رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - ج1

- كارستن نيبور المزيد...
398 /
205

سأصف لكم ملابس عرب هذه المنطقة: فمن يمارس الأعمال التجارية في المدينة يتبع صيحات الموضة؛ فهم يعتمرون عمامة و يرتدون قمصانا فضفاضة، و سراويل مريحة، تعلوها أثواب مريحة، تضم على الردفين بحزام عريض. و لفتت انتباهي أحذية هؤلاء العرب التي نراها في اللوحة(II) ؛ فهي ليست مشغولة بمهارة، كما تشير إليه صور الرسامين الأوروبيين؛ بل مصنوعة من الجلد الخام. و لم أشاهد في هذه المنطقة العباءة التي يرتديها عرب شبه الجزيرة العربية، و يستبدل بها عرب مصر ثوبا كتانيا طويلا، يلتفون به، كما هو ظاهر في اللوحة(XXIX) . و يفتخر العربي بسرجه الذي نراه في اللوحة نفسها المصنوع من الحديد الثقيل؛ و هو يحمل دوما على خصره خنجرا مستدق الرأس، يسمى الجمبة؛ كما و أنه يحمل أسلحة أخرى عند تنقله في الصحراء؛ و نذكر منها السيف الذي يتدلى في حزام جلدي يعقده حول كتفه الأيسر؛ إن كان العربي معتادا على استعمال يده اليمنى، أما الأعسر منهم، فيضعه حول كتفه الأيمن.

و يحمل العربي عادة بندقية لها فتيل واحد و يعلق جعبة الرصاص حول خصره. و رغم أن العرب يملكون أسلحة نارية. إلا أنه غالبا ما تنقصهم الذخيرة اللازمة لها. و هم يحملون دوما الحراب، عند امتطائهم الجمال أو الأحصنة؛ و من يفضّل منهم السير على الأقدام يحمل حرابا أقصر من الأخرى. و لم أشاهد لدى العرب أقواسا أو سهاما أو نقافات.

استقبلنا في اليوم نفسه عددا كبيرا من الرجال الذين أحضروا لنا بلحا أصفر طازجا. عاد الغفير عند المساء فانطلقنا صباح 14 أيلول/ سبتمبر، و قطعنا نصف فرسخ من الطريق نفسها التي سلكناها سابقا، وصولا إلى جبل سيناء. و بعد أن اجتزنا جنوبي- شرقي وادي فران، بلغنا سفح جبل موسى. و بعد أن قطعنا ميلا و ربع الميل باتجاه الجنوب- الشرقي، عبر دروب و عرة، حططنا رحالنا مساء على بعد 27 ميلا عن السويس قرب صخرة قطرها 16 قدما تقريبا. لاحظت أن الصخرة المذكورة مشقوقة في الوسط؛ و لكن العرب قالوا لنا إن موسى شقها بواسطة سيفه. تكثر على هذه الجبال ينابيع المياه العذبة المنعشة التي استمتعت بشربها أكثر من النبيذ؛ و لا داعي للعجب لأني لم أشرب مياها لذيذة إلى هذا الحد لا في مصر و لا في المناطق المجاورة للسويس.

و لقد شاهدت في ذلك النهار نقوشا غريبة نقلت بعضا منها في طريق العودة (راجعوا اللوحةXLIX) ، أ، ب، ج، د). و تكثر على حافة الطريق الصخور الوعرة التي جوفت معظمها مياه الأمطار المتدفقة من أعلى.

و عند حلول الخامس عشر من أيلول/ سبتمبر كان علينا قطع فرسخ و ربع الفرسخ، نحو الجهة الجنوبية الغربية لجبل موسى وصولا إلى دير القديسة كاثرين. و أظن أن الدير المذكور يقع على بعد 28 فرسخا و ربع الفرسخ من السويس راجعوا اللوحة(XLIV) . و تتميز الأرض التي بني عليها الدير بانحدارها أي إنها أكثر ارتفاعا من الجهة الجنوبية- الغربية منه من الجهة الشرقية، و يبلغ طول الدير 120 قدما و عرضه 55 قدما و هو مبني من الحجارة المنحوتة، التي يتطلب العمل فيها مالا وجهدا كبيرين. و نرى أمام هذا

206

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

207

الصرح صرحا آخر، أصغر منه، و أقل منه جمالا. و لا يملك الدير إلا بوابة واحدة مسورة؛ فترفع بواسطة حبل يمر في بكرة. نرى أمام الدير بستانا مملوءا بالأشجار المثمرة؛ و لقد أكد لي العرب أن الكهنة يستعملون سردابا للدخول إلى الدير و الخروج منه.

يحظر استقبال الغرباء في الدير أو الأوروبيين، إلا إذا كانوا يحملون رسالة من أسقف طور سيناء، المقيم في القاهرة. و علمنا بالأمر في مصر، و حاولنا مقابلة الأسقف المذكور؛ و لكنه كان يقوم بزيارة القسطنطينية؛ فلم نستطع الحصول على رسالة من قبله لكهنة الدير. غير أن سفير إنكلترا في القسطنطينية سلمنا رسالة من البطريرك المعزول الذي أمضى أكثر من ثلاث سنوات في هذا الدير و عاد إليه منذ فترة قصيرة. و لم يخطر في بالنا أبدا أنهم لن يسمحوا لنا بالدخول بناء على توصيته. و انتظرنا وقتا طويلا قبل أن يرسل لنا الكهنة موفدا عنهم. و لما علم أننا أوروبيون، طلب منا رسالة الأسقف، فشرحنا له ما حصل و حاولنا أن نعرض عليه رسالة البطريرك المعزول. و لكن طلبوا منا الانتظار قليلا قبل أن يقترحوا علينا إدخالها من خلال حفرة في السور.

في تلك الأثناء، تجمع العرب الذين رأوا من الجبال المجاورة، وصول أجانب إلى الدير. و يقال إنهم كانوا يطلقون النار على الدير من أعالي الجبال و يختطفون الزوّار عند خروجهم من الدير، و يطلبون فدية مقابل إطلاق سراحهم. كما و أنهم يطلبون مبلغا محددا من كل حاج يحمل الإذن بالدخول إلى الدير، و خلال زيارة الأسقف تبقى بوابة الدير مفتوحة، و يقدم الطعام لكافة العرب الذين يؤمون الدير خلال هذه الفترة؛ و هذا الأمر يكلف الكهنة أموالا طائلة، خاصة و أنهم يعيشون من الصدقات؛ علما أنهم يجلبون مؤنهم من مصر، و تتعرض قوافلهم للسلب في الطريق. و شاهدنا نموذجا عن معاملة العرب للكهنة. و احتد واحد من الذين أتوا بدافع الفضول لمقابلة الأجانب لحث الكهنة على إعطائه خبزا. و لما حاولت تهدئته نعتهم بالوحوش، لأنهم رفضوا إعطاء الخبز لكائن حي دق بابهم جائعا.

خلال انتظارنا أمام بوابة الدير، اغتنمت الفرصة لرسم الصرح و جزء من الجبال التي يطلق اليونانيون على واحد منها اسم جبل سيناء راجعوا اللوحة(XLVIII) . و رسمت لا حقا الدير من زاوية أخرى، و من على مسافة بعيدة (راجعوا اللوحة(XLVIII) ) (*).

و بعد أن درس الكهنة أمرنا مطولا، أعيدت الرسالة دون أن تفض. و اعتذروا عن استقبالنا في الدير، رغم أن الرسالة موجهة من البطريرك؛ فهم لا يستطيعون فضها، لأنها ليست مرفقة برسالة من الأسقف الذي يحق له وحده منح الإذن بالدخول. عدنا إذن أدراجنا حتى نحول دون تجمع المزيد من الناس حول‏

____________

(*) نجد في كتاب نيتشه صورة لجبل سيناء، و لكنها تختلف تماما عن صورتي. و أظنه أخذ رسمته عن اليونانيين دون أن يراها بنفسه، لأنني اشتريت في القاهرة صورة حفرها يوناني على الخشب. و تظهر فيها جبال سيناء و حريب و القديسة كاثرين مصورة بالطريقة نفسها. و يبدو أن الكهنة اليونانيين لم يحظوا حتى اليوم على صورة أفضل لهذه المنطقة المميزة، رغم أنهم يقطنون فيها منذ عدة أجيال و التقيت في منزل اسقف جبل سيناء رساما اسبانيا، أتى من مانيلا إلى القاهرة بعد أن قطع بلاد الهند و الخليج العربي و اعتنق الديانة المسيحية في القاهرة. و كان يرسم المنظر نفسه بالألوان الريفية و لوحته على قدر كبير من الجمال.

208

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

209

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

210

الدير، و نعرض الكهنة للإزعاج فأرسلوا لنا على الفور هدية عناقيد عنب مقطوفة من بستانهم؛ و مما لا شك فيه أنها كانت لذيذة، خاصة و أننا أمضينا وقتا طويلا في التنقل في أراض قاحلة.

و لما تعذر علينا الدخول إلى الدير أردت تسلق جبل سيناء. و علمنا أننا تقدمنا كثيرا في الصحراء.

و كنت أتمنى أن يرافقني أشخاص يعرفون البلاد حق المعرفة حتى يعرضوا علي الأماكن المميزة فيها؛ و لما كنت محاطا بمجموعة من العرب المنتمين إلى هذه المنطقة، كان علي أن أختار الشخص الملائم ليصطحبني اليوم بالذات إلى ذلك الجبل الشهير. و لكن عرض علي الغفراء اصطحابي في الغد، حتى أشبع فضولي. و لاحظ العرب الذين اجتمعوا حول قافلتنا أنني أنوي اختيار واحد منهم لمرافقتي إلى جبل سيناء؛ فتشاجروا حول هذا الموضوع مع الغفراء، ظنا منهم أنهم سيجنون بعض المال. و لكنني لم أكن أعرفهم جيدا، و لا أريد أن أتخاصم مع مرافقينا؛ لذلك فضلت الإذعان لمشيئة هؤلاء المرافقين.

و في صباح السادس عشر من شهر أيلول/ سبتمبر، أحضر لي الغفراء شيخ جبال سيناء؛ الذي انضم إلينا على مقربة من المكان. و قد وقع عليه الاختيار لمرافقتي إلى الجبل مقابل مكافأة جيدة. و فضلت عدم الاعتراض على ذلك، حتى لا أضيع المزيد من الوقت. فعدت إلى الدير مع الشيخ العتيد و أحد الغفراء.

و فضل السيد دو هافن، الذي جرح رجله في السويس، و ذاق الأمرين خلال تسلّق الجبال، حيث وجدنا نقوشا غريبة، فضل العودة مع العرب الآخرين، مسافة ربع ساعة على طريق السويس لأن المكان الذي أمضينا فيه الليل، ليس آمنا على حد قول العرب.

قلت إن طور سيناء يقع جنوبي الدير؛ و هو وعر للغاية و لا يعقل أن يكون موسى قد تسلقه من هذه الجهة. و لكن اليونانيين، شقوا درجات في الأماكن الوعرة حتى يسهلوا على الناس تسلق الجبل. و على بعد مئة قدم من الدير شاهدنا ينبوع ماء لا ينضب أبدا؛ فهو مغطى بصخرة كبيرة تقيه أشعة الشمس و مياه الأمطار. تعلو هذا الينبوع كنيسة صغيرة ركع أمامها الشيخ و المرافق العربيين و راحا يصليان بورع؛ و عند دخولنا إليها قبلا صورة السيد المسيح و العذراء مريم، رغم أنهما مسلمان. و لعلهما رأيا الحجاج اليونانيين يفعلون ذلك فحذوا حذوهم إرضاء لي و بذلت عناء كبيرا لإقناع العربيين بمتابعة الطريق. و بعد أن لاحظا إصراري على الذهاب وحدي، ارتأيا مرافقتي. فاجتزنا بوابتين صغيرتين، تؤديان إلى سهل واسع، فيه مصلى للمسلمين و كنيسة صغيرة لليونانيين. فصلى العربيان أمام الصور و قبلاها كلها بيد أنهما لم يعرفا لمن خصصت هاتان الكنيستان أو أنهما لم يشاءا إخباري بذلك. و كانا يصران على أننا بلغنا قمة جبل سيناء؛ غير أن السيد بوكوك يقول: إن هناك 500 درجة من الدير إلى الينبوع المذكور آنفا و 1000 درجة من الينبوع إلى كنيسة السيدة العذراء و 500 أخرى إلى السهل، حيث شاهدنا الكنيسة المبنية تكريما للنبي إيليا. و يعد بوكوك 1000 درجة أخرى لبلوغ قمة طور سيناء التي لم أصل إليها بعد. رأيت في السهل المذكور، شجرتين كبيرتين اعتاد العرب على ذبح المواشي تحتهما خلال الأعياد و التهامها على‏

211

حساب اليونانيين. و أثناء تسلق الجبل رأيت بعض النقوش العربية على الحجارة و خلتها أسماء فحسب؛ و كان جبل القديسة كاثرين يقع في الجهة الجنوبية- الغربية؛ أما من الطور، فكنا نشاهده في الجهة الشمالية- الشرقية. و استنادا إلى ملاحظاتي الفلكية تقع تور على خط العرض 28 و 12؟؟؟، علما أنها تبعد ستة أو سبعة أميال عن جبلي القديسة كاثرين و سيناء. و تقع حال و عقبة و عيلا في الجهة الشرقية- الجنوبية على بعد خمسة أو سبعة أيام من الطريق، و ذلك استنادا إلى أقوال الشيوخ؛ و لكنني لا أستطيع الاعتماد على كلامهم لأنهم لم يقوموا بهذه الرحلة، من طور سيناء. و لقد أشرت في كتاب «وصف شبه الجزيرة العربية»، إلى أن خليج العقبة ليس بالعرض الذي كما يظهر فيه على الخرائط.

لم أستطع إقناع الشيخ و المرافق بمتابعة الطريق أو بمرافقتي إلى جبل القديسة كاثرين؛ فعدنا أدراجنا و انضممنا إلى القافلة. و في ذلك النهار، غادرنا جبل موسى و ضربنا الخيام في وادي فران.

استنادا إلى ما تقدم، لا يقع الجبل الذي يسميه اليونانيون جبل سيناء، في سهل شاسع كما يظن بعض الناس. كما و أن سيناء اليونانيين يختلف عن سيناء الحقيقي؛ لأن العرب يطلقون على سلسلة الجبال الممتدة من وادي فاران، إلى طور سيناء، حيث يقع الدير، اسم جبل موسى. و يظن العلماء الأوروبيون الذين عاينوا هذه المنطقة بدقة، أن موسى تلقى الشريعة فوق هذا الجبل. و لكننا لا نجد من هذه الجهة، قرب طور سيناء مكانا ليحط فيه شعب إسرائيل- الكثير العدد- رحاله؛ و لعلنا نقع في الجهة الأخرى على سهول فسيحة أو أنهم ضربوا خيمهم قرب جبل موسى و بالتالي في وادي فاران.

و في 17 أيلول/ سبتمبر قطعنا ثلاثة فراسخ فحسب، أي إننا بلغنا مضرب خيام شيخ بني سعيد. تركنا الغفراء وحدنا ليقصدوا بساتين البلح في وادي فاران. و في ذلك النهار انضم إلى قافلتنا شاب عربي ثمل يركب جملا وحيد السنام. و لما علم أننا مسيحيون، امتحن صبرنا، و راح يسخر منا، كما سخر الأوروبي الثمل من اليهود. و يبدو أن العرب البدو يصنعون النبيذ بأنفسهم. و إنني أشكر السماء لأن محمدا حظّر على أتباع القرآن احتساء الكحول المركزة؛ و رغم أن المسلمين يثملون في المدن، فهم يخفون ذلك حتى لا يعاقبوا، أو لأنهم يخجلون من خرق القانون. و لا أذكر أنني شاهدت خلال رحلتي عربيا ثملا و فظا، باستثناء هذا الأخير.

و لقد عاد الغفراء مساء يوم 19 أيلول/ سبتمبر، و تابعنا سيرنا في العشرين منه سالكين الطريق نفسه الذي أتينا منه صباح 21 منه. و سبقت الآخرين، لأتسلق مرة أخرى الجبل الشاهق، الذي أسماه العرب جبل المقطم، و لأنقل بعض النقوش كما أشرت سابقا و انضممت بعد الظهر إلى القافلة قرب سهل وردان المذكور سابقا.

و في 22 أيلول/ سبتمبر اجتزنا نهارا المنطقة التي عبرناها ليلا في طريق الذهاب و لا حظت أن الصخور الوعرة المغطاة بالنقوش الغربية، تحد الطريق من الجهتين؛ و أظنها مشابهة لتلك التي نقلتها من جبل المقطم.

212

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

213

فترجلت سريعا عن وحيد السنام، لتفحّصها عن كثب و نقلها؛ غير أن العرب اعتبروا ذلك مضيعة للوقت؛ فبذل السيد دوهافن جهده لإقناعهم بالانتظار قليلا؛ فنقلت النقوش ه، و، ز، ط، ي، ك، ل، م، ن، خلال هذا الوقت القصير (راجعوا اللوحات ش، أXLIV ). قال لنا تاجر يوناني في القاهرة، إنه على حافة الطريق المؤدية إلى جبل سيناء، نجد ممرا ضيقا يعرف بأم الرجلين تكثر فيه النقوش المنحوتة على الصخر. لست أدري لماذا ادّعى العرب أنهم لا يعرفون اسم هذا المكان و لا سمعوا عن النقوش الموجودة فعلا. و الواقع أنه قلما أثارت هذه النقوش اهتمام الغفراء، و إلا لأطلقوا على أم الرجلين اسم جبل المقطم أيضا أو على أي صخرة أخرى مغطاة بالنقوش؛ و لو فعلوا ذلك لما اكتشفنا المقبرة، المصرية القديمة، التي تحدثت عنها سابقا.

و حين نشر أسقف كلوغر، كتاب «رحلة قس فرانسيسكاني من القاهرة إلى طور سيناء»، كان أول شخص يلفت انتباه العلماء إلى نقوش الصحراء و لكن نيتشه أتى على ذكرها في كتابه‏Sieben Y ?johrige Weltbeschaug ص 145، 149، 153، 158، 167. كما نجد صورا عدة في كتاب مونكونيس «رحلات» ص 449، و في مؤلف بوكوك (راجعوا اللوحتين 54 و 55). استنادا إلى تقرير مدير دروس الآباء الفرانسيسكانيين، و لا أظن أن الجبال المغطاة بالنقوش التي شاهدها، تبعد كثيرا عن المكان الذي قصدناه. علاوة على ذلك لا أخالها مثيرة للاهتمام أكثر من تلك التي نقلتها أنا و بوكوك؛ كما و أنها لا تستحق أن يتكبد علماء أوروبا عناء فك رموزها؛ فهي لم تحفر يدويا على الصخر بل بواسطة خنجر مستدق الرأس على السطح الخشبي منها. فضلا عن أن خطوطها ليست متساوية و لا مستقيمة. و لا أظنها تدل على شي‏ء باستثناء أسماء الرحالة الذي حذوا حذو اليونانيين الذين يحفرون أسماءهم على جبل سهل و رسان، المذكور آنفا. و النصب التذكارية فقط هي التي تدل على الذرية و هي التي تثير اهتمامي؛ و أظن أن الحجارة القبرية التي عثرنا عليها على الجبل، كما أشرت سابقا، و النقوش التي شاهدتها على صخرة برسيبوليس تنتمي إلى هذا النوع. فصخرة برسيبوليس تمتاز بصلابتها و استوائها، أما الخطوط التي تغطيها فهي مستقيمة، و حروفها واضحة.

و نقل السيد دوناتي، النقوش س، من الصحراء و أعطى نسخة عنها لأسقف طور سيناء. و خطر لي أن أدرجها في هذا الفصل، لأن حروفها تختلف عن تلك التي عثرت عليها في هذه المنطقة و لأنه لم تسنح لهذا العالم الإيطالي فرصة العودة إلى أوروبا، و قد لا تطبع أوراقه أبدا.

و في سبيل قياس عرض الخليج العربي ابتعدت في 24 أيلول/ سبتمبر عن القافلة، حوالي 5 أميال جنوبي السويس، باتجاه سهل العطي أو الطواريق، كما يقول العرب. و استنادا لملاحظاتي و حساباتي، كانت تبعد حوالي ثلاثة أميال. و لكنني لم أستطع هذه المرة أيضا بناء قاعدة طويلة لأقيس العرض بدقة.

و في 25 منه عدنا إلى السويس، و وجدنا أن السيد بورانفيد قد تماثل للشفاء. و أكد لنا الغفراء أننا قد

214

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

215

نضطر لحط رحالنا بضع ساعات قبالة المدينة، نظرا لحركات مياه البحر، إلا إن كنا نفضل أن ندور حول الخليج أو اجتيازه في زوارق صغيرة. و عند وصولنا، لم يكن منسوب المياه قد ارتفع كثيرا، فعبرنا ساعد النيل الشمالي و بلغنا أنقاض كلثوم الواقعة غربي الخليج.

لا أذكر أنني قرأت يوما أن أوروبيا اجتاز البحر الأحمر قرب السويس مشيا على الأقدام. و لعل منسوب المياه كان مرتفعا عند عودتنا من طور سيناء، فارتأوا اجتياز الخليج في الزوارق بدلا من البقاء في الصحراء. فعند ارتفاع منسوب المياه، تكثر الزوارق الصغيرة، التي يسارع أصحابها إلى الضفة عند مشاهدتهم الرحالة العائدين من جبل سيناء، أو العرب الذين ينقلون المياه من بئر نبا. غير أننا لم نشاهد أي زورق على الضفة الشرقية للخليج، عند وصولنا (*).

و لقد قست قرب السويس عرض الخليج بدقة بالغة؛ فوضعت الإسطرلاب على الضفة الشرقية للبحر؛ و كان عرض القاعدة يبلغ 83 قدما مزدوجة؛ و وجدت أن الزاوية بين قاعدتي و الطرف الجنوبي- الشرقي للمدينة تبلغ 76، 5؟؟؟؛ و يمكننا الاستنتاج بالتالي أن عرض ساعد البحر الأحمر يبلغ 757 قدما مزدوجة أو 3450 قدما. يغطي المد الجزر المجاورة للسويس؛ أما بعضها الآخر فمرتفع جدا عن سطح المياه حتى أننا نستطيع مشاهدتها خلال المد العالي.

و مما لا شك فيه أن عبور الإسرائيليين من هذا المكان، زاده شهرة؛ و كان علي بالتالي أن أرسمه بدقة متناهية. غير أنني وضعت هذه اللوحات في كتاب «وصف شبه الجزيرة العربية»، و لم أشأ إعادة نشرها من جديد. و تمثل اللوحة 20 في هذا الكتاب رحلتنا من القاهرة إلى السويس، و اللوحة 33 رحلتنا إلى جبل سيناء، و اللوحة 34، رسم طرف الخليج العربي، و مدينة السويس. رسمت اللوحتين الأوليين، بناء على الملاحظات التي دونتها خلال رحلتي مع القافلة. و لكني اضطررت للمخاطرة و الابتعاد وحدي عن المدينة، بغية رسم اللوحة الأخيرة؛ و كانت مخاطرة فإن صادفنا في هذه المنطقة عربا رحلا، تعرضنا للسطو، أكثر من احتمال ذلك في الصحراء. إذ لم يتجرأ أي عربي على مرافقتي في هذه النزهة، باستثناء شاب شجاع؛ فغادرنا السويس سالكين الخط؛ كما ورد في اللوحة 34، و اتجهنا غربا على طول الضفة، بغية الوصول إلى سفح جبل عتقة؛ لكنني وجدت الدرب طويلة جدا؛ فاتجهت شمالا نحو بئر السويس، لنعود بعدها إلى البلدة. و خرجنا من السويس في اليوم التالي، و درنا حول طرف الخليج، وعدنا إلى البلدة في القارب برفقة العرب المحملين بمياه بئر نبا. و ما إن شاهد مرافقي العرب من بعيد حتى راح يرتجف‏

____________

(*) يتحدث كريستوفر فورير عن هذا المكان في وصف سير رحلاته، ص. 41- 74. لكن وصف بيترو ديلا فالي له أقرب إلى الواقع؛ فهو يقول بلغنا بقعة يسميها العرب موية، تكثر فيها القوارب التي تنقل أولئك الذين يريدون الذهاب إلى السويس الواقعة على الطرف الآخر للبحر، على الضفة الشرقية؛ أما الذي يفضل الانتقال برا، فعليه أن يدور حول الخليج؛ و لكن البحر ضيق جدا في هذه البقعة، فصعدت إلى القارب برفقة أصدقائي و عبرت البحر بشكل يختلف عن عبور العبريين له. بينما ذهبت الجمال برا.

216

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

217

خوفا؛ غير أن من حسبناهم أعداء كانوا يخافون منا أيضا؛ و كان أحد رجال العرب الذين رأيناهم من بعيد يمتطي جمله، و يتأرجح في الهواء؛ فخلته في البداية شبحا غريبا؛ و لكن اتضح لي لا حقا أنه تأثير انكسار الأشعة فحسب. و خلاصة الكلام قمت بالدراسات اللازمة لوضع خارطة طرف الخليج الغربي؛ و أظن أنني استطعت معاينة هذه المنطقة أكثر من أي أوروبي آخر. و تجدون في اللوحة(LI) منظرا عاما لمدينة السويس، كما رسمه السيد بورانفيد.

و لقد بدا لي ساعد الخليج المجاور للسويس ضيقا للغاية حتى يطوي في جوفه الفرعون و جيشه؛ كما و أنه لم يخطر في بالي خلال إقامتي في السويس أن الإسرائيليين قد عبروا البحر الأحمر قرب كلثوم؛ و ذلك لأنني لم أحدد الساعة التي عبرنا فيها البحر في هذه النقطة، خلال عودتنا من جبل سيناء. و لكن بعد أن عاينت الخرائط التي رسمتها لهذه المنطقة، و قرأت كتب المؤلفين الآخرين الذين تحدثوا عن هذه الحادثة، تأكدت من أن الإسرائيليين عبروا من هنا، كما سبق لي أن أشرت في كتاب «وصف شبه الجزيرة العربية». و أتمنى على الرحالة اللاحقين أن يعاينوا أنقاض كلثوم بدقة أكبر.

و لم أستطع جمع معلومات وافية عن القناة المتصلة بالنيل، و تلك التي تصل البحر الأبيض المتوسط بالخليج العربي؛ كما و أنني لم أنجح في إقناع العرب بمرافقتي في نزهة في الجوار، إذ زعموا أن أعداءهم يقطنون في هذه البقعة. و لم أشاهد في المناطق المجاورة للسويس إلا وادي مصيحة، الواقع بين بئر السويس و المدينة. فبعد هطول الأمطار بغزارة تتجمع المياه في الوادي بكثرة فينقل السكان بعضا منها؛ و بعد أن تجف ينبت العشب مكانها.

***

218

الرحلة من السويس إلى جدة

خلال رحلتنا إلى طور سيناء، وصلت إلى السويس قوافل عديدة صغيرة، فمعظم التجار و الحجاج الذين يريدون الذهاب إلى جدة بحرا، لا يغادرون القاهرة إلا قبل إبحار السفن بقليل و يشكّلون قافلة كبيرة.

و وصلت هذه القافلة في 29 أيلول/ سبتمبر، و أصبحت مدينة السويس فجأة أكثر ازدحاما من القاهرة مقارنة مع حجمها. و إن لم نسمع بقراصنة في الخليج العربي. يفضّل السفر ضمن قوافل، و كان ينبغي أن تبحر أربع سفن في آن واحد، ربما كي تعظم القوافل الآتية من القاهرة إلى السويس فتتمكن من مواجهة العرب، و ربما خوفا من البدو في محيط طور الذين نهبوا مركبا رسا وحيدا في المرفأ، كما ذكرت آنفا.

لكن المسافرين كلهم حجزوا أماكن معينة لهم على المراكب، و كان بعض تجار القاهرة قد زودونا برسائل توصية لريّسين، فتفحصنا مركبيهما، و حجزنا لنا وحدنا الغرفة العليا في المركب الأكبر، كي نتبعد عن المسلمين حين نود البقاء في معزل عنهم. و بالرغم من أننا سافرنا من قبل مع مسلمين بحرا و برا، و بالتالي اعتدنا عليهم، لم نشعر قط بخوف كخوفنا من هذه الرحلة بين السويس وجدة، لأننا كنا لا نزال نعتقد أن المسلمين يعتبرون المسيحيين غير جديرين بالقيام بهذه الرحلة التي يعتبرونها مقدسة. و أكد لنا اليونان أننا سنمنع من انتعال الأحذية على المركب للسبب نفسه، و هذا بالفعل ما تمّ إعلامنا به ما إن غادرنا غرفتنا. و لا أظن أن السبب يعود إلى أن المسلمين يعتبرون الرحلة مقدسة بل لأنهم ينظرون إلى سطح السفينة كله كشقة لذا يخلع الجميع حذاءه. و نجد على المركب العديد من الحجاج البسطاء الذين ينظرون شزرا إلى المسيحيين، شأنهم في ذلك شأن راهب من الفرنسيسكان يصادف في طريقه إلى القدس ملحدين أو مشككين. و حين لا حظ بعض المسلمين خوفنا، استفادوا من الوضع على حسابنا، كما يفعل المسيحيون مع اليهود، و هم يعلمون أن هؤلاء لن يتجرؤوا على الرد، و نادرا ما يدافع عنهم العقلاء من المسيحيين، طالما أن الأمر لا يتعدى السخرية. إذا، لم نكن مرتاحين خلال الرحلة، لكن لحسن الحظ كان لدينا غرفتنا الخاصة التي لا يدخلها أحد من دون إذننا، و استطعت أن أقوم فيها بدراساتي الفلكية من دون أن أتعرض للإزعاج. و بالرغم من أن وجهتنا هي الجنوب، كنا نبحر معظم الوقت نحو الشرق إذ تمكنت من رؤية الشمس في الهاجرة بسهولة من على متن السفينة، و عند ما ترسو كانت مؤخرة السفينة تتجه نحو الجنوب بسبب الرياح الشمالية المستمرة.

و لقد كانت سفينتنا محمّلة للغاية، و كان هناك في الغرفة السفلى و الأكبر من غرفتنا ما يفوق الأربعين امرأة و جارية مع أولادهن. و أقام قبالة غرفتنا خصي أسود ثري، كان متجها إلى المدينة، و كان يملك كالأسياد الأتراك حريمه الخاص. و أحاط كل تاجر المكان الذي حجزه على ظهر السفينة بالصناديق و الطرود، فلم يبق له سوى مكان ضيق يغلي فيه قهوته و يحضّر نرجيلته، و ينام فيه. و لم يكن سطح‏

219

السفينة محملا بالأشخاص و البضائع فقط، إنما علّق العديد من الطرود الخفيفة على جوانب السفينة الخارجية. و لا تقوم هذه السفن إلا برحلة واحدة سنويا بين السويس وجدة، لذا أظهر البحارة عدم مهارة، و افتقروا إلى المساحة اللازمة للعمل، فعند ما ينبغي طوي الأشرعة، كانوا ينزلون السارية، و كان البحّارة، و هم بغالبيتهم من اليونان، يضطرون أحيانا إلى الدوس على بضائع التجار، فتنشب الخلافات بين الطرفين. و لقد كان ريس سفينتنا،- و يدعى شريب(Schoreibe) - تاجرا من القاهرة، و غير خبير بقيادة السفن لذا أوكل الأمر لربانيه اللذين بقيا على مقدمة السفينة للتنبه بنفسهما للصخور الناتئة في المحيط.

و أظن أنهما أكثر مهارة و انتباها من الربابنة الأوروبيين الذين يبحرون دوما في عرض البحر، لأنهما تمكنا من الانتقال من السويس إلى جدة قرابة الشاطى‏ء و عبر الأرصفة البحرية المتعددة. أما مراكب الإنقاذ فغير موضوعة على سطح السفينة كما في أوروبا بل معلقة وراءها، و كان مركبنا الذي يتسع لأربعين أو خمسة و أربعين مدفعا، يحمل أربعة مراكب، يرفع أكبرها شراعا. أما المراكب الباقية فتجرها السفينة، و نجد فيها كلها باستثناء أصغرها، مسافرين و جيادا و خرافا، و نساء من العامة يقصدن مكة لنيل لقب حاجة أو للبحث عن الثروة خلال الرحلة. و لحسن الحظ، يهب الهواء باستمرار على الخليج العربي، و إلا لما أبحر فيه أحد، بعد كل ما ذكرته.

و لو أننا أبحرنا على متن مركب أوروبي، لما اضطررنا إلى الصعود إليه أولا، لكن بما أننا كنا نعرف أن سطح سفينتنا كان سيمتلى‏ء بالصناديق و الطرود، ركبنا في 5 تشرين الأول/ أكتوبر، كي لا نحتك بالمسلمين الذين سنمر أمامهم محملين بمتاعنا. و كنا قد دفعنا كلفة السفر من السويس إلى جدة سلفا، ما إن اتفقنا مع قائد السفينة، كما أعطينا البحارة بعض المال قبل أن ينقلوا أغراضنا إلى متن السفينة، و فاجأنا ذلك، فاضطررنا للخضوع لعادات البلاد. و نجد في الشرق، كما في أوروبا، مسافرين يعدون البحارة بمكافآت عظيمة، و لا يعطونهم شيئا في نهاية المطاف، لذا يطالب بحارة السويس بالدفع سلفا، و حين يصلون إلى جدة، يغادر المسافرون السفينة من دون أن يسألوهم مزيدا من المال.

في 6 و 7 من الشهر نفسه، صعد التجار إلى متن السفينة. و في ذاك اليوم، و عند الظهر، قست ارتفاع الشمس، و وجدت أن سفينتنا في مرسى السويس تقع على خط عرض 29؟، 55؟، و يبلغ ارتفاع المياه أربع باعات و نصف الباع. و لم يركب الريّس إلا في 8 تشرين الأول/ أكتوبر، أما الأمر الوحيد الذي بقي يؤخر إبحارنا فهو عادة حاكم السويس بتفحص كافة السفن التي توشك على الإبحار للتأكد من أنها غير محمّلة كثيرا، أو على الأرجح ليجمع المال بفضل هذه المهمة الموكلة إليه، و هذا ما فعله في التاسع من الشهر نفسه قبل الظهر. و ما إن غادر حتى أبحرت قافلتنا المؤلفة من أربعة مراكب، و دارت ساعة و نصف للتأكد من أنها محملة كما يجب، بعدها، رسونا في مكان يبلغ عمق المياه فيه 14 باعا، و تم نقل البضائع من جهة إلى أخرى في كل مركب، استنادا إلى رأي الريّس بغية تسهيل الملاحة.

و بغياب الصخور البارزة بين السويس و جيروندل(Girondel) ، أبحرت السفن الأربع في 10 تشرين‏

220

الأول/ أكتوبر بعد منتصف الليل بنصف ساعة، و وصلنا قرب جيروندل قبل الظهر، و بما أن السفن لم تعتمد الذهاب أبعد من ذلك في اليوم الأول، رسونا قرب الشاطى‏ء في مياه يبلغ عمقها 13 باعا، و على خط عرض 29؟، 10؟. و نزل كل من السيد فورسكال و السيد كرامر إلى اليابسة لرؤية حمّام فرعون الواقع إلى الجنوب، لكنهما وجدا الطريق طويلة فعادا. إن هذا الجزء في الخليج العربي، المسمى بركة فرعون، و الذي سنمرّ فيه أعرض بكثير من الدرب بين السويس و جيروندل، لكنه ليس خطيرا بالنسبة للسفن المبحرة نحو الجنوب. و أبحرنا في الساعة التاسعة مساء، و في الحادي عشر رأينا الكثير من الأرصفة المرجانية التي لم نكن لنمر من بينها من دون أن يحدق بنا الخطر إذا ما هبّت رياح معاكسة. لكن الرياح كانت مؤاتية، فوصلنا في الثالثة من بعد الظهر قرب الطور(To ?r) ، خلف رصيف مرجاني تكاد لا تخفيه المياه أثناء الجزر، و رسونا في مياه يبلغ عمقها 5 باعات و 2/ 3 الباع. و ينتصب تمثال حجري على الطرف الأكثر ارتفاعا لهذه الصخرة، ينبّه البحارة إلى وجوب توخي الحذر، علما أن الأرصفة المرجانية تكثر على هذا الشاطى‏ء. و نظريا، يبلغ عرض البحر هنا أكثر من خمسة إلى ستة أميال، و تشير البوصلة من السويس إلى طور تقريبا إلى الجنوب و الجنوب الشرقي أو الجنوب الشرقي الجنوب، و تميل سلسلة الجبال، التي تمتد من حمّام فرعون على طول الشاطى‏ء إلى داخل البلاد على بعد حوالي فرسخ و نصف إلى الشمال من تور، ثم تتجه نحو الجنوب، و تشكل على الشاطى‏ء سهولا واسعة ترتفع فيها التلال حتى رأس محمد.

و تبين لي من دراستين دقيقتين أننا كنا على خط عرض 28؟، 12؟، كما يقع جبل القديسة كاثرين، و هو أعلى من الجبال الأخرى المحيطة به و بالتالي أعلى من جبل سيناء إلى الشمال الشرقي، و قد رسم السيد بورنفايند هذا المنظر على اللوحةLI .

يحيط بمرفأ طور العديد من القرى الصغيرة، و كانت قلعة الطور فيما مضى حصنا، لكنه تداعى و لم تقم فيه حامية منذ مدة طويلة. و يعيش في البلاد النصارى الروم، و يملك الرهبان ديرا في المكان الذي قامت فيه إيليم(Elim) على ما يدّعون. و يقيم المسلمون في قرية شاذلي قرب بلاد النصارى، و يعيش سكان هذه المنطقة من الصيد، و يقع البئر الذي يؤمن حاجاتهم من مياه عذبة قرب المكان الذي رسونا فيه، و هي مياه أفضل من مياه آبار نابه(Naba) قرب السويس، لكنها ليست بأعذب من المياه التي يزود بها العرب السفن حين ترسو في هذا المكان و التي يحملونها على الجمال من المناطق الجبلية. و تثير قرية الجبل الاهتمام، إذ يقيم فيها كافة الربابنة الذين يقودون السفن من السويس إلى جدة و يعيدونها من جدة إلى السويس. و يتلقى كل ربّان 500 ريال مقابل كل رحلة، فضلا عن الأرباح التي يجنيها و الأموال التي يقبضها من أولئك الذين يعلّمهم مهنته، لأننا عادة ما نجد على متن السفينة فتيانا أتوا لتعلم هذه المهنة أو على الأرجح لتعلّم كيفية التنبه للأرصفة الرملية و الأرصفة المرجانية و اكتشافها.

رسمت على اللوحة(LII) خارطة محيط طور، استنادا إلى نظري و إلى روايات الربابنة لا استنادا إلى‏

221

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

222

دراسات هندسية كانت لتعرضني للخطر. و كان السيد فورسكال الوحيد الذي ابتعد أكثر من بئر طور، و لم يجد في بلاد النصارى سوى كاهن واحد، أكرمه في منزله و أرسل معه مرافقين حتى اليم المزعومة حيث رأى العديد من الحدائق المزروعة بالنخيل و التي يملك جزءا منها الروم و الجزء الأخير المسلمون. و قد أثار غيابه الطويل تساؤل العرب، و أعلموا بعض الانكشاريين من القاهرة، فقرروا البحث عن الإفرنجي الذي نزل إلى البرّ لرسم جبالهم، و سارعوا إلى بلاد النصارى، و صادفوا السيد فورسكال و هو عائد من الحدائق فأعادوه إلى السفينة على الفور و بكل أمان. هل نجد الكثير من المسيحيين الذين يتكبدون مشقة قطع نصف فرسخ لإنقاذ يهودي لا يعرفونه من خطر محدق؟ لم أكن أتوقع هذه الشهامة و هذا الكرم من المسلمين بشكل عام و من الانكشاريين بشكل خاص. لكن هؤلاء كانوا من التجار الذين اعتادوا التعامل مع الأمم الأجنبية، فظنوا أن من واجبهم حمايتنا، كأجانب نبحث عن أمننا بينهم.

و في الرابع عشر من تشرين الأول/ أكتوبر، خرجنا من مرفأ طور بعد أن هبّت رياح رملية، و توجهنا نحو الجنوب أولا، ثم نحو الجنوب الشرقي و ذلك بين أرصفة المرجان. و بعد الظهر رسونا قرب رأس محمد أو رأس محمود كما يقول البعض، على عمق 10 باعات. و بعد قياس ارتفاع نجمتين، تبين لي أننا على خط عرض 27؟، 54؟، تقريبا، علما أن الأفق لم يكن صافيا كليا، لكن هذه الملاحظة دقيقة بما يكفي لتصحيح الخرائط البحرية. لا حظت أن البحر أعرض هنا منه قرب طور، و يمتد الشاطى‏ء أبعد نحو الجنوب ثم نحو الشرق حيث نجد الخليج الثاني للبحر الأحمر و الذي يمتد حتى العقبة. و حتى الآن، لم نبحر سوى قرب اليابسة، و رسونا كل ليلة، لكن بين رأس محمد و شاطى‏ء شبه الجزيرة العربية، اضطررنا للإبحار في عرض البحر لأيام و ليال عدة. و سيعتبر كل أوروبي هذه الطريق آمن من الطريق بين السويس و جدة في غياب الأرصفة المرجانية و الصخور، لكن المسلمين، الذين لم يعد باستطاعتهم رؤية اليابسة، اعتبروها خطرة، و كانوا يفضلون على الأرجح لو مررنا من رأس محمد إلى جزيرة تيران(Tyr n) و منها إلى شواطى‏ء شبه الجزيرة العربية، لكن الرياح كانت مؤاتية لنا للسفر في طريق مستقيم. و بقيت الرياح شمالية إلى شمالية غربية فتمكنا من التوجه نحو المرفأ الذي نصبو إليه.

في 15 تشرين الأول/ أكتوبر و عند الظهر، كنا على خط عرض 27؟، 29؟، و كنا قد مررنا صباحا أمام جزيرة سفن البحر(Saf ni el Bahhr) ، و كانت جزيرة شدوان(Schedu n) مباشرة إلى الغرب على بعد 4 أميال، و بالتالي على خط العرض نفسه. و كانت جزيرة تيران الواقعة أمام بحر العقبة إلى الشمال الشرقي على بعد حوالي 5 أميال (استنتجت ذلك من تغييرات البوصلة) و على خط عرض 27؟، 43؟.

و عند غياب الشمس، كانت الشواطى‏ء المصرية لا تزال بادية أما شبه الجزيرة العربية فغابت عن أنظارنا.

ثم في 16 من الشهر نفسه، و عند الظهر، كنا على خط عرض 26؟، 9؟، أما عند المغيب فأصبحنا على خط عرض 25؟، 54؟، و شاهدنا على الشاطى‏ء المصري جبال الزمرد التي تحدث عنها الكتّاب‏

223

القدامى من يونان و عرب. إذا ما احتسبنا وسط كافة الاتجاهات التي سلكناها، و استنادا إلى بوصلتنا الخاصة نجد أننا أبحرنا باتجاه الجنوب و الجنوب الشرقي منذ رأس محمد. و لم يتبع ربابنة السفن الاتجاه نفسه حتى و إن كانت الرياح مؤاتية للغاية. و وضع الريس بين بوصلتيه- حيث يضع الأوروبيون عادة الضوء- قطعة كبيرة من المغنطيس، ظنا منه أنه يحافظ على مزاياهما، لأنه قيل له إن المغنطيس يعيد المزايا لمن فقدها. و نستنتج من ذلك، جهل البحارة في هذه البلاد لذا لم نلاق صعوبة في إقناع الريس بنزع المغنطيس من مكانه لأنه يضلل البوصلة.

و في 17، تحضرت في الجانب الصغير وراء غرفتنا لمراقبة كسوف الشمس، و سجلت نهايته عند الثانية عشرة و 28 ثانية ظهرا بواسطة منظار كبير بأربع قوائم. و منعتني حركة السفينة، و إن كانت خفيفة، من تحديد خط الطول، لا سيما و أنه كان يتوجب عليّ تحديد ارتفاع القطب، و استخدام ثمن الدائرة حينا و المنظار حينا آخر. و كنا على خط عرض 25؟، 33؟، و بعيدين عن شاطى‏ء شبه الجزيرة، فبالكاد نرى جبل الغراب. و أبحرنا خلال ال 24 ساعة الأخيرة تقريبا نحو الجنوب و الجنوب الشرقي.

و حدّث السيد فورسكال ريسنا مسبقا عن الكسوف الذي سيحدث في ذاك اليوم، و لإسعاده و القيام بتجاربي من دون التعرض للإزعاج، قمت بتسويد بعض العدسات التي استخدمها السيد فورسكال ليشاهد الريّس و بعض التجار هذه الظاهرة و قد أعربوا جميعا عن رضاهم. و يعتبر الذين يستطيعون التنبؤ بالكسوف بين المسلمين أطباء ماهرين، عالمين بالقوانين الدينية و المدنية، فاقتنع المسلمون أن السيد فورسكال طبيب عظيم لأن الواقع أظهر صحة تنبوئه، فكثر المرضى بينهم. و طلب كل منهم دواء لمرضه المزعوم، و أشار إليهم الطبيب الجديد بالعلاج الأفضل، فنصح العديد منهم بالنوم و باتباع حمية غذائية أفضل. و أخيرا، تقدم منه حاج اشتكى من أنه لا يرى شيئا أثناء الليل، فنصحه السيد فورسكال بإشعال شمعة فأثارت هذه النصيحة موجة من الضحك، و بدا أن جميع المرضى السابقين أضحوا أصحّاء. و لا يكسب العلم الأوروبي عطف المسلمين و احترامهم دوما، بل ينجح في كسبهما إذا ما اتّبع عاداتهم و احترمها، و هكذا كسب السيد فورسكال، مع القليل الذي يعرفه عن الطب، محبة العرب أكثر من أيّ طبيب عظيم.

و في 18 تشرين الأول/ أكتوبر، كنّا على خط عرض 25؟، 4؟، كان جبل هوان(Hawa Y ?ne) ، الذي يقع على شاطى‏ء شبه الجزيرة العربية، على بعد خمسة أميال إلى الشمال الشرقي، أي إنه يقع على خط عرض 25؟، 5؟. و خلال الأربع و عشرين ساعة الأخيرة، أبحرنا تقريبا نحو الجنوب الشرقي و الجنوب، و كذلك الأمر بالنسبة للأربع و عشرين ساعة اللاحقة. في 19 تشرين الأول، ظهرا، كنا على خط عرض 24؟، 10؟، و كانت أكبر جزيرتي حسّاني و أكثرهما إلى الجنوب إلى شمال مركبنا، على بعد حوالي ثلاثة أميال و نصف. و ترسو المراكب الآتية من رأس محمد عادة قرب هذه الجزيرة، و هي تقع على خط

224

عرض 24؟، 24؟. و بعد الظهر دنونا من الشاطى‏ء بعد أن درنا حول رصيف مرجاني كبير، و رسونا قرب مهار(Mahar) . فأرسل الريّس بطلب عربيا كان يمشي على الشاطى‏ء ليسأله إن كانت القبائل المختلفة في حالة حرب أم في حالة سلم. و وصل أحد المراكب التي أبحرت معنا من رأس محمد في اليوم نفسه أما المركبان الأخيران فلم يتمكنا من اللحاق بنا.

و بما أن الرياح كانت مؤاتية للغاية، نجونا من الخطر المحدق بنا، فاثنان من المراكب الثلاثة التي انطلقت متأخرة قليلا من السويس في السنة الماضية، غرقت في هذه المنطقة. و كان على متن سفينتنا، بعض الأشخاص الذين مرّوا بهذه التجربة، ورووا لنا أن عاصفة فاجأتهم قرب حسّاني، فسادت الفوضى في السفينة، و سارع الركاب و البحارة إلى مراكب الإنقاذ و توجهوا نحو اليابسة، ورأوا من هناك المركب الأول يتكسّر على الصخور. و عند المساء، هدأت الرياح، و شاهدوا في اليوم التالي المركب الثاني يطوف على سطح الماء، مما دفع بالريس و بحارته إلى العودة نحوه، لكنه عاد و غرق قبل أن يغادروا اليابسة. و قام الريّس الثالث بعمله بشكل أفضل، إذ خشي أن يلوذ البحارة بالفرار ففك الحبال التي تربط مراكب الإنقاذ بالسفينة ما إن عمّت الفوضى بين الركاب، و عرّض نفسه بالتالي لغضبهم. لكن حين عرض لهم المخاطر التي تتعرض لها سفينة من دون قبطان، و حين ادّعى قدرته على إنقاذهم و بضائعهم، إذا ما أفسحوا له و لرجاله المجال ليعملوا، هدؤوا و ساهموا في العمل، و استطاعوا النجاة، فأكملوا طريقهم و وصلوا بأمان.

و كادت تحلّ بمركبنا كارثة غير الغرق بين رأس محمد و حسّاني، و ذلك بسبب طيش النساء اللواتي يسكنّ الغرفة السفلى و التي يزعجننا دائما بصراخهن و نقاشهن، فقد شبّ حريق مرتين بسبب قطع من القماش، و كاد هذا الحادث أن يؤدي بنا إلى كارثة لو لم يصرخن طلبا للنجدة. و حين شبّت النيران للمرة الثانية، خاف المسلمون، مما اضطر الريس إلى إرسال أحد البحارة إلى الحريم، فأخذت النساء أولا بإصدار أصوات مزعجة تمّ حلّ صمت عميق دام 24 ساعة من دون انقطاع.

بعد اجتيازنا الدرب المهلكة بين رأس محمد و حسّاني، عمّت السعادة، و أطلق المدفع طلقات عدة.

و عند المساء، تمّ إشعال كافة القناديل و المصابيح، و أطلقت النار ابتهاجا، و تعالت الزغاريد الشائعة بين الشرقيين من الجهات كلها. و توقّع الربان مكافأة جيدة من المسافرين لقاء الخدمات العظام التي قدّمها، كما طلب البحارة بعض المكافآت الصغيرة لقاء تعبهم و سهرهم طوال الليل. و استخدم هؤلاء مركبا صغيرا، كما يصنع الأولاد في أوروبا، لجمع المكافآت، ثم رموه في البحر، و لم يجمعوا الكثير لأن لكل واحد من الركاب الحرية في إعطاء ما يشاء.

و في 20 تشرين الأول/ أكتوبر، و عند شروق الشمس، أبحرنا من جديد، و كان الهدوء سائدا، و كنا عند الظهر لا نزال على خط عرض 24؟، 32؟. و كانت مهار(Mahar) تبعد عنّا حوالي فرسخ و نصف إلى الشمال و الشمال الشرقي، إذا، نستنتج أننا رسونا على خط عرض 24؟، 37؟، و بعد الظهر، رسونا إلى الجنوب في أبي دبي(Abu D bea) و هي على خط عرض 28؟، 28؟، و يصل ارتفاع المياه فيها إلى عشرة باعات، و تمتد أرصفة المرجان على طول 200 قدم. في 21 من الشهر نفسه، و منذ الصباح،

225

كانت الرياح معاكسة تماما، لكنها ما لبثت أن تغيرت، و تقدمنا نحو الجنوب و الجنوب الشرقي.

و عند الظهر، كنا على خط عرض 24؟، 24؟ و كانت جبال النبط(Nabat) مباشرة إلى الشرق أمام جبال رضوى(Radwa) الكبيرة. و عند المساء، درنا حول جمم أو السبعة رؤوس و الخطر يحيق بنا لأن الصخور تكثر في هذا المكان، و كان الظلام قد حلّ، و ريسنا قد ثمل. فما إن وصلنا إلى متن السفينة حتى طلب منا الكحول بحجة أنه لا يمكنه التعرف على الشواطى‏ء و الجبال ما لم يشرب القليل من الخمر، فرفضنا إعطاءه لأنه مسلم و لكي لا نقع في متاعب مع المسافرين الآخرين في حال ثمل، و كان يطلب منا كل صباح ربع زجاجة عن طريق خدمه، و لعل التجار اليونانيين اعتادوا إعطاءه الكحول. ثم في وقت متأخر من تلك الليلة، رسونا قرب قبة ينبع(Kubbet Yanbo) ، و هي جزيرة صغيرة تحوي رفات قديس مزعوم.

في 22، لم نتمكن من التقدم بسبب الرياح المعاكسة، التي هبّت من الشرق نحو الجنوب و إلى الغرب، و سجلت ظهرا، ارتفاع القطب، و وجدت أن قمة ينبع تقع على خط عرض 24؟، 14؟. و في اليوم التالي 23، أبحرنا نحو الجنوب الشرقي و الجنوب، و عند الظهر كنا على خط عرض 24؟، 10؟، و صادفنا رصيف مرجاني إلى الغرب، و القسم الجنوبي لجبال رضوى الشاهقة في الشمال الشرقي. و كانت السماء ملبّدة بالغيوم، أثناء هذين اليومين، ثم مررنا بعد الظهر أمام مرسى جيد، يطلق عليه اسم شرم، و رسونا قرب مدينة ينبع. إننا لم نر منزلا واحدا منذ غادرنا طور. و الآن ظهرت مدينة ينبع تحيط بها الأسوار، و يبدو منظرها العام جيدا من جهة البحر، أما مدخل المرفأ فضيق للغاية، لكن المرفأ بحد ذاته آمن حتى أننا لا نحتاج لإنزال المرساة، لذا اكتفينا بربط حبل من سفينتنا بحجر من رصيف المرجان الذي تغطيه المياه بالكاد أثناء الجزر.

و لقد غادر المسافرون الذين ينوون التوجه إلى المدينة مباشرة و من ضمنهم الخصي الذي ذكرته سابقا. و تمّ تحضير مركب الريس الخاص له و لبعض المسافرين ذوي الشأن، و لوّث أحد أعضاء بعثتنا هذا المركب إذ لم ينتبه إلى أنه تحت غرفتنا، مما أغضب البحارة الذين نظفوه و غطوه بالسجاد. و لحسن حظنا، لم ينس أحد طيش النساء اللواتي يسافرن في الطبقة السفلى، فاتهمن بهذه الفعلة بالرغم من إنكارهن لذلك. و كانت غرفهن ملاصقة لغرفتنا، و هي غرف واسعة يمكن أن يقيم في كل واحدة منها أربعة إلى خمسة أشخاص، لكن النزول إلى غرفتنا يتطلب استخدام السلالم. و لم أفاجأ بسماع أصوات نساء بالقرب مني، و دفعتني حشريتي إلى البحث عن فتحة، و وجدت واحدة صغيرة. و منذ رحيلي من السويس، و بصعوبة رأيت وجه مسلمة مكشوفا، لكن في أثناء هذه الرحلة كنت أرى أحيانا و عند الصباح 3 أو 4 نساء عاريات يغتسلن.

و بقيت على متن السفينة، لأقوم بدراسات فلكية، و لأحدد موقع ينبع التقريبي، راجعوا اللوحة(LVIII) ، و قد رسم السيد بورنفيد منظر هذه المدينة على اللوحة(LIII) . و نزل إلى اليابسة ثلاثة

226

أشخاص من بعثتنا، و حمل كل منهم سيفه كباقي المسافرين و لم يكونوا يعلمون أن ذلك سيجلب لهم المشاكل. إذ رمى أحد سكان المدينة (عليهم السلام)، بعد أن ظنهم مسلمين بسبب اللباس التركي الذي يرتدونه، و حين علم أنهم إفرنج، استشاط غيظا، بسبب الخطأ الذي ارتكبه بإلقاء السلام عليهم، و راح يشتم الكافرين الذين وصلت فيهم الجرأة حدّ النزول إلى الشاطى‏ء مسلحين. و من حسن حظهم أن العرب الحاضرين المسالمين أكثر لذلك لم يمنعوهم من العودة إلى السفينة.

و سرّني أني رأيت بعض النجوم في الهاجرة، لكن الانتظار أتعبني. و في 24، تبددت الغيوم قبل إبحارنا، و تمكنت من قياس ارتفاع القطب، فوجدت أن ينبع تقع على خط عرض 24؟، 5؟ و عند الظهر، كنا لا نزال على خط عرض 23؟، 57؟، و كانت مدينة ينبع إلى الشمال و على 18؟، إلى الشرق، على بعد ميلين و نصف، و لأنني كنت على ارتفاع 18 قدما فوق مستوى المياه أمكنني رؤية منازل المدينة بوضوح. و بعد الظهر، شاهدنا الكثير من أشجار النخيل على الشاطى‏ء، و عند المساء، رسونا قرب ديار(Dsjar) ، على خط عرض 23؟، 36؟، و في مياه يبلغ عمقها 14 باعا.

في 25 ظهرا، كنا على خط عرض 23؟، 29؟، و إلى الغرب من وسط جبال صفرا(Safra) ، و كنا نبحر على بعد ميل و نصف من الشاطى‏ء، و تحيط بنا صخور مرجانية كبيرة. و عند المساء، رسونا قرب أبو أعين(Abu Aij n) على خط عرض 23؟، 16؟. و في 26، أبحرنا نحو الجنوب و الجنوب الشرقي كما فعلنا خلال معظم الرحلة، و مررنا بين الأرصفة المرجانية، كما شاهدنا قناة على صخرة كبيرة من المرجان، يطلق عليها اسم جيبراد (جيب رعد)(Dsjebr d) . و عند الظهر، كنا في الجنوب الغربي، على بعد ميل و نصف من مدينة مستورة(Mastچ‏ra) الواقعة على سفح جبل يحمل الاسم نفسه، و بعد الظهر اجتزنا رأس وردان(Ward n) ، و رسونا مساء قرب رابوخ(Rabogh) على خط عرض 22؟، 45؟، بين بعض الجزر الصغيرة، و هي قرية أو مسكن ثابت للبدو، و قيل لنا مسبقا إن عرب الرابوخ يحملون الماء و الزاد إلى الشاطى‏ء لبيعه، و وجدنا الكثير منها بالفعل.

و لقد كنت قد ذكرت سابقا في وصفي لشبه الجزيرة العربية، أن على المسلمين، الذين يحجّون للمرة الأولى، أن يرتدوا لباس الإحرام، إذا ما سمحت صحتهم بذلك. و هذا ما يجب أن يفعله القادمون من السويس بحرا، لدى وصولهم إلى رأس وردان الذي اجتزناه في هذا اليوم. و لباس الإحرام هو قطعة من القماش تربط حول الخصر كما في الحمّامات، و هو اللباس الذي يسمح للحاج الجديد بارتدائه حتى يزور الكعبة في مكة. كما يمكنه ارتداء قطعة أخرى من القماش فوق كتفه، كذاك التركي الذي رسمه السيد بورنفاند على اللوحة(LIV) . و حافظ العديد من المسافرين الحجاج على ثيابهم العادية، إما لأنهم مرضى و إما لأنهم يدّعون ذلك، في حين ارتدى العديد من المسلمين المتدينين لباس الإحرام من دون أن يلزمهم القانون بذلك بما أنهم زاروا مكة من قبل. و هكذا، رأينا عند المساء، العديد من المسافرين على متن سفينتنا يرتدون ملابس مغايرة لتلك التي كانوا يرتدونها عند الصباح.

227

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

228

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

229

قد نستغرب أن يأمر محمد أتباعه بزيارة الكعبة للمرة الأولى حاسري الرأس و شبه عراة. و لعله يقصد عامة الشعب من عرب الحجاز و اليمن و عمان و مكة بهذا الزيّ. و لعله لم يسع إلّا إلى جعل الحجاج يدخلون أرض مكة خاشعين متواضعين، أي مرتدين اللباس نفسه كعامة الشعب. و أعتقد أنه لم يكن ليضع قانونا كهذا، لو علم أن حجاجا من البلاد الباردة سيقصدون مكة يوما ما، فالإحرام غير مريح للأتراك، و قد يؤذي صحتهم لأنهم اعتادوا الإكثار من الثياب حتى في الصيف و يناسب لباس الإحرام عربيا أحرقته الشمس، لكنه لا يناسب تركيا حاسر الرأس، و ملتحيا ذا بشرة بيضاء كليا.

و منذ انطلقنا من السويس، أبحرنا نحو الشرق، فتمكنت من رؤية الشمس في الهاجرة، و أنا في المقصورة. في 27 تشرين الأول/ أكتوبر، و قبل الظهر بدقائق، توجهنا نحو الجنوب مباشرة، مما منعني من تحديد ارتفاع القطب بدقة، لكن لا أظنني أخطى‏ء كثيرا إن اعتبرت أن جبل قليع(Kleia) الذي لم نكن بعيدين عنه يقع على خط عرض 22؟، 23؟، استنادا إلى ارتفاع الشمس الأخير. و بعد الظهر، أبحرنا نحو الجنوب و الجنوب الغربي، و يمتد شاطى‏ء شبه الجزيرة جنوبا حتى جدة. و عند الساعة الواحدة، مررنا أمام أم المسك، و هي جزيرة صغيرة قرب الشاطى‏ء، و بعد الساعة الثانية، كانت جزيرة حرام، و هي جزيرة صغيرة أخرى، إلى الغرب منا. ثم بعد ذلك، أبحرنا في قناة ضيقة للغاية بين أرصفة المرجان، و يحاول أي بحّار أوروبي التوجه إلى عرض البحر، لكن ريس سفينتنا ارتأى عدم الابتعاد عن الشاطى‏ء حتى يتمكن و الركاب من الهرب إلى اليابسة إن غرقت السفينة. و عند المساء، رسونا قرب رأس الحطبة(R s el Hatba) في مياه يبلغ عمقها 15 ذراعا. و يقع كل من جبل قليع و هذا المرسى تحت خط الهاجرة نفسه تقريبا، لكن الشاطى‏ء الذي يمتد بينهما يشكل انحناء كبيرا نحو الشرق. و لم أتمكن طوال الليل من مراقبة نجمة واحدة ثابتة، و يقع رأس الحطبة، وفقا لدراستي، على خط العرض 22؟، 3؟.

و في 28 ظهرا، وصلنا قبالة جبل و كر(Wakr) ، و أمضينا الليلة أمام أبحر(Obh r) ، حيث يدخل الخليج عميقا في اليابسة حتى ليظنه المرء نهرا. إن مدخل هذا المرسى ضيق للغاية، لكنه آمن حتى أننا لم ننزل المرساة، و اكتفينا بربط السفينة من الجهتين بحجارة كبيرة في أرصفة مرجانية. و تقع أبهر على خط عرض 21؟، 10؟، إلّا في حال وجود شاطى‏ء مستقيم بعيد يقع قرب الهاجرة، جعلني أخطى‏ء في تقديري.

و في ال 29 منه صباحا، غادرنا أبحر بعد هبوب رياح رملية، و وصلنا عند الثانية من بعد الظهر إلى جدة، و رسونا على بعد نصف ميل إلى غرب المدينة، على خط عرض 21؟، 27؟ بين أرصفة المرجان.

و فيما يلي، حددت موقع جدة على خط العرض بدقة بواسطة ربع الدائرة. و بقينا في السفينة ليومين بعد مغادرة كافة المسافرين المسلمين للسبب نفسه الذي دفعنا إلى الصعود على متنها قبلهم (كي لا نزعج المسلمين). و دخل العديد منهم المدينة إما لزيارة الأصدقاء و الأهل و إما لاستقاء الأخبار، و إما لإدخال‏

230

أموالهم على دفعات و سرا، لأن رسم الدخول يبلغ 2 إلى 2 و نصف بالمئة. و تمكن البعض من دخول المدينة من دون أن يدفع المال، أما الذي تكثر الأغراض معه، فتم توقيفه و إجباره على دفع الموجبات.

و يبدو أنهم لا يعرفون معنى لحجز الأغراض و معاقبة المخالف، و قيل لنا إنهم يكتفون بالسخرية ممن يحاول خداع الجمارك و لا يفلح في ذلك. و أذكر أني سمعت في مناطق أخرى تركية، أن من يحاول إدخال بضاعة ما خلسة يدفع المبلغ المستحق مضاعفا. و تعرّض أحد أصدقائنا، الذي حاول إدخال ماله من دون أن يدفع، لعقاب أكثر صرامة، فحين نزل من السفينة، انفتح كيس ماله، الذي ربطه حول خصره، و وقع منه حوالي 100 درهم في البحر.

و بما أن الذين، عادوا من المدينة اشتكوا من أن الجمارك صارمة هذه السنة أكثر من المعتاد، اتخذنا كافة التدابير الممكنة كي لا نتعرض للمشاكل. و لم نكن ننقل بضائع و بالتالي ما من شي‏ء نخشاه من هذه الناحية، لكن المسلمين لا يستخدمون الكمبيالات، لذا اضطررنا إلى إبدالها بالمال في القاهرة، و سعينا إلى إخفاء الأمر عن العرب كي لا تسوّل لهم أنفسهم القيام بأمر ما. و لم نكن نحمل سوى نقود البندقية التي تستخدم في جدة أكثر من النقود الذهبية التي ضربت في تركيا، و كان يمكن لكل منا أن يخفي حصته لو لم نخش التعرض للتفتيش. فقررنا إخفاء مالنا في جرار الأدوية، و هي أفضل طريقة لإخفائه عن عيون العرب الذين لا يتوقعون أن يحمل طبيب ما المال، و بالرغم من أن المسلمين لا يحبون أن يدفعوا المال لأطبائهم، يرحبون بهم أينما حلّوا.

و لم يتمكن من اللحاق بنا سوى مركب واحد من المراكب الثلاثة التي انطلقت معنا من السويس ثم من رأس محمد، و قد وصل إلى جدة حين وصل مركبنا، فيما وصل الثاني في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر، بعد أن فقد أحد مراكب الإنقاذ و عانى الأمرّين للحفاظ على المراكب الأخرى، و لم يصل الثالث إلا في 12 تشرين الثاني/ نوفمبر صباحا. و عند المساء، ما بين الساعة الثامنة و الساعة التاسعة، سمعنا فجأة صوت دوي مدفع، و هي الإشارة إلى حصول كارثة ما لأحد المراكب الراسية. و خشي أن تكون النيران قد اندلعت في إحداها، فأرسلت كافة المراكب الصغيرة النجدة، و بعد حين عاد بعض منها لإخبارنا أنّ المركب الذي وصل متأخرا قد انقلب، و أن كمية من البضائع وقعت في الماء لأن البحارة أثقلوا الحمل و أكثروا من البضائع و الصناديق بعد أن رجاهم التجّار إذ أرادوا الحصول على بضائعهم في اليوم التالي.

و أرادت القلة التي بقيت على متن المركب إرسال إشارة إلى الضباط و البحارة الذين نزلوا إلى البرّ كي يرجعوا و يساعدوا في إعادة المركب إلى وضعه الصحيح. هؤلاء هم الناس الذين تسلّم لهم حياتك بين السويس و جدة، فشكرنا الرب و حمدناه لأننا أنهينا رحلتنا بخير و سلام، هذه الرحلة التي تجدون خارطة لها على اللوحة 20 في وصف شبه الجزيرة العربية.

231

ملاحظات في جدة

لم يساورنا الشعور بالخوف قط من سكّان مدينة بقدر ما خفنا من سكان جدة قبل أن ندخلها، و ذلك بعد أن رأينا الازدراء الذي يعامل به الأوروبيون في مصر، إذ ظننا أن عداوة المسلمين للمسيحيين ستزداد مع اقترابنا من المدن التي يعتبرونها مقدسة، و قد زادتنا طريقة تصرف سكّان ينبع مع رفاقي اقتناعا بهذا المنطق، لكن تبين لنا أننا على خطأ. إذ لم يعتد أهالي جدة إلا على رؤية الأوروبيين القادمين من الهند للتجارة، و هم يرتدون الملابس الأوروبية، و بما أننا قادمون من منطقة أخرى، و قد لبسنا الثياب الشرقية، ساور أهالي المدينة الشك تجاهنا في البداية، لكنهم ما لبثوا أن اكتشفوا خطأهم. و قد عرفنا من قبل العديد من المسافرين الذين وصلوا حديثا، و لم يعد سكان المدينة يعيروننا اهتماما لأنهم لم يجدوا في لباسنا ما يريب. فزرنا المقاهي و الأسواق، و تنزهنا قرب البحر و في المدينة و محيطها دون أن يتعرّض لنا أحد. و الأمر الوحيد الذي لا يسمح به أهالي المدينة لغير المسلمين هو الاقتراب من الباب الواقع من جهة مكة، و قد أعلمنا بالأمر، فالتزمنا به.

و ساعدتنا رسائل التوصية التي حملناها، فقد أوصى بنا السيد دي غابلر الباشا حاكم جدة و الذي يعرفه معرفة شخصية من القسطنطينية. و كنا نحمل رسالتي توصية من تاجرين في القاهرة إلى أكبر تجار جدة، و أخرى من شيخ إلى كخيا المدينة، و هذا الشيخ هو كاتب أحد أكبر علماء جامع الأزهر في القاهرة. و لم نكن نتوقع الكثير من رسالة التوصية التي زودنا بها الشيخ، لكنها أفادتنا أكثر من الأخريات.

و هذا الأخير هو من من أصل تركي، و بالتحديد من الجزء الأوروبي منها، و قد سمع في موطنه و في القسطنطينية الكثير عن تفوق الأوروبيين على المسلمين في مجال العلوم، و لم يكن بإمكانه قراءة كتبنا، و لم يصادف علماء أوروبيين من قبل، فاعتاد زيارتنا. و بالرغم من كونه مسلما مؤمنا، و متطيّرا للغاية، و متفاخرا حيال أتباع الديانات الأخرى، إلا أنه رجل شريف و صديق و فيّ لغيره من الرجال. و علّمه السيد فورسكال كيفية استخدام المجهر، و أعطاه معلومات عامة عن النباتات، أما أنا فعلّمته الرسم، و دللته على توابع الزّهرة، و حلقات زحل و غيرها من الأمور التي لم يسمع بها من قبل، و قد شهد ليال طوالا معي و أنا أقوم بدراساتي الفلكية. و استفدنا من وجوده إذ تمرّنا على اللغة العربية، و اطلعنا على أمور ما كنّا لنعلم بها لولاه. و كان هذا الشيخ قد علّم الكخيا(Kichja) في جدة كيفية استخدام الكرة، و كتب له يوصيه بنا و بعث برسالته مع آخر قافلة من دون أن يعلمنا، ثم أعطانا رسالة موجهة إلى الكخيا يطلب منه الاهتمام بنا، و سألنا أن نعلّم هذا الأخير ما أطلعناه عليه.

و قررنا تسليم الرسائل الموجهة للباشا و الكخيا شخصيا، فأرسلنا خادمنا اليوناني إلى المدينة و هو يحمل‏

232

الرسالتين المبعوثتين للتاجرين و رجوناهما أن يجدا منزلا. لكن، حين علما بكثرة عددنا، و علما منهما بأن الأوروبيين لا يستطيعون العيش كالعرب بسهولة، اعتذرا عن تقديم هذه الخدمة لنا. و أحسسنا بسيئات كثرة العدد مرارا، فلو كنا قلائل لتمكنا من استئجار بعض الغرف في فندق عام. و حين لم يجد لنا خادمنا منزلا مع رسائل التوصية التي نحملها، توجّه إلى أحد مواطنيه، و هو صائغ شريف مكة و يحظى بمكانة جيدة عند الباشا و الكخيا، فأعلمه أن هذا الأخير على علم بوصولنا و قد طلب منه مساعدتنا على النزول إلى اليابسة، و عرض علينا منزله لليلة و أكدّ لنا أنه سيستأجر لنا منزلا آخر. أسعدنا هذا الخبر، و في 31 تشرين الأول/ نوفمبر نزلنا إلى البرّ، و استقبلنا الصائغ بتهذيب عميق.

و سارعنا بتسليم الكخيا رسالة الشيخ، و استقبلنا الأول بالترحاب، و سألنا عن أحوال الشيخ و غيره من الأصدقاء في القاهرة. و اعتدنا بعد ذلك زيارته، و كان يطرح علينا أحيانا أسئلة حول الدين و العادات و التقاليد عند الأوروبيين، و استفدنا من الفرصة لإعطائه و الحضور فكرة أفضل من تلك التي يملكونها عن بلدنا. أما فكرتهم عن الأوروبيين فشبيهة بفكرتنا عن الصينيين. و يعتبرون أنفسهم أكثر حكمة من الأمم الأخرى، بالرغم من أنهم لا ينكرون جهلهم للعلوم أكثر من الشعوب الأخرى. و أريت الكخيا الكواكب من خلال المقراب، و كان يحلو له التحدث عن علم الفلك. و دفعه السيد فورسكال، الذي اعتاد التردد عليه أكثر من غيره، إلى إنشاء حديقة قرب منزله، خلال إقامتنا في جدة، و استقدام بعض النباتات و الشجيرات التي تنتج بلسم مكة من محيط المدينة. و استغرب العرب كيف لم يفكروا بالموضوع، علما أنهم يلاقون صعوبة في الحصول على هذا البلسم.

و بعد أيام، سلّمنا الباشا رسالة السيد دي غابلر. و كان الباشا يميل نحو علم الفلك. و أراد مني أن أحضر ساعتي الشمسية و أقيس ارتفاع الشمس أمامه، و طلب مني إعطاءه وصفا مفصلا للآلة، و أجبر أحد العلماء على احتساب خط عرض جدة استنادا إلى ارتفاع الشمس الذي راقبته. و أعطيت الأفضلية لآلتي على حساب الساعات الخشبية الصغيرة التي يستخدمها علماء الفلك المسلمون، و بما أن حساباتي اختلفت قليلا عن حسابات الشيخ، أعطيت الأفضلية للوائح علماء الفلك الأوروبيين. و لا يتكلم الباشا و الشيخ سوى التركية، لكني كنت محاطا بالمترجمين، فخادمنا اليوناني يتكلم التركية، فضلا عن ثلاثة مرتدين يعملون لدى الباشا، أحدهم فرنسي و الآخرين إيطاليين، لكن أيّا منهم لم يكن ضليعا بمصطلحات علم الفلك، فاضطررت لشرح الأمور للكخيا بالعربية مما تطلب مني جهدا كبيرا لأني قلما أتحدت مع العرب في مواضيع كهذه.

وزرنا منازل عدة منذ اليوم الأول، و استأجرنا واحدا كبيرا، يقع على البحر. في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر، نقلنا متاعنا إلى اليابسة، و كان الكخيا حاضرا في الجمارك، و لم يبق في غرفة منفردة كما يفعل الأوروبيون، بل جلس مع بعض الموظفين في مكان مرتفع تمرّ به كافة البضائع. و تبين لنا أن هناك من يسهل لنا أمورنا، فلم يكتف الموظفون بفتح صناديق التجّار، بل قاموا بعدّها و تفتيشها بدقة، و بما أن‏

233

الكخيا مقتنع بأننا لم نقصد البلاد بهدف التجارة، و أراد مساعدتنا اكتفى الموظفون بفتح صناديقنا. و لم يقوموا بتفتيش صندوق الأدوية لشدة حاجتهم إليها، و بهذه الطريقة، لم يعثروا سوى على 200 دوكا كنا قد وضعناها لهذا الهدف في مكان بارز لنظهر أننا لا نحمل سوى هذا القدر من المال الكافي لإقامتنا في هذه المدينة. و حين يتعامل موظفو الجمارك العرب بأمان و صدق مع المسافرين يتوقعون الحصول على مكافأة شأنهم في ذلك شأن موظفي الجمارك في أوروبا، لكن تعطى المكافأة خفية لهؤلاء الأخيرين، فلقد قام الصائغ اليوناني المكلّف بالاهتمام بمصاريفنا، بمكافأة موظفي جمارك جدة بحضور الجميع.

و انتشر خبر وصول أوروبيين، و بينهم عالم فلك بين الناس حتى وصل إلى مكة. و كان أخو الشريف الحاكم قد جمع جيشا عظيما، و هدد بمهاجمة المدينة، فأرسل الشريف الصائغ اليوناني، الذي ذكرته مرارا، ليسألني ما إذا كان سيحافظ على الحكم أم سيضطر للتنازل عنه لأخيه. و اعتذرت عن الرد على موضوع كهذا، متحججا بجهلي لكيفية التنبؤ بالمستقبل، و أضفت أن الأوروبيين طوروا علم الفلك لتحسين الملاحة، و هو الرد الذي أعطيه كلما استشارني أحدهم بصفتي عالم فلك. و ترضي هذه الإجابة المسلمين دوما، لأنهم يعلمون أن الأوروبيين يقطعون أشواطا كبيرة بحرا، اعتادوا خلالها على قياس ارتفاع الشمس. و أجاب السيد دي هافن، الذي كان حاضرا حين طرح عليّ السؤال، أن النصر سيكون حليف من يشبه الحسن بن علي الذي يتحدر من سلالته الشرفاء كلهم. و أرسل الصائغ هذا الجواب إلى مكة و أظن أنه لاقى استحسانا، و بقي الشريف في الحكم، و لعله تخيّل أنه يشبه الحسن تمام الشبه. و في يوم آخر، أعلمني أحد وجهاء جدة أن 200 دوكا سرقت منه، و تمنى عليّ اكتشاف اللص، فاعتذرت قائلا إني أترك هذا العلم العظيم لعلماء المسلمين، من بعدها أظهر أحد كبار الشيوخ جهله للأمر، فقد صفّ الخدم كلهم صفا واحدا، و صلى طويلا، ثم وضع في فم كل منهم ورقة صغيرة، و أمرهم بابتلاعها بعد أن أكد لهم أنها لن تضرّ البري‏ء و أن قصاص السماء سيحلّ على المذنب. بعدها، تفحص فمّ كل منهم، و اعترف أحدهم، إذ لم يبتلع الورقة، بأنه سرق المال. لكن لا يسهل إخافة لصوص المسلمين كلهم، إذ علمت من تاجر من بغداد، أن خادمه لم يأبه لأي رقية، بالرغم من أن معظم الشكوك كانت تحوم حوله، و أسف التاجر على العشرة قروش التي دفعها للشيوخ أكثر من أسفه على المال الذي سرق منه.

و استنادا إلى روايات العرب. لم تتراجع مياه البحر المحيطة بشواطى‏ء هذه البلاد أبدا أو بشكل لا يذكر، منذ تكوّن العالم و حتى اليوم، و يدلونك على ضريح حوّاء قرب جدة (*). لكن هذا الشاطى‏ء،

____________

(*) أمنا حوّاء هو الاسم الذي يطلقه العرب على حوّاء. يدّعون أن ضريحها يحمل آثارا تدل أن طول حوّاء بلغ 40 ذراعا. يقال إن هذا الضريح كان محجا، و لا بد أن معبدا عظيما قام في هذا المكان، إنما لم يبق منه سوى مصلّى صغير أو قبة، تقع بحسب ما يؤكدون، فوق سرّة حواء مباشرة. و يعتقد المسلمون أن ضريح آدم موجود في جزيرة سيلان، فيما يؤكد اليهود أن عظامه مدفونة في الخليل مع الآباء الأولين، و يظن رهبان القدس أن رأسه مدفون على جبل الآلام في كنيستهم الكبيرة.

234

برأيي، تعرّض لتغييرات عدة، و نجد في شمال غرب المدينة، و على مسافة قريبة من الضريح المذكور، تلالا عالية، تكثر فيها الأصداف و أحجار المرجان المتحجرة أو المدفونة في الرمال، و يكفي أن نراها و أن نقارنها مع صخور المرجان الموجودة بكثرة تدريجيا في هذا المكان. و لا أظن أن مدينة جدة تقوم حاليا في المكان نفسه الذي قامت فيه المدينة التي تحمل الاسم نفسه و المذكورة في سيرة محمد (*). و تتوسع جدة أكثر و أكثر نحو الغرب، أما مستوى مياه المرفأ فمنخفض للغاية، حتى أن المراكب الصغيرة تضطر لانتظار المدّ لتنقل البضائع إلى اليابسة أو لتحمّلها.

و لا تحافظ مياه البحر التي تغطي هذه الشواطى‏ء على الارتفاع نفسه طوال فصول السنة، إنما ترتفع تدريجيا من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر و حتى شهر نيسان/ إبريل، حين تهبّ الرياح الجنوبية، ثم تنخفض أثناء الأشهر الستة الأخرى، حين تهب الرياح من الشمال‏ (**). و لا يظهر الفرق شاسعا بشكل عام، لكن، حين وصلت إلى جدة، رأيت المسافة بين المرفأ الكبير و مرفأ السفن الشراعية جافة خلال الجزر، و عند ما حان موعد رحيلنا، وجدت المياه تغطي المكان باستمرار. كما تغطي المياه، حين يرتفع مستواها، سهلا، يقع في الجنوب خارج المدينة، و بعد أن تتبخر بفعل حرارة الشمس المرتفعة تترك وراءها ترسبات من الملح.

زد على ذلك أن ضواحي جدة رملية و غير صالحة للزراعة.

رسمت خارطة هذه المدينة و محيطها على اللوحة(IV) ، لكن تجدر الإشارة إلى أني لم أقس إلا الجزء الواقع من جهة البحر، و لم يكن بإمكاني أن أجول في المدينة كلها كما ذكرت سابقا. لكني حددت موقع جزء من السور، و عددت من بعيد خطى عربي رأيته يمشي قرب هذا السور. و لم أستطع إدراج كافة الشوارع، إذ لم يكن يسمح لي بالاقتراب من الباب الواقع من جهة مكة. و نجد في هذا الحيّ عددا من الأكواخ الخشبية، المغطاة بالقش أو بالعشب، و قد نجد بعض المنازل الحجرية المتفرقة حيث أشرت إلى وجود أكواخ فقط. و سأضيف هنا تفسير الأرقام التي دوّنتها على الخارطة: 1) منزل الباشا، 2) باب الشريف، 3) باب الحديد، 4) باب مكة، 5) مراقب قرب الدرب المؤدي إلى مكة، 6) سهل، يجمع منه الملح الذي تركته المياه بعد تبخرها، 7) مدافن المسيحيين، 8) برج، تهدم كليا، و فيه مدافع، 9) مرفأ السفن الحربية، و لم أسمع بسفن حربية يملكها الباشا في الخليج العربي، 10) منزلنا، و بالتالي المكان الذي أجريت فيه الدراسات الفلكية، 11) الجمارك، 12) منزل الكخيا، 13) أمنا حوّا أو ضريح حوّاء، 14) تلال عالية مغطاة بالأصداف و أحجار المرجان، 15) مرسى السفن القادمة من السويس و الهند.

إننا لا نجد إلّا القليل من المياه في الخليج الصغير الذي يسمى مرفأ السفن، و بما أني غالبا ما ترددت إلى هذا المكان، لمراقبة المدّ و الجزر، تسنّى لي أن أرى كيف يصطاد العرب البط. حين تظهر إحدى هذه‏

____________

(*) التاريخ العالمي المعاصر، الجزء الأول، ص 41.

(**) وصف شبه الجزيرة العربية.

235

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

236

الطيور في المياه، يتعرى الواحد منهم و يغطي رأسه بالطحالب، و يغطس تحت المياه حتى يقترب من البطة التي لا تفزع من الطحالب، ثم يمسك بها من قائمتيها و يأخذها (*).

يروي في تاريخ ملوك مصر، الذي كتبه ماراي(Marai) و ترجمه ريسك(Reiske) ، أنّ في العام 920 للهجرة (1514)، أمر السلطان الغوري(Sult n el Guri) بتحصين مدينة جدة، خوفا من البرتغاليين الذين تعاظمت قوتهم حتى أنهم أرسلوا سفنا حربية إلى الخليج العربي. و لا تزال هذه المدينة محاطة بسور من جهة اليابسة، لكنه متداع في أكثر من مكان حتى أن المرء يمكن أن يتخطاه ليدخل المدينة أو ليخرج منها. و لا يعتبر المرفأ أكثر حصانة، لأن البطارية مخربة كليا، و لا تضمّ سوى مدفع وحيد قديم لا يستخدم، أما المدافع القليلة الموضوعة أمام منزل الباشا، في الجهة الأخرى للمدينة و قرب المرفأ، فلا تستخدم إلا لرد تحية السفن. و قصر الباشا غير منظم شأنه في ذلك شأن مساكن الأسياد في مقاطعات السلطنة الأخرى، إذ لا يبقى الواحد منهم في الحكم نفسه طويلا، فلا يهتمون ببناء قصر عظيم لخلفائهم.

و نجد في المدينة- و لا سيّما من جهة البحر- العديد من المنازل الجميلة و فنادق كبيرة و محال مبنية من حجر المرجان، و هي أحجار سهلة الاستعمال، يزيد الهواء من بياضها، مما يضفي لمسة جميلة على المنظر العام. و لا يشرب السكان سوى المياه التي يجمعها العرب في خزانات كبيرة بين الجبال، و ينقلونها تباعا إلى المدينة على ظهور الجمال.

و تزدهر في جدة التجارة، لكن هذه المدينة لا تتعدى كونها مخزنا للبضائع الأجنبية، إذ تصل إليها مرة في السنة السفن المحمّلة من السويس و الهند فضلا عن القوافل الكبيرة التي تقوم برحلة واحدة في السنة من مصر و سوريا إلى مكة و جدة، و تحمل معها كميات من البضائع الثمينة. و لم أسمع في المدينة ببضائع محلية تصدّر إلى الخارج باستثناء لوز الطائف، الذي ينقل منه الإنكليز وحدهم إلى الهند حوالي 600 بالة، و يبلغ وزن الواحدة 800 ليبرة. و يصدّر التجّار أيضا بلسم مكة، و المسك و الزباد، لكن البلسم ينتج في ضواحي المدينة، و يأتي المسك و الزباد على الأرجح من الحبشة. و تشتري جدة و مدينتا مكة و المدينة المقدستان الكثير من الحنطة، و الأرز، و العدس، و السكر، و شراب السكر، و العسل و الزيت و غيرها من مصر، حتى أن سكان مكة اعتادوا القول إنه إن بادت البلاد المجاورة، باستثناء مصر، لن تصاب شبه الجزيرة العربية بخسارة كبيرة، و إن العالم كله، من دون مصر، لن ينفعها. و تزوّد القاهرة جدة بالكثير من الصبغة الصفراء أو الزعفران المزيف (من زهرة تستخدم للصباغ باللون الأحمر)، و بالشباك العريضة، و خيوط الذهب و الفضة، و ملح النشادر، و البارود، و تبغ سوريا الخ. أما بالنسبة إلى البضائع الأوروبية،

____________

(*) سمع بوكوك في مصر العليا بهذه الطريقة لصيد البط، لكن بدت له الرواية مختلفة. وصف الشرق، الجزء الأول، الكتاب الرابع، الفصل التاسع. لم يصدق النقاد الفرنسيون الإنكليزي الذي روى أن الصينيين يصطادون بهذه الطريقة الطيور البحرية.

الموسوعة الصحافية(Journal Encyclop .) ، شباط/ فبراير 1773. ص 533. و لا أدّعي أنهم سيصدقونني أكثر من غيري، لكن حين حاولت التأكد من طريقة صيد البط التي تبدو غير معقولة، يمكنني أن اؤكد أني كنت شاهد عيان مرتين.

237

التي تصدّر جزئيا، فتزوّدها مصر بالجوخ الفرنسي، و بالورق، و بالقصدير، و بالرصاص، و بالحديد، و بصفائح الفولاذ، و بالزئبق، و بالإبر، و بالسيوف، و بالسكاكين، و بالزجاجيات الملوّنة و الأساور التي تستخدمها النساء من عامة الشعب للزينة. و ينتقل سنويا من جدة إلى اليمن و الهند عدد كبير من دوقيات البندقية، و النقود الألمانية. كما تموّن جدة القاهرة بمنتجات اليمن من بن و أوراق حنة فقط، فيما تموّنها الهند بالشباك الناعمة و الأقمشة الثمينة، و الأحجار الكريمة، و اللؤلؤ، و العطور المختلفة، و البهارات و غيرها من البضائع القيّمة. و ينبغي دفع الرسوم لجدة على هذه البضائع إن جاءت من مصر، أو اليمن أو الهند، و تبلغ هذه الرسوم عشرة بالمئة من قيمتها التي تقوم الجمارك بتحديدها فيضطر التجّار أحيانا إلى دفع 12 إلى 15 بالمئة. و يتمتع الإنكليز- و هم الوحيدون بين الأمم الأوروبية الذين يقصدون جدة اليوم- بالأفضلية على التجار الهنود المسلمين، و على رعايا السلطان، فلا يدفعون سوى 8% من قيمة البضاعة، و لا يدفعونها نقدا بل يستعيضون عن المال بتقديم البضائع. أما بالنسبة لتلك التي تباع بالوزن، كالسكر، و البهارات، إلخ فيضطرون إلى دفع 8% نقدا استنادا إلى القيمة التي تحددها الجمارك.

و يعتقد ماييه(Maillet) أن قيام تجارة في الهند، تمرّ عبر مصر و الخليج العربي تفيد الفرنسيين، لكن إن اضطروا إلى دفع الرسوم، يخشى ألا يربحوا الكثير من المال، و لا نضمن أن يسمح لهم بعبور مرفأ جدّة.

و منذ سنوات قليلة، لم يتمكن مركب من السراة(Sur t) ، دفعته الرياح الجنوبية بقوة نحو الشمال، من الوصول إلى هذا المرفأ، فتوجه إلى السويس و منها عاد إلى الهند. و في السنة التالية، أرغم التجار على دفع الرسوم عن هذه الشحنة، و زجّ القبطان، و هو مسلم من الهند، في السجن حتى دفعت كفالته. و لم يمنح أحد الأوروبيين على الأرجح إذنا بالتوجه من جدة إلى السويس، و سمعت أن تجارا من جدة عرضوا حمولة ما على قبطان إنكليزي- و لا أشك أن التجار المسلمين يفضلون استخدام السفن الأوروبية- لكن حاول ربابنة القاهرة، و هم من كبار التجار، وضع العراقيل في طريقهم كي لا يفقدوا أرباحهم، و يمكنهم و بسهولة أن يسببوا مشاكل عدة للربابنة الأوروبيين الذين يقصدون السويس. و قد أمضى تاجر إنكليزي سنوات عدة في هذا العمل، لكن هذه الأمة تستفيد أكثر حاليا من عودة رعاياها و سفنها سنويا.

و يتقاسم باشا المدينة و شريف مكة مردود جمارك جدة، لهذا، يبقى كخيا الباشا و مندوب الشريف، الذي يحمل لقب وزير، يوميا في الجمارك عند وصول السفن و قبيل رحيلها. و لا يبدو أن كخيا جدة خاضع للباشا فقط، كما هو الحال فى المقاطعات التركية الأخرى، إذ يبقى في منصبه لسنوات عدة في حين يتمّ تغيير الباشا تقريبا سنويا، علما أن الباشا، حين كنا في جدة، أرسل موظفا آخر إلى الجمارك لأن الكخيا رفض تفتيش البضائع بالصرامة التي يطلبها، لكنه استمر في تأدية المهام الأخرى المسندة إليه.

و يخضع رعايا الشريف، المقيمين في جدة، لسلطة الوزير الذي ينبغي أن يكون من إحدى العائلات التي يحقّ لها المطالبة بمهام السيادة في مكة أو بلقب الشريف. و إن استدعي الشريف، أي المولود في إحدى عائلات الحجاز الأولى النبيلة، للمثول أمام القضاء، يرفض المثول أمام قاض أدنى منه من حيث المستوى الاجتماعي.

238

و تفتقر الحكومة دوما للمال أو على الأصح، بما أن المسلمين لا يحسنون استخدام الأموال العامة، لا يبقى منها إلا القليل لمصاريف الدولة، و غالبا ما يضطر تجار الهند و مصر إلى دفع مبالغ مالية معينة سلفا لجمارك جدة. على أن تحتسب لهم في رحلتهم القادمة. و طلب الأمر نفسه من الإنكليز الذين يترددون على هذا المرفأ، لكنهم رفضوا حتى اليوم دفع المال سلفا للجمارك أو لغيرها، و قد أوردت مثلا على ذلك في وصفي لشبه الجزيرة العربية.

و لقد كنت قد أشرت سابقا إلى أن المركب الذي غادرنا السويس على متنه كان يعجّ بالتجّار الذين يدّعون أنهم انكشاريون. إن تجار القاهرة و المدن التركية الأخرى يلتحقون بالجيش كانكشاريين، للتأكد من أن الحكومة لن تستولي على بضائعهم أو لن تعاقبهم بطريقة ما، لأن من يلتحق كانكشاري و إن كان لا يقبض أجرا و لا يخدم في مكان ما، و إنما يمارس مهنة مدنية، يتمتع بامتيازات عدة مرتبطة بهذا الفوج. و لا يخضع للمحكمة المدنية إنما للفوج الذي يحميه أو يعاقبه. يقال إن الانكشاري الذي يسافر في البلاد الخاضعة للسلطان، لا يدفع رسما جمركيا على صندوق وقفتين و هذا ما يعود بالفائدة عليه كتاجر، و قد عرفت تجارا، و ربابنة و بحارة من الانكشاريين و يرتدون الزيّ الخاص بهم، لكنهم لا يتمتعون بالميزات نفسها التي يتمتع بها رعايا السلطان، و التحقوا على الأرجح بهذا الفوج ليكتسبوا مكانة بين الأتراك في جدة و البصرة، و ليحصلوا على مساعدة رفاقهم عند الحاجة. و حين كنا في جدة، حاول التجار الانكشاريون عصيان الكخيا و الوزير علنا، لأنهما، برأيهم، يأمران بتفتيش متاعهم تفتيشا دقيقا، مما دفع الباشا إلى إرسال عدد كبير من الجند لمرافقة الكخيا إلى الجمارك يوميا، كما حضر الوزير و معه عدد من جند الشريف، فاضطر الانكشاريون إلى الانصياع حتى انتهاء عملية تفتيش أغراضهم. و بعد رحيلنا بمدة قصيرة، اجتمع الانكشاريون مجددا، و تسلحوا، لكن ما إن علم الباشا بالأمر حتى أمر بتصويب المدافع نحو المنزل الذي يجتمع فيه زعماء هذه الحركة، فتفرق الجميع من دون القيام بأية محاولة أخرى.

و لا تسك أية عملة في الحجاز، و تستعمل في البلاد النقود المستخدمة في القسطنطينية أو في القاهرة خصوصا، كالقطع النقدية الذهبية التي تأتي من البندقية، و تتداول في القاهرة و القسطنطينية أو الدرهم، و نصف الدرهم، و ربع الدرهم الألماني، أو البريزة في القاهرة و القسطنطينية و التي تسمّى فدّا(Fadda) .

لكن يتمّ العدّ في جدة بعملة وهمية و هي القرش و الديواني(Diw ni) : فيساوي الدرهم 92 بريزا في جدة في حين يساوي 85 في القاهرة، و تعادل أربع برايز من القاهرة 5 ديوانيات. كما يعادل 40 ديواني قرشا في جدة، و بالتالي يساوي الدرهم الواحد قرشين و 35 ديواني. و يعادل الديواني 20 جديدا، و هي قطع صغيرة من النحاس لا تحمل أية كتابات أو أية علامة. و يقدّر التجار الإنكليز أن 250 قرشا من جدة تعادل 100 درهم أسباني.

239

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

240

و قد يبدو غريبا للقارى‏ء، أن يعادل الدرهم 85 بريزة في القاهرة و 92 في جدة، في حين أن العملة الصغيرة في البلاد الأخرى تندر في المدن البعيدة أكثر من المكان الذي تسك فيه. و يعود الأمر برأيي إلى أعداد الحجاج الكبيرة التي تتوجه إلى مكة، محمّلة بالكمية الكبيرة من القطع النقدية الصغيرة لحاجاتها اليومية و للتصدق بها. و الصدقة فرض رئيسي في الديانة الإسلامية، و يمارسه المؤمنون و لا سيّما حين يتوجهون إلى مكة. و تنتقل القطع النقدية الكبيرة بمعظمها إلى اليمن و الهند، و بما أن إعادة القطع الصغيرة إلى مصر أمر عسير تصبح أقل قيمة في الحجاز منها في الأقاليم التركية الأخرى. و لا أظن أن تذويب هذه القطع النقدية الصغيرة أمر يعود بالفائدة، لأن قيمة النقد الأصلية في الشرق كما في أوروبا أدنى من سعره العادي.

و بما أننا نحب في أوروبا رؤية لباس الأمم الغريبة، أدرجت بعض الرسومات التي رسمها السيد بورنفاند في جدة. و تصوّر اللوحة(LVI) صيّادا يحمل الأسماك التي اصطادها إلى السوق. و لا يرتدي بدو هذه البلاد سوى الإحرام و زنّارا. أما هذا الصياد و عامة الشعب في جدة فلا يلبسون الإحرام بل يكتفون بقميص (جلباب) واسعة و زنّار حول الخصر يدسون فيه سكينا صغيرا يقطعون به أعناق الأسماك ما إن يصطادونها. و يتبع الأعيان في جدة طريقة الأتراك في القاهرة و في القسطنطينية في اللباس، باستثناء القماش فهو أرق لأنهم يعيشون في مناخ حار. تحمل اللوحة(LVII) صورة امرأة تبيع الخبز، و ترتدي الثياب نفسها كنساء العامة في مصر أي قميص واسعة من دون زنار (جلباب)، و تضع على رأسها حجابا، و أمام وجهها خمارا صغيرا. و تحمل في يدها قطعة من أوراق النخيل المشبوكة لإبعاد الذباب، و تجلس على حصيرة من القش عرضت عليها خبزها، أما المظلة الكبيرة التي تقيها من الشمس فمبطنة بحصيرة.

241

الرحلة من جدة إلى مخيّة

و طلب منا التوجه في أسرع وقت ممكن إلى مملكة اليمن، و ألّا نتوقف إلّا في حالة الضرورة، و لم تبقنا في جدة سوى الرياح الشمالية التي منعت مراكب اليمن المحملة بالبن من أن تسير نحو عالية الخليج العربي، و هي الطريقة الوحيدة لمغادرة جدة. و في بداية شهر كانون الأول/ ديسمبر، وصلت بعض هذه السفن، و كان بينها سفينة قادمة من عمان، فنصحنا الأصدقاء بالسفر على متنها، و يطلق عليها اسم طرّاد(Tar d) . فسارعنا لرؤيتها، و نحن نتوقع أن نجدها كبيرة و مريحة، ففوجئنا حين أشاروا إلى مركب أشبه بعربة مكشوفة منه بسفينة، إذ لا يتعدى طوله سبع قامات و عرضه قامتين و نصف القامة، و يفتقر إلى سطح، كما لم أر فيه أي مسمار، بل أخشاب رقيقة و كأنها مخيّطة ببعضها، و قد نزعت صواريه و وضع أرضا لإصلاح هيكله. و كان الريّس يرتدي زي عامة الشعب من العرب، أي إنه شبه عار، تحيط برد فيه قطعة قماش، يعلوها حزام، يتدلى منه خنجر معكوف (راجعوا الصورة 10 على اللوحة(XVI) في وصف شبه الجزيرة العربية). أما البحارة فمن العبيد، استقدم قسم منهم من أفريقيا و يتميز بشفاهه الغليظة و أنفه الأفطس، و القسم الآخر من شواطى‏ء مالبار، حيث يشبه السود الأوروبيين تقريبا، أما بشرتهم فليست سوداء و لماعة كبشرة الأفريقيين. كانوا يعتمرون قلنسوة صغيرة أو عمامة، و يحملون حبلا حول خصرهم، و يضعون قطعة من القماش بعرض اليد بين افخاذهم لستر عوارتهم. و لم يشأ أي منّا تسليم أمره لهؤلاء البحارة و لمركبهم، لكن كافة أصدقائنا نصحونا بالسفر مع هذا الريّس لا مع ريّس من اليمن، لأن أشرعة سفينته ستكون من الحصر، و يعرف عنهم أنهم بحارة غير ماهرين، بينما الربابنة من مسقط و مرافى‏ء عمان الأخرى يستخدمون أشرعة كأشرعة الأوروبيين و الأتراك و الهنود، و هم بحارة ماهرون.

و تأكدنا من أن إنكليزا من الهند سيصلون إلى المخا، و ارتأينا أننا بحاجة لعونهم لدخول البلاد، فقررنا التوجه إليها مباشرة من جدة. و كنا لا نعرف لحية و الحديدة و هما المرفآن الخاضعان لسيطرة الإمام، و جلّ ما كنا نعرفه أنه علينا اجتياز مسافة كبيرة برا للوصول إلى المخا، و هي مسافة أقلقتنا لأن رأينا بعرب اليمن لم يكن أفضل من رأينا ببدو مصر و الحجاز. و علمنا أن الريس سيتوجه إلى الحديدة لتحميل كمية من البن لمسقط، و أكدوا لنا أن اجتياز القسم الجنوبي للخليج العربي، في هذا الموسم، يتطلب وقتا طويلا بسبب الرياح المعاكسة. و نصحنا أصدقاؤنا بالنزول في لحية، مضيفين أن الطرقات آمنة في دول الإمام لذا يمكننا الوصول في وقت قصير إلى المخا برا. و بالتالي، اتفقنا مع الريّس على إيصالنا حتى الحديدة، و زوّدنا كل‏

242

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

243

من الكخيا برسائل توصية لأصحاب الدولة في لحية و الحديدة، و التجار لتجار آخرين في المدينتين المذكورتين، لأنهم يعرفون أن الريس سيتوقف في لحية لأعماله الخاصة و إن لم نقرر نحن النزول من المركب في هذه المدينة. و أمر الباشا بترك أمتعتنا تمرّ من دون تفتيش، و هكذا صعدنا على متن السفينة في 13 كانون الأول/ ديسمبر.

و بالرغم من أننا استأجرنا المركب بأكلمه، وجدناه محمّلا بالبضائع، و اعتذر الريّس معللا بأن مركبه الخفيف لو حمّل أمتعتنا فقط لما تمكن من الإبحار. و كانت أسرّتنا، و هي عبارة عن قاعدة مربعة و مستطيلة، محشوة بحبال من قش، و قد علّقت فوق الصناديق و الرزم، فكانت لنا مجلسا خلال النهار، و مكانا للنوم في العراء عند ما يحلّ الليل. و لا ينبغي أن يفكر المرء بالتنزه على هذا المركب، فهو ملي‏ء بالبضائع، باستثناء زاوية صغيرة في مقدمة السفينة خصصت لطهو طعامنا و لتحضير خبز العرب. و منذ الليلة الأولى، فقد طبيبنا ساعته بين الألواح الخشبية، و الحصر التي مدّت مسبقا على هيكل المركب كي لا تتبلل البضائع إذا ما بلغت المياه المركب، و فقدنا الأمل برؤيتها، قبل إنزال البضائع كلها، و هذا ما لن يحصل في وقت قريب. و ظنّ السيد كرامر أن ساعته فقدت، لأن المياه التي تتسرب عبر الألواح الخشبية ستعطلها، إنما حين نزل في لحية وجدها بحالة جيدة. إذا، لا بد أن هذه المراكب لا تسرب المياه بعكس ما يبدو للأوروبي للوهلة الأولى.

و لم نر إلّا القليل من القرى و المدن بين السويس و جدة، و بين هذه المدينة و اليمن. لكن بما أن البعض قد يهتم بمعرفة أسماء الأماكن غير المسكونة في هذه البلاد و المجهولة في أوروبا، سأستمر في إعطاء أسماء الجزر و المراسي التي نراها خلال رحلتنا كما تقال لي. و لا تضاهي المرافى‏ء على هذه الطريق، المرافى‏ء الممتدة بين السويس و جدة، لأن كلمة مرسى تطلق على كافة الأماكن التي يمكن لمركبنا الصغير أن يرسو فيها. و كان الريس غريبا عن هذه الناحية، لكن القبطان و هو من الحديدة يعرفها خير معرفة و هو الذي زودني بأسماء الأماكن التي سترد لاحقا، و كان مهذبا للغاية معي، فلا أظنه أعطاني أسماء خطأ لغاية في نفسه.

و في 14 كانون الأول/ ديسمبر من العام 1762، أبحرنا و الرياح مواتية، و في اليوم نفسه رأينا أبي سعد، و هي أكبر الجزر الأربع قرب جدة، ثم رأس العلم، و جبل الهداء(Dsj bbel Hadda) و رأس أسود(R s Aswad) . و نجد قبالة هذا الرأس الأخير، و على الشاطى‏ء الغربي للخليج العربي، رأسا يدعى رأس عبود(R s Abچ‏d) . و إلى الجنوب، دلّني القبطان على مرفأين صغيرين على شاطى‏ء شبه الجزيرة و هما سروم(Sarچ‏m) ، و ملك سروم(Malek Sarچ‏m) أو صعدة(S ade) . و عند المساء، رسونا قرب غيدان(Ghed n) ، و يقع هذا المرسى في الجنوب، على بعد حوالي 10 أميال من جدة، إذ تقدر المسافة بين هذين المكانين بيومين سفر برا. و لم نر أرصفة مرجان بالرغم من أننا كنا على بعد ميل و نصف من الشاطى‏ء، لكن يدّعون أن هذه الأرصفة تكثر في الغرب، و أن أخطرها هو المسمى مسماري حيث اعتاد قادة السفن الأوروبية المتجهة إلى جدة اتخاذ قبطان لاجتيازه.

244

في 15 كانون الأول/ ديسمبر، و قبيل بزوغ الشمس، انطلقنا مجددا، و رأينا في الصباح، على شاطى‏ء شبه الجزيرة العربية، جبلا شاهقا، يحمل اسم عمر كبير(Amer Kbir) . و عند الظهر، وصلنا خط عرض 20؟، 28؟، و كان رأس محرم إلى الجنوب الشرقي، على بعد 5/ 4 الميل، و نستنتج بالتالي أنه يقع على خط عرض 20؟، 25؟. و عند المساء، اجتزنا مرافى‏ء مرشد(March d) و أشرا(Oschera) أو كشر(Kuschera) ، لنرسو قرب سمّار(Sum r) و يقع جبل حادم(Haddem) على مقربة منها. و يمتد الشاطى‏ء من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي، و في ذاك اليوم، رأينا بعض الأسماك الطائرة التي يطلق عليها العرب اسم جراد البحر، لكنها لا تكاد ترتفع عن الماء حتى لتعود و تغطس فيها.

في 16 كانون الأول/ ديسمبر، هبّت رياح جنوبية، و عند الظهر، كنا على خط عرض 20؟، 4؟، و كانت جزيرة عبلة(Abell t) إلى الجنوب، على بعد ميل و ربع منا، أيّ إنها تقع على خط عرض 19؟، 59؟. و كان مرسى إبراهيم إلى الشمال الشرقي، على بعد ميل و نصف أي على خط عرض 20؟، 8؟.

و بعد العشاء، مررنا أمام قارسي(Karsi) ، ثم رسونا قرب رقة(Rakka) في مياه بلغ عمقها 3 أذرع.

و لا حظت يومها أن الشاطى‏ء يمتد نحو الجنوب الشرقي.

في 17 كانون الأول/ ديسمبر ظهرا، أصبحنا على ارتفاع 19؟، 50؟، و كان بندر جلاجي(Bender Dsjeladsjie) إلى الشمال الشرقي، و رأس العسكر إلى الشرق. و نجد من هنا و حتى القنفذة(Ghچ‏nfude) و جزيرة السبايا(Sabaia) ، العديد من الجزر الصغيرة البعيدة عن الشاطى‏ء. و يشكّل المرور، في بعض الأماكن، بين هذه الجزر، خطرا نظرا لكثرة أرصفة المرجان المحيطة بها. و يمتد شاطى‏ء شبه الجزيرة العربية في هذا المحيط نحو الجنوب و الجنوب الغربي، و اشتدّ الهواء بعد العشاء، فاضطررنا للرسو قرب جزيرة صغيرة لم أعرف اسمها.

و أبحرنا مجددا في 18 كانون الأول/ ديسمبر صباحا، و بعد ساعات قليلة رأينا إلى الغرب منا، و على جزيرة سرين(Serene) جبلا شاهقا، و تعتبر هذه الجزيرة من أكبر الجزر من محيط رأس العسكر، و فيها مرسى جيد، و جاء كتاب الجغرافيا، الطقس 2، ص 50، على ذكر حصن، يسمى سرين، في هذا المحيط، على بعد 5 أيام من حالي، و لعله على هذه الجزيرة أو قبالتها على اليابسة. و عند الظهر، كنا على خط عرض 19؟، 34؟، و كانت جزيرة الظهر(Add hhr) إلى الجنوب منا، و جزيرة الغراب إلى الشمال الشرقي، و رأس كفيل(R s Kefil) إلى الغرب، فيما بندر دجى(Bender Dodsja) إلى الشرق. و يمتد الشاطى‏ء في هذه الناحية إلى الجنوب و الجنوب الشرقي. و بعد الظهر، رسونا قرب جزيرة الغراب الصغيرة حيث وجدنا الكثير من حطب التدفئة.

و في 19 كانون الأول/ ديسمبر، عاكستنا الرياح للغاية، فاضطررنا إلى الرسو و لم تكن الساعة قد تعدّت العاشرة. ثم أبحرنا مجددا قبل الظهر بقليل، و تمكنت من تحديد ارتفاع القطب 19؟، 21؟،

245

بصعوبة، لكن الرياح كانت عاصفة، و حركة مركبنا الصغير قوية. و كانت جزيرة فراء(Far) على بعد 3/ 4 الميل منا إلى الجنوب الغربي، أي إنها تقع على خط عرض 19؟، 19؟. و عند الساعة الواحدة و النصف من بعد الظهر، اضطررنا إلى إنزال المرساة قرب جزيرة صغيرة بسبب الرياح المعاكسة، و هذا دليل على أن مركبنا أفضل من مراكب اليمن التي لا يمكنها أن تغادر المرفأ إذا ما هبت رياح خفيفة معاكسة بسبب أشرعتها المصنوعة من الحصر. و رأينا خلال هذه الرحلة العديد من المراكب الصغيرة المحمّلة بالبن و القادمة من اليمن إلى جدة، و لم تكن هذه المراكب تنتقل في قوافل إنما منفردة، مما يدل على أن العرب لا يخافون من غيرهم من العرب مثل الأتراك.

و أبحرنا في 20 كانون الأول/ ديسمبر نحو الجنوب خلال ساعتين و نصف، ثم لساعة و نصف نحو الشرق، و وصلنا مرسى سيئا يسمى ساروم الخشم(Sarچ‏m el K chme) و يقع على خط عرض 19؟، 13؟. و أمر الريّس بجلب المياه التي وجدناها غير صالحة للشرب. و نرى من هذا المكان مدينة القنفذة(Ghچ‏nfude) الواقعة في الجنوب الشرقي. لكن تكثر أرصفة المرجان على شواطى‏ء هذه الناحية، فاضطررنا إلى التوجه نحو الجنوب و إلى الدوران حول جزيرة صغيرة لدخول المرفأ بمركبنا الصغير، بعد أن أبحرنا في 21 من الشهر نفسه قبل بزوغ الشمس. رسونا بين الجزيرة المذكورة و المدينة على ارتفاع 19؟، 7؟.

و القنفذة مدينة كبيرة، لكنها سيئة البناء، فمعظم المنازل لا تتعدّى كونها أكواخا في لغة الأوروبيين، و تتميز المدينة بمياهها العذبة و بمؤنها الأخرى. و تضطر السفن، الآتية من اليمن، و المحملة بالبن، إلى دفع رسوم تبلغ قيمتها، إن لم أكن مخطئا، بالة واحدة لكل حمولة، و تحصل بالمقابل على إيصال. و في طريق العودة، يسمح لها بالمرور، لكن إذا ما رست، تلزم بدفع ريالين نقدا، أو هذا على الأقل ما طلبه منا الريّس، بحجة أنه سيضطر لدفع هذا المبلغ إذا ما دخل المرفأ. و يخضع حاكم القنفذة لشريف مكة وجدة، و ليس لسلطان القسطنطينية أية سلطة عليه. و يقيم في هذه الجزيرة الصغيرة التي ذكرتها، لكنه ينزل إلى المدينة يوميا ليتواجد في الجمارك. و رسمت موقع هذه المدينة التقريبي على اللوحة(LVIII) ، و لم أر ما يثير الاهتمام، سوى فوج حرس في جنوب المدينة، عند شاطى‏ء البحر، و بعض المدافع على الجزيرة، قرب برج صغير يسمى حصن.

في 22 كانون الأول/ ديسمبر، أبحرنا قبيل طلوع الشمس، و شاهدت على بعد ميلين، إلى الجنوب من القنفذة، جزيرتين صغيرتين يطلق عليهما اسم فدعة و جبيس(Dsjabis) )Fad ha( . و عند الظهر، كنا على خط عرض 18؟، 54؟، و كان رصيف المرجان الكبير المسمى لينده(Lind h) أو أنده(And h) على بعد ميل إلى الجنوب الشرقي، فيقع بالتالي على خط العرض 18؟، 50؟، و بعد الظهر، رأينا رصيفا مرجانيا آخر. و مررنا أمام مرسى يسمى أبي كلب(Abu K lb) ، ثم رسونا على مقربة منه، قرب رأس حالي(R s H li) . و أمضيت الليل في قياس ارتفاع بعض النجوم، لكن الظلمة، و الأفق الضبابي لم‏

246

يمكناني من قياس إلّا ارتفاع المشتري، و لم أستطع بالدقة اللازمة. لكن هذه الدراسة، سمحت لي بتحديد موقع رأس حالي على خط العرض 18؟، 36؟. و عند المغيب، رأينا جبل صبيا(Sabia) ، على الجزيرة التي تحمل الاسم نفسه، و ذلك إلى الغرب، و على مسافة بعيدة من اليابسة، على مقربة من رأس حالي، على حدود الحجاز كما كانت في أيام أبي الفدا. و تعتبر الإمارات الصغيرة، الواقعة إلى الجنوب من حالي، جزءا من مملكة اليمن.

و في 23 صباحا، و في الساعة المعتادة، أبحرنا لكن الرياح عاكستنا. و عند الظهر، كنّا على خط عرض 18؟، 20؟، و كان رأس يشوف(Yachasچ‏f) على بعد حوالي ميل إلى الجنوب و الجنوبي الشرقي، و بالتالي على خط عرض 18؟، 31؟. و يمتد الشاطى‏ء تقريبا من الشمال إلى الجنوب، و مررنا في ذاك اليوم فوق رصيف مرجاني، في مياه بلغ عمقها ثلاثة أذرع. و نجد إلى الغرب، بحسب ما قال لنا القبطان، جزيرة كبيرة تحمل اسم ميركت(Meerket) ، و عند المساء، رسونا على خط عرض 18؟، 20؟، قرب فجّ الثعالب(Fedsj el Sj lbe) ، على مسافة بعيدة من اليابسة. و تتميز أرصفة المرجان في هذا المحيط بحجمها الكبير و ارتفاعها مما اضطرنا إلى استخدام مراكب الإنقاذ الصغيرة، و القيام بمحاولات عدة للنزول إلى الشاطى‏ء، و حين تمكنّا من ذلك أخيرا، مررنا في مياه عميقة للغاية مرات عدة بغية الوصول إلى بعض خيام العرب.

و يخضع العرب، الذين يقيمون بين حالي و عطود(Attue ?d) - و هي حدود شريف أبي عريش- لشيوخهم المستقلين، و يتبعون ديانة أخرى غير الإسلام. (راجعوا وصف شبه الجزيرة العربية) و يدّعي البعض أنهم يحبون لباس المسافرين كثيرا، لأنهم يجدونه أفضل مما يلبسونه، و يقال عنهم إنهم لا يقتلون امرأ لا يقاومهم، شأنهم في ذلك شأن البدو كافة. و ارتديت و السيد فورسكال أبسط ثيابنا أي إننا لبسنا قميصا واسعا كالذي يلبسه العرب، و سروالا، فيما غطى أفراد طاقم المركب، الذين لم يعتادوا هذا اللباس، أردافهم و رؤوسهم بأقبح القماش، و نزلنا إلى اليابسة، عزّلا كي لا يظنونا من الأعداء. و يصل شعرهم إلى أكتفاهم، و هذا ما لم نسمع به من قبل، و يضعون حبلا حول رؤوسهم بدلا من العمامة، و يعتمر بعض منهم نوعا من القلنسوة مصنوعة من أوراق النخيل الخضراء المتشابكة، و لا يرتدون سوى قطعة قماش يلفونها على أردافهم، كما يحمل كل منهم رمحا في يده. و بعد السلام، أخذ اثنان من البحارة رماح العرب، و كأنهما يريان شيئا فريدا، و أراد ريّسنا الحصول على رمح الأكبر سنا، فاستنتج العربي أننا نرتاب به، فسلّم رمحه للريّس، مؤكدا لنا أننا في مأمن بينهم، و رموا جميعا رماحهم أرضا لتأكيد ذلك. و بما أننا رسونا بهدف شراء المؤن، رافقنا العرب إلى خيامهم القريبة، و حين دنونا منها، لاقتنا امرأتان، و قبلتا يد الشيخ باحترام بالغ، فردّ بتقبيل رأسيهما. و لم يكن وجههما مغطى، و قد رسمتا عينيهما و رموشهما بالكحل، المصنوع من الرصاص، و زيّنتا جبينهما، و خدودهما، و ذقنيهما بنقوش سوداء.

247

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

248

و طلبت هاتان الحسناوتان منا الكحل و الحنة لزيادة محاسنهما، و تأسفنا لأننا لم نفكر بحمل هدايا كهذه من جدة للجنس العربي الجميل. و يبدو أن هؤلاء العرب متحضّرون نوعا ما، بالرغم من أنهم يتسكعون في الصحراء، و لا يتعاملون مع سكان المدن. فقدموا لنا الحليب الذي يحفظونه في جلد الماعز، و الزبدة التي تصنّع في جلود الماعز، و الخبز السيى‏ء بالرغم من أنه أفضل ما يخبزون. و اشترينا بعض المؤن، لكن العرب اضطروا إلى الصعود على متن المركب لقبض المال و قد وافقوا على ذلك دون صعوبة تذكر.

في 24 صباحا، أبحرنا و الرياح شمالية شرقية، و مررنا قرب مرفأ صغير يسمى نهود(Nhچ‏d) . و عند الظهر، كنا على خط عرض 18؟، 4؟، و كانت ظبان(Dhab n) إلى الشرق، و الوسّوم إلى الجنوب الشرقي، لكنهما بعيدتان، و يمتد شاطى‏ء شبه الجزيرة العربية تقريبا نحو الجنوب و الجنوب الشرقي. و عند المغيب، رسونا بين كرمبل(Kolچ‏mbel) و اليابسة، و كرمبل جبل صغير في البحر كان فيما مضى بركانا، على ما يدعي العرب، و مما جعل هذه الجزيرة الصغيرة مميزة هو أننا اضطررنا لإعطاء القبطان بعض المال.

و لم أتمكن من تحديد ارتفاع القطب إلا بتحديد ارتفاع المشتري، و بالتالي كنا على خط عرض 17؟، 57؟، قرب كرمبل. و قيل لنا إنه لا يوجد جزر أخرى بين هذه الجزيرة و جزيرة فران(Fir n) إنما العديد من أرصفة المرجان.

و في 25 ظهرا، كنا على خط عرض 17؟، 39، و كان جبل عطود و المرسى الذي يحمل الاسم نفسه إلى الجنوب الشرقي، استنادا إلى أقوال قبطاننا، لكن على مسافة بعيدة، و عند المساء، رسونا على مسافة كبيرة من اليابسة، إلى الغرب و الجنوب الغربي من جبل عطوي(Attuie) أو عطود أي على الحدود الشمالية لإمارة أبي عريش. و منذ غادرنا جدة، لم نر سوى جزء صغير من هذه السلسلة الجبلية التي تقطع شبه الجزيرة العربية بالطول، و في هذا اليوم لم نر منها شيئا لكثرة ما ابتعدنا عنها.

و في 26، رأينا من بعيد مرسى شط البقر(Chabt el Bakkar) ، و مرسى حمرين(H merejn) . و عند الظهر، كنا على خط عرض 17؟، 22؟، و لم نر من حولنا جبلا، أو مرسى، أو جزيرة. و عند المساء، رسونا قرب شعب الكبير(Sch b el Kabir) ، و كانت جزيرة فرسان التي يكثر فيها صيد اللؤلؤ إلى الجنوب الغربي منا. و تبين لي أن ارتفاع شعب الكبير هو 17؟، 12؟، استنادا إلى ارتفاع زحل الذي قسته بدقة، و لا حظت في ذاك اليوم أن الشاطى‏ء يمتد نحو الجنوب الشرقي و الجنوب.

و في 27 صباحا، مررنا أمام جزيرة الدروجي(Dsjesiret ed Dre ?dsji) ، و مرسى(Mersa) ، الطرفة(Turfa) ، و رأس جيزان(R s Dsjes n) ، و يبرز هذا الرأس الأخير كثيرا في البحر، و لا ينبغي خلطه بالجبل أو بلسان الأرض الذي تقوم عليه مدينة جيزان، و عند الظهر، أبحرنا في عرض البحر، فلم نعد نرى اليابسة مما منعني من تحديد موقع أي مكان على الارتفاع الذي كنا عليه أي على ارتفاع 16؟، 56؟.

و بعد الظهر، مررنا قرب جزيرتي أبي شريجة(Abu Schureija) و دراكة(Duraka) . و عند الرابعة

249

و النصف كنا بين جزيرتي هابور(Habo ?r) و جيزان(Dsjes n) ، لكننا لم نرس لأن شريف هذه البلاد مشهور بسوء استقباله للأجانب و لرعايا إمام اليمن، لذا لا يمكنني أن أقول سوى أنّ مدينة جيزان تقع على لسان أرض و قرب جبل متقدم في البحر. و على بعد حوالي ميل إلى الجنوب من جيزان، حددت ارتفاعنا على 16؟، 39؟، استنادا إلى ارتفاع زحل، و على بعد ربع ميل نحو الجنوب، أصبح ارتفاعنا 16؟، 40؟، استنادا إلى ارتفاع المشتري. و منعتني الظلمة من القيام بهاتين الدراستين بالدقة اللازمة، لكن إذا ما انطلقنا من الوسط، تقع مدينة جيزان على خط عرض 16؟، 44؟. و أبحرنا طوال الليل، لأن الرياح كانت تدور حول الشفق، و بالتالي كانت مؤاتية لنا أكثر منها خلال النهار حيث استمرت تعاكسنا. في 28 ظهرا، كنا على خط عرض 16؟، 12؟، و كانت جزيرة الغراب الصغيرة على بعد ميل منا إلى الجنوب و الجنوب الشرقي أي على ارتفاع 16؟، 8؟، أما جزيرة بيكيلام(Bikill m) فإلى الشمال الغربي. و كنا بالكاد نرى القارة، و بعد الظهر مررنا أمام جزيرة بحيس(Baheis) ، و أمام قرية صغيرة على اليابسة أعطت اسمها للجزيرة، و هي تحوي قبر أحد كبار أولياء المسلمين.

و في 29 صباحا، وصلنا مرفأ مخيّة، و رسونا على بعد 3/ 4 الميل من المدينة. و خلال رحلتنا من السويس إلى المخيّة، سمعنا عن كثير من الأسياد المستقلين الذين لا يهتمون بالتعامل مع الأجانب، و لهذا يصعّبون عليهم مرورهم في بلادهم التي ظنناها رائعة لفرط ما سمعنا عن الأمان في المناطق التابعة لإمام اليمن. و علمنا، خلال الرحلة، أن الشيخ مكرامي من نجران يخيّم مع جيشه في منطقة أبي عريش، و بالتالي عزز الإمام حامية المخيّة، و أمر حاكم المدينة ببناء برج جديد أو حصن كما يسميه العرب، خوفا من أن يزحف الشيخ مكرامي على مدينة المخيّة. و وددنا أن نتوجه مباشرة عبر البحر إلى المخا أو على الأقل إلى الحديدة، لكن تاجرين من المخا، رافقانا من جدة، قررا متابعة الرحلة عبر البر. و كنا قد تعبنا من السفر بحرا بسبب الرياح المعاكسة، فنزلنا إلى اليابسة و توجهنا إلى منزل الحاكم، لنعرف منه إن كنا نستطيع السفر بأمان من المخيّة إلى المخا عبر البر.

و يطلق عرب اليمن لقب صاحب الدولة أو أمير على حكّام المدن. أما حاكم لحية فيدعى الأمير فرحان، و هو أفريقي، أسود البشرة. أتوا به إلى اليمن حين كان فتى لبيعه، فاشتراه باشا يدعى الماس، و كان صاحب الدولة في بيت الفقيه لسنوات عدة ثم أصبح أحد أبرز وزراء الإمام في صنعاء. و بعد أن علّم الباشا فرحان، أمّن له وظائف صغيرة، لكن قدراته جعلت نجمه يلمع في البلاط، فرقيّ إلى رتبة بايلي(Bailli) أو حاكم إقليم كبير. و هو سيد مهذب، مستقيم السيرة، و صديق للأجانب، قلنا له إننا أوروبيون، و إننا نستعد للذهاب إلى المخا عبر الحديدة و من ثم إلى الهند الشرقية على متن مراكب إنكليزية، و إن كخيا جدة حمّلنا رسالة توصية موجهة إليه و إن السيد يحيى رمضان أحد أبرز التجّار في جدة أعطانا واحدة أخرى لمحسن المكاويش(M hsen el Mak wisch) ، أبرز تاجر في مخيّة

250

لاستخدامهما إذا ما توقف المركب لأيام في المدينة. و كنّا نرتدي ثيابا طويلة، و قد أرخيت و السيد فورسكال لحيتنا، و كان الأمير قد عاشر الكثير من الإفرنج في مخا، لكنه لم يرحب يوما بهذا المظهر، كما لم يسمع يوما بأوروبيين يقصدون اليمن عبر الخليج العربي، و عرف النصارى ورآهم يرتدون ثيابا طويلة كما هي العادة في الشرق. و سألنا إن كنا نصارى أم افرنج، فأجبنا أننا ندين بالنصرانية و أننا من أوروبا، لأننا نعلم أن المسلمين ينظرون إلى المسيحيين نظرة أفضل من تلك التي ينظرونها إلى من يتبع الديانات الأخرى، و لم نكن ندري إن كانوا يعتبرون الأوروبيين و ثنيين. سلّمنا الأمير الرسالة و استقدم كاتب التاجر محسن لاستلام الرسالة لأنّ هذا الأخير مريض، و لقراءة الفقرة التي تعنينا للحاكم.

و لم يعرف الحاكم، حتى هذا اليوم، من الأوروبيين سوى التجار الذين تدفعهم تجارتهم نحو اليمن.

و بعد قراءة الرسائل، تبين له أن أحدنا طبيب، و الآخر يبحث عن النبات و الثالث يهتم بالنجوم، الخ. و أننا لا نحمل معنا أية بضائع تدفعنا إلى استعجال وصولنا إلى المخا، فطلب منا أن نبقى في لحية لبعض الوقت، و وعدنا بنقلنا إلى المخا على إبله. و رجانا التاجر، الذي كان بأمس الحاجة لطبيب، أن نأتي لزيارته، و قدم لنا أحد منازله للإقامة فيه، و لم نكن نتوقع عروضات كهذه من العرب. لكن، لنخفي هدف رحلتنا الأساسي و أعني رؤية أكبر عدد ممكن من المدن و السفر برا في اليمن، تحججنا بخوفنا من أن تندلع الحرب بين الشيخ مركامي و شريف أبي عريش فتمنعنا بالتالي من السفر بأمان في البلاد. عندها، أكد لنا الأمير، أن لا خوف علينا في لحية، و أنه بإمكاننا السفر بكل أمان على كافة أراضي الإمام، سيده. ثم عرض لنا صعوبات السفر بحرا مع الرياح المعاكسة التي تسيطر خلال هذا الفصل في محيط مكرم، و أضاف أن السفر برا أكثر راحة، و باختصار، فإن أفضل نصيحة يسديها لنا هي أن نغادر المركب. و سعدنا للقائنا مسلمين أكثر تحضرا كلما ابتعدنا عن مصر، لا سيّما و أن سكان هذا البلد، الذي نسعى لزيارته و إجراء دراسات فيه، عاملونا بأدب و تهذيب. و بما أن الفرصة تسنت لنا لزيارة هذه المنطقة من شبه الجزيرة العربية، من دون أن نثير الشك، بأننا نود الانتقال إلى اليابسة، لم نتردد في ترك المركب.

و دخلنا المدينة لرؤية المنزل الذي خصّصه التاجر لإقامتنا. و لم يطلب الريّس منا أن ندفع كلفة الرحلة كاملة سلفا، كما يفعل الذين يملكون قوارب بين القاهرة و السويس، فخشي ألّا ندفع له الكلفة الكاملة حتى الحديدة، و رجا الأمير، كما قيل لنا لا حقا، ألا يدعنا نسافر أو أن يجبرنا على دفع أجره كاملا، فوعده هذا الأمير بدفع المبلغ إن نحن تخلفنا عن ذلك، لكن الريّس لم يرض بالجواب، فتوجه إلى التاجر محسن الذي عرض عليه أن يضمننا. و في الواقع، لم نكلف هذين السيدين هذا العناء، لكن بدا لي عرض هذين المسلمين كريما للغاية، فبالكاد تلاقي بعثة عربية هذه المعاملة في أوروبا.

و ما إن قررنا نقل متاعنا إلى اليابسة، حتى أمر الأمير طاقم مركبه بجلبها، و لم يرض بأن يكلفنا أيّ شي‏ء سوى الإكراميات المعتادة للبحارة، و كي لا نتعرض لأي إشكال مع موظفي الجمارك أو الحمّالين،

251

عمل كاتب التاجر على إرضائهم. و عند المساء، أرسل لنا الأمير نعجة للترحيب بقدومنا، مع رسالة مجاملة للغاية، راجعوا اللوحة(XIV) في وصف شبه الجزيرة العربية، دعانا فيها ضيوفه و أكد لنا أننا نلقى الترحيب في مرفأ اليمن هذا كما يمكننا البقاء فيه بكل أمان.

و كان مركب الأمير، الذي استخدم لنقل متاعنا، مبنيا بطريقة متينة، لكن، و وفقا لعادات البلاد، صنعت الأشرعة من الحصر التي لا يدفعها الهواء و التي يصعب التحكم بها، لذا عدنا متأخرين، و بما أن المياه تتسرب كليا تقريبا أمام المدينة عند المدّ، اضطررنا إلى النتظار أول جزر لنرسو عند الجسر. و لم نتمكن من نقل متاعنا إلى اليابسة في تلك الليلة، فسألنا إن كانت في مأمن قرب الشاطى‏ء، و حين علم الأمير بقلقنا أرسل جنديا لحراسة المركب طوال الليل. و أكّدوا لنا أننا يمكن أن نسلّمه كل ما نملك، لكننا لم نكن لنثق بجندي عربي، فبقي أحد أعضاء البعثة و خادمنا على متن المركب، و تمّ نقل أسرّة الآخرين إلى اليابسة من دون أن يطالب أحد بتفتيشها. و بقيت عدّة الطبخ في المركب، فأرسل لنا التاجر عشاء لذيذا، أعاد لنا نشاطنا، إذ لم نأكل طبقا ساخنا منذ غادرنا جدة. و لم يكن ينقصنا سوى النبيذ، و بقي لدينا القليل من الكحول السيئة التي حملناها معنا من المدينة، و استعلمنا أولا عن إمكانية الحصول على مشروبات روحية، لكنها غير متوفرة في لحية، و لم يكن بإمكاننا استقدامها من صنعاء حيث تكثر عند اليهود، إذ ينبغي نقلها في أوعية نحاسية مما يجعلها مضرّة للصحة. و أخيرا، أحضروا لنا شرابا قويا، ظننته بوظة(Busa) ، لكنه تسبب لنا غثيانا قويا، فقررنا الاستغناء عن المشروبات الروحية لبضعة أشهر.

و في اليوم التالي، نقلت صناديقنا إلى الجمارك حيث تمّ فتحها، و خشينا أن يفتشوها بصرامة و دقة، لكن الموظفين قاموا بعملهم بتهذيب فائق. و لا حظنا أن الأمير يود رؤية معداتنا و معرفة كيفية استخدامها، فعرضنا له ما ظنناه يسعده و الأعيان الذين اجتمعوا في الجمارك. و طلب السيد فورسكال- الذي كان يعرض على الحضور أشياء عدة تحت المجهر- من الخدم إعطاءه قملة حيّة، و بدا أن هؤلاء أحسوا بالإهانة إذ ظن الأوروبي أنهم مصابون بهامّة كهذه، لكن حين وعدهم بدفع بعض المال، قدم له أحدهم ما طلبه، و لم يسعد الأمير شيئا بقدر ما أسعده رؤية هذه القملة مكبّرة، و تأملها كافة الأعيان، و أخيرا، نادى على الخادم الذي أقسم أنه لم ير قملة عربية كبيرة كهذه، و لا بد أن هذه الموضوعة تحت الزجاجة قملة أوروبية. لكنه روى لأصدقائه أنه باع في ذاك اليوم للأوروبيين قملة واحدة بأربعة قروش، و كان الجميع يعلم أننا لسنا من أولئك التجار الأوروبيين الذين يأتون من الهند إلى المخا، فظن الشعب أننا تجار من نوع آخر، و أننا نجيد استعمال القمل أحسن من العرب، لذا حضر في اليوم التالي شخص و عرض علينا قبضة من القمل، ثمن الواحدة قرشا. و فيما بعد، طلب السيد فورسكال من الصبية جمع البزاق و حشرات أخرى متنوعة مقابل بضعة قروش، فجاءنا آخرون، يعرضون الحشرات للبيع، و نستنتج مما تقدم أن سكان اليمن أقدر على التجارة من باقي العرب. و من بين كافة الأدوات التي عرضتها على عرب لحية، أثار

252

منظاري الفلكي، الذي يظهر الأشياء مقلوبة، الإعجاب. و رأوا من بعيد سيدة تسير، و تفاجؤوا حين رأوها تسير و قدماها إلى الأعلى دون أن تنقلب ملابسها، الخ. و عند كل جديد، كانوا يصرخون الله أكبر، و سعد الجميع بوجود أجانب فريدين في مدينتهم، و سرّنا أن نلاقي هذا القدر من المودّة بين سكان هذه البلاد.

أما المنزل، الذي خصّصوه لإقامتنا، على الطراز الشرقي، حول ساحة مربعة، فلم تكن فيه غرف مؤثثة بشكل جميل، إنما تحيط به محال يمكن إقفالها، و أمامها ممر مفتوح. و يعتبر هذا المكان سيئا إذا ما قورن بفنادق أوروبا الجيدة، لكنه عملي و مريح في تلك البلاد. خلال الأيام الأولى، عجّت الساحة بالعرب الذين دفعهم فضولهم إلى المجي‏ء لرؤية الأوروبيين، لكن وجودهم أزعجنا في بعض الأحيان، لأنهم يستغربون كل ما يرونه حتى ما لا يدعو للاستغراب. و دفعنا هذا إلى توظيف بواب، أمرناه بعدم إدخال أحد إلّا أصحاب بعض المهن، و هكذا ارتحنا قليلا، لكن جاءنا الكثيرون بحجة رؤية الطبيب. و حين يستعلم هذا الأخير عن أوجاعهم، يصفونها بشكل يثير ضحكنا. فقد طلب أحدهم من السيد كرامر أن يجس نبضه و أن يطلعه على ما ينقص، و لم يستطع شخص آخر النوم فجاء يسأل الطبيب عن السبب الخ. و لم يذع صيت السيد كرامر في هذه المدينة إلا حين وصف لباش كاتب مقيئا، فقد أعطى هذا الدواء مفعوله من الأعلى و الأسفل حتى فقد المريض عزمه. لكن بما أن العرب يفضلون المسهلات القوية، طلب العديد منهم من السيد كرامر دواء كالذي استعمله الباش كاتب. و استدعى الأمير بحر(Bahhr) ، و هو المشرف على المركب، و الذي يمنع دخول أو خروج أية بضاعة لم تدفع الرسوم، لطبيبنا.

و حين لم يذهب على الفور، قيل له إن حصان الأمير بحر ينتظره أمام بابنا و عليه سرجه، و يتم وضع السرج على الجياد العربية في الإسطبلات كي تمتطى في أي وقت كان. و ظنّ السيد كرامر أن الأمير أرسل الجواد ليسرع إليه، فأراد امتطاءه، لكن أشاروا إليه أن الحصان هو المريض الذي ينبغي شفاؤه. و لا يخجل الطبيب العربي من ممارسة مهنته على الحيوانات بعكس السيد كرامر، لكن لحسن حظنا اكتشفنا طبيبا آخر في بعثتنا، و هو خادمنا، الذي خدم لسنوات في فوج الخيالة السويدي، و تعلّم العناية بالجياد، فعمل على علاج الجواد و نجح في ذلك، فاعتبره العرب طبيبا، و استدعي لعلاج الناس.

و في أحد الأيام، حضر عربيان لرؤيتنا نأكل على الطريقة الأوروبية، و أحدهما شاب من أعيان صنعاء، تظهر تصرفاته أنه تلقى تربية حسنة، أما الآخر فمن قحطان، حيث قلما يرون أجانب، و هو رجل ذو مكانة بين شعبه لكنه بسيط، و بدا لنا أن رفيقه اصطحبه معه ليتسلى و يهزأ به. و كان القحطاني قد سمع أمورا غريبة عجيبة عن الأوروبيين، و حين دعوناه ليأكل معنا، أجاب ببساطة أعوذ بالله من الأكل مع الكفّار الذين لا يؤمنون بالله. و سجلت اسم موطنه، و طرحت عليه بعض الأسئلة حول مدنه و قراه، فسألني: «بم يهمك موطني؟ أتنوي التوجه إليه و الاستيلاء عليه؟» و بما أننا كنا لا نزال نعيش على النمط

253

الأوروبي قدر المستطاع، أثارت الطاولة و المقاعد و الصحون و الملاعق و السكاكين و الشوك استغرابه. و طرح بعض الأسئلة و أعطى ملاحظات جدية حول عاداتنا، و لما ضحكنا من بساطته، خرج خجلا، لكن صديقه نجح في العودة معه مرات عدة. و يقدم العرب اللحم مقطعا، فرأى على مائدتنا فراريج مشوية كاملة، و كنا قد أكثرنا من الطعام برأيه، فظنّ أن علينا التوقف عن الأكل، إنما حين رأى السيد دي هافن يتحضر لتقطيع فروج آخر، شده من ذراعه و سأله عن الكمية التي ينوي التهامها، و أثار سؤاله ضحكنا، فخرج الرجل بسرعة و لم يتمكن صديقه من اللحاق به. و تمنى علينا هذا الأخير ألّا نستاء من قلة التهذيب التي أظهرها رفيقه لشدة بساطته و انسحب بدوره. لا بد أن هذا العربي سيروي في موطنه الأخبار عن غرائب عادات الأوروبيين، و سيستمع إليه الجميع بحماسة كما يستمع الأوروبيون لأولئك الذين يروون مغامراتهم المزعومة في بلاد بعيدة.

و استمتعنا بإقامتنا في المخيّة، حتى طاب لي و للسيد بورنفند أن نعزف على كمانينا عند المساء كثنائي.

مما جعل جيراننا و المارة يظنون أننا موسيقيون. و طلب منا تاجر عجوز، سمع بأخبار موسيقانا، أن نزوره و نحضر معنا القيان، لكننا رفضنا لعلمنا أن الموسيقيين لا يتمتعون بالمكانة و الاحترام اللازمين بين العرب.

و دفعت الحشرية لرؤية الأوروبيين هذا العجوز، الذي لم يكن قادرا على السير، إلى الطلب من خدمه بأن يضعوه على حماره، و أن يسندوه كي يتمكن من زيارتنا. و كان الرجل مهذبا للغاية و أكّد لنا أنه لا يكره المسيحيين، و أن ديانته لا تسمح له بذلك لأن الله خلق الناس أجمعين و يتقبّل الديانات كلها، و أنه يفضّل المسيحيين على أولئك الذين يتبعون ديانات غريبة، و ذكر لنا حديثا من الصحيح يقول فيه محمد إنه يمكن أن تأمن جانب المسيحي أكثر من اليهودي. و بعد تناول مواضيع متعددة، تحوّل الحديث إلى الموسيقى، و أعرب العجوز عن رغبته برؤية آلاتنا، و بسماعنا نعزف عليها، فقمنا بعزف بعض المقطوعات الهادئة التي تعجب الشرقيين و إن كانوا لا يتذوقون موسيقانا. و سرّ العجوز كثيرا، و أراد إعطاء كل واحد منا نصف درهم لدى مغادرته، و لا يردّ العرب عامة أيّة هدية مهما كانت صغيرة، لذا فاجأ رفضنا للمال العجوز الذي كان يعتقد أن ما من أحد يتكبّد مشقة تعلّم العزف إلّا لكسب المال، و أننا نحتاج لبعض المساعدة لأننا نصرف الكثير من دون أن نكسب من تجارة ما.

و كان هذا التاجر من القلائل الذين رأيت لحاهم مصبوغة باللون الأحمر، و لم يذكر لي أي سبب لذلك سوى أنّ اللحية الحمراء أجمل من اللحية البيضاء، في حين يرى الآخرون أنه يحاول إخفاء تقدمه بالسن. و استنتجت من ذلك أن العاقلين بين العرب لا يوافقون على عادة صبغ اللحية باللون الأحمر، و لا حظت في هذا المناسبة، و في مناسبات أخرى، أن المسلمين لا يكترثون أبدا لسنّهم. و حين نستعلم عن أعمارهم يجيبون أنهم ولدوا حين كان فلان أو فلان في الحكم أو أنهم كانوا فتيانا حين وقع هذا الحدث أو ذاك، لكن تاجرنا هذا أوضح الأمور أكثر، فهو يعلم أنه في السبعين من عمره و لا يظن أنه تجاوز

254

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}