رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - ج1

- كارستن نيبور المزيد...
398 /
105

النيل، يمتص كمية كبيرة من المياه؛ و الدليل على ذلك فيضان نهر النيل سنويا. فالكمية المتبقية من المياه لا تعني شيئا؛ غير أن كل إنسان يحاول التكهن بما يحلو له.

و إليكم طريقة أخرى للتنبؤ: تصنع 12 علبة صغيرة من الورق، و يكتب على كل منها اسم شهر قبطي. و يوضع في كل علبة حبة قمح من الوزن نفسه. لكن إن زاد وزن إحدى العلب، قيل إن مياه النيل ستفيض في الشهر المدون على العلبة. بيد أنني أجد هذا الاختيار أكثر غرابة من الأول.

و يقال أيضا إن العجينة التي توضع في الهواء الطلق عشية سقوط النقطة، تتحول إلى خميرة. و إن شاء أفراد العائلة أن يتسلوا وضع كل واحد منهم قطعة من العجين في صحن منفرد؛ و من ترفخ عجينته أكثر سيسعد أكثر من سواه. أجريت هذا الاختيار عدة مرات. و في الليلة التي سبقت 17 حزيران/ يونيو، لم ترفخ العجينة؛ و لكن في الليالي الثلاث التالية رفخت كثيرا. و مما لا شك فيه أن ارتفاع الحرارة هو الذي أدى إلى ذلك، و ليس النقطة العجائبية.

ذكرت لكم سابقا أنهم ينظفون قناة القاهرة سنويا؛ لتستعمل بعدها كشارع؛ غير أن ذلك لا يدوم طويلا، لأن السد سيخرق قريبا. خلال الأشهر التالية، و يستمتع أصحاب المنازل الواقعة على الضفاف بالمياه الجارية؛ و لكن سرعان ما تتكدس عليها أوساخ المدينة كلها باعثة رائحة كريهة للغاية.

لا تتوافر مياه الشفة في القاهرة؛ و هي تنقل إليها يوميا من المناطق المجاورة، على ظهر الجمال و الحمير.

و نجد تحت المساجد الكبيرة خزانات عامة، تملأ بالمياه لتزود المدينة بها، عند ارتفاع منسوب مياه النيل، و تعكر صفوها. لكن إن فرك داخل الأوعية باللوز أصبحت المياه صافية و صالحة للشرب. و يقال إن مياه النيل تسبب طفحا جلديا، في أحد فصول السنة؛ غير أنه ليس مزعجا و لا يضر بالصحة.

106

سكان مدينة القاهرة و شكل الحكم و التجارة فيها

إن غالبية سكان القاهرة من العرب و الأتراك و غيرهم من المسلمين من كافة الولايات التركية. و هناك المغربيون أو عرب بلاد البربر و الأفريقيون و التتر و الفارسيون. و المسلمون أبا عن جدهم من أهل السنة و ينتمون بغالبيتهم إلى المذهب الشافعي. و يعتبر الأقباط المسيحيون الأكثر عددا بعد المسلمين. و هم ينحدرون من المصريين القدامى و الأتراك يدعوهم بسخرية: خلف فرعون. و يسكن الأقباط في الشوارع الكبيرة المجاورة لبركة اليزبكية(Birket el Jچ‏sbekie) و لقنطرة الشرق(Kantaret el Charq) و لباب شيخ رهان(B b Schech Rih n) و في أماكن أخرى. لهم كنيستان في القاهرة و عدة كنائس أخرى في مصر العتيق(Masr el atik) و هي المدينة التي اتخذها البطريرك القبطي مسكنا له علما أن كافة الكهنة الأقباط في مصر يخضعون له كما و يرسل إلى الحبشة رئيسا للإكليروس.

أما اليهود فيحتلون المرتبة الثالثة من حيث العدد بعد المسلمين و الأقباط. ينقسم اليهود إلى الفريسيين و التلموديين و أيضا القرائين(Karaites) و لهم كنيس خاص بهم بالرغم من صغر عددهم. يحتل التلموديين مركزا جيدا في مصر، فلقد وضعوا يدهم منذ عدة سنوات على كافة الجمارك في بولاق(Bul k) و مصر العتيقة و الإسكندرية و دمياط. و لهذا السبب، يمكنهم أن يحصلوا على الحماية و الدعم في مصر أكثر من ولايات الإمبراطورية التركية حيث يكون رجال الجمارك من جماعة الباشاوات أو مدير عام الجمارك الذي يسكن في القسطنطيينة. و نذكر من أهم الأدلة على نفوذ اليهود في الجمارك أن الدوائر الجمركية تقفل أيام السبت في وجه كافة البضائع سواء كان أصحابها من المسلمين أو من المسيحيين و لليونانيين كنيستان في القاهرة يستقر في إحداها بطريركهم و في الثانية مطران جبل سيناء. و يقل عدد الأرمن في القاهرة لكن لديهم كنيسة صغيرة جميلة تابعة لكنيسة الأقباط في قنطرة جديد. أما فيما يتعلق بالجاليات الأوروبية فهناك قنصلية فرنسية في القاهرة و أخرى هولندية و ثالثة إيطالية. كما و نجد تجارا فرنسيين و إيطاليين، أما التاجر الهولندي الوحيد الذي كان قد استقر في القاهرة قبل مجيئنا إليها بقليل فقد عاد إلى إزمير و نحن لا نزال في القاهرة. و يكثر الكهنة في هذه المدينة من يسوعيين و كبوشيين و آباء التبشير و آباء الأرض المقدسة و الفرنسيسكان يجدون للحصول على أتباع لهم و غالبا ما ينجحون في هداية بعض مسيحيي الشرق إلى الكنيسة الرومانية. و مع أن هؤلاء المهتدين الجدد يسوء سلوكهم كمواطنين على حسب ظن المسلمين، إلا أن الحكومة لا تتدخل في منع المبشرين الأوروبيين لأن الشجار غالبا ما يندلع بين المهتدين الجدد و المخلصين للكنيسة القديمة فيضطر الفريق المعتدي إلى دفع غرامة

107

للباشاوت و أحيانا يضطر الرهبان أنفسهم إلى دفع مبالغ طائلة.

يلتزم زمام الحكم في القاهرة باشا لكن سلطته ليست كبيرة مثل الباشاوات في الولايات الأخرى، ذلك لأنه يخضع خضوعا شبه كامل للجمهورية أو لديوان الجمهورية أي للبهوات و لرؤساء الجيوش المصرية و لغيرهم من المديرين في القاهرة. و لأن نمط تفكير المصريين يختلف عن نمط تفكير الباشا، يعتبره هؤلاء جائرا و يقصونه عن الحكم عند ما لا يكون سياسيا محنّكا يعرف كيف يحرّض الأحزاب بعضها على بعض. و عند ما كنت في الإسكندرية، قام أهل القاهرة بطرد أحد الباشاوات. أما مصطفى باشا فقد عيّن مرتين وزيرا كبيرا ثم مرة ثالثة لا حقا. و كان قد تلقى الأمر بالتوجه إلى جدة لكنه ادّعى المرض و لم يذهب مع القافلة الكبيرة التي كانت متجهة إليها بل أرسل مكانه وزيرا مفوضا مطلق الصلاحية و بقي في مصر. ثم بعد ذلك اختاره المصريون باشا عليهم و تصرفوا بطريقة جعلت السلطان يعينه حاكما على مصر بالرغم من استيائه من مصطفى باشا و من المصريين. إلا أن هذا الأخير لم يشغل منصبه إلا لمدة سبعة أشهر إذ أرغم على التخلي عنه لصالح باشا آخر قادم من القسطنطينية إلى القاهرة. و تبع الاثنان كايجي باشي(Kapidsji B schi) لكن الباشا الجديد توفي فجأة أثناء الليلة التالية. و هكذا فقد توالى على الحكم ثلاثة رجال في الفترة القصيرة التي مكثت فيها بمصر. كما و يستبدل قاضي القاهرة الأول كل سنة بقاض آخر من القسطنطينية. و لست أدري إذا ما كان هناك مناصب أخرى في القاهرة تخضع مباشرة لقرار السلطان أو المفتي الكبير.

بعد منصب الباشا أو حاكم السلطان، يأتي مباشرة منصب البهوات. و مع أن السلطان هو الآمر الناهي في موضوع تعيينهم إلا أن المصريين هم الذين يقترحون أسماء المرشحين. و كثيرا ما يكون هؤلاء من المسيحيين الذين أحضروا في سن مبكرة من جورجيا إلى القسطنطينية و منها إلى القاهرة فبيعوا بستين أو مئة قرش إلى البهوات و المسؤولين الكبار في القاهرة فيعلمهم هؤلاء و كأنهم أبناؤهم تماما كما كان الأسياد المسلمون المحترمون يعاملون عبيدهم. ثم كانوا يدبرون لهم وظائف مدنية أو عسكرية في فرقهم الخاصة إذا ما وجدوهم أهلا لهذه المناصب إذ كان لكل بيه حراسه الخلّص أو حتى جيش صغير خاص به كمؤشر على عظمته و كوسيلة لحفظ الأمن في الولاية و المقاطعات التي يسيطر عليها. و لأن هؤلاء العبيد يدينون بكل ما لديهم لأسيادهم، نجدهم يخلصون لهم الإخلاص كله. و عند ما يلاحظ أحد الأسياد في عبده قدرات واعدة و إخلاصا كبيرا، يسخو في تنشئته و يصرف عليه أموالا تفوق الأموال التي يصرفها على نفسه لأنه يساهم بهذه الطريقة في تعزيز شأنه في الحكومة. و لقد عرفت أحد التجار الأغنياء و كان لديه خادم واحد و حمار واحد يمتطيه عند ما يخرج لإدارة أعماله. لكنه كان قد وضع بعض عبيده في مناصب ضباط رفيعي المستوى في الجيش المصري و كانوا يظهرون بأبهة و جلال في الشوارع لكن ذلك لم يحل دون تفانيهم في الدفاع عمّن أحسن إليهم. يحكى عن رجل يدعى حسن الكخيا(Hassan

108

Kichja )

أوصل عبيده إلى مراكز رفيعة جدا. و من بين هؤلاء رجل هو عثمان الكخيا كان بدوره سيدا لعبد هو إبراهيم الكخيا. و قد دفع هذا الأخير أموالا طائلة لتنشئة عبيده و خدمه و وضعهم في أرقى المناصب حتى استطاع في السنوات الأخيرة أن يحكم تقريبا مصر بكاملها مع أن منصبه الشخصي كان متواضعا فقد كان (الكخيا) أي كان يشغل المنصب الأول بعد آغا الانكشاريين. في الوقت الذي كنت فيه بمصر كان يحكم البلاد عبد الرحمن الكخيا ابن حسن الكخيا الآنف الذكر. و لم يكن لديه نفوذ كبير لكنه كان مسنودا من قبل عدد كبير من البهوات و الآغاوات لأنهم كانوا يدينون بثرواتهم لعائلته و لأنه كان غنيا و لديه فرق عسكرية عديدة و حائزا على احترام رجال الدين و الشعب. و يقال إن بهوات مصر كافة ينحدرون من أهل مسيحيين و إنهم بيعوا كعبيد في سن مبكرة: لكن ثمة بهوات مسلمون أبا عن جد و لم يكونوا يوما عبيدا. و هذه قائمة بأسماء بهوات مصر كافة في الوقت الذي مكثت فيها:

1- خليل بيه، اشتراه إبراهيم الكخيا و ربّاه، و عام 1762 تولى منصب دفتردار مصر أي أمين الصندوق.

2- حسني بيه و كان في العام نفسه «أمير الحج»(Emir Hadsj) أو قائد قافلة مصر و قد كان عبدا عند إبراهيم الكخيا.

3- علي بيه، من عبيد إبراهيم الكخيا، كان يحتل منصب شيخ البلد أو حاكم مدينة القاهرة. كان يطلق عليه اسم الصغيّر أو علي بيه الصغير. في السنة التالية قام هو و حزبه بإجبار الباشا أن يأمر عبد الرحمن الكخيا الذي كان يصحب رفاقه إلى بركة الحاج(Birket el Hadsji) في طريقهم إلى مكة ألا يعود إلى القاهرة و أن يرحل هو و القافلة. و هكذا أصبح علي بيه أكثر نفوذا من عبد الرحمن الكخيا. إلا أن سلطته لم تدم كثيرا إذ أخرج هو الآخر من مصر و أرسل إلى غزة. عام 1768 عاد إلى القاهرة و قتل أربعة بهوات في ليلة واحدة و أرغم الباشا على عدم السماح لأربعة بهوات آخرين بالعودة إلى القاهرة بعد أن كانوا قد هربوا منها. و منذ ذلك الحين أصبح رئيسا لحزبه الذي لم يكن قد حلّ، و الآمر الناهي في القاهرة. و لقد علمت من المجلدات أنه طرد الباشا و أعلن نفسه ضد السلطان إلى أن جاء محمد أبو الذهب و طرده فلجأ إلى الضاهر عمر(D hher Omar) والي عكا. و لم أوفق في معرفة المناصب التي كان يشغلها البهوات الآخرون لكن إليكم أسماء البهوات الثلاثة الذين ذكرتهم آنفا.

4- عثمان بيه و كان من عبيد إبراهيم كخيا.

5- حسن بيه و كان عبدا عند سليمان آغا.

6- حسن بيه من عبيد عمر بيه الألكتار(Electe r) و كان يسمى حسن بيه رضوان لتمييزه عن حسن بيه السابق.

109

7- خليل بيه الملقّب بالبلفي(Belf ?ie) . كان والده يدعى إبراهيم بيه و بالتالي كان ينحدر من أصل مسلم. و لقد كان رجلا مميزا.

8- حسن بيه الملقّب باسم داماد(Damچ‏d) . كان عبدا عند سليمان آغا.

9- صالح باشا و كان من عبيده مصطفى بيه الكرد(El Kerd) .

10- عثمان بيه الملقب بأبي سيف لأنه يحسن استعمال السيف. كان تركي الأصل من القسطنطينية و لم يكن عبدا قط. كان في خدمة إبراهيم كخيا الذي رقاه إلى أفضل المناصب في الجيش ثم أعطاه لقب بيه.

11- خليل بيه الملقب بالسكران، كان عبدا عند حسين بيه أمير الحج.

12- أحمد بيه السكّري، أبوه بائع سكر مسلم في القاهرة. فهو لم يكن مسيحيا قط و لقد نشأ في منزل إبراهيم كخيا، و في أيامي كان حاكم السويس.

13- إسماعيل بيه، من عبيد إبراهيم كخيا.

14- محمود بيه، من عبيد عثمان كخيا.

15- حمزة بيه ابن حسن بيه عباسة و هو مسلم الأصل.

16- محمد بيه الملقب باسم حنفي. كان عبدا عند سليمان آغا.

17- محمد بيه دالي(D li) . هو ابن إسماعيل بيه الدالي أي مسلم الأصل.

18- علي بيه الملقب بعلي بيه الكبير لتمييزه عن شيخ البلد، و لأنه كان واسع النفوذ في القاهرة منذ بضع سنوات. عند ما كنا في مصر، أرسل إلى غزة ثم عاد إلى القاهرة قبل رحيلنا منها و مات بعد ذلك بقليل، و يعزى موته إلى عباءة مبطنة بفرو مسموم أهداه إياها أحد أصدقائه البهوات.

علي بيه كان من عبيد إبراهيم باشا، اشتراه هذا الأخير و أنشأه عنده. يقال إن والده كاهن من جيورجيا و إن أهله و أشقاءه و شقيقاته كانوا يأتون لزيارته في القاهرة و قد بقيت عنده شقيقة و شقيقان من أشقائه و بعد أن تظاهر هذان الأخيران باعتناق الدين الإسلامي، عيّنهما علي بيه حاكمين على مقاطعتين صغيرتين.

إن عدد البهوات في مصر هو 24 لكن هذا العدد لم يكتمل أبدا ربما لأن عائدات البلد لم تعد كافية كما في السابق أو ربما لأن الباشاوات و البهوات يقتسمون فيما بينهم عائدات الآخرين و مداخيلهم. و إليكم أسماء الذين يتّبعون البهوات في ديوان القاهرة:

1- الآغا أو رئيس فوج المتفرقة(Metaf rraka) . أما الشخص الذي يشغل حاليا هذا المنصب فلقد كان عبدا عند إبراهيم كخيا.

110

2-(Katschuda Tsjausch n) و كان عبدا عند عثمان كخيا.

3- آغا فوج الغلمان(Dsjچ‏ml n) . كان عبدا عند إبراهيم كخيا.

4- آغا فوج التفكشان(Teffeksch n) ، من عبيد إبراهيم كخيا.

5- آغا فوج الشركس(Tsjaraksa) ، من عبيد عثمان كخيا.

6- آغا الانكشاريين. إن الشخص الذي يشغل هذا المنصب كل سنة من عبيد إبراهيم كخيا.

7- آغا فوج أصّب(Assab) ، من عبيد إبراهيم كخيا.

و بالإضافة إلى هؤلاء كلهم، هناك أشخاص آخرون يقيمون في ديوان الباشا ككخيا الأفواج و عدد كبير من رجال القانون و رجال الدين ... و لأني لا أعلم شيئا عن مهامهم، لن أستطيع أن أنقل أخبارهم.

كنت أتمنى لو أن السيد مايّيه(Maillet) دخل في تفاصيل شكل الحكم في مصر لأنه أمضى سنوات عديدة في هذا البلد و تعرّف على أهم رجالاته لذا فهو من سينقل أخباره. و يبدو أن شكل الدولة لا يزال حتى اليوم كما هو و كما وجده الأتراك و كما لم يستطيعوا تغييره بالرغم من كبريائهم و سلطتهم.

قد يظن البعض أن الأمن ينعدم في القاهرة لأنها معقل عدد كبير من الطغاة المتناصرين فيما بينهم على السلطة. لكن الجدير بالذكر أن أخبار السرقات و جرائم القتل هي أقل بكثير في القاهرة من غيرها من المدن الكبيرة في أوروبا. فإلى جانب القاضي الكبير، هناك قضاة آخرون مجبرون على عقد جلسات يومية في الشوارع التي تعيّن لهم و في بعض المنازل لإحقاق الحق. و للانكشاريين وجود في كافة الشوارع للحفاظ على الأمن. و لكل مهنة خبير محلف يعرف كل الذين يعملون فيها و حتى فتيات الهوى و اللصوص لديهم مخاتيرهم في بلاد الشرق، لكن لا يحق للصوص السرقة إلا أنه عند ما يشتكي أحد الناس من سرقة شي‏ء ما و يتوجه إلى مختار اللصوص يمكنه غالبا أن يستعيد الشي‏ء المسروق لقاء مبلغ ما (*). و يقوم مسؤولو العدالة و الشرطة بالتنقل ليلا و نهارا في شوارع المدينة لمراقبة الكيل و القياسات و البضائع المتوجهة نحو السوق و للقبض على الأشخاص المشتبه بأمرهم لضربهم و لشنقهم حالا من دون أي محاكمة في حال وجدوا متلبسين. و هكذا، فإن الخوف من القضاة و من هذه الإجراءات الصارمة يرمي الرعب في قلوب المشاغبين. و لقد لاحظت الذعر بين المصريين عند ما يصادفون أحد هؤلاء المسؤولين في الشارع و كان خادمي المسلم يتمنى أن يعود أدراجه في كل مرة يصادف فيها أحد هؤلاء المسؤولين في الشارع خوفا من أن يشاهدوه بصحبة غريب في شوارع لا يمر بها الأوروبيون و لو لا

____________

(*) علمت أنه في طرابلس الغرب، يختار العبيد السود مختارا لهم و يعلن نفسه أمام السلطة. و تشير التجارب إلى أن وجود مثل هؤلاء الأشخاص ضروري جدا. فهم يعرفون نظراءهم كافة و يبقون عينا ساهرة على نشاطاتهم. فإن حدث أن فرّ أحد العبيد من سيده، يبلّغ هذا الأخير مختار العبيد الذي لا يتأخر في معرفة الطريق التي هرب إليها العبد.

111

إصراري على الذهاب إليها لما وافق على مرافقتي. و يساهم عدد الأبواب الكبير في المناطق المنفصلة و في الشوارع الأساسية من المدينة في زيادة اطمئنان سكانها لأنها تغلق كل ليلة ما عدا شهر رمضان. و أمام كل باب يقف بواب، و لقاء أجر زهيد يفتح الباب لكل من يأتي في عمل ما إلى المدينة أثناء الليل حاملا بيده قنديلا، إلا أنه يغلق الباب في وجه الأشخاص المشبوهين. و هكذا فإن اللصوص الذين يخرجون أثناء الليل للسرقة لا يمكنهم الابتعاد كثيرا. و على كل حال، هناك غرف بالقرب من هذه الأبواب تتسع لانكشاري أو اثنين. و لا أحد يعرف متى تنتهي نوبة حراستهم و هم لا يقدمون السلاح عند مرور أحد شخصيات المدينة و يمكن أن يشغلوا منصبهم هذا لمدة سنوات أحيانا فيمضون أيامهم في التدخين و لعب الشطرنج ... و ينام أحدهم على الأقل في الغرفة أثناء الليل. و إن واجب هؤلاء هو حفظ الأمن في الأحياء مقابل أجر محدّد. و عند ما يهملون واجبهم يخسرون مورد رزقهم. و هم يلعبون دورا بارزا في الشجارات التي تنشأ بين كبار شخصيات المدينة. في هذه الحال، تغلق الأبواب لمنع الناس من التجمهر. و يقال إن البهوات يتعاركون دائما في المدينة و في الريف، من دون أن يؤدي عراكهم إلى أي شغب بين صفوف البورجوازيين.

كنت قد ذكرت في «وصف شبه جزيرة العرب» أنه لا يسمح لليهود أو النصارى و حتى الأوروبيين بامتطاء دابة غير الحمار في القاهرة و إنهم يجبرون على الترجل عن دابتهم عند ما يلتقون بأحد البهوات أو أعيان المدينة. و هؤلاء لا يظهرون في الشارع إلّا على ظهر أحصنتهم و يتبعهم أحد خدمهم الوقحين حاملا بيده عصا غليظة فيقول لليهودي أو المسيحي الذي يصادفه في الطريق «انزل» إذا لم ينزل من تلقاء نفسه.

و في حال عصى أمره بادره الخادم بالضرب مباشرة دون أن يكلف نفسه عناء تحذيره مرة ثانية. و منذ سنوات، تسببت حادثة مماثلة بعطب تاجر فرنسي لبقيّة حياته. كما و تعرض طبيبنا للشتم لأنه لم يترجل في الوقت المناسب. لذا، لا يمكن لأي أوروبي أن يخرج على ظهر دابته إذا لم يرافقه رجل يعرف الأسياد كلهم الذين يفرضون على أبناء الديانات الأخرى أن يترجلوا لدى رؤياهم. و كنت أجعل انكشاريا يسبقني و خادما يتبعني و كانا كلاهما من المسلمين، فيبقيان على حماريهما بينما أترجّل و حدي. و لشدة ما كنت أشعر بالذل من هذا الأمر، قررت أن أخرج دائما مشيا على قدمي. و فاتني أن أذكر أن اليهود و النصارى لا يتجرؤون على البقاء على ظهر مطيّهم أمام بيت القاضي الكبير و أمام 24 بيتا آخر حيث يعمل القضاة، و قرب باب الانكشاريين و جامع الأزهر و المساجد الأخرى، و يسمح لهم بالمرور أمامها على أقدامهم. غير أنه لا يسمح لهم بالمرور سواء مترجلين أو غير مترجلين بالقرب من مسجد الست زينب بجوار قنطرة السبع(Kantaretes Sab) و بالقرب من مسجد مجاور لباب نصر و مساجد أخرى لحكام القاهرة السابقين، و لا حتى في شارع القرافة(El Kar fe) بل يحتم عليهم تغيير وجهة سيرهم. و لقد لاحظت وجود مساجد كبيرة من جهتي هذه الشوارع. و لا بدّ أن عامة الشعب تعتبر المرور بين هذه المساجد مقدسا. و لست أكيدا من أنه يمنع على الأوروبيين امتطاء الخيل. فمنذ فترة غير بعيدة، عاش في‏

112

المدينة قنصل إنكليزي ثري و كان يرتدي زي سيد تركي و يمتطي الخيل. و كانت ثروته الكبيرة تسمح له بتقديم الهدايا و الولائم لكبار شخصيات القاهرة الذين كانوا يعاملونه بالمثل. عند ما كان يظهر في الشوارع، كان يوزع الأموال على الناس فكان الشعب يحبّه. أما اليوم فما عاد القناصل يمتطون الخيل إلا يوم يذهبون للجلوس في حضرة الباشا، فيرتدون الزي الأوروبي و يزينون أنفسهم بأبهى زينة. و لا أتفاجأ قط عند ما أجدهم يسمعون آلاف الشتائم تنهمر عليهم من قبل عامة الشعب إذ إن الشرقيين يعتبرون لباسنا القصير غير محتشم خاصة أن أهل القاهرة لا يزينون ثيابهم لا ذهبا و لا فضة. و في الأيام العادية، يرتدي القناصل لباس الأتراك الطويل و عليهم- شأنهم شأن التجار الأوروبيين و النصارى الشرقيين و اليهود- أن يترجلوا عن حميرهم عند مرورهم في المناطق الآنفة الذكر، أو عند مرورهم بسيد مسلم.

و مع أن كثافة السكان في مصر قد انخفضت، إلا أن منتجات البلد لم تنقص، و لأنها العاصمة و لأنها تقع في موقع استراتيجي بالنسبة للتجارة، فيها عدد كبير من التجار الأغنياء الذين يتعاطون التجارة مع أوروبا و آسيا و أفريقيا. تتلقى مصر عبر الخليج العربي كافة منتجات الهند و بلاد فارس و شبه الجزيرة العربية. و يسهل النيل التجارة مع السودان و من جهة البحر المتوسط مع سوريا و تركيا و بلاد البربر و أوروبا.

أما القوافل الكبيرة التي تأتي سنويا من الأقطار و التي تصل برا فهي تقايض بضائع بلادها الفاخرة بما ينقصها من بضائع أخرى. و مع أن أضخم عمليات التجارة في بلادنا تجري عن طريق المراسلة و أنه في المدن الكبيرة يجتمع التجار بالسوق في ساعة معينة من النهار إلا أن التجار الشرقيين بغالبيتهم يسافرون بنفسهم أو يرسلون عبيدهم و خدمهم. و كل الذين يأتون من القطر نفسه و الذين يحملون البضائع نفسها، ينزلون في المكان نفسه كلّ على حدة كمسيحيي القاهرة الذين يقيمون في الحي نفسه أو بجوار بعضهم البعض. و هكذا يعلم الناس مقرّ التجار الأجانب. و يكثر عدد السماسرة و بواسطتهم يكثّف الباعة معارفهم كما و يسهل على الزبائن إيجاد البضائع. و لا شك أن المسافرين يفضلون المكوث إلى جانب بعضهم لأنهم بذلك يؤدون بعض الخدمات لبعضهم.

لست مؤهلا للحديث على كافة تفاصيل التجارة عند المصريين، لكني تعرفت عن كتب على الاستيراد و التصدير بفضل المعلومات التي أعطاني إياها تاجر فرنسي و سوف أنقلها إليكم لنعرف ما هي المنتجات التي تعزز في هذه البلاد و تلك التي تستورد من الخارج.

يشكل الجلد الخام إنتاجا مهما تصدره البلاد. في كل سنة، تصدر 70 إلى 80 ألف قطعة من الجلد منها عشرة آلاف قطعة من جلد الجاموس تذهب إلى مرسيليا. و تصدّر كميات أكبر من الجلود إلى إيطاليا منها جلود الجاموس و الثور و البقر و الجمل. تصدّر جلود الجاموس إلى سوريا خاصة و تتميز هذه الجلود بأنها ليست كبيرة بل أكثر سماكة و وزنا من غيرها. و لعل أفضل جلود هي التي تأتي من مصر السفلى حيث المراعي الشاسعة، و يستحسن قتل الحيوانات في أشهر كانون الثاني/ يناير و شباط/ فبراير و آذار/ مارس‏

113

و نيسان/ أبريل لأنها ترعى العشب في هذه الآونة بينما تأكل من العلف في الأشهر الباقية. يمكننا الحصول على الجلد الخام على مدار السنة و خاصة بعد عيد الأضحى عند ما يجتمع الحجاج في مكة و على جبل عرفات. في هذه الأيام تذبح كميات هائلة من المواشي في مصر كما في سائر الدول الإسلامية. و في أيام إبراهيم كخيا الذي حكم مصر وحده لمدة عشر سنوات تقريبا، ترسّخت هذه التجارة ثم أنشأ المزارعون متجرا في الإسكندرية لبيع الجلود بالمفرّق و صاروا يتحكمون بسعرها. و منذ سنوات، عادت هذه التجارة لتصبح حرة لكننا لم نعد نشعر أن الأسعار تختلف كثيرا.

يحصد الزعفران في نهاية شهر أيار/ مايو و مطلع شهر حزيران/ يونيو. ينقل الزعفران الذي يحصد في القاهرة إلى السوق لكن لا يستطيع التجار الحصول عليه إلا مع نهاية شهر حزيران/ يونيو و مطلع شهر تموز/ يوليو. و يثمر الحصاد عن 15 إلى 18 ألف قنطار من الزعفران تذهب كميته الكبرى و الأفضل نوعا إلى مرسيليا و ليفورن و البندقية أما الباقي فيتجه نحو إزمير و سوريا و جدة لأنه لا يستهلك في مصر. و في مصر أكثر من عشرة أصناف من الزعفران لكنه يصنف وفقا لتسميات أربع هي: البلدي و القبلاوي(Keblawi) و البحري(Bahhari) و الصعيدي. يعتبر الصنف الأول الأفضل من حيث النوع و يزرع حول مدينة القاهرة، أما الصعيدي فهو الأسوأ.

يحصد الكتان في شهر تموز/ يوليو و يعتبر الشتاء الفصل الأفضل لشرائه. تشتهر منطقة رشيد بتجارة الكتان و تنقل الكميات غير المستهلكة منه إلى تركيا و ليفورن، و تركيا و سوريا و جدة و حتى اليمن، و يكون نسيج الكتان على عدة أنواع. يزرع القطن في مصر السفلى و يحصد في شهر تموز/ يوليو، و يعتبر شهرا كانون الأول و الثاني/ ديسمبر و يناير الفترة الأكثر ملاءمة لشرائه. ينقل القطن الذي لا يستهلك في مصر إلى مرسيليا و ليفورن. أما حصاد الأرز فيكون في شهر تشرين الأول/ أكتوبر لكن الأرز الجديد لا يباع إلا في شهر كانون الأول/ ديسمبر. و لا يسمح للأوروبيين اليوم بتحميل الأرز إلّا إلى دمياط و لقد توطدت تجارته منذ بضع سنوات. تختص مصر العليا بزراعة قصب السكر الذي يحصد في شهر حزيران/ يونيو لكن سعر السكر لا ينخفض إلا في شهري تشرين الثاني/ نوفمبر و كانون الأول/ ديسمبر أي في الوقت الذي ينقل فيه من الصعيد إلى القاهرة. و من غير المتفق عليه في مصر كيفية تحضير السكر من القصب، و على كل حال يمكن للأوروبيين الحصول عليه بالسعر نفسه من أميركا. و يمكن شراء الملح بسعر أدنى من رشيد، خاصة في فصل الشتاء. و يحمل ثلثا الملح إلى مرسيليا و ليفورن بينما يوزع الباقي على الولايات التركية. و لقد ارتفع سعر الملح كثيرا في الآونة الأخيرة لأن تركيا طلبت كمية منه تفوق المعتاد.

يشكل الصمغ العربي إحدى البضائع التي تمر بمصر و التي يشتري منها الأوروبيون. و في شهر تشرين الأول/ أكتوبر من كل سنة، تحمل قافلتان أو ثلاث قوافل مؤلفة من العرب القادمين من طور سيناء من ستمئة إلى سبعمئة قنطار من الصمغ إلى القاهرة. تنحصر هذه التجارة بالتجارة المسلمين و لا يدخل هؤلاء

114

بضاعتهم إلى المدينة بل يقفون على بعد ربع ميل من القاهرة مما يضطر المصريين إلى الخروج لملاقاتهم. و لا يبيع هؤلاء التجار بضائعهم وفقا لوزن معين بل في جلود صغيرة غير مخاطة. و قلما يسمحون للمشتري أن يفتح قطعة الجلد قبل إنهاء الصفقة و في حال لم تعجبه البضاعة لا يقبلون أن يردّها إليهم. و بعض هؤلاء العرب يخلطون الصمغ بأحجار صغيرة أو بالرمل و الخشب. و هم عادة لا يقبلون بيع أحد بالدين بل يقايضون بضائعهم لقاء ثياب و أسلحة و أشياء أخرى يحتاجون إليها و يحملونها معهم إلى الصحراء.

و لست أدري ما إذا كان كل ذلك يدل على أن العرب نصابون أم تجار تنقصهم الخبرة. و هم يحبون الحرية و يكرهون الخطابات الطويلة. و الجدير بالذكر أنه يمكن تكرير صمغهم ثم بيعه بأسعار تفوق أسعار الشراء بكثير. يحمّل القسم الأكبر من هذه البضاعة إلى مرسيليا و ليفورن. في أشهر نسيان/ أبريل و أيار/ مايو و حزيران/ يونيو من كل سنة، يصل عدد أكبر من القوافل الإفريقية التي تحمل معها أصنافا ثلاثة مختلفة من الصمغ بالإضافة إلى العاج و التمر الهندي و العبيد المخصيين و غير المخصيين، و طيور الببغاء و قراصنة الذهب و في المقابل تحمل معها في طريق العودة نسيج الكتان و اللآلى‏ء المزيفة و أحجار المرجان و العنبر الأصفر و الخناجر و كافة أشكال الملابس التي يعدها المصريون خصيصا لتنال إعجاب الإفريقيين.

و لقد انخفض قبل بضع سنوات سعر الصمغ العربي أو قلّ الإفريقي كثيرا فلم تحمل القوافل معها منه إلا كميات قليلة. لكنه عاد و ارتفع فصارت تصل منه كميات تتراوح ما بين 4 إلى 5 آلاف قنطار. و حتى الآن تصل كميات الصمغ من الحبشة إلى جدة و منها عبر السويس إلى القاهرة إلا أنها ليست جيدة النوعية مثل التي تحضرها القوافل. كما و ينقل قسم منها إلى أوروبا.

أما السفن التي تبحر من جدة إلى السويس فهي تحمل معها سنويا بين 22 و 25 ألف طرد من البن اليمني. و لأن القهوة هي الشراب المفضل عند الأتراك، يمنع استيراد البن من أميركا أو من أوروبا كما يقال في الشرق كما و يمنع تصدير البن العربي إلى أوروبا. إلا أن هاتين التجارتين تمارسان و يكفي لتحقيق ذلك إرسال الهدايا إلى الحكومة و إلى مسؤولي الجمارك. و هكذا، تمرر ما بين 4 إلى 5 آلاف طرد من البن العربي سنويا من مصر إلى البندقية و ليفورن و مارسيليا. أما السفن القادمة من جدة و القوافل الآتية من مكة فتحمل معها كافة أنواع البهارات من الهند، و أوراق السنف من اليمن و الحبشة، و المرا ممكاوي، و ما يتراوح بين ألفي و ثلاثة آلاف فرد من البخور اليمني و العربي. و في هذه الأيام، انخفضت كمية البخور التي ترسل إلى مرسيليا و أصبحت من النوعية الأكثر تدنيا. و تأتي كميات أخرى إلى البندقية و ليفورن أما الباقي فيرسل إلى تركيا. و تأتي كميات كبيرة من السفى من مصر العليا و يرسل القسم الأكبر منها إلى أوروبا. إن هذه التجارة تعود على الحكومة سنويا بما يعادل 60 بورصة علما أن كل بورصة تساوي 500 قرش.

في أيامنا هذه، يركز الفرنسيون تجارتهم في المشرق على نسيج لانغدوك(Languedoc) الذي تحتاج‏

115

منه مصر كل سنة ما بين سبعمئة و ثمانمئة طرد. يشتد الطلب على هذا القماش في شهر رمضان خاصة لأن الأغنياء و الفقراء في هذه الفترة يرتدون ثيابا جديدة بمناسبة عيد الفطر. و القافلة التي تنطلق من القاهرة إلى مكة في السابع و العشرين من شهر شوال من كل سنة تحتاج وحدها من 60 إلى 80 طردا من هذا القماش حيث يستخدم أمير الحج أو قائد العربة معظمه في خياطة الثياب التي ينبغي إعطاؤها للعرب الذين يمرّون في أراضيهم و لسكان مكة. و إن تجارة هذا القماش تدر أموالا طائلة على التجار الفرنسيين في القاهرة الذين باتوا يمسكون بها. إلا أن هذه التجارة كانت حرة في فرنسا أثناء الحرب الأخيرة مع الإنكليز و قد قام المسيحيون الشرقيون بشحن كمية كبيرة من أقمشة مرسيليا إلى ليفورن و منها إلى مصر. و لقد ساهم انقطاع تجارة الفرنسيين مع الهند الشرقية أثناء هذه الحرب بالتأثير على تجارتهم مع المصريين، ففي نهاية الحرب كانت تمرّ بجدّة من مئتي إلى ثلاثمئة طرد من القماش و كان أغلبها يصل إلى بلاد الهند. يستخدم أهل القاهرة كثيرا أقمشة الحرير المصنّعة في أوروبا و خاصة منذ بدأت جزيرة سيوه(Sio) بصناعة أقمشة فاخرة من الذهب و الفضة. و من الملاحظ أن هذه الملابس تروق لأهل الشرق أكثر بكثير مما تروق للفرنسيين و الإيطاليين. لذا تحتاج مصر في كل عام من 60 إلى 80 بر أميال من الشرانق، و أثناء الحرب الأخيرة كانت تصل إلى الهند حمولة 200 بر ميل عبر مصر. و تحضر مصر من فرنسا كل سنة 400 طرد من البهار يتألف الواحد من 300 رطل. و منذ وقت غير بعيد، بات جزء من هذه البضائع يصل عن طريق جدة. و تصل إلى القاهرة من أوروبا كميات من كبش القرنفل و التوابل. و تستلم القاهرة كل عام من 50 إلى 60 بر أميال من القصدير، و كميات مماثلة من المطيلة و خيوط الحديد و الزنجفر و الزنجبيل و الإبر و اللآلى‏ء الملونة و الخواتم الزجاجية و الزئبق و الرصاص بالإضافة إلى السكاكين. و من البندقية و مرسيليا يصل ما يقارب 100 طرد من الورق يستهلك قسم منها في القاهرة و القسم الآخر يرسل إلى جدة. و قبل استخدام الورق للكتابة، يجب صقله لأن أهل الشرق يستعملون ريشا من القصب مع حبر شديد الكثافة. و تستخدم كميات هائلة من الورق في مصانع السكر و المتاجر.

و يعلق الحرفيون الورق على النوافذ المشبكة بالخشب أو الحديد إذ قلّما نجد زجاجا على النوافذ في هذه البلدان الحارة.

لقد زالت تجارة البن الأمير كي بين فرنسا و مصر أثناء الحرب الأخيرة. و بات المصريون يشترونه ليغشوا به البن العربي، لكن سعره في السنوات الأخيرة ارتفع كثيرا حتى صار أغلى ثمنا من البن العربي. في الماضي، كان بن المارتينيك(Martinique) وحده يستعمل في مصر العليا: إلا أنه أصبح غاليا ثم فرض إبراهيم كخيا ضريبة كبيرة على البن القادم من شبه جزيرة العرب عبر السويس فبحث سكان مصر العليا عن سبيل أقصر للحصول على البن، و أصبحوا يحضرونه من قصير(Kossir) . و حاليا لديهم البن اليمني و سعره قريب من سعر بن المارتينيك الفرنسي.

116

لست أعرف الكثير عن الكيل و الأوزان المستعملة في مصر لكنني سأفيدكم بالقليل الذي أعرفه.

تتراوح الأوزان في القاهرة بين الرطل و الأوقية و المثقال و الدرهم و القيراط. تعادل كل 16 قيراطا درهما واحدا، و الدرهم و نصفه يساويان مثقالا واحدا، و كل 12 درهما تساوي أوقية واحدة، و الاثنتا عشرة أوقية تساوي رطلا. ثم إن الأوزان الثقيلة تقاس بالقنطار لكن القنطار في مصر يختلف باختلاف البضاعة فيرى بعض التجار أنه يساوي مئة رطل أما بالنسبة لغيرهم فهو يساوي 102 أو 105 أو 110 و حتى 150 رطلا. و من غير المجدي في هذا الإطار ذكر البضائع التي تحول من القنطار إلى أرطال. إن هذا التحويل لا يهم إلا بعض التجار الذين يتاجرون في مصر و يمكن أن يجدوه في لائحة الأسعار للجوء إليه في تجارتهم من مصر إلى البلدان الأخرى. و أنا لن أقدم لكم أسعار البضائع المستوردة و المصدرة لأنها كثيرة التقلب، فالتجار الشرقيون شأنهم شأن غيرهم يبحثون دائما عن مرسلين جدد للحصول على البضائع بأسعار رخيصة أو لإرسالها إلى بلاد أخرى بأسعار مربحة.

يسمى أكبر مقياس للحبوب رأيته عند تجار القمح في بولاق «بالوهبة»(We ?hbeh) . و تساوي الوهبة الواحدة أربعة أرباع؛ و الربع يساوي أربعة أقداس(Kuddes) . و يبلغ القطر الواحد لكل وهبة 18 بوصة دانماركية أما كثافة الخشب فتعادل 7/ 8 البوصة. و هكذا فإن قطر القياس يبلغ من الداخل 17 بوصة و نصف. يبلغ قطر المقياس من الأعلى 12 بوصة و من دون سماكة الخشب يبلغ 11 بوصة و نصف. أما الارتفاع العمودي من الحافة العليا و حتى العمق فيبلغ 8 بوصات. و عند القياس، تترك الحبوب التي تجاوزت حافة المقياس و تجمع حتى تؤلف مخروطا. يبلغ سعر ربع واحد من الحنطة في القاهرة من 5 إلى 5، 6 بريزة. و هكذا فإن الوهبة الواحدة تكلف من 20 إلى 26 بريزة، أو من ليرتين إلى ليرتين و ثمانية قروش بالعملة الدانماركية. إن ارتفاع الربع الذي قسته في القاهرة يبلغ 6/ 8 6 بوصات.

117

الآلات التي تعمل على الماء، الطواحين، معاصر الزيت، أدوات الفلاحة، فرن النشادر و آلات تفقيس البيض في مصر

يجب أن نولي أهمية خاصة لآلة السقاية المستخدمة في مصر بعد عودة النيل إلى حدوده. و يمكن سقاية الحقول بعدة طرق. و الآلة الأكثر استعمالا في مصر هي الموجودة في الصورةI من اللوحة(XV) الخامسة عشرة و تسمى ساقية الثور لأنها تحرّك بواسطة الثيران. تتألف العجلة الكبيرة (أ) من هذه الآلة من دائرتين (د، ه). الدائرة (ه) هي الأكثر متانة و تتصل بالمحور بواسطة عدد من الشعاعات. أما الدائرة الأولى (د) الموصولة إلى الدائرة الأولى بواسطة قضبان أفقية فدورها الإمساك بالجرار و حسب. في الأسفل، داخل العجلة التي تعمل على الماء، يوضع الحوض (ز) الذي يستقبل الماء. يختلف عدد الجرار المربوطة إلى حبال من القش أو النخيل و المعلقة حول العجلات وفقا لعمق الماء و لقوة العجلة و الثور. و لقد لاحظت وجود 22 جرة حول الآلة التي اتخذتها مرجعا لأقوم بهذا الرسم. الجزء (أ) هو عريش متحرك بالقرب من (ج) يعلق على رقبة الثور. من العريش (أ) تخرج حبال تعلّق بالعريش (ب) و هو أضخم من الأول و يقال له العريش الأساسي لأنه يحرك العجلات (ج، ب، أ) و بالتالي. لجرّ الماء إلى الجزء المرتفع من البستان حيث تقع الآلة، نلجأ إلى رفع العجلات إلى أقصى الحدود حتى يكاد الثور يمر من تحتها، كما يظهر في خريطة مصر السفلى في كتاب الأسفار لشو(Shaw) . نجد في البساتين المصرية عددا كبيرا من القنوات الصغيرة التي تساعد على ري أجزاء البساتين جزءا بعد آخر. و تتميز هذه القنوات بدقة صناعتها خاصة تلك التي تستخدم في جرّ الماء إلى جذور النبات و حسب.

إليكم وصفا لآلة أخرى يستخدمها المصريون لسقاية الأرض و لعلها هي نفسها التي يتكلم عنها موسى في الكتاب المقدس 11- 10، تدعى هذه الآلة «ساقية تدار بالرجل» أو آلة تعمل على الماء و يمكن تحريكها بواسطة الرجل. هذه الآلة أصغر حجما من السابقة لكنها تشبهها إلى حد بعيد. وجدت واحدة منها فقط في مصر و بالتحديد في بركة اليوزبكير في القاهرة لكني وجدت مثلها في الهند. رأيت الأولى في القاهرة و كانت تستعمل في بستان صغير. تتألف هذه الآلة من عجلة واحدة فيها ثمانية شعاعات معلّقة بالمحور و أربعة آخرين أصغر حجما وضع كل اثنين منهما بجانب من جانبي العجلة. لاستعمال هذه الآلة نحفر بئرا نضع عليه رافدتين و يجلس عليها العامل. لا يحتاج العامل إلى مسند آخر لكنه يعمل بيديه و رجليه كما يظهر في الصورة. و يكون الحوض محكم التثبيت تحت الجرار من داخل العجلة فتمنعها من التحرك.

118

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

119

تستعمل الآلة(III) في محيط دمياط لأن ارتفاع النيل لا يتغير كثيرا هناك و لأن العجلات التي يبلغ قطرها من 10 إلى 13 قدما يمكن أن تلمس الماء. تعتبر هذه الآلة الأغلى ثمنا لكنها قادرة على نقل كميات أكبر من الماء. تقسم حافة العجلة (د) إلى عدة أقسام فيها فتحات من جهة المحيط بالقرب منه، و هي محكمة الصناعة من الداخل، فبعد دخول الماء من الأسفل داخل المحيط و ارتفاعها إلى فوق، يمكن أن تسيل من إحدى الجهات لتصب في حوض قريب من العجلة. و لخفض كمية المياه المهدورة، لا تكون هذه العجلة مسطحة بل مائلة قليلا إلى خارج إطارها. و لتحريك بعض الآلات، يدور الثور حول العجلة الكبيرة و لتحريك الآلات الأخرى ليمر بين العجلة الكبيرة و بين العجلة ذات الأسنان. في الحالة الأخيرة، يمدّد العريش على العجلة الأفقية كما يبدو في الآلة (ط) و أحيانا تربط ثلاثة ثيران على عدة عرائش لجرّ هذه الآلة.

أما السكان الذين يعيشون في أطراف النيل و الذين لا يسقون إلا جزءا صغيرا من الأرض فيستعملون الآلة الرابعة. و لأن الخشب و الحجارة باهظا الثمن في مصر، يستعمل الفلاحون أوتادا و ثقالة من الفخار.

عند ما ينخفض مستوى الماء في النيل نرى أحيانا في القاهرة أربع آلات تعمل معا مما يدل على أن سقاية الحقول بهذه الطريقة مزعجة و صعبة عند ما تقتصر مهمة المصريين على حمل المياه إلى ارتفاع بسيط، أو على تجفيف خندق، يستعمل هؤلاء سلة بأربعة حبال يقودها شخصان و ذلك بدلا من الرفش. تسمّى هذه السلة قفة و يمكن رؤيتها في الصورة الخامسةV .

لم أر قط في مصر طواحين تدور على الماء أو الهواء. أما طاحون القاهرة العام الذي يستعمل في طحن القمح فموجود في اللوحة السادسة عشرة(XVI) . تشير الصورة (أ) إلى الرسم البياني و الصورة (ب) إلى ارتفاع هذه الآلة. أما الحرف (ج) فيشير إلى العريش الذي يربط إليه الحصان و حرف (د) يشير إلى عين الطاحون حيث يوضع القمح. و يستخدم هذا الطاحون أيضا في طحن الحبوب التي يستخرج منها الزيت.

أما المصريون فيستعملون المطاحن اليدوية لطحن القمح و هي مصورة في اللوحة السابعة عشرة(XVII) .

و يستعملونها أيضا في جرش حبوت الفول التي تشكل طعام الحمير. تتألف الآلة (ب) من حجرة ممددة أفقيا و من مسنّ عمودي يديره الثور. و هي لا تستعمل في طحن القمح بل في عصر الزعفران. بعد ذلك تستخلص العصارة باليد. إن شعبية هذه الزهرة في القاهرة قد تعود إلى طريقة تحضيرها إذ يكتفي سكان مصر العليا بتجفيفها بعد تقطيعها. و يختلف الطاحون (ج) عن الطاحون (ب) بمسنّه المنحني قليلا و يستعمل في طحن الجبس و كربونات الكلسيوم.

تحيط بالآلة حافة صغيرة لمنع الثور الذي يديرها من سحق الجبس الذي يتساقط منها. و تظهر في الصورة (د) عصارة الزيت التي تستعمل في مصر. يشير الرقم (1) إلى صندوق كبير ملي‏ء بالحجارة و الخشب. أما الرقم (2) فيشير إلى إحدى نقاط ارتكاز الصندوق على الحافة و الرقم (3) إلى حجر كبير يدور فيه اللولب الذي يرتكز عليه الطرف الآخر من الصندوق. يظهر في الرقم (4) أسطوانة من الحبوب المطحونة بواسطة الطاحون المصوّر في اللوحة(XVII) ، و قد جمع على حجر على حصيرة مدورة مصنوعة من القش، و في الرقم (5)

120

نرى قدرا معدنية يجمع فيها الزيت المعصور. إذا أردنا أن نضع شيئا تحت هذه الآلة، يدير الثور المربوط إلى العريش رقم (6) اللولب إلى أن يقوم الحبل الموصول بالصندوق بإيقاف الآلة فتصبح الأسطوانة (4) في الأسفل و يدار اللولب بالاتجاه المعاكس إلى أن يرتكز الصندوق على الأسطوانة و يرتفع الحجر (3) عن الأرض فيساهم بذلك في زيادة الضغط على الحبوب. بعد ذلك، تصبح نقطة ارتكاز الصندوق على الحافة (2) أعلى من الأسطوانة (4) فيوضع الخشب فوقها كما يظهر في الصورة.

121

إن أدوات الفلاحة التي يستعملها المصريون سيئة جدا، و المحراث فيها ليس أفضل من تلك التي يستعملها العرب و التي ذكرتها في وصفي لشبه الجزيرة العربية، بدلا من استعمال الأمشاط لتمهيد الأرض، يلجأ المصريون إلى شجرة أو خشبة سميكة يربطون على طرفيها حبلا و يعلقونها بالثيران. يوضع النغّاف عادة على الشجرة أو الخشبة لأن فلاحي مصر لا يحبون السير خاصة عند ما تسنح الفرصة لجرّهم. و لا يزال المصريون حتى اليوم يستعملون الثيران لطحن القمح كما كان يفعل الإسرائيليون في أيام موسى (الكتاب المقدس، الفصل 24، 4) إلا أن الآلة التي يستخدمونها ليست حجرا كالذي يستعمله العرب، كما و أنه ليس مصنوعا من الأخشاب المزودة من الأسفل بأحجار محدّدة كالذي يستعمله السوريون، و كما ذكرت في وصف شبه جزيرة العرب، بل هو زلاجة تظهر في اللوحة السابعة عشرة جانبا و من فوق؛ و يشار إليها بحرف (ه). تسمى هذه الآلة نورج و هي مزودة بثلاث لفيفات تدور حول محاورها و قد زوّدت كل واحدة بقطع حديد مستديرة و ملساء. و في بداية شهر حزيران/ يونيو، شاهدت أنا و السيد فورسكال كيفية طحن القمح في جوار الجيزة. كان كل فلاح يختار بقعة أرض موحدة يبلغ محيطها من 80 إلى 100 قدم. و كانوا يحضرون رزما من القمح يحملونها على ظهر الحمير و الجمال و يجمعونها على شكل دائرة يتراوح عرضها بين ستة و ثمانية أقدام و يبلغ ارتفاعها قدمين. و كان يجر المزلاج السابق ثوران. و المراقب يجلس على الكرسي الذي نراه على المزلاج و كان يسمح للثيران بالتبوّل على القش و الحنطة لكنه يسارع في النزول من كرسيّه إذا أرادت أن تفعل شيئا آخر فيضع يديه على مؤخرتها و يتلقى ما يخرج منها ثم يستعملها لإيقاد النار بعد خلطها بالقش. تطحن كميتان مماثلتان من القمح كل يوم و تقلب كل واحدة ثماني مرات إلى خمس بواسطة مذراة واحدة مصنوعة من الخشب.

ثم يرمى القش في وسط الدائرة و يكدّس ثم يقلّب. و كلما أضفنا المزيد من القش في وسط الدائرة قلّبناه من جديد حتى يصبح مفروما. ثم يلقى الكل بواسطة المذراة بالاتجاه المعاكس للهواء فيطير القش و يبقى القمح غير المطحون. ثم يأتي رجل و يجمع كتل الرمل التي علق بها القمح و يرميها داخل الغربال. ثم توزع الأكوام بشكل مستدير و تكون لا تزال تحتوي على عدد كبير من السنابل فيجي‏ء الفلاحون بما يعادل عشرة ثيران و يمررونها عليها لمدة 4 أو 5 ساعات رابطين كل ثورين ببعضهما إلى أن تفصل حبوب القمح عن سنابلها فترمى في الهواء بواسطة الرفش بغية فصلها عن الأقذار. أما إعداد الشعير فلا يتطلب الكثير من الوقت.

و إني لم أر في مصر أو في شبه جزيرة العرب أية عربة أو طنبر. و عند ما جرت القناة إلى خارج القاهرة، ربط الفلاح ثورين بالآلة (و) المصورة في اللوحة السابعة عشرة و جلس عليها فأخذ يمرّ بين الأراضي الجافة إلى أن ملأها ماء. و في المدينة حيث لم تكن القناة قد جفّت بعد، نثر الغبار داخل الوحل ثم سكب في السلال و نقل خارج المدينة على ظهر الحمير. و لا شك أن الأوروبيين سينفذون هذه المهمة بكثير من الصعوبة.

122

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

123

يحصل المصريون على كميات كبيرة من الأمونياك من السخام المحروق. ذهبنا أنا و السيد فورسكال لزيارة معمل مماثل في الجيزة و سألنا رئيسه عن كيفية استخلاص هذا الغاز ثم رسمت الفرن الذي يستعملونه في اللوحة السابعة عشرة تحت الحرف (ز). يشير الرقم (1) إلى فوهة الفرن. أما الحافة (2) فقد بنيت بشكل قوس كما يظهر من خلال الارتفاع. يظهر الرقم (3) حوجلات مصنوعة من الزجاج السميك الغامق اللون عنقها واسع و قصير. و كان لصاحب المعمل فرن خاص به لصناعة هذه الحوجلات.

و قبل استعمالها، تدهن من الخارج بالصلصال أو بوحل النيل الممزوج بالكتان و ذلك أربع مرات. و بعد كل مرة، تترك في الهواء الطلق لتجفّ. و الجدير بالذكر أن هذا الدهان ضروري جدا إذ بدونه لا يمكن للزجاج أن يقاوم الحرارة. بعد ذلك، تملأ الحوجلات بسخام الزبل المحروق. و بعد مل‏ء الفرن بالزبل الجاف، توضع الحوجلات بالقرب منه على الفتحات الموجودة بين الأقواس من دون إقفالها. ثم توزع قطع من القرميد حولها و تملأ الفراغات بالتراب إلى أن يغطي ثلثي ارتفاع الحوجلات. بعدئذ، نشعل الزبل داخل الفرن و كلما أكلته النار أضفنا المزيد منه لمدة ثلاثة أيام و ثلاث ليال متتالية. و يجب أن تبقى درجة الحرارة هي هي خلال هذه الفترة أو أن تكون في البداية أقوى مما هي في النهاية. إن هذه العملية شديدة الدقة فإذا أهملنا النار لبضع ساعات أو نسينا سدّ الثغرات في التراب حول الحوجلات يؤثر ذلك سلبا على الأمونياك، فيلاحظ صاحب المعمل ذلك عند ما يستخلص الملح من الحوجلات و يعاقب العمال على إهمالهم. بعد مضي 18 ساعة، نجد أن الأمونياك الناتج عن السخام قد سدّ عنق الحوجلات. و بعد ثلاثة أيام تكسر الحوجلات في مكانها من الفرن و يسحب منها الملح الذي يكون في الأعلى. أما باقي محتوى الحوجلات فهو رماد أخضر لا ينفع لشي‏ء. نسحب من كل حوجلة كمية تتراوح بين سبعة و اثني عشر رطلا من الأمونياك. يباع القنطار الواحد المؤلف من 100 رطل بستمئة بريزة. و الجدير بالذكر أن الحرارة المرتفعة تجعل الفخار حول الحوجلات أكثر صلابة من القرميد.

أما الزبل، مصدر الأمونياك، فقلما يهم إذا كان زبل جمال أو خيل أو ثيران أو خرفان أو أي حيوان آخر. و في هذا البلد، غالبا ما يسافر الناس على ظهر الجمال و الحمير، فتقوم فتيات صغيرات بلملمة الزبل من الطرقات. و تضاف كميات من القش المهشّم إلى الزبل فتخلط به و تصنع لتجففها أشعة الشمس.

تكون سقوف غرف أهل الريف عادة مغطاة بالصلصال الذي لم يصبح بعد قرميدا آجرا. فيستعمل هؤلاء قوالب الزبل الجافة لتدفئة الغرف في فصل الشتاء من خلال حرقها مع القش أو مع سيقان النباتات و ذلك في أوان حجرية. إن السخام الذي ينتج عن الدخان يعلق تحت السقوف و يباع بأسعار متدنية لمعامل الأمونياك. كما و يستعمل السخام الناتج عن دخان الزبل في أفران المعامل الآنفة الذكر. و كان صانعو السخام يتذوقونه لمعرفة كمية الملح فيه. و قيل لنا إن السخام الناتج عن دخان الخشب لا يحتوي على الأملاح و بالتالي لا يمكن أن يستخلص منه الأمونياك. و هناك مناطق في أوروبا لا يتوافر فيها الخشب فيلجأ سكانها إلى حرق زبل الحيوانات و لربما استطاعوا أن يصنعوا منه الأمونياك لو أنهم يحاولون.

124

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

125

و لقد قام مسافرون آخرون بإعطاء معلومات دقيقة عن كيفية تفقيس البيض في الأفران. إلا أن رسومهم تختلف قليلا عن الفرن الذي رأيته في القاهرة بالقرب من باب الشريعة(B b es Scharie) و بركة الرطلي(Birket er Roteli) الذي بينته في اللوحة الثامنة عشرة(XVIII) . و لقد كان هذا الفرن مبنيا بكامله داخل تلة. تشير المساحة (أ ب) إلى خريطة الأفران الداخلية و (ج د) إلى خريطة الأفران الخارجية و (ه و) إلى قطر المبنى من حيث الطول و (ز ح) إلى قطره جانبيا. تشير (أ) إلى المكان الذي يجلس فيه المسؤول عن تفقيس البيض و (ب) إلى الغرفة التي يحفظ فيها الرماد و النار و (ج) إلى غرفة البيض و (د) إلى مدخل الأفران: يقع الباب فوق الطابق الأرضي و هو باب صغير الحجم يغلق جيدا بعد إشعال النار. تشير الصورة (ه) إلى أفران الطابق السفلي و (و) إلى أفران الطابق العلوي. في هذين الطابقين يوجد ما يشبه القنوات الصغيرة من الأمام و من الخلف يشعل الزبل الجاف فيها. أما (ز) فتبين الفراغات الموجودة في الحائط التي تخصص للإنارة. و كما يظهر في الرسم، هناك 12 فرنا في كل طابق من المبنى و الكل موجود داخل التلة حتى أن المنافذ الأكثر علوا فوق الرواق (ح) و فوق الفرن (ط) تقع في الأرض. و قد قيل لنا إن ذلك ضروري للحفاظ على درجة الحرارة نفسها في كافة الأرجاء. على سبيل الاستعداد لتفقيس البيض، تمدّد حصيرة على أرض الفرن و يفرش القشّ عليها.

توضع طبقة من البيض على القش ثم طبقة أخرى عليها بغية حشرها. لا تضرم النار إلا في القنوات الواقعة أمام أفران الطابق العلوي و خلفها. في المسافة الفاصلة بين الفرن الأعلى و الفرن الأسفل، و هناك فتحة مستديرة تخرج منها الحرارة اللازمة لتبلغ الطابق السفلي. لدى إضرام النار، تقفل الفتحات الخارجية كلها بواسطة الزبل أو الفخار أو الكتان لتسريع عملية تسخين الفرن، و إن القاعدة الوحيدة المتبعة لتحديد درجة الحرارة هي معادلتها مع حرارة الحمامات. و لا يهم أن تكون الحرارة مرتفعة جدا في البداية، المهم تخفيضها تدريجيا عند ما يشرف البيض على التفقيس. و يحرّك البيض مرتين خلال النهار و أربع مرات خلال الليل لكن بخفة حتى أن عملية التحريك تقتصر على تمرير اليد على البيض.

و بعد مضي ثمانية أيام، تفحص كل بيضة على الضوء لمعرفة التي سيخرج منها صوص، ثم يرمى البيض المتبقي. في اليوم الواحد و العشرين أو الثاني و العشرين، تخرج الصيصان وحدها فتخفض الحرارة و إلّا تموت. و على أرض الممر بين الأفران، هناك فواصل مرتفعة على شكل مربعات، تحشر فيها الصيصان جيدا حتى لا يبقى فيها أي مكان شاغر. حيث تشكل هذه المربعات الأماكن الأفضل لتربية الصيصان فتجد فيها هذه الأخيرة حرارة الأم.

ذهبت لرؤية هذا الفرن مع السيد فورسكال في منتصف شهر حزيران/ يونيو. و كان العمل فيه متوقفا لأن تفقيس البيض لا يتم إلا في الأشهر الستة الأكثر بردا لأن تفقيس البيض يمكن أن يفسد في الأشهر الحارة. و مع أن النيران لم تكن مشتعلة في الفرن إلا أن أشعة الشمس القوية التي كانت تصل إليه جعلتنا نتصبب عرقا. و قد علمنا أن مثل هذه الأفران لا توجد إلا في القاهرة و أنها ملك للباشا. و عند ما يحضر

126

الأجانب بيضهم لتفقيسه في الفرن، يتفقون مع رئيسه على كمية المواد اللازمة للتفقيس. و يضع صاحب البيض اسمه على كل بيضة مما يجبر مسؤول التفقيس على الاحتفاظ بالبيض الذي لم ينجح. تباع الصيصان و هي صغيرة بثمن 20 بريزة عن كل 30 صوصا. يؤلف كل ثلاثين صوصا ما يسمى بالربع و هي التسمية التي تستعمل في قياس الحبوب في القاهرة. لذلك، كان الأمر يختلط على بعض الأجانب الذين قالوا إن الصيصان تباع بالمكيال في مصر و هذا ما رواه لنا أصحاب الفرن.

127

لباس أهل الشرق‏

يرتدي الأتراك و العرب و كل المسلمين ثيابا طويلة و فضفاضة: إلا أن كل أمّة تتميز منذ النظرة الأولى بنمط خاص في الملبس. و يغير أهل الشرق الذين يقيمون في المدن طريقة لبسهم تماما كالأوروبيين. في عامي 1707 و 1708، أحضر السيد دو فاريول(De Ferriol) رسما للباس الشرقيين فنشر في نورمبورغ(Nuremberg) تحت عنوان تصوير البلاط العثماني. لعل هذه الصور قد نقلت بأمانة زي الشرقيين في ذلك الوقت لكننا إذا ما قارناها مع اللوحتين 14 و 15 من كتاب روسال(Russel) و عنوانه وصف حلب، نجد أن طريقة الملبس قد تغيّرت كليا بغالبيتها. إن ثياب الشتاء الشائعة حاليا بين الباشاوات و آغاوات الانكشاريين و القضاة و الخدم الأتراك لم تتغير عن الصورة التي قدّمها الكتاب الآنف الذكر و كذلك بالنسبة إلى لباس عامة الشعب الأتراك و الدراويش و المسيحيين. إن لباس المديرين من أهل القاهرة يشبه لباس الأتراك إلى حد بعيد لأن الموضة في البلاد الشرقية تخضع لذوق أسياد عاصمة الأمبراطورية.

و لأننا نحن أيضا كنا نرتدي ثيابنا على الطريقة التركية، سوف أقوم بوصف لثيابي الشخصية.

إن القميص الذي يرتديه الأتراك يشبه قمصان النساء الأوروبيات إلا أن الأكمام تكون أكثر اتساعا و يرتدي أهل الشرق تحت القميص، لا فوقه، سراويل واسعة من نسيج الكتان الأبيض. و يغطون أرجلهم بواسطة خفيّن من نسيج الكتان و ينتعلون من فوقه بابوجا من جلد ناعم يسمى ترليق(Terliks) و من فوقه خف من الجلد يسمى مست(Mests) قد خيّط إلى سروال أحمر شديد الوسع يسمى شقشير(Schokschir) . أما نعال الترليق و المست فهي مصنوعة من جلد ناعم جدا و لأنها لا تستعمل إلا للمشي على السجاد و الحصر و على كل ما هو نظيف و حيث يمكن للمرء أن يجلس. أما لما تبقى، فينتعل الناس أحذية شبيهة بأحذيتنا فوق الترليق و المست، إلا أنها من دون كعب. و من فوق القميص و الشرشير، يرتدي الشرقيون ما يسمى أنطاري(Entari) ، و هو مبطن بنسيج الكتان و يتدلى كمه إلى تحت الركب.

و فوق الأنطاري يرتدي الناس القفطان الذي يجب أن يتدلى إلى ما فوق القدمين. يلفون فوقه حزاما على خصرهم يساعدهم على تثبيت القفطان و على المشي بحرية و يمكن أن يظهر من تحته كل من الأنطاري و الشقشير. إن ارتداء هذا القدر من الملابس يذكّر بالخادم الذي صوّره روسال في اللوحة الخامسة عشرة من كتابه. حيث يحمل الأتراك في حزامهم خنجرا يكون أحيانا مرصعا بالذهب و الفضة و بالأحجار الكريمة. من فوق القفطان، يرتدون عباءة محشوة في الشتاء و غير محشوة في الصيف. و يكون كماها قصيرين يصلان إلى الكوع. من فوق العباءة، يرتدون فروة تصل إلى الأرض. يمكن رؤية الفروة في اللوحة 15 من كتاب وصف حلب لروسال و البنيش(Benisch) الذي يمكن ارتداؤه بدلا منها في اللوحة

128

16 من كتابي وصف شبه جزيرة العرب. إن أكمام الأنطاري و القفطان و البينيش ليست شديدة الوسع لكنها طويلة جدا تخرج عن حدود اليد، لذا، يلجأ الناس إلى لفها على ذراعيهم و أحيانا يربطون الأنطاري فوق يديهم في أيام البرد. و لأن هذا القدر من الثياب مكلف بالنسبة للفقراء، يكتفي بعض الناس بارتداء السروال المصنوع من نسيج الكتان مع قميص و الأنطاري و البينيش، و تكتفي عامة الشعب بالسروال و القميص. لكن لا أحد يتجاهل الحزام. و لا يرتدي الأتراك الشقشير في أسفارهم بل يفضلون عليه السروال و يكون لونه أزرق. و يغلف المسافرون الشرقيون أرجلهم بشرشف كبير من الصوف و ينتعلون فوقه جزمة كبيرة مما يزعجهم في السير، إلا أن هذا الشرشف يحمي الأرجل من البرد أكثر من الجوارب العادية. و غالبا ما يرتدي الناس أثناء السفر ثيابهم الخارجية من تحت السروال و حينئذ يشبهون الفارس التركي المصوّر في اللوحة الرابعة و الثلاثين من كتاب «مجموعة الرسوم المائة» أو من كتاب «وصف البلاط العثماني». و غالبا ما يرتدي الانكشاريون الأنطاري و القفطان تحت السروال مع معطف من دون أكمام مع خفين أحمرين. و لا يسمح للمسيحيين و لا لليهود بارتداء الألوان الزاهية و يجبرون على ارتداء لون غامق عند ما يريدون تلويث منازلهم. و يمكن للمصريين أن يختاروا بحرية ألوان ثيابهم باستثناء اللون الأخضر، لأن المسلمين الخاضعين للنظام التركي يحتفظون بحق ارتدائه حصريا. و لا أظن أن هناك قانونا صريحا فيما يتعلق بهذا الموضوع. و إذا تجرأ أحد و ارتدى اللون الأخضر، فيمكن أن يتعرض للشتم من الشعب لذا فمن المستحسن عدم ارتدائه و يحق للأوروبيين أن ينتعلوا أخفافا صفراء و مست لكن ذلك يمنع على المسيحيين و اليهود الشرقيين باعتبارهم من رعايا السلطان و عليهم أن يكتفوا بالجلود الحمراء و الزرقاء و السوداء.

و لعل القطعة الأكثر تغيرا في لباس الشرقيين هي التي تغطي رؤوسهم. هناك ثلاث فئات رئيسية تختلف كثيرا فيما بينها. فيعتمر بعضهم قلنسوة عالية مغلفة بغطاء و مبطنة بالقطن و يغطونها بقطعة كبيرة من نسيج الكتان الناعم. تسمى هذه القلنسوة قاووق(Kaouk) و هي تركية الأصل. و يعتمر البعض الآخر قلنسوات صغيرة ملفوفة بقطعة طويلة من نسيج الكتان و تسمّى الشاش(Sasch) أو العمامة و هي بالأحرى عربية الأصل. أما الفئة الثالثة فتتألف من قلنسوة عالية مبطنة بالقطن يغلفها القماش من فوق و من جلد الحمل من أسفل تدعى قلبق(Kalp k) يرتديها المسيحيون و التتر الشرقيون. بالإضافة إلى ذلك يعتمر أسياد القسطنطينية أنواعا من القلنسوات الخاصة بأعمالهم: فضباط السلطان من جميع الفئات و جنود بعض القطع يعتمرون قلنسوات خاصة: و لو كان لدينا الوقت الكافي و الرغبة في مشاهدة كافة أشكال القلنسوات التي يعتمرها أهل الشرق لألّفنا منها مجلدا كاملا. و لأن هذه القطعة من اللباس تهدف إلى التمييز بين مختلف الشعوب الخاضعة للأتراك و بين الطبقات الاجتماعية و لأنها خاضعة دائما للتغيير، قررت أن أصفها كلها. إلا أن مجموعتي ليست كاملة. كما و لا يمكنني أن أؤكد أن القلنسوات التي رأيتها على رأس أهل طبقة معينة لا يمكن أن يرتديها غيرهم من الناس.

129

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

130

يحلق الشرقيون رؤوسهم (ما عدا الدراويش و الأولياء في مصر) و يتركون خصلة صغيرة على قمة رأسهم كما يظهر في الرسوم. و لست أدري ما هي أهمية هذه الخصلة لكني دخلت يوما إلى دكان الحلاق فرأيته يربط خصلة شعر تركي عجوز بخيط بغية إحكام إمساك رأسه فوق المغسلة لغسله خاصة أن الشرقيين يجدون شيئا من اللذة و هم بين يدي الحلاق. و كل الناس يعتمرون مباشرة على رأسهم تحت القاووق أو العمامة أو القلبق قلنسوة حمراء تدعى الطربوش(F s) . في الماضي كان الأوروبيون في مصر يعتمرون عمامة بيضاء لا تختلف عن عمامة المسلمين إلا من الأعلى حيث كان عليها خط أحمر من جانب واحد. و كان التجار يسعدون بهذه العمامة لأنها يمكن أن تضلل شعب القاهرة الذين كانوا يظنون أنهم من المسلمين. أما اليوم فما عادوا يظهرون في الشوارع من دون القلبق الذي يظهر في الصورة الثالثة من اللوحة التاسعة عشرة. تلك هي العلامة الفارقة التي يتميز بها المترجمون الأوروبيون في القسطنطينية و يستعملونها ليحيّوا بها تماما كالقبعة. إن إلقاء التحية بهذه الطريقة هو أمر غريب بالنسبة للشرقيين الذين لا يكشفون عن رأسهم حتى أمام الباشا أو السلطان. يعتمر الأوروبيون في بيوتهم الفاس و يغلفونه بنسيج الكتان أو الشاش أو العمامة. على أن كل إنسان يحضّر عمامته على طريقته. إن بعض الإيطاليين الذين يعيشون منذ زمن بعيد في مصر لا يزالون يحتفظون بالعادة القديمة و يعتمرون في منازلهم و خارجها عمامة على شكل سفينة (الرسم رقم 1). و لقد رأيت مسلمين يرتدون العمامة نفسها لكنها كانت بيضاء و عمامة الأوروبيين كانت سمراء. تشير الصورتان 4 و 5 إلى القاووق الذي كان يعتمره الأسياد الأتراك.

يكون القاووق مزينا بقماش أصفر و مغلفا بنسيج الكتان الناعم الأبيض إذ لم يكن مرتديه من الشرفاء لأن هؤلاء يحيطون القاووق أو العمامة دائما بقماش أخضر. و في الحقيقة قلما نرى أحد الشرفاء في القاهرة لأن غالبية البهوات و الأسياد الكبارهم مسيحيو الأصل و قد أحضروا إلى مصر و هم لا يزالون من العبيد.

تشير الصورة السادسة إلى القاووق الذي يعتمره الأسياد الأتراك الذين يخدمون الباشا، و تشير السابعة إلى قاووق الضباط التابعين للباشاوات و للبهوات المصريين. أما الثامنة فهي صورة القاووق الذي يعتمره كبار الضباط في القاهرة و طرفها مغلف بكتان ناعم. و يظهر في الصورة التاسعة القاووق الخاص بضباط قطعة الانكشاريين.

نجد في الصورة العاشرة عمامة الانكشاريين البسيطين في مصر. و أحيانا يبدلونها بعمامة من الحرير الأسود. أما الصورة 11 فتمثل عمامة الانكشاريين في القسطنطيينة. إن القلسنوة رقم 12 هي التي يرتديها هؤلاء أثناء الاحتفالات في القسطنطنية و هم لا يعتمرونها إلا عند ما يذهب السلطان إلى المسجد أو إلى الاحتفالات. و في هذه الحال، يعتمر ضباط هذه القطعة قلنسوات مزينة بالريش مطوية من أمام و من خلف كما يظهر في صورة اللوحة الثلاثين في «وصف البلاط العثماني» بقلم السيد فريول. القلنسوة رقم 3 هي قلنسوة البستنجي و هي مغطاة بقماش أحمر سميك. و البستنجيون هم حرس السلطان و في الماضي كانوا مسؤولين عن بيوت أسيادهم الريفية و عن العناية بحدائقها و لا شك أن سبب تسميتهم يعود

131

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

132

إلى مهمتهم السابقة. و يقول البعض إن طباخي السلطان كانوا يعتمرون قلنسوات مماثلة إلا أنهم استبدلوا بها لاحقا قلنسوات من اللبد تظهر في الصورة الرابعة عشرة. و يتميز بعض ضباط السلطان و الباشاوات بقلنسواتهم التي هي بمثابة لباس موحد. و تمثل الصورة الخامسة عشرة القلبق الخاص ببعض ضباط الباشا.

إن رأس هذا القلبق مزين كثيرا و مغطى بالقماش. أما السادسة عشرة فهي قلبق البرطولي(Kolp k des Bar toli) و هم فريق المشاة الخاضع لباشا بغداد. و لقد رأيت القلنسوات نفسها في ولايات أخرى مما جعلني أظن أنها العلامة الفارقة التي يتميز بها بعض الضباط. يشير الرقم السابع عشر إلى بعض الفرق الخيالة التي هي في خدمة باشاوات بغداد و الموصل و ديار بكر التي تسمّى لفند(Lavend) . و يعتمر الأتراك المتسكعون في سوريا القاووق نفسه. في الصورة 18 نرى القلبق الخاص بفرق الخيالة في حلب التي تسمى دلي(Deli) . أما الصورة 19 فهي عمامة بحارة أسطول السلطان. تكون ثياب هؤلاء قصيرة كعامة الشعب اليوناني في جزر الأرخبيل. الرقم 20 يبين قلبق التتر. و يشبه ما تبقى من ثيابهم ثياب البولونيين و الفرس أكثر من ثياب الأتراك.

إن الصورة 21 تشبه عمامة المفتي في المدن التركية. أما الصورة 22 فهي قاووق كبير مضرّب بالقطن ترتديه في القسطنطينية طبقة معينة من رجال القانون الذين يعقدون جلساتهم في الديوان. و الصورة 23 تشير إلى عمامة رجال القانون في القاهرة. أما الصورة 24 فهي قاووق رجال الدين الرئيسيين في تركية كلها. و القاووق رقم 25 هو ما يرتديه الشيوخ أو رجال الدين المميزون في القاهرة. أما القاووق رقم 26 فهو ما يرتديه بعض رجال الدين في الأناضول. و فيما تبقى فإن لباس رجال الدين الأتراك يشبه لباس العلمانيين إلا أن ثيابهم الخارجية هي واسعة الأكمام كثياب العرب. و لن نتجرأ على وضع الأولياء المزعومين في عداد رجال الدين في مصر. إن هؤلاء الخرقى يرتدون ما شاؤوا من اللباس و بعضهم لا يرتدي ثيابا على الإطلاق. تظهر في الصورة 27 قلنسوة شتى مراتب الدراويش و تكون عادة من اللبلد الرمادي. انظروا إلى الصورة 28. إن مسيحيي قيصر يعتمرون القلنسوة نفسها. لكن عند ما يغلفونها بقماش أبيض يجبرون على وضع علامة زرقاء عليها حتى يميّزهم جباة الخراج. و نرى في الصورة 29 قلنسوة عالية و مسننة من اللبد الرمادي مغلفة بقطعة قماش كبيرة و هي تهدف إلى تمييز الأكراد الذين يسكنون في سوريا.

تشير الصورة 30 في اللوحة 22 إلى قاووق من اللبد يرتديه الناس في محيط قطيّة(Ku t hja) . أما الصورة 31 فهي عمامة هندي مسلم شاب و هي العمامة الوحيدة التي كانت مغلفة بهذا الشكل.

العمامة 32 هي عمامة أقباط القاهرة و القاووق 33 هو قاووق باقي أفراد الأمة نفسها. إن غالبية مسيحيي القاهرة الأقباط يعتمرون العمامة أو القاووق بعد أن يغلفوها بنسيج الكتان المقلم باللونين الأبيض و الأزرق. أما اليسوعيون و دعاة المسيحية في مصر فيعتمرون القاووق نفسه و يرتدون ثيابا مماثلة لمسيحيي‏

133

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

134

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

135

البلد. إلا أن الفرنسيسكان و الكبوشيين يحافظون على لباس إخوتهم في الأمبراطورية العثمانية بكاملها و عادة تكون أيديهم و أرجلهم شديدة الاتساخ. و بما أن النظافة تعتبر واجبا دينيا شديد الأهمية بالنسبة إلى المسلمين، نرى هؤلاء يشمئزون كثيرا من هذه الوساخة؛ و من هنا ينظرون إلى هؤلاء الآباء الطيبين نظرة الأوروبيين إلى أولياء مصر المزعومين. نرى في الصورة 34 قلنسوة رجال الدين اليونانيين التي تكون عادة من اللبد الأسود. يترك هؤلاء شعرهم ينمو و يطول لكن الأرمن و غيرهم من الكهنة الشرقيين يحلقون رؤوسهم باستمرار. العمامة 35 هي التي يرتديها بعض التجار اليونانيين من جزر الأرخبيل الذين رأيتهم في مصر. أما العمامة رقم 36 فهي التي يعتمرها بعض المسيحيين السوريين في القاهرة. إن عمامة أو قاووق اليهود المصريين لا تختلف عن عمامة المسيحيين في القاهرة لكن بدلا من اللون الأبيض المقلم باللون الأزرق، يلف اليهود عمامتهم بقماش أسمر اللون يميل إلى النبي. و لقد أشرت في «وصف شبه جزيرة العرب» أن اليهود الشرقيين يشيرون إلى أنهم من سلالة إبراهيم من خلال الشعر الذي يتركونه ينمو في القسم الأعلى من ذقنهم. القلبق رقم 37 هو قلبق اليونانيين و رقم 38 هو قلبق الأمن. يكون قلبق اليونان و الأرمن مزينا بالفراء و يختلف حجمه باختلاف الموضة في عواصمهم.

إن القلنسوة التي تظهر في الصورة 39 من اللوحة 23 هي قلبق الأرمن في قره حصار(Karahissar) في الأناضول. أما القلبق رقم 40 فهو قلبق خدم المسيحيين. الصورة 41 هي قلنسوة من قماش أحمر و حافة من المخمل الأسود يتميز بها أرمن بلاد فارس الذين سكنوا الأناضول. أما القاووقان 42 و 44 فهما يخصان مسيحيي حلب و دمشق و قد صنعا من القماش الأحمر المغلف من الأسفل بنسج الكتان المقلّم.

و القاووق رقم 43 هو الذي يرتديه عامة الشعب من مسيحيي الأناضول.

و يختلف ملبس النساء و يتنوع في مختلف بقاع الشرق: في ديار بكر تعتمر نساء النصارى و اليهود قبعة من الشبهان أو القماش المطبع بالفضة كما يظهر في الصورة 45 التي تمثل القلنسوة التي ترتديها نساء الدروز و هي أيضا من الشبهان أو القماش المطبع بالفضة. أما القرويات فيرتدين قبعات من الكرتون.

و بالنسبة إلى زينة الرأس الظاهرة في الصورة 47 فهي تناسب ذوق الأوروبيات و هي مصنوعة من الشبهان أو من الفضة. و لقد رأيت النساء اليونانيات يعتمرن القبعات نفسها في الأناضول لكن داخل بيوتهن فقط إذ يغطين رأسهن بكامله عند ما يخرجن إلى الشارع و يشبهن بالتالي نساء المسلمين و الدروز و النصارى في ديار بكر. أما الصورة 48 فتشير إلى زينة الرأس الخاصة بزوجة شيخ في وادي فران(Far n) بالقرب من جبل سيناء و هي تشبه ثياب النساء في مصر. حيث كانت هذه المرأة تضع على رأسها منديلا كبيرا أسود اللون شأنها شأن سائر نساء القاهرة و بعض المدن الألمانية. و كانت تلف جبينها بضفائرها التي رصعتها بحجارة من المرجان. و كسائر النساء المصريات تغطي وجهها بقطعة قماش طويلة و ضيقة معلقة من ثلاثة مواضع إلى شريط اي من الطرفين و من فوق الأنف فلا يظهر من المرأة سوى عينيها. و كانت الأقراط في‏

136

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

137

أذنيها مصنوعة من الفضة على شكل دائرة كبيرة القطر حتى أنك لتخالها سوارا. و كانت تلف عنقها بعقد غليظ من الفضة و تصنع حول قدميها خلاخل من الفضة. بالإضافة إلى ذلك كانت تلف حول عنقها شريطا من الحرير الملون و من جانبي رأسها أشرطة صغيرة مماثلة يتدلى منها حجر من المرجان.

و تضع في خنصريها خاتمين من الفضة مرصعين بالأحجار الشعبية. و لقد رأيت أن زينة ذراعيها تعيق الحركة تماما كزينة قدميها. إذ تلف ذراعها بسوار من العظام المشغولة (كانت بعض النساء تضع سوارا من الكهرمان) بالإضافة إلى سلسلة من الفضة و سلسلة أخرى. أما ذراعها الأيسر فقد لفت عليه سوارا من الشبهان و آخر من عظام بشكل دائرة بالإضافة إلى سوار من زجاج ملون و سلسلة من الفضة. أما فيما يتعلق بلباسها فلا أستطيع وصفه لأني لم أعلّق عليه منذ البداية.

إن نساء المشرق كلهن يرتدين على أجسادهن العارية سراويل شديدة الاتساع. و ترتدي القرويات المصريات و النساء من عامة الشعب في القاهرة فوقه قميصا واسعا أزرق اللون يتميز بكميه الواسعين الطويلين اللذين يتدليان من الكتفين إلى الوركين. و غالبا ما يزيّن شعرهن المجدول بأجراس صغيرة و كانت الفتيات الصغيرات يعلقن مثل هذه الأجراس على أقدامهن. و تلف الفتيات حول رؤوسهن صفوفا من النقود الذهبية إلا أنهن لا يظهرن هذه الزينة و هنّ في الشارع و لا يظهر من وجوههن إلا ما نراه في الصورة رقم 48 (*). و تضع النساء من عامة الشعب أقراطا في آذانهن و أحيانا في الأنف بينما تضع أخريات أساور حول الذراع و خلاخل حول الأقدام. و تضع بعض النساء زينة سوداء أو حمراء على شفاههن و ذقنهن و صدورهن تماما كما تفعل بعض المسيحيات اللواتي طبعن بعض العلامات على أذرعتهن عند ما كنّ في القدس. كما و تصبغ النساء أيديهن و أرجلهن باللون الأصفر و أظافرهن باللون الأحمر.

إن القطعة الأكثر أهمية في لباس النساء الشرقيات هي البرقع الذي يغطين به وجوههن في حضور الرجال. و يحكى عن إنكليزي أنه رأى يوما مصادفة امرأة تستحم في الفرات بالقرب من البصرة. و عند ما تنبهت المرأة إلى وجوده سارعت إلى إخفاء وجهها و لم تهتم بستر جسدها العاري أمام الغريب‏ (**). في الحمامات الشعبية تلف النساء قماشا قطنيا حول الوركين يسمّى الإحرام(Ihhram) و قد ذكرته في «وصف شبه جزيرة العرب». و أخبرتني فتاة من القسطنطينية أنها كانت يوما جالسة في غرفة الانتظار التابعة للحمام و كانت إحدى خادمات الحمام- و هي تركية- تقف معي فدخل علينا رجل بغتة فما كان‏

____________

(*) أخبرني شخص من طرابلس أن العادة كانت تجري بوضع نقود ذهبية حول رؤوس الفتيات و يعود السبب في ذلك إلى ورودها في القرآن. لذلك لا يزال الناس يحتفظون بالنقود الذهبية و يمكن للأوروبيين من هواة جمع العملات إكمال مجموعاتهم من حلي الفتيات المسلمات.

(**) لعل تلك الحركة الصادرة عن المرأة كانت تلقائية، و تدلّ على حشمتها؛ لأنها في خلوة بعيدة عن الأنظار، لا كما يزعمه المؤلف فيما شاهد مختلسا النظرة. (المترجم)

138

من التركية الّإ أن سارعت إلى تغطية وجهها بالإحرام. و قلما يعطي الفلاحون المصريون فتياتهم قمصانا قبل بلوغهن السابعة أو الثامنة من عمرهن إلا أنهن يرتدين قماشا قطنيا طويلا و ضيقا يربط حول الرأس حتى يسدل على الوجه فتغطيه الفتيات إذا مررن برجل غريب. و لقد رأيت بنفسي القرويات الشابات يسارعن إلى رؤيتنا و هن عاريات لم يحجبن إلا وجوههن.

إن الذين يودون معرفة لباس نساء الطبقات الراقية في الشرق عليهم أن يعودوا إلى رسائل مايلادي مونتاغو(Miladay Montagu) . فلقد دخلت المرأة الإنكليزية هذه إلى حريم أحد الأسياد الأتراك و قد حاولت أنا الدخول لكنهم لم يسمحوا لي لأني رجل. و وفقا لسلوك المسلمين، من غير اللائق أبدا تأمل أي امرأة في الطريق مهما كان لباسها ساترا. و أنا لم أستطع مشاهدة المسلمات من الطبقات الراقية إلا عن طريق استراق النظر إليهن. و مع أن بعض الناس يشككون في مضمون الرسائل الآنفة الذكر حول روعة الحمامات و الحريم في الشرق إلا أني أرى أنها غير مبالغ فيها قط و أستند بذلك إلى ما رأيته بعيني في بيوت طبقة معينة من المسيحيين و المسلمين. لكنني أظن أن الكاتبة قد اكتفت بنقل محاسن الأتراك و أنها قد غضت الطرف عن سيئاتهم. و تصور الرسوم رقم (ب) من اللوحة رقم 28 اللباس الذي تخرج فيه نساء القسطنطينية إلى الشارع. فهن يغطين رأسهن و وجههن و عنقهن بأقمشة قطنية كبيرة و لا يظهر منهن إلا عيونهن. و يغطين أجسادهن بفستان خارجي ضيق ينزل من عنقهن حتى أخمص القدم. و في القاهرة ترتدي ذوات النسب من النساء فستانا واسعا من نسيج الكتان الشعبي فوق ثيابهن الفاخرة و يغطين رؤوسهن بحجاب كبير و وجههن بقطعة من القماش القطني الطويل الضيق كما رأينا آنفا. لكن لدى وصول النساء إلى الحمام أو إلى بيت صديقة ما، يخلعن هذه الثياب ليعرضن ما يلبسن من حلي و من ثياب فاخرة.

إن عددا كبيرا من أوروبيي المشرق ينزوج من نساء يونانيات أو من أصل يوناني لذا فلا يصعب على المرء مجالستهن. و هناك فرق بسيط جدا بين لباس هؤلاء و لباس النساء التركيات. سوف أصف لباسهن تماما كما رأيته و سوف أزوّد القراء بصورة للباس النساء اليونانيات كان السيد بورنفايند(Baurenfenid) قد رسمها في الإسكندرية. أحيلكم إذا إلى اللوحة الرابعة و العشرين. كما و يمكن مراجعة اللوحة 16 من كتاب روسل «وصف حلب» لمشاهدة زي النساء التركيات. و جميعهن يرتدين سراويل طويلة تصل إلى أقدامهن. ينتعلن في أرجلهن خفين من الجلد الناعم و من فوقهما حذاء من دون كعب. و من فوق السروال يرتدين قميصا من نسج الكتان الناعم و من فوقه سترة طويلة الكمين و من فوقها حزام عريض.

تقفل سترة اليونانيات من الأمام أما سترة التركيات فتفتح على عرض اليد. و يرتدين فوق السترة فروة مزودة بكمين يتألف طولها من عرضي اليد. إن قصّة هذه الثياب معرضة دائما للتغيير لكن التغيير الأكبر هو الذي يطرأ على لباس الرأس و هو يشغل النساء الشرقيات و الأوروبيات، على حد سواء. و لا بد أن‏

139

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

140

أعترف أن لباس الشرقيات أجمل بكثير من لباس الباقيات و أنا شخصيا أفضل لباس رأسهن على لباس رأس الأوروبيات لكن يجب ألا نراهن إلا و هن يجلسن على ارائكهنّ إذ طريقتهن في السير بشعة جدا كيف لا و هن يجلسن متربعات في غالبية الأوقات و ينتعلن خفا من الجلد داخل أحذيتهن الواسعة. هناك بعض النساء الأوروبيات الأصل في القسطنطينية و هن يرتدين الزي اليوناني و ينتعلن أحذية أوروبية. لكن يمكننا أن نعرف من خلال طريقة سيرهن إذا ما كن يجلسن على الطريقة الأوروبية أو الشرقية.

يمكن أن تتجول ذوات النسب من نساء القسطنطينية في عربات إلا أنهن لا يستعملنها إلا نادرا في القاهرة حيث يقل عدد العربات قليلا، مما يجبر النساء الرفيعات المستوى على امتطاء الحمير بدلا من السير على الأقدام. و الجدير بالذكر أن النساء المسيحيات و اليهوديات لسن مجبرات على الترجل عن الحمير عند ما يلتقين بأسياد القاهرة. و العربات التركيات تشبه العربات الأوروبيات إلى حد بعيد: و لأن الأتراك يتربعون في عرباتهم، نجد فيها اريكة كبيرة و تغيب عنها الأبواب العالية. و يمكن الصعود إلى هذه العربات بواسطة سلم صغير يتدلى عادة من خلف العربة. و بدلا من مرايانا الجميلة، يستبدل بها الأتراك مشربية. و خلال سفر ذوات النسب من النساء، يستعملن محملا يحمله بغلان أو جملان.

141

التمارين و التسليات التي يقوم بها الشرقيون في أوقات فراغهم‏

ليس من المهم معرفة كيف يمضي الشرقيون أوقات فراغهم. إن الألعاب الأكثر شعبية ما بين عامة الشعب هي بغالبيتها قديمة الأصل. و بما أن هذا الموضوع يمكن أن يلقي الضوء على بعض العبارات التي استعملها الكتّاب القدامى، سوف أذكر في هذا الإطار ما علمته عن التسليات التي يلجأ إليها أهل الشرق. و إني أعترف أنني لم أبذل أي جهد للتبصّر في هذا الموضوع.

إن «العثمليين» أي كبار الشخصيات التركية يمضون أفضل أوقاتهم على ظهر الخيل كما و يشكل ركوب الخيل أهم تمرين من تمريناتهم العسكرية. يجتمع كبار القوم في القاهرة مرتين في الأسبوع في ساحة كبيرة تسمى مصطبة. و أحليكم هنا إلى خريطة القاهرة. و يتبع هؤلاء القوم مجموعة كبيرة من العبيد و الخدم و يكونون جميعا على ظهر الخيل. فيتجه بعضهم إلى التمرين «بالجريد»(Dsjerid) فينقسمون إلى جماعتين تتألف الواحدة منهما من شخصين و يمسكون بيدهم قضيبا من النخيل يصل طوله إلى أربعة أقدام (إن هذا المشهد يذكّر بالتركيين اللذين كانا يلاحقان بعضهما بالرمح، راجع اللوحة السادسة) فيرمونه أفقيا على بعضهم. و إذا لم يكن الذي يتلقى القضيب مستعدا يمكن أن يقع عن حصانه و أن تكسر عظامه. و لقد عرفت سيدا كسرت يده و رجله في هذه اللعبة عند ما كان شابا و يتسلى بعضهم بوضع إناء يسمى بردك(Bardak) على الرمل و يصوبون عليه أهدافا و هم يسيرون بسرعة على ظهر الخيل. و مع أن المصريين لديهم قربينات مزودة بلولب إلا أنهم يستعملون سلاحا بفتيل عند ما يمارسون هذا التمرين لأن الهواء الذي يهب فجأة يعيق شرارات صوّانة البندقية فيمنعها من الوصول إلى البارود.

و لا يزال ذو الشأن من الناس يتدربون على القوس و النشاب و قد شيّدت بعض الدعامات على شرف أمهر الناس في هذا التمرين. و عند ما يرتفع مستوى الماء في النيل يتسلّى أبناء القاهرة في الإبحار بمراكبهم الفاخرة على مياه البرك الكبيرة و يشعلون حينئذ الألعاب النارية و لا ينسون الموسيقى. و بعد ذلك يمضي كل سيّد ليلته في حريمه فلا يستطع المسافرون الأوروبيون معرفة ما يفعل هناك. و قد أخبرني أحد سكان طرابلس أن باشا المدينة كان ينصب اسقالتين مرة في السنة و كان يضع بينهما سفنا صغيرة تحمل مدافع ضخمة جدا و كان يمكن سحب السفن بواسطة الحبال. و كانت هذه السفن المعلقة في الهواء تجعل الناظر إليها يعتقد أنه يشاهد حربا بحرية. و كان يجلس بالقرب من كل اسقاله قبطان يدير مناورات سفينته، أما الرابح فكان الذي يصيب سفينة غيره بالأضرار. لقد قيل لي إن هذه المعارك ليست إلا على سبيل التسلية

142

لكن لا بد من القول إنها كانت أحيانا سببا لخلافات تنشب بين الضباط. إلا أن هذه التسلية قد ألغيت بعد أن افتعل رئيسا سفينتين معركة حقيقية.

شاهدت خدم بعض الأسياد المصريين يتمرنون على رمي قضيب يبلغ طوله من خمسة إلى ستة أقدام في اتجاه أفقي. (راجع الصورة (أ) من اللوحة (15). إن هذا التمرين هو الذي يعدّهم لرمي الجريد على ظهر الخيل. كما و أن عامة الشعب و الفلاحين يتسابقون باللعب بالوحي وفقا لبعض القواعد. (راجع الصورة ب) و تجري العادة على أن يقوم المتبارون ببعض الحركات بالعصا قبل بداية اللعبة و بعد ذلك يحاول كل واحد أن يضرب رأس خصمه بالعصا فيسارع الثاني إلى رد الضربة بعصاه. و نرى في الصورة (ج) مصارعين مصريين آخرين، يمسك كل منهما بعصا بيده اليمنى و أريكة بكم في اليد اليسرى و يوجه كل منهما ضرباته على ذراعي خصمه. و تسمى هذه اللعبة لعب الحكم(L b El H kkem) . و لقد رأيت في الشوارع محاربين يرتدون سراويل ضيقة و لا شي‏ء غيرها، و كانوا قد دهنوا أجسادهم بالزيت. و الحق أنهم ليسوا ماهرين و لا يتجرّؤون على عرض لعبهم في بلاد فارس. كما رأيت في شيراز بيتا يتجمّع فيه الناس و منهم أشخاص بارزون للتمرن على القتال و لممارسة تمرينات أخرى للمحافظة على صحة جيدة.

و سوف أدرج الرسم في الجزء الثاني من كتاب «رحلتي».

و حكى مسافرون آخرون عن التسليات الشعبية التي تجري في القاهرة عند رحيل الحجاج إلى مكة و عند جرّ مياه النهر عبر المدينة. كما و لكل مؤسس مسجد عيده السنوي فيتجه بعض الشيوخ بصحبة جماهير من الناس إلى المسجد و يتسلى الشعب في ساحة مجاورة. عند ما تبدأ المسيرة عند المساء، يحمل المصريون بيدهم مشواة موصولة إلى قضبان و يحرقون بها قطعا من الخشب بدلا من المشاعل. و كان بعضهم يحمل أداة على شكل سكاكر القاهرة تكون من الخشب الخفيف المغطى بالورق و المثبت على قضيب يوجد في أسفل هذه الأداة ما يقارب العشرين قنديلا زجاجيا و تكون مزدانة عادة، و في هذه الحالة تحوي عددا أكبر من القناديل.

أثناء الاحتفالات الكبرى الخاصة بالمسلمين و الأقباط يرفع الناس في الساحات العامة الأدوات (د، ه، و) فيديرها بعض الرجال و الأطفال لقاء أجر زهيد. يشير الحرف (د) إلى أرجوحة عادية بثلاثة حبال يتألف مقعدها من خشبة مثلثة الشكل و هي أكثر راحة و أمانا من أرجوحاتنا ذات الحبلين. أما الأرجوحة (ه) فهي مشابهة للأرجوحة السابقة و يجلس عليها ولدان أو ثلاثة في آن معا. أما الحرف (و) فيشير إلى أرجوحة مؤلفة من عارضات أفقية تتدلى من أطرافها صناديق صغيرة تدار كما تدار الأحصنة الخشبية التي نراها في أوروبا. و يمكن رؤية الآلة (ز) في قرى الأتراك بأوروبا.

إن ألعاب الأطفال في القرى تكون مشتركة عند كافة الشعوب و إني أذكر أني رأيت على ضفاف نهر الفرات بين البصرة و الحلّة(Helle) أطفالا يلعبون بخمس حجارات فيرمون واحدة في الهواء ثم يلتقطونها بعد أن يكونوا قد لموا حجرة أو أكثر أو الأربع التي كانت على الأرض. يطلق العرب على هذه اللعبة

143

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

144

اسم اللقوط(La Kچ‏d) . و هناك ألعاب أخرى منها اللعبة التي تسمى «تختين و خمسة»(Tachtejn u Kamse) و التي يركض فيها الأولاد ثم يقفزون في الهواء. و في بلاد فارس، رأيت القرويين يلعبون لعبة الراضية (ضرب من ألعاب كرة المضرب). و يتسلى العرب و الأتراك بلعبة القسوم و الإفرادي. و يلعب الشرقيون لعبة طاولة النرد التي يسمونها «طاولة» و لعبة الداما علما أن داما هو اسمها العربي. و يتسلمون بالشطرنج و يمضي بعض الناس نهارهم بكامله في هذه اللعبة. أما أحجار الشطرنج فتكون عادية جدا ليس لأن المسلمين يبتعدون عن كل ما يشبه الأصنام بل لأن حرفييهم لا يجيدون نحتها أو لأنهم لا يتقاضون لقاء ذلك أجرا كبيرا. و بدلا من طاولات الداما و الشطرنج خاصتنا المصنوعة من خشب فاخر، يستعملون قماشا قطنيا طرزت عليه مربعات من مختلف الألوان و تلف به الأحجار عند نهاية اللعبة. أما الصورة (ح) من اللوحة 25 فهي تصور ما يسمى بالعربية «المنقلة». تتألف المنقلة من خشبتين في كل منها ستة ثقوب.

يمكن لشخصين أن يلعبا هذه اللعبة و إليكم الطريقة: يضع اللاعبان في كل من الثقوب ستة أحجار أو ست صدفات. بعد ذلك، يأخذ أحدهما كافة البيادق الموجودة في ثقب ما و يضع في كل ثقب بيدقا واحدا مبتدئا من اليمين إلى أن تنفد كلها. لكن إذا صادف أن لقي اللاعب الأرقام 2 أو 4 أو 6 في أحد الثقوب التي وضع فيها بيدقه الأخير، يربحها كلها بالإضافة إلى كافة البيادق الموجودة في الثقوب المجاورة. و عند ما تنفد البيادق في اللعبة، يعدّ كل لاعب مجموعه و يربح الحائز على العدد الأكبر. و هناك لعبة أخرى تدعى «أدريس تلاتة» صوّرتها في الصورة (ك). تلعب هذه اللعبة بواسطة أوان ملونة. تحمل اللعبة (ل) أو (م) اسم إدريس تيسا. أما اللعبة المسماة لعب ألقاب(Laib El K b) فتلعب بعظام مستخلصة من ركب الخراف و الماعز بشرط اتباع بعض القواعد التي تحدد قيمة الجهات الأربع الموجودة في الأعلى. و لعل هذه اللعبة هي التي أدّت إلى اختراع النرد. و يشتهر الشرقيون بلعبة «طاب ودك» التي حكى عنها العالم هايد(Hyde) و التي تمارس بواسطة أوان من كافة الألوان يبلغ عددها 21 في سوريا و 17 أو 19 في مصر أو بأي عدد إفرادي توضع جميعها في الصف الخارجي عند ابتداء اللعبة. لقد رأيت هذه اللعبة عند الموارنة في القاهرة و كانت تتألف من خشبة فيها أربعة صفوف و في كل صف 21 مربعا كما يظهر في الصورة (ص). يضاف إلى ذلك أربعة قضبان مسطحة سوداء من طرف و بيضاء من الطرف الآخر. أثناء اللعب في الهواء الطلق ترمى القضبان على سكين مثبت في الأرض أو على إبرة مغروزة في كنبة. و عند ما يمارس اللعبة بعض التجار في بيوتهم، يبدأ اللاعب الأول من جهة اليمين و الثاني من جهة اليسار حتى تلتقي البيادق ببعضها. عند ما يحصل الأول على طاب أي ثلاثة بيض و واحد أسود (*) يقدّم أحد البيادق من الصف الأول إلى الخانة المجاورة في الصف الثاني. و إذا لم يحصل على‏

____________

(*) يقول هايد إن الطاب يتألف من ثلاثة سود و واحد أبيض. فإما أن يكون أحدنا مخطئا أو أن اللعبة تمارس بأشكال مختلفة وفقا للمدن.

145

طاب، يقوم اللاعب الثاني بهذه العملية شرط أن يحصل هو أيضا على طاب. إذا، لا يمكن تحريك أي يبدق من الصف الأمامي إلا عند الحصول على طاب. و إليكم ما يمكن الحصول عليه أيضا:

1- دوق و نجم أي 2 من اللون الأسود 2 من اللون الأبيض عند الحصول على ذلك، نتقدّم بالبيدق خانتين.

2- دوق و طلعة أي 3 من اللون الأسود 1 من اللون الأبيض. حينئذ يمكن أن نتقدم بالبيدق ثلاث خانات.

3- أربعة أو أربعة سود فيتقدم البيدق أربع خانات.

4- ستة أي عند ما نحصل على 4 بيض فيتقدم البيدق ست خانات و عند ما يحصل اللاعب على طاب أو أربعة أو ستة، يمكنه أن يحتفظ بالدور. و يمكن للاعب الذي يوصل بيادقه إلى الصف الثالث دون أن يأخذها منه خصمه، يمكنه أن ينتقل إلى الصف الرابع طالما يوجد عليها بيدق من بيادق الآخر و إلا يتقهقر من الصف الثالث إلى الثاني و ذلك إلى أن يفقد أحدهما بيادقه كافة. و رأيت في القاهرة بعض المسيحيين و قد غرزوا نقودا في الأرض ثم يرمون طابة للمسها. و هناك قواعد لتنظيم هذه اللعبة كما يجب أن يحصل عند ما تصطدم طابة لاعب بطابة لاعب آخر. و لن أستفيض في ذكر تفاصيل الألعاب كلها لأن القارى‏ء و لا شك سيملّ منها.

و لم أجد المسلمين يلعبون قط بالورق على عكس يونانيي القاهرة و قونية(Ko ?nie) . و يعتبر العرب لعب الورق قمارا. و لقد رأيت في بومباي تجارا عربا يلعبون بالورق الصيني السميك و غير المريح في اللعب، و أذكر أني رأيت أربعة أشخاص يلعبون بالورق الصيني و يمسكونه بصعوبة بكلتا يديهم. و يمنع القرآن المسلمين من اللعب في سبيل تحقيق المال، لذا لا يلعبون إلا على سبيل التسلية. إلا أن بعضهم لا يمتثل لأحكام القرآن. ففي يوم ذهبت لزيارة معارفي من المسلمين في بومباي فوجدتهم مشغولين باللعب بالورق. و عند ما أخبرهم الخادم عن قدوم غريب إليهم، هرعوا يخفون المال خوفا من أن يكون هذا الغريب أحد المسلمين المسنين. و لم تمض دقائق على وجودي معهم حتى استأنفوا اللعب. لكن المال الذي طرح في اللعبة كان زهيدا جدا لدرجة أن الخسارة كانت تنحصر بدرهم واحد في النهار كله.

و لعل تمضية الوقت المفضلة عند أهل مصر و سوريا و العرب على حد سواء هي السهر في القهوة لتدخين الغليون و للإصغاء إلى الحكواتي و الموسيقيين و المغنين الذي يقصدون هذه الأماكن لقاء أجر زهيد. و كنت قد ذكرت في كتاب «وصف شبه جزيرة العرب» أن أهل الشرق يحبون الجلوس في القهوة و يمضون ساعات كاملة فيها من دون التحدث إلى جيرانهم. و في مصر يستعمل الناس غليونا

146

طويلا خشبي القصبة و تكون هذه أحيانا مغلفة بالحرير أو بالقماش الناعم. في أيام الحر الشديد، يرطب بالماء لجعل الدخان أقل حرارة. و عادة تكون قصبة الغليون مصنوعة من القصب الرقيق الشائع، أما محرق التبغ فيكون عادة من الفخار. و يستعمل الناس أيضا الغليون الفارسي الذي يمر فيه الدخان من خلال الماء. أما الغليون الذي يستعمله عامة الشعب فهو بسيط جدا: يتألف من جوزة هند مع محرق تبغ من الفخار علقت على طرفه قصبة من الخشب و أخرى من القصب السميك، و يمكن مشاهدته في الصورة (ص) من اللوحة 25. أما طريقة استخدامها فهي سهلة. بعد ترطيب التبغ يحشى في المحرق (أ). في كل مرة نود فيها تدخين نفس جديد، يعبّا نصف جوزة الهند بالماء إلى أن يصل الماء إلى الطرف السفلي من القصبة (ب). و عند ما تضخ القصبة (ج) الهواء من فوق الماء، يطرد الهواء الخارجي الدخان من خلال القصبة (ب) و الماء ليملأ الفراغ. و لا يلجأ الشعب إلى مثل هذا الغليون للتسلية و حسب بل بسبب الحرارة التي يؤمنها. و أثناء الرحلة التي قمت بها في فصل الشتاء عبر نهر الفرات كان البحارة مجبرين على النزول في الماء مرارا و لم يكونوا يتجرؤون على شرب الكحول فكنت أقدم لهم خدمة العمر كلما أعطيتهم غليونا ليدخنوه لأنهم بهذه الطريقة يدخلون الهواء الساخن إلى زواياهم. نرى في الصورة (ع) شكلا آخر من الغليون لا يزال موجودا في بلاد فارس. الفرق الوحيد بينه و بين الغليون السابق هو أنه يوجد في أسفل جوزة الهند رأس من الفضة أو الشبهان. و بما أنه لا يمكن وضع هذا الغليون على الأرض إذا لم نشأ مسكه بيدنا، يمكن أن نستعين بأثفية خاصة نحملها معنا لوضعه عليها. نرى في الصورة (ق) الغليون الشائع حاليا في بلاد فارس. و هو عملي جدا أثناء الأسفار و المفضل عند الحاكم كريم خان. يسمّى هذا الغليون «كريم خاني». إن غليون ذوي الشأن من الفارسيين يكون أحيانا كله من الفضة لكنه عادة يكون من التنك المرصّع بالفضة أو الزجاج مع قصبتين من خشب. و في الهند، تكون أدوات التدخين أقصر و أعرض من الأسفل كي لا تصبح عرضة للوقوع بسهولة لأن الهنود المميزين لا يمسكونها بيدهم. أما القصبة فتكون من الجلد الناعم. إن كل هذه الأنواع من أدوات التدخين لا تختلف أبدا بين بعضها من الداخل. شكلها الخارجي وحده الذي يختلف باختلاف الأذواق. و يمكن أن نرى في اللوحة 15 من كتاب روسل «وصف حلب» الغليون الأكثر رواجا بين كبار الأتراك. إن هذا الغليون و غليون كريم خاني يصنعان من الزجاج في شيراز و غالبا ما يكونان مرصعين بأزهار من كل الألوان تكون ملصقة من الداخل.

يعتقد ذوو الشأن من الأتراك أن تعلم الموسيقى و الرقص يقلل من شأنهم. إن كبار القوم في الشرق ليسوا من خبراء الموسيقى و الذين يعزفونها لا يحصلون على أجور جيدة، لذلك ليس غريبا أن يسبقهم الأوروبيون في هذا المجال. و لم أعثر في مصر و شبه جزيرة العرب و بلاد الهند على أي عازف يجيد وضع لحن ما. و مع أني سمعت عن عازفين ماهرين في القسطنطينية، إلا أني لم ألتق بأحد يعرف النوتات و ذلك حتى في صفوف الدراويش المولوبين و هم من أهم الموسيقيين في تركيا. و مع كل ذلك، لا يمكن أن‏

147

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

148

نقول إن موسيقيي الشرق و مغنيه ليسوا ماهرين و لقد سمعت بعض الشيوخ يرتل القرآن و كنت أعجب بترتيلهم فهم لا يصرخون أبدا في محاولة رفع صوتهم. كما و حضرت بعض الحفلات الموسيقية التركية في بغداد و القسطنطينية، و مع أنها لا تشبه حفلاتنا إلا أني أكيد أنها ستعجب أي أورويي لا يطلب المستحيل. إن أكثر ما يسمعه المسافر الأورويي في البلدان المشرقية هو الموسيقى السيئة التي تعزف في الشوارع. قبيل سفرنا من القاهرة إلى دمياط، غنّى لنا البحارة أغنيات حب شبهوا فيها حبيباتهم بخيار دمشق و عيونهن بعيون الغزال و تغنّوا بجمال أيديهن الصفراء و أظافرهن الحمراء ... و كان أحدهم يبدأ بغناء مقطع فيكرر الباقون الكلمات نفسها و اللحن نفسه ثلاث أو أربع أو خمس مرات كل مرة بطبقة موسيقية مختلفة. و بدلا من الطبلة كانوا يصفقون معا. و لن يعجب أي أورويي بالزغاريد التي تطلقها الراقصات المصريات كما أن موسيقانا لا تعجب الأتراك و العرب. و تكون ألحان الشرقيين عادة بسيطة و هم يحبذون أن يفهم السامع كل كلمات الأغنية. عند ما يعزف اللحن بعدة آلات موسيقية مع مرافقة غنائية، نسمعهم جميعا يؤدون النغم نفسه. و سأذكر لكم مثلا على أن موسيقانا ليست من ذوق الشرقيين كما أن موسيقاهم ليست من ذوقنا. أقمنا حفلا موسيقيا في القاهرة تألف عازفوه من بعض التجار و الرهبان و السيد بورنفايند و أنا. و في أثناء عودتنا إلى المنزل، كنا أكيدين من أن عزفنا قد لاقى إعجابا شديدا في هذا البلد فالتقينا في الظلام برجل مصري يغني و بآخر يصحبه على الناي. و لشدة ما أعجب أحد خدامنا بهذه الموسيقى صرخ: بارك الله، هذه موسيقى جميلة. عجبنا من قول الخادم و سألناه عن رأيه في موسيقانا فأجاب أنها تشبه الضجيج الصاخب الذي لا يمكن أن يتلذذ فيه المرء. و لقد عزفنا أحيانا أنا و السيد بورنفايند لبعض العرب من الطبقات الرفيعة، و مع أنهم لم يبدوا عدم إعجابهم بموسيقانا مباشرة إلا أنهم اعتبروا أن موسيقاهم فيها رجولة أكثر من موسيقانا و أنها أجمل منها.

و لأني عازف سيى‏ء لم أجد الوقت أو الفرصة لتعلم موسيقى الشرقيين و وجدت أن خير سبيل لأعطي الأوروبيين فكرة عنها هو عن طريق رسم آلاتهم الموسيقية. و سأحيلكم في هذا الإطار إلى اللوحة 26.

الآلة (أ) هي التي يستعملها اليونانيون الآتون إلى مصر من جزر الأرخبيل. تسمى هذه الآلة «طمبورة» باللغة العربية. فيها و تران من الفولاذ. يسمي اليونانيون الآلة (ب) سووري(Sewچ‏ri) و هي تتألف من أربعة أوتار من الفولاذ و من وتر مزدوج من الشبهان. يسمي اليونانيون الآلة (ج) بقلاما(Baglam) و طمبورة(Tambچ‏ra) . و ربما يطلق اليونانيون على الآلات الموسيقية الوترية كافة الاسم الأول و العرب يطلقون عليها الاسم الثاني. لا تختلف هذه الآلة عن سابقتها إلا بالحجم و هي تتألف من ثلاثة أوتار واحد من الفولاذ و اثنان من الشبهان. تلف حول مقبض هذه الآلات حبال من معي الحيوان لجعل الأنغام أكثر ارتفاعا بتلمس هذه الأوتار بواسطة ريشة و غالبا ما يرافق الموسيقى الغناء. و يتألف هيكل هذه الآلات من الخشب الرقيق و لا يكون خوانها مقوسا و لا الملوى قريبا من المقبض. الصورة (د) هي صورة آلة بكمان (مقوس) يسميها اليونانيون ليرا(Lyra) . فيها ثلاثة أوتار من معي الحيوان لا تلمس من الأعلى بل‏

149

من الطرف و بواسطة الأظافر كما نلمس أوتار القيثارة بواسطة المرعشة، و أظن أننا أحيانا كنا نمرّر القوس على الأوتار الثلاثة معا للحصول على نغم عميق و خفيض. ليست هذه الآلة مرتفعة لكن للعزف عليها نقف في الوضعيّة نفسها كما لو كنا نعزفّ على الأوتار الغليظة في الكمان الأوسط و يكون القوس فيها سيئا شأنه شأن كافة الآلات التي تكون أوتارها من معي الحيوان و التي تشيع بين العرب. إن هذه الآلات تتألف من خشبة صغيرة أخذت مباشرة من الشجرة. يتكون هيكل الليرا من الخشب الصلب. و هناك نافذتان صوتيتان في الداخل و مشط مركز في النافذتين هاتين. ثم إن الرسم (ه) هو لآلة بقوس يسميها اليونانيون رباب(Rep b) و العرب كمنجة(Seme ?ndje) . قيل لي إنها كانت تتألف في السابق من ثلاثة أوتار من معي الحيوان لكن التي رأيتها في القاهرة كانت تحتوي على وترين كما وقوسها سيى‏ء مثل قوس الليرا. أما قدمها فهي من الحديد. يتألف هيكلها عادة من جوزة هند أو من خشب قاس. و خوانها من جلد مشدود كجلد طبولنا. تلك هي الآلة التي يستعملها العازفون السيئون الذين يرافقون الراقصات المصريات. يمكن أن نجد النوتات الموسيقية بالقرب من هذه الآلة. و نرى في اللوحة 27 أن العازفين المصريين يتخذون أثناء عزفهم على هذه الآلة الوضعية نفسها التي يتخذها موسيقيونا عند ما يعزفون على الأوتار الغليظة في الكمان الأوسط. إن الصورة (و) من اللوحة 26 تبين آلة بقوس شائعة الاستعمال بين العرب تسمّى مرابا(Mar bba) قيل لي إن لها وترين لكن الآلة التي حملتها معي إلى الفندق لأرسمها كانت وحيدة الوتر. لا تتجاوز سماكة هذه الآلة الأصبعين و هي مغلفة من فوق و من تحت بجلد مشدود و هناك نافذة صوتية بالقرب من المقبض. و هكذا يمكن القول إن هذه الآلة هي في الوقت نفسه كمان و طبل. و كان الموسيقي الذي يستعملها ماهرا فيتعامل معها مرة على أنها كمان و يضرب الخوان مرة أخرى كأنها طبل. و جدير بالذكر أن ألحان المرايا تنسجم مع أصوات العازفين العاديين. الآلة (ز) هي أيضا آلة بقوس فيها وتر و جلد مشدود يحل محل الخوان و قد رسمت صورتها في البصرة. شاهدت آلات موسيقية أخرى في بلاد الهند و بغداد و القسطنطينية لكني كنت منشغلا بأمور أخرى غير تصوير رسومها. و الحق أنني كنت قد اعتدت على آلات الشرقيين فما عادت تلفت انتباهي كالسابق.

يحب المصريون الآلات الموسيقية الصاخبة إلا أن سكان المناطق الإفريقية الجنوبية يفضلون الموسيقى الهادئة. و قد رأيت بين يدي البربر آلة موسيقية تشبه القيثار (الصورة (ج)) كانوا يسمونها قثير(Kussir) بينما يسميها العرب طمبورة و هو الاسم الذي يطلقونه على كافة الآلات شديدة الصخب. يتألف هيكلها من صحن خشبي في أسفله نافذة موسيقية. و هي مغطاة من الأعلى بجلد رقيق أكثر علوا في الوسط من الجوانب. هناك قضيبان معلقان بثالث أعلى منهما يمرّان منحرفين من خلال الجلد الذي يحمل خسمة أوتار من معي الحيوان المثبتة بمشط. و لا نجد أي ملوى في هذه الآلة و يعلّق كل وتر حول القضيب بواسطة حزقة صغيرة من نسيج الكتان. و تشير النوتات المصورة قرب الصورة إلى النغم الذي يجب أن تضبط عليه. و يمكن العزف على هذه الآلة بطريقتين فإما أن ننقرها أو أن نمرّر قطعة جلد على‏

150

الأوتار و كان البربري الذي يعزف عليها يرقص في الآن نفسه. و لقد كان هناك شريط خلف الآلة يمكن استعماله لتركيز اليد أو الأصابع على الأوتار. و كأن هذه الآلة تشبه قيثار داود؟

و من بين المزامير كافة الموجودة في تركيا، تعتبر الآلة التي يسميها المصريون صرم(Surme) الأكثر صخبا. و يتألف الصرم من سبعة أجزاء و يشبه بوقنا إلى حد بعيد. (راجع الصورة ن). و يطلق المصريون اسم صرم أيضا على الآلة (ك). و يشبه الصرم المزمار و فيه سبعة ثقوب و ثقب ثامن الإبهام. ثم إن هناك مزمارا آخر يشبه السابق و يبلغ طوله 21 بوصة. أما النغمات الصادرة عنه فهي عميقة و منخفضة. و إن الآلات الموسيقية الثلاث المستعملة لعزف الموسيقى العسكرية هي الطبل على أنواعه و البوق و المزمار و جميعها تصدر أصواتا لا تعجب الأوروبيين. و تساهم هذه الآلات في الدلالة على الرتب. الصورة (ل) هي صورة السلمانية(Salamanie) أو الناي التركي المصنوع من القصب و المزوّد بحلقة من الفولاذ من جهته العليا إلا أنه يكون أحيانا مصنوعا بكامله من الخشب الجيّد. ثم إن وضعية العزف عليه هي نفسها التي يتخذها عازفو الناي الأوروبي الهادى‏ء. أما فم هذا الناي فهو صعب لأنه خال من أي لسان و مفتوح بكامله من الأعلى. و لقد رأيت هذه الآلة بين يدي رعاة الغنم الأتراك في بلاد فارس. فالأتراك إذا قد حصلوا عليها من أسلافهم في تركستان. و يبرع الدراويش المولويون الذين يسميهم الأوروبيون الدراويش الراقصين في العزف على هذا الناي. لأن هؤلاء أدخلوا الموسيقى إلى عقيدتهم فأصبحوا من أهم الموسيقيين الأتراك و هم يفضلون الناي على سائر الآلات الأخرى. ثم إن الحرف (م) يشير إلى مزمار يسمى زمّارة(Sum ra) يتألف من قصبتين واحدة قصيرة و أخرى طويلة و من فتحتين. و يمكن تقصير القصبة الطويلة أو تطويلها بواسطة بعض القطع الصغيرة المعلّقة عليها و ذلك وفقا للنغم المعروف. أما الصورة (ن) فهي لمزمار القربة الذي يسمّى زمارة القربة(Sum ra El Kچ‏rbe) و يستعمل في مصر.

الجزء الأعلى من هذين المزمارين مكوّن من الخشب السميك. أما الفتحات الكبيرة السفلى فهي كالبوق.

ليست هذه الآلة عظيمة الشأن إذا ما قارناها بمزمار القربة البلغاري فأنا لم أبتهج لسماعي أي آلة من آلات الشرقيين كما ابتهجت عند سماعي المزمار البلغاري، و لست أدري إذا ما كان السبب يعود إلى براعة العازفين أو إلى النغمات البلغارية التي هي أقرب إلى أذن الأوروبيين منها إلى أذن العرب و الأتراك.

تختلف أشكال طبول أهل الشرق و قياساتها. و تشير الصورة (س) إلى ما يسميه العرب بالطبل الذي يمسك أفقيا و يضرب عليه من جهة بقضيب من الخشب صنع خصيصا لهذه الغاية، و من الجهة الأخرى بعود صغير. يشكل هذا الطبل جزءا من الآلات المستعملة لعزف الموسيقى العسكرية و في حفلات الزفاف في القاهرة. فالصورة (ع) هي صورة دائرة واسعة مغلفة من جهة بجلد طري. تكون حافته عادة مزينة بصفائح معدنية رقيقة و مستديرة تزيد من صوته. و يمسك هذا الطبل بيد من الأسفل بينما تستعمل اليد الأخرى للضرب عليه. إن هذه الآلة هي الأكثر شيوعا في تركيا و تستعمل في الحفلات التي تقيمها

151

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

152

النساء داخل الحريم، أما الاسم الذي يطلق عليها فهو «الدف»(Do ?ff) . يشير الحرف (ك) إلى نوع آخر من الطبول يكون قعره أحيانا من الخشب و أحيانا أخرى من النحاس. أما الطبل (ص) فيتألف من آنية من الفخار مغطاة بجلد مشدود. يحمل تحت الذراع و يضرب عليه باليد الأخرى و يسمى دربكّة. يلجأ بعض الشحاذين في اليمن إلى غناء بعض الأناشيد للإعلان عن حضورهم و يرافقون غناءهم بضرب على الطبل. و بما أنه من غير المريح مسك الآلة بيد و الضرب عليها باليد الأخرى، يصنعون طبلا صوّرته في الصورة (ث) و يعلقون عليه من الجهتين كرة. و هكذا، عند ما يديرون الطبل بسرعة تضرب الكرات حافته و يصل الشحاذون إلى مبتغاهم من دون غلبة. و أذكر أني رأيت بعض الدراويش الكلندريين أو القرندليين ينفخون في بوق كبير أمام منازل المسلمين ليعلموهم بوجودهم و ليحصلوا على الصدقة. و من الآلات الموسيقية الأخرى الشائعة في الشرق نذكر الصناجات التي تحملها الراقصات فتضع الواحدة منهن اثنتين في كل يد واحدة حول الإبهام و أخرى حول إصبع آخر. ثم لعزف الموسيقى العسكرية تستعمل صحون معدنية على شكل الصناجات. أما المزمار الذي رأيته بين يدي فلاح في القاهرة فكان مصنوعا من القصب. و لقد رأيت السنطور في بغداد و طريقة العزف عليه تشبه طريقتنا. إذ كانت العازفة امرأة من الإسكندرية و كانت تلمس أوتاره بأصابعها بعد أن سلحتها بأظافر من فضة بدلا من لمسها بقضبان صغيرة.

إنه من غير المحتشم أن يرقص المسلمون الذكور لكن ذلك لا يطبّق على النساء. و هن لا يتدربن على الرقص لإرضاء أزواجهن و حسب بل للتبارز فيما بينهن أيضا. و لقد أخبرني أحد سكان طرابلس في كوبنهاغن عن طريقة رقص سيدات مدينته أثناء الأعراس و أظنها لا تتغير في تركيا و شبه جزيرة العرب.

و مع أن هذا الرجل لم يشاهدهن بأم عينه إلا أن زوجته كانت قد نقلت له كل شي‏ء بالتفصيل. و قال لي إنه ما من امرأة تتجرأ على الظهور في هذا الجمع الغفير لو لم تكن جميلة أو تظن نفسها جميلة و ترتدي ثيابا فاخرة. و في أعراس الأشخاص البارزين، نجد عادة أكثر من 50 امرأة شديدة الجمال يرتدين أفضل ما لديهن من ملابس. و تحضر كل واحدة منها أجمل خادماتها أو جارياتها اللواتي يجلسن في قاعة مجاورة إلى جانب صناديق مليئة بالثياب. بعد تقديم المرطبات للسيدات، تدخل خادماتهن الجميلات فيبد أن بالرقص و الغناء لتسلية الحضور. ثم تبدأ أكثر السيدات تميزا بعرض مواهبها في الرقص لكن بعد برهة تذهب إلى القاعة المجاورة و تبدل ثيابها كلها، حتى حذاءها الجميل المقصّب ذهبا أو فضة. إلا أنها تحافظ على زينة رأسها و أساورها المرصعة بالجواهر الثمينة. في هذه الفترة ترقص أخريات ثم يتركن الجمع لتبديل ملابسهن. و هكذا، فإن كل سيدة تبدل ثيابها من 8 إلى 10 مرات تقريبا في الأمسية الواحدة. و تحاول كل سيدة أن تحظى بإعجاب الجمع مما يجعل الباقيات يتركن الحفل مستاءات و حتى اليونانيات يبدلن ثيابهن أثناء الاحتفالات. و لقد أخبرني أوروبي في القسطنطنية ذهب يوما لزيارة صديقه اليوناني أن زوجة هذا الأخير بدلت ثيابها أكثر من خمس مرات في مدة ساعتين. أما الأوروبيون الذين يتذمرون من كون‏

153

نسائهم يصرفن أموالا كثيرة على ملبسهن فيمكن تعزيتهن بأن الشرقيات أكثر إفراطا في الإنفاق من نسائهن بكثير.

و يحلو للرجال مشاهدة الراقصات أثناء الأعراس أو في المجتمعات، و تسمى الراقصات في القسطنطينية تسيغان(Tschingane) و المصريات في القاهرة غازيات. تعيش هؤلاء بعيدا عن المسلمين و نادرا ما يتزوجن من غرباء. يمارس أزواجهن عادة مهنة المشير و يسمحون لنسائهن و بناتهن بالرقص و الغناء في الاحتفالات لقاء أجر ما. يصحب هؤلاء رجل واحد يعزف على الكمنجة بالإضافة إلى نساء مسنّات يراقبن سلوكهن. و من المعروف أن هؤلاء النساء لسن الأكثر عفة بين المسلمات. و بالرغم من ذلك، يمكن لأي مسلم أن يحضرهن إلى منزله من دون أن يعترض أحد. و يمكن لمسيحيي الشرق و للأوروبيين المتزوجين أن يحضروا هؤلاء النساء للرقص في منازلهم، لكن ذلك محظور على الأوروبيين غير المتزوجين و على التجار الفرنسيين لأن الملك يمنعهم من الزواج في الشرق. لذلك كنا نكتفي بمشاهدتهن في الطرقات أو في منازل أصدقائنا المتزوجين أو حتى في بعض المواخير خارج المدينة. و لأن منازل بعض التجار الأوروبيين الذين يسكنون القاهرة تقع على إحدى ضفاف القناة التي تمر بالمدينة، فإن الغازيات يستفدن كثيرا منهم في أيام تنظيف القناة قبل أن يصل النيل إلى الارتفاع المطلوب ليصبّ ماءه في القناة. لقد شاهدت هذه الأيام مباشرة قبل ذهابي إلى الصحراء لشدة ما كنا خائفين من سفرنا المقبل، كنا نحاول تمضية الوقت من خلال مشاهدة الغازيات يرقصن و يغنين في القناة الجافة التي كانت تستعمل كطريق. في بادى‏ء الأمر لم تكن مشاهدتهن تسلّينا فقد كانت موسيقاهن تعتمد على الآلات أكثر من الصوت و كانت سيئة جدا، و كانت النساء يتخذن أوضاعا جسدية غير محتشمة. و لقد وجدناهن قبيحات و أصابنا الاشمئزاز من أيديهن المطلاة باللون الأصفر و من أظافرهن المطلاة بالأحمر و من الزينة السوداء و الزرقاء على وجوههن و أذرعتهن و صدورهن و من خلاخيلهن و أقراطهن و الكميات الهائلة من الدهون على شعرهن التي كنا نشمّ رائحتها حتى من بعيد ... و مع أن أصواتهن كانت جدّ قبيحة، صرنا نظن في النهاية أنها جميلة و أنهن و سيمات و صرنا نشاهدهن و نسمعهن بفرح كما لو كنا نشاهد و نسمع أمهر الراقصات و المغنين في أوروبا. لقد رسم السيد بورنفايند إحدى هذه الفرق في اللوحة 27. فيلاحظ أنه لا تختلف ثيابهن الخارجية عن ثياب عامة الشعب من المصريات. و أثناء الرقص يرفعن القماش السميك و الضيق الذي يغطي وجوههن ثم يرمينه من الخلف. ثم يخلعن ثيابهن الخارجية و يبقين في ثيابهن الداخلية التي تشبه ثياب النساء التركيات أي قميص أبيض و تحته سروال طويل و واسع بالإضافة إلى تنورة تكون دائما مفتوحة من الأمام و من فوقها حزام بزرين كبيرين يكونان غالبا من الفضة. و وفقا للوصف الذي سمعته عن التسيقان في القسطنطينية، رأيت أن هؤلاء يرقصن تماما كالغازيات في مصر في بعض الملاهي الليلية اليونانية في غلطه(Galata) ، تلك الملاهي التي يرتادها الأتراك العاطلون عن العمل، و رأيت صبيانا يرقصون بثياب خاصة. إن تجارة بعض المسيحيين بغيرهم من أبناء دينهم بغية تسلية المسلمين يجب أن‏

154

تحتقر أكثر من ممارسات المصريات التي تكلمت عليها آنفا.

لكل من الشعوب المسيحية المقيمة في الشرق موسيقاها و رقصها الخاصان بها كالإنكليز و الفرنسيين و الألمان و البولونيين ... أذكر أني رأيت يوما في الموصل دائرة مغلقة يرقص فيها اليعقوبيون و النسطوريون و يرقص اليونانيون في حلقة مفتوحة فيمسك ببعضهم بعضا و يقود الرقص واحد منهم. إن أكثر الناس حبا للرقص هم اليونانيون و رقصاتهم جميلة جدا خاصة حين تقود جميلاتهن الفرقة. و للبلغاريين أيضا رقصهم الخاص إلا أنه ليس أجمل من رقص اليونايين. و أنا لم أر أي روسي يرقص لكن البولونيين يقولون إن الرقص الروسي ملي‏ء بالقفزات و يتألف عدد الراقصين من اثنين.

و لأن الأتراك لا يرقصون أبدا، قد يظن البعض أن الأوروبيين في القسطنطينية يحذون حذوهم إلا أن هؤلاء يدّعون أن المسلمين يقبلون بكافة عاداتنا و تقاليدنا. و الحقيقة أنه لا يوجد في بيرا(Pe ?ra) لا اوبرا و لا كوميديا، لكن هناك حفلات تنكرية و حفلات رقص. و أظن أن الأحرى بالأوروبيين أن يمتنعوا عن ملذاتهم في هذه البلاد لأن طبقات المسلمين الدنيا هي التي ترقص فيها، لذا فليس، عجيبا أن يقارنونا بهم.

و قد سمعتهم مرارا يقولون أشياء سيئة عن الأوروبيين و عن الحرية التي تتمتع بها نساؤهم. و لا شك أنهم كانوا سيحترمون نساء الأوروبيين أكثر لو أنهم لم يسمعوا أنهن يرقصن في الشارع مع الغرباء. أما عن الحفلات التنكرية، فإليكم هذه الحادثة التي رويت لي في الشرق: لدى عودة أحد الأتراك من أوروبا سئل عن الأشياء الغربية التي رآها في البندقية فقال إنه في فترة من السنة، يصيب الجنون الناس كافة فيركضون في الشارع مقنعين مما يجعل رجال الدين و من بينهم بعض السحرة يقودونهم إلى الكنيسة (أربعاء الرماد) فيضعون بعض الرماد على رأسهم فيهدأ الناس و يعود كل واحد إلى عمله.

نرى في اللوحة 26 حفل عرس على طريقة مسلمي القاهرة و لقد صور الحفل السيد بورنفايند. يشير الحرف(A) إلى العروس المغطاة من رأسها حتى أخمص قدميها و أمام وجهها هناك كمية من النقود الذهبية. يشير الحرف(B) إلى الجواري و الخادمات بالزي القسطنطيني. تقود هؤلاء العروس و تمسك واحدة منهن بمذبّة و تضرب الأخريات على الطبل. يشير الحرف(C) إلى لباس عامة الشعب من النساء في القاهرة، و الحرف(D) إلى بعض الموسيقيين الجالسين على الحمير. أما الحرف(E) فيظهر عامة الشعب من سكان القاهرة، عمل منهم أربعة ما يشبه الظلة فوق رأس العروس بينما يرشها آخر بالعطور. يشير الحرف(F) إلى رجال يقومون بألعاب الخفة. و هناك النساء اللواتي يزغردن احتفالا بالعرس. و لقد رأينا خارج الإسكندرية عروسا عربية على ظهر الجمل يتبعها كل ما تلقت من هدايا الزفاف من دواب و أثاث ... و كان الموكب يسير ببطء و يتوقف أحيانا. و كان العرب يعزفون الموسيقى و يطلقون الرصاص و النساء تزغردن.

يقوم أهل زوجة المسلم المتوفى باستئجار نساء لندب الفقيد إذا رأوا أنه يصعب عليهم بكاؤه و ندبه مطولا. فتقوم هؤلاء بالصراخ منذ وفاة الرجل و حتى دفنه. و إن عادة تغطية الوجه مفيدة لبعض النساء لأنه‏