رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - ج1

- كارستن نيبور المزيد...
398 /
155

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

156

لا تسمح بمعرفة ما إذا كنّ يذرفن الدمع أم يكتفين بالعويل. و في الشرق هناك عدد معين من الأيام و فترة معينة من كل يوم على النساء أن يبكين فيها أمواتهن إما في منازلهن أو في المساجد أو على القبور. فمن غير العجب إذا، في هذه البلاد أن نرى النساء، يمررن سعيدات في الشارع في ساعة معينة من النهار ثم يتوجهن في ساعة أخرى إلى قبور أمواتهن أو إلى المسجد، ثم يبكين لساعة كاملة بعد ذلك، ثم يرحلن من دون أن يبدو عليهن أي أثر للحزن. و النساء وحدهن يقمن بهذه الطقوس. فالرجال أقل خبثا منهن و أحيانا يهدئون من روع النساء اللواتي يستفضن بالصراخ. و لا تنحصر عادة البكاء على الموتى بالنساء المسلمات و حسب بل إن زوجات المسيحيين الشرقيين يمارسن الطقوس نفسها و يستأجرن أحيانا بعض النساء لهذه الغاية.

و قد نعتقد أنه لا وجود للحفلات المسرحية في مصر إلا أن في القاهرة فرقة كبيرة من الممثلين مؤلفة من مسلمين و نصارى و يهود. من مظهر هؤلاء نعرف أنهم لا يحصلون على أجور جيدة. و هم يقبلون بالتمثيل أمام أي كان مهما كان الأجر زهيدا. يستعملون باحة المنزل كمسرح أو يمثلون في الهواء الطلق.

و في جزء من مكان التمثيل، هناك ستار يغيرون ثيابهم خلفه. و لأن عددا كبيرا من الأوروبيين لم يكن قد شاهد أي مسرحية عربية، اتفقنا مع هؤلاء الممثلين أن يعرضوا لنا تمثيلهم في منزل تاجر إيطالي متزوج. إلا أننا لم نعجب لا بالموسيقى و لا بالممثلين. و لم أكن بعد أجيد اللغة العربية لأفهم كلامهم و لم أجد ضرورة في طلب التفسير لأن التمثيلية بكاملها كانت سيئة. و جل ما فهمت أن الممثل الأساسي كان امرأة (بل رجل في ثياب امرأة فشل في إخفاء لحيته) و كانت تدعو المسافرين إلى الدخول إلى خيمتها حيث تسلبهم مالهم بطريقة فائقة التهذيب ثم تطردهم منها. كانت قد سرقت عددا كبيرا منهم و بدا أن آخرين كانوا سيحظون بالمصير نفسه. إلا أن أحد التجار الشبان ملّ من رؤية هذه السخافات فأيده بعض المشاهدين و طلبوا من الممثلين إنهاء المسرحية التي لم تكن قد بلغت منتصفها.

الدمى المتحركة هي الأكثر شيوعا في القاهرة. لقد شاهدت عرضها مرارا في الشارع. فيمكن لشخص واحد أن يحمل المسرح المصور تحت الحرف (خ) من اللوحة 26. لكن لا شك أن المسرح الحقيقي أكبر منه بكثير. يقف الممثل وراء المسرح أو قل عليه حتى يتمكن من رؤية المشهد و المشاهدين من خلال الثقوب في اللوحة (أ) دون أن يراه أحد. ثم بعد ذلك، يمرّر دماه من خلال الثقوب (ب) و يحركها إلى الأمام و الخلف و كيفما شاء من خلال خيط من الحديد يمسكه بيده. و لتغيير صوته، يستعمل الممثل آلة صغيرة يضعها في فمه و لو أن مضمون عرضه كان أفضل لكانت المسرحية رائعة. في بداية العرض تبدأ الدمى بإطراء بعضها ثم تتشاجر و ينتهي العرض بالضرب. و لعله في ذلك يجاري ذوق مشاهديه إذ بدا الحضور معجبا بالمسرحية. و من الشائع أيضا في مدن الشرق القيام بعروض على الحائط بواسطة الظلال. إلا أني لم أحب حضور مثل هذه العروض لأنها تسخر من ثياب الأوروبيين و من عاداتهم و تقاليدهم.

من بين المشعوذين الذين يؤمون القاهرة، رأيت واحدا لديه منبع متقطع من الحجارة كالذي يحمله‏

157

الدجالون. يسيل الماء منه لفترة ثم ينقطع ثم يستأنف السيلان. و لأنه يعرف طريقة عمل هذه الآلة، يدعي أنه يأمر الماء بالسيلان ثم بالانقطاع حسب الظروف و كان الناس يعطونه قروشا معدودة لقاء شعوذته.

و كان آخر يرمي الغبار في وعاء ثم يسحبه جافا. و كان لثالث كأس مزودة بقعرين و بغطاء. في الجزء الأعلى هناك بيضة و في الجزء السفلي هناك صوصان. بعد حديث طويل و خطابات على أنواعها، كان ينفخ على صدفة كبيرة و يسحب الغطاء ثم يظهر البيضة. و في مرحلة ثانية و بعد خطابات مماثلة، كان يسحب الكأس الثانية مع الغطاء و يبيّن تحوّل البيضة إلى صوصين. و كان يعيد الكرة بواسطة كأسين آخريين و في الجزء الأعلى رمل و في الجزء الأسفل منها علف للدجاج علما أن هؤلاء لا يسألون أحدا عن أجر لقاء ألعابهم. فعند نهاية العرض يتركون للحضور حرية إعطائهم شيئا.

كما و يعتاش بعض المصريين من قرودهم و هي غالبا ما تكون من النوع المتوحش الذي يعيش جماعات جماعات في غابات اليمن. إن مالك هذا الحيوان غالبا ما يكون لديه حيوانات أخرى كالحمار و العنزة و الكلب. بعض الناس يرقّصون الثعابين. قد يعجب البعض من ذلك خاصة إذا كان لا يعلم شيئا عن غرائز هذه الزواحف لكن هناك أنواع من الثعابين تحب الموسيقى فعند ما تسمع صوت الطبل ترفع رأسها و الجزء الأعلى من جسمها فيقال إنها ترقص. كما و من السهل تعليم القرود الرقص. و قد أكد لي قبطان من الشركة الإنكليزية لبلاد الهند أنه رأى على شاطى‏ء كورومنديل(Coromandel) هياكل قديمة تسكنها القرود من دون الخوف من سكانها الوثنيين و أنه أدخل الطبول عدة مرات إلى هذه الهياكل المهجورة فما كان من القرود حتى الأمهات منها إلا أن خرجت للرقص على إيقاعها و كانت الأمهات تحمل أطفالها بيدها و ترقص وسط قرود أخرى. و لأن الثياب الشرقية الطويلة لا تناسب هذه الحيوانات التي تسير على أربع قوائم، غالبا ما يلبس الناس قرودهم الزي الأوروبي. إن من شأن ذلك أن يجعل المسلمين يقارنون بيننا و بين القرود. و هذا ما يحصل دائما عند ما يرون أوروبيين مكشوفي الرأس يحملون سيفهم أفقيا فيخرج من ثيابهم من الخلف و كأنه ذيل القرد.

و كما يقوم بعض البحارة الذين احتجزوا لبضع سنوات في بلاد البربر بإعطاء الشعب الأوروبي أفكارا مشينة عن سلوك المسلمين تجاه المسيحيين عامة، كذلك يقوم بعض أهل مصر بسرد أخبار كثيرة عن قسوة الأوروبيين. سأكتفي بالتكلم على ذلك الرجل الذي صادفته مرارا في القاهرة. كان يجلس في وسط الطريق و يظهر للناس القيود الضخمة التي كانت تكبّله عند ما كان محتجزا في مالطا و يحكي لهم عن الآلام التي عانى منها أثناء فترة عبوديته كإجباره مثلا على رعاية الخنازير أثناء النهار و على النوم في حظيرتها أثناء الليل. و لشدة ما كان المسلمون يتعاطفون مع هذا الشحاذ كانوا لا يمطرونه بالحسنات و حسب بل بشتى أنواع السباب التي يوجهونها إلى الشعب الأوروبي الهمجي.

158

آثار مصر

ما من آثار مصرية تاريخية تسترعي الانتباه بقدر الأهرام، و قد بنيت الأولى منها على خط منحرف قبالة القاهرة، أي من الجهة الغربية للنيل، و على التلة الأولى من جهة هذا النهر. عند ما يصل أوروبي إلى القاهرة، لا يغادر مصر قبل رؤية هذه الآثار المذهلة عن كثب، لذا وصلنا أكثر من وصف مفصل لها، لكن لا أظن أن ملاحظاتي حول هذه الأهرام و دراستي لها ستكون من دون جدوى بالنسبة للقراء.

و في أول مرة أردت فيها رؤية الأهرام، شاركت في رحلة صيد مع الأوروبيين المقيمين في القاهرة الذين يملكون بيتا ريفيا في الجيزة، فاجتزنا جسرا يعلو ساعدا عظيما من النهر، في الطريق بين الجيزة و الأهرام. و عند ما وصلنا إلى هذا المكان، عادت البعثة، و لم يرافقني إلى الأهرام سوى السيد فورسكال، و أخذنا معنا بدويين التقينا بهما لتوّنا عند الجسر المذكور أعلاه، ليكونا دليلينا. كانا يمتطيان جوادين في حين ركبنا نحن حمارين، و كنت قد حملت معي اسطرلابا (آلة قديمة لقياس ارتفاع الشمس أو النجوم) لاستخدامه إذا ما تسنت لي الفرصة. و عند ما وصلنا سفح التلة التي تقوم عليها الأهرام، شكّلت قاعدة أ، ب من 203 قدم (راجعوا اللوحة الخامسة، الصورة د). في المحطة الأولى، وجدت أن الزاوية الأفقية د، أ، ب الواقعة بين القاهرة و زاوية الهرم من الشمال الشرقي هي 37؟، 20؟، و أن الزاوية العمودية د، أ، ج هي 1؟، 34؟ في المحطة الثانية، وجدت أن الزاوية د، ب، أ هي 141؟، 30؟ و الزاوية د، ب، ج هي 1؟، 36؟ و عند البحث عن الضلع أ، د للمثلث د، أ، ب، و الضلع د، ج للمثلث د، أ، ج، تبين أن ارتفاع قاعدة الهرم الأول فوق أفق الآلة بلغ 170 قدما. و بما أن الآلة كانت على ارتفاع 30 قدما بالنسبة للنيل، نستنتج أن قاعدة الهرم الأول أعلى من ضفة النيل بحوالي 200 قدم.

و كان من السهل عليّ تحديد ارتفاع الهرم لو استطعنا اختيار موقع لقياس ارتفاع رأسه، لكن رأينا عربيا يعدو نحونا، و لأننا لم نكن قد اعتدنا بعد على البدو، سارعنا إلى إخفاء الآلة. كان هذا البدوي ابن أحد الشيوخ، و يبدو أكثر تميّزا من مرافقينا، فسألنا بأدب و احترام عن سبب تواجدنا وحدنا في هذا المكان المعزول و عند ما سمع جوابنا، عرض علينا مرافقتنا حتى الأهرام و إلى أين ما شئنا. رفضنا عرضه لأننا لم نكن بحاجة إلى دليل ثالث، لكنه أراد البقاء معنا، فأجبناه بطريقة جافة أننا لن نمنعه من مرافقتنا فأكد لنا أنه لن يزعجنا. و اقتربنا من الأهرام، و حين وصلنا وراء تلّة صغيرة، رمى الشاب رمحه أمام السيد فورسكال و منعه من التقدم أكثر إن لم يعطه مالا، لكن هذا الأخير رفض إعطاءه أو وعده بشي‏ء. و كنّا عزلا نمتطي حمارين و بالتالي غير قادرين على مقاومة الشاب لا سيّما و أننا لا نستطيع الوثوق بالدليلين.

159

و أسرعت نحو التلة، و لم أكد أصرخ لصديقي فورسكال أن هناك أناسا في السهل يعملون حتى استعاد الشيخ هيئته المجاملة و اللطيفة. و لم نشأ التقدم أكثر، فعدنا إلى قرية تبعد عن الجيزة حوالي نصف ميل، وعدنا العرب بإيصالنا إليها. خلال الطريق، تصرّف الشيخ معنا بطريقة وقحة للغاية، و حاول إفقادنا صبرنا، و عند ما افترقنا، طالبنا بالنقود، و كان ليكتفي بمبلغ لا يذكر لكن السيد فورسكال قرر عدم إعطائه المال. و حين رأى أنه لن يحصل على مبتغاه بالحسنى، نزع عن رأس صديقي عمامته، فما كان من هذا الأخير إلّا أن توجه إلى مرافقينا قائلا: «أيها البدويون، يظنون في بلادنا أن الإفرنج في مأمن حين يكونون تحت حمايتكم، و أنا الآن تحت حمايتكم. لكن إن كنتم ترضون أن يسلبني صديقكم، سأروي لمواطنيّ ما يحصل، و أعلمهم أنكم غير صادقين و غير أمينين». أثارت هذه الكلمات حمية العربيين فأجبرا الثالث على ردّ العمامة، لكننا لم نتخلص منه، فتحوّل نحوي، و لم أشأ إعطاءه المال، فأراد الاستيلاء على أسطرلابي الذي وضعته أمامي على ظهر الحمار. و لم أضبط أعصابي كصديقي، بل أمسكته بقطعة القماش الكبيرة التي تلف خصره، و بما أنه لم يكن ممسكا بلجام جواده، انطلق هذا الأخير و وقع الأعرابي أرضا. و اعتبر الشاب أنه تعرض لإهانة كبرى، إذ رماه أرضا مسيحي، فأخذ مسدسه وصوّبه نحو صدري، و لا أنكر أني أحسست بأن نهايتي اقتربت، لكن المسدس لم يكن محشوا. و حاول الأعرابيان الآخران تهدئة الشيخ، و نجحت كليا في ذلك حين منحته المال. و حين عدنا إلى الجيزة، سخر الآخرون منا، فقد أعلمونا بعدم الوثوق بالبدو و بأننا سنتعرض للنهب و السلب، لكني أعتبر أننا لو وعدنا الأعرابي الثالث منذ البدء بالمال، لجلنا في الأهرام بأمان. و لا يشكل العرب خطرا كبيرا بقدر ما يتصوّر الأوروبيون قبل اكتشاف طريقة تفكيرهم و تعلم لغتهم.

يعلو ذراع النيل الذي ذكرته و الذي يجري بين الجيزة و الأهرام جسران جميلان للغاية، يبلغ طول الأول 60 قدما مزدوجة و الثانية 50 قدما مزدوجة. ينقسم كل جسر إلى 10 قناطر. 9 منها مسدودة بالتراب أو بسور مرتفع بعض الشي‏ء. كي لا تمر مياه النيل بسرعة عند ارتفاع المنسوب أو تتراجع بسرعة عند انخفاضه. و نجد من كل جهة، و بين الجسور سدا مبنيا من الآجر و من الحجارة المقصوبة، و يبلغ طوله حوالي 1500 قدم مزدوجة. يبدو لي أن المسلمين قاموا ببنائه، أو على الأقل عملوا على ترميمه، لأن الجسور تحمل كتابات عربية حديثة. و شاهدت في محيط الجيزة جسرين آخرين يقوم الأول على خمس قناطر و الثاني على ثلاث قناطر، و يحملون كتابات عربية (*).

____________

(*) كان السيد دي هافن المكلف بالأبحاث حول تاريخ شبه الجزيرة العربية و لغتها لا يزال على قيد الحياة حين كنا في مصر، لذا لم أهتم بالكتابات العربية التي تكثر في مصر و التي تسلط الضوء على تاريخ هذا البلد. و اكتفيت بنقل الكتابات الهيروغليفية، لأنها تتطلب إلماما بالرسم و هذا أمر كان يفتقر له السيد دي هافن. و إليكم الكتابات التي وجدها على أحد الجسور قرب الجزيرة:

«بسم الله الرحمن الرحيم أخذ بتجديد هذه القناطرة المباركة بأمر مولانا الوزير المعظم حسين باشا ابن ... في شهر ربيع الأول سنة 1087».-

160

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

161

و بعد فترة، توجهنا مجددا إلى الأهرام يرافقنا عدد من التجار، و قاد البعثة السيد مينار، و هو تاجر فرنسي، أقام لسنوات عديدة في مصر و قصد الأهرام مرارا. و قد حاول حمايتنا قدر المستطاع، لكن إيطاليا حديث الوصول إلى البلاد تعرّض للسلب، بالرغم من عددنا الكبير. فحين وصلنا الأهرام، كان عدد كبير من سكان القرى المجاورة و بعض البدو قد اختلطوا بخدمنا العرب و بسائقي حميرنا. و خلعنا ثيابنا لدخول الأهرام، و سلّم كل منا ثيابه إلى خادمه الخاص أو إلى خادم يعرفه، باستثناء الإيطالي الذي سلّمها لأوّل عربي تقدم لأخذها، فما كان من هذا الأخير إلّا أن أخذها و رحل. و عند ما خرجنا، فقد كلّ منا بعض الأغراض، ففقد هذا مسدسه و الآخر حذاءه الخ. لكني أرفض نعت العرب باللصوص كما يفعل غيري من المسافرين، فهم لم يفعلوا إلّا ما يحصل في أوروبا عند ما تكثر الجموع. و في هذا اليوم، رسم السيد بورنفايند لباس العرب في هذه المنطقة على اللوحة 29.

و كان هدفي الرئيسي، من هذه الرحلة، هو تحديد ارتفاع الهرمين الكبيرين، و استنادا إلى البوصلة الصغيرة، تقابل جهات الهرم الأربع الغرب، و الشرق و الجنوب و الشمال، و نجد من كل جانب أكواما من الأنقاض و الرمال التي تجمعت بفعل الزمان أو الرياح. و نرى عند زوايا الأهرام الصخرة التي قامت عليها، لأن الهواء يعصف بشدة فيحمل ارمال و الأنقاض التي تساقطت من الأهرام شيئا فشيئا. و لتحديد ارتفاع أحد الأهرام، يكفي أن نقيس الزاوية التي تشكلها قمته في إحدى الزوايا مع الأفق (أو في الزاوية الممتدة،

____________

- يبدو من هذه الكتابات أن حسين باشا بنى هذا الجسر في العام 1087 للهجرة أو في العام 1676 ميلاديا. و نقل رفيقي هذه الكتابات بخط يده. و فيما بعد، انتقل مع عالم من القاهرة إلى الجسر الكبير، القريب من الأهرام، و نقل بحضوره الكتابات التالية:

1) الكتابات من الجهة الشرقية للجسر الكبير قرب الأهرام:

«اللهم أدم نصر مولانا السلطان الملك الأشرف ابو الخير قايتباي السلطان الملك بثاني شهر ذي القعدة سنة ثمانمائة و ماية».

يظن الدكتور ريسك الذي أرسلت إليه هذه النسخ أنه ينبغي قراءة ثمانمئة و ثمانين أي 880 في السطر الأخير، لأن قايتباي الذي بنى الجسر، وصل الى الحكم في العام 872 و توفي في العام 901.

2) الكتابات من الجهة الغربية للجسر نفسه:

«باسم الله الرحمن الرحيم أدم لنا مدة السلطان بن مولانا السلطان الملك الناصر ناصر الدنيا و الدين محمد بن السلطان الشهيد الملك المنصور سيف الدين قلاوون تغمده الله برحمته أمين في شهور سنة عشر و سبعمائة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة و السلام».

وجدنا الكتابات التالية على جسر آخر و طلب السيد دي هافن أن يتم نقلها، و وجد السيد ريسك أن الأخطاء تكثر فيها، و لعل السبب يعود إلى من قام بنقلها. لكن السيد ريسك يقول إن هذه النسخ تعلمنا أن هذا الجسر أيضا، القائم على 10 قناطر، أمر بترميمه السلطان قايتباي في غضون 20 يوما، و أن العمل به بدأ في الثاني من شهر محرم من العام 884، ثم فتح الجسر و سمح بعبوره سيرا على الأقدام أو على ظهر الجياد.

«من مولانا المعافر الشريف السلطان المالك الملك الأشرف أبو النصر قايتباي الذي تاريخه على طول الأرض خادم الحرمين الشريفين أنشأها العشر قناطر المجددة العالي الأشرف بأرباب العساكر المنصورة و بنا هذه القناطر في مدة عشرين يوما في ثاني ذي الحجة الحرام سنة ثمانمائة و ثمانين و تمامها في مدة ثلاثين يوما ثاني شهر الله المحرم الحرام في ثمانين أربع و ثمانين من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة و السلام».

162

لأننا لا نرى القمة من أسفل الزاوية)، و أن نقيس الجوانب على مسافة متوازية. و عند ما نفتقر للوقت في دراسة هذه الأصرحة الهائلة، و نكون محاطين بأناس نعتقدهم لصوصا، لا نختار السبيل الأسهل و الأدق، لذا أظن أن قياسي ليس بالدقة التي كنت أرجوها. و لم أقس جوانب الأهرام إلا بالقدم، و افترضت أن الخط أ، ب (راجع اللوحة الخامسة، الصورة ه) بين الزاويتين الأقرب بين الهرمين تشكل خطا مستقيما مع الخط الممتد بين الزاوية و وسط قاعدة هذين الصرحين مع انحراف بسيط. بالرغم من ذلك، يمكن أن يكون لقياسي فائدة ما، لذا قررت نشره بواسطة حبل لمسح الأراضي، كنت قد قسته و وضعته مسبقا، و تبين لي أن الخط أ، ب أو المسافة بين الزاويتين الأقرب بين الهرمين الكبيرين، تبلغ 565 قدما. و تبلغ الزاوية العمودية ب، أ، ج 3؟، 10؟، و ارتفاع الآلة 3 أقدام، لكن عند قياس الخط ب، ج للمثلث ب، أ، ج، تبين أنّ طوله 34 قدما أي إن قاعدة الهرم الثاني ترتفع 34 قدما أكثر من قاعدة الهرم الأول.

و يبلغ عرض الجهة الشمالية للهرم الثاني أو الخط ب، ك 141 قدما مزدوجة، مما يعطينا طول الخط ب، ل أو المسافة بين زاوية الهرم و وسطه، إذا ما افترضنا أن جهات الهرم الأربع متساوية من حيث الطول. و يمكن تحديد ارتفاع الهرم الثاني، عند قياس ارتفاع قمة الأول من إحدى الزوايا. و وفقا لتقديري، يبلغ طول ب، ك 705 قدم، و ب، ل 498 قدما، و أ، ج أي القاعدة المصغّرة أ، ب 562 قدما، و الزاوية د، أ، ج 24؟، 6؟، و أ، ل 1060 قدما، و د، ن أو ارتفاع قمة الهرم الثاني فوق أفق الأول 477 قدما.

و لا حظت أن قاعدة الهرم الثاني ترتفع 34 قدما أكثر من قاعدة الأول، أي إن ارتفاع الهرم الثاني يبلغ، بحسب تقديري، 443 قدما.

و يبلغ عرض الجهة الجنوبية للهرم الأول أو الخط أ، ط 142 خطوة مزدوجة، أو حوالي 710 أقدام.

إذا، يبلغ عرض أ، م 502 قدم، أو حوالي 600 نظرا إلى أن هذا الهرم لا يملك قمة. أما عرض أ، ج فيبلغ 561 قدما، لأني لم أستطع وضع الإسطرلاب قرب الزاوية ب، و تبلغ الزاوية «ه، ب، و» 20؟، 48؟. و يرتفع «ه، و» أو ارتفاع قمة الهرم الأول 403 أقدام بالنسبة لأفق الآلة، لكن بما أن الخط ب، ج أو الآلة ترتفع عن قاعدة الهرم الأول 37 قدما، يبلغ ارتفاع هذا الصرح 440 قدما. و قد لاحظت أن التلة التي يقوم عليها هذا الهرم، تقع على ارتفاع 200 قدم، و بالتالي، نستنتج أن قمة هذا الهرم أعلى من ضفة النيل بحوالي 640 قدما. و ورد ارتفاع الهرم الأول في الأعمال التي وصفت مصر، لكن أحدا لم يعتقد أنها منخفضة كما ذكرت، و كادت ملاحظات العلماء الآخرين المشهورين تدفعني إلى عدم ذكر ملاحظاتي. لكن فضّلت أن أنشرها، و إن لم تكن غاية في الدقة، بدلا من أن أنسخ ما ذكره الآخرون حول ارتفاع الأهرام‏ (*).

____________

(*) بعد كتابة ما ورد، وجدت ما يلي في وصف سهول هيليوبوليس و ممفيس، للسيد فورمون‏(Fourmant) ص 234، قال الميلورد شرلمون، الذي زار مصر في الوقت الذي كنت فيه في البلاد، أنه قاس الارتفاع العمودي للهرم الأول، و أكد لي أنه يبلغ 444 قدما. و يتناسب هذا القياس مع قياسي.

163

و تغطي الرمال أبا الهول جزئيا، و تبين لي أن ارتفاع الذقن يبلغ 10 أقدام و 6 بوصات، أما طول الرأس فسبعة عشر قدما، أيّ إن ارتفاع الرأس و الرقبة فوق الرمال يبلغ 27 قدما و 6 بوصات.

و قد بني الهرمان الكبيران من نوعية حجارة الصخرة التي يقومان عليها نفسها، و هي أحجار كلسية ليّنة، إذن، لا بد أنهم جمعوا الحجارة من المحيط و من حول تمثال أبي الهول، لأن هذا الأخير يبدو و كأنه حفر في الصخر، أما ذاك الذي يسند الهرم الثاني فهو مسطّح و يشكل جزءا لا يتجزأ من هذا النصب.

و بالغ بعض المسافرين في وصف الأعمال الضخمة و الكلفة العظيمة لهذه الكتل أو الجبال الحجرية، و أشاروا إلى أنها كانت مغطاة بالرخام، و يؤكد بول لوكا(Paul Lucas) أنها كانت مطلية بالإسمنت، لكن هذه الأقوال عارية عن الصحة، على الأقل بالنسبة للهرم الثاني. و نرى في أعلى هذا الصرح، حول قمته، جزءا كبيرا من الرأس‏ (*): و بالرغم من أنه يبدو متماسكا من بعيد، و من حجارة صلبة، لا سيّما حين يقع عليه ضوء الشمس، فهو مبني من الحجر الكلسي اللين نفسه الذي بني منه الهرم. و لدراسة هذا الأمر، تسلقت الهرم حتى قمته، و جلبت قطعة منه، و أعتقد أنه ليس من أوروبي تكبّد هذا العناء، إذ لا يتسلق المسافرون إلّا الهرم الأول و لا يسترعي الثاني انتباههم لأنهم لا يستطيعون الوصول إلى القمة.

و يبدو أن عمل مهندس هذا الصرح الأخير قضي بقصّ الحجارة الناتئة، و تسوية الجهات الأربع من القمة و حتى القاعدة، و هكذا يتصدى للعوامل الطبيعية و للزمان أكثر مما لو كانت الأحجار متدرجة. و مع ذلك، وقع قسم كبير من سقف هذا الهرم، و حملته الرياح، و نستنتج من ذلك أن الأهرام نفسها ستضمحل يوما تحت تأثير عوامل الزمن، لكن ينبغي انتظار آلاف السنين. و لماذا يتكبد المصريون عناء إحضار الحجارة من قمة الأهرام الكبيرة، في حين أنهم يستطيعون الحصول عليها بسهولة أكبر من جبل المقطّم أو من التلة التي تقوم عليها الأهرامات؟ لم أجد دليلا على وجود رأس في أعلى الهرم الأول، و لعل الأمر يعود لقدمه أو لأنه مبني من أحجار ليّنة و بالتالي معرّض للهواء أكثر من الجزء الأعلى للهرم الثاني. و لا أظن أن بانيها يسعى إلى أن يتسلق الناس الهرم الأول، لأن ارتفاع درجاته غير متساوية كما في الهرم الثاني، و الذي يحاول صعوده من أمكنة عدة، لن يجد عدد الدرجات نفسه.

و نجد قرب الهرم الثالث، المبني من حجارة كلسية، عددا من أحجار الغرانيت، مما يدفعنا إلى الاعتقاد بأنه كان مغطى فيما مضى بهذه الحجارة، كما يؤكد المؤرخون القدامى. لكني لم أكتشف، في الوقت القليل الذي تبقى لي لدراسة هذا الهرم، ما يؤكد أن الطبقة الخارجية كانت من الغرانيت. و تجدر الإشارة إلى أني وجدت بين الحجارة الكلسية أحجارا كبيرا من الغرانيت غير مقطعة مواربة كأحجار سقف الهرم الثاني، لكني أجهل إذا ما كانت تحمل كتابات مصرية قديمة. و لم أر هذه الحجارة عند دراستي للهرمين الكبيرين، كما لم أتوقع ذلك، لأن الحجارة الخارجية المغروسة في الأرض لم تعد موجودة.

____________

(*) رحلة إلى مصر، بقلم نوردن، ص 42- 45.

164

و تسلقت الهرم الأول للاستمتاع بالمشهد الذي وصفه العديد من المسافرين، كما دخلت هذا الهرم و رأيت ما ذكره العديدون. لكن لم يحالفني الحظ لأكتشف الغرفة التي كانت لا تزال مجهولة و التي اكتشفها بعد رحيلنا السيد دافيسون(Davison) الذي زار مصر مع السيد مونتاغي(Montagu) . و بما أن السيد ماييه(Maillet) الذي يفاخر بأنه دخل هذا الهرم أكثر من 40 مرة (*)، لم يلاحظ هذه الغرفة، سيسامحني القراء و العلماء لأنني لم أقم بأبحاث من هذا النوع و اكتفيت بدراسات أخرى. و استنادا إلى وصف السيد مينار(Meynard) ، تقع هذه الغرفة فوق الغرفة الكبيرة المعروفة التي تحوي الصندوق، و هي تحتل المساحة نفسها، لكنها أقل علوا، و يعلو مدخلها المنحدر الذي يؤدي إلى الغرفة الكبرى بثلاثين قدما.

و نجد في الحجارة الكلسية للأهرام، و على الصخرة القائمة عليها، أشياء متحجرة بحجم الدوكا إنما أسمك، و يطلق عليها العرب اسم فضة أبي الهول، كما نجد أشياء متحجرة أخرى على شكل العدس، من نوع الحلزونيات التي جمعتها في «أبو قير»، على الشاطى‏ء المصري. و قيل لسترابون إنّ هذه المتحجرات الصغيرة تكوّنت في الفتات الذي أوقعه الذين بنوا الأهرام‏ (**). لكن نجد كميات منها في صخور جبل المقطم قرب القاهرة. و يشير غرانجر(Granger) إلى أن الصخور قرب شيخ حاري(Schech Harre ?) في مصر العليا مليئة بهذه المتحجرات على شكل العدس. إذا، يحتمل أن تكون كافة الصخور في مصر الواقعة تحت خط عرض معين، مكوّنة من هذه المتحجرات، لأننا نعلم أن صخور القسم الأعلى للبلاد مكوّنة من الغرانيت. و يدفعنا هذا إلى التفكير حول قدم مصر، كم من السنوات مرّت، قبل أن يولد هذا الكمّ الكبير من الحلزون الصغير و يموت، كي تبلغ هذه الجبال علوها هذا؟ كم من سنوات مرّت، قبل أن تجف مصر لا سيّما إذا ما تراجعت المياه فيما مضى عن الشاطى‏ء بالبطء الذي تراجعت فيه في القرون العشرة الأخيرة؟ كم سنة مضت قبل أن يكثر السكّان في مصر، و قبل أن يفكروا ببناء الهرم الأول؟ كم سنة مضت قبل أن تبنى هذه الأهرام التي نراها حاليا في مصر؟ و لا نعرف حاليا بدقة في أي قرن و بأمر ممن بني الهرم الأخير.

و لقد كان من الممكن أن نعرف تاريخ هذا البلد القديم، لو تمكنّا من قراءة كتابات سكّانه القدامى، لأننا لا نجد في أيّ بلد في العالم صروحا تكثر عليها الكتابات القديمة بقدر ما نجد في مصر. لكن لن نستفيد من جهد السكّان القدامى الذين حاولوا تخليد كتاباتهم بحفرها على حجارة صلبة لأننا لا نفقه منها شيئا. و لا نجد سوى القليل من العلماء بين المجموعة الكبيرة الموجودة في أوروبا، الذين يتمتعون بالصبر و الذكاء الكافيين لدراسة الآثار، و لا تسنح لهم الفرصة عادة لرؤية هذه الآثار إلّا في مكتباتهم، و لعلهم لم يحصلوا حتى اليوم على نسخ عن الكتابات المصرية القديمة. و إني على ثقة بأنهم سيفسرون‏

____________

(*) وصف مصر، الجزء الأول، ص 325.

(**) أضيف هنا أني رأيت قرب قايتباي، و في مكان رملي، خشبا متحجرا، لا سيّما قطعة كبيرة من جزع شجرة.

165

العديد من الأمور، إن زودهم المسافرون بنسخ كثيرة، لا سيّما إذا كانوا على معرفة بلغة الأقباط التي كانت منتشرة في مصر قبل وصول اليونانيين، لأن معرفة هذه اللغة ضرورية لتفسير الحروف الهيروغليفية.

و لقد حافظ الأقباط الأوائل، على الأرجح، على كتابات أسلافهم الوثنيين، كما حافظ العرب المسلمون على الكتابة الكوفية. و يبدو أن مصر لم تلق مصير البلاد الأخرى التي قهرتها أمم أجنبية، فأدخلت إليها دينها و لغتها، و قد اختبرت مصر هذا لاحقا، و لم يكن أحد ليهتم بكتابة السكّان القدامى، و خاصة و أن الأغلبية كانوا يعتقدون بحقهم المستمد من السماء لاستئصال الديانة القديمة بالحديد و النار. و قد أشاد بعض اليونان المطلعين الذين زاروا مصر، بحكمة سكّان البلاد القدامى، و لا زالت الكتابات المتعددة و الأصرحة الرائعة التي خلّفها هؤلاء تثير إعجابنا و استغرابنا. و إلا لجعلناهم في عداد الشعوب الوثنية الأخرى، و اعتبرنا أنهم لم يعرفوا الكتابة كما لم يعرفوا الله.

و ينبغي تشكيل مجموعة كتابات هيروغليفية كاملة إلى حدّ ما، كي يقوم بتفسيرها العلماء، لذا يجب أن يقيم أحد المسافرين بعض الوقت في مصر العليا، و أن ينسخ كافة الكتابات الكاملة (غير الناقصة) التي تملأ على ما أعتقد جدران المعابد القديمة، كما سيجد الكثير منها في مدافن المومياء قرب سقارة. و لعلنا سنجد في مساكن الموتى الجافة هذه، آثارا و غرائب جديدة و حتى كتبا فضلا عن المومياء و الأواني المغطاة بالكتابات؟ من هو الأوروبي الذي تكبّد عناء كسب محبة عامة الشعب ليدرس كل هذا معهم كيفما شاء؟ نسارع عادة بالعودة إلى القاهرة ما إن نحصل على ما نريد لقاء بعض المال. و يبدو أن المسافرين يكتفون بنقل موقع الحجارة و شكلها و لا يهتمون بنسخ الكتابات المحفورة عليها. و يشتكي البعض منهم من الملل الذي أحسوا به لرسمهم البقايا و حسب، مع أن هذا الأمر لا يتطلب الكثير من الوقت، كرسم الكتابات الهيروغليفية التي لا ينبغي إهمال أيّ خط منها إذا ما أردنا الحصول على نسخ دقيقة ليفسرّها العلماء. إذا، إن المشقات و المصاعب التي يتوقع أن يلاقيها المرء في مصر، عند الاهتمام بهذه الأمور، كادت أن تثنيني عن عزمي، لا سيّما و أن القاهرة ليست بالمكان الذي تكثر فيه الكتابات الهيروغليفية، و أني لم أكن مكلفا بالأبحاث حول الآثار. لكن، حين كنت أرسم خارطة القاهرة، وقعت على كتابات هيروغليفية، فقررت نسخها لإرضاء نفسي، و تطلب نسخ الكتابات الأولى الكثير من الجهد لأنني كنت أجهل كافة الرموز، لكن نسخ الثانية بات أسهل، و في النهاية، أصبحت الرموز الهيروغليفية مألوفة لدي، فاستطعت نسخها بالسهولة التي أنقل بها الحروف اليونانية أو الكوفية. و سأورد هنا الكتابات التي نسختها في مصر، و لا أشك في أن بعض الرموز ستساعد في تفسير و فهم الكتّاب القدامى.

إن أعظم كتابات رأيتها في مصر هي تلك الموجودة على صندوق كبير من الغرانيت الأسود، قرب مسجد طولون(Teilچ‏n) ، بالقرب من قلعة القبش(Kall el K bsch) ، راجعوا اللوحة 30 رسم بوكوك هذا الصندوق الذي أطلق عليه اسم «نبع الكنز»(The Fountain of Treasura) ، على اللوحة الثانية

166

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

167

«لوصف الشرق»(Description of the East) ، كما رسم بيري صندوقا مماثلا، و الحروف الهيروغليفية المنقوشة عليه على اللوحة 33 من «رؤية للمشرق»(View of the Levant) . و يبلغ طول هذا الصندوق حوالي 7 أقدام، و هو أعرض من الأعلى منه في الأسفل، لذا من الطبيعي أن نستنتج أنه تابوت لمصري ما كريم النسب. و قد وضع الصندوق في مشكاة (1)، و بالتالي لا يمكن أن نرى سوى الكتابات المنقوشة على الجهة الأمامية، و يحمل الصندوق على الأرجح كتابات من الجهات الأخرى. كما نجد رموزا هيروغليفية داخل الصندوق، لكنها مغطاة بالكلس لأنه يستعمل حاليا كمسقى. يفترض مايه(Maillet) أن هذا الصندوق الذي يسميه نبع العشّاق، أخذ من أحد الأهرامات و نقل إلى القاهرة، لكن الصندوق الذي نراه في الهرم الكبير غير مستدير من الأعلى. و لا يحمل كتابات هيروغليفية. و أظن أن بعض الأشخاص الكريمي النسب في مصر، و الذين لا يتحملون نفقة بناء أهرام، أو الذين توفوا بعد أن ولّت عادة بنائها، دفنوا في هذه الصناديق الفخمة.

سجّل بعض اليونانيين، الذين كانوا في مصر في زمن كان المثقفون يجيدون قراءة الحروف الهيروغليفية، معنى بعض الرموز، لكني أشك في أن تفيد هذه التفسيرات لفهم الكتابة الهيروغليفية بحد ذاتها. و قد تصرفوا كما يتصرف المسافرون حاليا، إذ اكتفوا بالرموز الكبيرة التي تلفت الأنظار للوهلة الأولى. لكني أعتقد أن هذه الرسوم لا تمت لكتابة المصريين القدامى بصلة، و يبدو أنها رموز تدل على أشخاص معينين أو أحداث معينة، و تثبت معظم الكتابات التي نجدها اليوم ما تقدمت به دون أدنى شك.

نرى ثلاثة من هذه الرسوم و بعض الرموز الصغيرة ضمن الكتابات المحفورة على الصندوق قرب قلعة القبش و الذي أتيت على ذكره آنفا. و تشكّل الرموز الصغيرة ما أسميه الكتابة الهيروغليفية، و أظن أنها نقشت لتفسير الرسوم الكبيرة، و يبدو من هذه اللوحة أن المصريين كانوا يرسمون الصور بشكل مستقيم و بالمقلوب، كالطيور على سبيل المثال التي تدير وجهها يمنة في أحد الجوانب و يسرة في جانب آخر.

و تجدر الإشارة إلى أن بعض الخطوط العمودية متساوية تقريبا فيما بينها، و الصور وحدها تأتي معكوسة كما ذكرت سابقا، مما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن المصريين نقشوا كتابات مختلفة تحمل الفحوى نفسها على حجر واحد فإذا ما تلفت إحداها بقيت الأخرى واضحة. و بالرغم مما تقدم، سأنقل للعلماء الكتابات الموجودة على جانب الصندوق و أترك لهم مهمة تفسيرها.

و لأكشف الحقيقة للذين سيتوهمون أني لم ألاق صعوبات في نقل هذه الكتابات الهيروغليفية، سآتي على ذكر المصاعب التي واجهتني و أنا أرسم هذه اللوحة. ظننت أنه من الأفضل القيام بهذا العمل بحضور مسلم مثقف، فقصدت المكان بصحبة شيخ. و بما أن الصندوق في شارع يكثر فيه مرور الناس، كثر من حولي المتفرجون، و لم يوجّه إلي أحد أية إهانة، لكنهم تفاجؤوا من حشرية الأوروبيين، و أعجبوا

____________

(1) كوة في الحائط.

168

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

169

بقدرتي على نسخ الرموز كما هي على الصندوق و ذلك بواسطة عود (قلم) لا أغطه في الحبر. و ما إن نسخت ربع الكتابات حتى وصل سراج و هو حارس في خدمة البهاوات، يحاول أن يعطي لنفسه أهمية أمام عامة الشعب، و لا سيّما حين يستطيع شتم و إهانة يهودي أو مسيحي ما، لأن هذين الأخيرين لا يتجرآن على إهانة المسلم أو ضربه حتى و لو أسيئت معاملتهما. و لا أعلم إن كان مكلفا الحفاظ على الهدوء و الأمن في المنطقة، و لم يتحمل رؤية هذا الحشد أو أنه أراد إظهار سلطته في حضور هذا العدد من المشاهدين، لكنه تلفظ بكلام جارح، و رأى الشيخ الذي يرافقني ضرورة الرحيل إلا إذا أردت التعرض للضرب. ركبنا حمارينا، وعدنا، لكني كنت غاضبا من السراج، و أردت الاستعلام عن سيّده لأرفع إليه شكواي، لكن صديقي الذي يعرفهم أحسن مني، لم ينصحني بذلك و حاول تهدئتي راويا لي حالات مماثلة لم تفض الشكوى إلى شي‏ء. و قال لي: هل يمكنك منع كلبك من النباح ضدك، أو حين يرفسك حمارك هل تضربه بدورك؟ يمكنك أن تعود لا حقا و تنسخ ما تشاء على مهل. و بعد أيام، عدت و صديقي إلى قلعة القبش، و منحت أحد حراس الحيّ بعض المال ليحميني من أصدقائه، و تجمّع حولي الناس و من بينهم سراج سألني عمن أعطاني الإذن لنقل الحروف الهيروغليفية عن الصندوق، فأجابه سراجي إن الإذن صدر عن معلمه، فرد الأول إن معلمه يرفض السماح لي بذلك. و هكذا غادرنا المكان، و بعد أيام عدت للمرة الثالثة، و لم أكن قد انتهيت من عملي كليا، حين أخذ أحد الأئمة الذي رآني من منزل مجاور للمسجد يحدث ضجة، و لم أجد داعيا لأن أتعرض لمشاكل جديدة، فجمعت أغراضي و غادرت المكان.

و نسخت بهذه الطريقة الكتابات شبه كاملة، من دون أن أتكلّف الكثير من المال. و لو أني توجهت إلى إمام المسجد أو إلى بعض الباهاوات، لكلفني الحصول على الإذن هدية قيّمة، أو لعلهم منعوني من نسخ أيّ حرف. و لا ينبغي أن يطلب الأوروبي، الذي يسافر إلى البلاد الشرقية، حماية الأشخاص النافذين بين المسلمين إذا ما أراد إرضاء فضوله. و أعترف أن الأمر يتطلب شجاعة و برودة أعصاب، فلو أني سمحت للسراج الأول بإخافتي، لما نسخت إلا القليل من الكتابات الهيروغليفية و الرموز. و باختصار، يجب توقّع المصاعب حين نسعى لرسم الآثار في بلاد الشرق، لكننا لا نتعرض لمخاطر جسام، و يبقى الأهم أن ينال المرء مبتغاه.

يدّعي البعض أن باحات المساجد في القاهرة تضم العديد من الصناديق التي نقشت عليها حروف هيروغليفية و التي تستخدم حاليا كأحواض. و منذ حوالي 20 عاما اكتشف عثمان كخيا صندوقا، و نقله في النيل لوضعه قرب مسجد، لكنه كسر عند وصوله إلى بولاق، فوضعت أجزاؤه حول شجرة لتغطية جذورها بالتراب بسهولة أكبر. تحمل اللوحات(XXXV XXXIV ,XXXIII ,XXXII ,XXXI) ، الكتابات الهيروغليفية المنقوشة على أجزاء هذا الصندوق، و نجد بينها رموزا، لكن السطر الأعلى لا يعدو كونه للزينة، كما يمكن أن يكون للرسوم التي تتكرر معنى معين و كتبت حروف اللوحات الثلاث الأولى بشكل مستقيم، أما الأخريات فبالمقلوب. و نجد الصورة الكبيرة نفسها المحفورة على اللوحة(XXXIII) ،

170

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

171

33 لبيري(Perrey) ، لكن الحروف الصغيرة التي ترافقها و التي تفسرها تختلف كليا عن تلك التي ترافق صورتي الكبيرة، و ينبغي مقارنة حروف لوحة بيري الهيروغليفية مع حروف لوحتي التي ذكرتها، و نجد قطع هذا الصندوق في ساحة كبرى أمام منزل الحاكم، و أمضيت هناك ساعتين رسمت خلالهما الرموز بحضور الكثير من المشاهدين و من دون أن أتعرض للإساءة. لكن حين عدت مرة أخرى، و بعد أن عملت لبعض الوقت، حضر سراج و طلب مني مرافقته لرؤية سيده الحاكم، و سألني هذا الأخير عن سبب نقلي للكتابات الفرعونية، و عرضت عليه و رقتي، التي أعطاها لكبار القوم الحاضرين، فضحكوا من حشرية الأوروبيين التي بدت لهم غير مجدية. و أخيرا، أخذ السراج أوراقي و خرج من الغرفة، فرجوت الحاكم أن يردّها لي، فأجابني بأن أطلبها من حارسه، مما يعني أنه يسمح لهذا الأخير بأخذ الأوراق. و اضطررت إلى منحه بعض المال، فأعاد لي الورقة، و سمح لي برسم رموز هذا الصندوق المكسور.

و تحمل اللوحة(XXXVI) قسما من الكتابات الفرعونية المنقوشة على المسلتين الصغيرتين المكسورتين.

و استخدمت القطعة أ، و هي من الرخام الأسود كعتبة لمسجد قصر القاهرة، و بين الصور التي أوردتها، فإن التي أشرت إليها بنجمة تستحق اهتماما خاصا، لأنها كانت ناتئة و بارزة في إحدى التجويفات. أما القطعة ب و هي من الغرانيت فاستعملت كدرجة أمام أحد المنازل قرب القنطرة الجديدة(K ntared Sjedid) ، و يبلغ عرضها 5 أقدام و ربع، و يمكن أن نستنتج من هنا أنّ الصور المنقوشة كبيرة، و قد حفرت الصورتان المشار إليهما بنجمة بشكل عميق إنما ظاهر في الوسط.

تعتبر الأواني الصغيرة و جرار المرمر من بين الآثار المحفوظة جيدا و التي تحمل كتابات هيروغليفية، و قد رسمها نوردن بشكل جيد على اللوحة 55، لذا اكتفيت بنقل الكتابات الهيروغليفية التي رأيتها في مصر على خمس جرار و ذلك على اللوحة 37 و 38. و نقش رأس امرأة على غطاء الإناء الذي يحمل الحرف أ، و رأس كلب على الذي يحمل حرف ج، و رأس عصفور على ذلك الذي يحمل حرف د، فيما فقد غطاء الإناءين الآخرين. و يبلغ ارتفاع الحرف أ، 6 بوصات و نصف، أما ج، و د فسبع بوصات و ربع.

و يندر أن نجد في بلاد أخرى كتابات قديمة محفورة في الصخور الصلبة كهذه، كما نجد في مصر رسوما و كتابات مرسومة على الخشب و على القماش و هي قديمة جدا و قد حافظت على رونقها. و رأيت هذه الكتابات عند قنصل فرنسا في القاهرة على غطاء صندوق مومياء من الخشب، و نقلتها على اللوحة 39. و وجدت هذه القطعة غريبة للغاية، لأنها تبرهن أن الكتابة الهيروغليفية المنقوشة في الوسط من الرأس و حتى القدمين مؤلفة من حروف تشكّل كتابة المصريين، لكن الرسوم التي تغطي باقي الغطاء من الجهتين و التي ينبغي أن تكون أكبر مقارنة مع الكتابات الهيروغليفية و التي لم أرسمها، لا بد أنها رموز مستوحاة من الأساطير. و تحمل اللوحة(XI) العديد من الكتابات القديمة، و قد نسخت الصف أ عن تمثال خشبي للمومياء، و الصف ب عن غطاء صندوق مومياء، أما الكتابات الصغيرة ج فنقلتها عن جرّة صغيرة، يحمل‏

172

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

173

غطاؤها رأس عصفور، و الصفوف الثلاثة ج نقلتها عن تماثيل خشبية صغيرة لمومياء، يبلغ طولها 10 بوصات، و هي مرسومة بشكل سيى‏ء. و نسخت الكتابات حبا بالصورتين الموجودتين في الأسفل و يبدو أنهما رمزان، و لم تكونا مرسومتين إنما محفورتين في حجر كلسي ليّن استخرج من مدافن المومياء في سقارة.

174

و يبدو أنّ الذين يهتمون بتفسير الكتابات الهيروغليفية، لم يعملوا إلا على الرسومات الكبيرة أو الرموز، لكن أود أن ينتبه العلماء للحروف التي تشكّل الكتابات الهيروغليفية. أما الذين يودون التعمق بالكتابة الهيروغليفية، فعليهم الحصول على الحروف و الرسوم المختلفة التي تشكل هذه الكتابة. و بما أن النقوشات التي نسختها غير محفوظة كلها بشكل جيد، جمعت على اللوحة(XLI) كافة الحروف الظاهرة بوضوح في رسوماتي، و من السهل إضافتها إلى الكتابات الهيروغليفية الأخرى المرسومة بشكل جيد، و إذا ما عمل المسافرون الذين يزورون مصر العليا على نسخ هذا النوع من الكتابات الأثرية، سنتمكن من معرفة كافة الحروف التي تشكّل الكتابة الهيروغليفية. و سنكشف أن بعض الحروف ترد أكثر على المسلات، و أن غيرها ينقش أكثر على أحجار الأضرحة، الخ. و ستساعد هذه الأمور على توجيه العالم الذي سيعمل على تفسير الهيروغليفية.

175

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

176

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

177

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

178

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

179

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

180

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

181

أخيرا، تحمل اللوحة(XLII) ، بعض الأشكال التي نقلتها من مصر: الشكل أ مصنوع من النحاس، و قد صبّ في قالب، يبلغ طوله 5 بوصات و 3/ 4 من أخمص القدمين و حتى أعلى القلنسوة، و نستنتج من هذا حجم الأشكال الأخرى الكبيرة. ثم الشكل ب، من النحاس أيضا، و قد قولبت جيدا، له كالأول دسار تحت القدمين، و قد نحتت المرأة و هي جالسة، لكن المقعد من مادة أخرى فلا أثر له، و هي تلبس أساور و حلقات حول القدمين كما يفعل الشرقيون حاليا، و لا ترتدي سروالا كما هي العادة عند النساء في الشرق، إنما تلف قماشا قطنيا حول وركيها كما تفعل الغسالات عند ضفاف الأنهر و شواطى‏ء البحار. و قد تزين الولد، الذي تضعه في حضنها بعقد يحمل قلادة تصل حتى صدره، و نرى من الجهة اليمنى للرأس جديلة طويلة تصل حتى أكتافه، و يبدو أن للأم و للولد خصلة شعر مجدلة على الجبين، كالمرأة في وادي فاران. و قد لحق الأذى بأعلى زينة رأس هذا التمثال، كما يفتقد الشكل ج إلى ما كان يحمله بين يديه و إلا فهو من النحاس المقولب، و يبدو قديما للغاية. أما الشكل د فمن النحاس، و قد وجد في مصر، لكنه يبدو أنه صنع على يد فنان يوناني و لعله كيوبيد (إله الحب) يحمل حمامة في كل يد، و هي حمامة بأجنحة مزدوجة أو مطوية من الأسفل. صنع الشكلان «ه» و «و» من الفخار المشوي، و لهما حلقة على الرأس، و قد استخدما على الأرجح كزينة، أما الشكل «و» فمغطى بطلاء أخضر اللون.

182

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

183

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

184

سير الرحلة من القاهرة إلى السويس و إلى طور سيناء

تشكل شبه الجزيرة العربية، و خاصة القسم الجنوبي منها، موضوع رحلتنا الأساسي. و لما كان يحظر على المسيحيين السفر برا من القاهرة إلى مكة برفقة الحجاج، اضطررنا لانتظار الفصل الملائم للسفر برا من السويس إلى جدة. كما أننا لم نستطع القيام برحلتنا إلى طور سيناء، لاكتشاف جبل المقطم أو جبل النقوش، الذي شغل الأوروبيين في السنوات الأخيرة. خلال فصل الصيف، كان سكان القاهرة يحاربون القبيلة العربية الصغيرة المقيمة في ضواحي الطور(To ?r) و إليكم سبب اندلاع هذه الحرب: وصلت إحدى السفن التي يرسلها سنويا سكان القاهرة من السويس إلى جدة، محمّلة بالقمح إلى المرفأ المذكور، بغية التزود بالمياه، لأنها عذبة و مجانية، على عكس مياه السويس. فلم يستطع العرب الرحل المقيمون في جوار الطور، رؤية سفينة محملة بالقمح دون أن تخالجهم الرغبة بالسطو عليها. فأخذوا الربان و البحارة و الركاب أسرى لديهم، بعد أن غادر معظمهم السفينة للتزود بالمياه و لرؤية أصدقائهم، علما أن الأتراك يرفضون رفضا قاطعا منحهم جزءا من حمولة سفنهم. و استعانوا بزوارق الإنقاذ و مراكب الصيد الخاصة بسكان الطور لنهب السفينة. فأثارت هذه الحادثة بلبلة كبيرة في القاهرة، و لم يعد يتجرأ عرب هذه القبيلة الصغيرة التي كانت تنقل بمساعدة عرب المنطقة البضائع من الطور إلى السويس، الذهاب إلى مصر حيث سيحاسبون على لصوصيتهم في البداية، لم يكترثوا للأمر. لكن بعد أن نفدت الغنيمة راحوا يسعون للتصالح. فكانوا يزعجون كل القوافل المسافرة من السويس إلى القاهرة و يقتلون الجمال غير المحمّلة، أو يسرقونها. و أعلموا سكان القاهرة، أنهم صمّموا على سرقة القوافل كلها، إن لم يستعيدوا حق مشاركة العرب الآخرين في نقل البضائع بغية كسب رزقهم. كانت هذه نقطة ضعف الحكومة المصرية، و حاكم هذا البلد المكتظ بالسكان، و سلطانها الذي يعتبر نفسه سيدا على شبه الجزيرة العربية. فهذه القبيلة العربية الصغيرة، كانت تجرؤ على غزو المدن، الواحدة تلو الأخرى، دون أن تهاب أحدا. أجبرتنا هذه الأحداث على التوقف في مصر سنة تقريبا. كانت الحكومة المصرية عاجزة عن معاقبة عرب الصحراء، و تخشى أن ينهبوا القمح الذي ترسله إلى مكة؛ كما و أن التجار كانوا قلقين على بضائعهم، و العرب الذين يهتمون بنقلها غير مستعدين لخسارة جمالهم؛ و بعبارة أخرى، كان الجميع يسعى لإحلال الأمن. و لقد استشرنا تجار البلاد بشأن التدابير التي يجب اتخاذها لرحلتنا المقبلة؛ فرأوا أنه من الأفضل انتظار عودة القافلة الكبيرة من مكة، للتأكد من سلامة الطريق غير أنهم علموا أن أمير الحج قد تلقى الأمر بالتصالح مع العرب خلال الرحلة. فأرجى‏ء سفر القوافل إلى ذلك الحين، مما دفعنا لتأجيل رحلتنا.

185

يستحسن أن يعرف كل أوروبي يسافر إلى الشرق، لغة البلاد معرفة سطحية كما و أن السفر بصورة مريحة يتطلّب استخدام خدم، جابوا البلاد من قبل. و عند انطلاقنا من القاهرة، لم نكن نعي جيدا هذا الأمر. فخادمنا الأوروبي، المولود في السويد، و الذي رافقنا من كوبنهاغن، لم يسبق له أن زار الشرق.

و طباخنا اليوناني، المولود في إحدى جزر الأرخبيل، لم يحب الصحراء من قبل علما أنه عمل عند تجار أوروبيين في القاهرة. و علاوة عنهما، كان يعمل في خدمتنا يهودي من صنعاء، عمره 26 سنة، قام برحلة مماثلة إلى بلاد مصر، فضلا عن بلاد الهند و بلاد فارس؛ و لكن المسلمين المسافرين برفقتنا احتقروه أشد احتقار. كان الطبيب غرامر ملزما بالتحدث مع مرافقينا المسلمين؛ و كم سرّ باصطحاب مترجم معنا؛ و هو يوناني الأصل، اضطر لاعتناق الإسلام بسبب سلوكه الشائن. تزودنا بكل ما يلزمنا للرحلة من مؤن و خيام و أسرّة. و الجدير ذكره أن عددا كبيرا من الرحالة، قدّموا لنا شرحا تفصيليا عن الأشياء اللازمة للرحلة في هذه البلاد، و هي بمعظمها مريحة للغاية، حتى أن الجيوش الأوروبية تستطيع استعمالها. كنا نحمل أواني مطبخية نحاسية، مقصدرة من الداخل و الخارج. أما الزبدة، فكانت موضوعة في ظرف من الجلد السميك، و استبدلنا بالطاولة قطعة جلدية مستديرة، زيّن طرفها بحلقات من حديد، نعلق فيها الطاولة بالحمل.

و وضعنا فنجاين القهوة في علبة خشبية مغطاة بالجلد و أخرى شبيهة بها، تحوي الشموع؛ و كان غطاؤنا مزودا بقسطل يوضع عليه الشمعدان. و كنا نحمل معنا علبة خشبية أخرى لها عدة أغطية و تضم و تحوي الملح و البهار و التوابل. و استبدلنا بالأواني الزجاجية أخرى نحاسية مقصدرة من الداخل و الخارج.

و كانت القناديل المصنوعة من النسيج الكتاني تطوى كالقناديل الورقية الصغيرة، التي يصنعها الأطفال في أوروبا. و كان كل واحد منا يملك إبريق ماء من الجلد السميك، يستعمله للشرب، و لم نكن نتوقع أن نصادف ينبوع ماء قبل بضعة أيام، فحرصنا بالتالي على مل‏ء المطرات المصنوعة من جلد الماعز، و إضافتها إلى المؤن؛ حتى أننا أخذنا معنا و عاءين من الحجارة، للتزود بالمياه خلال رحلتنا من السويس إلى جدة.

و وضعنا النبيذ في قوارير زجاجية، تتسع كل واحدة منها ل 20 قنينة؛ و لكنها تتكسر بسرعة إذا ما وقع الجمل، أو اصطدم بغيره. توضع جلود الحيوانات المخصصة لنقل المياه، في الخارج، بينما توضع تلك المخصصة لنقل النبيذ في الداخل؛ و هي مطلية جيدا بالزفت حتى لا يلتقط الكحول طعما سيئا. فإن كانت تبدو هذه الطريقة لحفظ المشروبات مقرفة، إلا أنها تحول دون تسرب النبيذ على الطريق، كما حصل معنا في بداية الرحلة. و نادرا ما يتزود الرحالة بالحطب أو الفحم؛ ففي الأماكن التي اعتادت القوافل أن تحط رحالها فيها، يكثر زبل الدواب التي تستعمل للتدفئة خاصة إن لم يتوافر الحطب أو الأشواك.

في 27 آب/ أغسطس 1762، سمعنا طلقة مدفع من قصر القاهرة؛ هذا يعني أن القافلة الكبيرة قد بعثت رسولا لتحديد الوقت الذي سيعود فيه الحجاج إلى بركة الحاج، حتى يتمكن كل من يريد مقابلة أصدقائه أن يوافيهم إلى هناك. و يمكننا الاستنتاج بالتالي أن عرب الطور كانوا مطمئنين إلى أن قافلتنا

186

ستجوب البلاد في أمان. و في اليوم نفسه قصدنا مخيم الشيخ الذي حط رحاله قرب قرية سرياغوس، ليبيت فيها أهل بيته و خدامه. و كنا نرى قصر القاهرة في الجهة الجنوبية- الغربية و بعض البقايا في الجهة الشمالية على بعد ساعتين. يسمي العرب هذه البقايا تل اليهود أو تربة اليهود. لم نصادف أي قافلة في طريقنا على عكس ما كنا نتوقعه؛ و لكن العرب و كل من استأجر جمالا نقلوا حمولهم إلى ديارهم، و تفرقوا كل في طريقه.

و في صباح الثامن و العشرين، لم نكن قد تأكدنا بعد إن كانت القافلة ستجتمع اليوم أم لا و لكن عند اقتراب بعد الظهر، بدأنا نشاهد بعض الجماعات، فبدأنا الاستعداد للرحيل. انطلقنا من سيرياغوس، و مررنا بقرية حانقي، المجاورة لبركة الحاج و عند سلوكنا طريق السويس، كنا نتقدم شرقا مع انحراف بسيط نحو الجنوب. و لم نشاهد في الطريق منازل أو ينابيع مياه، أو حتى مساحات خضراء. كان الطريق معبدا و معظم الدروب الضيقة ممهدة بواسطة الجمال التي تنتقل على حريتها، حتى و إن كانت محملة بالأغراض. شاهدنا على بعد فرسخين و 10 دقائق من بركة الحاج، أرضا منبسطة و تسمى المصطبة؛ يستقبل فيها أسياد القاهرة أمير الحاج عند عودته من مكة. و يسمي العرب المكان الذي يبعد 5 فرسخات عن البقعة التي حططنا فيها، فرن البهاد(El Furn Beh d) .

غالبا ما تكون القافلة الأخيرة التي تنطلق قبل البواخر إلى السويس كبيرة جدا. و لما كنا نريد مغادرة القاهرة بأقصى سرعة، كانت قافلتنا تتألف من 400 جمل، محملة كلها بالقمح، و معدات بناء السفن، و التي تصنع في السويس؛ و كان يلزمنا جملان أو 4 لحمل المراسي. لم أشاهد في مصر أو شبه الجزيرة العربية عربات نقل أبدا. يترأس القافلات الكبرى المسافرة إلى مكة، أو التي تنتقل بين البصرة و حلب، أو تجتاز صحارى أخرى شاسعة، و بالتالي أراضي العرب المستقلين، كروان باشا أو سائق يدفع الضرائب اللازمة، ليجمعها لاحقا من الرحالة. و لكن القوافل الأخرى التي تقوم برحلات صغيرة لا يعين على رأسها شخص مماثل. يقتدي المسافرون بكبار التجار أو بالعرب الذين يتحملون كافة الأعباء. فحين يحط هؤلاء رحالهم، يحذو الجميع حذوهم؛ و حين يستعدون للرحيل يسارع المسافرون إلى حزم أمتعتهم دون الإعلان عن ساعة الانطلاق؛ فلا أحد يحب البقاء وحيدا علما أنه قد يتعذر عليه اللحاق بالقافلة. لم نكن نخشى أبدا أن تتعرض قافلتنا للاعتداء؛ و لكن بعض الرحالة الذين يسبقون سواهم، أو يتأخرون عن القافلة يخاطرون بالتعرض للسلب؛ لهذا السبب، حرصنا على البقاء في وسط القافلة. أما في الأماكن الآمنة، فكنت أسبق التجار للاستراحة قرب أحد الينابيع و تناول الطعام. لم يسافر في قافلتنا إلا عدد قليل من الجمالين، الذين كانوا يحملون بنادق دون أسياخ أو قوارير فارغة أو سيوف صدئة. أما الشيوخ الذين يملك معظمهم جمال القافلة فركبوا وحيد السنام، مزودين بالحراب و السيوف و البنادق. و لكننا لم نحاول الاتكال عليهم؛ لأن العربي لا يخاطر بحياته في سبيل إنقاذ أموال التجار الأتراك. و الجدير ذكره أن معظم التجار يتسلحون جيدا في سبيل الدفاع بيأس عن بضائعهم.

187

و لقد اختار رفاقي الأربعة القيام بهذه الرحلة على الحصان، بينما فضلت ركوب وحيد السنام بدافع الفضول فحسب رغم أني كنت أخشى في البداية الوقوع من على ظهر هذه الدابة الضخمة. يبرك وحيد السنام أرضا حتى يركبه الفارس؛ و حين يريد النهوض يرفع مؤخرته أولا و على الفارس، أن يتمسك جيدا كي لا يقع من الأمام؛ و هو يمشي الهوينا شأنه شأن أي جمل بينما تسرع الأحصنة تارة في سيرها و تتهادى طورا حتى تبقى قرب القافلة و لا حاجة لإيقاف وحيد السنام لركوبه؛ فهو معتاد على الانخفاض أرضا، حتى يضع الفارس رجله على عنقه؛ يمتاز سرج الجمل بالجزم المتدلية من الجنبين كي لا تضغط على سنامه و لا يختلف سرج الجمل أو وحيد السنام عن سرج الحصان؛ مددت عليه مرتبتي و جلست عليها بارتياح، خاصة و أنني كنت أبدل وضعيتي حسب ما يحلو لي. بينما أجبر رفاقي المسافرون على الحصان على الحفاظ على الوضعية نفسها؛ و عند حلول المساء، لم أكن أشعر بالتعب إطلاقا و كأنني أمضيت النهار كله جالسا على كرسي. مما لا شك فيه أن سير هذا الحيوان الضخم يثير الإزعاج؛ و لكن الجمال تخطو خطوات كبيرة و تمشي الهوينا حتى لا يشعر راكبها بالهدهدة. عند الساعة الرابعة من صباح 29 آب/ أغسطس رفعنا الخيام من جديد؛ و بعد أن سرنا خمس ساعات و نصف حططنا الرحال في مكان يسميه العرب يسرا(Dsjasra) و كنا ننوي الاستراحة فيها عدة ساعات؛ و لكن لم يتسنّ لنا الوقت حتى نتناول الطعام، فحملنا الجمال ثانية و قطعنا فرسخين و نصف، حتى بلغنا جبل وهبة(Webbe) الواقع جنوبي الطريق. و مع حلول بعد الظهر كنا قد قطعنا خمسة فراسخ فحططنا على مقربة من جبل طاجا(Taja) ؛ و كانت القافلة العائدة من مكة قد حطت في هذه البقعة في الليلة السابقة. و كنت أرغب برؤية مسيرتها، بيد أنها اتجهت جنوبا. و في هذه المنطقة بالذات، كان العرب يثيرون خوف القوافل الصغيرة، عشية ذاك النهار أكّد لهم أمير الحاج، على لسان حكومة البلاد، أنهم يستطيعون العودة مع جمالهم دون أن يخشوا شيئا.

و في 30 آب/ أغسطس، غادرنا طاجا عند الساعة الواحدة صباحا و بعد أن سرنا 4 ساعات ثم بلغنا قصرا تركيا مهدما، يسمى الأجرود، قربه ينبوع مياه عذبة؛ و يمكننا القول إنه يقع عند طرف الصحراء.

بالنسبة للقادمين من القاهرة (سفر الأعداد، الفصل 33) و عند مدخل الصحراء بالنسبة للقادمين من السويس (سفر الخروج الفصل 13) (*) تمر القوافل المسافرة من القاهرة إلى جبل سيناء أو إلى مكة شرقا، عند طرف البحر الأحمر؛ و لكننا انعطفنا جنوبا (سفر الخروج الفصل 4) حتى بلغنا بئر السويس، حيث‏

____________

(*) يتحدث بيتر ديلافيلي، عن هذا القصر أيضا في رسالته، 11، ص 252: ليل 17 كانون الأول/ ديسمبر 1615، سرنا قليلا مع هبوط الظلام، حتى نضرب رحالنا قرب أسوار قصر الأجرود، الذي بناه الأتراك منذ عدة سنوات، من أجل سلامة الطريق، و الحفاظ على ينبوع المياه الغزير، الذي يأتي بيلون على ذكره، دون الإشارة إلى القصر الذي لم يكن له وجود في زمنه يحط الحجاج اليوم رحالهم قرب الينبوع المذكور. لكنني لا أعلم إن كان يضم جنودا أتراكا. شاهدت جزءا من هذا القصر المهدم، و منارة الجامع، على بعد ربع فرسخ. يقول بوكوك إنه العام 1739، كان القصر مأهولا بالجنود.

188

تستخرج المياه يدويا، بواسطة أوان أو أكياس جلدية، و لكن هذه المياه ملوّثة و غير صالحة للشرب. يحاط هذا البئر بسور شاهق مزود بباب حديدي يقفل من الداخل لتجنب العرب الأعداء. و بعد أن قطعنا الأجرود كان الخليج العربي يقع شرقا حتى أننا لم نتمكن من العبور إلى الضفة الأخرى دون المرور به أو التوجه شمالا لندور حوله. و يتطلب الانتقال من بئر السويس إلى مدينة السويس حوالي الساعة. و تشير حساباتي إلى ما يلي:

من القاهرة إلى بركة الحاج 4 فراسخ‏

من بركة الحاج إلى المصطبة فرسخان و 10 دقائق‏

من المصطبة إلى فرن البهاد 5 فراسخ‏

من فرن البهاد إلى جفرا 5 فراسخ و 30 دقيقة

من جفرا إلى وهبة فرسخان و 15 دقيقة

من وهبة إلى طاجا 5 فراسخ‏

من طاجا إلى أجرود 4 فراسخ و 45 دقيقة

من أجرود إلى السويس 4 فراسخ‏

و بالتالي تبعد القاهرة عن السويس 32 فرسخا و 40 دقيقة (*).

فإن كان الفرسخ يوازي ثلاثة أرباع الميل فذلك يعني أن المسافة بين هاتين البلدتين تقدر ب 23 ميلا.

و تقع السويس على بعد ميل و نصف جنوبي القاهرة، أي على خط العرض 29؟ و 57؟. و يختلف خط الطول بين هاتين المدينتين بفارق 8 دقائق و 30 استنادا للرصد الجوي.

في الأيام الغابرة يوم كانت السفن تمر شمالا في الخليج العربي، كنا نشاهد في هذا المكان الذي بنيت عليه لا حقا مدينة السويس، مدينة كلثوم الشهيرة جدا في كتب المؤلفين العرب. و لم يتبق منها اليوم سوى بعض الأنقاض و الآثار التذكارية التي لا تلفت الانتباه؛ أما اسم هذه المدينة فظل متداولا لأن أنقاضها تسمى اليوم أنقاض كلثوم. و لعل هذه المدينة نفسها حملت اسم كليسما و كليوباترا و أرسينواه؛ لأن الاسم اليوناني كليسما، يتألف من الأحرف الصامتة نفسها التي يتألف منها الاسم العربي كلثوم و لعل اليونانيين أطلقوا على هذه المدينة تسميات مختلفة في صحفهم؛ إلا أن سكانها حافظوا على اسمها القديم. يطلق اليونانيون مثلا على مدينة بتولومي اسم عكون(Acon) ؛ غير أنها تعرف اليوم باسم عكّا(Acca) ، الذي يتداوله سكانها منذ زمن طويل. تبدو السويس مدينة حديثة. لم يأت السيد دو بريتنباح الذي عبر العام 1483 الجهة الشرقية للخليج قرب موقع هذه المدينة على ذكرها إطلاقا؛ و في تلك الحقبة كانت تور المرفأ الأساسي بين القاهرة

____________

(*) يسمي الشريف إدريس بركة الحاج لاكوس الجيوب، و أجرود بروكوس أجرود، و بير السويس، بوتوس أجيوس، و أنقاض السويس كالظم.

189

وجدة. يقول أندريه كورسال، إنه العام 1509 الذي بدؤوا فيه ببناء السفن الشراعية؛ و استنادا لتقرير مؤلف كتاب «رحلة سليمان باشا»، بدؤوا بناء السفن في السويس العام 1538.

لا تزال صناعة السفن في هذه المدينة مزدهرة للغاية، علما أن الخشب و الحديد و خلافه، ينقل من القاهرة على الجمال، و يؤدي إلى ارتفاع الأسعار ارتفاعا ملحوظا. و لا تسافر هذه السفن أبعد من جدة؛ و هي تسمى سفن القاهرة لأنها ملك سكان هذه المدينة. نسيت أن أعد بنفسي المراكب التي في السويس و المرافى‏ء الأخرى و أكدوا لي أن أربع أو خمس سفن تنقل سنويا القمح من السويس و قصير إلى جامبو وجدة، ليوزع بعدها في مكة و المدينة فضلا عن أن أربع عشرة سفينة تجارية محملة بالبضائع و الركاب تبحر من السويس إلى جدة، و لفتت انتباهي الرادفة الكبيرة تحت دفة السفينة (راجعوا مركب المدينة تور اللوحة ل أ)، و تلك التي تمتد من أمام غرفة الربان، حيث علقت أسلاك طويلة، و تجتاز رادفة الدفة حتى تتحكم بها. و رغم أن هذه الأسلاك معلقة فوق الماء، غالبا ما تلامس سطح البحر نظرا لثقلها معيقة بذلك سير السفن، لذا غيّر الأتراك و الهنود دفات سفنهم، و جعلوها مشابهة لدفات السفن الأوروبية؛ و لكن ربابنة هذه المناطق شديد و التعلق بعاداتهم القديمة حتى أنهم بدلوا دفة إحدى السفن المبنية في السدرات و المباعة لأحد سكان القاهرة، حتى تتلاءم مع أهوائهم‏ (*). لم أر على متن هذه السفن مضخات للمياه؛ و لكن المياه المالحة كانت تستخرج بواسطة الأكياس الجلدية و للاستعاضة عن البراميل، كانت هذه السفن تحمل على متنها خزانا كبيرا للمياه موضوعا قرب صاري السفينة؛ و هو لا يأخذ مكانا كبيرا على خلاف البراميل الأخرى، و لكن إن تسربت المياه منه، تتبلل البضائع الموضوعة في جواره؛ كما أن المياه العذبة ستنفد من السفينة خاصة بعد ابتعادها عن المرفأ. تعرفت على رحالة إنكليزي عاش هذه التجربة بين سورات وجدة.

تقع مدينة السويس على الضفة الشرقية للخليج العربي، و ليس عند طرفه. و الجدير ذكره أن هذه المدينة ليست محاطة بالأسوار؛ و لكن منازلها محصنة جيدا، ضد هجومات العرب المفاجئة، و جدرانها متلاصقة جدا حتى أننا لا نستطيع الدخول إلى البلدة إلا من خلال شارعين فقط: واحد مفتوح يمر بمحاذاة البحر غربا، و آخر رئيسي يغلق بواسطة بوابة غير ثابتة. أما بقايا القصر الذي بناه الأتراك على أنقاض مدينة كلثوم فلم يعد له أثر. لا نجد في المدينة منازل، أو فنادق كثيرة (شمس و عقال) و كما أن عدد سكانها ليس كبيرا؛ و نجد بينهم عائلات يونانية و قبطية. و لا تعج هذه المدينة بالناس إلا عند انطلاق البواخر إلى جدة أو العودة منها. تحيط بالمدينة سهول صخرية مغطاة بالرمل و الحجارة؛ و هي أرض قاحلة و جافة و لا نرى فيها أثرا للنبات، باستثناء بعض الأشجار و الحدائق و الحقول‏ (**). يشتري سكان هذه المدينة سلعهم‏

____________

(*) من الملاحظ أن الخشب المستعمل لبناء المراكب في السورات أكثر ثباتا من غيره. و يقال إن المركب المذكور بقي صالحا للإبحار 96 سنة؛ و هو لا يزال يبحر بين السويس وجدة.

(**) شاهدنا بين القاهرة و السويس، زهرة جريشو التي تنمو في تلك المنطقة بكثرة. تستعملها النساء الشرقية للقيام بتجارب خرافية؛ و بالتالي فهي تباع في المدن. تضعها النساء الحوامل في الماء، ظنا منها أنها قد تلد دون أوجاع، خاصة إن تفتحت الوردة.

190

الغذائية الأساسية من مصر، على بعد ثلاثة أيام، أو من جبل سيناء على بعد خمسة أو ستة أيام أو من غزة، على بعد سبعة و ثمانية أيام؛ الأسماك و الأصداف فقط هي التي تكثر في هذه المدينة. علما أنها تشكل الغذاء الأساسي للمسيحيين المقيمين فيها، خاصة زمن الصوم. تفتقر هذه المنطقة للمياه العذبة الصالحة للشرب؛ ذكرت لكم آنفا أن مياه بئر السويس ملوثة، غير أنها الأقرب لمتناولهم؛ لذلك يقصد السكان بئر السويس يوميا ليوردوا جزءا من القطيع، و يجلبوا المياه لما تبقى منه. و الجدير ذكره أن مياه أفضل بئر من آبار موسى ملوثة أيضا؛ زد على ذلك أنها بعيدة جدا عن البلدة و تقع على الضفة الأخرى للخليج. تستخرج المياه الصالحة للشرب في السويس من بئر نبا(Naba) ؛ و يبلغ سعر جلد الماعز الملي‏ء بهذه المياه 3 أو 4 قطع نقدية من عملة لوبيك.

يقع البئر المذكور على بعد فرسخين شرقي البلدة على الضفة المقابلة للخليج.

خلال إقامتنا في السويس، كان يحكمها بيه أو سنجق من القاهرة؛ و رغم أن عدد أفراد حاشيته كبير جدا لم يكن العرب يولونه اهتماما بالغا. فإن استاؤوا من الحاكم التركي أو من سكان المدينة، توقفوا عن تزويدهم بالمياه، و منعوهم من الوصول إلى الآبار التي أتيت على ذكرها آنفا حتى لا يستخرجوا المياه منها بأنفسهم. و من السهل عليهم تدمير المدينة برمتها، في الوقت الذي لا تعج فيه بالرحالة، خاصة إن كانوا لا يكترثون لجمع المال من نقل البضائع بين السويس و القاهرة على جمالهم و من تزويد المدينة بالمياه. و لما تخلّف العرب الذين رافقونا إلى جبل سيناء عن الإيفاء بوعودهم رفضنا أن ندفع لهم المبلغ الذي طلبوه معرّضين أنفسنا لفظاظتهم. و في كل مرة كنا نغادر فيها المدينة كانوا يهددوننا بقتلنا رميا بالرصاص، إن التقوا بنا في الريف. و في المقابل، عرضنا أمامهم أسلحتنا التي كانت تضاهي خناجرهم و حرابهم و بنادقهم قوة.

و هددنا أحد وجهاء هؤلاء العرب بمنعنا من استخراج مياه بئر بيا حتى نموت عطشا إن تجرأنا على المرور بقربه. فرد السيد هافن على الشيخ قائلا له إن الأوروبيين ليسوا من شاربي الماء، و يفضلون احتساء النبيذ و بالتالي فتهديده ليس في محله. أثار هذا الجواب غير المتوقع ضحك الأتراك و المسيحيين. بينما أحدث بلبلة كبيرة بين العرب و في اليوم التالي تمنى علينا بعض المسلمين الكريمي النسب أن نتصالح مع العرب. في أسرع وقت ممكن. و قال لنا الحاكم إنهم هددوا بحرمان المدينة من المياه بغية الانتقام منا؛ ففضلنا أن ندفع لهم ما يطلبونه حتى لا تتفاقم الأمور أكثر.

وفور وصولنا إلى السويس سألنا اليونانيين الذين زاروا طور سيناء من قبل عن جبل المقطم المشهور في أوروبا؛ فأجابونا جميعا أنهم لم يسمعوا أبدا بهذا الاسم. و أحضروا لنا شيخا من قبيلة سعيد، يدعي أنه قضى حياته بين السويس و طور سيناء؛ و هو لم يسمع أبدا عن اسم الجبل المذكور. لكن بعد أن علم أننا سنمنح جائزة قيمة لمن يدلنا عليه، عاد في اليوم التالي برفقة شيخ من قبيلة صويلحة يزعم أنه يعرف جيدا

191

الجبل المذكور و المناطق الصحراوية التي تكثر فيها النقوش. لكن بعد أن طرحنا عليه بعض الأسئلة، اتضح لنا أنه لا يعرف المكان الذي نريد زيارته. و في نهاية الأمر، أحضروا لنا شيخا من قبيلة لغات، استطاع أن يقنعنا من خلال حديثه أنه رأى حجارة نقشت عليها أحرف غريبة. و بعد أن أدرك أن الجبل الذي يثير فضولنا هو جبل المقطم أطلق على جبله الاسم نفسه، بعد أن أكد لنا أن العرب الذي يعرفونه يطلقون عليه التسمية نفسها.

و لقد شعرنا بالارتياح بعد أن عثرنا على مواطن واحد من الصحراء قادر على إرشادنا على المكان الذي تكثر فيه النقوش القديمة. فأردنا أن ننطلق على الفور؛ لكن رسامنا السيد بورنفايند أصيب بألم في رأسه قبيل وصولنا إلى السويس زادت حدّته بعد بضعة أيام حتى أننا فقدنا الأمل في شفائه. بيد أنه كان علينا الذهاب إلى جبل المقطم و العودة منه إلى السويس، قبل انطلاق السفن الأولى، أي في غضون شهر؛ علما أن الإبحار في أواخر أيلول/ سبتمبر أو في أوائل تشرين الثاني/ نوفمبر، أكثر أمانا. فالسفر من السويس إلى جدة في شهري تشرين الثاني/ نوفمبر و كانون الأول/ ديسمبر، محفوف بالمخاطر لأن الهواء الشمالي يهب في ذلك الوقت من السنة (*). و لما طال مرض الرسام، غادرنا السويس، تاركين برفقته الطبيب كرامير فضلا عن السيد فورسكال، الذي ارتأى أن لا يترك صديقنا المريض وحده خاصة و أننا نستعين به لرسم نوادر الطبيعة. فقصدت جبل النقوش إذا برفقة السيد دوهافن.

و كان الشيخ قد أخبرنا أن الجبل يقع قرب منزله؛ فحسبنا أنه علينا الاتفاق معه وحده ليأخذنا لمشاهدته. و لكن الشيوخ الآخرين الذين أحضروه إلينا، اعترضوا على ذلك و أيّدهم سكان السويس الرأي، بعد أن أكّد لنا معظم القبائل العربية، المقيمة بين السويس و العقبة و الطور خاصة قبائل سعيد و صوالحة و لغاث، تحتل الطريق المؤدي إلى جبل سيناء؛ و علينا بالتالي أن نأخذ غفيرا من القبائل الثلاثة حتى نتنقل بأمان في هذه المنطقة و قيل لي إن هذا الغفير ضروري للغاية في هذه البلاد، و إن البحارة المسلمين و الذين يسافرون من السويس إلى جدة، و البحارة اليونانيين المقيمين في السويس يختارون حاميا مماثلا لهم.

و يقدمون لهم هدية صغيرة بعد انتهاء الرحلة على خير و إن غرقت إحدى السفن بين السويس و رأس محمد و أنقذت البضائع المحمّلة فيها، يحاول كل واحد الاستعلام عن غفيره؛ و غالبا ما نجد هذا الأخير بين العرب الذين يسارعون لنهب السفينة؛ و تعود البضائع إلى السويس أو إلى القاهرة، دون أن يعترض أي عربي غريب على ذلك. و إن تغيب الغفير توضع البضائع على حدة و ترسم حولها دائرة على الرمل، و يحظر عليهم لمسها إلى أن يعلم الغفير بالأمر. لكن إن ارتأى أحد الرحالة عدم استخدام غفير لديه، تعرض حتما للسلب مسيحيا كان أم مسلما. و لا نجد بين المسافرين بحرا عددا كبيرا من المرشدين العرب؛ إما لأنهم يطلبون هدايا ثمينة، لأن التجار الأتراك يرفضون توطيد صداقتهم بشيوخ العرب؛ لأن‏

____________

(*) في زمن أريان، أبحرت السفن في أيلول/ سبتمبر، مسافرة من مصر إلى باب المندب.

192

هذه الرحلات القصيرة ليست محفوفة بالمخاطر؛ فالعرب المقيمون بين الخليج العربي وجدة لا يكترثون إطلاقا لأمر الغفراء بين رأس محمد و السويس. أما نحن فكنا بحاجة إليهم. اتفقنا مع شيوخ القبائل الثلاثة على الذهاب إلى جبل المقطّم و طور سيناء. فأجّرونا جمالا لنا و لخدمنا، و من بينهم اليهودي و البحار اليوناني الذي عمل كطباخ لنا خلال هذه الرحلة علما أن طباخنا الأساسي بقي قرب صديقنا المريض.

شهد القاضي و حاكم السويس على الاتفاق الذي تمّ بيننا و بين العرب، و كان سنجق مصر هذا منفيا من القاهرة، كما سبق و ذكرت، و هو يكنّ احتراما كبيرا لأسرار العالم التي يدعي الشرقيون التنبؤ من خلالها بالمستقبل. فطلب مني الفحص في النقوش الغربية، التي نتوقع العثور عليها في الصحراء لتحديد مدة نفيه. فأردت أن أشرح له رأي الأوروبيين في هذا النوع من التنبؤات؛ و لكنه أكّد لي أن عالما مسلما حدّد له موعد عودته، و هو يريد أن يطابق تكهنات نقوش الصحراء بهذه النبوءة. و أعترف بأنني لم أتوقع أن يؤمن هذا الرجل الرفيع المستوى بالخرافات إلى هذا الحد. و لكن مهمتي في هذه البلاد لا تقضي بتحرير الناس من هذه الآراء السخيفة؛ لذلك اعتذرت منه لأنني لم أكن ملما بهذا العلم العظيم.

و في السادس من أيلول/ سبتمبر، عبرت و السيد دوهافن الخليج الغربي في زورق صغير؛ و نمنا في المساء التالي في الهواء الطلق على الضفة الشرقية للخليج المذكور قبالة السويس حيث اجتمع مرافقونا العرب الجدد. صباح السابع من أيلول/ سبتمبر، بدأنا رحلتنا إلى جبل المقطم برفقة الشيوخ الثلاثة المذكورين آنفا، و عدد من أصدقائهم و خدمهم الذين أوكلت إليهم مهمة نقل المياه من بئر نبا إلى السويس منذ فترة طويلة، و وجدوا هذه الفرصة مناسبة لزيارة أهلهم في الصحراء خاصة و أننا نتكفل بمصاريف الرحلة كلها.

فحين يسافر رجل عربي كريم النسب، يؤمن الطعام لمرافقيه كلهم؛ و لما كنا ندفع أموالا طائلة، لمشاهدة بعض النقوش القديمة في الصحراء ظنوا أننا غاية في الثراء. يمتد الطريق نحو الجهة الجنوبية- الشرقية؛ ليتحول بعدها نحو الجهة الجنوبية- جنوبية- شرقية، وصولا إلى عيون موسى حيث حططنا الرحال، تحت أشجار النخيل. و تقع السويس في الجهة الشمالية الغربية على بعد 30 درجة، و الخليج الفارسي في الجهة الغربية على بعد نصف فرسخ و يبدو أن عرض الخليج في هذه البقعة يفوق عرضه في المنطقة الممتدة من السويس إلى جبل عتقة؛ و تكثر آبار المياه في هذا المكان على عمق قدم فحسب؛ كما و أن عيون موسى التي يبلغ عددها 5 ليست أكثر عمقا. و هي تمتلى‏ء أولا بالتراب و الأوساخ كما و أن الرمال تمتص الكمية الأكبر من مياهها. و قال لنا العرب، إن مياه عين واحدة منها صالحة للشرب؛ أما ما تبقى منها فهو ملوث. و لما كانت تحمل اسم موسى ظن العرب أن أولاد إسرائيل عبروا الخليج الفارسي في هذه البقعة فحملت بالتالي هذه العيون اسم زعيم الشعب اليهودي. و تكثر في هذه البقعة الأصداف التي تدل على تراجع مياه البحر بشكل ملحوظ.

و بعد أن غادرنا عيون موسى، عبرنا سهول الطواريق و وردان و الطي في الجهة الجنوبية- شرقية و الجهة

193

الجنوبية- جنوبية- شرقية؛ يسمي العرب هذه السهول أودية، لأن المياه تتجمع فيها بعد هطول الأمطار بغزارة. و بعد أن قطعنا خمسة أميال حططنا الرحال في السهل الأخير، على الرمال و في الليل هبت رياح قوية و حملت معها الرمال؛ و الجدير ذكره أننا لم نشعر بانزعاج كبير منها رغم أننا كنا سنعاني أكثر لو واجهنا ظرفا مماثلا في أوروبا.

تعد المنطقة التي عبرنا فيها الأكثر تميزا في الشرق لأنها الطريق التي مر بها أولاد إسرائيل و رسمها لنا موسى. و حرصت على قياس الطريق الذي قطعناه، و دراسة كل ما يمكنه مساعدتي على تصحيح الخرائط و على توضيح بعض المقاطع في الكتاب المقدس. أما الصعوبة الأكبر فكانت تكمن في حفظ الأسماء الصحيحة للأودية و الجبال لأن العرب حرصوا على إعطائنا أسماء خاطئة، بعد أن عجزوا عن فهم سبب فضولنا هذا. و لكنني نجحت في كسب ثقة عربي من جماعتنا سواء بتقديم الهدايا له أو بالسماح له بالركوب خلفي على الجمل؛ و كنت أستجوبه في طريق الذهاب و الإياب علّه يعطيني الأسماء نفسها. لم يشأ رفيقي في الرحلة أن يوطد علاقاته بهؤلاء البدو الذين كانوا يعطونه تارة أجوبة خاطئة و طورا غير سارة. استطعت تحديد وجهة الطريق بواسطة بوصلة صغيرة دون أن يلاحظ العرب الأمر أو يثير استياءهم؛ و رغم أن العلماء المسلمين يستعينون ببوصلة لوضع القبلة في جوامعهم، لا يحسن العرب البدو استعمالها بتاتا. و لا يمكننا بالتالي الاعتماد على كافة الكتب التي تناولت وصف شبه الجزيرة العربية، و خاصة تلك التي تزعم أن القوافل كانت تحدد مسارها بواسطة البوصلات. و مما لا شك فيه أن سير القوافل منتظم للغاية. كنت أعد يوميا، عدد الأقدام التي أقطعها سيرا على الأقدام صبحا و مساء، و عند حر الظهيرة؛ فوجدت أنني كنت أقطع 1580 قدما في الحر، و 1620 في الطراوة؛ أي بمعدل 1600 قدم في ظرف نصف ساعة إن كانت الطريق معبدة. و كان علي بالتالي أن أدرس وجهة هذه أو تلك المنطقة و الوقت الذي تأخذه للوصول إليها. و انطلاقا من هذه المبادى‏ء، قست طول الطريق بالأقدام و الأميال؛ فحسبت أن 1180 قدما توازي ربع ميل. في وصفي لشبه الجزيرة العربية لم أذكر إلا القياس الأخير؛ و لما كنت أخشى الدخول في تفاصيل مملة لبعض القراء، أطلب منكم مراجعة اللوحة 23 من وصف رحلتي حيث يمكنكم إلقاء نظرة على رحلتي إلى طور سيناء. و أذكركم أن الأماكن التي تحمل إشارة تضم ينابيع مياه.

لا تدخل خطوات الجمال ضمن حساباتي؛ و لكنني أعرتها اهتماما خاصا بغية إعطاء القراء فكرة عن سرعة سير هذه الدابة. تقطع جمال قافلتنا الصغيرة 1400 قدم في ظرف نصف ساعة؛ و الملاحظ أن خطوات الجمال ليست كلها متساوية. أما جمال الصحراء فهي الأسوأ بين كافة الجمال التي رأيتها خلال رحلتي.

انطلقنا في الثامن من أيلول/ سبتمبر، قبل شروق الشمس، و عبرنا سهل عيزدان الواقع في الجهة

194

الجنوبية- الشرقية، و بعد أن قطعنا ثلاثة أميال بلغنا حجر الرقبة؛ و هو عبارة عن كتلة حجرية، وقعت من أعلى الصخرة و اعتاد العرب على الاستراحة في جوارها و ارتشاف القهوة. في منتصف الطريق تسلقت هضبة مرتفعة، لا تطل على الخليج العربي. و سلكنا بعدها الطريق الجنوبي- الشرقي- الجنوبي لنبلغ وادي غيرانديل على بعد ميل تقريبا(Girandel) ؛ و اتجهنا لاحقا جنوبا- جنوبا- غربا، لنصل إلى جبل حمام فرعون. قطعنا في ذلك النهار خمسة أميال و نصف الميل و كنا نبعد عن السويس عشرة أميال و نصف الميل. خلال فصل الشتاء تسيل المياه الغزيرة في هذا الوادي لتصب بعدها في الخليج العربي. بيد أنه كان جافا في ذلك الوقت مع أننا عثرنا على ينبوع مياه عذبة؛ و لكننا اضطررنا للحفر في الرمال، على عمق قدم و نصف القدم أو على عمق قدمين، لأنها لم تمطر منذ فترة طويلة. و لما كانت المياه لا تنضب في هذا الوادي كثرت فيه الأشجار المثمرة التي يحبها المسافر من القاهرة. ذكرت في كتاب «وصف شبه الجزيرة العربية» ص 348، أنها قد تكون أشجار إيليم(Elim) المذكورة في الكتاب المقدس‏ (*). يقطن عدد كبير من العرب الرحل في هذه المنطقة علما أنهم لا يحطون رحالهم قرب الطريق. لم أسمع أحدا يتحدث في هذه المنطقة عن جبل مراح، الذي أتى على ذكره الرحالة الآخرون؛ و لم أحاول الاستعلام من العرب المرافقين لنا عن أسماء الجبال و الينابيع، بعد أن لا حظت أنهم يجيبون بالإيجاب على هذا النوع من الأسئلة، و يسارعون لإرشادنا إلى الأماكن التي يخالونها تحمل الأسماء المذكورة. و الجدير ذكره أن الحجارة التي شاهدنا ذاك النهار، تبدو كلسية، مع أنها بيضاء و مصقولة.

و في صباح التاسع من أيلول/ سبتمبر أرسلنا خدمنا و المؤن إلى طور سيناء، لأدخل برفقة السيد دوهافن و اثنين من الشيوخ وادي غيروندل؛ فسلكنا الطريق الجنوبي- الغربي، عبر غابة صغيرة، لنصل إلى حمام فرعون، بعد أن قطعنا ربع ميل.

يمتاز هذا الحمام، الواقع على ارتفاع 10 أقدام عن مستوى المياه بفتحتيه المحفورتين في الصخر، فضلا عن بخار الكبريت و المياه اللذين يتصاعدان منه. و يقال إن المرضى يؤمون هذا الحمام حيث ينزلون في الفتحتين المذكورتين بواسطة الحبال فيستحمون 40 يوما في المياه الحارة؛ و خلال هذه الفترة لا يأكلون سوى فاكهة اللسفة(Lassafa) التي تكثر في هذه المنطقة. لا أعرف ما هي نتائج هذا العلاج غير أنني شاهدت مقبرة كبيرة في الجوار. قال لنا العرب أنفسهم الذين ادعوا من قبل أن أولاد إسرائيل عبروا البحر الأحمر قرب عيون موسى، إن ذلك حصل قرب وادي غيرانديل. فعلى حد قولهم يرقد الملك فرعون الذي قضى في البحر الأحمر، خلال مطاردته الإسرائيليين في الفوهة التي يتصاعد منها البخار و الكبريت و المياه الحارة؛ و لهذا السبب لا يحمل الحمام وحده اسم هذا الأمير بل أيضا جزءا من الخليج العربي المعروف اليوم ببركة فرعون.

____________

(*) ذكر السيد بريتنباخ الأمر نفسه، في وصفه للرحلة التي قام بها عام 1483 من جبل سيناء إلى القاهرة.

195

إنه مما لا شك فيه أن الضفة الغربية للخليج العربي، بدءا من السويس وصولا إلى جبل حمام فرعون كلها أرض سوية، باستثناء بعض الهضاب الصغيرة التي نراها على الجهة الأخرى؛ أما الضفة الشرقية فهي جبال شاهقة يفصل فيما بينها و اديان يقع الأول قبالة العطي و الثاني قبالة غيرانديل. يظن بعض العلماء أن أبناء إسرائيل اجتازوا الوادي الأول؛ بينما يؤكد بعضهم الآخر أنهم اجتازوا الوادي الثاني، ليعبروا بعدها البحر الأحمر. و لقد ذكرت في وصفي لشبه الجزيرة العربية أن النظريتين غير صحيحتين؛ فرغم أن البحر الأحمر يبدو ضيقا جدا شمالي بركة فرعون، إلا أنه واسع و عميق للغاية حتى يتمكن موسى عبوره مع الإسرائيليين.

و لقد كان أحد الشيوخ مستاء للغاية خلال الرحلة و لم يشأ إعطاءنا أجوبة مرضية فاصطحبه السيد دوهافن خلف أحد الجبال حتى أتمكن من قياس عرض البحر. فأسرعت لنصب الإسطرلاب و غرز حربة في الأرض و قياس طول القاعدة و تحديد الزوايا اللازمة، قبل أن يعود العربي و يأخذ الحربة. و من خلال عملية القياس هذه التي ليست صحيحة تماما، اتضح لي أن بركة فرعون المجاورة لحمام فرعون، تبعد خمسة أميال عن هذا الأخير. كانت القاعدة صغيرة جدا بالنسبة إلى هذه المسافة الكبيرة علما أن الظروف لم تسمح لي باستعمال واحدة أكبر. و تجدون ملاحظاتي حول المد و الجزر في هذا المكان، في وصفي لشبه الجزيرة العربية، و لم يشأ العرب منحي المزيد من الوقت لدرس هذه الأمور بدقة؛ فأسرعوا للحاق بالقافلة، و كان علي أن أحذو حذوهم.

ثم مررنا في واد ضيق و عميق حفر في الصخر بفعل الأمطار الغزيرة. و كنا نسلك تارة الطريق الشمالي و طورا الشرقي أو الجنوبي أو الغربي؛ و ضربنا الخيام في عصيتو(Usaite) ، حيث كان الخدم و مرافقونا العرب في انتظارنا. يقع وادي عصيتو في الجهة الجنوبية- الشرقية على بعد ميل تقريبا من البقعة التي حططنا فيها رحالنا آخر مرة. مع حلول بعد الظهر قطعنا أميالا جنوبا و نصف الميل شرقا، حتى بلغنا جبل تعل(T l) ، حيث وجدنا ينبوع مياه. و تابعنا طريقنا و قطعنا نصف ميل جنوبا و أربعة أميال شرقا و نصف ميل غربا لنحط بعدها الرحال في سهل الحمر قرب جبل العطي. و كان هذا المأوى يبعد عن المأوى السابق أربعة أميال و ربع الميل و عن السويس أربعة عشر ميلا و نصف.

و قبل ساعة من نصب الخيام اتجه بعض المسافرين شمالا للحصول على الملح. كنا نرغب بمرافقتهم، بيد أننا اكتفينا بالاستعلام عن الجبل الذي يستخرج منه الملح، علما أننا نعتمد كليا على شيوخنا، الذين لم يسمحوا لنا بالقيام بجولات صغيرة. و تتميز الجبال الممتدة من السويس إلى الحمر بحجارتها الكلسية.

و شاهدت شرقا سلسلة جبال مغطاة بحجارة من البارود و بأصداف متحجرة تكثر اليوم في الخليج العربي؛ و إن ابتعدنا أكثر رأينا صخرة قاسية و سوداء و عروقا من الغرانيت التي يزداد عددها مع اقترابنا من طور سيناء.

و في العاشر من أيلول/ سبتمبر ارتأى العرب رفع الخيام عند الساعة الخامسة صباحا قبل شروق الشمس. فاعتمدت على النجوم لتحدد و جهة الطريق و وجدت أننا نتجه شرقا- جنوبا- شرقا. و بعد شروق الشمس، حططنا رحالنا في سهل ورسان، تحت صخرة صغيرة حفر عليها اليونانيون، الذين‏

196

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

197

يحجون إلى طور سيناء، أسماءهم. في طريق العودة أطلقت اسما على هذه الصخرة نظرا لغرابتها (راجعوا اللوحة(XLIII . نصبة هي مكان إقامة بعض العرب الرحل؛ أرسلنا خدمنا إليهم لطلب الماء، إلا أن غفيرنا من قبيلة لغات، أرسل هؤلاء الخدم لإعلام العرب بوصولنا، بغية زيارة أصدقائه؛ و لم نستطع مغادرة المكان إلا عند الواحدة ظهرا لأنه اضطر لارتشاف القهوة مع الجميع. كما و أن نهارنا لم يشهد أي أحداث مهمة، لأننا تحولنا عدة مرات عن الطريق الرئيسي و ضربنا الخيام جنوبا قرب مقر إقامة شيخ بني لغات المجاور للجبل الذي يطلق عليه العرب اسم جبل المقطم. و كان هذا المكان يبعد ثلاثة أميال عن مأوانا الأخير و ثماني عشرة ميلا عن السويس.

و لقد كنت في غاية السرور لأنني سأرى اليوم أخيرا النقوش الشهيرة التي تشكل موضوع رحلتنا في الصحراء حتى أنني كنت أخال الجبال مغطاة بها من جميع الجهات. لكن حديث العربي جعلني أظن أن رحلتنا كانت سدىّ. قال لنا إن النقوش الوحيدة التي شاهدها تقع على قمة جبل شاهق و وعر لا يستطيع اصطحابنا لرؤيته إلا في الغد لأنه يتوقع زيارة صديق له؛ كما و أن عرب نصبة، يريدون تهنئتنا على عودتنا من الصحراء. فبدت لنا هذه الاحتفالات غير ملائمة في ذلك النهار، و غير متوقعة من البدو، و رغم أن العرب يعيشون في أماكن مختلفة، إلا أنهم غاية في التهذيب فحين يلتقي صديقان لم يتقابلا منذ فترة طويلة يتصافحان بشدة و تتلاصق خدودهما عدة مرات و لا يكفّان عن السؤال: كيف حالك؟ هل الأمور على ما يرام؟ و عند دخول الشيخ تقضي اللياقة بالوقوف له؛ بينما يصافح الأجنبي أفراد الجماعة كلهم و يقبلهم. يدعي بعض الأوروبيين الذين تكلموا عن عادات العرب أنهم يسألون بعضهم بعضا: كيف حال جمالكم؟ و لما أراد السيد دو هافن أن يقوم باختبار صغير، قالوا له إن هذه الأسئلة لا تطرح للمجاملة (*). و بما أن العرب لا يصدرون الجرائد، لا تشكل السياسة محور كلامهم، خلافا للأوروبيين؛ و بما أن حالة الجو عندهم أقل تقلبا من الجو عندنا، فهم لا يتناولونه أيضا في أحاديثهم. و تدور أحاديث العرب البدو حول أعمالهم فإن حدث و سأل بدوي صديقه عن حال جماله أو حيواناته الأخرى، فهو يحذو حذو الفلاحين الأوروبيين الذين يسألون بعضهم عن القمح، و الماشية و خلافه.

اجتمع حوالي 10 أو 12 شخصا يحمل معظمهم لقب شيخ و يرتدون ثيابا أنيقة؛ فاستنتجت بالتالي أن هذا اللقب، يوازي لقب سيد في بلادنا. و استمتع الضيوف كلهم بارتشاف القهوة و تناول الطعام؛ و في الليلة نفسها، ذبح جدي و التهم على الفور. و في اليوم التالي ذبح جديان آخران و بعد أن تناول شيخ قبيلة سعيد الطعام مع الشيخين الآخرين في بستان وادي فران، دعي الجميع للالتقاء عند عودتنا من طور سيناء، في مكان ما قرب الطريق، بغية ذبح جدي و التهامه.

____________

(*) تاريخ بلاد البربر و قراصنتها، بيار دان، ص 293؛ يسألون بعضهم البعض عن حال زوجاتهم و أولادهم، و أحصنتهم و بقراتهم، و ثيرانهم و حتى دجاجاتهم؛ و هم لا ينسون الاستعلام عن صحة كلابهم و قططهم.

198

لا يختلف نمط حياة هؤلاء العرب عن نمط حياة العرب الرحل و الأكراد و الأتراك؛ فخيمهم مشابهة لخيم عرب مصر كما يبدو جليا في لوحة نوردن رقم 65. ترتكز الخيمة على سبع أو تسع عصي، ثلاث منها أعلى من سواها، و الوسطى هي الأكثر ارتفاعا. يتألف الفسطاط من قماش كتاني سميك أسود اللون، أو مقلم بالأبيض تحيكه نساء الصحراء بأنفسهن. تقسم الخيمة إلى جناحين أو ثلاثة واحد للنساء و آخر للرجال، و ثالث للحيوانات، أما الذين لا يملكون ثمن خيمة فيضعون القماش على 4 أو 6 أوتاد، ليقيهم من الحرارة و الأمطار؛ فالهواء العليل الذي ينسم تحت الأشجار ينعشهم و يمنحهم شعورا لطيفا في هذه البلاد الحارة. و يقتصر أثاث الخيم على الحصر التي تستعمل كطاولة و مقعد و سرير. و يحتفظ العرب بثيابهم في أكياس مغلقة موضوعة في شق القماش؛ كما و أن نقل الأدوات المطبخية سهل للغاية: فالأواني و الصحون مصنوعة كلها من النحاس المبيّض، و بعد نصب الخيام، توضع الأواني على الحجارة أو في حفرة في الأرض و لا يستعملون الملاعق و الشوك و السكاكين. و تحل رقعة جلدية مستديرة محل غطاء الطاولة، يحتفظون فيها ببقايا الطعام. أما الزبدة التي تذوب في البلاد الحارة، فتنقل في أوعية من الجلد.

و أما المياه فتوضع في جلد الماعز لتسكب بعدها في طاسات من النحاس المبيّض من الداخل و الخارج. و من المؤكد أن سكان هذه البلاد لم يسمعوا بطواحين الهواء أو المياه؛ و لكنهم يطحنون القمح بواسطة مطحنة يدوية صغيرة. و لا نجد في الصحراء أفرانا للطهو؛ و بعد أن يعد العرب قالب حلوى مسطّحا يخبزونه على صفيحة معدنية مستديرة؛ و إن لم تتوافر هذه الصفيحة، أعدوا كبيسات من العجين و وضعوها فوق الجمر، و غطوها حتى تنضح جيدا. و يشكل الخبز الطازج غذاء الشرقيين الأساسي؛ فيتزودون بالتالي بكميات كبيرة من الطحين خلال تنقلهم في الصحراء.

و رغم أنه كانت تجتاحني رغبة شديدة في رؤية نموذج من تلك النقوش القديمة، لم أستطع إقناع أي عربي بمرافقتي في ذلك النهار. و لما كانت أرض غفيري غير محفوفة بالمخاطر جبت وحدي الوديان المجاورة و تسلقت الهضاب الوعرة. و لكنني عدت عند المساء منهكا من دون أن أعثر على أي أثر للنقوش.

و خلال نزهتي شاهدت خلف إحدى الهضاب خيمة صغيرة منعزلة أكبّت فيها زوجة الشيخ و أخته على طحن القمح و طهو الخبز. و لا تحرص نساء عامة الناس عند العرب على حجب وجوههن عند اقتراب رجل غريب منهنّ؛ خرجت إحداهن من الخيمة من دون أن تضع النقاب على وجهها و قدمت لي الصمغ و أظنها كانت تتوقع هدية في المقابل، لأنها قبلت المال الذي قدمته لها. و أعتقد أن العرب اعتادوا على تقديم الهدايا للأجانب. و لقد قابلت في مكان آخر ابن الشيخ قرب قطيع الماعز. و كان يعلم أن والده يرافقني في رحلتي بالصحراء. و بعد أن تحدثت إليه طويلا، أعجبت بثقته بنفسه، التي ظهرت من خلال رده على أسئلتي. و رغم أنني لم أكن أحسن اللغة العربية جيدا، و أنه لم يتحدث من قبل مع رجل أجنبي لم يشعر أبدا بالخوف الذي ينتاب أولاد الفلاحين في وضع مماثل. و دعاني إلى منزله لشرب المياه العذبة.

و كان ودودا معي للغاية، حتى أنني لم أستطع رفض دعوته رغم أن الوقت كان متأخرا. و لقد لا حظت أن عرب هذه المنطقة يسمون خيمهم بالبيت أو الدار.

199

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

200

ركبت صباح 11 أيلول/ سبتمبر، و السيد دو هافن الجمال، و انطلقنا برفقة العرب المزودين بالأسلحة، باتجاه جبل المقطم المزعوم، و كان هذا الجبل شاهقا و وعرا للغاية حتى أننا اضطررنا إلى ترك الجمال عند سفحه؛ و بعد أن سرنا ساعة و نصف تقريبا بلغنا القمة، فخلنا أننا سنعثر على النقوش محفورة في الصخر خاصة و أننا بذلنا عناء كبيرا للوصول إلى تلك البقعة. و كم كانت دهشتنا عظيمة حين رأينا مقبرة مصرية في وسط الصحراء و على قمة جبل و عر؛ و أقول إنها مقبرة مصرية لأن الأوروبيين يطلقون عليها هذه التسمية، رغم أنهم لم يشاهدوا شيئا مماثلا في مصر، حيث دفن الزمن معظم الآثار القديمة في الرمل.

و شاهدنا في هذه البقعة عددا كبيرا من الحجارة التي يبلغ طولها خمس أو سبع أقدام و عرضها حوالي القدمين؛ و هي مغطاة برسوم هيروغليفية مصرية؛ و هذا الأمر جعلني أؤكد أنها حجارة ضريح. و نستطيع أن نرى في اللوحة(XLIV) ، صورة صرح قديم، لم يتبق منه إلا أسواره؛ و يبدو أن داخله أكثر عمقا من الأرض المحيطة به. يحوي هذا الصرح عددا من الحجارة المغطاة بالصور الهيروغليفية. و نرى في الجهة العريضة منه غرفة صغيرة مدعومة بركيزة مربعة مغطاة أيضا بالرسوم الهيروغليفية. و نجد أيضا في هذا الصرح تماثيل نصفية تتلاءم مع أذواق المصريين القدامى، و نصبا قديمة تدل على فن الهندسة المعمارية، مشابهة لتلك التي رسمها نوردن في مصر العليا، و عمودا مربعا له أربعة تيجان. و اللافت للنظر أن هذه الآثار كلها من الحجارة الرقيقة الصلبة علما أن النصب المصرية القديمة المغطاة بالرسوم الهيروغليفية مصنوعة كلها من الغرانيت الصلب.

و لقد سمح لنا العرب بفحص المكان كله و تدوين الملاحظات اللازمة. لكنني أردت نقل بعض هذه النقوش، حتى أتمكن من إثبات انتمائها للهيروغليفية المصرية عند عودتي إلى أوروبا و اتضح أن العرب كانوا ينتظرون هذه اللحظة، إذ أسرعوا جميعا لمنعي من نقل أي شي‏ء من دون موافقة شيخ هذا الجبل.

و لما كان الغفراء يعلمون أننا لم نأت لمشاهدة النقوش فحسب، بل نرغب بنقلها أيضا، اتفقوا على العشاء أن يعطوا أحد أصدقائهم الشيوخ، لقب شيخ جبل المقطم، حتى يقبض منا مبلغا من المال. و عند وصولنا إلى قمة الجبل، وجدناه في انتظارنا و لم يمنعنا من تفحص كل شي‏ء بدقة. و لكنه قال إنه لن يسمح لنا بنقل النقوش عن الحجارة إلا مقابل مئة ريال، مدّعيا أنه لا يستطيع الموافقة على أن يضع الأجانب أيديهم على الكنوز المطمورة تحت التراب. و يظن هؤلاء العرب أن الأوروبيين و المغتربين أو عرب الغرب، قادرون على اكتشاف الكنوز المخبأة تحت الأرض، و على نقلها إلى بلادهم، للحصول على النقوش. و لكنني أعتقد أنهم يختلقون هذه الأعذار للحصول على المال؛ كما و أن العربي لن يتوانى عن المطالبة بحقه في الكنوز التي لا يأمل يوما الحصول على جزء بسيط منها. و في سبيل بلوغ هدفنا علينا إتقان لغتهم، و فهم طريقة تفكيرهم، و معاملتهم بطريقة حسنة؛ و بعد أن يقروا بالكنوز المخبأة نحاول إقناعهم بخطئهم. اقترحوا علي عدة عروض حتى أعد شيخ الجبل بإعطائه ربع الكنز الذي سأعثر عليه و ربعه الآخر للغفراء، في حال رفضت دفع مئة ريال للشيخ أو احتفظت بالكنز كله لنفسي. و بذلت قصارى جهدي لإعطائهم ردا

201

ملائما. فرحت أهزأ من اقتراحاتهم، مؤكدا لهم أنني لا أعرف شيئا عن الكنوز المدفونة، و أنني أريد نقل النقوش فحسب، و أنهم يستطيعون الاحتفاظ بالكنز لأنفسهم. و بعد أن لاحظت أنني لن أتمكن من العمل ذاك النهار، اتفقت سرا مع الغفير أن يحضرني وحدي إلى هذا المكان بعد عودتنا من طور سيناء و أن يمنحني الوقت اللازم لنقل النقوش، على أن أعطيه في المقابل أربعة ريالات. و لعل شيخ الجبل كان سيكتفي بهذا المبلغ؛ و لكنني لم أكن أرغب بإعطائه شيئا حتى لا يذهب تسلق هذا الجبل الشاهق و الوعر هباء؛ و جلّ ما جنيته من هذه المسألة هو تكبد عناء تسلق هذا الجبل ثانية. و في طريق العودة و فى الغفير بوعده، و نقلت أكبر عدد من الصور الهيروغليفية. (راجعوا اللوحتين‏XLV) و(XLVI . و مما لا شك فيه أن هذه الصور هيروغليفية حقا. لأننا شاهدنا معظمها على النصب القديمة في مصر. و لفت نظري في هذه المنطقة، التي تكثر فيها الماعز، بروز صورة هذه الحيوانات على كل الحجارة تقريبا؛ بينما تقع غالبا في مصر، على صور الأبقار محفورة على النصب التذكارية نظرا لكثرة الحيوانات القرنية في هذه المنطقة.

و لئن أثارت هذه النصب التذكارية فضول الرحالة الآخرين، أتمنى عليهم أن يحفروا الأرض في هذه البقعة، علهم يعثرون على بقايا جثث قديمة. و من الصعب أن يقنع أوروبي العرب بهذا الأمر، و لكن الخدم الشرقيين و خاصة إن كان الغفير شيخا مستقيما من بني لغات، قد ينجحون في إتمام هذه المهمة في المنطقة المجاورة للجبل.

إن جبل المقطم هذا، لا يشبه الجبل الذي وصفه رؤساء الأديرة الفرنسيسكانية في القاهرة؛ و لكن يبدو لي أكثر تميزا، خاصة بعد أن تأكدنا من أن النقوش التي تكثر على الجبال ليست قديمة أو جميلة بل هي من فعل الرحالة السابقين؛ غير أن الرسوم الهيروغليفية التي أتحدث عنها، توازي رسوم مصر الهيروغليفية جمالا. و هذا يثبت أن الفنون ازدهرت في هذه المنطقة التي كانت تحوي مدينة قديمة غنية بالثروات؛ و يقال إن بعض سكان مصر الذين لم يحنّطوا موتاهم، كانوا يقدسون هذه الصحراء و ينقلون إليها جثث الموتى. و لقد لاحظت أن المياه ليست نادرة في الصحراء، كما و أن هذه المناطق الجبلية مأهولة بالسكان، خلافا لما كان يظنه الرحالة؛ إذ يصطحبهم العرب دوما إلى أماكن خالية من الخيم. و لعل هذه البلاد، كانت قديما مكتظة بالسكان، و كانت تشهد عمليات تجارية برية مكثفة بين شبه الجزيرة العربية و مصر، ساهمت في ازدهار مدن هذه البلاد.

ثم ألا تقع في هذه المنطقة ضرائح الطمع (قبروت هتأوة)، المذكورة في سفر العدد الفصل 11، أو جبل هور المذكور في سفر العدد الفصل 33؟ و سواء كانت مقبرة للإسرائيليين أم لسكان هذه البلاد القدامى فهي تشكل موضوع دراسة للعلماء. إنه لم يكن محظرا على الإسرائيليين استعمال الرسوم الهيروغليفية أو صور الإنسان و الحيوانات؛ و لكن لم يسمح لهم عبادتها. و لا يزال الإسرائيليون، حتى اليوم يحفرون صورا و رسومات على ضرائحهم.

202

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

203

و عند نزولنا من الجبل المذكور، شاهدت حجرا مغطى ببعض الصور التي تسلى برسمها أحد الرعاة.

(راجعوا اللوحة(Le و لكننا لا نتوقع أن يعطي السكان المقيمون في هذه المنطقة منذ 100 سنة أو أكثر نتاجا أفضل.

تتطابق الأوصاف التي أعطيت لجبل آخر، يحمل اسم جبل المقطم و يقع في هذه المنطقة مع أوصاف الجبل الذي نبحث عنه؛ و تبين لنا أننا نحتاج إلى شهر على الأقل لنقل النقوش التي يزعم أنه مغطى بها؛ بيد أنه كان يلزمنا يوم واحد لإرضاء فضولنا حول هذا الموضوع. فقررنا متابعة طريقنا إلى جبل سيناء، علما أن السفن لن تنطلق قريبا من السويس. فمررنا في 12 أيلول/ سبتمبر، من الجهة الشمالية للجبل الذي قرأنا أوصافه. و بعد أن سرنا ساعتين، شاهدنا طور سيناء او جبل موسى في الجهة الجنوبية- الشرقية؛ بنيت في هذه البقعة، مقبرة للعرب، كانت تنقل إليها الجثث من أماكن بعيدة و مررنا بعد ذلك، بوادي شامل الذي تحدّه من الجهتين جبال صخرية فيها عروق من الغرانيت؛ مع حلول بعد الظهر، عبرنا واديي ديبور وبراك، حيث أخذنا قسطا من الراحة قرب جبل طمعان. شاهدنا في هذا المكان مقبرتين مبنيتين من الحجارة المتراصة منذ عدة قرون. و احتجزنا في وقت لاحق احد الجبال، لنصل إلى وادي عصريت(Asraite) ، حيث وجدنا ينبوع مياه عذبة. عند المساء، حططنا رحالنا في وادي الجن حيث عثرنا على ينبوع مياه لذيذة على بعد نصف ساعة منه. و الجدير ذكره أننا قطعنا، بعد ظهر ذلك اليوم ميلين و نصف، و كنا نبعد 23 أميلا عن السويس.

قلما يهم العلماء مشاهدة الجبال و الوديان و لكنني رسمت في طريق العودة منظر وادي عصريت، لأثبت لهم أننا نستمتع أحيانا بالمناظر الخلابة التي تقدمها لنا الصحراء. (راجعوا اللوحة(XLIII . و صادفنا في هذا الوادي، امرأة عربية برفقة خادمها؛ و لكنها بدلت وجهة سيرها، و ترجلت عن جملها، و مرت أمامنا سيرا على الأقدام، احتراما للشيوخ الذين كانوا يرافقوننا (*). و التقينا بامرأة أخرى، محجبة كليا في وادي الجني؛ فجلست على حافة الطريق، و أدارت لنا ظهرها حتى نستطيع المرور. و تذكرت في هذه المناسبة قصة ثمار. و لما لاحظ العرب جهلي التام لعاداتهم قالوا لي إنها أدارت لنا ظهرها احتراما للأجانب، و أنه ما كان يجدر بي أبدا إلقاء التحية عليها.

يقع منزل غفير بني سعيد في وادي فران، بمحاذاة الطريق المؤدية إلى جبل سيناء؛ و عند اقترابنا من تلك المنطقة ركب الغفير وحيد السنام، و تقدمنا جميعا، ليلقي التحية على أهله فلحقنا به جميعا، في 13 أيلول/ سبتمبر، و عبرنا وادي عرتيم(Ertame) ؛ و كانت هذه المنطقة تبعد 24 ميلا عن السويس. و انحرفنا عن الطريق المؤدية إلى جبل سيناء، و سرنا شمالا قرابة النصف ساعة، مرورا بجبل سيربال حيث مقر قبيلة شيخنا. نصب العرب خيمتنا قرب الأشجار و طلبوا منا أن نرتاح قليلا بينما يذهبون للقاء أصدقائهم في حدائق البلح المحيطة بالمكان. علمت أن في هذه المنطقة بقايا مدينة قديمة، و شعرت برغبة شديدة برؤيتها؛

____________

(*) أتيت على ذكر هذا الأمر في وصف رحلتي في شبه الجزيرة العربية.

204

و بعد أن لاحظ العرب الأمر، تركوني من دون أن يزودوني بأية معلومات حول الموضوع. يتألف مخيم شيخنا من تسع أو عشر خيم تكثر حولها الماعز، و الجمال و الحمير و الدجاج و الكلاب.

بلغنا إذن وادي فران الشهير؛ و لم يتغير اسم هذه المنطقة منذ أيام موسى. قال لنا العرب إن هذا الوادي يمتد نحو الجهة الشرقية- الشمالية على بعد نصف نهار من البقعة التي خيمنا فيها و نحو الجهة الغربية- الجنوبية على بعد نهار من الخليج العربي. و تحد هذا الوادي جبال و عرة من الحجارة الكبيرة الممزوجة بالغرانيت و المبقعة بالأحمر و الأسود. كان الوادي جافا في ذلك الوقت؛ و لكن بعد هطول الأمطار بغزارة، تغمره مياه الجبال المجاورة، إلى حد أن العرب يضطرون لرفع خيمهم من عدة بقع و الهرب إلى المرتفعات. شاهدنا جزءا صغيرا من هذا الوادي، مكسوا ببساط أخضر؛ و أكد لنا العرب أنه تكثر في الجوار بساتين البلح التي تطعم عددا كبيرا من الناس. كما و أن عرب هذه المنطقة و أولئك المقيمين غربي جبل موسى، ينقلون سنويا إلى القاهرة و السويس كميات وافرة من البلح و العنب و التفاح و الإجاص و غيرها من الفواكه. و يبيع العرب الآخرون في المدينتين المذكورتين الماعز و الصمغ و الفحم الخشبي و مسنات المطاحن اليدوية؛ و هم يشترون منها في المقابل المواد الغذائية و الملابس التي يحملونها معهم إلى الصحراء.

إننا نعلم جيدا أن العربي يستطيع أن يتزوج أربع نساء في آن واحد. لكن يكتفي معظمهم باتخاذ زوجة واحدة له، و يبقى مخلصا لها طوال حياته، شرط أن تخضع لإرادة زوجها. كان شيخ بني سعيد متزوجا من امرأتين، واحدة منهما تقيم قرب خيمتنا، و تراقب الخدم الذين يحرسون الماشية؛ أما الثانية فتقيم في مكان آخر، و تهتم ببستان البلح. تقوم إذن هاتان المرأتان بالأعمال المنزلية، حين يذهب الزوج لمقابلة أصدقائه أو حين يقصد السويس لجمع المال من نقل الماء، أو حين ينقل البضائع إلى السويس و القاهرة. و قامت سيدة المخيم الأولى، بزيارتنا بعد الظهر، برفقة أربع نساء عربيات أخريات، و قدمت لنا دجاجة و بيضا، و رغم أنني أقمت فترة طويلة في البلاد الشرقية إلا أنها المرة الأولى التي أتحدث فيها مع امرأة مسلمة، باستثناء الراقصات في القاهرة. و لقد رفضت النساء العربيات الدخول إلى خيمتنا و فضلن الجلوس في الخارج، في الظل، حتى نتمكن من محادثتهنّ بسهولة. و كم أعجبن بالقانون الذي يحظر على المسيحي اتخاذ أكثر من زوجة له، من بين كل ما أخبرناهنّ عن العادات الأوروبية، و تذمرت زوجة شيخنا من ضرتها التي يحبها زوجها أكثر منها، رغم أنها الزوجة الأولى. و تركت لرفيقي في السفر حرية التحدث مع هذه السيدة، فأخبرته أن زوجها يقضي معظم أيام السنة متنقلا بين السويس و القاهرة و يطلق على مصر اسم الريف، الذي ليس المقصود به مصر العليا و الدلتا فحسب، كما ظن بعض العلماء. و لقد قال دون كافترو و الأب لوبو إن مصر العليا تحمل الاسم نفسه. بينما كان السيد دوهافن مسترسلا في الحديث مع هذه السيدة العربية، رحت أرسم لباسها، كما صورته على اللوحة(XL VIII) ، 48. تلفت هذه الملابس و خاصة أقراط الأذن و عقد الرقبة و أساور اليد و الرجل انتباه العلماء، خاصة و أن الإسرائيليين أقاموا في هذه المنطقة، و أن الأزياء لم تتبدل كثيرا بين نساء العرب الرحل.