رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - ج1

- كارستن نيبور المزيد...
398 /
255

الثمانين، في حين أن معارفه يعتقدون أنه قارب التسعين. و توطدت الصداقة بيننا حتى أنه دعانا مرارا لزيارته و قدّم لنا أفخر القهوة و التبغ و المربى، و لم يتزوج يوما وفقا للأصول لكنه يتبجح بأنه غرر بعدد من الجواري (88 إن لم أكن مخطئا)، و أنه باعهن فيما بعد، أو تزوجهن، أو أعتقهن. و قال لنا إنه يملك، منذ بضع سنوات، جاريتين شابتين و جميلتين و أنه يتمنى أن يفعل بهما ما فعل بسالفاتهما و بعدها يموت عن طيب خاطر، و وعد طبيبنا بهدية قيّمة إن مكّنه، بفضل علمه، من تحقيق رغبته. و كنا قد تعرفنا على تاجر ثري في جدة، زرناه غالبا، يعاني المشكلة نفسها، و كان في العقد الخامس، و يملك منزلا في مكة يقصده لبضعة أشهر، لكن من دون طيب خاطر، إذ يملك فيه جاريتين جميلتين تسعيان دوما لتأجيج نار حبه لكن خيبته تجعله حزينا، فقدّم لطبيبنا مئة ريال إن استطاع مساعدته ليشفي غليله مرّة واحدة. و لفرط ما تناول من أدوية وصفها له الأطباء الإنكليز لم يتمكن السيد كرامر من مساعدته‏ (*). لكن أعود لوصف مدينة لحية: بنيت هذه المدينة منذ حوالي 300 عام، على يد وليّ مسلم، يدعى الشيخ صالح(S lei) ، و يعتبر اليوم شفيع هذه المدينة لأن عرب تهامة من أصل السنّة و يجلّون كثيرا هؤلاء الأولياء المزعومين بالرغم من أن دينهم يحرّم تقديسهم. بنى هذا الشيخ لنفسه كوخا على شاطى‏ء البحر، خارج لحية، في المكان الذي نجد فيه اليوم ضريحه، و عاش فيه متنسكا. و بعد موته، تمّ بناء قبّة فوق قبره، و مع الأيام، تمّ تكبيرها، و تجميلها، و اعتبارها وقفا: و بما أن المسلمين المؤمنين يتوقعون أن يباركهم الله في هذه الدنيا و في الآخرة، إذا ما أقاموا و ماتوا في جوار هذا المزار، بنوا لهم بيوتا في محيطه. و في ذاك الوقت، كان حاكم الإقليم يقيم في مرابع(Mar bea) ، و هي مدينة صغيرة، على بعد ميل إلى الشمال من لحيّة، لكن حالة مرفئها ازدادت سوءا، فهجرت المدينة، و توسعت لحية، و أضحت فيما بعد مكان إقامة صاحب الدولة. و أشير هنا إلى أن ذريّة أولياء السنّة في التهامة يتمتعون بمكانة ذرية محمد في العالم الإسلامي كله إنما بقدر أقلّ، و يطلق عليهم لقب شيخ، كما يطلق على سلالة محمد لقب، شريف، و سيّد، و أمير و مولى، و يعتقد الناس أن التقوى و حب الفضيلة من شيم هؤلاء أكثر من عامة الشعب. و يتمتع زعماء العائلات هذه بهيبة و احترام بين الناس لأنهم ولدوا رجال دين، لذا لا يستغرب أن يشيدوا بقداستهم، و يحاولوا أن يجعلوا من أنفسهم قديسين. و يعتبر ابن الشيخ صالح المدفون في مور(Mo ?r) ، و ابنه الآخر المدفون في بهاس(Bah s) شفيعي هذين المكانين.

____________

(*) تضع نساء مخيّة، عند ما يخرجن إلى الشارع، خمارا كبيرا يغطين به وجوههن فبالكاد نرى إحدى عينيهن. لكنهن لسن متشددات كفاية فهن قد تنسين أحيانا إسدال الستارة لا سيّما حين تظن الواحدة منهن أنها جميلة و أنها تستطيع كشف وجهها و كأن شيئا لم يكن. رسم السيد بورنفايند إحدى نساء لحية، و قد نقشت على وجهها بعض الزينة باللون الأسود وصف شبه الجزيرة العربية، و رسمت حاجبيها بالسواد، و وضعت حلقات عدة في معصميها، و قرطين في أذنيها، و عقدا من اللؤلؤ المزيف حول جيدها ... راجعوا اللوحة(LIX) . لكن هذه الصورة تحمل مغالطة واحدة و هي أن كمّي القميص ينبغي أن يكونا بنفس العرض من أعلاهما و حتى آخرهما.

256

و تقع مدينة لحية في مكان مجدب، و قاحل، و في بعض الأحيان على جزيرة، لأن الأرض منخفضة نحو الشمال حتى أن الرياح الجنوبية حين تعصف لوقت طويل، و تعلو المياه، يغطي المدّ هذا الجزء من المدينة، و قلما يحدث هذا خلال عام واحد. و هي على خط عرض 15؟، 42؟، و على بعد فرسخين و 39 دقيقة و 14 ثانية على خط الطول إلى الشرق من باريس. و هو المرفأ الأكثر إلى الجنوب في المناطق الخاضعة للإمام، لكن حالته سيئة إذ إنّ المراكب الصغيرة التي تقصده تضطر للرسو على مسافة بعيدة من المدينة، حيث الجزر فلا تستطيع القوارب الصغيرة الاقتراب منه. و تبقى التجارة الأولى في هذه المدينة هي البن الذي ينتزعون بزوره و يبيعونه. و لا يضاهي هذا البن جودة بن بيت الفقيه الذي يتم نقله عبر مخا و حديدة، و هو أرخص ثمنا، و لا تعتبر كلفة نقله إلى جدة عالية نظرا إلى أن المسافة التي تفصل المنطقتين ليست بكبيرة. و لهذا السبب، نجد تجّارا من القاهرة يقيمون في لحية و يشترون البن لأصحاب عملهم أو أصدقائهم في جدة، و مصر و تركيا، كما يقصد الكثير من أبناء القاهرة لحية سنويا لشراء البن لحسابهم الخاص. و يقيم حوالي 40 بنيانيا في المدينة، لكن غالبيتهم من الحرفيين الفقراء أو من الخدم لدى من يتبعون الديانة نفسها.

و بالرغم من أن مخيّة غير محاطة بالأسوار، فهي ليست بالمدينة المفتوحة كليا، إذ نجد فيها 12 برجا من جهة اليابسة، يبعد الواحد منها عن الآخر 120 خطوة مزدوجة، و تشبه هذه الأبراج أبراج المراقبة القديمة في ألمانيا، فأبوابها مرتفعة لا يمكن و لوجها من دون الاستعانة بسلّم. و يقيم الجنود، الذين يشكّلون حامية المدن التركية، قرب الأبواب أو في المدينة نفسها، و نجد حراسا في كل برج من أبراج لحية تقريبا.

و كان معظم جنود المدينة يجلسون في الفي‏ء في أسفل الأبراج، يدخنّون النرجيلة و يشربون الكيشر (و هو شراب يحضّر من سنفة البن)، لكن رؤيتي في هذا المكان المنعزل أثارت انتباههم. و جدير بالذكر أن تسجيل الخطوط و الزوايا في طرف كهذا يشكل خطرا عليّ في تركيا و في أوروبا، لكني لم أكن أخشى شيئا بين العرب، حتى أن الضابط المسؤول دعاني للجلوس بينهم، و مشاركتهم بما قدموه لي من اهتمام، و سألني عن كيفية بناء الحصون في أوروبا، فضلا عن طريقة خوض الحروب، الخ. و استمعوا إليّ باستغراب و أنا أقص عليهم أخبار أوروبا، و عرضت عليهم اختراع الكتابة من دون حبر (بقلم)، و أخذت أسجل أمامهم الخطوط و الزوايا من دون أن يرتابوا بالأمر، حتى أنهم نادوا رفاقهم في الأبراج القريبة ليروا الغرائب التي رأوها. و هكذا، رسمت خارطة مدينة لحية و محيطها على اللوحة(LX) ، فيما حملت اللوحة(LXI) منظرا عاما للمدينة.

بنيت غالبية هذه الأبراج بطريقة تمكّنهم من الدفاع عنها بالسلاح الأبيض. أما البرج، الذي أمر الأمير فرحان ببنائه فجهّز لوضع مدافع فيه، و نجد قرب البرج الخامس مبنى فيه بعض الأسلحة. و نشاهد أمام البرجين الرابع و الخامس حفرة في الصخر. و تعتبر هذه التحصينات غير مجدية، حتى أن عرب حاشد،

257

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

258

منذ سنوات، اجتازوها و أحرقوا المدينة، لذا لا يتكل أهالي مخيّة عليها كثيرا، إذ علمنا، في شهر أيار/ مايو في مخا، أن عددا كبيرا منهم لجأ إلى جزيرة يرموك(Ormچ‏k) الصغيرة، و نقلوا إليها أغلى ما عندهم حين علموا أن بضع مئات من رجال حاشد و بكيل دخلوا تهامة و تقدموا حتى مور(Mo ?r) . و غادر العديدون بيت الفقيه، و توجهوا إلى مرفأ الحديدة، ليتمكنوا من الانسحاب بسرعة نحو بعض الجزر إذا ما تقدم العدو أكثر، لكنه تراجع حين لاقاه الأمير فرحان مع جنده‏ (*).

بني العديد من منازل مخيّة من الحجارة، لكن معظمها كتلك المرسومة في الصورةI للوحة الأولى في وصف شبه الجزيرة العربية أي كمنازل تهامة عامة، و لا يكلّف بناء منزل كهذا الكثير من المال فهيكله من الخشب الرقيق الذي يقطع من الأشجار أو الدغل، و تطلى الجدران بالصلصال الممزوج بالروث ثم تطلى من الداخل بالكلس، و تصنع السطوح من أعشاب تكثر في هذه البلاد. و تفتقر هذه المنازل للنوافذ، و تسدّ الأبواب بالحصر المصنوعة من القش. و يؤثث داخل هذه المنازل بالأسرة كتلك المرسومة في الصورة «ز» من اللوحة الأولى في وصف شبه الجزيرة العربية، و لا تغطى هذه الأسرة سوى بحبال من القش، و هي مريحة جدا للجلوس و النوم، لا سيّما أن أرض تهامة رملية، لجدبها، مما يجعل النوم عليها مزعجا للغاية.

و لا تقسم هذه المنازل إلى غرف عدة، و حين تكون عائلة العربي كبيرة و يملك ماشية، يقوم ببناء أكواخ عدة و يحيطها بسور عال، لذا تحتل المنازل مساحة واسعة و لا يمكن أن نعتبر عدد سكان تهامة بعدد سكان أي مدينة في أوروبا و تركيا تمتد على المساحة نفسها.

نجد خارج المدينة العديد من أفران الكلس، حيث تكلّس أحجار المرجان الكبيرة المستخرجة من البحر عند الجزر. و تكسر هذه الحجارة، و تكلّس في الهواء الطلق دون بناء أفران، و في وسط هذه الحجارة المكسورة شاهدنا عددا من الأصداف المستطيلة المخيّة. و نجد في الخليج العربي الكثير من الأصداف و الأسماك الجميلة. و قد أعطيت سابقا فكرة عن مراكب الصيادين في لحية في وصف شبه الجزيرة العربية.

و تعتبر مياه مخيّة غير صالحة للشرب، و تشرب العامة من مياه الوادي و من مياه بئر نعمان الذي يقع على بعد 3/ 4 الميل إلى الشرق من المدينة، أما مياه بئر كندي الواقع على بعد ميلين و 2/ 3 الميل إلى الجنوب الشرقي فأعذب، و تبقى أفضل مياه في مخيّة هي مياه فتيت التي تقع على مسافة ميلين و نصف الميل إلى الشمال الشرقي من المدينة. و لا ينقل أهالي مخيّة الماء إلى المدينة في عربات بل على ظهور الحمير و الجمال، و لا يستخدمون لذلك جلود الماعز، كما في السويس، أو الأكياس الجلدية، كما في تركيا و القاهرة، إنما جرارا حجرية بيضاوية الشكل، تتدلى عن جانبي الجمل، كما تظهر في اللوحة 16

____________

(*) تفسير أرقام اللوحةLX : 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9، 10، 11، 12 أبراج مراقبة خارج المدينة. 13، منزل الحاكم و الجمارك و برجان بالقرب من هذا المكان. 14، المبنى الذي يجمع فيه البن، و ينتزع بذره و يباع. 15، المسجد فوق قبر الشيخ صالح حيث يصلي الحاكم نهار الجمعة. 16، مقابر. 17، الآتون. 18، الطريق إلى بيت الفقيه. 19، الدرب الذي يؤدي إلى آبار فتيت‏(Ftite) .

259

في وصف شبه الجزيرة العربية. و إلى الشرق من مخيّة و على بعد ميل و 3/ 4 منها، نجد جبلا صغيرا يحمل اسم كوخشا(Ko ?scha) و تكثر فيه الأملاح المعدنية التي تستخرج منه بسهولة.

و جمعنا في مخيّة كمية كبيرة من الغرائب الطبيعية، و بما أن نقلها برا مكلف للغاية، أرسلناها إلى المخا بحرا مع أمتعتنا التي لم نكن بحاجة إليها خلال رحلتنا عبر اليابسة. و أضاف الأمير فرحان إليها رسالة موجهة إلى صاحب الدولة في المخا، يرجوه فيها أن يسمح بإبقاء أمتعتنا في الجمارك لحين وصولنا. و بعد أن جمعنا كافة المعلومات التي تهمّنا حول هذه المنطقة من شبه الجزيرة العربية، أعربنا عن رغبتنا بزيارة مدن أخرى من هذه المملكة. و وجدنا الحجة المثلى في خبر وصلنا عن مركب إنكليزي وصل إلى المخا من الهند في أواسط شهر شباط/ فبراير، و أعلمنا صديقنا الأمير فرحان بنيتنا التوجه إلى بيت الفقيه، و الاستراحة فيها ثم إكمال طريقنا إلى المخا. فسألنا عمّا يثير استياءنا في مخيّة و أكد لنا أنّ ما من حاكم في بلاد الإمام سيهتم لأمرنا بقدره هو، و كان محقا فيما قاله. و بعد ذلك أصبح الحكّام، الذين لم يأبهوا لأمرنا من أعزّ أصدقائنا. و كان الأمير فرحان يعلم أن ما من مركب يعود إلى الهند قبل حزيران/ يونيو، و أراد أن نبقى عنده حتى ذاك الحين، لكن حين أعربنا عن حاجاتنا للتحدث مع مواطنينا (يصبح الأوروبيون كلهم مواطنين في هذه البلاد البعيدة) وافق على ما أردناه، فقمنا باستئجار الجمال و الحمير في الحال لنقلنا و متاعنا إلى بيت الفقيه.

و يوم أردنا توديع الأمير فرحان، لم نتمكن من التحدث إليه لمرض ألمّ به في ذاك اليوم، فطلبنا إعلامه بسبب زيارتنا، و بأننا سنسافر إلى بيت الفقيه في اليوم التالي. و طلب منا البقاء ليوم أو يومين في مخيّة، لكننا لم نشأ ذلك لأننا كنا جاهزين للمغادرة، فأرسل بطلبنا في وقت متأخر من الليلة نفسها. و كان قد طلب مني حين وصلنا إلى مخيّة أن أعيره جهاز رصد النجوم الإنكليزي الرباعي القاعدة خلال فترة إقامتنا في المدينة. و لم أرغب بطلبه منه، لأن أيّ مسلم كان ليظن أني قدمته له هدية، لكن الأمير فرحان وضعه أمامه بعد أن لفّه بقطعة قماش حريرية و جعل عليه كمية كبيرة من الدراهم الألمانية و هي أكبر عملة تستخدم عادة في اليمن، و بعد أن سألنا، إن كنّا لا نزال نصرّ على السفر في اليوم التالي، و قال مازحا للعرب الحاضرين إن الإقامة في مخيّة لا تعجبنا- دون شك- لأننا نغادر المدينة بسرعة، الخ، أراد إعادة الجهاز لي، لكني رجوته أن يحتفظ به، فأكّد لي بعد اعتذارات جمّة أنّ هذه الهدية تسعده للغاية. ثم منح طبيبنا قطعة القماش و فيها 20 درهما فاعتبر الأخير أن بإمكانه قبولها لأنه أعطى الأمير أدوية عدة.

و قدم لنا مبلغا من المال لدفع بدل استئجار الحمير و الجمال التي ستنقلنا إلى بيت الفقيه، فرفضناه معللين السبب أننا لم نأت شبه الجزيرة العربية لنعيش على حساب أهلها. و بما أننا كنا ننوي التجوال في كافة البلاد الخاضعة للإمام، فخشينا ألا يساعدنا حكام الأقاليم الأخرى، الذين قد يفتقرون لكرم الأمير فرحان، إن شكوا بأننا ننتظر منهم أن يقدموا لنا الهدايا. و فاجأ رفضنا العرب كثيرا، إذ لم يكتف بعض‏

260

المسافرين الأتراك الذين وصلوا إلى مخيّة بطلب المال لرحلتهم بل طالبوا بمعاش لهم. و لم يكن خادمنا الأوروبي، الذي شفى أحد خيول الحاكم، حاضرا فأرسل له عشرة دراهم كمكافأة، و لم ير هذا الأخير أي داع لردّ المال.

و بما أن الأمير قدم لطبيبنا و لخادمنا الهدايا دون موافقتنا، و بما أننا لم نشأ أن ندين لعربي بشي‏ء، قررنا أن نقدم له بالمقابل ساعة أسعدته كثيرا، و إن أصرّ لبعض الوقت على رفضها قائلا إنه لا يستطيع أن يقبل هدية كهذه منا لأننا مسافرون. و سببت لنا لياقتنا مع الأمير فرحان الطيب الكثير من المتاعب لا حقا، فقد ذاع خبر كرمنا تجاهه، فظن حكّام المدن الأخرى أن من حقهم توقّع هدايا منا قبل أن يقدموا لنا أية خدمة. و لم يكن الأمير فرحان يملك ساعة و لا يعرف كيفية استخدامها، لكن تاجرا من القاهرة، من بين الأجانب الذين اعتادوا زيارة الأمير يوميا، كان يملك فيما مضى ساعة، فوعد بتعبئتها كل يوم.

و من بين العرب الذين اعتادوا زيارتنا، مثقفان فقيران، أعطياني توضيحات عدة حول الجغرافيا و حول مواضيع أخرى، و قد استخدمتها في وصفي لشبه الجزيرة العربية، لذا لا داعي لذكرها هنا.

261

رحلة من مخيّة إلى بيت الفقيه‏

في اليمن يمتطي الناس عادة الحمير- ليس لأنه لا يحق للمسيحيين ركوب الخيل كما في القاهرة- بل لأن استئجار الخيل صعب في هذا البلد. إلا أن الحمير المستعملة في المدن الشرقية و للسفر هي من جنس خاص فهي كبيرة الحجم و شجاعة و لا تزعج في السير. و لشدة قدرة هذه الحمير على المشي، يجبر الرجل الذي يسير خلفها على القيام ب 1750 خطوة مزدوجة في نصف ساعة. و كنت بحاجة لأدقق في هذا الموضوع لأتمكن من تصحيح خارطة اليمن. بعد أن عرفت سرعة سيرنا، لم يبق لي إلا مراقبة الوقت الذي نستهلكه للانتقال من مكان إلى آخر و تحويله إلى خطوات مزدوجة و أميال لأتمكن من معرفة طول المناطق‏ (*). لمعرفة وجهة الطريق اكتفيت باستعمال بوصلة جيب تماما كما فعلت للذهاب إلى طور سيناء.

و لا شك أنه لا يمكن قياس الزوايا بدقة بواسطة آلة صغيرة لكن على ظهر الحمار تصبح عملية المراقبة أسهل. و حرصت أثناء الرحلة على قياس ارتفاع القطب كلما وجدت ذلك ضروريا. و كنت كلما سرت بضعة أيام، أصحح اتجاه الطريق من خلال قياس ارتفاع القطب و البوصلة. ثم جمعت أسفاري إلى اليمن كافة و صرت أملأ المكان الشاغر بأسماء المدن و القرى التي لم أكن قد رأيتها بل تأكدت من وجودها.

و هكذا، دوّنت خريطتي التي أضفتها إلى هذا المجلّد.

و لا يمكن أن نتوقع أن الخارطة التي رسمتها لليمن هي شديدة الدقة كتلك التي رسمها مسافرون أوروبيون لجؤوا إلى الملاحظات الفلكية و الهندسية. إلا أني لم أوفر جهدا لمعرفة جغرافية البلد و لأوجّه أسفاري لمعرفة مواقع الأماكن الرئيسية التي يسيطر عليها الإمام. و إني أعلم أن قارئي سيملّ من قراءة كافة الأسماء الغريبة التي تعود إلى هذه الأمكنة: لكن بما أننا نجهل مناطق شبه الجزيرة العربية قررت ألا أكتفي بذكر أسماء القرى بل أيضا أسماء الأكواخ التي تعتبر كالمقاهي و التي تكون معزولة على طول الطريق. و غالبا ما تسمى هذه الأكواخ باسم القرى المجاورة و يمضي صاحبها نهاره كله فيها لكنه يبيت ليلة في القرية في منزل عائلته. من هنا نعلم أن هذا الجزء من شبه الجزيرة شديد الاكتظاظ بالسكان.

____________

(*) لن يستغرب القرّاء من قياسي سرعة الجمال اليمنية إذ كنت قد قست سرعة الجمال قرب جبل سيناء بالرغم من أننا لم نسر قرب الجمال إلا نادرا. كنا نستعمل جمالا صغيرة و كبيرة في قافلتنا لحمل المتاع. وفقا لساعتي، كانت الجمال الكبيرة تمشي 65 خطوة مزدوجة في الدقيقتين. أما الصغيرة فتمشي 75 خطوة. و هكذا فعلى الأشخاص الذين يمشون إلى جانبها أن يخطوا 100 خطوة مزدوجة بدقيقتين أو 1500 خطوة في كل نصف ساعة.

262

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

263

و لأن السفر إلى تهامة آمن تماما كالسفر إلى أوروبا، لم نكن بحاجة إلى انتظار انتقال القافلة. لكن بما أننا توقفنا في 20 آذار/ مارس للذهاب إلى مخيّة أرسلنا في ذلك اليوم جمالنا محملة بأغراضنا بالإضافة إلى خادمين ليهتموا بها. و بعد مرور ساعات، لحقنا بهم على ظهر الحمير. ثم مررنا بمنطقة قاحلة و صحراوية بالقرب من الخليج ثم ارتحنا في مقهى ليس سوى كوخ قريب من قرية تدعى عكام(Oke ?m) .

تقع هذه القرية على الخط المستقيم الذي يبعد ميلين ألمانيين عن جنوبي شرقي مخيّة و تبعد قليلا عن البحر و لا نجد في جوارها ماء عذبا.

و خلال وصفي لهذه الطريقة سأستعمل دوما كلمة كوخ للإشارة إلى المقهى و يسمي العرب هذه الأكواخ مقيلة(Mokeija) . و حتى لا يظن القارى‏ء أن الخدمة في هذه الأكواخ جيدة مثل خدمة المقاهي الأوروبية سأقول لهم أولا إن هذا المقهى سيى‏ء البناء لدرجة أن بيوت مخيّة الأكثر فقرا تظل أفخر منه.

فأحيانا لا نجد فيه أي سرير و تنحصر فيه الضيافة على القهوة التي تقدم في فناجين من فخار. و العرب الأثرياء الذين لم يعتادوا على شرب القهوة في أقداح مماثلة يحملون معهم أثناء السفر فناجينهم الصينية المصنوعة من الخزف. و يقدم الماء العذب مجانا في هذه الأكواخ و يعتبر المرطب الوحيد.

انطلقنا في اليوم نفسه من «أقام» و بعد أن اجتزنا أربعة أميال إلى الجنوب الشرقي، وصلنا إلى قرية الجالية عند منتصف الليل. و لقد كانت المياه فيها سيئة للغاية و كنا في هذا اليوم قد سرنا ستة أميال ألمانية.

في 21 شباط/ فبراير توجهنا نحو الجنوب الشرقي و وصلنا إلى حميان(Hamj n) و هي القرية الأولى التي وصلنا إليها بعد أن اجتزنا ميلا و ربع الميل. و من حميان وصلنا إلى سبأ(S bea) التي تبعد ربع ميل عنها و منها إلى منير(Meneyre) و هي تبعد ربع ميل عن سبأ. إن قرية منير متوسطة الكبر و فيها مسجد جميل و نزل يقصده المسافرون فيتلقون الخدمة مجانا لو شاؤوا الاكتفاء بنمط حياة أهل البلد فيستقبلون في كوخ مشترك و يعطون سريرا و خبز الذرة الساخن و حليب الناقة و الزبدة. و جدير بالذكر أن مثل هذا النزل لا يفرغ أبدا من المسافرين. و لو كانت هذه الضيافة موجودة في أوروبا لكان عدد النازلين هنا أكبر بكثير. ثم ما إن علم صاحب نزلنا بوجود أشخاص أوروبيين في دياره حتى سارع إلينا شخصيا لمعرفة ما إذا كنا نحظى بمعاملة حسنة و لو أننا تمكنا من المكوث لفترة أطول لذبح نعجة على شرفنا. و لقد خبز لنا خبز الحنطة و هو نادر في القرى ثم أحضر لنا خدمه حليب البقر بعد أن لاحظوا أننا غير معتادين على شرب حليب النوق. و يقال إن هذا الحليب منعش و صحي في البلاد الحارة لكنه لزج كثيرا فإذا وضعنا إصبعنا فيه ثم رفعناه، يمتد الحليب مثل الخيط. و رأى خدامنا العرب أن صاحب النزل سيستاء إن نحن عرضنا عليه دفع مصروف إقامتنا عنده لكن إذا أخذنا بعين الاعتبار ما حدث لا حقا لكنا عرضنا عليه هدية و حسب. فلقد استأذنا للرحيل دون أن ندفع شيئا و دون أن يسألونا أن ندفع شيئا لكن الخادم الذي لم يتجرأ على طلب أي شي‏ء في حضور سيّده تبعنا للحصول على هديّة بعد أن تأكد أننا ابتعدنا مسافة لا تسمح لسيّده برؤيته.

264

يقع جبل القمة في الجنوب الغربي من المنير. و قرب هذا الجبل من جهة الغرب هناك قرية كبيرة تدعى صعدة(S die) و لقد ذهب السيد فروسكال لرؤيتها عند ما كان يجمع الشعب في وادي سردد(Surdچ‏d) (*).

انطلقنا من المنير و سرنا مسافة ميل و ربع نحو الجنوب الشرقي فوصلنا إلى بيت الفقيه. أما المحجم(El M hhj m) الذي ذكره أبو الفدا فليس بعيدا من هنا لكنه مدمّر ما عدا المسجد القديم الشهير الذي رقمه الأمير فرحان. و كان يلزمنا نصف ميل للوصول إلى بيت الشيخ و منه ميلا للوصول إلى الضحي(Dahhi) حيث قضينا الليل. و في هذا اليوم لم نمش إلا أربعة أميال و نصف الميل.

تعتبر الضحي قرية كبيرة فيها مسجد و قبر ولي من الأولياء و قلما نرى فيها منازل من الحجارة. و في خارج القرية هناك مصبغة و معمل قرميد حيث يشوى القرميد لا في الفرن لكن في الهواء الطلق. كما و رأينا في ثلاثة أماكن مختلفة كمية كبيرة من الآنية التي يصنع فيها اللون الأزرق. إن ثمن هذا اللون رخيص في اليمن إذ يباع كل 25 رطلا بدرهم واحد إلا أنه سيى‏ء النوعية. يستعمل هذا اللون كثيرا في اليمن لأن النساء كافة يرتدين قمصانا و سراويل زرقاء. يقيم في ضاحي و في الجالية مساعد صاحب الدولة الذي يكون على رأس مجموعة من العسكر علما أن هاتين القريتين تخضعان لحاكم مخيّة. و كان الأمير فرحان الذي أعطانا رسائل توصية قد أمر السكان أن يعطونا نعجة. إلا أننا أبينا خاصة أننا وصلنا إلى الجالية في ساعة متأخرة لكننا علمنا لا حقا أن أحد خدم الأمير فرحان الذي سافر معنا بغية تحصيل أعماله الخاصة تقاسم ثمن هذه النعجة مع قاضي القرية. و بعد أن علمنا أن الفلاحين يدفعون على كل حال، أخذنا منهم في الضحي كل ما أمرهم حاكم مخيّة بدفعه.

و قضينا يوم 22 من شباط/ فبراير في الضحي، و استطعنا قياس ارتفاع هذه القرية 15؟، 13؟. للذهاب من مخيّة إلى صنعاء يجب المرور بهذه القرية.

أما الطريق الأقصر للذهاب من الضحي إلى بيت الفقيه فهو من خلال المرور بمروة(Mar ua) . لكن بما أن هذه الطريق خالية من الماء و من القرى، تركنا ضاحي في 23 شباط/ فبراير و بعد أن اجتزنا غاية صغيرة وصلنا بعد سيرنا 3/ 8 الميل إلى كوخ يدعى سباريد(Sabarid) . تشكل نقطة هذا الكوخ الحدود بين مخيّة و بيت الفقيه. و بعد ذلك سرنا ميلين و وصلنا إلى مكان فيه عدة قرى مبعثرة يسميها القرويون كافة بني عفيف. رأينا بئرين على الطريق، و على مسافة ربع ميل وجدنا القرية المسماة شرجو(Schirdsj u) . و على مسافة 3/ 8 الميل من هذه القرية و إلى غرب الطريق تقع قرية دير الخليل و بعدها ب 5/ 4 الميل تقع دير العفة. و كانت الطريق مزروعة بالآبار هنا و هناك.

____________

(*) لقد دوّنت على خريطتي كافة الأسفار التي قام بها السيد فروسكال إلى مورو وادي سردود. فرسمت بالقلم الأحمر السفرات الرئيسية (أي الطرقات) التي قامت بها الجماعة كلها و باللون الأخضر السفرات الخاصة.

265

إلى هنا كنا قد مشينا باتجاه الجنوب الشرقي و بعد أن سرنا نصف ميل آخر بالاتجاه نفسه وصلنا إلى وادي شعب الحجر الذي يتلقى الماء في أيام المطر من جبل برّه(Burra) و في شماله هناك جبل آخر يدعى حفاش(Hof sch) و يمتد إلى صنعاء. و بعد اجتياز ثلاثة أرباع الميل جنوبي شرقي شعب الحجر نصل إلى قرية لم اعرف اسمها. تتميز آبار تهامة كافة بأرضيتها المنحنية فنرى الرجال و الثيران و الحمير تنزل للحصول على مياهها مما يسهل عليهم هذه العملية. و يرفع الماء في أكياس كبيرة من الجلد تكون مربوطة إلى حبل معلق على بكرة. و الجدير بالذكر أن هذه الآبار عميقة بمجملها. يبلغ انحدار البئر 34 قدما أو من 160 إلى 170 خطوة من حيث الطول و هذا هو طول الحبل و بالتالي عمق البئر. من هناك مررنا بوادي شعب دفين حيث لا نجد الماء الجاري إلا في أيام المطر. و بالقرب من هذا الوادي من جهة الشرق و على بعد نصف ميل من الطريق، هناك قرية كبيرة تدعى مدوّر. و على بعد 3/ 2 الميل من البئر السابق رأينا قرية صغيرة تدعى دفين(Defچ‏n) و هناك ربع ميل من دفين إلى قرية غانمية القريبة من الجبال على ارتفاع 14؟، 58؟. إن هذه القرية كبيرة مثل ضاحي تقريبا لكن ليس فيها أي بناء حجري سوى المسجدين. و حتى مساعد صاحب الدولة الخاضع لحاكم بيت الفقيه كان يعيش في مسكن شعبي يشبه البيوت العادية في تهامة.

في 24 شباط/ فبراير تركنا غانمية و توجهنا نحو الجنوب الغربي و بعد أن سرنا ميلا و ثمن الميل وصلنا إلى قرية كبيرة تدعى قطية(Kataja) . حيث هناك نزل مجاني في القرية لاستقبال المسافرين لكننا لم نتوقف فيه. في الفترة الباقية من النهار سرنا نحو الجنوب أحيانا بسرعة و أحيانا ببطء مما حال دون تمكني من أخذ طول الطريق من خلال الوقت الذي صرفناه في اجتيازها. و بالقرب من جبل عال في شرق الدرب رأينا «قرى» كثيرة تدعى كلها شعارى(Sch ra) على اسم قبيلة أو عائلة عربية. بعد ذلك وصلنا إلى وادي شام و هي شأنها شأن سائر و ديان تهامة، لا تغمرها المياه إلا أثناء المطر. و في منتصف الطريق بين غانمية و بيت الفقيه هناك واد آخر واسع يدعى البلي(El Belle) و قربه قرية تحمل الاسم نفسه. ثم وصلنا إلى قرية تدعى التماني(El Te ?am ni) و رأينا بعدها عدة قرى أخرى. أخيرا وصلنا بعد منتصف الليل بنصف ساعة إلى كوخ أو ما يشبه مقهى فقضينا الليل فيه و لم نجد فيه إلا شابا لديه ستة أصابع في كل يد و كل قدم.

ثم في 25 شباط/ فبراير كنا على بعد ميل واحد من بيت الفقيه. وصلنا إلى بيت الفقيه في الصباح الباكر فنقلنا أغراضنا أولا إلى الجمرك لكن لم نتمكن من فتح صناديقنا إلا عند الظهر. و في هذه الأثناء سلّمنا رسالة من محسن المكويش(Machsen el Mekawisch) من المخيّة إلى عنبر سيف أحد أهم تجار بيت الفقيه الذي استقبلنا بحفاوة بالغة و لم يكتف بأن نقل أغراضنا من الجمارك إلى منزل استأجره لنا بل دعانا جميعا إلى العشاء في ضيافته لأننا لم نكن قد استقررنا بعد.

إن بيت الفقيه هي مسكن صاحب الدولة الذي يحكم ولاية كبيرة تقع على ارتفاع 14؟، 31؟.

266

و هناك قلعة في هذه المدينة يعتبرها أهلها شديدة الأهمية. ثم إن المدينة مفتوحة و المنازل بعيدة عن بعضها و هناك الكثير من الحجارة المستعملة في تدعيم البناء إلا أن غالبية المنازل قد بنيت على الطريقة الهندسية في تهامة أي إنها تتألف من أكواخ طويلة مستديرة السطوح و مغطاة بالعشب. نزلنا في بناء حجري هرب منه صاحبه للتخلص من حشرات حجمها كحجم النمل تسمى أرضة(Ard) . كانت هذه الحشرات الموجودة في كافة الغرف تشق طريقا لها مغطى بالتراب اعتبارا من الأرض و حتى المكان الذي تبحث فيه عن الطعام. و هي تأكل الفاكهة و الثياب و كل ما تجد، فليس إذا من الغريب أن يكره العرب شغل منزل تملؤه الحشرات. كما و تحدث هذه الحشرات أضرارا كبيرة في المنزل. تشق طريقها من جذور الشجرة حتى رأسها فتأكل الخشب الجديد و تقضي على الشجرة. و يقال إنها لا تهجم على كافة الأشجار بل تقصد الشجر ذا الخشب الناعم. و لأن البستانيين يعرفونها يقومون بتدمير ممراتها. أما نحن فطمرنا طرقاتها في الغرف لكنها كانت تعيد شقها دائما. و تعمل هذه الحشرات بسرعة في الظلام لكن حركاتها تبطئ على ضوء الشموع. و على طول الطريق في تهامة رأينا نباتات كبيرة مغطاة بالتراب و عند ما كنا نهزها لإبعاد التراب عنها كنا نرى أعدادا من هذه الممرات المغطاة و كانت النباتات جافة تماما.

إن موقع هذه المدينة يعتبر استراتيجيا بالنسبة للتجارة فهي تبعد مسافة نصف يوم عن الجبال التي تنتج البن و مسافة يوم و نصف عن مرفأ حديدة و مسافة أربعة أيام عن المخا و أربعة أيام و نصف عن مخيّة و ستة أيام عن صنعاء. و في بيت الفقيه تقوم أكبر تجارة للبن على صعيد اليمن كلها و ربما على صعيد العالم بأسره. تجتذب هذه التجارة إلى المدينة تجارا من الحجاز و مصر و سوريا و القسطنطينية و فارس و المغرب و الحبشة و الساحل الشرقي في شبه الجزيرة العرب و بلاد فارس و بلاد الهند و حتى أوروبا. و من سكان هذه المدينة هناك و ثنيون من الهند و غالبية من الديو(Diu) . يتمتع هؤلاء بحرية ممارسة دينهم علنا لكن يمنع عليهم حرق موتاهم و إحضار نسائهم معهم إلى اليمن؛ و من هنا نجدهم يسرعون إلى العودة إلى بلادهم ما إن يجمعوا بعض المال. و في أيامنا كان في المدينة أكثر من 120 من البانيان و الراسبوت منهم التجار الأثرياء و الحرفيون البارعون.

ليست مدينة الفقيه بالمدينة القديمة لأن عمرها بعض القرون مثل مخيّة. و يعود أصلها إلى شيخ شهير يعتبره العرب في تهامة فقيها لذا فإن اسمها أي بيت الفقيه يعود إليه. يدعى هذا العربي أحمد بن موسى و لا يزال ضريحه قائما إلى اليوم داخل مسجد مبني على تلة رملية خارج المدينة. و حتى اليوم يحتفل به الشعب مرة كل سنة في شهر ربيع الأول. و في السنوات الأولى كان المؤمنون يشيدون منازلهم حول ضريح فقيههم.

ثم مع تدهور الحركة في مرفأ غلفقة، تدهور حال التجارة فيها كما في زبيد و بدأت تزدهر في مدن أخرى منها بيت الفقيه. و بعد أن كبرت هذه المدينة لدرجة أن سيّد الولاية قرر أن يشيّد فيها قلعة، اختار مكانا يسهل فيه جلب المياه لكن ذلك كلفه عناء كبيرا. فمن دون ذلك لما كانت القلعة شديدة الأهمية. و لا شك‏

267

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

268

أن العرب بعد ذلك وجدوا أن صاحب الدولة و القلعة يوفران الأمن أكثر من فقيههم. و صاروا يشيدون بيوتهم قرب القلعة، لذلك لا نجد قرب مسجد أحمد بن موسى إلا بعض الأكواخ.

و إليكم بعض الكرامات التي تعزى إلى هذا الفقيه المسلم: كان أحد الباشاوات الأتراك محجوزا لأكثر من 20 سنة في إسبانيا و كان قد تضرع من دون جدوى لعدد كبير من الأولياء، إلى أن تذكر الفقيه أحمد فتضرع إليه. فما كان من الفقيه إلا أن أخرج يده من ضريحه و في اللحظة نفسها وصل الباشا من إسبانيا إلى بيت الفقيه مكبلا بالسلاسل و مربوطا إلى حجرين. و يقال إن هذه المعجزة حصلت أثناء الليل بينما كان الناس يحتفلون بعيد الفقيه أحمد و في حضور عدد كبير من الناس و لا تزال السلاسل و الحجران موجودة إلى جانب ضريح الولي.

و باعتبار أن هذه المدينة ليست عريقة الأصل، فلن أتوقف عند آثارها. فانا لم أجد فيها إلا الكتابة الكوفية القديمة التي أدرجتها في اللوحة السادسة من كتاب «وصف شبه الجزيرة العربية». و لقد نقلت الكتابة في حضور عدد كبير من المشاهدين دون أن يتهمني أحد بالتنقيب عن الكنوز أو بممارسة الشعوذة كما فعل المصريون، و كما يفعلون عادة بغية الحصول على المال. لقد كان المشاهدون شديدي التهذيب و خاصة الشيوخ و العلماء المسلمون منهم. و لقد شعر هؤلاء بالغبطة لرؤية أجانب يتكبدون عناء فك رموز كتاباتهم لتعلم اللغة العربية القديمة.

تقع بيت الفقيه فيما يشبه الوادي. و مع أنها ليست شديدة الخصوبة إلا أن الزرع لا ينقصها، كما يظهر في اللوحة(LXII) التي حددت فيها القرى التي رأيتها على الطريق. و المناطق التي بدت مغطاة بالعشب الأخضر في هذه اللوحة هي المناطق غير المزروعة و الموصلة المغطاة بالعشب الذي يفرش على سطوح المنازل في تهامة. و تشير العلامة إلى الآبار المحفورة في كافة الأرجاء. و هناك مصنع قرميد في جنوب المدينة، و تقع القلعة في الشمال (راجع الخريطة أ). كما و نرى في اللوحة(LXI) منظرا عاما لبيت الفقيه.

بعد أن علم حاكم لحية أن السيد فروسكال بقي مرة وحيدا في مور رأى أن سفرنا وحدنا يعرضنا للخطر. و سمح لنا بالذهاب حيث شئنا شرط إعلامه مسبقا لتزويدنا بأحد الجنود و لإرسال رسائل لمساعديه و لغيرهم من رؤساء القرى؛ و كنا نتخلى بسرور عن صحبة هؤلاء المرافقين إذا اشتبهنا في أنهم ينقلون أخبارنا و أخبار أبحاثنا إلى الحكومة ثم إن سكان اليمن كانوا شديدي التمدّن لدرجة أننا لم نكن بحاجة لحماية أحد حتى القضاة. و لم يكترث بأمرنا صاحب الدولة في بيت الفقيه فنعمنا بالحرية الكاملة في هذه المدينة. و لقد تعرّفنا على فقهاء فقراء و على تجار و حظيت بمعلومات كثيرة حول الجغرافيا و غيرها من الأمور التي أدرجتها في كتاب «وصف شبه جزيرة العرب».

269

رحلة من بيت الفقيه إلى غلفقة و الحديدة و الزبيد و التحيتا(Tahate) و القحمة(Kahhma) و هدية و إلى الجبال المنتجة للبنّ‏

كثيرا ما نسمع في تهامة بالمدن التي يذكرها أبو الفدا و غيره من الكتّاب العرب و التي تهدمت كليا فلم تعد تمثل شيئا اليوم. و لأن قدامى الكتّاب العرب يهتمون كثيرا بموقع هذه المدن قررت أن أذهب بنفسي إلى أماكنها ليس لأحدد موقعها الجغرافي و حسب بل لأقوم بدراسات على الآثار المتبقية. و مع أني لم أجد سوى بعض الكتابات القليلة الأهمية رأيت أنها تهم أولئك الذين يدرسون اللغات لمعرفة أي حرف عربي كان يستعمل في تلك العصور في بهذا الجزء من شبه جزيرة العرب.

و بعد أن اطمأنيت إلى أن السفر آمن إلى تلك المنطقة قررت الذهاب أولا إلى غلفقة و الحديدة. و لم أجهّز نفسي كثيرا لهذه الرحلة. ثم استأجرت حمارا لنقلي و خرجا وضعت فيه بعض الثياب و الكتب.

كانت ثياب سفري تنحصر في عمامة و معطف من دون أكمام و قميص واسع على الطريقة العربية بالإضافة إلى سراويل واسعة من نسيج الكتان و زوج من الأحذية. و مع أن السرقة شبه منعدمة في تهامة إلا أنه لا بد للمرء أن يتسلّح. لذا زوّدت نفسي بسيف يتدلى من تحت ذراعي بالإضافة إلى زوج من المسدسات تحت حزامي. أما المكاري الذي كان في الوقت نفسه دليلي و خادمي و الذي كان يتبعني مشيا على القدمين فكان يحمل سكينا كبيرا و سيفا و ترسا. و جدير بالذكر أن فقراء العرب يحملون في أسفارهم رمحا و فأسا صغيرة بدلا من السيف. كنت أستعمل سجادة عتيقة كغطاء و كطاولة و كرسي داخل البيت و كشراشف أثناء الليل. و كنت أحمل معي أريكة صغيرة أضعها على السرج أثناء النهار و تحت رأسي أثناء الليل. و كنت أتغطى ليلا بقماش كبير يضعه العرب عادة فوق كتفهم للاتقاء به من الشمس و المطر. كما و حملت معي جرة للماء علقتها على السرج. إن أي عربي كان معه في سفره قدرته(Kiddre) و هي الغليون الموجود في الصورة (س) من اللوحة 15 في صرّة في الجلد إلا أني لم أتكبّد عناء حملها معي لأني لم أكن معتادا على التدخين و لقد عودت نفسي على العيش على الطريقة العربية فلم أحتج إلى الملاعق و الشوك و السكاكين. ثم إن ذوي الشأن من العرب يحرصون على تأمين سبل الراحة أثناء السفر إلا أن ذلك مكلف جدا و يعرضهم إلى بعض المخاطر بسبب غناهم.

في 7 آذار/ مارس تركت بيت الفقيه متجها إلى الغرب نحو باب غلفقة الذي كان ذائع الصيت في السابق. و إليكم أسماء القرى التي رأيتها على يمين الطريق و يسارها: حاجي آجي(Hadsji Adsji) ، ثمانية، حضارة، مقوشية(Makauschia) ، و خضرية(Choddrie) . و من هذه القرية حتى غلفقة لم أشاهد أي‏

270

قرية لكن على بعد 3 أميال رأيت أربعة آبار محفورة مما يدل على وجود قرى قربية منعتني الجنيبات من رؤيتها. و لقد كانت المسافة من البئر الأخير و حتى غلفقة ميل و نصف. و كانت الطريق مغطاة بالرمال من هنا و هناك مما جعل دليلي يضلّ طريقه أحيانا لأن الهواء غيّر الكثبان المؤلفة من الرمل و كنا أحيانا نعود أدراجنا بسبب الكثبان الحديثة التكوين. و وفقا لهذا الحساب هناك مسافة 5 أميال و 3/ 8 من بيت الفقيه إلى غلفقة و هناك مسافة مماثلة منها إلى زبيد.

كانت مدينة غلفقة شهيرة في الماضي لأنها كانت مرفأ زبيد إلا أنه لم يعد ناشطا، ليس لأن مياه الخليج العربي تراجعت و لأن أرصفة المرجان تضخّمت و حسب بل أيضا بسبب التلال الرملية التي كوّنها الهواء في هذا المكان منذ بضع سنوات. و تقتصر غلفقة اليوم على 20 أو 30 كوخا حقيرا مشتتا بين شجر النخيل، و يعتاش أهل هذه القرية من التمر و الخراف لأن صيدهم شديد التواضع. ثم إن ثروة هذا الشاطى‏ء هي الملح و يسمح لأي كان بأن يأخذ منه قدر ما يشاء شرط أن يدفع للحاكم (و هو أمين سر صاحب دولة بيت الفقيه) ضريبة على كل حمولة جمل. إن الجدران المقلوبة التي تبقت من مقام السيد علي المدفون في مشيد هي التي تراها فقط في هذه المدينة القديمة. و لا يزال سكان غلفقة إلى اليوم يوجهون صدقاتهم إلى السيد علي. و في أماكن عديدة على طريق الحديدة وجدت مياها غير صالحة للشرب كالتي وجدتها في غلفقة.

و لقد رأيت في مقبرة هذه المدينة حجرين عليهما كتابة كوفية و كان واحد منهما لا يزال واقفا بينما الآخر ممددا على ضريح ما. و عند ما كنت أنقل الكتابة عن الحجر الأول مرّ بي بعض سكان القرية البسطاء فاستغربوا ما أفعل، و في اليوم الثاني عند ما جئت أنقل كتابة الحجر الثاني لم أجده و لا بد أن القرويين قد أخفوه ظنا منهم أني سأستعمل الكتابة لألحق الضرر بأهل القرية أو لأجني بعض المال. ثم توجهت إلى حكيم القرية و وعدته بمبلغ زهيد إن أمّن لي هذا الحجر. فقادني في طرق ضيقة إلى أن وصلنا إلى كوخ حقير مبني على قبر شيخ يسمى صالح و أكد لي أن سكان البلد لم يخفوا الحجر بل هو هذا الشيخ الذي أخذه ليحميه. و بالرغم من ذلك نقلت الكتابات دون أن أخشى إغضاب الشيخ صالح و عرض عليّ الحكيم نقل الحجر إلى بيت الفقيه لقاء مبلغ من المال. و تجدون هذه الكتابات في اللوحتين السابعة و الثامنة من كتاب «وصف شبه جزيرة العرب».

في اليوم التالي غادرت غلفقة بصحبة المكاري و حسب و بعد أن سرنا غالبية الوقت على طول الشاطى‏ء باتجاه الشمال و الشمال الغربي وصلنا إلى الحديدة. فوجدنا على جانبي الطريق أشجار النخيل لكن المنازل قليلة العدد. و وفقا لحساباتي هناك ميلان و ثلاثة أرباع الميل من غلفقة إلى الكوخ المسمّى قرام(Kure ?m) الذي يبعد نصف ميل عن قرية شرام الشروم. و في شمال القرية نجد بعض المنازل وسط النخيل لكن أصحابها لا يسكنون فيها إلا عند ما يثمر البلح. و هناك مسافة نصف ميل بين شرام‏

271

و سماحي. ثم بعد ذلك سرت في الليل ميلين ألمانيين خلال ساعتين و أربعين دقيقة إلى أن وصلت إلى الحديدة. إذن إن المسافة الواقعة بين غلفقة و الحديدة هي خمسة أميال و ربع تقريبا.

إن مرفأ الحديدة أفضل من مرفأ مخيّة إلا أن السفن الكبيرة لا ترسو فيه. و يخضع صاحب دولة الحديدة إلى الإمام مباشرة إلا أن ولايته لا تمتد إلى خارج المدينة أما عائداته فيأخذها من الضرائب المفروضة على البن المصدّر. و تتألف منازل صاحب الدولة و الجمرك و التجار الأساسيين من الحجارة أما المنازل الباقية فهي تتماشى مع إمكانات العامة أي تكون مبنية بطريقة سيئة جدا. و هناك قلعة صغيرة من جهة البحر. دفن فيها شفيع الحديدة الشيخ صادق و تقع خارج المدينة. و يحتفل بذكراه في 15 شعبان.

التقيت السيدين دوهافن(De Haven) و كرامر(Cramer) و كانا قد قاما بجولة في الحديدة لتسليم رسائل توصية من أصدقائنا في جدة و من صاحب الدولة إلى تاجر استقبلهما بحفاوة بالغة. و لأنني لم أرغب بإضاعة الوقت في الزيارات الرسمية، عدت إلى بيت الفقيه في اليوم التالي أي في 9 آذار/ مارس.

في هذه الفترة من السنة، لا يسافر الناس إلى تهامة إلا أثناء الليل. و باعتبار أن هذا الأمر يمنعني من رؤية الأماكن و من رسم خارطة البلد، لذا فضلت التخلي عن برودة الليل و السفر خلال النهار و في حرارة الشمس. تمتد الطريق باتجاه الشرق و الجنوب الشرقي و قليلا نحو الجنوب. و نجد على طول الطريق عددا من الأكواخ يستريح المسافر لارتشاف القهوة فيها، لكن المنازل تغيب تقريبا و لقد قيل لي إن هذه الأكواخ أخذت أسماءها من القرى التي كانت بقربها. و تبعد الحديدة 3/ 4 الميل عن مشورية(Muschuria) التي تبعد ربع ميل عن أسوية(Iswie) و منها لأشيل(Uschile) مسافة ربع ميل. أما المياه فهي عذبة في هذا المكان لذا يقصده سكان الحديدة لهذه الغاية. و تبعد أشيل مسافة 7/ 8 الميل عن مخاجّ(Maschdadsje) التي تبعد ثلاثة أرباع الميل عن شبير(Chabeiar) و منها ثلاثة أثمان الميل عن موسى(Mussie) و هي القرية الأولى التي رأيتها على الطريق و تبعد 3/ 8 الميل عن وادي عباسي. ثم إن القرية التي أعطت اسمها لهذا الوادي تقع في جنوب الطريق و في الشمال هناك قرية تدعى لوع تقع على بعد ربع ميل من غاري(Garri) . و من غاري هناك ثمن الميل إلى قرية قاما(Qama) التي تبعد 3/ 4 الميل عن مشفور و منها نصف ميل حتى الكوخ المسمّى شعبيّة(Sh bbie) . من هذه القرية اجتزت مسافة ميل و ثمن الميل إلى أن وصلت إلى المدينة. إذا هناك مسافة سبعة أميال و ثمن الميل من الحديدة إلى بيت الفقيه اجتزتها كلها في يوم واحد على ظهر حمار استأجرته و برفقة دليلي الذي كان يسير على قدميه.

و لأني لم ألق أي ازعاج من العرب أثناء رحلاتي، قررت القيام بالمزيد منها فتركت بيت الفقيه في 11 آذار/ مارس متجها نحو زبيد لأرى ما تبقى من هذه المدينة التي كانت في الماضي عاصمة تهامة و لأزور مدينة التحيتا(Tah te) الصغيرة القريبة منها بعد أن أكد لي سكان بيت الفقيه أني سأجد فيها بعض الكتابات الكوفية. و لقد رافقي في رحلتي هذه عربي فقير لكنه يجيد القراءة و الكتابة و اغتنم فرصة الذهاب معي ليزور أحد معارفه في زبيد. و لقد سعدت لذهابه معي.

272

تمتد الطريق إلى الجنوب الغربي من بيت الفقيه. و تقع قرية جنة على بعد 3/ 8 الميل من المدينة. ثم على بعد نصف ميل من المدينة نجد كوخ أثم(Ussum) حيث يمكن ارتشاف القهوة. و بعد أن سرت نصف ميل تقريبا وصلت إلى وادي كوة و هو واد صغير نجد فيه الماء في أيام المطر و يؤدي طريقه المتجهة نحو الجنوب الغربي إلى كوخ يدعى مفتّئة(Mef tea) يبعد عنه ثلثي الميل. و هناك مسافة 3/ 8 الميل إلى كوخ يدعى دمنة(Dimne) يقع على بعد نصف ميل من قرية المحلّة(Meh lle) باتجاه الجنوب الشرقي.

و لقد رأيت بئرين على هذه الطريق. و من المحلّة نجتاز مسافة نصف ميل لنصل إلى قرية أخرى هي قرية مهاد. و لقد رأيت على هذه الطريق ثلاثة آبار محفورة. إن هذه القرية تقع في واد واسع و خصب يسميه سكان المنطقة وادي المهاد. يتلقى مياهه في أيام المطر من جبل ريما(Re ?ma) قبل أن تتوزع في عدة قنوات. و يكثر شجر النيلة في هذه الوادي.

بعد أن اجتزت ربع ميل جنوبي غربي المهاد وصلت إلى كوخ يسمى جرّة و يمر بقربه ساعد من سواعد وادي ريما. و لقد وجدت فيه بعض الماء لكن المياه بدت راكدة و عند ما مررت به مرة أخرى في 2 آب/ أغسطس وجدت المياه لا تزال هي هي. لكن من الممكن وجود نبع في هذا المكان. و يقول الناس إنه على بعد ربع فرسخ جنوبا كانت هنالك مدينة كبيرة تدعى المهاد لكن لم يتبق منها أي منزل.

فإذا توجهنا من جرّة نحو الجنوب و اجتزنا نصف ميل نصل إلى كوخ جبل و من هذا الكوخ هناك مسافة نصف ميل وصولا إلى زبيد. إذا فالمسافة بين بيت الفقيه و زبيد هي خمسة أميال ألمانية و 3/ 8 الميل و قد اجتزناها خلال ست ساعات و خمسين دقيقة. و على بعد ربع ساعة من المدينة، أراني دليلي كومة من الحجار قائلا إنها ما تبقى من قلعة كانت لا تزال موجودة منذ بضع سنوات و إنه في العصور الماضية كان هناك مدينة كبيرة في هذا المكان و كانت تسمّى البود(El Baud) .

تقع مدينة زبيد بالقرب من الوادي الأكبر حجما و الأكثر خصوبة في تهامة كلها. و كان هذا الوادي جافا لكن موسم المطر يحمل إليه كميات هائلة من الماء تصب عليه من الجبال فيصبح نهرا كبيرا مثل النيل في مصر يسقي القرى المجاورة و يخصّبها. و في الماضي كانت هذه المدينة مكان إقامة أمير مسلم و كانت من أهم المدن التجارية في تهامة. لكن بعد أن أصبح مرفأ غلفقة غير صالح و بعد أن انتقلت التجارة إلى المخا و الحديدة و مخية و بيت الفقيه لم يتبق من زبيد إلا شهرة الماضي البائدة. لكن لا بد من القول إن زبيد تتمتع بأفضل مظهر خارجي من بين مدن تهامة كافة و يعود الفضل في ذلك إلى رجال الدين الذين عرفوا كيف يجذبون الكثير من الثروات، علما أن السكان لا يحصلون اليوم إلا على خمس عائدات المدينة و البقاع المجاورة و يحصل الأمير على الخمس الثاني بينما يحتفظ رجال الدين بالأخماس الثلاثة الباقية. لذلك نجد في المدينة الكثير من المساجد و القبب التي تبيّض قبيل حلول شهر رمضان. و هذه القبب هي بناء صغير يوضع على قبر المسلمين الأثرياء الذين يعتقد الشعب أنهم بمثابة أولياء. و يقال إن‏

273

القبة المسماة جامع ابن عمر عبد الأحد حيث يؤدي صاحب الدولة الصلاة كل يوم جمعة قد شيّدها إمام كان يقيم في جبلة(Dsjo ?bla) و إن قبة الأشعر(El Ash r) قد بناها أحد صحابة الرسول محمد.

و يقال إن مسجد باش القريب من باب شباريق و المسجد القريب من باب القرطاب و غيرها من المساجد هي من بناء الباشاوات الأتراك الذين كانوا يقيمون في المدينة و أن مسجد الإسكندرية الذي يقع اليوم داخل القصر بالإضافة إلى مسجد كمالية المجاور له قد بنتهما نساء تركيات. و نرى في هذه المدينة دور عبادة أخرى يقول أهلها إنها رائعة الجمال. و يمكننا مشاهدة آثار قناة ماء تمر في الجبال و تصل إلى المدينة و لا شك أن أحد الباشاوات الأتراك هو الذي بناها. إلا أن هذه القناة لم تعد صالحة منذ عدة سنوات.

و حاليا يجلب السكان الماء من الآبار المحفورة علما أن مياه المدينة ليست سيئة. حيث نجد في زبيد و في جوارها بساتين غناء كثيرة.

يزعم أبو الفدا أنه كان لزبيد في الماضي ثمانية أبواب إلا أنني لم أسمع إلا بخمسة أبواب؛ كان باب النحل يقع في جنوب المدينة الغربي و قد اقتلعته المياه من أساسه منذ سنوات. و لا يزال باب القرطاب قائما لكنه في الأغلب سيلقى مصير الباب السابق. و باب شباريق يقع في الشمال الشرقي و باب الشام في الشمال. و لم يبق من هذا الباب الأخير إلا الجدران الجانبية. و لقد هدت أسوار المدينة بكاملها تقريبا لأن الفقراء من سكانها يقومون ببيع حجارتها. و لقد دققت في أبواب المدينة و أسوارها و استغرق مني المرور حولها ساعة و بضع دقائق. و بالكاد تحتل المدينة اليوم نصف المساحة التي تقع داخل السور لكن لا نزال نجد فيها عدة مساجد و قبب.

إن جلّ ما تتميز به زبيد هو المدرسة الإسلامية التي تحتاجها تهامة كما يحتاجها قسم كبير من بلاد اليمن. إن هذه المدرسة ذائعة الصيت منذ سنوات. و لا يزال شبان السنة يتعلمون فيها إلى اليوم العلوم الشائعة بين المسلمين. و بالإضافة إلى صاحب الدولة الذي يعيش في هذه المدينة هناك أيضا مفت و قاض من المذهب الشافعي، و قاضيان آخران من المذهب الزيدي كما ينتمي إمام صنعاء إلى هذا المذهب نفسه و كذلك أتباعه في المناطق الجبلية؛ كما ذكرت في «وصف شبه الجزيرة العربية».

لم ألتق بين المسلمين كافة بعربي أكثر فخرا من ذلك الذي التقيت به في نزل زبيد. و لقد كان يعتاش من التجول في البلاد على حساب أثرياء الدين. و كان قد زار الحبشة و مصر و سوريا بهذه الطريقة. و كان شريفا من الشرفاء و يسبغ على نفسه صورة الأسياد العظام. ظننت في بادى‏ء الأمر أن حديثه سيعود عليّ بالفائدة لأنه قد زار الكثير من المدن لكنه لم يستطع إخباري بخصائصها و جلّ ما استطعت أخذه من حديثه هو أن الشيوخ و أصحاب الدولة و الباشاوات و غيرهم كانوا يكرمونه خير إكرام عند ما يحلّ عليهم لأنه شريف سيد من الدرجة الأولى. و كان يؤكد لأصحابه أنه يتكلم التركية و الإيطالية و الفرنسية و اللغة الحبشية لكني وجدت أنه لا يعرف من اللغات الثلاث الأولى إلا شتيمة أو بعض الكلمات التي يسمعها من الأوروبيين و الأتراك الذين يمرّون ببلاد اليمن. و بدلا من أن يقوم المسافر كما في أوروبا باستئجار غرفة

274

مفروشة في النزل عليه أن يكتفي في اليمن بأن يستأجر لكل شخص كرسيا أو سريرا يجلس عليه أثناء النهار و ينام عليه أثناء الليل. و لأن الشريف السابق الذي لم يكن معه ما يكفي من المال لاستئجار سريرين له و لابنه البالغ من العمر اثنا عشر عاما ادعى أنه يفضّل أن ينام ابنه بجواره في السرير نفسه لأنه يخشى عليه أن ينام وحده. و كان يرسله أحيانا ليقول للخدم أن يقوموا بمهمة ما إلا أننا اكتشفنا أن الصبي المسكين كان يؤديها بنفسه لأن الشريف لم يكن عنده أي خادم. أما عن زوجته المسكينة فكان يناديها بلقب «شريفة» و قد حكى لي بالتفصيل عن أصلها و فصلها من بعد أن فصّل لي شجرة عائلته بالطبع و ذلك لإخباري أن أحدا من أسلافه الذين يصلون إلى علي بن أبي طالب لم يتزوّج امرأة من عامة الشعب كان يحتقر نسب شرفاء تركيا و أسياد اليمن لأنهم تزوجوا من نساء غريبات. و كنت قد سألت يوما تركيا إذا كان باستطاعة ابن أحد الشرفاء من أم أمة أن يحافظ على لقب الشرف فقال لي إن عراقة هذا الابن تفقد جزءا من قيمتها فتصبح تماما كقطعة الذهب المخبأة داخل خرقة من القماش البالي. إلا أن الشريف الذي كنت بصحبته أخبرني أن هذا التشبيه ليس صحيحا. و قال لي إن ابن الإمام الذي كان أسلافه من الأسياد البيض هو شديد السواد لأن أمه أمة حبشية. و كان الشريف ينادي ابنه بالشريف أحمد لكن عند ما يخرج الولد عن طوعه يسمّيه كلب ابن كلب و عند ما سألته إذا ما كان يسمح للشرفاء بالتفوه بكلام كهذا قال لي إن ذلك لا يؤثر أبدا على العراقة.

كلنا يعرف أن اسم «أبو» لا يعني بالضرورة والد. يسمّي العرب رجلا له شاربان أبو شوارب مثلا، و أبو حمار رجلا يملك حمارا. كذلك يسمّون المرأة التي تبيع الزبد أم الزبد. و على الطريق بين البصرة و زبير هناك مكان سقط فيه حمار مرة فأوقع حمولته من الحنطة في الماء. و منذ ذلك الحين يسمى ذلك المكان أم الحنطة ... و قد أخبرني المسلمون مرارا أنه لا يمكن تسمية المسيح بابن الله لأن الله لم يجعل مريم تلده بالطريقة التي نولد بها نحن. ظننت إذا أن كلمة ابن باللغة العربية لا تعني إلا الولد من نسل أمّه و أبيه و لعله لهذا السبب لا يسمّي المسلمون المسيح ابن الله بل روح الله. إلا أن شتيمة ابن كلب لها عدة معان.

و بعد أن قمت بالأبحاث اللازمة في زبيد، انطلقنا في 12 آذار/ مارس باتجاه التحيتا(Tah te) و وصلنا إليها بعد أن اجتزنا مسافة ميلين و ربع إلى الشمال الغربي. سرنا كل الوقت في وادي زبيد. و هذا الوادي جاف عادة كما في جوار مدينة زبيد، لكن في الأماكن حيث لم يحضر الشلال معه الحجارة تتوضع الأتربة الخصبة فنرى أجمل الحقول‏ (*). و يشتهر هذا الوادي بشجر النيل الذي يكثر في وديان تهامة.

____________

(*) قيل لي إنه منذ سنوات قليلة جرف الشلال قبة في قرية فاسا(F sa) الواقعة عند الوادي. كان بوكوك قد سمع في السويس عن تصدير البن من فسقة(Feseca) إلى جدة. إلا أني لم أجد في اليمن كله أي اسم قريب من اسم فسقة ما عدا قرية فاسا، و هي خالية من أي مرفأ.

275

و قرب قرية التحيتا هناك أكثر من 600 مكان مختص في صناعة اللون الأزرق.

إننا لا نزال نجد في هذه القرية عددا من المساجد و البيوت الحجرية المبنية على قبور الأثرياء من السكان و الأولياء منذ كانت التحيتا لا تزال مدينة. و ابن حسن هو اسم أحد هؤلاء الأولياء و مع أن مسجده ليس الأكثر جمالا إلا أن الناس لا يزالون يشعلون القناديل كل ليلة أمام ضريحه كما و يملك أحد أهل بيته نزلا مجانيا في القرية. لكني دخلت إلى نزل آخر غير مجاني و ما إن علم صاحبه أني غريب حتى جاء بنفسه ليطلب مني التوجه إلى النزل الآخر. لكن لأني لم أشأ تغيير مسكني لتلك الليلة، أرسل إلي عشاء شهيا بدلا من الطعام العادي الذي يتناوله العرب. و لقد قيل لي في منير إن أصحاب النزل لا يأخذون المال لكن هديتي المالية قبلت بعرفان الجميل نفسه الذي قبلت به العشاء.

و كما في زبيد، لم أجد في التحيتا أي أثر قديم جدير بأن أنقله. و قد قال لي العرب إن هناك كتابات كوفية داخل المساجد لكني لم أتجرأ على الدخول إليها خوفا من إثارة نعرات عند السكان.

في 13 آذار/ مارس عدنا من التحيتا إلى بيت الفقيه. سرنا مسافة ميلين إلى الشمال الغربي قبل أن نصل إلى مرّة(Murra) . و على طول هذه المسافة لم أر أي منزل و جل ما وجدته كان بئرا محفورا، و مرّة هي قرية كبيرة تقع في وادي المهاد تحتوي عددا من القبب و على نزل كبير يقدم فيه الطعام يوميا إلى 30 أو 40 شخصا. من هذا النزل إلى الكوخ المسمى الدمنة(Dimne) و الواقع على الحدود بين بيت الفقيه و زبيد هناك 5/ 4 الميل. و لقد وصفت آنفا الطريق من الدمنة إلى بيت الفقيه لكني لم أجد شيئا يستحق النقل.

و باعتبار أني أعرف أن السفر في اليمن أكثر أمانا منه في البلدان الأوروبية كلها، فما أن عدت من سفرتي الثانية حتى بدأت أخطط للثالثة. لكن بما أن شهر الصوم رمضان كان على و شك الحلول في 16 آذار/ مارس خشيت أن يصبح مسلمو تهامة شديدي التقوى في هذا الشهر مثل مسلمي مصر. فقد كان مسلمو مصر الذين رافقوا السيد فورسكال من القاهرة إلى الإسكندرية شديدي التقيد بأصول الصيام كما لو كانوا في بيوتهم؛ فما كانوا يأكلون أو يشربون شيئا طوال النهار و كانوا يستاؤون عند ما يأكل السيد فورسكال أو عند ما تكون الرحلة شاقة. إلا أن مسلمي اليمن لم يكونوا شديدي التقيد بأصول دينهم إذ يصومون شهر رمضان عند ما يكونون في بيوتهم و يأكلون و يشربون كالعادة إذا كانوا على سفر و يبررون ذلك بقولهم إنهم سيعيدون صوم هذه الأيام في أيام أخر، إلا أنهم غالبا لا يفون بوعدهم. و بعد أن تأكدت أن عرب اليمن يأكلون و يشربون في أثناء السفر في شهر رمضان، استأجرت حمارا و انطلقت نحو (القحمة) في 19 آذار/ مارس بصحبة المكاري. إذ كنت قد علمت بوجود بقايا مدينة قديمة تدعى ليلو(Le ?lue) . و لأني لم أشأ أن أبوح للعرب بأني أجول في بلادهم بهدف رسم خريطتها، تذرّعت بأني أبحث عن الكتابات في ليلو لمعرفة الحروف التي كان يستعملها العرب في الكتابة بالعصور الغابرة.

276

إننا نجد على هذه الطريق و على بعد نصف ميل من بيت الفقيه مكانا يدعى الأقصى لم يبق منه سوى مسجد لا يزال بصورة حسنة. يحتوي المسجد قبر ولي مسلم يدعى شيخ الأقصى و هو ابن أحمد الموسى الشهير ولي مدينة بيت الفقيه و شفيعها. و من الأقصى نصل إلى كوخ يسمى ركتان(Rachte ?n) يقع على بعد 3/ 8 الميل و منه إلى القحمة مسافة ميل واحد. إذا تقع هذه القرية على بعد ميل و 3/ 4 الميل عن بيت الفقيه و عند الشمال الشرقي من المدينة. و لسلك هذه الطريق ينبغي أن نمرّ بوادي الحنش و هو شأنه شأن باقي الوديان في تهامة؛ تغمره المياه أثناء مواسم المطر فيلتقي بوادي الريما و يصب في الخليج العربي بين شرام(Schure ?m) و سماحي بعد أن يأخذ اسم وادي عباسي.

و بعد وصولي إلى القحمة مباشرة جمعت معلومات حول آثار مدينة ليلو لكني لم أجد إلا مقبرة تملؤها حجارة مخمسة الزوايا يبلغ إطارها ثماني بوصات تقريبا و طولها من أربعة إلى خمسة أقدام.

و لشدة ما كانت هذه الحجارة شديدة الدقة في القياس ظننت بادى‏ء ذي بدء أنها من صنع أحد النحاتين؛ إلا أني سرعان ما اكتشفت بالقرب من المقبرة تلة تدعى جبل قحم تتألف من حجارة مماثلة قام السكان بنقل بعض منها إلى المقبرة. و لقد كانت طبقات الحجارة في هذه التلة مصفوفة عموديا الواحدة قرب الأخرى و الواحدة فوق الأخرى و كأن بنّاء وضعها. ثم في 21 آذار/ مارس و في 1 آب/ أغسطس رأيت أعمالا مماثلة من أعمال الطبيعة في أماكن أخرى و بعد عودتي إلى كوبنهاغن قرأت في مخطوطة السيد كونيغ و هو عالم دانماركي أنه رأى في إيسلندا أحجارا مماثلة مخمّسة الزوايا يبلغ ارتفاعها من ثلاثة أذرع إلى ثلاثة أذرع و نصف و قطرها نصف ذراع. كانت هذه الأحجار مستقيمة و مصفوفة طبقات طبقات الواحدة فوق الأخرى. و من القحمة عدت إلى بيت الفقيه و أنا أخطط إلى رحلة رابعة.

كان السيد فروسكال متفرغا للقيام بأبحاث حول النبات في الجبال؛ تماما مثلما كنت أنا متفرغا للقيام بأبحاث جغرافية في تهامة. و لشدة ما كان بحثه الذي تناول المناطق المنتجة للبن ناجحا؛ رافقه السيدان كرايمر و بورنفاند في المرة التالية. أما أنا، فبعد أن تفحّصت محيط بيت الفقيه من جهة الجنوب و الشمال و الغرب ذهبت في 21 آذار/ مارس إلى الجبال و في نيتي الانضمام إلى أصدقاء رحلتي بغية تنشق الهواء البارد النقي و شرب المياه العذبة سرت 5/ 8 الميل نحو الشمال الغربي لبيت الفقيه و وصلت إلى الجلّ(Dsjelle) و العمرية(Amerie) بعد أن تجاوزت 5/ 8 الميل إلى الجنوب الشرقي. و لقد كان هنالك قرية بين هاتين السابقتين إلا أنني لم أجد أي أثر لها. و بعد أن سرت 3/ 4 الميل نحو الجنوب الشرقي وصلت إلى «صعيد». حيث هناك مسجد كبير في هذه القرية له قبة جميلة. و تقع سراب(Sor b) على مسافة 3/ 4 الميل، و على بعد 1/ 8 الميل منها تقع قرية قفل(Kufl) و على بعد 5/ 8 الميل عن قفل تقع قرية سنّف(Sennef) القريبة من الجبال. و من هذا المكان نرى مدينة هادية(Hadie) الصغيرة لكن كان عليّ السير لمدة 4/ 7 الساعة قبل الوصول إليها. إن الطرقات في هذا المكان و عرة لكن يمكننا أن نرى هنا و هناك بقايا طرق يقال إن الأتراك قد شقوها.

277

كان رفاق سفري في الجبال حيث ينمو شجر البن. فتبعتهم في اليوم ذاته سالكا طريق القزمة(Kusma) و وصلت إليهم بعد ساعتين بالقرب من قرية بو القوف(Bulgo ?fe) التي تعيش من البن. إنه لا يمكن الوصول إلى هذا الجبل إلا مشيا على القدمين و مع أن الطريق شديد الوعورة إلا أنني أحببته، كيف لا و أنا الذي قضيت رحلتي بين حقول تهامة القاحلة، و الآن وجدت نفسي محاطا هنا بالبساتين و أشجار البن من كل مكان.

لم أر بالقرب من القحمة إلا تلة واحدة مغطاة بالصخور المخمسة الزوايا لكن كانت الجبال بغالبيتها هنا على هذا الشكل. إن منظر هذه الصخور جميل جدا خاصة في الأماكن التي تسيل منها المياه من رأس الصخور على شكل شلالات مسنودة إلى أعمدة مستقيمة. و من السهل انتزاع هذه الأحجار عن الصخور و يمكن استعمالها كدرجات على الطريق أو كجدران لتثبيت بساتين البن عند منحدرات الجبال.

إن شجرة البن معروفة في أوروبا. و لقد رأيتها مزهرة هنا قرب بو القوف تنبعث منها رائحة زكية. تقع البساتين الواحد فوق الآخر و بعضها لا يتلقى الماء إلا من الأمطار بينما هناك برك في البساتين العليا تجر منها المياه العذبة إلى كافة البساتين الأخرى. و لشدة ما تكون الأشجار مرصوصة الواحدة قرب الأخرى يصعب على أشعة الشمس اختراقها. قيل لي إن الأشجار التي تسقى من غير مياه الأمطار لا تثمر إلا مرتين في السنة و إن ثمارها لا تنضج إلا مرة واحدة و إن الثمار التي لا تنضج تكون أقل جودة من الناضجة.

و بما أن الحجارة لا تنقص هنا، فإن المنازل كلها مصنوعة منها. و مع أنها سيئة البناء بالمقارنة مع منازل أوروبا إلا أن منظرها جميل من بعيد و خاصة تلك التي تقع على أعلى القمم و الجبال و التي تحيط بها الحدائق و البساتين المزروعة شجرا و التي تكون على شكل جلول. و لقد كنا في منطقة أعلى من تهامة لكن في منتصف الطريق المؤدية إلى القزمة يقع منزل صاحب دولة هذا الأقليم على رأس أعلى جبل. إن المنظر جميل من كل النواحي. و في مكان آخر حيث منزل مشيد خلف صخرة منحرفة، رأينا منظرا رائعا رسمه السيد بورنفايند (راجع اللوحة(LXIII .

قضينا الليل في بو القوف حيث جاء عدد كبير من عرب القرية لزيارتنا. و بعد رحيلهم، جاءت مضيفتنا مصحوبة ببعض النساء و الفتيات الراغبات برؤية أوروبيين. لم يظهر أي ارتباك عليهن لأنهن بعكس مسلمات المدينة لم يكن يرتدين نقابا على وجههن و كن يتكلمن معنا بحرية تامة. رسم السيد بورنفايند لباس قروية كانت متجهة لجلب الماء، يمكن رؤيته في اللوحة(LXIV) . كان قميصها و سروالها من نسيج الكتان المقلم بالأبيض و الأزرق. و كان القميص مزينا بعدة ألوان مطرزة بالإبرة حول العنق و أمام الركبتين و السروال من الأسفل حول الرجلين. و بما أن مناخ الجبال أقل حرارة من تهامة، وجدت بشرة الناس فيه أكثر بياضا.

278

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

279

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

280

نزلنا من الجبال في 22 آذار/ مارس و اتجهنا نحو هاديّة. حيث غالبا ما يأتي التجار الأوروبيون من بيت الفقيه إلى هذا المكان لقضاء بضعة أيام لأن المناخ غير حار و الطبيعة جميلة و الماء أكثر عذوبة من ماء تهامة. و من المستحسن لو تسمى هادية بالقرية الكبيرة بدلا من المدينة الصغيرة. فبيوتها فقيرة و ينحصر نشاطها بتجارة البن. و في أيام معينة من الأسبوع، يحضر سكان الجبال كميات من البن إليها فيعطون بعضا منها إلى صاحب دولة القزمة على أنها خراج ثم يحملون الباقي على ظهر الجمال إلى بيت الفقيه أو مباشرة إلى حديدة.

إن منظر المنطقة من بيت مساعد صاحب دولة هادية لرائع خلاب. فأمام البيت نرى واديا عميقا فيه جلول مزروعة قمحا و بقولا و وراءه هناك جبال منحدرة و لشدة ما كان المنظر جميلا رسمته في اللوحة(LXV) .

عدنا من هادية إلى بيت الفقيه من الطريق عينه الذي حئنا منه و الذي وصفته سابقا.

281

سير الرحلة من بيت الفقيه إلى عدن، و جبلة و تعز و حاس‏

لم نواجه في بيت الفقيه عراقيل تعيق أبحاثنا لأن السكان لم يعيرونا اهتماما بالغا، خاصة و أنهم اعتادوا على مشاهدة تجار القهوة الأوروبيين باستمرار؛ و إن حاولوا الاستعلام عن جولاتنا قلنا لهم إنها مفيدة للصحة. تعجّب العرب الذين كنا نستشيرهم دوما حول هذا المكان أو ذاك، من استعدادنا الدائم للتنقل من مكان إلى آخر، رغم شدة الحر؛ فهم يفضلون ملازمة منازلهم، خلال فصل الصيد و عدم مغادرتها إلا عند الضرورة القصوي. و لما كنا ننوي السفر إلى فرانكبار في بلاد الهند نصحونا بتفادي الجولات الخاصة حفاظا منهم على صحتنا و كانوا يسألون عن السبب الذي حثنا على قطع هذه المسافات كلها، رغم أننا لا نرغب بممارسة الأعمال دون الحصول على شي‏ء في المقابل. خطر لهم أننا نحسن صناعة الذهب؛ و لهذا السبب كان عالم النبات يجوب الجبال بحثا عن نبتة ضرورية لهذه الصناعة، حسب ظنهم. و خطر لهم أيضا أنني أمارس السحر، خاصة و أنني أرصد النجوم.

لم تخطر هذه الأفكار إلا لأصدقائنا من العرب. فصاحب الدولة لم يرسل أحدا ليستعلم عن موضوع رحلاتنا؛ فاستغليت هذا الظرف للقيام ببعض الرحلات الجغرافية. و كنت أعرف جيدا مناطق تهامة، و خاصة القسم الشرقي من مملكة اليمن؛ و كنت أنوي التعرف على المناطق الباقية خلال رحلتي إلى المخا؛ لأننا اقترحنا الانتقال من المخا إلى تعز و صنعاء، و العودة بعدها إلى بيت الفقيه. كنت آمل إذن أن أشاهد خلال هذه الرحلة القسم الجنوبي و الشرقي و الداخلي من المنطقة الجبلية في هذه البلاد. و في سبيل رسم خارطة لليمن خطر لي أن أتعرف على طرقات بيت الفقيه الواقعة في وسط تهامة، و على مدن أخرى واقعة في وسط المنطقة الوعرة. أما بالنسبة لطرقات عدن، و جبلة و تعز فهي واقعة شمالا.

يستطيع المرء التنقل في تهامة ليلا و نهارا دون التعرض لأي سوء؛ و لكن لا أحد يحب السفر ليلا في المناطق الجبلية، كما و أن التنقل وحيدا على الطرقات المنعزلة محفوف بالمخاطر. خاصة و أنني لا أجيد اللهجة التي يستعملها عرب الجبال. فطلبت من صديقي فورسكال مرافقتي في هذه الرحلة، حتى يترجم لي اللغة السائدة في البلاد؛ فبعد إقامته في الجبال حيث ينمو البن تعلم عددا كبيرا من الكلمات التي لا تستعمل أبدا في تهامة و بالتالي غريبة عني كليا. فلم يتردد بالقيام بهذه الرحلة التي ستأتي عليه بالفائدة أيضا؛ فاستأجرنا حمارين من عربي رافقنا سيرا على الأقدام، و قام مقام مرشد سياحي لنا، و خادم و ترجمان. و كنا قد أرخينا لحيتنا مثلما يفعل العرب، و ارتدينا ثيابا طويلة أضفت علينا طابعا شرقيا، غير

282

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

283

أننا استعملنا اسمين عربيين حتى لا يتعرف علينا الأوروبيون؛ و بعد أن اتخذنا هذه التدابير كلها، شك سائق الحمير في أمرنا، و حسبنا من مسيحيي الشرق.

في 26 آذار/ مارس انطلقت برفقة السيد فورسكال و السائق من بيت الفقيه؛ و بعد أن قطعنا نصف ميل جنوبا، بلغنا قرية محل القوس؛ فاتجهنا من هناك جنوبا أو جنوبا- شرقا، لنصل إلى كوخ دياب، حيث ارتشفنا القهوة. و بعد أن سرنا حوالي الميل و نصف الميل، بلغنا قرية عربين الواقعة في وادي المهاد.

و سلكنا لاحقا الطريق الجنوبي- الغربي، لنصل إلى منجد، و منها إلى قرية بساد، على بعد نصف ميل، و إلى قرية أرجود على بعد ربع ميل. و تبعد هذه القرية نصف ميل عن محلة الشيخ المجاورة لربوع؛ و هي قرية كبيرة يقام فيها أسبوعيا سوق كبير، يجتمع فيه التجار و الحرفيون و العاطلون عن العمل من القرى المجاورة بهدف جني المال أو اللهو (راجعوا كتاب «وصف شبه الجزيرة العربية» و من يقطن في قرية ربوع شيخ يخضع لصاحب الدولة في زبيد؛ و يبدو بالتالي أن ربوع تبعد خمسة أميال و نصف الميل عن بيت الفقيه.

و في 27 آذار/ مارس، غادرنا (ربوع) عند شروق الشمس؛ و بعد أن قطعنا نصف ميل جنوبا وصلنا إلى عقبي، و منها إلى سلامة، الواقعة عند سفح الجبل الذي يبعد نصف ميل عن مشعل، شاهدت قرب هذه القرية للمرة الأولى مياها جارية في اليمن؛ هي نهر وادي زبيد قبل أن يدخل إلى تهامة. و اللافت للنظر أن مجرى هذا النهر عريض جدا في هذه البقعة؛ و لكن الأمطار لم تهطل منذ فترة طويلة، و لذلك لم يكن عرضه يتعدى 20 أو 24 قدما. و بعد أن يدخل النهر أراضي تهامة القاحلة، تصب مياهه في الأرياف المجاورة، و تضيع بكاملها. ثم عبرنا قرب المياه جنوبي الجبل و اهتدينا إلى النهر قرب متعة و هي القرية الأخيرة التي نشاهدها في هذه الجهة من زبيد.

و يمكننا تحديد موقع المدن إن جبنا المناطق السهلية في هذه البلاد: و لكننا نخفق في ذلك بالمناطق الجبلية، نظرا لتعرجات الطرقات و وعورتها. و لتدارك هذه العقبة، غالبا ما نستعمل البوصلة، لتحديد المسافات بدقة متناهية. و استنادا لحساباتي، تقع متعة في الجهة الجنوبية- الشرقية، على بعد نصف ميل من مشعل. و بعد أن قطعنا ميلا و نصف الميل، وصلنا إلى جبل سلام. و لقد قال لي عربي في الحديدة إننا نجد في هذا المكان صورا منقوشة على الصخور و على الجبل لكافة أنواع الحيوانات. و بناء على هذه المعلومة كنت آمل اكتشاف نقوش قديمة، و هيروغليفية في هذه البقعة؛ و لكن آمالي ذهبت هباء. فقد حفر عربي عاطل عن العمل على هذه الصخور صورا كئيبة، كتلك التي تحدثت عنها سابقا.

و على بعد نصف ميل من جبل سلام، توقفنا في كوخ سلام لارتشاف القهوة؛ و هو يبعد ربع ميل عن قرية سلام، حيث يقام أسبوعيا سوق شعبي. و كنا نسير تارة في وادي زبيد، و طورا بمحاذاة هذا الوادي الشاسع؛ و بعد مضي ساعتين تقريبا، بلغنا ضفاف النهر الجنوبية؛ و شاهدنا من بعيد قريتين صغيرتين، لم‏

284

يفصح لي أحد عن اسمهما و رقدنا تلك الليلة في مشعا(Mascha) ، الواقعة جنوبي- شرقي سلام.

لا يسلك الرحالة هذه الطريق إلا لماما؛ فهي وعرة و خالية تقريبا من السكان و محفوفة بالمخاطر؛ لكن منذ بضع سنوات عين سيد عدن في مشعا نائبا لصاحب الدولة يعاونه على حفظ الأمن عدد من الجنود؛ و لقد قيل لنا إن هذا النائب يعوض على الأشخاص الذين يتعرضون للسرقة في مناطق نفوذه و أن لا شي‏ء يدعو للخوف. و فرض علينا نائب صاحب الدولة دفع ربع ريال للمرور في المنطقة. فوجدت أن هذه الضريبة و غيرها من الضرائب التي تفرضها الحكومة العربية على الرحالة زهيدة للغاية مقارنة بتلك التي تفرض في أوروبا.

و يقام في مشعا، سوق شعبي مرة في الأسبوع؛ و هي تمتاز بأكواخها الرديئة المصنوعة من الأنسجة المصلبة، و المغطاة بالقصب و بعد عناء طويل، وجدنا كوخا صغيرا لنبيت فيه؛ غير أننا لا نستطيع الوقوف وسطه بارتياح كما و أن أرضه ضيقة للغاية، و لا تتسع لاثنين منا؛ و كان يكفي أن يوضع في داخله سرير واحد من تلك التي تكثر في منازل تهامة؛ غير أن هذه الأسرة لا تستعمل إطلاقا في مناطق اليمن الجبلية؛ و يفضل الجميع الجلوس أرضا شأنهم في ذلك شأن سكان مصر و تركيا. أما عامة الشعب في مناطق اليمن الجبلية، حيث درجات الحرارة منخفضة فيستعملون أسرة مختلفة عن تلك المستعملة في تهامة. يندس العربي الجبلي عاريا في كيس كبير، دون أن يقفله فوق رأسه؛ فتحول حرارة لهاثه دون إحساسه بالبرد، و يوضع الكيس مقلوبا في النهار على سطح المنزل حتى لا تتكاثر الحشرات الطفيلية ليلا. و لم أحاول أبدا أن أنام في الكيس، و لكنني اعتدت على تغطية وجهي خلال الليل، خاصة في الهواء الطلق، تفاديا للندى المضر بالصحة، و الرياح المؤذية (وصف شبه الجزيرة العربية) و لم نجد في القرى الواقعة على طريقنا إلا بعض الخبز السيى‏ء المصنوع من الذرة و كميات قليلة من حليب النوق؛ لكني وجدت المياه لذيذة للغاية في الجبال الواقعة خارج تهامة.

و في 28 من شهر آذار/ مارس، غادرنا مشعا؛ و سلكنا طرقات متعرجات و وعرة حتى بلغنا مصيل(Masil) بعد أن قطعنا ميلا تقريبا. ثم عبرنا بين هاتين القريتين سهلا فسيحا تكثر فيه الأشواك و الأعشاب؛ و لا حظنا أن الأراضي أكثر خصبا و المنازل أكثر جمالا؛ فهي مبنية من الحجارة المتراصة و التي يعلوها سقف ترابي. و يقع وادي زبيد على الجهة الشمالية للطريق على مسافة بعيدة جدا عنه.

و يقام سوق شعبي في مصيل؛ غير أننا لم نكن نحمل جوازات سفر أو رسائل توصية، و نفضل التنقل متخفين و تجنب الأماكن المكتظة بالناس؛ لهذا السبب تابعنا طريقنا دون أن نتوقف للهو قليلا. و يقع على الطرف الآخر للبلدة جبل نخيل الشاهق الذي يتطلب تسلقه حوالي 45 دقيقة؛ شاهدنا على سفح هذا الجبل رمالا لماعة أو حجارة الميكا؛ و هذا ما حثّ عرب العامة على الاستنتاج بأن هذا الجبل يحوي عروق ذهب. و عند الظهر وصلنا إلى كوخ حيران حيث شربنا القهوة بعد أن مررنا أمام قبة تعلو ضريح أحد

285

الأولياء، و بئر يستعمل الناس مياهه لإرواء الماشية التي تمر في هذا المكان و أظن أن حيران تقع على بعد ربع ميل جنوبي- شرقي مصيل.

ثم مررنا في وقت لا حق بقرية سهل، الواقعة على قمة الجبل، و أمام قبر الشيخ تاري الواقع على قمة جبل آخر. زعم السيد فورسكال أن جبال هذه المنطقة غنية بعروق الحديد. و لقد توقفنا ليلا قرب كوخ الوشفاد، بعد أن أنهك التعب الحمير، حتى يتمكن السيد فورسكال من جمع الأعشاب قرب جدول صغير. و لم نصادف في تلك المنطقة إلا صبي القهوة. و كانت المنازل متداعية و خالية تماما حتى لتحسبنّ المكان مهجورا حقا. أما الطريق الممتد من حيران إلى الوشفاد فيمتاز بتعرجاته الكثيرة. و تبلغ المسافة بينهما حوالي الربع ميل. و يمكننا بالتالي القول إن مشعا تبعد ثلاثة أميال عن الوشفاد.

لما كان سكان المنطقة يتوقعون هطول الأمطار في أوقات متقاربة، بنوا قرب الجبال سدودا من الحجارة و الأشواك حتى تصب المياه المتدفقة من أعالي الجبال في الحقول المجاورة؛ فهذه الحقول متدرجة و لها من الجهة السفلى سور ترابي، يحول دون تسرب المياه. يجدر بالبلدان الأخرى أن تقلد هذه الطريقة في ري الحقول. غير أنني لا أحبذ أبدا طريقتهم في قطع الخشب؛ فهم يشعلون النار عند أسفل الجذع، حتى يشتعل جيدا و تقع الشجرة كلها.

و في 29 آذار/ مارس، غادرنا عند الساعة الثانية ظهرا الوشفاد، فعبرنا الجدول الصغير الذي أشرت إليه سابقا، و بعض الهضاب الصغيرة حتى بلغنا جدولا آخر ينبع من شرقي أعالي الجبال، و يصب في وادي زبيد بعد أن ينضم إلى سواقي المنطقة فشاهدنا أولى بساتين البن، على الطريق التي قطعناها من بيت الفقيه؛ و لو اعتبرنا الطريق مستقيمة، وقع هذا المكان على بعد نصف ميل من الوشفاد. و لقد صادفنا في طريقنا ثلاثة جبال شاهقة، و شاهدنا على الأخير جامعا متداعيا توقفنا قربه لارتشاف القهوة. و بعد مرور نصف ساعة عدنا إلى وادي زبيد، الذي لم نشاهده منذ مغادرتنا مشعا. و تكثر في هذه المنطقة بساتين البن. ثم عبرنا لاحقا ساعد الوادي الآخر الذي كان جافا، و مليئا بقضبان القصب، التي يبلغ طول كل واحد منها 20 قدما، منصوبة على جانبي الطريق أو على ضفاف الجدول الجاف. و الجدير ذكره أن عدن تقع على مقربة من هنا استنادا إلى حساباتي و تبعد الوشفاد ميلين عن الجامع أو ما يعادل أربع ساعات و نصف.

إن مدينة عدن مفتوحة و صغيرة؛ لا يزيد عدد منازلها على 300 و هي مبنية من الحجارة و الملاط يمر أمام البلدة من الجهة الشمالية جدول يصب في وادي زبيد. و الجدير ذكره أن الطريق الممتدة من تهامة إلى عدن شبه خالية من السكان؛ بينما يحتشد الناس في أماكن أخرى من هذا الأقليم. و يؤمن البن مردودا كبيرا علما أن بن عدن هو الأفضل في اليمن و في العالم أجمع و لا أظن أن الإمام يعين صاحبا للدولة في هذا المكان، تستلم عائلة الشيخ التي تقيم في قصر خارج البلدة زمام السلطة؛ غير أن الشيخ العالم يخضع لسيادة الإمام.

286

ثم غادرنا عدن صباح 30 آذار/ مارس، و بعد أن قطعنا ربع ميل، بلغنا وادي زبيد الغني بالقصب.

و بعد أن اجتزنا ربع ميل آخر، بلغنا بلدة شيخ شهاري، حيث صادفنا كوخ حطبة على جبل مسعد فتوقفنا فيه لارتشاف القهوة. و كانت عدن واقعة على الجهة الغربية. قطعنا من الكوخ المذكور نصف ميل لنبلغ وادي زبيد. و بعد أن سرنا صعودا حوالي النصف ميل بلغنا بلدة عصل(Osle) ؛ و شاهدنا في جوارها حقولا مزروعة بقصب السكر و رغم أن عصل مرتفعة عن سطح المياه إلا أننا سرنا 9 أرباع الساعة للوصول إلى قمة الجبل.

و لقد كانت طريق هذا الجبل الوعر مبلطة جزئيا. و لكن لم يحاول أحد ترميمها منذ عدة سنوات.

و لا حظت أن سكان اليمن يتخذون إجراءات كثيرة لتأمين الراحة للرحالة؛ فقد وجدنا على هذا الجبل ثلاثة خزانات صغيرة مليئة بالمياه العذبة مخصصة لاستعمال المارة. يبلغ عرض هذه الخزانات قدمين و نصف و طولها خمس أو سبع أقدام و هي مستديرة أو محددة الرأس من الأعلى و لها فتحة واحدة تسكب منها المياه. و نجد أحيانا قرب هذه الخزانات يقطينة مقعرة، أو مجرفة خشبية؛ و لكن يستحسن أن يجلب المسافر معه كأسه أو إبريقا للرحلات الطويلة و لما كانت الأمطار تهطل بغزارة في هذه المنطقة الجبلية خلال وقت محدد من السنة بني على هذا الجبل منزلان أو قبتان يحتمي فيهما المسافر من وابل الأمطار. تقع بلدة رعكة(R ka) على ارتفاع 2/ 3 من الجبل بينما نجد بلدة مشوار على الجهة الشمالية من الطريق. و إن وقفنا على قمة الجبل شاهدنا مدينة عدة على الجهة الغربية وعب على الجهة الشرقية.

و تقع مدينة جبلة خلف جبل شاهق على بعد ميل تقريبا؛ مما يعني أن عدن تبعد ثلاثة أميال عن جبلة.

لقد حملنا معنا محر ريومور الذي كنا نعود إليه في كافة الظروف، بينما كان السيد بورانفايند يقيس الارتفاع في بيت الفقيه مستندا إلى محر فهرنهايت. أما محر ريومور فسجل ذلك النهار عند الواحدة ظهرا، 17 درجة و نصف، بينما سجل محر فهرنهايت 71 درجة؛ و في الوقت عينه، سجل محري في بيت الفقيه 56 درجة؛ و هذا يعني أن الطقس كان ألطف حيث كنا منه في تهامة. و تعتبر الملابس نوعا آخر من العناصر التي تشير إلى الفرق في الحرارة. فبينما ينتقل سكان تهامة شبه عراة يرتدي عامة الشعب في هذه المنطقة الوعرة جلد الخراف.

و لقد شاهدنا بين الجبل المذكور و جبلة عدة قرى منها مدينتا بني حسان و عقاب. و كانت التلال مغطاة بحقول الثيلم المتدرجة، غير أن البن لا ينمو في هذه المنطقة رغم خصوبتها.

إن عرب اليمن يعترضون- و خاصة الجبليون منهم- المارة و يسألونهم عن القرية التي غادروها عند الصباح، و تلك التي ينوون قضاء الليلة فيها؛ و لما كانت غايتهم الاطمئنان عليهم فحسب فمن قلة التهذيب عدم الإجابة على هذه الأسئلة كلها. فأعطيناهم أجوبة صريحة على السؤال الأخير. و فضلنا التكتم حول السؤال الأول: لأننا كنا نردد دوما أننا قادمون من الشام (الشمال)؛ و الشام هي دمشق في سوريا.

287

و إن حاول أحدهم أن يسألنا إن كنا أتراكا قلنا له إننا نصارى؛ فظن أننا يونانيون أو أرمن. و في الحقيقة كان باستطاعتنا الاعتراف بهويتنا الأوروبية من دون التعرض لأي سوء؛ لكننا حاولنا أن نتجنب هذا الأمر كي لا نثير فضول الشعب. و لقد ظنت صاحبة أحد المقاهي في أجرود أننا رجال دين أتراك؛ لأنها طلبت منا أن نتلو لها الفاتحة (و هي صلاة شائعة عند المسلمين). و قبيل مغادرتنا المكان عند وصولنا إلى جبلة، أسماني أحدهم الحاج أحمد، و ادعى أنه يعرفني بهذا الاسم منذ عدة سنوات. و لم يحاولوا الاستعلام عن جوازات السفر، أو ضرائب العبور أو أي شي‏ء آخر يفرض على الرحالة الأوروبيين؛ و رغم أننا كنا في شهر رمضان وجدنا في بعض المقاهي- و بشكل خاص- في المنعزلة منها أشخاصا يعدون الطعام للمسافرين.

تعد جبلة عاصمة إقليم أم علا(Iemo Ala) ، و مقر صاحب الدولة. يبلغ طولها 500 قدم هندسية و تقع قرب واد ضيق و عميق؛ و لكنني لا حظت أنها ليست كثيرة العرض مما يجعلني أظن أن عدد منازلها لا يزيد على ال 600.

و تمتاز هذه المدينة بطرقاتها المعبدة، و منازلها الكبيرة المبنية على الطراز العربي؛ غير أني لم أر فيها قصورا أو سورا، و لم أحاول أن أوطد علاقاتي بسكان البلدة الأصليين الذين يعرفون الجوار جيدا كي لا أثير الشكوك حولي و لقد لا حظت أن اليهود يقيمون خارج البلدة و يبلغ طول شارعهم 100 قدم و يقع غربي المدينة.

إن مدينة جبلة قد اشتهرت منذ عدة قرون؛ غير أنني لم أشاهد فيها نقوشا ذات أهمية كبرى.

اصطحبونا خارج البلدة لمشاهدة جامع متداع و بعض الصروح القديمة التي ادعوا أن عمر بن سعيد المعروف بصاحب الكلام الذهب هو الذي بناها. لكن النقوش التي رأيتها على بقايا الجدران ليست أثرية إلى هذا الحد. و قيل لي إننا نجد قرب قرية عقاب جوامع هائلة مهدمة، غير أنها لا تستحق عناء الذهاب لرؤيتها. و عند مغادرتي المدينة، أرشدوني إلى صرح صغير شرقي البلدة محاط بالأسوار، دفن فيه باشا تركي. و لم يسمح لي الوقت لنقل النقوش التي تغطيه؛ و لا يهمنا أن نعرف اسم باشا جبلة الذي توفي منذ 150 سنة.

ثم في 31 آذار/ مارس، غادرنا جبلة بعد العشاء و سلكنا طريق تعز. و قضينا الليلة في خان واقع على الجهة الجنوبية لجبل محراث، حيث تبعد محراث عن جبلة حوالي ثلاث ساعات أو ميل و نصف في الجهة الجنوبية- الشرقية.

و في صباح اليوم التالي، استخدمنا مرشدا سياحيا و تسلقنا جبل شدرا الشاهق لنرى بقايا أحد القصور.

و يعد جبل محراث عاليا جدا مقارنة بالوادي الواقع جنوبا؛ لكن كان يلزمنا ساعة تقريبا لتسلق جبل شدرا. و بعد أن بلغنا أعلى قمة، رأينا آثارا قديمة شبيهة بتلك التي نشاهدها في ألمانيا قرب القصور المتداعية الواقعة على الجبال. و تتألف جدران هذا القصر العربي و أبراجه من الحجارة الصلبة غير المنحوتة. و رأينا في‏

288

إحدى جهات السور فتحات طويلة و ضيقة، كانت تستعمل قديما ككوى لإطلاق السهام. و لقد انهارت مباني هذا القصر كله و لم يتبق منه إلا خزان كبير مربع و آخر مستدير لا تزال آثار المدافع بارزة على جدرانه. و يقال إن هذا القصر و آخر على جبل ثقل(T kel) ، المجاور لبلدة جبلة، قد بنيا على يديّ حسان الجاهلي؛ و غالبا ما يستعمل العرب كلمة جاهلي للدلالة على أسلافهم الملحدين. و لم أسمعهم يوما ينعتون الملحدين بالكفار رغم أن هذه العبارة رائجة الاستعمال. و لم أجد أثرا للنقوش في قصر جبل شدرا؛ لكن طريقة بناء الحجارة تدل على انتمائه للعصور القديمة.

و من أعالي هذا الجبل نشاهد جنوبا حوالي 20 قرية و بلدة؛ و لما كنت أخشى تدوين أسمائها في حضرة المرشد اكتفيت بمراقبة موقع تعز و بلدة الشروق في الجهة الجنوبية- الغربية، و جناد في الجهة الجنوبية، و خان محراث في الجهة الجنوبية- الغربية، و جبل أحبور في الجهة الشرقية- الجنوبية، و جبل شيرمان في الجهة الجنوبية- الشرقية.

ثم في الأول من نيسان/ أبريل، غادرنا الخان الساعة 11 صباحا. و الجدير ذكره أن كل البضائع التي تنقل من المخا إلى صنعاء تمر بهذا المكان؛ و لهذا السبب يعد الطريق الرئيسي للبلاد؛ كما و أن العرب يعتنون أكثر بالطريق الذي يمر أمام هذا الجبل الوعر من ذلك الذي يمر بين جبلة و عدن قرب الحادي و أماكن أخرى لا يتردد عليها الناس كثيرا. و رغم أن الطريق كثير التعرجات، إلا أنه معبد معظمه مما يجعل التنقل عليه أكثر سهولة (*). و بعد مرور نصف ساعة وصلنا إلى كوخ شربنا فيه القهوة و وجدنا على بعد 20 دقيقة من هذا المكان كوخا آخر شبيها به. اقتضى إذن النزول من الجبل 50 دقيقة تقريبا؛ أي ما يعادل الربع ميل تقريبا.

اتجهنا جنوبا، لنصل إلى قرية كعدى، الواقعة على إحدى الهضاب. و مررنا بعدها بسهل فسيح، لنبلغ بلدة عماقي(Am ki) ، التي تبعد ميلين و نصف عن جبل محراث. و بعد أن قطعنا حوالي الميل، اتجهنا شرقا لننعطف بعدها جنوبا و نبلغ كوخ جعفر الذي يحمل اسم الشيخ جعفر المدفون على مقربة من هنا.

و خلال الرحلة كنت أدوّن أسماء الأماكن المميزة، التي كنا نعبر فيها أو نراها من بعيد، فضلا عن الملاحظات التي كانت تخطر على بالي؛ و هذا ما فعلته للمرة الأخيرة في جبلة. إذ سجلت أسماء المدن التي شاهدتها لا حقا على محفظتي؛ و لكنني أضعتها في ذلك النهار و لم أعد أذكر أيّا من تلك الأسماء.

و عند وصولنا إلى كوخ جعفر، كان الظلام قد هبط، ففضلنا قضاء الليل فيه، رغم أن صاحب المقهى رفض في البداية الذهاب لإحضار العلف لحميرنا. و رغم بساطة العشاء الذي تناولناه تلك الليلة استمتعنا به للغاية بعد أن أمضينا نهارا متعبا جدا.

____________

(*) علم رحالتنا أنه ثمة طرق رئيسية كثيرة، بعضها معبّد، و يزيد طولها عن 100 فرسخ؛ و هذا الأمر مشار إليه في كتاب آخر. و لا أعتقد أن الناشر قد عثر على هذا المقطع في مخطوطة الرحالة، الذين لم يروا طرقا معبدة في اليمن إلا تلك التي تمرّ بمحاذاة الجبال الوعرة.

289

غادرنا جعفر صباح الثاني من نيسان/ أبريل، و بعد أن قطعنا ميلا في السهل بلغنا تعز. و يقع في الجهة الجنوبية لهذا السهل جبل صابر الشاهق و الخصب و الذي يضم ثلاث خانات و مجلسين. و استنادا لحساباتي، تبعد تعز عن محراث خمسة أميال و 7/ 8 الميل، و عن جبلة سبعة أميال و 3/ 8 الميل. و الجدير بالذكر أننا لا نستطيع رؤية تعز إلا من فوق هضبة مجاورة للبلدة؛ بينما يظهر حصن قاهر، الواقع على الجبل المحاذي لأسوار تعز عن بعد.

و لما كنا ننوي العودة ثانية إلى تعز و نخشى أن يتعرف علينا أحدهم، و يحاول الاستعلام عن جولاتنا اكتفينا بأخذ قسط من الراحة في أحد المنازل، و تابعنا بعدها طريقنا. و تبعد تعز عن قرية قرة(Kerra) حوالي ميل و 3/ 8 الميل؛ أما طريقها فوعر و كثير الحجارة، و تحده المرتفعات من الجهتين. و تبعد قرة عن بلدة ربيع(Robey) ، التي يقام فيها أسبوعيا سوق شعبي، نصف ميل تقريبا؛ و نشاهد شرقا حصن قاهر الواقع على قمة الجبل. و بعد أن غادرنا ربيع، سلكنا دربا كثيرة الحجارة لنصل إلى بقعة ينفصل فيها طريق تعز عن طريق المخا الذي يمتد جنوبا. و بعد أن نزلنا جبلا شاهقا بلغنا بلدة ربى(Roba) ، حيث تقام أسبوعيا سوق شعبّية. و تقع ربى على بعد 5/ 8 الميل من ربيع، و نجد قربها مجلسا.

و في صباح الثالث من نيسان/ أبريل، غادرنا ربى بعد أن تزودنا بالمؤن من خبز، و بيض، و خلافهما، و بعد أن اجتزنا الجبال، رأينا على بعد نصف ميل تقريبا البئر الثاني. على هذه الطريق؛ و على مسافة 3/ 4 الميل من هنا، عبرنا أمام مجلس لنبلغ بعدها ينبوع مياه يتفرع منه جدول صغير؛ و الجدير ذكره أن المنطقة التي مررنا بها ذاك النهار، كانت شبه خالية من السكان. أما الأراضي القليلة الصالحة للفلاحة على طول الطريق فهي مغطاة كليا بالحصى، التي تحول دون جفاف الأرض من شدة حرارة الشمس؛ غير أنني لم أر الحقول مغطاة بهذه الحصى في المناطق اليمنية التي تشهد ازدهارا زراعيا ملحوظا. ثم شاهدنا لا حقا نهرا صغيرا و خان الشيخ عيسى الواقع في سهل فسيح تكثر فيه أشجار البلح، و يبعد حوالي 3/ 8 الميل عن الينبوع المذكور آنفا. و بعد أن سرنا حوالي الميل و 1/ 8 الميل، بلغنا قرية حيدان، الواقعة في منطقة نفوذ ابن عقلان. و اللافت للنظر، أن أراضي هذه المنطقة الصالحة للزراعة لم تكن مغطاة بالحصى كتلك التي أشرت إليها سابقا؛ غير أن معظمها كان بائرا، و الأسوار المحيطة بها متداعية، و هذه هي مخلفات الحرب؛ فلسنوات خلت، كانت هذه الولاية التي تخضع اليوم لسلطة شيخ من بني عقلان مستقلة تماما؛ و مما لا شك فيه أن الشيخ المذكور يمتثل اليوم لأوامر الإمام، و لا يملك حق حشد الجيوش. و كان علينا أن نسير حوالي الميل و 3/ 8 الميل لبلوغ خان بني سيف؛ و شاهدنا على طول الطريق، عدة آبار محفورة في الأرض و خانات كثيرة، لم أحفظ أسماءها كلها. ثم وصلنا في وقت لا حق إلى خان عودة(Oude) المنعزل، حيث لم يعتد المسافرون على قضاء الليل؛ و لكن أكد لنا المرشد أن الخان التالي يقع على مسافة بعيدة من هنا؛ فارتأينا قضاء الليلة فيه، و طلبنا من صاحب الخان الذي حزم أغراضه كلها عند وصولنا أن يعود إلى‏

290

أقرب قرية، ليقضي الليل وسط عائلته. و الجدير ذكره أننا لم نشعر أبدا بالانزعاج في هذا الكوخ كما و أننا لم نتذمر من عدم توافر وسائل الراحة التي نتمتع بها في فنادق كوبنهاغن؛ بل كنا في غاية السرور، لأن رحلتنا كانت تسير حتى الآن على خير ما يرام دون أن نتعرض للأخطار.

و غادرنا عودة صباح الرابع من نيسان/ أبريل، و اجتزنا طرقات وعرة، و هضابا مرتفعة، و وادي سراجي، و نهرا غزير المياه دون أن نصادف أي قرية؛ غير أننا شاهدنا شمالا جبل سودان الشاهق.

لقد اكتشف السيد فورسكال بعد ميل من عودة شجرة بيلسان مغطاة بالزهر؛ و بعد أن أجرى عليها تجارب كثيرة، أيقن أنه عثر على الشجيرة التي تعطي بلسم مكة. فطار فرحا باكتشافه هذا؛ كما و أنه احتفظ بكمية من الأزهار ليقدم دليلا على اكتشافه هذا، و ليثبت صحة وصفه‏ (*). و يسمي العرب هذه الشجرة أبو الشم، أي الشجرة الطيبة الرائحة؛ و يقال إنها تكثر في اليمن؛ و لكن السكان يحرقونها للاستمتاع برائحتها، و لا يحسنون استعمالها لشي‏ء آخر.

قطعنا من هنا طرقا وعرة و أودية صغيرة تصب كلها في واد كبير، بمحاذاة الطريق؛ و بعد أن سرنا ميلا و نصف بلغنا خان مضروب. و تقع على الجهة الجنوبية من الطريق سلسلة جبال مبرشة(Embarascha) ؛ التي بني على مقربة منها خانا حمارة و حسيب. و بعد أن غادرنا مضروب مررنا أمام خانين آخرين، و وادي دامي(Dhami) ، الذي يصب في وادي سراجي الكبير. و بلغنا أخيرا بلدة سلامة، التي تبعد ميلا و 2/ 3 الميل عن مضروب. حيث تكثر في هذه البلدة القبب، أو دور العبادة المبنية فوق أضرحة المسلمين الكريمي النسب. و كان علينا أن نقطع بعد 5/ 8 الميل لنصل إلى حاس. و بعد أن جمعت هذه المسافات الصغيرة، وجدت أن مدينة تعز تبعد 12 ميلا و نصف الميل عن حاس.

أما بلدة حاس الصغيرة فتقع في تهامة؛ و هي تعد عاصمة منطقة عصاب الأسفل، حيث يقيم صاحب الدولة في حصن صغير، و تكثر فيها مصانع الفخار، و المنازل الحجرية. و تتميز بغناها بالقمح و البلح؛ غير أن مناطق نفوذ آل عقلان تمتد إلى حاس و شرج، التي تبعد ميلا غربا، و تشكل جزءا من إقليم زبيد.

ثم غادرنا هذه المنطقة في الخامس من نيسان/ أبريل، قبيل شروق الشمس؛ و بعد أن قطعنا 3/ 8 الميل، بلغنا خانا عند سفح جبل دباس. و سرنا بعدها 7/ 8 الميل لنصل إلى خان مسقط، المجاور لجامع مهدم.

و في الطريق عبرنا قرب أربع قرى لم أستطع حفظ أسمائها. و اجتزنا من مسقط نصف ميل تقريبا لنصل إلى وادي فراجي (كتبت اسم هذه البلدة استنادا للفظ عربي من البلاد غير أنه كان يجدر بي القول وادي سراجي) فوجدناه جافا، شأنه في ذلك شأن و ديان تهامة الأخرى.

و سرنا بعدها حوالي 2/ 3 الميل لنصل إلى بلدة قرطاب و منها إلى وادي زبيد الخصب أو المنطقة التي‏

____________

(*) نجد الرسالة التي بعثها السيد فورسكال حول هذا الموضوع إلى الفارس لين في البحث التالي:Opabolsamum declaratum

.

291

تتعذى منه. و انتقلنا بعدها إلى معت(M te) و منها إلى زبيد، بعد أن سرنا ميلا عبر الأرياف الجميلة و يمكننا أن نستنتج بالتالي أن حاس تبعد عن زبيد أربعة أميال و 3/ 4 الميل.

كان الحر شديدا في تهامة، عند خروجنا من المنطقة الجبلية، حيث الطقس بارد بعض الشي‏ء. و ترجلنا عن الحمير في قرطاب قرب خان خارج البلدة. و كانت جدران هذا المنزل الأربعة مبنية من الأحجار الخام الموضوعة الواحدة منها فوق الأخرى. و رغم أن الحر لا يحتمل في الخارج، شعرنا في الداخل بالهواء المتسرّب من الشقوق فمنحنا إحساسا لذيذا بالانتعاش. و كان يجدر بي أن أتغطى بالقماش القطني الطويل، الذي يلف عادة حول الكتف؛ إلا أنني تمددت أرضا و استرسلت في النوم بعد أن أنهكني الحر، و تعب السفر. فأصبت بالحمى يوم وصولنا إلى زبيد. و بعد أن تحسنت حالتي تابعنا في السادس من نيسان/ أبريل طريقنا من زبيد إلى بيت الفقيه، سالكين الطريق نفسها التي و صفتها آنفا. و لكنني عانيت لبعض الوقت من الحمى الثالثة التي أضعفتني كثيرا إلى حد أنني لم أعد أقوى على فعل أي شي‏ء.

و عند عودتنا إلى بيت الفقيه وجدنا السيد دوهافن متوعكا، نظرا لإصابته بداء الحفر؛ فهو يشعر بالاشمئزاز من طبيعة الحياة التي كنا نعيشها خلال رحلتنا. فمنذ فترة طويلة لم نستطع التزود بالنببيذ و المشروبات الروحية و اكتفينا بشرب المياه و القهوة. و مياه تهامة كانت بمعظمها ملوثة فضلا عن أن القهوة تهيج الدم. أما الكيشر فمذاقه لا يعجبنا، رغم أن العرب يعتبرونه مفيدا للصحة. و لقد طلبوا منا أيضا أن نمتنع عن أكل اللحمة؛ و كان هذا صعبا علينا خلافا لحال سكان البلاد الذين يتزودون بأطعمة أخرى أكثر بساطة، فيمكنهم الاستغناء عنها بسهولة. غير أن طباخنا لم يعثر في شبه الجزيرة العربية على مكونات أخرى لتحضير أطباق أوروبية شهية؛ لهذا السبب كنا نتناول اللحوم يوميا في مقرنا العام، إن كان يصح أن أطلق على المكان الذي أقمنا فيه هذه التسمية؛ فتدهورت بالتالي صحة الأشخاص الذين لا يتنقلون كثيرا خاصة السيد دوهافن الذي لا يغادر المنزل، و لا حتى مقعده أو سريره إلا لتناول الطعام.

في تلك السنة، صادف اليوم الأول من عيد الفطر، في بيت الفقيه في 14 نيسان/ أبريل، حيث غادر صاحب الدولة البلدة برفقة عدد كبير من السكان، و قصدوا صرحا كبيرا محاطا بالأسوار يسمى المصلّى (راجعوا اللوحة(LXII) بغية الصلاة في الهواء الطلق. يستمر هذا العيد ثلاثة أيام، لا يمكنك خلالها إقناع أي عربي بالسفر معك، أو بتأدية خدمة لك إلا إن دعت الحاجة الماسّة لذلك.

و في 17 نيسان/ أبريل، شاهدت في بيت الفقيه مثالا على صلابة العرب في المآسي. اندلعت النار في ذاك اليوم في منزل واقع في الجهة الجنوبية للبلدة؛ و لما كان الهواء الجنوبي يعصف بشدة التهمت النيران جزءا كبيرا من المدينة. غير أن العرب لم يفقدوا رباطة جأشهم، و لم نسمعهم يصرخون أو ينتحبون؛ و إن عبّر أحدهم عن أسفه لحالهم، قالوا له إنها إرادة الله. كنا نقيم في منزل حجري على مقربة من المدينة المشتعلة؛ و رغم أن الأكواخ المحيطة بنا تحولت رمادا لم نتعرض لأي سوء. و عند ما صعدنا إلى السطح‏

292

شاهدنا سكان المنازل الحجرية تتأمل الحريق بأعصاب باردة. و لقد أتى لزيارتنا يومها فقيه من البلدة، بعد أن وضع أثاث منزله في مكان آمن؛ و أعلمنا بنبرة تنم عن عدم المبالاة أن منزله يحترق. و أظن أن خسارة العربي في ظرف مماثل لا توازي أبدا خسارة الأوروبي؛ فهو يحمل متاعه على ظهره و ينتقل إلى حي آخر، أو يقيم في الهواء الطلق، إن احتدمت النيران أكثر؛ فلا يخسر بالتالي سوى كوخه الذي يستطيع إعادة بنائه بسهولة؛ و مما لا شك فيه أن هذه الخسارة تعد فادحة بالنسبة إلى الفقراء منهم.

293

الرحلة من بيت الفقيه إلى المخا

بعد أن عاينا محيط بيت الفقيه معاينة دقيقة، و بعد أن استعدنا أنا و السيد دوهافن عافيتنا، استعدت القافلة كلها للسفر إلى المخا؛ فغادرنا بيت الفقيه في 20 نيسان/ أبريل، بعد تناول العشاء، و سلكنا الطريق نفسها التي و صفتها آنفا.

و غالبا ما نسافر ليلا في تهامة؛ و لكنني قررت أنا و السيد فورسكال، أن نسبق الآخرين مع حمار، حتى يتمكن هو من جمع الأعشاب و أنا من تحديد موقع القرى؛ بينما تتابع القافلة سيرها ليلا مع الخدم و المتاع. و لقد نصبت المزولة عشية وصولنا إلى زبيد؛ و بعد أن حددت ارتفاع نجمتين وجدت أن هذه المدينة تقع على خط العرض 14؟. و في صباح 21 منه، تابعت أنا و السيد فورسكال طريقنا إلى وادي زبيد، عبر حقول مروية بالماء؛ و بعد أن قطعنا نصف ميل بلغنا قرية طوارق، الواقعة في وادي جرصة؛ الذي يقع على الساعد الصغير لوادي زبيد؛ و هو يتفرع من ساعده الأكبر، لإخصاب أكبر مساحة من أراضي تهامة. إن حقول هذه المنطقة تحاط بسدود ترابية تساعد على تجميع الكميات اللازمة من المياه لري الأراضي المجاورة. و بعد مغادرتنا طوارق قطعنا 3/ 8 الميل، و بلغنا صاحب القواس، و منها إلى جواهر على مسافة 3/ 4 الميل؛ على مقربة من هذا المكان، تنتهي الحقول التي يرويها وادي زبيد و التي يبلغ عرضها ميلا و 1/ 8 الميل، بما فيها الأنهر الأخرى. إننا لا نجد قرى كثيرة بين وادي زبيد و المخا، حيث الأرض رملية قاحلة، تكثر فيها الجنيبات التي تستعمل في تهامة لتغطية سطوح المنازل. و نظرا لشدة الحر في هذه المنطقة الرملية سارعت أنا و السيد فورسكال إلى الظل و أخذنا قسطا من الراحة في خان جواهر الحقير. ثم غادرنا الخان عند الساعة الثالثة بعد الظهر. و بعد أن قطعنا نصف ميل وصلنا إلى قرية عدج(Udge) ، المطلة على جبل سوكار الواقع على جزيرة صغيرة في الخليج العربي. و بعد أن سرنا ربع ميل بلغنا قرية جوهار، و منها إلى قرية شيرج التي تبعد ثلاثة أميال و 3/ 8 الميل، أو أربعة فراسخ و 24 دقيقة من زبيد. و عند وصول قافلتنا و متاعنا نصبت مزولتي لأقيس شيرج عن خط الطول الذي بلغ 13؟، 59؟.

يقول أبو الفدا إن الشرقية هي مرفأ على البحر؛ لكن إن كان هذا المكان يقع في عهده على الخليج العربي فمياهه تراجعت بشكل ملحوظ، و القرية لا تمت إلى وصف أبي الفدا بصلة إلا من حيث رداءة منازلها. و يقيم اليوم في شيرج شيخ (قاض) يخضع لسلطة صاحب الدولة في زبيد.

في 22 نيسان/ أبريل، سبقت أنا و السيد فورسكال و المرشد المرافق لنا، الآخرين و وصلنا إلى مشيد

294

( Mauschid )

. و لم نشاهد على هذه الطريق سوى خانات للقوافل. سرنا 5/ 8 الميل لنصل إلى جوربان(Dsjurb n) ، و منها إلى النهاري(Ennah ri) ، التي تبعد نصف ميل. و رأينا قرب هذا الكوخ ضريح نبي مزعوم علق بعض المسافرين قطعة من ثيابهم على الجنيبات المحيطة به حتى يذكرهم الشيخ في صلواته، و تستجاب دعواتهم. ثم قطعنا بعدها 3/ 8 الميل لنصل إلى دونان(Do ?nne ?n) ، و منها إلى مهجان(Moheij n) . و عند الثالثة من بعد الظهر، و بعد أن قطعنا نصف ميل جنوبا وصلنا إلى جبلي. و منها إلى قرية مشيد الكبيرة الواقعة على بعد مئة قدم تقريبا من البحر. و بالتالي إلى شبرج التي تبعد أربعة أميال و 1/ 8 الميل عن مشيد، أو 5 ساعات و 40 دقيقة.

و عند وصولنا إلى مشيد، سمعنا الناس يتحدثون عن حرب عائلية قتل خلالها أحد المحاربين تحت أشجار النخيل المجاورة للبلدة. فخفنا أن تصاب قافلتنا بمكروه، خاصة و أننا نتوقع وصولها ليلا. و لكن أكد لنا السكان أن هذه الخلافات لا تعكر الأمن العام أبدا. حين يقتل عربي من تهامة عربيا آخر، تختار عائلة المغدور حلا من ثلاثة: إما الثأر من عائلة القاتل، أو تسليمه للقاضي الذي سيقتله بدوره؛ أو مبارزة القاتل أو أحد أفراد عائلته‏ (*)؛ و في الحالة الأخيرة يلزم القاتل بالدخول إلى السجن إلا أن يدفع للقاضي 200 ريال إن لم أكن مخطئا. و لسنوات خلت، قتل أحد الفلاحين فلاحا من مشيد؛ فأعلنت عائلة الفقيد أنها ستنتقم بنفسها من القاتل أو من أحد أفراد عائلته لكن عشية وصولنا، التقى رجلان من الفريقين المختصمين في المكان المذكور و تعاركا حتى الموت؛ غير أن عائلة الفقيد الأول فجعت ثانية بموت فرد آخر من أفرادها فاضطر القاتل إلى أن يدفع مبلغا آخر للقاضي، كما و أن عائلة الفقيد وجدت نفسها مضطرة لقتل شخصين أو للتصالح و وضع حد لهذه الحرب. و في صباح اليوم التالي التقيت أنا و السيد فورسكال برجل من الفريق المنتصر في خان على طريق المخا و لم يكن مستاء أبدا من هذه الحرب، لأنها مسألة شرف؛ غير أنه اشتكى من المبالغ التي اضطرت عائلته لدفعها إلى القاضي خلال فترة قصيرة.

و بعد ذلك وصلت القافلة في ساعة متأخرة من الليل أو فجر 23 نيسان/ أبريل. فسارعت لاستعمال مزولتي. كانت السماء ملبّدة بالغيوم التي حجبت النجم الظهري؛ غير أنني تمكنت أخيرا من مراقبة ارتفاع النجم من النسر الواقع الذي يشير إلى بعد مشيد بمسافة 13؟، 43؟، عن خط العرض. و يقيم في مشيد نائب لصاحب الدولة و بعض الجنود التابعين لصاحب الدولة في حاس. و لما فرضوا على جمالنا المحمّلة بالأغراض دفع رسم عبور في زبيد، خطر لي أنهم سيفرضون علينا رسوما مماثلة في المناطق الأخرى فاتفقنا مع جمّالنا على أن يتكفل بهذه المصاريف الصغيرة غير أنه اتفق مع موظفي الجمرك على فرض رسم العبور علينا، و إلا فتشوا متاعنا فاعترضنا عليه و طلبنا مقابلة القاضي الذي سمح لنا بالرحيل على الفور لعدم صحة ادعاءاتهم.

____________

(*) انظر: وصف شبه الجزيرة العربية،.

295

كنت أنوي الوصول هذا المساء إلى المخا قبل أن تغلق الأبواب؛ فانطلقت برفقة السيد فورسكال عند طلوع الفجر رغم أنه لم يغمض لنا جفن في الليلة السابقة. بعد أن سرنا 1/ 3 الميل بلغنا خان دربه، و عبرنا لاحقا منطقة مملح التي تنقل إليها مياه البحر و تبخر حتى يجمع الملح و يرسل جزءا منه إلى المناطق الجبلية، شاهدت في جوار عدن جمالا محمّلة بالملح، و بعد أن قطعنا تربة(Turbo) وصلنا على بعد 7/ 8 الميل إلى خان جردان(Djurden) ؛ و منه إلى خان سمعال(Sema Y ?hhle) ؛ حيث تمر بين هذين الخانين الحدود التي تفصل بين المخا و حاس. و بعد أن غادرنا سمعال، وصلنا إلى خان سهاري، بعد أن قطعنا 1/ 8 الميل. و سرنا بعدها ميلا تقريبا لنصل قرية رواس(Rua Y ?s) ، حيث أخذنا قسطا من الراحة نظرا لارتفاع الحر. و يتفرع من رواس طريق يؤدي إلى المخا مرورا بقبة سابا؛ و هي دار عبادة تضم أضرحة سبعة أشقاء. غير أننا سلكنا طريقا آخر مختصرا، رغم أنه رملي و وعر. و بعد أن سرنا 1/ 8 الميل، وصلنا إلى بلدة عشتيل التي تبعد ميلين عن المخا. و استنادا لهذه الحسابات تبعد مشيد عن المخا خمسة أميال و 3/ 4 الميل؛ لكن أرصادي الجوية تشير إلى أنهما يقعان على بعد ستة فراسخ، قطعناها في ظرف سبع ساعات على ظهر الحمير؛ و مما لا شك فيه أننا كنا نسرع في سيرنا.

يمر المسافرون إلى المخا برا بمدينة باب شاذلي؛ و يتبع الأوروبيون العادة المشينة السائدة في القاهرة للدخول من بابها، أي إنهم يترجلون عن حميرهم و يدخلون سيرا على الأقدام. ترجلنا إذن عن الحمير حتى يفتشوا الخرج. و لم يحاول أحد طرح الأسئلة حول أسمائنا و جوازات سفرنا على خلاف المناطق الأخرى؛ فمررنا بالتالي دون أن يتعرف علينا أحد. و أرشدونا إلى خان، اعتاد الأتراك على النزول فيه، حتى نلتقي بمواطنينا حسب رأي موظفي الجمارك.

و كان يقيم في المخا تاجر إنكليزي وصل إليها على متن باخرة من بومباي. و لكن العرب استقبلونا بالترحاب في اليمن، حتى أننا لم نجد من داع للتحدث إليه أولا كما و أننا لا نحمل رسائل للإنكليز.

و كنا نخشى أن يحسبنا متشردين أو خونة، غير أننا كنا نحمل رسائل توصية متعددة، واحدة من كخيا جدة إلى صاحب الدولة في المخا، و أخرى من تاجر في جدة إلى سمسار الإنكليز، و ثالثة من تاجر في بيت الفقيه، إلى تاجر في المخا يدعى سيد صالح. فلم نعلم جيدا أن الأمير فرحان لم يكتف بأن يوصي بنا في رسالته صاحب الدولة في المخا، بل كتب له في مناسبة أخرى معددا له ميزاتنا. و علاوة على ذلك، وطدنا صداقتنا في المخا بابن سيد صالح و اسمه إسماعيل. كان والده قد أرسله إلى جدة لنقل كمية من البن، فحاول أن يكسب صداقتنا و قدم لنا شهادة تثبت أنه كان مترجم الربابنة الهولنديين في المخا، علما أنه تعلم الهولندية من أحد المرتدين عن الدين؛ و كم كانت دهشتنا عظيمة لأننا لم نقابل منذ فترة طويلة مسلما يحسن لغة أوروبية. و لما كان يحسن الإطراء على الأوروبيين، و يمتاز برزانته رافقناه من جدة إلى مخيّه.

أحسنا صنيعا بمقابلة سمسار الإنكليز عند وصولنا إلى المخا؛ فقد كان يعدّ من كبار تجار المدينة الذين حظوا بثقة صاحب الدولة فيهم؛ غير أنه كان بانيانيا، أو ملحدا من بلاد الهند؛ و لا حظنا في بيت الفقيه‏

296

و مخيّة أن المسلمين لا يعيرون هذه الأمة اهتماما، كما أننا لا نعير اليهود اهتماما لذلك فضلنا أن لا نتقرب منه. قصدت برفقة السيد فورسكال منزل إسماعيل الذي استقبلنا بالترحاب، و أمّن لنا منزلا لنقضي الليل فيه؛ و رغم أنه مسلم، قدم لنا شراب البانش، الذي أنعشنا كثيرا خاصة و أننا لم نحتس الكحول منذ فترة طويلة. و لكن إسماعيل لم يذق البانش و أحضر لنا شخصا هنديا مرتدا عن الدين المسيحي، يعمل تاجرا في المخا، و يسرف كثيرا في شرب الكحول. و كنا على و شك أن نثمل برفقته لو لم نع أن الشراب قوي للغاية. غير أن إسماعيل شدّد على صداقته لنا، و عرض علينا خدماته، و اقترح علينا حلق ذقنينا و ارتداء ملابس أوروبية، شأننا شأن الإنكليز الذين يحبون ممارسة التجارة في المخا، و عدم التحدث بالعربية، حتى لا يظن أحد أننا أصبحنا مسيحيين. لكننا حسبنا كلامه مزاحا. و بعد أن استشرناه حول الطريق الأسرع للوصول إلى صنعاء و غيرها من المدن الجبلية، حذرنا من القيام بهذه الرحلة واصفا الجبليين بالفظّين و القليلي التهذيب؛ و أضاف أن الإمام المسلم يعامل بازدراء من أتباع الديانات الأخرى.

و الجدير ذكره أنني كنت أعرف اليمن أفضل من إسماعيل الذي لم ير من بلده سوى الطريق من المخا إلى مخيّة؛ فأخبرته تفصيليا عن الرحلات التي قمنا بها، بدءا من مخيّة؛ و شكرته على استقباله الحسن لنا الذي لم نحظ بمثله في أي مكان آخر. غير أنه ادعى معرفته بسكان المخا أكثر منا؛ و أكد لنا أن شعبها يكره الأوروبيين كرها شديدا؛ و لكن والده يتمتع بمكانة مرموقة في المدينة و يستطيع أن يقدم لنا خدمات كثيرة.

كان إسماعيل يحب التقرب من الأجانب لمصلحته الشخصية؛ و لعله انكب على تعلّم اللغة الهولندية من أجل هذه الغاية فحسب. و كتب والده عدة رسائل إلى باتافيا عبر المرتدين الهولنديين الذين كانوا في المخا، و استطاع إقناع التجار الهولنديين بإرسال مركب لهم. فوصل هذا الأخير منذ سنتين تقريبا قبل عدة أشهر من وصول الإنكليز؛ و لما كانت المرة الأولى التي يزور فيها الربان المخا، قصد أولا منزل سيد صالح الذي أعطاه فكرة مريعة عن سكان هذه البلدة، و خاصة البانيانيين منهم؛ فشكر الهولندي الله لأنه وقع بين يدي رجل طيب إلى هذا الحد. و استأجر له سيد صالح منزلا و وضع ابنه في خدمته فأمن له كل ما يلزمه، إلى حد أن الهولندي اعتمد كليا على سيد صالح و ابنه. و حين أتى بعض التجار الهنود الذين يحسنون اللغة البرتغالية لزيارته طردوا من المنزل؛ كما و أن الخدم الذين يتكلمون البرتغالية مع الربان كانوا يؤكدون له ادعاءات إسماعيل حول فظاظة سكان المخا، خوفا من إسماعيل و أبيه لكي لا يتسببا في طردهم من عملهم. أما التجار العرب فلا يثيرون القلق، لأنهم لا يحسنون إلا العربية و إسماعيل يترجم كلامهم كما يحلو له. فأخذ الهولندي عن سكان المخا فكرة سيئة للغاية حتى أنه كان يتفادى الخروج إلى الشارع خوفا من أن يأخذوه رهينة. و بقيت هذه الأفكار راسخة في ذهنه إلى حين وصول الإنكليز الذين أثبتوا له أنه وضع ثقته في أشخاص أشرار؛ غير أنه كان قد تورط جدا مع إسماعيل و أبيه، و لم يعد باستطاعته التنصل منهما؛ و لا أظن أن تجار باتافيا سيرسلون مركبا آخر إلى المخا، بعد وقوع ذاك الهولندي ضحية الخداع.

297

و خلال الرحلة من جدة إلى مخيّة حاول إسماعيل إقناعنا بأن الدانمركيين أيضا يجنون أموالا طائلة من ممارسة التجارة في المخا. و لكن بعد أن لاحظ عدم رغبتنا بالتورط في الأعمال التجارية حاول تضليلنا قدر المستطاع. و نلاحظ بالتالي أن المسافر يقع بسهولة في الفخ، إن لم يحسن لغة البلاد، أو إن وضع ثقته بأول شخص يصادفه و يعرض عليه خدماته. و هكذا لم يفلح إسماعيل بخداعنا و لكنه سبب لنا خيبة أمل كبيرة؛ فلو أتينا إلى المخا من بلاد الهند دون أن نتعلم العربية و وضعنا ثقتنا فيه، لما حاولنا التعرف على سكان البلاد و لما كانت دراستنا مطابقة للواقع. و عند وصولنا سلمنا رسالة التوصية الموجهة إلى سيد صالح لابنه إسماعيل و لم نقابل والده إلا في اليوم التالي الواقع فيه 24 نيسان/ أبريل. و لما كان تجار مخيّة و بيت الفقيه، الذين أوصوا بنا، قد دفعوا لنا رسوم الجمارك و نقلوا لنا متاعنا، طلبنا من سيد صالح و ابنه أن يؤديا لنا الخدمة نفسها؛ فأظهرا استعدادهما التام للقيام بذلك. غير أنني أخالهما يضمران لنا نية مختلفة و يسعيان لإقناع موظفي الجمارك بتعذيبنا.

و عند الساعة التاسعة صباحا، وصلت القافلة و الخدم و المتاع. و عملا بعادة هذا البلد نقل المتاع إلى الجمارك حيث كان صاحب الدولة موجودا بنفسه. فطلبنا أن تفتش أولا الأغراض التي نقلت برا حتى نأخذ أواني المطبخ و الأسرّة؛ لكن موظفي الجمارك ارتأوا تفتيش الصناديق التي وصلت إلى مخيّة و المخا بحرا، و من بينها برميل صغير فيه أسماك من الخليج العربي؛ و طلب السيد فورسكال عدم فتحه حتى لا يتبخر عرق النبيذ أو تفوح رائحة السمك الكريهة؛ غير أن الموظف فتحه و أخرج الأسماك و حرك السائل بقضيب من حديد ليتأكد من أننا لا نخفي داخل البرميل أحجارا كريمة؛ و رغم المساعي التي بذلناها أوقع البرميل وفاحت رائحة الأسماك و عرق النبيذ في المكان، و يمكنك أن تتخيل ردة فعل العرب في ظرف مماثل، خاصة و أن ديانتهم تحظر عليهم شرب الكحول فضلا عن الإحراج الذي شعرنا به أمام صاحب الدولة و مساعديه. لقد طلبنا منهم أن يفتشوا أسرتنا أولا؛ و لكنهم فضلوا البحث عن النوادر الطبيعية؛ و كنا قد حملنا معنا من مخية حشرات بحرية تبعث أيضا روائح نتنة أثارت سخط الحاضرين و حملتهم على شتم الفرنسيين؛ أما الأصداف التي كنا قد حزمناها بعناية فائقة فانتزعوا بعضها من قعر الصندوق بينما ثقبوا بعضها الآخر بواسطة قضيب حديدي مستدق الرأس؛ إذ لا يصدق العرب أن رجلا عاقلا يجمع هذه الأشياء بغية استعمالها لاحقا؛ بل خطر لهم أننا أرسلناها لنسخر من صاحب الدولة و موظفي الجمارك. و ظن آخرون أننا خبأنا بين هذه الأغراض بضائع ثمينة. و لكن صاحب الدولة لم يصدق أبدا هذه الادعاءات. و أحضروا له أخيرا حقيبة وضع فيها السيد فورسكال أنواعا مختلفة من الأفاعي؛ فأثار هذا المنظر خوف الجميع. فزعم أحد خدام صاحب الدولة أن الفرنسيين أتوا إلى اليمن ليدسوا السم للمسلمين و أحضروا معهم طبيبا كي ينفذوا هذه المهمة بنجاح. و كان صاحب الدولة يظهر تعاطفه نحونا دون أن يكنّ لنا الاحتقار؛ لكن عند ما سمعهم يقولون إننا ننوي إلحاق الضرر بالسكان ثار غضبا و قال: أقسم بالله أن هؤلاء الأشخاص لن يمضوا الليلة في بلدتنا و أقفلوا مركز الجمارك دون إعطائنا حاجاتنا الأساسية من أوان مطبخية و أسرة.

298

ثم جاءنا أحد الخدم مسرعا لإخبارنا أنهم رموا الكتب و الحقائب التي نقلناها على ظهر الحمير من النوافذ؛ و أنهم أقفلوا المنزل؛ و لما أراد السيدان فورسكال و دوهافن الاستعلام عن السبب أجابوهما إنها أوامر إسماعيل. و مما لا شك فيه أن وصف إسماعيل لسكان المخا قد ثبتت صحته حتى الآن. و لكننا اضطررنا للاستماع إلى كلامهم بصبر و أناة. كان إسماعيل و والده قد اختفيا عن الأنظار ما أن بدأ موظفو الجمارك بإزعاجنا. و لم نستطع العثور عليهما أو على صاحب المنزل؛ فرحنا نبحث عن منزل آخر علما أن الجميع رفضوا إيواءنا في هذه الظروف خوفا من أن يعاقبوا. و في نهاية المطاف قبل أحدهم أن يؤجرنا منزله شرط أن يؤكد له القاضي أن الحكومة لن تتعرض له. كان قضاة تركيا يهتمون بحبهم الشديد لمصلحتهم الخاصة على خلاف قضاة اليمن بمن فيهم قاضي المخا الذي أثبت لنا استقامته.

و قصدناه برفقة النبيل ليؤكد له أنه يستطيع أن يؤجرنا منزله.

و لقد أرسلت حكومة بومباي في تلك السنة سفينتين إلى المخا مع تاجر يدعى فرانسوا سكوت و هو اسكوتلندي الأصل. وصل هذا الأخير، إلى المدينة على متن السفينة الأولى منذ بضعة أشهر. فأعلم بوصولنا و بحجز أغراضنا في مركز الجمارك. و رغم أننا لم نحاول الاتصال به، دعانا إلى العشاء؛ و أعد لنا طاولة مليئة بالأطايب التي لم نذق مثلها منذ مغادرتنا القاهرة؛ و أثبت لنا أنه صديق مخلص و وفي.

فسلمناه عندها رسائلنا إلى سمساره و اكتشفنا متأخرين أننا أخطأنا بعدم الاتصال به أو بالسيد سكوت فور وصولنا. و رغم أننا استرجعنا شجاعتنا إلا أننا لم نحاول إبداء رأينا الحقيقي في إسماعيل و والده مخافة أن يثيرا لنا مشاكل جديدة.

و لم نستطع حلّ المشكلة مع الجمارك و في 25 نيسان/ أبريل؛ نصحنا إسماعيل بأن نعرض على صاحب الدولة 50 دوقية بغية كسب رضاه. و كنا قد ارتأينا أن نقدم له هدية. و لكن ليس بهذا الحجم؛ كما و أن الشكوك ساورتنا في مسألة إرسالها مع إسماعيل؛ و لما كنا ننوي الذهاب إلى صنعاء و قضاء سنة بكاملها في البلاد. و لما كان أمر مغادرتنا المخا مرهون بموافقة صاحب الدولة، قررنا أن نضحي بهذا المبلغ، و أن نسلمه له بأنفسنا حتى نستغل الفرصة و نحاول أن ننال حظوة لديه. و كان خدمه يمنعوننا من مقابلته كلما قصدنا منزله؛ و أكد لنا إسماعيل أن صاحب الدولة لا يتنازل و يتحدث مع المسيحيين؛ و في 26 نيسان/ أبريل قررت المجموعة أن أسلمه ال 50 دوقية بنفسي. علمت في الطريق أنه أصيب عند الصباح برصاصة في رجله بينما كان يدرب جنوده؛ فعدت أدراجي عند سماعي هذا الخبر آملا أن يستدعي طبيبنا لمعالجته و نحتفظ بالتالي بالمال. و لكن أحدا لم يستدع السيد كرامر؛ فحين اقترحوا على صاحب الدولة استدعاءه رفض رفضا قاطعا لأنه لا يثق بالفرنسيين الذين قد ينتقمون منه و يستعملون عقاقير مسخنة؛ فالعرب يميزون بين العقاقير المسخنة و العقاقير المنعشة و يعتبرون الأولى مضرة بالصحة. و لعل العبارة وحدها تثير خوفهم نظرا لشدة الحر في بلادهم. استغل نبيل من نبلاء العرب هذه المناسبة ليقول لنا

299

إن الله عاقب صاحب الدولة لأنه أساء معاملتنا؛ غير أننا كنا على ثقة بأنه ليس شريرا و أن بعض الأشخاص السيئي النية أثاروه ضدنا؛ و لذلك لو أتيحت لنا فرصة التعرف عليه من قبل لعاملنا بطريقة مختلفة تماما.

و في 27 نيسان/ أبريل، أعاد لنا موظفو الجمرك أسرتنا بعد أن فتشوها تفتيشا دقيقا؛ و في 29 منه، أعادوا لنا بعض الأشياء البسيطة بعد أن عاينوها بدقة؛ فبدا لنا واضحا أنهم يريدون إرغامنا على تقديم هدية قيمة. فقررنا حينها أن نضحي بال 50 دوقية المخصصة لهذه الغاية؛ و كان إسماعيل قد استطاع طوال هذه الفترة رشوة الخدم حتى لا يسمحوا لنا أبدا بمقابلة صاحب الدولة؛ فكانوا يرددون لنا إنه لا يسمح لأحد بالتحدث في شأننا باستثناء إسماعيل و والده؛ و لكن في ذلك النهار لم يطردوا السيد فورسكال خاصة بعد أن علموا أنه يحمل الهدية؛ فلقد قبل صاحب الدولة ال 50 دوقية و وافق على طلب السيد فورسكال الذي سأله أن يسمح لنا بالدفاع عن قضيتنا بأنفسنا؛ و كم كانت دهشته عظيمة حين أدرك أننا نحسن اللغة العربية و لم نحاول الاتصال به منذ البداية. و في اليوم التالي أرسل لنا هدية بدوره و هي أربع نعاج و كيسين من الأرز. و علمنا في الوقت نفسه أن موظفي الجمارك تلقوا الأمر بإعادة متاعنا دون فتحه. و تحسنت علاقتنا بإسماعيل على الفور خاصة و أنه تكفل بدفع مصاريف موظفي الجمارك و الحمالين بدلا منا رغم أنها بلغت ثلاثة أضعاف المبلغ الذي دفعناه في مخيّة و بيت الفقيه.

و اقترح أعيان البلدة على صاحب الدولة أن يستدعي طبيبنا؛ لكنه كان يخشى أن يعطيه دواء مضرا بالصحة بغية الانتقام منه. بيد أن القاضي أكد له أنه لم يتلق أي شكوى ضدنا و أن احتفاظ الطبيب بأفاع ميتة لا يثير القلق لأن سمّها يستعمل في بعض العقاقير؛ و أن الأصداف و الحشرات البحرية لها فائدة كبيرة. أرسل صاحب الدولة في طلبنا في 4 أيار/ مايو بعد أن استعان ب أربعة أو خمسة أطباء دجالين و بعد أن زاد مرضه خطورة. و كم كانت فرحتنا كبيرة حين أدركنا أن صاحب الدولة لم يعد يخشانا؛ فأرسل الطبيب كرامر يعلمه بموافقته على تقديم خدماته له. و ما إن تبلغ ردنا حتى أرسل لنا صاحب الدولة أحد خدامه مع بغل لينقل السيد كرامر إلى منزله.

أتيحت لنا لا حقا الفرصة لزيارة صاحب الدولة عدة مرات و التأكد من صداقته لنا؛ و في أحد الأيام أخبره السيد فورسكال أن أحد النبلاء شتمه في الشارع يوم كان صاحب الدولة مستاء منا؛ و دون أن يسعى للتأكد من صحة الموضوع وعد بالتعويض عليه وزج النبيل المزعوم في السجن. و صدم إسماعيل برؤية صديقه معاقبا بسببنا و أكد لنا أن السكان ثائرون ضدنا و أن حياتنا باتت في خطر حتى داخل المنزل، فقصد السيد فورسكال منزل صاحب الدولة على الفور طالبا منه إطلاق سراح السجين على أن يعده بأن يعامل الأجانب بطريقة حضارية من الآن فصاعدا. لبّى صاحب الدولة طلبه معربا له عن استعداده لزجه ثمانية أيام في السجن إن شئنا ذلك.

300

و بعيد وصولنا إلى المخا أصبت بإسهال حاد لم أشف منه إلا بعد مضي خمسة عشر يوما؛ أما توعك السيد دوهافن الذي ظهرت بوادره في بيت الفقيه فازداد سوءا في المخا؛ فكان يشعر بالارتياح عند حلول المساء خاصة إن ذهب في نزهة في الطراوة؛ غير أنه لم يكن قادرا على احتمال حرّ النهار. و في 22 و 23 أيار/ مايو نام على سطح المنزل في الهواء الطلق حتى يستمتع بالهواء العليل.

إنه و رغم هبوب رياح قوية في اليوم التالي جازف في 24 و 25 منه بالنوم على السطح فأصيب بالبرد و لم يعد يقوى على النزول وحده إلى المنزل. و راحت صحته تتدهور حتى أن نبضه بدأ يخف تدريجيا؛ كما و أنه طلب كتابة وصيته. و لكننا لم نفقد الأمل في شفائه؛ و عند الساعة الثامنة مساء راح يهذي بكلمات لا معنى لها تارة بالعربية و طورا بالفرنسية و مرة بالإيطالية و أخرى بالألمانية؛ غير أنه ما لبث أن استرسل في سبات عميق ليلفظ أنفاسه الأخيرة عند الساعة العاشرة ففقد العلم بالتالي واحدا من كبار رجال الأدب الشرقي.

إن سكان البلاد لا يضعون شاهدة على قبور موتاهم؛ غير أننا صنعنا واحدة و أرسل لنا الربان في 26 أيار/ مايو ستة بحارة كاثوليكيين لدفنه خارج المدينة في مقابر الفرنسيين. فسار إنكليز المخا كلهم خلف النعش و حضروا الجنازة التي جرت على الطريقة الأوروبية على خلاف جنازة السيد فيرو قنصل البندقية التي جرت في القاهرة في 4 نيسان/ أبريل 1763، إذ عند خروج النعش من المنزل عبر الحمّالون الشارع بسرعة حتى لا يتجمع الرعاع حولهم فتفرق الأوروبيون الذين كانوا يتبعونهم- في القاهرة- و تجمعوا لا حقا خارج البلدة قرب الضريح؛ و لما كنا نخشى أن يسرق بدو مصر الجثة ألبسنا الفقيد ثوب ناسك حقير لا ينتفع منه العرب بشي‏ء. أما في المخا فيدفن الناس أمواتهم دون أن يخشوا تعرضهم للسلب أو للنهب من قبل الرعاع.

و بعد موت السيد دوهافن ارتأينا مغادرة المخا و التوغل أكثر في البلاد؛ و رغم أن بعض أفراد المجموعة كانوا يفضلون قضاء سنة أخرى في اليمن لزيارة قرى المنطقة الجبلية كلها ارتأى البعض الآخر العودة سريعا إلى أوروبا. علما أننا واجهنا مشاكل جمّة في المخا. لم نكن نعلم كيف سيستقبلنا السكان داخل البلاد خاصة بعد عودة الإنكليز إلى بلاد الهند. و لما كنا قد زرنا الجزء الأكبر من اليمن و لم يتبق لنا من مناطق نفوذ الإمام إلا الطريق المؤدية من المخا إلى صنعاء؛ قررنا الذهاب إلى العاصمة في أسرع وقت ممكن علّ الإقامة فيها تروق لنا أو إن لم ترق لنا حتى نتمكن من العودة إلى المخا قبل رحيل الإنكليز.

كان باستطاعتي أنا و السيد فورسكال أن نقوم بجولات خاصة، كما فعلنا خلال إقامتنا في بيت الفقيه؛ و لكن رفيقانا في السفر كانا يتوقان مثلنا لمشاهدة مقر إقامة الإمام. و الجدير ذكره أننا لم نستطع مغادرة المكان قبل أن يعالج طبيبنا رجل صاحب الدولة و يشفيها تماما. فادعينا أننا لم نعد نحتمل الحر الشديد خاصة و أن أحد رفاقنا قد قضى بسببه و نفضل الذهاب إلى صنعاء حفاظا منا على صحتنا و البقاء

301

فيها حتى يقرر السيد سكوت العودة إلى الهند. و في البداية رفض صاحب الدولة طلبنا هذا مدعيا أنه يريد إعلام رئيسه أولا برغبتنا هذه حتى يعطينا الإمام الإذن بدخول صنعاء؛ فقد كان يظن أننا نسعى لمقابلة الإمام؛ و قد جرت العادة في البلاد أن يبلغ الإمام مسبقا بقدوم الأجانب الذين يرغبون بمقابلته و تقديم الهدايا له بغية الحصول على بعض الامتيازات التجارية. غير أن صاحب الدولة وعدنا بمراسلته سريعا و بإعلامنا برده فور تبلغه إياه.

و لما رفضوا السماح لنا بالذهاب حالا و إلى صنعاء قررنا الذهاب إلى تعز في انتظار رد الإمام؛ غير أنهم رفضوا هذا الطلب أيضا و سمحوا لنا بالذهاب إلى موسى(Mussa) . و أكد لنا البعض أن صاحب الدولة لن يأذن لنا بمغادرة المخا قبل أن تشفى رجله تماما؛ و لا يمكننا أن نلومه على ذلك لأنه لن يجد في شبه الجزيرة العربية طبيبا واحدا ماهرا. فاقترحنا بالتالي ترك طبيبنا في المخا شرط أن يسمحوا لنا بالرحيل؛ غير أن العرب خافوا أن يخفق في العلاج من شدة حزنه على رحيل أصدقائه.

فاشتكينا أمام أعيان البلاد من رفض حاكمهم السماح لنا بالذهاب لإنفاق أموالنا في مكان آخر.

فسألوا عن سبب رفضنا انتظار انطلاق السفن من المخا و حذرونا من التجول في المناطق الجبلية، في هذا الفصل من السنة؛ فمن ينتقل من حرّ تهامة إلى برودة الجبال قد يصاب بحمى قوية. و لما كان هدف رحلتنا التعرف على هذا الجزء من شبه الجزيرة العربية لم نستطع العدول عن قرارنا.

سر صاحب الدولة بشفاء رجله خلال أسابيع قليلة؛ فقد قال طبيبنا إن جرحه ليس بالغا و لكن شفاءه يتطلب وقتا طويلا (*). ثم وصل رجل عربي إلى المدينة و وعد صاحب الدولة بشفائه في ظرف ثمانية أيام؛ فاستقبل الطبيب الجديد بالترحاب و لبى صاحب الدولة طلبنا؛ و أعطى السيد كرامر الإذن بالرحيل و قدم له بغلا و سرجا و بعض الملابس العربية. و تلقينا في الوقت نفسه الأمر بالذهاب إلى تعز فحسب، لأن صاحب الدولة ينتظر رد الإمام. و علاوة على ذلك أعطانا صاحب الدولة رسالة توصية لصاحب دولة تعز و أرسل معنا أحد خدامه حتى نسافر بأمان و راحة. و كنا نتمنى أن لا يفعل ذلك لأن هذا الخادم كان يراقبنا باستمرار؛ مما جعلنا نتوخى الحذر في تصرفاتنا.

و لما كنا نجهل إن كان بوسعنا العودة إلى المخا خلال هذه السنة اتخذنا الإجراءات المناسبة كافة؛ فأخذنا معنا الأغراض اللازمة علما أننا قد نقضي سنة تقريبا في المناطق الجبلية. و لكننا فضلنا أن نحتفظ بجزء من أموالنا النقدية مع سمسار الإنكليز الذي حملنا رسائل لبانيانيي تعز و صنعاء.

____________

(*) في السنة التالية، كنت في بومباي، حين وصلت إلى مخا سفينة انكليزية، من بلاد الهند الشرقية؛ فقال لي جرّاح هذه السفينة إن رجل صاحب الدولة لم تشف بعد، و قد لا تشفى أبدا.

302

الرحلة من المخا إلى تعز

غادرنا المخا في 13 حزيران/ يونيو عند غروب الشمس؛ سرنا ليلا حوالي ست ساعات أو أربعة أميال و نصف لنصل إلى موسى. وجدنا قرب المخا بئر الشاذلي الشهير؛ الذي يشرب منه الفقراء فقط علما أن السكان يفضلون مياه بئر بليل الذي يبعد فرسخا عن المدينة؛ أما الأثرياء فيجلبون الماء من موسى. و تمتاز المنطقة الممتدة من المخا إلى موسى بجفافها و خلوها من السكان؛ و لم أر على الطريق إلا خانات دبولي(Dabulie) و بصي(Bsie) و فترا(Fatra) . و تقع بلدة موسى على مدخل المنطقة الجبلية؛ و يقيم فيها صاحب الدولة و عدد من الجنود في حصن صغير. و غالبا ما يزور الأوروبيون القادمون من الهند إلى المخا بلدة موسى لقضاء وقت ممتع؛ غير أنني لا أظنهم يستمتعون كثيرا؛ إذ لا نجد فيها سوى مياه عذبة و منازل حقيرة و حرا شديدا. و بعد أن استنتجنا أن مياه الخليج العربي قد تراجعت في هذه البقعة؛ كان علينا أن نبحث هنا على مرفأ موسى الذي يتحدث عنه علماء الجغرافيا اليونانيون. تمتد مناطق نفوذ أولاد يقظان من موسى على طريق سفار و جبل الشرق (سفر التكوين الفصل 10).

و في 10 حزيران/ يونيو غادرنا موسى عند الساعة الرابعة من بعد الظهر متجهين شمالا و بعدها شرقا؛ فعبرنا واديا كبيرا تصب مياهه بعد هطول الأمطار الغزيرة في بحر مجاور لمخا، لتتلاشى بعدها في أراضي تهامة. و لقد سلكنا بعدها طرقات وعرة حتى بلغنا خان الميجم(El Meij m) ، و منه إلى خان سبلة الواقعة على بعد 3/ 8 الميل. و قطعنا ذاك النهار ميلا و نصف الميل لنصل إلى بلدة عريش الواقعة على حدود المخا حيث يقام سوق شعبي كل نهار أحد. و على مسافة نصف فرسخ من البلدة المذكورة نجد منزلا صغيرا تدفع فيه مبالغ زهيدة على حمولات الملح التي ينقلها العرب من رواس إلى إقليم جاوه المستقل؛ غير أن لا أحد يطالب بدفع رسوم على البضائع التي تنقل من المخا و تعبر صنعاء أو غيرها من المدن الواقعة في مناطق نفوذ الإمام.

قابلنا ذاك النهار فردا من سلالة الشيخ الشاذلي الشهير. و رغم جنون هذا الشاب كان يضحك و يلعب مع بعض شبان مجموعتنا الذين كانوا يحثونه على القيام بهذه الدعابة أو تلك؛ و لكن لم يحاول أحد إهانته رغم أنهم لم يكنوا له أي احترام. لأننا نعرف أن المجانين في مصر يعدون من الشيوخ و حتى أنهم يعدّون من الأنبياء بعد وفاتهم؛ غير أننا اكتفينا بتسميته شيخا تيمنا بالشيخ الشاذلي الذي يتحدر من عائلته. و يقال إنه لسنوات خلت أفقد أحد النجارين عقله بعد أن احتال عليه.

303

و نظرا لوعورة الطرقات في هذه المنطقة الجبلية ارتأينا عدم السفر ليلا؛ ففي 11 حزيران/ يونيو غادرنا عريش عند شروق الشمس و سرنا شمالا مرورا بدحواحة(Dahuaha) ، فوصلنا بعد مسافة ميل و 1/ 3 الميل إلى بلدة البراش(El Brach) ، حيث يقام أسبوعيا سوق شعبي. و تقع شرقي الطريق جبال كامار الخصبة؛ و هي تخضع لنفوذ شيخ ابن عقلان المقيم في دوربات؛ علما أن السكان لا يخشونه كثيرا. فمنذ بضع سنوات علم الشيخ بمقتل شخصين من المنطقة؛ فأرسل فرقة من جنوده للبحث عن الجناة دون جدوى؛ فقد اختبأ هؤلاء الآخرون في أعالي الجبال حيث لا يتمكن الجنود من القبض عليهم. ثم غادرنا هذه المنطقة و قطعنا 3/ 4 الميل لنصل إلى خان متراح حيث اجتمع ذاك النهار عدد كبير من المسافرين؛ فدخلنا إليه لنرتاح قليلا من حرّ النهار. فما لبثت أن هبت عاصفة رعدية قوية ترافقت مع أمطار غزيرة أدّت إلى تدفق المياه من أعالي الجبال معيقة بذلك طريقنا علما أن الدرب تحولت إلى سيل جارف.

ثم غادرنا متراح في 12 حزيران/ يونيو، و بلغنا على مسافة 3/ 4 الميل إلى ميسار و منه إلى مقهى رحابة(Rehabe) ، الواقع على بعد 3/ 4 الميل؛ و تقع بين هذين الخانين قرية دجانة(Dj ne) الجبلية. و بعد أن سلكنا طريقا وعرة للغاية وصلنا إلى مقهى الباب و منه إلى دربات على بعد 3/ 8 الميل؛ مما يعني أن دربات تبعد 6 أميال و نصف عن موسى.

و تعد دربات عاصمة مناطق نفوذ ابن عقلان و مقر الشيخ المتحدر من العائلة الحاكمة حاليا. يقيم فيها عدد من جنود الإمام و تدفع لهم في المقابل رواتب مرتفعة. تقع هذه البلدة على قمة الجبل، و تتميز بسجنها الأكثر بشاعة في اليمن كلها؛ و أظنه يشبه المغارة البنغالية السوداء حيث قضى منذ بضع سنوات عدد كبير من الإنكليز خنقا من شدة الحرّ. حفر سجن سوق دربات في الصخر، بحيث لا يتسلل إليه الضوء إلا عبر كوة صغيرة دخل منها السجناء. و يقع قبالة هذه الكوة، السجن العام حيث يحجز مرتكبو الجرائم البسيطة بعد أن يقيدوا بسلاسل طويلة.

بعد مغادرتنا دوربات سرنا 1/ 4 الميل لنصل إلى مقهى شوفادي(Chofadie) ، و منه إلى بلدة سلامة حيث يقام سوق شعبي كل أسبوع. و رأينا على الطريق مقهى آخر، و خزانين للمياه، و بئرين. و أرغمتنا العاصفة القوية التي هبّت بعد ظهر ذلك اليوم على قضاء الليل في سلامة؛ و في صباح 13 حزيران/ يونيو، قطعنا 5/ 8 الميل لنبلغ مقهى رماد(Rhom de) . و بعد أن سلكنا طريقا متعرجة شاهدنا قرية ربيع التي يقام فيها سوق شعبي كل أسبوع و هي تطل على حصن قاهر الواقع على جبل مجاور لتعز؛ غير أن الطريق المؤدي إليها يمر بقرية قرة(Kerra) على بعد 1/ 3 الميل، و بمقهى رحسن(Rahssen) على بعد ميل تقريبا، وصولا إلى تعز؛ مما يعني أن تعز تبعد 4 أميال و 1/ 8 الميل من دربات. و الجدير ذكره أننا شاهدنا على الطريق من سلامة إلى تعز ثلاث خزانات للمياه مخصصة لراحة المسافرين.

وفور وصولنا إلى تعز، أرسلنا خادم صاحب دولة المخا الذي لم يؤد لنا أي خدمة حتى الآن ليسلم‏

304

صاحب الدولة في هذه المنطقة رسالة معلمه. فأرسل في طلبنا على الفور و بدا لنا لطيف المعشر. فقدم لنا الكيشر و النراجيل و شاهدنا على الأريكة أفنان شجرة يمضغها العرب في أوقات اللهو، كما نمضغ التبغ، و كما يمضغ الهنود التنبول. غير أن هذه الحلوى العربية لم ترق لنا أبدا. و أخبرنا صاحب الدولة أنه يقال في تعز إننا نحمل معنا من المخا صناديق مليئة بالأفاعي: هكذا يغالي العرب في نقل الأخبار. و اصطحبنا إلى أحد المنازل التي زج صاحبها في السجن منذ فترة و جيزة؛ و أرسل لنا نعجتين و كمية من الطحين و الشعير. فقدمنا له في المقابل قطعة قماش من الهند توازي قيمتها 24 ريالا؛ كان خادمنا الأوروبي قد قصد بيت صاحب الدولة ليسلم له هديتنا فاعترض البواب طريقه طالبا منه أن يدفع له بقشيشا فما كان عليه إلا أن رد قائلا: إن جرت العادة في بلادكم أن يتبادل الخدم البقشيش فعليك أن تدفع لي مبلغا كبيرا من المال لأنني أحمل هدية لسيدك فضحك البواب منه و سمح له أن يتابع طريقه.

ثم في اليوم التالي سلمنا الرسائل التي أوصانا بها أصدقاؤنا في المخا إلى أصحابها؛ و منها واحدة للباش كاتب، و ثانية للقائم بأعمال عائلة أحمد الذي كان أمير تعز، و ثالثة لنبيل يدعى سيد، و رابعة لبانياني؛ و الجدير ذكره أن الجميع استقبلنا بالترحاب غير أن خادم صاحب الدولة في المخا كان يلاحقنا حيثما ذهبنا؛ حتى أنه كان يدخل إلى غرفتنا حين يأتي أحدهم لزيارتنا؛ و لعله كان يحاول أن يعلم العرب أننا نسافر تحت رعاية سيده، و لكن تصرفاته هذه كانت تحد من حريتنا و تثير سخطنا. فحاولنا أن نفهمه أن وجوده ليس مشجعا في هذه المناسبات. و من ناحية أخرى كان الطقس في تعز جميلا جدا؛ فبدلا من الحرارة الخانقة و الجفاف اللذين يسودان في تهامة، كانت السماء تمطر كل مساء حاملة معها هواء منعشا.

إن مدينة تعز تقع شمالا، عند سفح جبل صابر الخصيب، على خط العرض 13؟، 34؟؛ و هي محاطة بأسوار تتراوح سماكتها بين 16 و 30 قدما، و تعلوها أبراج صغيرة؛ كما و أنها مغطاة من الخارج بآجر مشوي؛ و نجد داخل الجدران صخرة متعرجة يبلغ ارتفاعها حوالي 400 قدم بني عليها حصن قاهر المنيع.

و للمدينة بابان، باب الشيخ موسى، و باب الكبير، يصلان على الطريق المؤدي من المخا إلى صنعاء؛ و هما مبنيان على الطراز العربي؛ و نجد بابا آخر يصل قصر قاهر بجبل صابر، و بابا رابعا في سور المدينة بين قاهر و باب الكبير؛ و الجدير ذكره أننا لم نشاهد أثرا للمدافع إلا في قلعة قاهر، و على بابي المدينة؛ لكن خلال إقامتنا في تعز، تمّ بناء برج جديد وضع عليه عدد من المدافع. تتألف حامية تعز من 500 أو 600 عنصر يقيم 60 منهم في القصر، بينما يوزع الباقون على أبواب و أبراج المدينة.

و قد تبدو تعز محصنة جدا ضد الأعداء؛ لكن وفقا للأسلوب الذي يعتمده الأوروبيون في حروبهم، لا أظن أن بلدة تعز و حصنها قد يصمدا طويلا أمام العدو. و إليكم ما تدل عليه الأرقام التي وضعتها على اللوحتين‏LXVI) و(LXVII : 1) باب الشيخ موسى، 2) باب الكبير، 3) البرج الجديد الذي وضعت‏