي شبيهة بالعناوين التي نراها على أغلفة الكتب؛ و هذا يثبت أن المصريين القدامى عرفوا الإزميل و الطباعة.

حدّد علماء الجغرافية القدامى و الحديثون موقع بلدة هليوبوليس بدقة شديدة. و نرى بقاياها قرب بلدة مطاره في الجهة الشمالية- الشمالية الشرقية، على بعد فرسخين من القاهرة أو 3 فراسخ من فسطاط أو مصر العتيق. و لكن لم يتبق منها إلا سدود كبيرة و مرتفعات من الرخام و الصوان و الخزف و بقايا سفنكس (أبو الهول)، و نصب عمودي، لم يتمكن السكان من نقله نظرا لثقله؛ فهو مصنوع من الصوان و مغطى بالرسوم الهيروغليفية على جهاته الأربع؛ أما زواياه فهي موجهة نحو جنوب- الجنوب- الشرقي، و شمال- الشمال الغربي، و الشرق- جنوب- شرق، و الغرب- جنوب- غرب.

قارنت الصورة الأصلية برسوم نوردن و اتضح لي أنها صحيحة. ثم في 24 كانون الأول/ ديسمبر كانت المياه تغمر المكان، فلم أستطع الاقتراب جيدا من النصب العمودي لرؤية النقوش. و ترون في الصورة ج، من اللوحة 5، أنني حاولت قياس الارتفاع كما يلي: رسمت خطا من أ إلى ب طوله 84 9. بوصته؛ و من ب إلى د طوله 5 أقدام و 7 بوصات؛ مما يعني أن القاعدة طولها 88 قدما و 8 بوصات. و يبلغ طول الزاوية ه- و- س 30 درجة؛ كما يبلغ طول النصب فوق الأفق 51 قدما و 4 بوصات؛ و الخط من ب إلى س 6 أقدام و 9 بوصات و بالتالي يبلغ ارتفاع النصب من الطبقة السفلى 58 قدما و بوصة؛ وضعت هذه القطعة الأثرية الجميلة في المعبد الشهير المخصص لعبادة الشمس، في بقعة منخفضة جدا. حتى أن مياه النيل تصل إلى ارتفاع 5 أقدام و 8 بوصات عند بلوغها ذورة علوها. و رغم أن المعبد يشكل جزءا من البلدة، إلا أنه كان محاطا بمرتفعات ضخمة لحمايته من فيضانات النيل. و يقول السكان القدامى إنه تم بناء بعض المنازل على هذه المرتفعات. و لقد حاول الدكتور شو في الطبعة الجديدة لكتاب رحلاته، أن يثبت أن هذا الجزء من مصر المعرض لفيضانات النيل قد ارتفع كثيرا منذ عهد هيرودوس. فلا بد إذن من الحفر قرب هذا النصب لمعرفة الارتفاع الذي غطي فيه البلاط بالتراب. لكن الشعب المصري لا يحب أن ينقب الأوروبيون في الأماكن التي تكثر فيها الأثريات، ظنّا منهم أننا نبحث عن الكنوز. لكنهم لم يمانعوا حين ذكرت لحاكم المنطقة الأسباب التي تحثّنا على القيام بهذه الأبحاث، طالبا منه مساعدة الفلاحين لنا. و ممّا لا شكّ فيه أنني أثرت فضول سكان مطاره و أنا أقيس ارتفاع النصب؛ فوقفوا على مقربة من المكان. لأنه خيّل لهم أنني سأرمي هذه الحفنة من الحجارة في الهواء و آخذ الكنز المدفون تحتها. لكنهم لم يوجهوا إليّ أي عبارة فظّة، بعد أن اتضح لهم أنهم أخطأوا الظن. و يسمي الكتّاب العرب هيليوبوليس عين شمس و مصر.

87

و نشاهد على بعد فرسخين شمالي- شرقي هيليوبوليس، آثار قرية قديمة، يطلق عليها العرب اليوم اسم تل اليهود أي مقابر اليهود. و ممّا لا شكّ فيه أن أرض غصن تشكل جزءا من هذه المنطقة. و لعل معبد اليهود الشهير الذي بناه أونياس، يقع في هذه المنطقة و ليس في هيليوبوليس، كما يظن البعض. فمن الممكن بالتالي العثور في الجوار على آثار يهودية. و لم أشاهد هذه الهضاب إلا بعد انطلاقي من القاهرة، على بعد فرسخين منها. و قالوا لي إنه تقع قربها قريتا سبيتن و ميت الدمائة.

أعطى سكان بلدة فايدبيه، المجاورة للقاهرة، السيّد فورسكال أسماء المناطق الأخرى الواقعة في هذا الأقليم، التي كانت مجهولة، نظرا لكونها مأهولة باليهود. و لمّا كانت هذه المناطق تستحق الزيارة، سأذكر فيما يلي الأسماء التي جمعها السيد فورسكال: 1) لبلب(Liblab) ، عين سيدنا موسى، على بعد فرسخين و نصف من قاعدبيه. و يقال إنه وجد قديما في هذا المكان عين مياه عذبة 2) مرقاب سيدنا موسى، على قمة جبل، على بعد فرسخ و نصف من لبلب، من جهة مصر العتيق. 3) طرطور اليهود، على بعد 4 أو 6 فراسخ من قاعد بيه؛ و نشاهد فيها بقايا قصر قديم 4) فاسكيتا البطقية(Faesqita bataqiae) الواقعة على بعد فرسخين من قاعدبيه، على الجهة الشمالية- الشرقية. و تكثر في هذا المكان ينابيع المياه، و التربة الحمراء التي تغطي الأراضي و الجبال 5) تنور فرعون أو جبل فرعون، الواقع على بعد فرسخ من قاعدبيه، نحو الشرق 6) مقابر اليهود على بعد 6 فراسخ من قاعدبيه. و لقد وجدت قديما، في هذا المكان، بلدة كبيرة مأهولة من اليهود (لعلها البقايا نفسها المذكورة آنفا في تربة اليهود) 7) قلعة راي على بعد 7 أو 8 فراسخ من قاعد بيه. و نجد هنا بقايا قصر قديم من عهد موسى. و يضيف السيد فورسكال، أنه أخبر هؤلاء العرب، أن أولاد إسرائيل اجتازوا البحر الأحمر، جنوبي السويس، قرب عين سيدي موسى.

من الملاحظ أن العلماء الحديثين، ترددوا في تحديد موقع بلدة ممفيس، نظرا لكثرة البقايا من زمن (أبو الفدا) و الشريف الإدريسي؛ كما و أن الكتاب العرب و الأوروبيين، حددوا موقع هذه البلدة بدقة شديدة.

أما السبب الذي حال دون أن نسمع شيئا عنها، فيعود إلى أننا نسينا أن العرب أطلقوا على عاصمتهم اسم مصر، بينما كانوا يسمون العاصمة القديمة مصر العتيق و سموا بالتالي مصر، كلا من هيليوبوليس، و ممفيس و الفسطاط و القاهرة، بينما تحمل اليوم القاهرة كلا من الأسماء التالية: مصر، و فسطاط و مصر العتيق. تقع مدينة ممفيس على الضفة الغربية للنيل، على مسافة يوم بكامله من مصر، استنادا لرأي أبو الفدا؛ لكن الشريف الإدريسي يقول إنها تقع جنوبي مصر، أي الفسطاط، أو عاصمة مصر في تلك الحقبة. و من جهة أخرى يؤكد بنيامين دو تودلا أن ممفيس تقع على بعد فرسخين من فسطاط العام 1697، و لقد شاهد مايي(Maillet) بقاياها حيث كان يتمّ التنقيب عن المومياء؛ فطلب شهادة بلينيوس الأكبر(Pline) ، الذي قال صراحة إن الأهرام تقع بين ممفيس و الدلتا مما يعني أن ممفيس تقع جنوبي‏

88

الأهرام التي لا تبعد كثيرا عن الجيزة. و لقد شاهد بوكوك في هذه المنطقة بقايا مدينة قديمة حسبها بقايا مدينة ممفيس‏ (*). أما أنا فلم أشاهد إلا الأهرامات الأولى، لأنني لم أقصد جنوبي مصر؛ فلم أر بالتالي معالم بلدات أخرى. لكنني سمعت أنه في جوار سقاره نرى بعض معالم مدينة ممفيس، كما و أنني رأيت في القاهرة، حجارة مستخرجة من هذه الأنحاء، استعملت في بناء المنازل الحديثة و الجوامع في العاصمة الجديدة. و لن أذعن لرأي السيد شو، الذي يدّعي أن ممفيس كانت تقع في الموقع نفسه الذي تقع فيه اليوم الجيزة، رغم نفوره من بوكوك و كل من يعارضه الرأي حول هذا الموضوع. و سأحاول مناقشة بعض المقاطع، التي نقلها هذا العالم عن عدة مؤلفين، و ذكرها في الصفحة 296، من كتابه «رحلات و ملاحظات» المطبوع في لندن العام 1757؛ رغم أنني لا أظنها تثبت شيئا مما نريد إثباته. و في سبيل ترسيخ فكرته، يستشهد الدكتور شو، ب (ديودور(Diodore ديودورس الصقلّي (ص 296). الذي يقول إن ممفيس تقع في النقطة التي ينقسم فيها النيل إلى عدة فروع. و هكذا فاستنادا إلى هذا المقطع، لا يمكنني القول: إن هذه المدينة تقع في موقع الجيزة، بل في الجهة الجنوبية؛ لأن النيل لا يبدأ بالتفرّع عند الطرف الجنوبي للدلتا، بل في البقعة الواقعة بين الجيزة و الأهرام. و هو يقول في الصفحة 297، إن للدلتا حدودا ثابتة و غير متغيرة، على منأى من ممفيس؛ بيد أنني لا أوافقه الرأي؛ فرغم أن حدود الدلتا هي بطن البقرة أي في جوار قرية ضروة، فمن الممكن القول إن حدود الدلتا كانت تمتد قديما نحو الجنوب. فساعد النيل الذي رسمته على الخارطة، بدءا من أم دينار وصولا إلى الوراريق ليس قناة ضيقة، بل ممر عريض، تجتازه السفن المسافرة من بولاق إلى رشيد، نظرا لعمقه. و من الممكن القول إذن إن حدود الدلتا كانت قديما قرب الوراريق أو سواها. و لما كان هذا لمجرد تخميني، سأراجع ملاحظات بطليموس التي يستعين بها الدكتور لإثبات وجهة نظره. أما بطليموس فيقول: إن ممفيس تقع على بعد 29 دقيقة و 50 ثانية من خط العرض، و الدلتا على بعد 30 دقيقة منه؛ بينما يبلغ ارتفاع الجيزة 30 دقيقة أيضا؛ فإن كانت ممفيس تقع على بعد ميلين و ربع الميل جنوبا، لا يمكن القول إنها كانت تقع في موقع الجيزة، و يحاول الكاتب تحديد موقع ممفيس وفقا لبعدها عن الأهرام (ص 298). و يمكننا الاستنتاج أن هذه المدينة كانت واقعة جنوبي النيل على مسافة متساوية من الأهرام. أما سترابون فيؤكد بأننا نستطيع رؤية الأهرام من بابل و أن ممفيس واقعة قبالة هذه المدينة؛ و يحاول الدكتور شو أن يثبت، استنادا لهذا المنطق (ص 299) أن ممفيس كانت واقعة في البقعة التي نشاهد فيها اليوم الجيزة. و صحيح أننا نشاهد الأهرام من قصر القاهرة القديم أو بابل القديمة. لكن الكتّاب الذين أتيت على ذكرهم آنفا، و الذين شاهدوا بأم عينهم بقايا ممفيس، يؤكدون أن‏

____________

(*) إن الاعتقاد الأكثر صحة هو أن هذه المدينة الجميلة بنيت على مدخل هذا السهل الرملي المعروف اليوم بسهل المومياء، الواقع شمالي الأهرام. فالأنقاض المذهلة التي نراها في هذا المكان، تشير إلى عظمة المدينة و موقعها الصحيح. يقول ريتشارد بوكوك في كتابه وصف الشرق، إن هذه المدينة تقع بين مكنان و متراحين، على الطريق بين القاهرة و الفيوم، على الجهة الغربية للنيل، و أقرب إلى أهرام سقاره منه إلى أهرام الجيزة.

89

هذه المدينة كانت تقع جنوبا على مقربة من فسطاط، و بابل؛ و هذا ما يحثنا على الاعتقاد أنها لم تكن واقعة غربا، بل قرب بابل. و لقد أراد سترابون القول إن ممفيس كانت تقع قبالة بابل؛ و هو يستشهد بهيرودوس، الذي يؤكد أن ممفيس كانت تقع في القسم الضيق من مصر. انطلاقا من هذا المبدأ، بحثت عن موقع المدينة في الجهة الجنوبية، خلافا للدكتور شو، رغم أنه يدّعي أن الجيزة واقعة في القسم الضيق؛ لأنني اكتشفت أن هذا المكان يقع جنوبا، في أرض مكشوفة، محاطة بهضاب، بنيت عليها الأهرام، التي تشكل القسم الأكثر ضيقا في مصر. و إن صحّ القول إن الأهرام واقعة في جوار ممفيس، فذلك يعني أنها أخذت عنها لعبتها و بعبارة أخرى، أظن أن الكتّاب الذين ذكرهم الدكتور شو، لا يقدمون لنا البراهين اللازمة، للقول إن مدينة ممفيس كانت واقعة في المكان نفسه الذي نرى فيه اليوم الجيزة، بل يحاولون إقامة الدليل على أنها كانت تقع بين الأهرام و سقاره. و لكن المدهش في الأمر هو أن هذا العالم الكبير لم يلحظ في كتاب «جغرافية السودان»، و لا في كتاب «وصف الرحلة»، اللذين يذكرهما في الصفحة 306، للتحقق من موقع مدينة هيليوبوليس، أن موقع مدينة ممفيس، محدد فيهما، كما أنه لم يحاول مقارنة وجهة نظره بشهادة مؤلفي هذين الكتابين.

و يبدو أن اختلاف وجهات النظر بين شو و بوكوك، حول موقع مدينة ممفيس، أثار خلافا بين العلماء الإنكليز. و إليكم ما يقوله مؤلفو «التاريخ العالمي الحديث»، الجزء الأول، (ص 328): «كانت مدينة ممفيس تقع في موقع الجيزة الحالي نفسه؛ و هذا ما يؤكده لنا الدكتور شو، الذي تعتبر ملاحظاته الجغرافية حول مصر و شبه الجزيرة العربية، جديرة بالقراءة أكثر من سواها، نظرا لصحتها و دقتها، و استنادا إلى أبحاث علمية سليمة، و انتقادات سوية ... و بعبارة أخرى سيصمد كتابه في وجه الحملات الموجهة ضده، و بعد أن يدخل كل من حمل قلمه و حاول تقليده أو الحط من قدره طي النسيان، أو يواجه بازدراء، جدير به الجدارة كلها».

و بما أني كنت أجهل السبب الذي حثّ العلماء الإنكليز على إصدار هذا الحكم التعسفي بحق الرحالة كافة، و اعتبار الدكتور شو زعيما لهم، فلن أستطيع أن أقدم تفسيرا ملائما لهذا القرار. و لكنني أقرّ بأننا لا نجد وصفا للرحلات خاليا من العيوب، أو رحالة معفى من الأحكام المسبقة؛ لذلك من الأفضل عدم الدفاع عن آرائنا بعناد. و لعل يهود و أقباط مصر يستطيعون تحديد مواقع مدن هذه البلاد القديمة، لكن الأوروبيين لا يسعون أبدا لتوطيد صداقتهم بهؤلاء الأشخاص و يفضلون استشارة سواهم، في حال لم يعطهم، أول شخص يصادفونه، أجوبة مرضية .. و لم أحاول أبدا الاستفادة من هذه الفرصة؛ و لكنني أنصح الرحالة اللاحقين، باستغلال هذا الأمر.

90

وصف القاهرة و بولاق و مصر العتيقة و الجيزة

شهدت المناطق المحيطة بالقاهرة تغيرات جذرية خلال الأحد عشر قرنا الماضية، أي بعد أن حكم المسلمون مصر و دمروا بعض المدن، و أهملوا أخرى، و بنوا بعضها الآخر في مكانها. بعيد وصولهم إلى مصر، استولوا على مدينة مصر، بعد أن غادر المقوقس و لا يزال موقع هذه المدينة غير محدّد، رغم أن مؤلفي «التاريخ العالمي» يؤمنون بأنها مدينة ممفيس الشهيرة. و لكن استنادا إلى رواية المؤرخين الشرقيين، انسحب المقوقس مع حاميته إلى إحدى جزر النيل بينما سلك اليونانيون الذين كانوا يساندونه الطريق المقابلة باتجاه الإسكندرية (*).

كانت مصر تقع إذن على الضفة الغربية للنيل؛ بينما يقع كل من ممفيس و الإسكندرية على الضفة الشرقية منه. و عند مغادرتهم هذه المدينة، لم يضطر اليونانيون لاجتياز النيل، حتى يعودوا إلى الإسكندرية. و لعل مصر هذه هي بابل، التي تحدث عنها المؤلفون اليونان، و الواقعة جنوبي القاهرة، بين جبل المقطّم و النيل، إننا نجد في هذه المنطقة، أنقاض كنائس قديمة، يجلّها الأقباط؛ كما و أن اليهود، الذين كانوا كثرا في مصر (**)، يملكون مقبرة في هذا المكان، رغم بعده عن القاهرة، و خطورة السبل المؤدية إليه.

أطلق المسلمون على المدينة الأولى التي بنوها اسم الفسطاط؛ و تحدث بعض المؤلفين العرب عن أصلها (***). فبعد أن استولى عمرو، قائد الخليفة عمر، على هذا القسم من مصر كان يستعد هو و رجاله للتقدّم نحو الإسكندرية. و لكنه ترك في تلك المنطقة خيمة، بنت عليها حمامة عشها، فقال العرب إن هذا الأمر فأل حسن، و ارتأوا بناء مدينة في تلك البقعة. و لكن كانت لديهم أسباب أخرى للاستقرار في هذه المنطقة؛ فالمسلمون الذين وصلوا حديثا إلى تلك البلاد، فضّلوا عدم الإقامة داخل المدينة، بين السكان المسيحيين. و ارتأوا أن يبنوا مكانا لهم خارجها، حيث حطّوا رحالهم، و ذلك في سبيل حماية أنفسهم. فاستقر قربهم العرب الذين كانوا يعملون في مصر، فضلا عن المسيحيين الذين اعتنقوا الإسلام؛ فأدّى ذلك إلى ولادة مدينة الفسطاط. و لئن كان اليونان و الرومان قد جعلوا من الإسكندرية عاصمة البلاد نظرا لقربها، فقد اختار العرب ضواحي الفسطاط للسبب نفسه. كما أن الحاكم المقيم في وسط

____________

(*) التاريخ العالمي الحديث، الجزء الأول ص 328- 325. العدد الثاني.

(**) سير رحلة بنيامين تودلانسيس، ص 11.

(***) جغرافية السودان، الجزء 3.

91

البلاد، يستطيع أن يرسل الجيوش، من هذه البقعة إلى الأقاليم كافة، إن دعت الحاجة لذلك.

و بعد أن أصبحت الفسطاط عاصمة بلاد مصر، سميت مصر؛ و لكنها لم تستمتع طويلا بهذا الشرف، إذ بدأت تضعف شيئا فشيئا، و القاهرة تزداد قوة. و بعد أن تحولت القاهرة إلى عاصمة للبلاد، أسميت مصر أيضا، بينما عرفت الفسطاط، التي كانت تحمل هذا الاسم أصلا، بمصر العتيقة. و رغم ذلك حافظ المصريون على الأسماء القديمة، و أطلقوا على مدينة مصر، اسم القاهرة، و على الشارع الطويل المطل على النيل، و الذي يشكّل جزءا من مصر العتيقة، اسم الفسطاط. و الأوروبيون وحدهم بدّلوا اسم هذه المدينة الأخيرة؛ فهم يسمّون الفسطاط أو مصر العتيق. القاهرة القديمة، رغم أن سكان البلاد الأصليين لم يسموها أبدا القاهرة.

نعلم جيدا أن مدينة القاهرة قد بنيت عام 358 أو 359 للهجرة، على يد جوهر، قائد جيش الخليفة الفاطمي المعزّ (*) و لكن هذه المدينة الجديدة لم تعتبر ضاحية الفسطاط إلا عام 572، بعد أن سوّرها صلاح الدين، و بنى فيها جوامع جميلة، و مدارس و مستشفيات؛ فالشريف الإدريسي، الذي وضع كتبه قبل هذه الحقبة، لم يأت على ذكر القاهرة، و اكتفى بالتحدث عن الفسطاط، التي كانت معروفة يومها بمصر. نشاهد اليوم في القاهرة بقايا سورين من أسوار المدينة: يقع السور الداخلي بين باب الفتوح و باب نصر و باب غريب و باب المشرق و باب الفولي؛ و يقع السور الخارجي بين باب الحديد و باب الشاري بين باب المشرق و القصر، قرب باب القرافه. و أنا لا أعرف أيا من هذين السورين بناه صلاح الدين لأنني لم أنقل أية نقوش عربية من هذه البلدة، رغم توافرها بكثرة؛ و لكنني أعتقد أنه بنى السور الداخلي. و كانت حدود مدينة القاهرة كما وصفها جان ليو، على النحو التالي: تشمل ضواحي هذه المناطق، و الأماكن الواقعة خارج باب الفتوح و باب النصر و باب الفولي؛ فهذه البوابات الثلاث تضاهي الأخريات عظمة و جمالا. و لا حظ الأمير رادزفيل الذي وصف حدود القاهرة كذلك، أن الشارع الممتد من باب الفولي إلى القصر يعد من الضواحي. و يقول السيد جان وايلد الذي قضى عدة سنوات في القاهرة في بداية القرن السابع عشر، إن المدينة كانت مسورة؛ و أظنه يقصد السور الخارجي.

و من الصعب أن نعرف إن كانت مساحة مدينة القاهرة قد زادت أو تقلصت خلال القرون الأخيرة، و لا نملك خارطة لها.

ثم إنه من خلال وصف جان ليو لهذه المدينة، يمكننا القول إنها لم تشهد تغيرات جذرية منذ عهده؛ و رغم أن شارع تيلون(Teilچ‏n) قد صغر بعض الشي‏ء و أن القرافة تضم عددا أكبر من المقابر؛ و رغم أن عدد المنازل بين القاهرة و بولاق و مصر العتيقة كان في تلك الحقبة يفوق عددها الحالي؛ علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أن هذا المؤلف لا يأتي على ذكر شوارع كثيرة واقعة على الطرف الآخر للمدينة. و لعل الضواحي لم تكن متلاصقة، و لا قريبة من القاهرة، كما هي اليوم. و هو لا يشير إلى تاريخ هذه المدينة

____________

(*) وصف عبد الحكم لمصر، و تاريخ الحكام المصريين.

92

أبدا؛ و لذلك سأكتفي بالتحدث عن موقعها و مساحتها. انطلاقا من هذا المنظار، رسمت خارطة للقاهرة و المدن المجاورة لبولاق و مصر العتيق و الجيزة (اللوحة 12). و الجدير ذكره أن تنفيذ هذه الخارطة تطلب عناء طويلا، كما و أن فظاظة سكان القاهرة تجاه كل من يتبع ديانة مختلفة عن ديانتهم، زادت الأمر خطورة و لا إخال أن أحد الأوروبيين حاول الإقدام على هذه الخطوة من قبل. و لكنني جازفت بقياس الشوارع، خاصة تلك التي لها منفذان، و بتحديد موقعها بواسطة بوصلة صغيرة. نجد بين هذه الشوارع الرئيسية أحياء مختلفة، تضم شوارع صغيرة لها منفذ على الشوارع الرئيسية. و يقطن في هذه الأحياء الحرفيون و السكان الفقراء الذين يعملون في المدن الشرقية في دكاكين صغيرة في السوق. و لما كان الزوج يغيب عن منزله طوال النهار، و لما كان الشرقي غير معتاد على زيارة زوجة صديقه أو ابنته، فالأجنبي الذي يشاهد في حي مماثل، هو حتما تائه، و يحاول أول شخص يصادفه، إعلامه بأن الشارع لا ينفذ إلى الطرف الآخر و عليه أن يعود أدراجه. و بالتالي لا يتمكن الأجنبي إلا من زيارة الأحياء المنفصلة. بيد أنه أتيحت لي فرصة رؤية بعض الأحياء الشعبية؛ و قد أشرت إليها على خارطتي، لأعطي مثالا عن مواقع شوارع القاهرة المميزة. و على غرار كافة المدن التي رأيتها في الشرق، عمدت إلى الإشارة إلى موقعها و مساحتها و أبوابها على الخارطة. في حين أنه قلّما يهم الأوروبيين التعرف إلى شوارع مدن الشرق، و لا أحد يجبر الرحالة على التعرض لهذه المخاطر من أجل مسألة سخيفة إلى هذا الحد. و سأشرح لكم في ما يلي معنى الأحرف و الأرقام التي تشاهدونها على اللوحة المذكورة:

على خارطة مدينة القاهرة أو مصر

أ- محل إقامة الباشا الحاكم، ب- حي الانكشاريين أو بمعنى آخر، القصر، ج- حي الغربيين؛ تقع الأماكن أ و ب ج على صخرة، تسمى القصر أو الحصن، د- محلة قره ميدان، ه- محلة الرميلة، و- قلعة الكبش؛ و هي عبارة عن قصر متداع، يقع بقربه جامع طولون- سلطان حسن؛ و هو عبارة عن جامع رائع، على مقربة من سوق عقال، حيث يجتمع التجار كلهم، ح- جامع الأزهر، و هو جامع و معهد، ط- بطركية الأقباط؛ يقيم فيها بطرك مصر الإغريقي، ي- كنيسة القديس نقولا اليونانية؛ و نجد على مقربة منها عقال حمزاوي، ك- كنيسة قبطية مبنية فوق أنقاض كنيسة أرمنية، ل- كنيسة و مقر أسقف جبل طور اليوناني، م- مقر القاضي، ن- خان الخليل، س- المارستان أو الحجر الصحي، ع- مقر القنصل الفرنسي و التجار الفرنسيين، ف- مقر قنصل البندقية، ص- حي اليهود ق- قبة الغربيين؛ كانت قديما مقر جيوش الغربيين، و فيها حصن و جامع كبير؛ لكن في هذا المكان يستقبل سكان القاهرة الباشاوات الذين يصلون برا، ر- مقابر البندقيين و الأقباط، ش- المسلخ، ت- فرن لتفقيس البيض؛ و نجد أيضا في هذا الحي مصنعا للبارود، ث- فرن الكلس.

93

أسماء الجسور على القناة التي تجتاز القاهرة

أ- قنطرة فم الخليج، ب- قنطرة الجنينة، ج- قنطرة السباع، د- قنطرة أمرشي، ه- قنطرة الجماميز، و- قنطرة سنقر، ز- قنطرة عبد الرحمن كخيا، ح- قنطرة باب الخرق، ط- قنطرة الأمير حسين، ي- قنطرة الموسكي، ك- قنطرة الجديدة، ل- قنطرة باب الشعرية، م- قنطرة الخروبي، ن- قنطرة الضاهر بيبرس.

أسماء البرك‏

س- بركة الشيخ قمر، ع- بركة الرطلي، ف- بركة اليزبكية، ص بركة الفواله، ق- بركة أبو شوارب، ر- بركة النصرية، ش- بركة القصارين، ت- بركة أيوب به، ث- بركة الفيل.

أسماء أبواب القاهرة

1- باب النصر، 2- باب الفتوح، (راجعوا اللوحة(XIII 3- باب المدبح، 4- معمل النشي، 5- باب الشعرية، 6- باب البكري 7- باب الشيخ شايب، 8- باب الحديد، 9- باب ولاد عنان، 10- باب الهوى، 11- باب الفوالة، 12- باب سوق البكري، 13- باب المدابغ، 14- باب الشيخ ريحان 15- باب الناصرية، 16- باب غيط الباشا، 17- باب أيوب به، 18- باب سقي زينب، 19- باب طولون، 20- باب الخليفي، 21- باب القرافة، 22- باب الجبل، 23- باب ليسار، 24- باب قره ميدن، 25- باب العزب 26- باب الانكشارية، 27- باب الوزير، 28- باب الحطاب، 29- باب المعروف، 30- باب الغريب، 31- باب السويلي.

في بولاق و مصر العتيقة و الجيزة

32- الهالة، صرح متداع يستقبل فيه سكان القاهرة الباشاوات الذين يعبرون النيل 33- متجر خشب 34- مستودع قديم للأسلحة 35- متجر الملح 36- الجمارك 37- سوق كبير أو قيسارية 38- مصنع آجر 39- أماكن تنزل فيها حجارة ممفيس، و غيرها من المدن القديمة، و ينقل منها سكان القاهرة مياه النيل على الجمال 40- منزل بيه ريفي كان يقيم فيه الباشا الذي عزله سكان القاهرة 41- المصطبة حيث يتعلم أسياد القاهرة لعبة رمي القوس. 42- كفر العين، صرح كبير يسكن فيه حاليا الدراويش 43- منزل متواضع ينزل فيه الباشا عند حفر سد القناة؛ و تشيد العروس بين النيل و السد، عند تنظيف القناة 44- كنائس و مقابر قبطية؛ و يقال إن الهياكل العظيمة تتحرك فيها مرة في السنة 45- صرح 5 شاهق، له خمس نواعير، ترفع بواسطتها مياه النيل، لتنقل بعده إلى خزان قرب القصر 46

94

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

95

- جامع كبير 47- جامع أبو زكي، باني القناة 48- كنيسة قبطية 49- جامع عمرو 50- بقعة مسورة، يسكن فيها المسيحيون 51- متجر يوسف للقمح 52- البزار 53- الجمارك 54- فرن في الجيزة 55- مصانع فخار.

لم أرسم سوى مياه البرك، التي لم تكن جافة في شباط/ فبراير و آذار/ مارس. و لم أستطع تحديد سعة الجنائن المغلقة، على هذه الخارطة؛ و لكنها تكثر في الأماكن التي رسمت فيها أشجار، و تمثل إشارةL L L L المقابر فحسب. و تحمل شوارع القاهرة أسماء الأبواب و الجسور المحاذية لها.

تقع بلدة القاهرة، مصر أو القاهرة الكبيرة، كما يسميها الأوروبيون، على بعد فرسخ عن بولاق و النيل، في بقعة رملية، على سفح جبل المقطم. و يمكننا رؤية المدينة جيدا من قمة الجبل علما أنها محاطة من الجهات الأخرى بمرتفعات من الأقذار التي تجمع يوميا من المدينة و تنقل إليها على ظهر الحمير. و رغم أن القاهرة مدينة كبيرة، لا يمكننا القول إنها مكتظة بالسكان أكثر من المدن الأوروبية التي توازيها مساحة. نجد في هذه العاصمة المصرية مستنقعات كبيرة، تتحول إلى بحيرات صغيرة عند ما تمتلى‏ء بالمياه.

و تحتل الجوامع المساحة الأكبر من هذه المدينة. و نرى في بعض الأحياء كحي باب الفولي و طولون و حنفي و باب اللوق، و التي لا أعرف شوارعها الأساسية جيدا، رغم أنني أشرت إليها على خارطتي، حدائق فسيحة و أماكن فارغة خاصة بين القناة و بركة الفوال، التي عاينتها عن كثب. و على خلاف المنازل الأوروبية، لا تتميز منازل القاهرة بارتفاعها. كما و أن معظمها مبني من القرميد غير المشوي و لا يتألف إلا من طبقة واحدة. يخال، بعض الأوروبيين، أن مدينة القاهرة مكتظة بالسكان، علما أنهم لم يعيروا مواقع الأحياء انتباها. ففي بعض الأماكن، يستطيع جاران، أن يتبادلا الأحاديث من خلف منزليهما، رغم أنهما يقطنان في حيين منفصلين؛ بينما يتوجب عليهما قطع ربع فرسخ ليلتقيا معا؛ إذ إن الحي له منفذ واحد على الشارع الرئيسي. و بالتالي، يرى الأجنبي هذه الشوارع الكبيرة مكتظة بالناس خلال النهار، خاصة و أنها تشبه شوارع مدن الشرق كلها من حيث ضيقها. لكننا غالبا ما نجد الطرقات الأساسية خالية من الناس، خاصة و أنها بعيدة عن وسط المدينة، و لا يكثر فيها الحرفيون؛ و يبدو الفرق جليا عند دخولنا إلى الأحياء المنفصلة.

قدمت لنا الكتابات الأخرى شرحا مفصلا للغاية عن أحياء مصر و أبنيتها، حتى أننا نستطيع الاكتفاء بذكر موقعها على الخارطة. و لكنني سأضيف بعض الأشياء على ما سبق و ذكر. يقع القصر بين المدينة و جبل المقطم على صخرة منفصلة عنه. و لا يمكننا تحديد زمن تشييده على هذا الارتفاع و يقال إنه كان مأهولا بالسكان و يشكل جزءا من بابل مصر، التي كانت خاضعة آنذاك لحكم اليونان. يطلق بنيامين دوتودالا على القصر اسم الصوان؛ و يبدو أن يهود مصر، كانوا يعتقدون أن مدينة زوان، المذكورة في‏

96

الكتاب المقدس، كانت تقع في هذه المنطقة (*) و اللافت للنظر أن موقع هذه الصخرة ملائم للغاية، حتى أن البعض يظن أن المسلمين وجدوها حصينة. لعام 217 للهجرة. و لقد بنى الخليفة المأمون على جبل المقطم، قبالة القصر المذكور، قصر قبة الهوى، و لكنه مهجور تماما (**).

يتألف القصر من 3 أقسام؛ جناح الباشا، جناح الانكشاريين، و جناح العفافرة. أما جناح الباشا، فمهدم كليا، و لا يليق بحكام مصر. و لما كان الباشاوات لا يطيلون البقاء في منطقة واحدة، لم يحاول أي منهم بناء قصر جديد؛ و بالتالي فهم ينزلون في أماكن لا تليق بهم. يتصل هذا الجناح بالجناحين الآخرين، عبر بابين منفصلين؛ و لكن الباشا لا يحتفظ بمفتاحيهما، بل بمفتاحي البابين اللذين يؤديان إلى الميدان، و الجبل و الحقول. و عملا بتقليد هذا البلد، تقفل الأبواب ليلا بواسطة أقفال خشبية. و نجد في جناح الباشا، قسما لصك الأموال، تضرب فيه عملة سكين الذهبية، و البارة الفضية، و البورب النحاسية؛ و لكنها لا توازي الأموال التي تضرب في القسطنطينية قيمة. يشبه جناح الانكشاري قلعة منيعة؛ فهو محاط بسور محصن بأبراج شاهقة على غرار القلعات التركية الأخرى. يتكفل السلطان بدفع رواتب الانكشاريين؛ و لما كان معظم الضباط عبيدا عند علية القوم في القاهرة، نراهم أكثر تعلقا بأسيادهم من السلطان. و هم يلجؤون إلى طرد الباشا، الذي يعينه المصريون، إن رفض الانسحاب خلال الفترة التي يحددها له البهاوات. لكن العرب لا يخشون الانكشاريين، لأنهم يسرقون الأماكن المجاورة للقصر، و المأهولة بالسكان. و يقع في هذه المنطقة، ينبوع يوسف الشهير و الذي يزوره الرحالة كلهم. و مما لا شك فيه أن بناء هذا الينبوع يتطلب عناء و مالا وفيرا، لأنه عميق جدا و منحوت في الصخر؛ و لكن الصخر حجارة من الكلس اللين و العمل عليها لا يتطلب عناء كبيرا، مقارنة بالمعالم التاريخية الأخرى، مثل الباغود في الهند، المحفورة في الصخور الصلبة. و رسم نوردن صورة واضحة جدا لينبوع يوسف. يعتبر قصر يوسف أكثر الأماكن جمالا في جناح العفافرة؛ و تصنع فيه الأقمشة الفاخرة (الكسوة)، التي ترسل سنويا إلى مكة على حساب السلطان؛ و نرى اليوم في هذا البناء، أنقاضا كثيرة تدل على عظمته السابقة. فقد زينت جدران جناح النساء بصور أشجار و منازل و خلافها و فسيفساء من عرق اللؤلؤ، و الحجارة الكريمة و الزجاج الملون. و نرى اليوم في الغرفة التي كان يطرز فيها القماش، بعض النقوش على الجدران. و نشاهد في غرفة ثالثة، رسومات جميلة على السقف. أما فوق هذا الجناح من القصر، حيث البناء مدعوم بسور ضخم فنصادف شرفة مغطاة تطل على الأهرام و الجيزة و مصر العتيقة و بولاق، و تشرف على منظر فاتن. و الملاحظ أننا نقع في هذا المكان، على أسماء بعض حكام مصر القدامى، محفورة على الجدران. و يقال إن خلفاء مصر و سلاطينها أقاموا في هذا القصر؛ و المدهش أن الحكام الأتراك لم يحذوا حذوهم، و لقد رآني المشرف على العمال،

____________

(*) يعتقد بريانت أن هيليوبوليس كانت تسمى قديما زوان، راجعوا كتاب ملاحظات حول التاريخ القديم.

(**) التاريخ العالمي الحديث، الجزء الثاني ص 136.

97

الذين يصنعون القماش المذكور آنفا، و أنا أتأمل القصر، فدعاني لشرب القهوة في منزله. فسألته عن يوسف الذي يحمل هذا البناء الجميل و الينبوع المذكور اسمه آنفا، فقال لي إنهما بنيا منذ 600 سنة، على يد صلاح الدين. و هذا الأمر ليس خاليا من الصحة لأن الأمير المذكور بنى عدة أماكن عظيمة.

و كان يسمى يوسف والد المظفّر، ابن أيوب. أما الأسماء الأخرى التي حملها، مثل السلطان و الملك و النصر، و صلاح الدين، فهي ألقاب شرف، و نشاهد قرب قصر يوسف هذا حوالي الثلاثين عمودا من الغرانيت الأحمر؛ و لكنها لا تضاهي عمود بومبي، في الإسكندرية، جمالا و عظمة. أما الطريق المؤدي إلى صف الأعمدة هذا فهو محفور في الصخر؛ و نشاهد على سور أحد الأبنية صقرا منقوشا عليه، زالت ملامحه مع مرور الزمن.

لم تعد القرافة مأهولة بالسكان؛ لكننا نرى فيها جوامع جميلة مهدمة جزئيا، و أضرحة ملوك مصر القدامى. و في هذا المكان بالذات، دفن الشافعي، مؤسس أحد المذاهب الأربعة التابعة لأهل السنة.

و كانت النساء المسلمات تزرن هذا المكان، خاصة نهار الجمعة، إما للعبادة أو للتنزه. في الجهة الأخرى للقصر، بين جبل المقطم و المدينة، نشاهد عددا كبيرا من الجوامع المتداعية، و دور عبادة مجاورة لقبور المسلمين الأثرياء، و التي يبلغ طولها حوالي الميل‏ (*).

و نجد أنفسنا أمام خيارين: إما اعتبار قاعد بيه نبيا، بين هؤلاء الأثرياء المدفونين أم إنه كان يدرك أن الآخرين لن يتلفوا جامعه؛ لأن المعبد الذي شيده في هذا المكان هو في حالة جيدة و قد بنيت حوله عدة منازل و باتت تشكل قرية كبيرة. يرقد اليزبك الذي شيد جامعا كبيرا بالقاهرة، في الشارع الذي يحمل اسمه في أحد جوامع قاعد بيه، في الجهة الشمالية- الشرقية، و ضريحه محاط بعدد وافر من المنازل.

فيبدو جليا أن أسياد المسلمين في مصر، أسرفوا في بناء المعابد، شأنهم شأن سلاطين القسطنطينية؛ و لعلهم بالغوا أكثر منهم. سمعت أنه يوم كان ملك البلاد يقيم في القاهرة، كان الشيوخ الفقراء ينتقلون من جامع إلى آخر، حيث يؤمنون لهم الطعام و المأوى مجانا.

يتميز حي طولون بجامعه الكبير، الذي يبلغ طوله 200 قدم، و بقلعة الكبش القديمة. بنى هذه القلعة المدعو أحمد بن طولون، الذي ثار، عام 265 للهجرة في وجه خليفة بغداد. مما يعني أن هذا القصر أقدم من مدينة القاهرة (**) و من بين جوامع هذه المدينة كلها، يعد جامع الأزهر أكثرها قدما و غنى و أكبرها مساحة. حيث يؤمن يوميا المأكل و المأوى لعدد كبير من الفقراء. و نجد هنا معهدا إسلاميا شهيرا، على‏

____________

(*) يسمى ماراي هذا المكان الصحراء و هو لا يتحدث عن ضريح قاعد بيه فحسب، بل عن جوامع و أضرحة في القاهرة و ضواحيها.

(**) وصف تاريخي لأفريقيا، جان ليون. التاريخ العالمي الحديث، الجزء الثاني، ص 184. و تاريخ ملوك مصر، ماراي. يقول هذا الأخير: إن أحمد بن طولون بدأ بتشييد جامعه عام 263، و انتهى منه عام 265، و أن السلطان لجين المنصوري زوده بأموال طائلة، و أنه بنى قرب الجامع مدارس كثيرة.

98

رأسه 4 مفتين يمثلون المذاهب الأربعة: الشافعي، و الحنفي، و الحنبلي و المالكي. يتميز جامع السلطان حسن، الواقع على مقربة من الرميل، بجماله و ارتفاعه و صلابته. و لما كان يستعمل قديما كمربض للمدافع، أحيطت بوابات المعبد بالأسوار. و الجدير ذكره أن عدد الجوامع في القاهرة كبير جدا، و أظن أن تعدادها و ذكر أسمائها و الإشارة إلى موقعها على الخارطة قد يثير ملل القارى‏ء. سأكتفي إذن بالقول: إن عددا كبيرا منها له أكثر من منارة، محاطة برواق أو أكثر، تستعمل لدعوة الناس إلى الصلاة. يقول المسلمون، إن رنين الأجراس خاص بالدواب؛ يعلقون أجراسا صغيرة بالجمال و البغال التي تستعمل في القوافل. و تقتصر زينة الجوامع على السجاد الفاخر أو الحصر البسيطة، و النقوش الذهبية على الجدران، التي تتضمن آيات قرآنية و قناديل غير جميلة معلقة أفقيا بسلسلة من الحلقات. و من الجهة المقابلة لمكة، نرى كوة من المرمر، تسمى القبلة، وضع أمامها شمعدانان كبيران فيهما شموع طويلة و خلال الصلاة يوجّه المسلمون كلهم وجوههم نحو القبلة. أما المارستان فهو مستشفى المجانين و المرضى و يقال إن مؤلفات العرب تتحدث تفصيليا عن عائدات المستشفى و الجوامع الكبيرة. و اللافت للنظر أن المشرفين على إدارة هذه الأموال يغتنون بسرعة، بينما تفتقر الجوامع شيئا فشيئا، إلا أن يظهر ورثة جدد يحاولون إصلاح الأضرار التي تسببها هذه العمليات. و مما لا شك فيه أن هذا المستشفى مجهز بكل ما يحتاجه المريض، حتى الموسيقى. و من المعروف أنه لسنوات خلت حرم المرضى من هذه التسلية؛ و لكن الفضل يعود لعبد الرحمن الكخيا في التمتع بها ثانية. و لم أر من هذا المبنى إلا جناح المرضى، الذين كانوا قلّة، مقارنة بكبر مساحة المدينة. و تكثر في القاهرة المباني الحجرية الصلبة المجهزة بغرف صغيرة و دكاكين للتجار. و من الملاحظ أيضا أن عدد الحمامات العامة مرتفع جدا؛ و رغم أن منظرها الخارجي ليس لائقا إلا أنها فسيحة و نظيفة من الداخل. فالأرض مغطاة بالمرمر الفاخر، و يسهر الخدم فيها على راحة الزوار. و الجدير ذكره أن الاحتفالات التي يقومون بها مع الذين يرتادون الحمام، تبدو في غاية الغرابة بالنسبة للأوروبي، حتى أنه يخالهم يسخرون منه. لكن هذا ليس من شيم الشرقيين. و من الأفضل أن يذعن الفرد لإرادتهم، و يحاول الاسترخاء، نجد في داخل المبنى غرفة صغيرة، وضع في وسطها عمود طوله حوالي قدمين و نصف القدم، يجلس عليه كل من يشاء انتزاع الشعر عن أعضائه التناسلية بواسطة مرهم يباع في الحمامات. و ما لفت انتباهي في هذا المكان، هو أنني رأيت بين رسومات القدامى، صورا لأشخاص عراة جالسين على هذا العمود. و هذا الأمر يدفعني للاستنتاج أن هذه العادة الرائجة اليوم في الحمامات، هي قديمة العهد. و من بين المباني العامة في القاهرة، نذكر أيضا المنازل التي يقدم أهلها يوميا الماء مجانا للمارة. و تتميز بعض هذه المنازل بمظهرها الجميل؛ و يحتفظ أهلها على الشرفات بكؤوس نحاسية نظيفة مملوءة بالمياه، تقدم للمارة.

و تكثر في القاهرة أيضا البرك التي هي عبارة عن أماكن منخفضة، تتحول في غضون 12 شهرا إلى بحيرات صغيرة، لتصبح بعدها حدائق غنّاء و مروجا خضراء ثم لتمسي أخيرا صحراء. و يقيم في هذه المناطق، و خاصة في محيط بركة الفيل، أسياد المدينة. لكن المسلمين لا يظهرون أبدا عظمتهم على منازلهم؛ و لهذا السبب لا نرى من قصورهم إلا الأسوار الشاهقة.

99

تحدثت سابقا عن أنقاض هيليوبوليس، التي نراها على بعد فرسخين شمالي الشمال الشرقي للقاهرة.

و نجد على مقربة من هنا قرية مطاره، حيث نرى أشجار جميز يجله مسيحيو الشرق؛ إذ يزعم أنها فتحت أغصانها لتخبى‏ء بينها العائلة المقدسة، خلال هروبها من مصر، إلى أن مر مضطهدوها. تحدث السيد بريتنباخ و الأمير رادزفيل، و غيرهما عن هذه الأعجوبة و لكن يجدر بنا ألا نتوقع العثور هنا على الشجرة نفسها التي يزيد عمرها على 1800 سنة. و يقول الأمير رادزفيل إنها شاهقة و كثيفة و مشقوقة؛ بينما يدّعي و يلد أنها منقسمة إلى 3 أقسام و لا أذكر أنني شاهدت شجرة تحمل هذه المواصفات؛ مما يجعلني أشك بأن الشجرة التي كانت تجل منذ 200 سنة، لا تزال موجودة حتى اليوم. و لكن المسيحيين الذين يعبرون من هنا، يأخذون قطعة من هذه الشجرة التي يزعمون أنها مقدسة. و نرى بالقرب منها ينبوعا تدفقت منه المياه العذبة، عند مرور العائلة المقدسة بمحاذاته. فضلا عن شجر اللبان، الذي قضى عام 1615 بفعل فيضان مياه النيل، وفقا لكلام هنري رانتزوف؛ و منذ خضوع مصر لحكم الأتراك، لم يتكبد أحد عناء زراعة نباتات جديدة من هذه الفصيلة من الأشجار.

و على بعد 4 فراسخ شرقي القاهرة، تقع بركة الحاج، التي تصب فيها مياه النيل؛ و يتجمع سنويا حولها الحجاج قبيل انطلاقهم إلى مكة، و بعد عودتهم منها. و تكثر حول هذه البركة القرى و المنازل القروية المتداعية، التي تعود لسكان القاهرة، و بعض بساتين البلح؛ و هي تتميز بالبقعة الفسيحة التي يخيم فيها الحجاج. و بعد عودتي من دمياط، في 20 أيار/ مايو عام 1762، أي قبل يومين من انطلاق الحجاج، أسرعت لمشاهدة هذه القوافل الشهيرة قرب بركة الحاج و وصفت مشروع التخييم (راجعوا اللوحة 14) بيد أنني لم أنقل بصورة صحيحة الفوضى التي كانت تعمّ المخيم؛ فكل مسافر ينصب خيمته حيثما يحلو له. لكن أمير الحج وحده هو الذي كان يملك خيما كثيرة، كان ينصبها بشكل منظم. و إليكم شرحا للأحرف المشار إليها على الخارطة المذكورة آنفا. أ- خيم أمير الحج، و في وسطها خيمة صغيرة يوضع فيها القماش الفاخر، الذي سينقل إلى مكة، ب- مقر الأمير خلال النهار؛ نجد أمامها 3 مدافع صغيرة؛ و أربعة أمام المقر (ج)، د- خيم بائعي المؤن. و تمثل الخطوط المستقيمة الحبال التي تربط فيها الخيول و الجمال، ه- قرية فقيرة، و- منازل قروية ملك أسياد القاهرة. تشير الأحرف المتبقية إلى خيم مستديرة و مستطيلة. و إنني لم أشاهد هذه القافلة و هي تغادر القاهرة؛ و لكن تناول بعض الكتاب هذا الموضوع بتفصيل دقيق. و ينضم إلى هذه القافلة المغربيون أو عرب الغرب، و يتابعون رحلتهم برفقتها؛ علما أن المغربيين الذين يمارسون الأعمال التجارية، يسافرون مع المصريين؛ أما الجزائريون و التونسيون، و أهالي طرابلس الغرب، فيسبقون الآخرين أو يحطون رحالهم بعدهم بيوم واحد؛ كما و أنهم لا يدفعون رسم العبور للحكومة المصرية.

يقام في بولاق بازار كبير يعرف بالكيساري(Kissarie) ؛ أخبرني صديق لي مقيم في القاهرة، أن الأباطرة الإغريق أو الرومان أطلقوا عليه هذه التسمية. و لكننا نجد في مدن أخرى، كبيروت مثلا، أسواقا هائلة، تسمى كيساري(Kissarie) ؛ فهذه التسمية مرادفة إذن للبزستان في القسطنطينية، و عقال في‏

100

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

101

القاهرة (*). و تعد بولاق اليوم مدينة مهمة، و مرفأ أساسيا من مرافى‏ء القاهرة؛ إذ تمر فيها كل البضائع التي ترسل عبر النيل، من دمياط و رشيد إلى العاصمة، أو إلى المتوسط؛ مما يعني أننا نجد فيها أهم مركز للجمارك. و تكثر في بولاق مستودعات الأرزّ، و الملح، و البارود الأبيض و الخشب، و الزعفران، الذي ينمو في مصر العليا، و لكن الزعفران الذي تنتجه مصر الوسطى يصدّر إلى القاهرة. و نجد أيضا في بولاق مستودعا خاصا بالسلطان، يجمع فيه القمح الذي يرسل سنويا من مصر إلى مكة و المدينة و آخر قديما، يوضع فيه عتاد السفن العائدة إلى الحقبة التي كانوا يملكون فيها أسطولا في السويس.

تعد الفسطاط أو مصر العتيقة- كما اعتاد الأوروبيون على تسميتها، مدينة بحد ذاتها- و لكنها صغيرة جدا مقارنة بمدينة الفسطاط القديمة، التي كانت عاصمة مصر. و نجد فيها مركزا للجمارك تدفع فيه رسوم عبور البضائع المرسلة من مصر العليا، فضلا عن مكان فسيح محاط بسور حصين تجمع فيه الحكومة القمح في الهواء الطلق؛ و لقد شيّد هذا البناء في عهد الخلفاء المسلمين. أما المؤلفون الذين يؤكدون أن يوسف بنى مستودع القمح هذا، فقد خدعهم بنيامين دوتولا، الذي يقول في سير رحلته (ص 104) إنه وجد في مصر العتيق بقايا مستودعات قمح، بناها يوسف. و لكنه يتحدث عن ممفيس الواقعة على بعد فرسخين من مصر العتيق. و يقع الجامع الذي بناه القائد العربي، عمرو بن العاص، بين مصر العتيق و جبل المقطم. يزوره عليه القوم في القاهرة مرة في السنة احتفاء بذكرى بناء المسجد الأول في المكان نفسه؛ و نرى في الجوار بناء محاطا بسور قديم. (راجعوا الصورة على اللوحة 12) و لعل حصن مدينة مصر، المذكورة في حديث العرب عن غزو مصر، كانت مبنية في هذا المكان؛ و الجدير ذكره أن هذا الحصن المتداعي مأهول اليوم بالمسيحيين. و نجد في هذا المكان أيضا عدة كنائس و مقابر إغريقية و قبطية و ديرا للنساء الأقباط، و مغارة مقدسة، إذ يقال إن العائلة المقدسة أقامت فيها لبعض الوقت. يحتفظ الإنكليز و الفرنسيون بمقبرة هنا، و كنيسة صغيرة، يقيم بقربها راهب فرانسيسكاني. تشتهر كنيسة القديس غريغوريوس الإغريقية بعجائبها الكثيرة، يقال إن المجانين من المسلمين و المسيحيين على حد سواء، يستعيدون رشدهم إن أوثقوا بغلا مربوطا بأحد أعمدة الكنيسة، و تليت الصلوات لراحة أنفسهم. و على مقربة من الكنيسة، شاهدت بئرا عميقا، يمتلى‏ء سنويا بالمياه عند ارتفاع منسوب مياه النهر. و قيل لي، إن ضفة النيل، كانت قديما في هذه البقعة؛ و هذا الأمر ليس بعار تماما من الصحة، إن أخذنا بعين الاعتبار تغير مجاري الأنهر مع مرور الزمن، خاصة في النقاط التي تمر فيها أمام المدن. و بالتالي فالقناة الممتدة بين الفسطاط و جزيرة الروضة تبقى جافة عند انخفاض منسوب المياه. و لقد أشار الأمير رادزفيل، أنه منذ حوالي 200 سنة كان الناس يعبرون من مصر العتيق إلى جزيرة الروضة مشيا على الأقدام، نظرا لانخفاض منسوب المياه. و لعل ضفة النيل الشرقية لم تشهد تغيرات ملحوظة منذ عدة قرون.

رسمت على الخارطة القناة التي تنقل بواسطتها مياه النيل إلى قصر القاهرة، و التي شيّدت حسب‏

____________

(*) تسمى الأبنية العامة في بلاد بربر كيساري‏(Casserie) ؛ تاريخ بلاد البربر، بيار دان، ص 168.

102

تقرير ماراي على يد السلطان الغوري الذي استلم الحكم العام 1501 ميلادية، و نجد على الضفة الأخرى للقناة التي تجتاز القاهرة و على مقربة من النيل، صرح كفر العين الذي تعلوه قبة. و يشير الدراويش الذين يقطنون فيه حاليا- و يجنون منه مبالغ طائلة- إلى البقعة التي قتل فيها السلطان سليم. كما و أنهم يملكون طرائق أخرى معلقة فوق باب هذا الدير، و منها حذاء يبلغ طول نعله 22 بوصة، قيل إن درويشا يدعى إبراهيم ارتداه في عهد السلطان بيبرس؛ و غليون رأسه كبير، و غيرها من النوادر التي جمعتها هذه الأخوية خلال رحلاتها، و احتفظت بها للذكرى. و على مقربة من هذا الدير، اعتاد أسياد القاهرة و أفراد عائلتهم، التمرن بالبنادق و الأقواس، نهاري الأربعاء و السبت؛ إذ أقام بعض منهم في هذا المكان حجارة تدل على بعد مرمى السهام.

تقع مدينة الجيزة على الضفة الغربية للنيل، قبالة مصر العتيق؛ إلّا أني أجهل أصل هذه المدينة. و لكنها ليست بجديدة نظرا للمرتفعات المحيطة بها التي تشكلت بفعل القمامة التي تجمع من الطرقات و تنقل خارج المدينة. و أخالها برزت مع بروز مدينة الفسطاط، و انحلت مع انحلالها. أما سكانها فمعظهم من الحرفيين، الذين كانوا يعملون في الفسطاط، و ارتأوا العودة إلى القاهرة، بعد انحلال الفسطاط. لم يلفت انتباهي في الجيزة إلا المنازل القروية و بعض المصانع.

تقع جزيرة الروضة بين مصر العتيقة و الجيزة. و خلال القرون العشرة الأخيرة، لم يطرأ أي تغير على مساحة هذه الجزيرة؛ و إن شئنا وصف مساحتها و صورتها، علينا أن نقرأ كتاب الشريف الإدريسي. ففي زمن هذا المؤلف شهدت مصر العتيق ازدهارا ملموسا. بينما كانت تضم هذه الجزيرة حدائق غناء و منازل قروية جميلة، و نظرا لتكاثر أعمال سكان العاصمة على الضفة المقابلة للنيل، بني جسر للسفن بين الفسطاط و الروضة و بين الروضة و الجيزة. لكن أصبحت القاهرة العاصمة، و هدم الجسر الذي يصل الفسطاط بهذه الجزيرة؛ إذ نقل سكان القاهرة منازلهم القروية إلى مصر العتيق و بولاق، و بركة الحاج.

و بالتالي، فقدت الروضة معالمها المميزة باستثناء سور كبير على الطرف الجنوبي، و بعض الصروح القديمة و منها الجامع الذي يحوي المقياس الشهير. رسم عدة رحالة هذا الصرح؛ و لكن نوردن وحده الذي أجاد رسمه. و الجدير ذكره أن الصورة أجمل من الأصل الذي نقلت عنه.

لست أدري إن حاول أحدهم قياس عرض النيل؛ و لقد قسته بواسطة قاعدة طولها 233 قدما و زاويتين متلاصقتين فوجدت أن عرض النيل قرب الجيزة يبلغ 2946 قدما بما فيها عرض جزيرة المقياس التي ظهرت منذ سنوات قليلة. لكن يبلغ عرض النيل قرب رشيد 650 قدما و قرب دمياط 100 قدم في الواقع. و يرتفع منسوب النهر في شهر حزيران/ يونيو لمدة 40 أو 50 يوما حتى يعود و ينخفض شيئا فشيئا؛ إذ إن السماء تمطر بغزارة خلال أشهر الصيف الحارة، في الحبشة و الجهة الغربية لجبال اليمن، مما يؤدي إلى فيضان مياه النيل. كما و أن أنهر اليمن تفيض في الموسم نفسه، لتصب في البحر أو تمتصها الرمال؛ بينما تتجمع الأنهر و الجداول في الحبشة لتشكل نهرا واحدا يجتاز بلاد مصر كلها. و لما لم يسمح لي بقياس انخفاض منسوب المياه قرب المقياس، بحثت في الجيزة على أحد الجدران الوعرة على دليل عن أعلى‏

103

نسبة لفيضان مياه النيل الأخير، و وجدت أنه في 30 كانون الثاني/ يناير 1762، كانت على ارتفاع 15 قدما، فوق سطح المياه، و انخفضت بمعدل 24 قدما في الأول من حزيران/ يونيو التالي. من المؤكد إذن أنه في ضواحي القاهرة ترتفع مياه النيل بمعدل 24 قدما. بينما أكدوا لي في دمياط و القاهرة أن ارتفاع منسوب المياه لا يزيد على الأربعة أقدام، فإن تأملنا في فيضان النيل، نر أنه في البقعة التي يضيق فيها المجرى يرتفع منسوب المياه في أكثر من جهة المتوسط و ذلك بعد أن يروي الحقول اليابسة المجاورة للقاهرة، و يملأ البرك أو البحيرات الصغيرة و ينقسم إلى فروع صغيرة. و لكن لا أحد يتوقع هذا الفرق في ارتفاع منسوب المياه ضمن هذه المسافة الصغيرة. و عند ارتفاع منسوب النيل، تسد و تنظف القنوات التي اشتقت من النهر الكبير لدى الأرياف المجاورة؛ و لا تفتح إلا بعد أن يبلغ منسوب المياه ارتفاعا محددا. مقياس جزيرة الروضة وحده الذي يحدد هذا الارتفاع. و قد أوكلت لأحد الشيوخ مهمة الإعلان عن ارتفاع منسوب المياه. و يسارع الفقراء الذين يسمعون الخبر في مصر العتيق و الفسطاط إلى القاهرة لنشره في شوارعهم و أحيائهم. و يعودون بعدها إلى الفسطاط، ليصرح لهم الشيخ من جزيرة الروضة عن مقدار ارتفاع منسوب المياه. فينشر هذا الخبر أيضا، إلى أن يبلغ النيل الارتفاع المطلوب، لفتح القناة التي تجتاز القاهرة؛ و هذا يعني أنه يتوجب دفع الضريبة للسلطان، و أنه لا داعي للخوف من الجفاف. و لكن لا أحد يعتمد على الأخبار التي تذاع حول فيضان النيل. الشيخ وحده يقترب من المقياس، و يعلن في البداية عن ارتفاع بسيط لمنسوب المياه، ليخبرهم لاحقا عن تدفقها بشكل قوي؛ فإن لم يرتفع المنسوب كثيرا، فلا يخشى السكان من عدم بلوغه الارتفاع المطلوب قبل فتح القناة. شاهدت مصبها في القاهرة، و حاولت مراقبة اختلاف ارتفاع منسوب المياه على سور وعر؛ و في اليوم نفسه قيل في البلدة إن منسوب المياه ارتفع 3 مرات أكثر مما كنت أظن. و كنت أتمنى أن يشيد يوما ما، تاجر أورويي من القاهرة، أو أحد رهبان هذه المدينة، أو رحالة أورويي، مقياسا شبيها بمقياس المسلمين. و إليكم أفضل طريقة للقيام بذلك. فعند بلوغ منسوب المياه أدنى ارتفاع، يقاس علو السور المحاذي للنهر، و تحصى الحجارة التي تعلو سطح المياه، و يراقب ارتفاع منسوب المياه يوما بيوم. خلال ارتفاع منسوب المياه، نلاحظ أحيانا انخفاضه بشكل فجائي؛ و لعل ذلك عائد إلى صب المياه في أحد القنوات. و هذا يؤدي إلى اختلاف واضح في فيضان النيل. في السنة التي قصدت فيها بلاد مصر، نشر للمرة الأولى في 29 كانون الثاني/ يناير أن منسوب مياه النيل بدأ بالارتفاع؛ و نشر في 8 آب/ أغسطس أن ارتفاعه بلغ 16 ذراعا. عند ذلك شيّد سد القناة التي تجتاز القاهرة، في 9 آب/ أغسطس، و رافق ذلك احتفالات تقليدية تحدث عنها مطولا عدة مؤلفين.

انتظرنا طويلا لنشاهد تدفق المياه في المدينة، و لكن انتظارنا ذهب سدىّ؛ لأن القناة لم تنظف جيدا تلك السنة، و لم نشاهد تدفق المياه إلا مساء العاشر من آب/ أغسطس. و أثار هذا الحادث الاستثنائي بلبلة بين سكان القاهرة؛ و قيل إنهم سينزلون العقاب بكل من أساء تنظيف القناة؛ و لكنه دفع مبلغا كبيرا للملك، و بنى على حسابه سدا جديدا للقناة، و وضع حجر الأساس له في 12 آب/ أغسطس، بعد حفر قناة القاهرة، فتحت القنوات الأخرى شيئا فشيئا؛ إذ لا يحق لكل منطقة بنزح ماء النيل عند ارتفاع منسوبها.

104

و لهذا السبب وضع المصريون قوانين خاصة بهم تنظم عملية سد القنوات الصغيرة. و تبقى مجاري البرك في القاهرة و ضواحيها مسدودة ثلاثة أيام حتى تصب مياهها في القناة التي تجتاز القاهرة. و في تلك السنة، لم تصل المياه إلى بركة اليزبكي إلا في 18 آب/ أغسطس.

بين سد القناة التي تجتاز القاهرة و النيل شيّد عمود من التراب في وسط القناة؛ و يطلق المصريون على هذه الحفنة من التراب اسم العروس. و لقد علمت أن المصريين الوثنيين كانوا يقدمون سنويا عذراء كأضحية للنيل. لكن المسلمين أرادوا بناء مقياس للشعب من خلال عمود العروس هذا؛ قبل أن يبنى السد، فمجرى المياه ليس قويا كفاية إذا لم يصل لقلب العروس التي تدل على مدى ارتفاع منسوب مياه النيل. لكن بعد القيام ببناء السد أمكن التخلي عن خدمات العروس؛ و لما كان المجرى يقوى كثيرا في القناة خاصة في الأيام الأولى فالمياه ستقلبها حتما. و ذكر غابريال سيونيتا في ملحق كتاب الشريف الإدريسي، أن المصريين يجرون اختبارات لتحديد ارتفاع منسوب مياه النيل مسبقا. و يقال في بلاد مصر، إنه من مساء 17 حزيران/ يونيو إلى 18 منه، يبدأ منسوب مياه النيل بالارتفاع في الحبشة، أو تسقط النقطة التي تسبب فيضان النيل. و في الليلة المذكورة، تضع النساء عجينا على سطوح منازلهنّ؛ فإن زاد وزنه فذلك يشير إلى سقوط النقطة؛ و من خلال هذه التجربة، يحاول المصريون تحديد مدى ارتفاع منسوب مياه النيل و أسعار الفاكهة للسنة المقبلة. و لما كانت الحرارة في بلاد مصر، معتدلة جدا، فقد يتساقط الندى ليلا في ذلك الفصل و يؤدي إلى زيادة وزن العجين. و لما كانت النساء تعرضّن العجين للمرة الأولى في الليلة المذكورة، فذلك يعزز إيمانهنّ بصحة اختبارهنّ. بيد أن النساء لم يتّفقن تلك السنة حول الليلة التي سقطت فيها النقطة؛ إذ إن بعضا منهنّ لم يحسنّ الترتيب الزمني القبطي. من المؤكد إذن أنه تجري كل سنة في بلاد مصر، تجارب لتحديد زمن ارتفاع منسوب مياه النيل و التنبؤ بالجفاف أو بوفرة المياه. لكن علماء المسلمين يعتبرون هذا الأمر مجرد تسلية نسائية. و قال لي أحدهم إن علماء الفلك العرب يسمون النقطة دخول الشمس في برج السرطان؛ و لعل هذه التسمية حثّت الناس على القيام بهذه التجارب التافهة. و أظن أن السيد فورسكال قام بنفسه ببعض التجارب؛ و إليكم شرحه لهذا الموضوع:

و في ليلة 17 حزيران/ يونيو ينتظر سكان القاهرة سقوط النقطة؛ و لما كانت أشهر المسلمين لا تصادف دوما في الموسم نفسه فهم يتبعون الترتيب الزمني القبطي. يظن المصريون أن النقاط تتساقط من السماء في الليل في النيل، و تؤدي إلى فيضان النهر بعد أسبوعين أو ثلاثة. و يتم التكهن حول فيضان النيل المقبل، و خصوبة السنة القادمة. في هذه الليلة بالذات. و إليكم ما يفعلونه: يوضع رطل من الطين في وعاء عميق، يضاف إليه رطل من ماء النيل و نتركه يرتاح طوال الليلة التي نتوقع فيها سقوط النقطة سواء داخل المنزل أو خارجه. فإن شرب الطين الماء كانت السنة جافة؛ لكن إن بقي بعض الماء كانت السنة غنية بالمياه.

قمت بنفسي بهذا الاختبار عدة مرات؛ و كانت المياه تبقى في الوعاء دوما. غير أنني لا أظن أن تراب‏