مُسكّن الفؤاد عند فقد الأحبّة والأولاد

- الشهيد الثاني المزيد...
164 /
51

فِي نَفْسِهِ مِنِّي شَيْ‏ءٌ مِنْ ذَلِكَ أَلَا وَ لْيَقْتَصَّ مِنِّي قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ نَفْسِي قَالَ فَقَالُوا إِنَّكَ كُنْتَ لَنَا وَالِداً كُنْتَ مُؤَدِّباً وَ مَا قَالَ لِخَادِمٍ سوء [سُوءاً] قَطُّ قَالَ أَ غَفَرْتُمْ لِي مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ قَالُوا نَعَمْ قَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ ثُمَّ قَالَ أَمَا فَاحْفَظُوا وَصِيَّتِي لَا يَخْرُجُ عَلَيَّ إِنْسَانٌ مِنْكُمْ فَإِذَا خَرَجَتْ نَفْسِي فَتَوَضَّئُوا وَ أَحْسِنُوا الْوُضُوءَ ثُمَّ لْيَدْخُلْ إِنْسَانٌ مِنْكُمْ مَسْجِداً فَيُصَلِّي ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ لِعِبَادِهِ وَ لِنَفْسِهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ‏

وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ

ثُمَّ أَسْرِعُوا بِي إِلَى حُفْرَتِي وَ لَا تَتَّبِعُونِي بِنَارٍ وَ لَا تَضَعُوا تَحْتِي أُرْجُوَاناً

وَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ الْبَاقِرِ (ع) قَالَ‏

أَشَدُّ الْجَزَعِ الصُّرَاخُ بِالْوَيْلِ وَ الْعَوِيلِ وَ لَطْمُ الْوَجْهِ وَ الصَّدْرِ وَ جَزُّ الشَّعْرِ وَ مَنْ أَقَامَ النُّوَاحَةَ فَقَدْ تَرَكَ الصَّبْرَ وَ مَنْ صَبَرَ وَ اسْتَرْجَعَ وَ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى فَقَدْ رَضِيَ بِمَا صَنَعَ اللَّهُ وَ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ جَرَى عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَ هُوَ ذَمِيمٌ وَ أَحْبَطَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَجْرَهُ‏

وَ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الصَّادِقِ (ع) قَالَ‏

إِنَّ الصَّبْرَ وَ الْبَلَاءَ يَسْتَبِقَانِ إِلَى الْمُؤْمِنِ يَأْتِيهِ الْبَلَاءُ وَ هُوَ صَبُورٌ وَ إِنَّ الْجَزَعَ وَ الْبَلَاءَ يَسْتَبِقَانِ إِلَى الْكَافِرِ يَأْتِيهِ الْبَلَاءُ وَ هُوَ جَزُوعٌ‏

وَ عَنْهُ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)

ضَرْبُ الْمُسْلِمِ عَلَى فَخِذِهِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ إِحْبَاطٌ لِأَجْرِهِ‏

وَ عَنْ مُوسَى بْنِ بُكَيْرٍ عَنِ الْكَاظِمِ‏

52

ع قَالَ‏

ضَرْبُ الْمُسْلِمِ عَلَى فَخِذِهِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ إِحْبَاطُ أَجْرِهِ‏

وَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ عَنِ الصَّادِقِ (ع)

يَا إِسْحَاقُ لَا تَعُدَّنَّ مُصِيبَةً أُعْطِيتَ عَلَيْهَا الصَّبْرَ وَ اسْتَوْجَبْتَ عَلَيْهَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الثَّوَابَ إِنَّمَا الْمُصِيبَةُ الَّتِي يُحْرَمُ صَاحِبُهَا أَجْرَهَا وَ ثَوَابَهَا إِذَا لَمْ يَصْبِرْ عِنْدَ نُزُولِهَا

وَ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ قَالَ‏

كُنَّا عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) فَجَاءَهُ رَجُلٌ وَ شَكَا إِلَيْهِ مُصِيبَتَهُ فَقَالَ أَمَا إِنَّكَ إِنْ تَصْبِرْ تُؤْجَرْ وَ إِنْ لَمْ تَصْبِرْ يُمْضَى عَلَيْكَ قَدَرُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الَّذِي قَدَّرَ عَلَيْكَ وَ أَنْتَ مَذْمُومٌ‏

فصل‏

قَالَ الصَّادِقُ (ع)

الْبَلَاءُ زَيْنُ الْمُؤْمِنِ وَ كَرَامَةٌ لِمَنْ عَقَلَ لِأَنَّ فِي مُبَاشَرَتِهِ وَ الصَّبْرِ عَلَيْهِ وَ الثَّبَاتِ عِنْدَهُ تَصْحِيحٌ [تَصْحِيحاً] بِسُنَّةِ الْإِيمَانِ قَالَ النَّبِيُّ (ص) نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ أَشَدُّ بَلَاءً وَ الْمُؤْمِنُ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ وَ مَنْ ذَاقَ طَعْمَ الْبَلَاءِ تَحْتَ سِتْرٍ حَفِظَهُ اللَّهُ لَهُ تَلَذَّذَ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ تَلَذُّذِهِ بِالنِّعْمَةِ وَ يَشْتَاقُ إِلَيْهِ إِذَا فَقَدَهُ لِأَنَّهُ تَحْتَ يَدِ نِيرَانِ الْبَلَاءِ وَ الْمِحْنَةِ أَنْوَارُ النِّعْمَةِ وَ تَحْتَ أَنْوَارِ النِّعْمَةِ نِيرَانُ الْبَلَاءِ وَ الْمِحْنَةِ وَ قَدْ يَنْجُو مِنْهُ كَثِيرٌ وَ يَهْلِكُ فِي النِّعْمَةِ كَثِيرٌ وَ مَا أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى مُحَمَّدٍ (ص) إِلَّا بَعْدَ ابْتِلَائِهِ وَ وَفَاءِ حَقِّ الْعُبُودِيَّةِ فِيهِ ابْتَلَاهُ فَأَحَقَ‏

53

الْعُبُودِيَّةَ فَكَرَامَاتُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْحَقِيقَةِ نِهَايَاتٌ بِدَايَاتُهَا الْبَلَاءُ وَ بِدَايَاتٌ نِهَايَاتُهَا الْبَلَاءُ وَ مَنْ خَرَجَ مِنْ شَبَكَةِ الْبَلْوَى جُعِلَ سِرَاجَ الْمُؤْمِنِينَ وَ مُؤْنِسَ الْمُقَرَّبِينَ وَ دَلِيلَ الْقَاصِدِينَ وَ لَا خَيْرَ فِي عَبْدٍ شَكَا مِنْ مِحْنَةٍ تَقَدَّمُهَا آلَافُ نِعْمَةٍ وَ تَتْبَعُهَا آلَافُ رَاحَةٍ وَ مَنْ لَا يَقْضِي حَقَّ الصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ حُرِمَ جَزَاءَ [قَضَاءَ] الشُّكْرِ فِي النَّعْمَاءِ كَذَلِكَ مَنْ لَا يُؤَدِّي حَقَّ الشُّكْرِ فِي النَّعْمَاءِ يُحْرَمُ عَنْ جَزَاءِ [قَضَاءِ] الصَّبْرِ فِي الْبَلَاءِ وَ مَنْ حُرِمَهَا [حُرِمَهُمَا] فَهُوَ مِنَ الْمَطْرُودِينَ وَ قَالَ أَيُّوبُ (ع) فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ إِنَّهُ قَدْ أَتَى عَلَيَّ سَبْعُونَ فِي الرَّخَاءِ فَأَمْهِلْنِي حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيَّ سَبْعُونَ فِي الْبَلَاءِ وَ قَالَ وَهْبٌ الْبَلَاءُ لِلْمُؤْمِنِ كَالشِّكَالِ لِلدَّابَّةِ وَ الْعَقْلِ لِلْإِبِلِ‏

و هذا الفصل كله من كلام الصادق ع‏

فصل‏

وَ قَالَ الصَّادِقُ (ع)

الصَّبْرُ يُظْهِرُ مَا فِي بَوَاطِنِ الْعِبَادِ مِنَ النُّورِ وَ الصَّفَاءِ وَ الْجَزَعُ يُظْهِرُ مَا فِي بَوَاطِنِهِمْ مِنَ الظُّلْمَةِ وَ الْوَحْشَةِ وَ الصَّبْرُ يَدَّعِيهِ كُلُّ أَحَدٍ وَ لَا يَبِينُ [يَثْبُتُ‏] عِنْدَهُ إِلَّا الْمُخْبِتُونَ وَ الْجَزَعُ يُنْكِرُهُ كُلُّ أَحَدٍ وَ هُوَ أَبْيَنُ عَلَى الْمُنَافِقِينَ لِأَنَّ نُزُولَ الْمِحْنَةِ وَ الْمُصِيبَةِ يُخْبِرُ عَنِ الصَّادِقِ وَ الْكَاذِبِ وَ تَفْسِيرُ الصَّبْرِ مَا يَسْتَمِرُّ مَذَاقُهُ وَ مَا كَانَ عَنِ اضْطِرَابٍ لَا يُسَمَّى صَبْراً وَ تَفْسِيرُ الْجَزَعِ اضْطِرَابُ الْقَلْبِ وَ تَحَزُّنُ الشَّخْصِ وَ تَغَيُّرُ اللَّوْنِ وَ تَغَيُّرُ الْحَالِ وَ كُلُّ نَازِلَةٍ خَلَتْ أَوَائِلُهَا عَنِ الْإِخْبَاتِ-

54

وَ الْإِنَابَةِ وَ التَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَصَاحِبُهَا جَزُوعٌ غَيْرُ صَابِرٍ وَ الصَّبْرُ مَا أَوَّلُهُ مُرٌّ وَ آخِرُهُ حُلْوٌ لِقَوْمٍ وَ لِقَوْمٍ مُرٌّ أَوَّلُهُ وَ آخِرُهُ فَمَنْ دَخَلَهُ و آخره حلو من دخله [هذه الكلمات زائدة] مِنْ أَوَاخِرِهِ فَقَدْ دَخَلَ وَ مَنْ دَخَلَهُ مِنْ أَوَائِلِهِ فَقَدْ خَرَجَ وَ مَنْ عَرَفَ قَدْرَ الصَّبْرِ لَا يَصْبِرُ عَمَّا مِنْهُ الصَّبْرُ وَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي قِصَّةِ مُوسَى وَ خَضِرٍ (ع)

وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً

فَمَنْ صَبَرَ كُرْهاً وَ لَمْ يَشْكُ إِلَى الْخَلْقِ وَ لَمْ يَجْزَعْ بَهَتْكِ سِرِّهِ [سِتْرِهِ‏] فَهُوَ مِنَ الْعَامِّ وَ نَصِيبُهُ مَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏

وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ‏

أَيْ بِالْجَنَّةِ وَ الْمَغْفِرَةِ وَ مَنِ اسْتَقْبَلَ الْبَلَاءَ بِالرُّحْبِ فَصَبَرَ عَلَى سَكِينَةٍ وَ وَقَارٍ فَهُوَ مِنَ الْخَاصِّ وَ نَصِيبُهُ مَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ-

إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ‏

فصل في نبذ من أحوال السلف عند موت أبنائهم و أحبابهم‏

كانت العرب في الجاهلية و هم لا يرجون ثوابا و لا يخشون عقابا يحافظون على الصبر و يعرفون فضله و يعيرون بالجزع أهله إيثارا للحزم و تزينا بالحلم و طلبا للمروة و فرارا من الاستهانة إلى حسن العزاء حتى كان الرجل منهم ليفقد حميمه فلا يعرف ذلك فيه فلما جاء الإسلام و انتشر و علم ثواب الصبر و اشتهر زادت في ذلك لهم الرغبة و ارتفعت للمبتلين الرتبة قال أبو الأحوص دخلنا على ابن مسعود و عنده بنون له ثلاث غلمان كأنهم‏

55

الدنانير حسنا فجعلنا نتعجب من حسنهم فقال كأنكم تغبطوني بهم قلنا إي و الله بمثل هؤلاء يغبط المرء المسلم فرفع رأسه إلى سقف بيت قصير قد عشش فيه الخطاف و باض فقال و الذي نفسي بيده لأن أكون نفضت يدي من تراب قبورهم أحب إلي من أن يسقط عش هذا الخطاف و ينكسر بيضه يعني حرص على الثواب و كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقرئ الناس القرآن في المسجد جاثيا على ركبتيه إذ جاءت أم ولد له بابن له يقال له محمد فقامت على باب المسجد ثم أشارت له إلى أبيه فأقبل فأفرج القوم حتى جلس في حجره ثم جعل يقول مرحبا بسمي من هو خير منه و يقبله حتى كاد يزدرد ريقه ثم قال و الله لموتك و موت إخوتك أهون علي من عدتكم من هذا الذباب فقيل لم تتمنى هذا فقال اللهم عفوا إنكم تسألوني و لا أستطيع إلا أن أخبركم أريد بذلك الخير أما أنا فأحرز أجورهم و أتخوف عليهم-

سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (ص) يَقُولُ‏

يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يُغْبَطُ الرَّجُلُ بِخِفَّةِ الْحَالِ كَمَا يُغْبَطُ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَ الْوَلَدِ

و كان أبو ذر رضي الله عنه لا يعيش له ولد فقيل إنك امرؤ لا يبقى لك ولد فقال الحمد لله الذي يأخذهم من دار الفناء و يدخرهم في دار البقاء و مات لعبد الله بن عامر المازني‏

56

رضي الله عنه- في الطاعون الجارف سبع بنين في يوم واحد فقال إني مُسْلِمٌ مُسَلِّمٌ و عن عبد الرحمن بن تميم قال دخلنا على معاذ و هو قاعد عند رأس ابن له و هو يجود بنفسه فبكينا فما ملكنا أنفسنا أن ذرفت أعيننا فانتحب بعضنا فزجره معاذ و قال مه فو الله ليعلم الله برضاي هذا أحب إلي من كل غزوة غزوتها مع رسول الله (ص) فإني سمعته يقول من كان له ابن و كان عليه عزيزا و به ضنينا و مات فصبر على مصيبته و احتسبه أبدل الله الميت دارا خيرا من داره و قرارا خيرا من قراره و أبدل المصاب الصلاة و الرحمة و المغفرة و الرضوان فما برحنا حتى قضى و الله الغلام حين أخذ المنادي لصلاة الظهر فرحنا نريد الصلاة فما جئنا إلا و قد غسله و حنطه و كفنه و جاء رجل بسريرة غير منتظر لشهود الإخوان و لا لجمع الجيران فلما بلغنا ذلك تلاحقنا و قلنا يرحمك الله يغفر الله لك يا أبا عبد الرحمن هلا انتظرتنا حتى نفرغ من صلاتنا و نشهد ابن أخينا فقال أمرنا أن لا ننتظر موتانا ساعة ماتوا بليل أو نهار قال فنزل في القبر و نزل معه آخر فلما أراد الخروج ناولته يدي لأنتهضه من القبر فأبى و قال ما أدع ذلك لفضل قوتي و لكن أكره أن يرى الجاهل أن ذلك مني جزع أو استرخاء

57

عند المصيبة ثم أتى مجلسه فدعا بدهن فادهن و بكحل فاكتحل و ببردة فلبسها و أكثر في يومه ذلك من التبسم ينوي به ما ينوي ثم قال‏ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏ في الله خلف عن كل هالك هلك و عزاء من كل مصيبة و دركا لكل ما فات-

وَ رُوِيَ‏

أَنَّ قَوْماً كَانُوا عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (ع) فَاسْتَعْجَلَ خَادِماً بِشِوَاءٍ فِي التَّنُّورِ فَأَقْبَلَ بِهِ مُسْرِعاً فَسَقَطَ السَّفُّودُ مِنْ يَدِهِ عَلَى وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (ع) فَأَصَابَ رَأْسَهُ فَقَتَلَهُ فَوَثَبَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (ع) لَمَّا رَأَى ابْنَهُ مَيِّتاً قَالَ أَنْتَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى أَمَا إِنَّكَ لَمْ تَتَعَمَّدْهُ ثُمَّ أَخَذَ فِي جَهَازِ ابْنِهِ‏

و عن الأحنف بن قيس قال تعلموا العلم و الحلم و الصبر فإني تعلمته فقيل له ممن قال من قيس بن عاصم و قيل و ما بلغ من حلمه قال كنا قعودا عنده إذ أتي بابنه مقتولا و بقاتله مكبولا فما حل حبوته و لا قطع حديثه حتى فرغ ثم التفت إلى قاتل ابنه فقال يا ابن أخي ما حملك على ما فعلت قال غضبت قال أ و كلما غضبت أهنت نفسك و عصيت ربك و أقللت عددك اذهب فقد أعتقتك ثم التفت إلى بنيه فقال يا بني اعمدوا إلى أخيكم فغسلوه و كفنوه فإذا فرغتم منه فأتوني به لأصلي عليه فلما دفنوه قال لهم إن أمه ليست منكم و هو من قوم آخرين فلا أراها

58

ترضى بما صنعتم فاعطوها ديته من مالي-

وَ رَوَى الصَّدُوقُ فِي الْفَقِيهِ‏

أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ ذَرُّ بْنُ أَبِي ذَرٍّ (رحمه الله) وَقَفَ عَلَى قَبْرِهِ أَبُوهُ وَ مَسَحَ الْقَبْرَ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ رَحِمَكَ اللَّهُ يَا ذَرُّ وَ اللَّهِ إِنَّكَ كُنْتَ لِي لَبَرّاً وَ لَقَدْ قُبِضْتَ وَ إِنِّي عَنْكَ لَرَاضٍ وَ اللَّهِ مَا بِي فَقْدُكَ وَ مَا بِي مِنْ غَضَاضَةٍ وَ مَا لِي إِلَى أَحَدٍ سِوَى اللَّهِ مِنْ حَاجَةٍ وَ لَوْ لَا هَوْلُ الْمُطَّلَعِ لَسَرَّنِي أَنْ أَكُونَ مَكَانَكَ وَ لَقَدْ شَغَلَنِي الْحُزْنُ لَكَ عَنِ الْحُزْنِ عَلَيْكَ وَ اللَّهِ مَا بَكَيْتُ عَلَيْكَ بَلْ بَكَيْتُ لَكَ فَلَيْتَ شِعْرِي مَا قُلْتَ وَ مَا قِيلَ لَكَ اللَّهُمَّ فَقَدْ وَهَبْتُهُ مَا افْتَرَضْتَ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّي فَهَبْ لَهُ مَا افْتَرَضْتَ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّكَ فَأَنْتَ أَحَقُّ بِالْجُودِ وَ الْكَرَمِ مِنِّي‏

وَ أَسْنَدَ الدِّينَوَرِيُّ إِلَى ذَرِّ بْنِ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ

لَمَّا مَاتَ وَقَفَ أَبُوهُ عَلَى قَبْرِهِ وَ قَالَ رَحِمَكَ اللَّهُ يَا ذَرُّ مَا عَلَيْنَا مِنْ بَعْدِكَ مِنْ خَصَاصَةٍ وَ مَا بِنَا إِلَى أَحَدٍ مَعَ اللَّهِ مِنْ حَاجَةٍ وَ مَا يَسُرُّنِي أَنْ أَكُونَ الْمُقَدَّمَ قَبْلَكَ وَ لَوْ لَا هَوْلُ الْمُطَّلَعِ لَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ مَكَانَكَ وَ قَدْ شَغَلَنِي الْحُزْنُ لَكَ عَنِ الْحُزْنِ عَلَيْكَ فَلَيْتَ شِعْرِي مَا ذَا قُلْتَ وَ مَا ذَا قِيلَ لَكَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ لَهُ حَقِّي فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَهُ فَاغْفِرْ لَهُ مِنَ الذُّنُوبِ مَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ فَأَنْتَ أَجْوَدُ الْأَجْوَدِينَ وَ أَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ ثُمَّ انْصَرَفَ وَ قَالَ فَارَقْنَاكَ‏

59

وَ لَوْ أَقَمْنَا مَا نَفَعْنَاكَ‏

وَ رَوَى الْمُبَرَّدُ قَالَ‏

لَمَّا هَلَكَ ذَرُّ بْنُ عُمَرَ وَقَفَ عَلَيْهِ أَبُوهُ وَ هُوَ مُسَجًّى وَ قَالَ يَا بُنَيَّ مَا مَوْتُكَ غَضَاضَةٌ وَ مَا بِنَا إِلَى مَا سِوَى اللَّهِ مِنْ حَاجَةٍ فَلَمَّا دُفِنَ قَامَ عَلَى قَبْرِهِ وَ قَالَ يَا ذَرُّ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ قَدْ شَغَلَنَا الْحُزْنُ لَكَ عَنِ الْحُزْنِ عَلَيْكَ لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَا قُلْتَ وَ لَا مَا قِيلَ لَكَ اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ لَهُ مِمَّا افْتَرَضْتَ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّي فَهَبْ لَهُ مَا قَصَّرَ فِيهِ مِنْ حَقِّكَ وَ اجْعَلْ ثَوَابِي عَلَيْهِ لَهُ وَ زِدْنِي مِنْ فَضْلِكَ إِنِّي إِلَيْكَ مِنَ الرَّاغِبِينَ فَسُئِلَ عَنْهُ فَقِيلَ كَيْفَ كَانَ مَعَكَ فَقَالَ مَا مَشَيْتُ مَعَهُ بِلَيْلٍ قَطُّ إِلَّا كَانَ أَمَامِي وَ لَا بِنَهَارٍ قَطُّ إِلَّا كَانَ خَلْفِي وَ مَا عَلَا سَطْحاً قَطُّ وَ أَنَا تَحْتَهُ‏

و قدم على بعض الخلفاء قوم من بني عبس- فيهم رجل ضرير أعمى فسأله عن عينيه فقال بت ليلة في بطن واد و لم أعلم عبسيا يزيد ماله على مالي فطرفنا سيل فذهب بما كان لي من أهل و مال و ولد غير بعير و صبي مولود و كان بعيرا صعبا فنفر فوضعت الصبي و اتبعت البعير فلم أجاوز قليلا حتى سمعت صيحة ابني فرجعت إليه و رأس الذئب في بطنه و هو يأكله و لحقت البعير لأحبسه فبعجني برجله على وجهي فحطمني و ذهب بعيني فأصبحت لا مال بي و لا أهل و لا ولد و لا بصر روي أن عياض بن عقبة الفهري مات‏

60

له ابن فلما نزل في قبره قال رجل إن كان لسيد الجيش فاحتسبه فقال و ما يمنعني و قد كان بالأمس زينة الحياة الدنيا و هو اليوم من الباقيات الصالحات و قال أبو علي الرازي- صحبت الفضيل بن عياض ثلاثين سنة ما رأيته ضاحكا و لا متبسما قط إلا يوم مات ابنه علي فقلت ذلك فقال إن الله سبحانه و تعالى أحب أمرا فأحببت ما أحب الله عز و جل و أصيب عمر بن كعب الهندي بتستر فكتموا أباه الخبر ثم بلغه فلم يجزع و قال الحمد لله الذي جعل من صلبي ما أصيب شهيدا ثم استشهد له ابن آخر بجرجان فلما بلغه الخبر فقال الحمد لله الذي توفى مني شهيدا آخر و روى البيهقي أن عبد الله بن مطرف مات فخرج أبوه مطرف على قومه في ثياب حسنة و قد ادهن فغضبوا و قالوا يموت عبد الله و تخرج في ثياب حسنة مدهنا قال أ فأستكين لها و قد ودعني ربي تبارك و تعالى عليها ثلاث خصال هي أحب إلي من الدنيا و ما فيها قال الله تعالى‏ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ‏ و دعا رجل من قريش إخوانا له فجمعهم على طعام-

61

فضربت ابنا له دابة لبعضهم فمات فأخفى ذلك عن القوم و قال لأهله لا أعلمن صاحت منكم صائحة أو بكت منكم باكية و أقبل على إخوانه حتى فرغوا من طعامه ثم أخذ في جهاز الصبي فلم يفجأهم إلا بسريره فارتاعوا فسألوه عن أمره فأخبرهم فتعجبوا من صبره و كرمه و ذكر أن رجلا من اليمامة دفن ثلاثة رجال من ولده ثم احتبى في نادي قومه يتحدث كأن لم يفقد أحدا فقيل له في ذلك فقال ليسوا في الموت ببديع و لا أنا في المصيبة بأوحد و لا جدوى للجزع فعلام تلوموني و أسند أبو العباس من مسروق عن الأوزاعي قال حدثنا بعض الحكماء قال خرجت و أنا أريد الرباط حتى إذا كنت بعريش بمصر إذ أنا بمظلة و فيها رجل قد ذهبت عيناه و استرسلت يداه و رجلاه و هو يقول لك الحمد سيدي و مولاي اللهم أحمدك حمدا يوافي محامد خلقك كفضلك على سائر خلقك إذ فضلتني على كثير ممن خلقت تفضيلا فقلت و الله لأسأله أعلمه أو ألهمه إلهاما فدنوت منه و سلمت عليه فرد علي السلام فقلت له رحمك الله إني أسألك عن شي‏ء أ تخبرني به أم لا فقال إن كان عندي منه علم أخبرتك به فقلت رحمك الله على أي فضيلة

62

من فضائله تشكره فقال أ و ليس تدري ما قد صنع بي فقلت بلى فقال و الله لو أن الله تبارك و تعالى صب علي نارا تحرقني و أمر الجبال فدمرتني و أمر البحار فغرقتني و أمر الأرض فخسفت بي ما ازددت فيه سبحانه إلا حبا و لا ازددت له إلا شكرا و إن لي إليك حاجة أ فتقضيها لي قلت نعم قل ما تشاء فقال بني لي كان يتعاهدني أوقات صلاتي و يطعمني عند إفطاري و قد فقدته منذ أمس فانظر هل تجده لي قال فقلت في نفسي إن في قضاء حاجته لقربة إلى الله عز و جل فقمت و خرجت في طلبه حتى إذا صرت بين كثبان الرمال إذ أنا بسبع قد افترس الغلام فأكله فقلت‏ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏ كيف آتي هذا العبد الصالح بخبر ابنه قال فأتيته و سلمت عليه فرد علي السلام فقلت رحمك الله إن سألتك عن شي‏ء تخبرني فقال إن كان عندي منه علم أخبرتك به قال فقلت أنت أكرم على الله عز و جل و أقرب منزلة أو نبي الله أيوب (ع) فقال بل نبي الله أكرم عند الله تعالى مني و أعظم عند الله تعالى منزلة مني قال فقلت له إنه ابتلاه الله تعالى فصبر حتى استوحش منه من كان يأنس به و كان عرضا لمرار الطريق و اعلم أن ابنك الذي أخبرتني به و سألتني‏

63

أن أطلبه لك افترسه السبع و أعظم الله أجرك فيه فقال الحمد لله الذي لم يجعل في قلبي حسرة من الدنيا ثم شهق شهقة و سقط على وجهه فجلست ساعة فحركته فإذا هو ميت فقلت‏ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏ فكيف أعمل في أمره و من يعينني على تغسيله و كفنه و حفر قبره و دفنه فبينما أنا كذلك إذ أنا بقفل يريدون الرباط فأشرت إليهم فأقبلوا نحوي حتى وقفوا علي و قالوا من أنت و من هذا فأخبرتهم بقصتي فعقلوا رواحلهم و أعانوني على اغتساله بماء البحر و كفناه بأثواب كانت معهم و تقدمت و صليت عليه مع الجماعة و دفناه في مظلته و جلست عند قبره آنسا به أقرأ القرآن إلى أن مضى من الليل ساعة فغفوت غفوة فرأيت صاحبي في أحسن صورة و أجمل زي في روضة خضراء عليه ثياب خضر قائما يتلو القرآن فقلت له أ لست بصاحبي قال بلى قلت فما الذي صيرك إلى ما أرى فقال اعلم أني وردت مع الصابرين على الله عز و جل في درجة لم ينالوها إلا بالصبر على البلاء و الشكر عند الرخاء فانتبهت و حكى الشعبي قال رأيت رجلا و قد دفن ابنه فلما حثي عليه التراب وقف على قبره و قال يا بني كنت هبة ماجد و عطية واحد و وديعة مقتدر

64

و عارية منتصر فأسترجعك و أهبك و قبضك مالك و أخذك معطيك فاخلفني الله عليك الصبر و لا أحرمني الله بك الأجر ثم أنت في حل من قبلي و الله أولى عليك بالتفضل مني و لما مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز- و أخوه سهل بن عبد العزيز و مولاه مزاحم في أيام متتابعة و دخل عليه بعض أصحابه يعزيه و قال في جملة كلامه و الله ما رأيت مثل ابنك ابنا و لا مثل أخيك أخا و لا مثل مولاك مولى فطأطأ رأسه ثم قال أعد علي ما قلت فأعاده عليه فقال لا و الذي قضى عليهم ما أحب أن شيئا من ذلك لم يكن و قيل بينما عمر بن عبد العزيز ذات يوم جالس إذ أتاه عبد الملك فقال الله الله في مظلمة بني أبيك فلان و فلان فو الله لوددت أن القدور قد غلت بي و بك فيما يرضى الله و انطلق فاتبعه أبو نصرة و قال إني لأعرف خير أحواله قالوا و ما خير أحواله قال أن يموت فاحتسبه و لما دخل عليه أبوه في مرضه فقال له كيف أجدك قال أخذني الموت فاحتسبني يا أبت فإن ثواب الله عز و جل خير لك مني فقال و الله يا بني لأن تكون في ميراثي أحب إلي من أن أكون في ميراثك فقال ابنه لأن يكون ما تحب أحب إلي من‏

65

أن يكون ما أحب فلما مات وقف على قبره و قال رحمك الله يا بني لقد كنت سارا مولودا و بارا ناشئا و ما أحب أني دعوتك فأجبتني و مات له ابن آخر قبل عبد الملك- فجاء فقعد عند رأسه و كشف الثوب عن وجهه و جعل ينظر إليه و يستدمع فجاء ابنه عبد الملك فقال يا أبت لشغلك ما أقبل من الموت عمن هو في شغل عاجل لديك فكان قد لحفت بيمينك و ساويته تحت التراب بوجهك فبكا عمر ثم قال رحمك الله يا بني فو الله إنك لعظيم البركة ما علمتك على أنك نافع الموعظة لمن وعظت‏

فصل في ذكر جماعة من النساء [نساء] نقل العلماء صبرهن‏

رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ‏

كَانَ ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَشْتَكِي فَخَرَجَ أَبُو طَلْحَةَ فَقُبِضَ الصَّبِيُّ فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ مَا فَعَلَ ابْنِي فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ وَ هِيَ كَانَتْ أُمَّ الصَّبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا هُوَ أَسْكَنُ مِمَّا كَانَ فَقَرَّبَتْ لَهُ الْعَشَاءَ فَتَعَشَّى ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ [قَالَتْ‏] فَارَقَ الصَّبِيُّ فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو طَلْحَةَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ (ص) فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ أَ غَرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمَا فَوَلَدَتْ غُلَاماً قَالَتْ فَقُلْتُ لِأَبِي طَلْحَةَ احْمِلْهُ حَتَّى تَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ (ص) وَ بَعَثَتْ مَعَهُ‏

66

بِتَمَرَاتٍ فَقَالَ أَ مَعَهُ شَيْ‏ءٌ قَالَ تَمَرَاتٌ فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ (ص) فَمَضَغَهَا ثُمَّ أَخَذَهَا (ص) مِنْ فِيهِ الْكَرِيمِ فَجَعَلَهَا فِي فِي الصَّبِيِّ ثُمَّ حَنَّكَهُ وَ سَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَرَأَيْتُ تِسْعَةً كُلُّهُمْ قَدْ قَرَءُوا الْقُرْآنَ يَعْنِي مِنْ أَوْلَادِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَوْلُودِ

وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى‏

مَاتَ ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ فَقَالَتْ لِأَهْلِهَا لَا تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ بِابْنِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ قَالَ فَجَاءَ فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ عَشَاءً فَأَكَلَ وَ شَرِبَ ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ تَتَصَنَّعُ لَهُ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهُ قَدْ شَبِعَ وَ أَصَابَ مِنْهَا قَالَتْ يَا أَبَا طَلْحَةَ أَ رَأَيْتَ قَوْماً أَعَارُوا عَارِيَّةً أَهْلَ بَيْتٍ فَطَلَبُوهَا مِنْهُمْ أَ لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ قَالَ لَا قَالَتِ احْتَسِبْ ابْنَكَ قَالَ فَغَضِبَ ثُمَّ قَالَ تَرَكْتِينِي حَتَّى إِذَا تَلَطَّخْتُ أَخْبَرْتِنِي بِابْنِي‏

وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ

لَمَّا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ قَالَتْ يَا أَبَا طَلْحَةَ إِنَّ آلَ فُلَانٍ اسْتَعَارُوا عَارِيَّةً تَمَتَّعُوا فَلَمَّا طُلِبَتْ مِنْهُمْ شُقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ قَالَ مَا أَنْصَفُوا قَالَتْ مَاتَ فُلَانٌ لِأَنَّهُ كَانَ عَارِيَّةً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ قَبَضَهُ اللَّهُ فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ غَدَا لِرَسُولِ اللَّهِ (ص) فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا قَالَ فَحَمَلَتْ وَ ذَكَرَ الْحَدِيثَ وَ فِيهِ فَوَلَدَتْ غُلَاماً فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ وَجْهَهُ وَ سَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ‏

67

وَ الْحَدِيثُ فِي عُيُونِ الْمَجَالِسِ بِزِيَادَةٍ غَرِيبَةٍ فِي آخِرِهِ وَ لَفْظُهُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ غزة [قُرَّةَ] قَالَ‏

كَانَ أَبُو طَلْحَةَ يُحِبُّ ابْنَهُ حُبّاً شَدِيداً فَمَرِضَ فَخَافَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عَلَى أَبِي طَلْحَةَ الْجَزَعَ حِينَ قَرُبَ مَوْتُ الْوَلَدِ فَبَعَثَتْهُ إِلَى النَّبِيِّ (ص) فَلَمَّا خَرَجَ أَبُو طَلْحَةَ مِنْ دَارِهِ تُوُفِّيَ الْوَلَدُ فَسَجَّأَتْهُ أُمُّ سُلَيْمٍ بِثَوْبٍ وَ عَزَلَتْهُ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ ثُمَّ تَقَدَّمَتْ إِلَى أَهْلِ بَيْتِهَا وَ قَالَتْ لَهُمْ لَا تُخْبِرُوا أَبَا طَلْحَةَ بِشَيْ‏ءٍ ثُمَّ إِنَّهَا صَنَعَتْ طَعَاماً ثُمَّ مَسَّتْ شَيْئاً مِنَ الطِّيبِ فَجَاءَ أَبُو طَلْحَةَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) فَقَالَ مَا فَعَلَ ابْنِي فَقَالَتْ لَهُ هَدَأَتْ نَفْسُهُ ثُمَّ قَالَ هَلْ لَنَا مَا نَأْكُلُ فَقَامَتْ فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الطَّعَامَ ثُمَّ تَعَرَّضَتْ لَهُ نَفْسَهَا فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَلَمَّا اطْمَأَنَّ قَالَتْ لَهُ يَا أَبَا طَلْحَةَ تَغْضِبُ مِنْ وَدِيعَةٍ كَانَتْ عِنْدَنَا فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أَهْلِهَا فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ لَا أَغْضَبُ فَقَالَتِ ابْنُكَ كَانَ عِنْدَنَا وَدِيعَةً فَقَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ فَأَنَا أَحَقُّ بِالصَّبْرِ مِنْكِ ثُمَّ قَامَ مِنْ مَكَانِهِ وَ اغْتَسَلَ وَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (ص) فَأَخْبَرَهُ بِصَنِيعِهِمَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) فَبَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا فِي وَقْعَتِكُمَا ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مِنْ أُمَّتِي مِثْلَ صَابِرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (ص) مَا كَانَ مِنْ صَبْرِهَا قَالَ كَانَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ امْرَأَةٌ وَ كَانَ لَهَا زَوْجٌ وَ لَهَا مِنْهُ غُلَامَانِ فَأَمَرَهَا بِطَعَامٍ لِيَدْعُوَ عَلَيْهِ‏

68

النَّاسَ فَفَعَلَتْ وَ اجْتَمَعَ النَّاسُ فِي دَارِهِ فَانْطَلَقَ الْغُلَامَانِ يَلْعَبَانِ فَوَقَعَا فِي بِئْرٍ كَانَ فِي الدَّارِ فَكَرِهَتْ أَنْ تُنَغِّصَ عَلَى زَوْجِهَا الضِّيَافَةَ فَأَدْخَلَتْهُمَا الْبَيْتَ وَ سَجَّتْهُمَا بِثَوْبٍ فَلَمَّا فَرَغُوا دَخَلَ زَوْجُهَا فَقَالَ أَيْنَ ابْنَايَ قَالَتْ هُمَا فِي الْبَيْتِ وَ أَنَّهَا كَانَتْ قَدْ مَسَّتِ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الطِّيبِ وَ أَخَذَتْ تَعَرَّضَتْ لِلرَّجُلِ حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ أَيْنَ ابْنَايَ قَالَتْ هُمَا فِي الْبَيْتِ فَنَادَاهُمَا أَبُوهُمَا فَخَرَجَا يَسْعَيَانِ قَالَتِ الْمَرْأَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَ اللَّهِ لَقَدْ كَانَا مَيِّتَيْنِ وَ لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَاهُمَا ثَوَاباً لِصَبْرِي‏

وَ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا مَا رُوِّينَاهُ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ‏

دَخَلْنَا عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَ هُوَ مَرِيضٌ فَلَمْ نَبْرَحْ حَتَّى قَضَى فَبَسَطْنَا عَلَيْهِ ثَوْباً وَ أُمٌّ لَهُ عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقُلْنَا لَهَا يَا هَذِهِ احْتَسِبِي مُصِيبَتَكِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَالَتْ مَاتَ ابْنِي قُلْنَا نَعَمْ قَالَتْ حَقّاً تَقُولُونَ قُلْنَا نَعَمْ قَالَ فَمَدَّتْ يَدَهَا وَ قَالَتِ اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي أَسْلَمْتُ لَكَ وَ هَاجَرْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (ص) رَجَاءَ أَنْ تُعِينَنِي عِنْدَ كُلِّ شِدَّةٍ وَ رَخَاءٍ فَلَا تَحْمِلْ عَلَيَّ هَذِهِ الْمُصِيبَةَ الْيَوْمَ فَكَشَفَ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ ثُمَّ مَا بَرِحْنَا حَتَّى طَعِمْنَا مَعَهُ‏

و هذا الدعاء من المرأة إدلال على الله و

69

استئناس به يقع على المحبين كثيرا فيقبل دعاهم [دعاءهم‏] و إن كان في التذكير بنحو ذلك ما يقع منه قلة الأدب لو وقع من غيرهم و لذلك بحث طويل و شواهد من الكتاب و السنة يخرج ذكره عن مناسبة المقام و من لطيف ما اتفق فيه مناجات برخ الأسود الذي أمر الله تعالى لكليمه موسى (ع) أن يسأله ليستسقي لبني إسرائيل بعد أن قحطوا سبع سنين و خرج موسى ليستسقي لهم في سبعين ألفا فأوحى الله إليه كيف أستجيب لهم و قد أظلت عليهم ذنوبهم و سرائرهم خبيثة يدعونني على غير يقين و يأمنوا مكري ارجع إلى عبد من عبادي يقال له برخ يخرج حتى أستجيب له فسأل عنه موسى (ع) فلم يعرف فبينما موسى (ع) ذات يوم يمشي في طريق فإذا هو بعبد أسود بين عينيه تراب من أثر السجود في شملة قد عقدها على عنقه فعرفه موسى بنور الله تعالى فسلم عليه فقال ما اسمك قال اسمي برخ فقال أنت طلبتنا منذ حين أخرج استسق لنا فخرج فقال في كلامه ما هذا كلامه اللهم ما هذا من فعالك و ما هذا من حلمك و ما الذي بدا لك أ نقصت عليك عيونك أم عاندت الرياح عن طاعتك أم نفد

70

ما عندك أم اشتد غضبك على المذنبين أ لست كنت غفارا قبل خلق الخاطئين خلقت الرحمة و أمرت بالعطف أم ترينا أنك ممتنع أم تخشى الفوت فتعجل بالعقوبة فما برح برخ حتى أفاضت و خاضت بنو إسرائيل بالقطر قال فلما رجع برخ استقبل موسى (ع) فقال كيف رأيت حين خاصمت ربي كيف أنصفني رجعت إلى أخبار الصابرات‏

وَ رُوِيَ‏

أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمَّا جَاءَهَا خَبَرُ وَلَدِهَا مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قُتِلَ وَ أُحْرِقَ بِالنَّارِ فِي جِيفَةِ حِمَارٍ قَامَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا فَجَلَسَتْ فِيهِ وَ كَظَمَتِ الْغَيْظَ حَتَّى تَشْخَبَ ثَدْيَاهَا دَماً

وَ رُوِيَ عَنْ جُهَيْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا

أَنَّهَا قِيلَ لَهَا قُتِلَ أَخُوكِ قَالَتْ (رحمه الله)-

إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏

قَالُوا وَ قُتِلَ زَوْجُكِ قَالَتْ وَا حُزْنَاهْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) إِنَّ الزَّوْجَ مِنَ الْمَرْأَةِ لَشُعْبَةٌ مَا هِيَ بِشَيْ‏ءٍ

وَ رُوِيَ‏

أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَقْبَلَتْ لِتَنْظُرَ إِلَى أَخِيهَا لِأَبَوَيْهَا حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِأُحُدٍ وَ قَدْ مُثِّلَ بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ (ص) لِابْنِهَا الزُّبَيْرِ الْقَهَا فَأَرْجِعْهَا لَا تَرَى مَا بِأَخِيهَا فَقَالَ لَهَا يَا أُمَّاهْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) يَأْمُرُكِ‏

71

أَنْ تَرْجِعِي قَالَتْ وَ لِمَ وَ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدْ مُثِّلَ بِأَخِي وَ ذَلِكَ فِي اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ رِضًى فَمَا أَرْضَى أَنَا بِمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ فَلَأَحْتَسِبَنَّ وَ لَأَصْبِرَنَّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمَّا جَاءَ الزُّبَيْرُ إِلَى النَّبِيِّ (ص) وَ أَخْبَرَ بِقَوْلِهَا فَقَالَ خَلِّ سَبِيلَهَا فَأَتَتْهُ وَ نَظَرَتْ إِلَيْهِ وَ صَلَّتْ عَلَيْهِ وَ اسْتَرْجَعَتْ وَ اسْتَغْفَرَتْ لَهُ‏

وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ‏

لَمَّا قُتِلَ حَمْزَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ أُحُدٍ أَقْبَلَتْ صَفِيَّةُ تَطْلُبُهُ لَا تَدْرِي مَا صُنِعَ بِهِ قَالَ فَلَقِيَتْ عَلِيّاً وَ الزُّبَيْرَ فَقَالَ عَلِيٌّ (ع) لِلزُّبَيْرِ اذْكُرْ لِأُمِّكَ فَقَالَ الزُّبَيْرُ لَا بَلْ اذْكُرْ أَنْتَ لِعَمَّتِكَ فَقَالَتْ مَا فَعَلَ حَمْزَةُ فَأَرَيَاهَا أَنَّهُمَا لَا يَدْرِيَانِ قَالَ فَجَاءَتِ النَّبِيَّ (ص) فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ عَلَى عَقْلِهَا قَالَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهَا فَدَعَا لَهَا فَاسْتَرْجَعَتْ وَ بَكَتْ قَالَ ثُمَّ جَاءَ (ص) فَقَامَ عَلَيْهِ وَ قَدْ مُثِّلَ بِهِ فَقَالَ وَ لَوْ لَا جَزَعُ النِّسَاءِ لَتَرَكْتُهُ حَتَّى يُحْشَرَ مِنْ حَوَاصِلِ الطُّيُورِ وَ بُطُونِ السِّبَاعِ‏

وَ اسْتُشْهِدَ شَابٌّ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ خَلَّادٌ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ فَجَاءَتْ أُمُّهُ فَقِيلَ لِمَا تَتَّقِينَ يَا أُمَّ خَلَّادٍ وَ قَدْ رُزِيتِ بِخَلَّادٍ فَقَالَتْ لَئِنْ كُنْتُ رُزِيتُ خَلَّاداً فَلَمْ أُرْزَأْ حُبَابَةَ فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ (ص) وَ قَالَ لَهُ أَجْرَانِ لِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ قَتَلُوهُ‏

وَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ‏

لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ حَاصَ أَهْلُ‏

72

الْمَدِينَةِ حَيْصَةً فَقَالُوا قُتِلَ مُحَمَّدٌ (ص) حَتَّى كَثُرَتِ الصَّوَارِخُ فِي نَوَاحِي الْمَدِينَةِ فَخَرَجَتْ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مُتَحَزِّنَةً فَاسْتَقْبَلَتْ بِابْنِهَا وَ أَبِيهَا وَ زَوْجِهَا وَ أَخِيهَا لَا تَدْرِي أَيُّهُمُ اسْتَقْبَلَتْ أَوَّلًا فَلَمَّا مَرَّتْ عَلَى آخِرِهِمْ قَالَتْ مَنْ هَذَا قَالُوا أَخُوكِ وَ أَبُوكِ وَ زَوْجُكِ وَ ابْنُكِ قَالَتْ مَا فَعَلَ النَّبِيُّ (ص) قَالُوا أَمَامَكِ فَمَشَتْ حَتَّى جَاءَتْ إِلَيْهِ وَ أَخَذَتْ بِنَاحِيَةِ ثَوْبِهِ وَ جَعَلَتْ تَقُولُ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أُبَالِي إِذَا سَلِمْتَ مَنْ عَطِبَ‏

وَ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ قَالَ‏

مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ بِامْرَأَةٍ مِنْ بَنِي دينارة [صيارة] وَ قَدْ أُصِيبَ زَوْجُهَا وَ أَبُوهَا وَ أَخُوهَا مَعَهُ (ص) بِأُحُدٍ فَلَمَّا نَعَوْا إِلَيْهَا قَالَتْ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالُوا خَيْراً يَا أُمَّ فُلَانٍ وَ هُوَ بِحَمْدِ اللَّهِ كَمَا تُحِبِّينَ قَالَتْ أَرُونِيهِ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ فَأُشِيرَ لَهَا إِلَيْهِ حَتَّى إِذَا رَأَتْهُ قَالَتْ كُلُّ مُصِيبَةٍ بَعْدَكَ جَلَلٌ‏

وَ خَرَجَتِ السَّمْرَاءُ بِنْتُ قَيْسٍ أُخْتُ أَبِي خِزَامٍ وَ قَدْ أُصِيبَ ابْنَاهَا فَعَزَّاهَا النَّبِيُّ (ص) بِهِمَا فَقَالَتْ كُلُّ مُصِيبَةٍ بَعْدَكَ جَلَلٌ وَ اللَّهِ لَهَذَا النَّقْعُ الَّذِي فِي وَجْهِكَ أَشَدُّ مِنْ مُصَابِهِمَا

وَ رُوِيَ‏

أَنَّ صَلْتَ بْنَ أَشْيَمَ كَانَ فِي مَغْزًى لَهُ وَ مَعَهُ ابْنٌ لَهُ فَقَالَ لِابْنِهِ تَقَدَّمْ أَيْ بُنَيَّ فَقَاتِلْ حَتَّى أَحْتَسِبَكَ فَحَمَلَ‏

73

فَقَاتَلَ فَقُتِلَ فَاجْتَمَعَ النِّسَاءُ عِنْدَ أُمِّهِ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ زَوْجَةِ صَلْتٍ فَقَالَتْ لَهُنَّ مَرْحَباً بِكُنَّ إِنْ كُنْتُنَّ جِئْتُنَّ لِتَهْنِئَتِي وَ إِنْ كُنْتُنَّ لِغَيْرِ ذَلِكِ فَارْجِعْنَ‏

و روي أن عجوزا من بني بكر بن كلاب كان يتحدث قومها من عقلها و سدادها فأخبر بعض من حضرها و قد مات ابن لها و كان واحدها و قد طالت علته و أحسنت تمريضه فلما مات قعدت بفنائها و حضرها قومها فأقبلت على شيخ منهم فقالت يا فلان ما حق من أسبغت عليه النعمة و ألبست العافية و اعتدلت به النظرة أن لا يعجز عن التوفيق لنفسه قبل حل عقدته و الحلول بعقوبته ينزل الموت بداره فيحول بينه و بين نفسه ثم أنشأت تقول شعرا-

هو ابني و أنسي أجره لي و عزتي‏* * * على نفسه رت [رب‏] إليه ولاؤها

فإن أحتسب أوجر و إن أبكه أكن‏* * * كباكية لم يغن شيئا بكاؤها

فقال لها الشيخ إننا لم نزل نسمع أن الجزع إنما هو للنساء فلا يجزعن أحد بعدك و لقد كرم صبرك و ما أشبهت النساء فقالت له إنه ما ميز امرأ

74

بين جزع و صبر إلا وجد بينهما منهجين بعيدي التفاوت في حاليتهما أما الصبر فحسن العلانية محمود العاقبة و أما الجزع فغير معرض شيئا مع إثمه و لو كانا في صورة رجلين لكان الصبر أولاهما بالغلبة و يحسن الصورة و كرم الطبيعة في عاجل الدين و آجله في الثواب و كفى بما وعد الله عز و جل لمن ألهمه إياه و عن جويرة بنت أسماء أن ثلاثة إخوة شهدوا بششتر و استشهدوا و بلغ ذلك أمهم فقالت مقبلين أم مدبرين فقيل لها بل مقبلين فقالت الحمد لله نالوا و الله الفوز و أحاطوا الذمار بنفسي هم و أبي و أمي و ما تأوهت و لا دمعت لها عين و عن أبي قدامة الشامي قال كنت أميرا على جيش في بعض الغزوات فدخلت بعض البلدان و دعوت الناس الغزاة و رغبتهم في الجهاد و ذكرت فضل الشهادة و ما لأهلها ثم تفرق الناس و ركبت فرسي و سرت إلى منزلي فإذا أنا بامرأة من أحسن الناس وجها تنادي يا أبا قدامة فمضيت و لم أجب فقالت ما هكذا كان الصالحون فوقفت فجاءت و دفعت إلى رقعة و خرقة مشدودة و انصرفت باكية فنظرت في الرقعة و إذا فيها مكتوب أنت دعوتنا إلى‏

75

الجهاد و رغبتنا في الثواب و لا قدرة لي على ذلك فقطعت أحسن ما في و هما ضفيرتاي و أرسلتهما إليك لتجعلهما قيد فرسك في سبيله فيغفر لي فلما كان صبيحة القتال فإذا بغلام بين يدي الصفوف يقاتل حاسرا فتقدمت إليه و قلت يا غلام أنت فتى غر راجل و لا آمن أن تجول الخيل فتطؤك بأرجلها فارجع عن موضعك هذا فقال أ تأمرني بالرجوع و قد قال الله تعالى- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ و قرأ الآية إلى آخرها قال فحملته على هجين كان معي فقال يا أبا قدامة أقرضني ثلاثة أسهم فقلت أ هذا وقت قرض فما زال يلح حتى قلت بشرط أن من الله عليك بالشهادة أكون في شفاعتك قال نعم فأعطيته ثلاثة أسهم فوضع سهما في قوسه فرمى به فقتل روميا ثم رمى بالآخر فقتل روميا ثم رمى بالآخر و قال السلام عليك يا أبا قدامة سلام مودع فجاءه سهم فوقع بين عينيه فوضع رأسه على قربوس سرجه فقدمت إليه و قلت لا تنسها فقال نعم و لكن لي إليك حاجة إذا دخلت المدينة فآت والدتي و سلم خرجي [خرجين‏] إليها و أخبرها فهي التي‏

76

أعطتك شعرها لتقيد به فرسك فسلم عليها فهي العام الأول أصيبت بوالدي و في هذا العام بي ثم مات فحفرت له و دفنته فلما هممت بالانصراف عن قبره قدفته الأرض فألقته على ظهرها فقال أصحابه غلام غر و لعله خرج بغير إذن أمه فقلت إن الأرض لتقبل من هو شر من هذا فقمت و صليت ركعتين فدعوت الله و سمعت صوتا يقول يا أبا قدامة اترك ولي الله فما برحت حتى نزلت عليه طيور فأكلته فلما أتيت المدينة ذهبت إلى دار والدته فلما قرعت الباب خرجت أخته إلي فلما رأتني عادت إلى أمها و قالت يا أماه هذا أبو قدامة و ليس معه أخي و قد أصبنا في عام الأول بأبي و في هذا العام بأخي فخرجت أمه فقالت أ معزيا أم مهنئا فقلت ما معنى هذا فقالت إن كان ابني مات فعزني و إن كان استشهد فهنئني فقلت لا بل قد مات شهيدا قالت له العلامة فهل رأيتها فقلت نعم لم تقبله الأرض و نزلت الطيور فأكلت لحمه و تركت عظامه فدفنتها فقالت الحمد لله فسلمت إليها الخرج ففتحته و أخرجت منه مسحا و غلا من حديد قالت إنه كان إذا جنه‏

77

الليل لبس هذا المسح و غل نفسه بالغل و ناجى مولاه و قال في مناجاته إلهي احشرني من حواصل الطيور فاستجاب الله دعاءه و روى البيهقي عن أبي العباس السراج قال مات لبعضهم ابن فدخلت على أمه فقلت لها اتقي الله و اصبري فقالت مصيبتي به أعظم من أن أفسدها بالجزع و قال أبان بن تغلب (رحمه الله) دخلت على امرأة و قد نزل بابنها الموت فقامت إليه و غمضته و سجته و قالت يا بني ما الجزع فيما لا يزول و ما البكاء في ما ينزل بك غدا يا بني تذوق ما ذاق أبوك و ستذوقه من بعدك أمك و إن أعظم الراحة لهذا الجسد النوم و النوم أخ الموت فما عليك إن كنت نائما على فراشك أو على غيره فإن غدا السؤال و الجنة و النار فإن كنت من أهل الجنة فما ضرك الموت و إن كنت من أهل النار فما ينفعك الحياة و لو كنت أطول الناس عمرا يا بني لو لا أن الموت أشرف الأشياء لبني آدم لما أمات الله نبيه (ص) و أبقى عدوه إبليس لعنه الله و عن المبرد قال أتيت امرأة أعزيها على ابنها فجعلت تثني عليه فقالت كان و الله ماله لغير بطنه-

78

و أمره لغير عرسه و كان رحب الذراع بالتي لا تشينه فإن كانت الفحشاء ضاق بها ذرعا فقلت لها و هل لك منه خلف و أنا أعني الولد فقالت نعم بحمد الله كثير طيب ثواب الله عز و جل و نعم العوض في الدنيا و الآخرة و عنه أنه خرج إلى اليمن فنزل على امرأة لها مال كثير و رقيق و ولد و حال حسنة فأقام عندها مدة فلما أراد الرحيل قال أ لك حاجة قالت نعم كلما نزلت هذه البلاد فأنزل علي و أنه غاب أعواما ثم نزل بها فوجدها قد ذهب مالها و رقيقها و مات ولدها و باعت منزلها و هي مسرورة ضاحكة مستبشرة فقال أ تضحكين مما قد نزل بك فقالت يا أبا عبد الله كنت في حال النعمة في أحزان كثيرة فعلمت أنها من قلة الشكر فأنا اليوم في هذه الحالة أضحك شكرا لله على ما أعطاني من الصبر و عن مسلم بن يسار قال قدمت البحرين فأضافتني امرأة لها بنون و رقيق و مال و يسار و كنت أراها محزونة فغبت عنها مدة طويلة ثم أتيت فلم أر ببابها إنسان فاستأذنت عليها فإذا هي ضاحكة مسرورة فقلت لها ما شأنك قالت إنك لما غبت عنا لم نرسل شيئا في البحر إلا غرق-

79

و لا شيئا في البر إلا عطب و ذهب الرقيق و مات البنون فقلت لها يرحمك الله رأيتك محزونة في ذلك اليوم و مسرورة في هذا اليوم فقالت نعم إني لما كنت فيما كنت فيه من سعة الدنيا خشيت أن يكون الله قد عجل لي حسناتي في الدنيا فلما ذهب مالي و ولدي و رقيقي رجوت أن يكون قد ذخر لي عنده شيئا و عن بعضهم قال خرجت أنا و صديق لي إلى البادية فضللنا عن الطريق فإذا نحن بخيمة عن يمين الطريق فقصدنا نحوها فسلمنا فإذا بامرأة ترد علينا السلام و قالت من أنتم قلنا ضالون فآتيناكم فاستأنسنا بكم فقالت يا هؤلاء ولوا وجوهكم عني حتى أقضي من حقكم ما أنتم له أهل ففعلنا فألقت لنا مسحا و قالت اجلسوا عليه إلى أن يأتي ابني ثم جعلت ترفع طرف الخيمة و تردها إلى أن رفعته مرة فقالت أسأل الله بركة المقبل أما البعير بعير ابني و أما الراكب فليس هو قال فوقف الراكب عليها و قال يا أم عقيل عظم الله أجرك في عقيل ولدك فقالت ويحك مات قال نعم قال و ما سبب موته قال ازدحمت عليه الإبل فرمت به في البئر فقالت أنزل و اقض زمام‏

80

القوم فدفعت إليه كبشا فذبحه و أصلحه و قرب إلينا الطعام فجعلنا نأكل و نتعجب من صبرها فلما فرغنا خرجت إلينا و قالت يا قوم هل فيكم من يحسن كلام الله شيئا قلت نعم قالت فاقرأ علي آيات أتعزى بها عن ولدي فقلت يقول الله عز و جل- وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ‏ قالت بالله إنها لفي كتاب الله هكذا قلت و الله إنها لفي كتاب الله هكذا فقالت السلام عليكم ثم صفت قدميها و صلت ركعات ثم قالت اللهم إني قد فعلت ما أمرتني به فانجز لي ما وعدتني به و لو بقي أحد لأحد قال فقلت لنفسي لبقي ابني لحاجتي إليه فقالت لبقي محمد (ص) لأمته فخرجت و أنا أقول ما رأيت أكمل منها و لا أجزل ذكرت ربها بأكمل خصاله و أجمل جلاله ثم إنها لما علمت أن الموت لا مدفع له و لا محيص عنه و أن الجزع لا يجدي نفعا و البكاء لا يرد هالكا رجعت إلى الصبر الجميل و احتسبت ابنها عند الله ذخيرة نافعة ليوم الفقر و الفاقة و نحوه ما أخرجه ابن أبي الدنيا

81

قال كان رجل يجلس إلي فبلغني أنه شاك فأتيته أعوده فإذا هو قد نزل به الموت و إذا أم له عجوز كبيرة عنده فجعلت تنظر حتى غمض و عصب و سجا ثم قالت رحمك الله أي بني فقد كنت بنا بارا و علينا شفيقا فرزقني الله عليك الصبر فقد كنت تطيل القيام و تكثر الصيام لا أحرمك الله تعالى ما أملت فيه من رحمته و أحسن فيك العزاء ثم نظرت إلي و قالت أيها العائد قد رأيت واعظا و نحن معك و روى البيهقي عن ذي النون المصري قال كنت في الطواف و إذا أنا بجاريتين قد أقبلتا و أنشأت إحداهما تقول-

صبرت و كان الصبر خير مطية* * * و هل جزع مني يجدي فأجزع‏

صبرت على ما لو تحمل بعضه‏* * * جبال برضوى أصبحت تتصدع‏

ملكت دموع العين ثم رددتها* * * إلى ناظري فالعين في القلب تدمع‏

فقلت مما ذا يا جارية فقالت من مصيبة نالتني لم تصب أحدا قط قلت و ما هي قالت كان لي شبلان يلعبان أمامي و كان أبوهما ضحى بكبشين فقال أحدهما

82

لأخيه يا أخي أراك كيف ضحى أبونا بكبشه فقام و أخذ شعره فنحره و هرب القاتل فدخل أبوهما فقلت إن ابنك قتل أخاه و هرب فخرج في طلبه فوجده قد افترسه السبع فرجع الأب فمات في الطريق ظمأ و جوعا و روى بعضهم هذه الرواية و زاد فيها قال رأيت امرأة حسناء ليس بها شي‏ء من الحزن و قالت و الله ما أعلم أحدا أصيب بما أصبت به و أوردت القصة فقلت لها كيف أنت و الجزع فقالت لو رأيت فيه دركا ما اخترت عليه شيئا و لو دام لي لدمت له و حكى بعضهم قال أصيبت امرأة بابنها [بابن لها] فصبرت فقيل لها في ذلك فقالت آثرت طاعة الله تعالى على طاعة الشيطان‏

الباب الثالث في الرضا

قال الله تعالى‏ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى‏ ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ‏- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ‏ اعلم أن الرضا ثمرة المحبة لله من أحب شيئا أحب فعله فالمحبة ثمرة المعرفة فإن من أحب شخصا إنسانيا لاشتماله على بعض صفات الكمال أو نعوت الجمال يزداد حبه له كلما زاد به معرفة و لو تصورا فمن نظر بعين بصيرته إلى جلال الله تعالى-

83

و كماله الذي يطول شرح تفصيل بعضه و يخرج عن مقصود الرسالة أحبه- وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ‏ و متى أحبه استحسن كل أثر صادر عنه و هو يقتضي الرضا فالرضا ثمرة من ثمرات المحبة بل كل كمال فهو ثمرتها فإنها لما كانت فرع المعرفة استلزم تصور رحمته رجاء و تصور هيبته الخشية له و مع عدم الوصول إلى المطلوب الشوق و مع الوصول الأنس و مع إفراط الأنس الانبساط و مع مطالعة عنايته التوكل و مع استحسان ما يصدر عنه الرضا و مع تصور قصور نفسه في جنب كماله و كمال إحاطة محبوبه به و قدرته عليه التسليم إليه و يتشعب من التسليم مقامات عظيمة يعرفها من عرفها و ينتهي الأمر به إلى غاية كل كمال و اعلم أن الرضا فضيلة عظيمة للإنسان بل جماع أمر الفضائل يرجع إليها و قد نبه الله تعالى على فضله و جعله مقرونا برضا الله تعالى و علامة له فقال‏ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ‏- وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ و هو نهاية الإحسان و غاية الامتنان و جعله النبي (ص) دليلا على الإيمان حين سأل طائفة من أصحابه‏

قَالَ‏

مَا أَنْتُمْ قَالُوا مُؤْمِنُونَ فَقَالَ مَا عَلَامَةُ إِيمَانِكُمْ قَالُوا نَصْبِرُ عَلَى الْبَلَاءِ وَ نَشْكُرُ

84

عِنْدَ الرَّخَاءِ وَ نَرْضَى بِمَوَاقِعِ الْقَضَاءِ فَقَالَ مُؤْمِنُونَ وَ رَبِّ الْكَعْبَةِ

وَ قَالَ النَّبِيُّ (ص)

إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْداً ابْتَلَاهُ فَإِنْ صَبَرَ اجْتَبَاهُ فَإِنْ رَضِيَ اصْطَفَاهُ‏

وَ قَالَ (ص)

إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَنْبَتَ اللَّهُ تَعَالَى لِطَائِفَةٍ مِنْ أُمَّتِي أَجْنِحَةً فَيَطِيرُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ إِلَى الْجِنَانِ يُسْرِعُونَ فِيهَا وَ يَتَنَعَّمُونَ كَيْفَ شَاءُوا فَتَقُولُ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَلْ رَأَيْتُمُ الْحِسَابَ فَيَقُولُونَ مَا رَأَيْنَا حِسَاباً فَيَقُولُونَ هَلْ جُزْتُمُ الصِّرَاطَ فَيَقُولُونَ مَا رَأَيْنَا صِرَاطاً فَيَقُولُونَ هَلْ رَأَيْتُمْ جَهَنَّمَ فَيَقُولُونَ مَا رَأَيْنَا شَيْئاً فَيَقُولُ الْمَلَائِكَةُ مِنْ أُمَّةِ مَنْ أَنْتُمْ فَيَقُولُونَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (ص) فَيَقُولُونَ نَشَدْنَاكُمُ اللَّهَ حَدِّثُونَا مَا كَانَتْ أَعْمَالُكُمْ فِي الدُّنْيَا فَيَقُولُونَ خَصْلَتَانِ كَانَتَا فِينَا فَبَلَّغَنَا اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ فَيَقُولُونَ وَ مَا هُمَا فَيَقُولُونَ كُنَّا إِذَا خَلَوْنَا نَسْتَحْيِي أَنْ نَعْصِيَهُ وَ نَرْضَى بِالْيَسِيرِ مِمَّا قَسَمَ لَنَا فَيَقُولُ الْمَلَائِكَةُ حَقٌّ لَكُمْ هَذَا

وَ قَالَ (ص)

أَعْطُوا اللَّهَ الرِّضَا مِنْ قُلُوبِكُمْ تَظْفَرُوا بِثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ فَقْرِكُمْ وَ الْإِفْلَاسِ‏

وَ فِي أَخْبَارِ مُوسَى (ع)

أَنَّهُمْ قَالُوا اسْأَلْ لَنَا رَبَّكَ أَمْراً إِذَا نَحْنُ فَعَلْنَاهُ يَرْضَى بِهِ عَنَّا-

85

فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ قُلْ لَهُمْ يَرْضَوْنَ عَنِّي حَتَّى أَرْضَى عَنْهُمْ‏

وَ نَظِيرُهُ مَا رُوِيَ عَنْ نَبِيِّنَا (ص) أَنَّهُ قَالَ‏

مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَعْلَمَ مَا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَلْيَنْظُرْ مَا لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عِنْدَهُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنْزِلُ الْعَبْدَ مِنْهُ حَيْثُ أَنْزَلَهُ الْعَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ‏

وَ فِي أَخْبَارِ دَاوُدَ (ع)

مَا لِأَوْلِيَائِي وَ الْهَمَّ بِالدُّنْيَا إِنَّ الْهَمَّ يُذْهِبُ حَلَاوَةَ مُنَاجَاتِي مِنْ قُلُوبِهِمْ يَا دَاوُدُ إِنَّ مَحَبَّتِي مِنْ أَوْلِيَائِي أَنْ يَكُونُوا رُوحَانِيِّينَ لَا يَغْتَمُّونَ‏

وَ رُوِيَ‏

أَنَّ مُوسَى (ع) قَالَ يَا رَبِّ دُلَّنِي عَلَى أَمْرٍ فِيهِ رِضَاكَ عَنِّي أَعْمَلْهُ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنَّ رِضَايَ فِي كُرْهِكَ وَ أَنْتَ مَا تَصْبِرُ عَلَى مَا تَكْرَهُ قَالَ يَا رَبِّ دُلَّنِي عَلَيْهِ قَالَ فَإِنَّ رِضَايَ فِي رِضَاكَ بِقَضَائِي‏

وَ فِي مُنَاجَاةِ مُوسَى (ع)

أَيْ رَبِّ أَيُّ خَلْقِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ مَنْ إِذَا أَخَذْتُ حَبِيبَهُ سَالَمَنِي قَالَ فَأَيُّ خَلْقٍ أَنْتَ عَلَيْهِ سَاخِطٌ قَالَ مَنْ يَسْتَخِيرُنِي فِي الْأَمْرِ فَإِذَا قَضَيْتُ لَهُ سَخِطَ قَضَائِي‏

وَ رُوِيَ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ وَ ذَاكَ‏

أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا مَنْ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى بَلَائِي وَ لَمْ يَرْضَ بِقَضَائِي فَلْيَتَّخِذِ رَبّاً سِوَائِي‏

وَ يُرْوَى‏

أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى‏

86

إِلَى دَاوُدَ (ع) يَا دَاوُدُ تُرِيدُ وَ أُرِيدُ وَ أَنَّمَا يَكُونُ مَا أُرِيدُ فَإِنْ سَلَّمْتَ لِمَا أُرِيدُ كَفَيْتُكَ مَا تُرِيدُ وَ إِنْ لَمْ تُسَلِّمْ لِمَا أُرِيدُ أَتْعَبْتُكَ فِيمَا تُرِيدُ وَ لَا يَكُونُ إِلَّا مَا أُرِيدُ

وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ‏

أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى إِلَى الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى كُلِّ حَالٍ‏

وَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ

لَأَنْ أَلْحَسَ جَمْرَةً أَحْرَقَتْ مَا أَحْرَقَتْ وَ أَبَقَتْ مَا أَبَقَتْ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ لِشَيْ‏ءٍ كَانَ لَيْتَهُ لَمْ يَكُنْ أَوْ لِشَيْ‏ءٍ لَمْ يَكُنْ لَيْتَهُ كَانَ‏

وَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ

ذِرْوَةُ الْإِيمَانِ الصَّبْرُ لِلْحُكْمِ وَ الرِّضَا بِالْقَدَرِ

وَ قَالَ (ص)

إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِحِكْمَتِهِ وَ جَلَالِهِ جَعَلَ الرَّوْحَ وَ الْفَرَجَ فِي الرِّضَا وَ الْيَقِينِ وَ جَعَلَ الْغَمَّ وَ الْحُزْنَ فِي الشَّكِّ وَ السَّخَطِ

وَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (ع)

الزُّهْدُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ أَعْلَى دَرَجَةِ الزُّهْدِ أَدْنَى دَرَجَةِ الْوَرَعِ وَ أَعْلَى دَرَجَةِ الْوَرَعِ أَدْنَى دَرَجَةِ الْيَقِينِ وَ أَعْلَى دَرَجَةِ الْيَقِينِ أَدْنَى دَرَجَةِ الرِّضَا

وَ قَالَ الصَّادِقُ (ع)

صِفَةُ الرِّضَا أَنْ يَتَرَضَّى الْمَحْبُوبَ وَ الْمَكْرُوهَ وَ الرِّضَا شُعَاعُ نُورِ الْمَعْرِفَةِ وَ الرَّاضِي فَانٍ عَنْ جَمِيعِ اخْتِيَارِهِ وَ الرَّاضِي حَقِيقَةٌ هُوَ الْمَرْضِيُّ عَنْهُ وَ الرِّضَا اسْمٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ مَعَانِي الْعُبُودِيَّةِ وَ تَفْسِيرُ

87

الرِّضَا سُرُورُ الْقَلْبِ سَمِعْتُ أَبِي محمد [مُحَمَّداً] الْبَاقِرَ (ع) يَقُولُ تَعَلُّقُ الْقَلْبِ بِالْمَوْجُودِ شِرْكٌ وَ بِالْمَفْقُودِ كُفْرٌ وَ هُمَا خَارِجَانِ عَنْ سُنَّةِ الرِّضَا وَ الْعَجَبُ مِمَّنْ يَدَّعِي الْعُبُودِيَّةَ لِلَّهِ كَيْفَ يُنَازِعُهُ فِي مَقْدُورَاتِهِ حَاشَا الرَّاضِينَ الْعَارِفِينَ عَنْ ذَلِكَ‏

وَ رُوِيَ‏

أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ابْتُلِيَ فِي آخِرِهِ بِضَعْفِ الْهَرَمِ وَ الْعَجْزِ فَزَارَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَاقِرُ (ع) فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ فَقَالَ أَنَا فِي حَالَةٍ أُحِبُّ فِيهَا الشَّيْخُوخَةَ عَلَى الشَّبَابِ وَ الْمَرَضَ عَلَى الصِّحَّةِ وَ الْمَوْتَ عَلَى الْحَيَاةِ فَقَالَ (ع) أَمَّا أَنَا يَا جَابِرُ فَإِنْ جَعَلَنِيَ اللَّهُ شَيْخاً أُحِبُّ الشَّيْخُوخَةَ وَ إِنْ جَعَلَنِي شَابّاً أُحِبُّ الشَّيْبُوبَةَ وَ إِنْ أَمْرَضَنِي أُحِبُّ الْمَرَضَ وَ إِنْ شَفَانِيَ أُحِبُّ الشِّفَاءَ وَ الصِّحَّةَ وَ إِنْ أَمَاتَنِي أُحِبُّ الْمَوْتَ وَ إِنْ أَبْقَانِي أُحِبُّ الْبَقَاءَ فَلَمَّا سَمِعَ جَابِرٌ هَذَا الْكَلَامَ مِنْهُ قَبَّلَ وَجْهَهُ وَ قَالَ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) فَإِنَّهُ قَالَ سَتُدْرِكُ لِي وَلَداً اسْمُهُ اسْمِي يَبْقُرُ الْعِلْمَ بَقْراً كَمَا يَبْقُرُ الثَّوْرُ الْأَرْضَ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ بَاقِرَ عِلْمِ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ أَيْ شَاقَّهُ‏

وَ رَوَى الْكُلَيْنِيُّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع‏

88

قَالَ‏

رَأْسُ طَاعَةِ اللَّهِ الصَّبْرُ وَ الرِّضَا عَنِ اللَّهِ فِيمَا أَحَبَّ الْعَبْدُ أَوْ كَرِهَ وَ لَا يَرْضَى عَبْدٌ عَنِ اللَّهِ فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ إِلَّا كَانَ خَيْراً لَهُ فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ‏

وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْهُ (ع) قَالَ‏

أَعْلَمُ النَّاسِ بِاللَّهِ تَعَالَى أَرْضَاهُمْ بِقَضَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْهُ (ع) قَالَ‏

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدِيَ الْمُؤْمِنُ لَا أَصْرِفُهُ فِي شَيْ‏ءٍ إِلَّا جَعَلْتُهُ خَيْراً لَهُ فَلْيَرْضَ بِقَضَائِي وَ لْيَصْبِرْ عَلَى بَلَائِي وَ يَشْكُرْ نَعْمَائِي أَكْتُبْهُ يَا مُحَمَّدُ مِنَ الصِّدِّيقِينَ عِنْدِي‏

وَ عَنْهُ (ع) قَالَ‏

فِي مَا أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى مُوسَى (ع) يَا مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ مَا خَلَقْتُ خَلْقاً أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ وَ إِنِّي إِنَّمَا أَبْتَلِيهِ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ وَ أُعَافِيهِ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ وَ أَزْوِي عَنْهُ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ وَ أَنَا أَعْلَمُ بِمَا يَصْلُحُ عَلَيْهِ عَبْدِي فَلْيَصْبِرْ عَلَى بَلَائِي وَ يَشْكُرْ نَعْمَائِي أَكْتُبْهُ مِنَ الصِّدِّيقِينَ عِنْدِي إِذَا عَمِلَ بِرِضَائِي وَ أَطَاعَ أَمْرِي‏

وَ قِيلَ لِلصَّادِقِ (ع) بِأَيِّ شَيْ‏ءٍ يَعْلَمُ [يَعْرِفُ‏] الْمُؤْمِنُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ قَالَ بِالتَّسْلِيمِ لِلَّهِ وَ الرِّضَا فِيمَا وَرَدَ عَلَيْهِ مِنْ سُرُورٍ أَوْ سَخَطٍ

وَ رُوِيَ فِي الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ‏

أَنَّ عَابِداً عَبَدَ اللَّهَ تَعَالَى دَهْراً طَوِيلًا فَرَأَى فِي الْمَنَامِ فُلَانَةُ رَفِيقَتُكَ فِي الْجَنَّةِ فَسَأَلَ‏

89

عَنْهَا وَ اسْتَضَافَهَا ثَلَاثاً لِيَنْظُرَ إِلَى عَمَلِهَا فَكَانَ يَبِيتُ قَائِماً وَ تَبِيتُ نَائِمَةً وَ يَظَلُّ صَائِماً وَ تَظَلُّ مُفْطِرَةً فَقَالَ لَهَا أَ مَا لَكِ عَمَلٌ غَيْرُ مَا رَأَيْتُ فَقَالَتْ مَا هُوَ وَ اللَّهِ غَيْرَ مَا رَأَيْتَ وَ لَا أَعْرِفُ غَيْرَهُ فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ تَذَكَّرِي حَتَّى قَالَتْ خَصِيلَةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ إِنْ كُنْتُ فِي شِدَّةٍ لَمْ أَتَمَنَّ أَنْ أَكُونَ فِي رَخَاءٍ وَ إِنْ كُنْتُ فِي مَرَضٍ لَمْ أَتَمَنَّ أَنْ أَكُونَ فِي صِحَّةٍ وَ إِنْ كُنْتُ فِي الشَّمْسِ لَمْ أَتَمَنَّ أَنْ أَكُونَ فِي الظِّلِّ فَوَضَعَ الْعَابِدُ يَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ وَ قَالَ هَذِهِ خَصِيلَةٌ هَذِهِ وَ اللَّهِ خَصِيلَةٌ عَظِيمَةٌ يَعْجِزُ عَنْهَا الْعُبَّادُ

فصل‏

مرتبة الرضا عالية جدا على مرتبة الصبر بل نسبة الصبر إلى الرضا عند أهل الحقيقة نسبة المعصية إلى الطاعة فإن المحبة يقتضي اللذة بالبلاء لأنه يحد في البلاء نفسه على ذكر من محبوبه فيزيد قربه و أنسه و الصبر يقتضي كراهة البلاء و استصعابه حتى يوجب الصبر عليه و الكراهة تنافي الأنس فتبين بذلك أن المحبة و الصبر متنافيان و أيضا فإن الصبر إظهار التجلد و هو في مذهب المحبة من أشد المنكرات نكرا و أظهر علامات العداوة طرا كما قيل شعر-

و يحسن إظهار التجلد للعدى‏* * * و يقبح إلا العجز عند الأحبة

-

90

و من هنا قال أهل الحقيقة الصبر من أصعب المنازل على العامة و أوحشها في طريق المحبة و أنكرها في طريق التوحيد و إنما كان أصعب عند العامة لأن العامي لم يتدرب بالرياضة و لم يتحنك بالصبر على البلاء و لم يتعود بقمع النفس فلم يحتمل البلاء فلم يكن من أهل المحبة حتى يتلذذ بالبلاء فإذا امتحنه الحق سبحانه بالبلاء و هو في مقام النفس لم يحتمل البلاء و غلبه الجزع و صعب عليه حبس النفس عن إظهاره لعدم طمأنينتها و إنما كان أوحش المنازل في طريق المحبة لأن المحبة تقتضي الأنس بالمحبوب و الالتذاذ بالبلاء لشهود المبتلى فيه و إيثار مراد المحبوب و الصبر يقتضي كراهة البلاء كما مر فيتنافيان و إنما كان أنكر في مقام التوحيد لأن الصابر يدعي قوة الثبات و دعوى الثبات و التجلد من مرغوبات النفس و التوحيد يقتضي فناء النفس فيكون أنكر لأن إثبات النفس في طريق التوحيد من أقبح المنكرات بل الرضا مع عظم قدره و علو أمره عند أهل التحقيق في التوحيد من أوائل‏

91

مسالكه لأن سلوكهم في القضاء في التوحيد بذواتهم و الرضا هو فناء الإرادة في إرادة الحق تعالى و الوقوف الصادق مع مراد الله تعالى و فناء الصفة قبل فناء الذات و قد تبين لك بذلك ما بين الصبر و الرضا عن المراتب البعيدة و المسالك الشديدة

فصل‏

للرضا ثلاث درجات مرتبة في القوة ترتبها في اللفظ الدرجة الأولى أن ينظر إلى موقع البلاء و العقل الذي يقتضي الرضا و يدرك موقعه و يحس بألمه و لكن يكون راضيا به بل راغبا فيه مريدا له بعقله و إن كان كارها له بطبعه طلبا لثواب الله تعالى عليه و مزيدا لزلفى لديه و الفوز بالجنة التي‏ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ‏ و قد أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ‏ و هذا القسم من الرضا هو رضا المتقين و مثاله مثال من يلتمس الفصد و الحجامة من الطبيب العالم بتفاصيل أمراضه و ما فيه صلاحه فإنه يدرك ألم ذلك الفعل إلا أنه راض به و راغب فيه و متقلد من الفصاد منه عظيمة بفعله و مثله من يسافر في طلب الربح فإنه يدرك مشقة السفر و لكن حبه لثمرة سفره طيب عنده مشقة السفر و جعله راضيا به و مهما أصابته‏

92

بلية من الله تعالى و كان له يقين بأن ثوابه الذي ادخر له فوق ما فاته رضي به و رغب فيه و أحبه و شكر الله تعالى عليه الدرجة الثانية أن يدرك الألم كذلك و لكنه أحبه لكونه مراد محبوبه و رضاه فإن من غلب عليه الحب كان جميع مراده و هواه ما فيه رضا محبوبه و ذلك موجود في الشاهد بالنسبة إلى حب الخلق بعضهم بعضا قد تواصفها المتواصفون في نظمهم و نثرهم و لا معنى له إلا ملاحظة حال الصورة الظاهرة بالبصر و ما هذا الجمال إلا جلد على لحم و دم مشحون بالأقذار و الأخباث بدايته من نطفة مذرة و نهايته جيفة قذرة و هو فيما بين ذلك يحمل العذرة و الناظر لهذا الجمال الخسيس هو العين الخسيسة التي تغلط في ما ترى كثيرا فترى الصغير كبيرا و الكبير صغيرا و البعيد قريبا و القبيح جميلا فإذا تصور الإنسان استيلاء هذا الحب فمن أين يستحيل ذلك في حب الجمال الأزلي الأبدي الذي لا ينتهي كماله عند المدرك بعين البصيرة- التي لا يعتريها الغلط و لا يزيلها الموت بل يبقى بعد الموت حيا عند الله فرحا مسرورا برزق الله مستفيدا بالموت-

93

مزيد تنبه و استكشاف و هذا أمر واضح من حيث الاعتبار و تشهد له من الآثار وردت من أحوال المحبين و أقوالهم يأتي بعضها إن شاء الله تعالى و هذه مرتبة المقربين الدرجة الثالثة أن يبطل إحساسه بالألم حتى يجري عليه المؤلم و لا يحس و يصيبه جراحة و لا يدرك ألمه و مثاله الرجل المحارب فإنه في حال غضبه أو حال خوفه قد يصيبه جراحة و هو لا يحس بها حتى إذا رأى الدم استدل به على الجراحة بل الذي يعدو في شغل مريب [قريب‏] قد تصيبه شوكة في قدمه و لا يحس بألمه لشغل قلبه بل الذي يحجم أو يحلق رأسه بحديدة كآلة يتألم بها فإن كان قلبه مشغولا بمهم من مهماته يفزع الحجام أو الحالق و هو لا يشعر به و كل ذلك لأن القلب إذا صار مستغرقا بأمر من الأمور لم يدرك ما عداه و نظائر ذلك في هموم أهل الدنيا و اشتغالهم بها و إكبابهم عليها حتى لا يتألمون و لا يحسون بالجوع و العطش و التعب لذلك كثير مشاهد عيانا فكذلك العاشق المستغرق الهم بمشاهدة محبوبه قد يصيبه ما كان يتألم به أو يغتم لو لا عشقه ثم لا يدرك غمه و ألمه لفرط استيلاء

94

الحب على قلبه هذا إذا أصابه من غير حبيبه فكيف إذا أصابه من حبيبه و شغل القلب بالحب و العشق من أعظم الشواغل و إذا تصور هذا في ألم يسير بسبب حب خفيف تصور في الألم العظيم بالحب العظيم فإن الحب أيضا يتصور تضاعفه في القوة كما يتصور تضاعف الألم و كما يقوى حب الصور الجميلة المدركة بحاسة البصر فكذا يقوى حب الصور الجميلة الباطنة المدركة بنور البصيرة الربوبية و جلالها لا يقاس بها جلال فمن انكشف له شي‏ء منه فقد يبهره بحيث يدهش و يغشى عليه فلا يحس بما يجري عليه كما روي عن امرأة أنها عثرت فانقطع ظفرها فضحكت فقيل لها أ ما تجدين الوجع فقالت إن لذة ثوابه أزالت عن قلبي مرارة وجعه و كان بعضهم يعالج غيره من علة فنزلت به فلم يعالج نفسه فقيل له في ذلك فقال ضرب الحبيب لا يوجع‏

فصل في ذكر جماعة من السلف نقل العلماء رضاهم بالقضاء مضافا إلى ما تقدم‏

اعلم أن أكثر ما أوردناه في باب الصبر عن جماعة الأكابر تضمن الرضا بالقضاء بخصوص موت الولد

95

و نحوه و لنذكر هنا أمورا عامة

لَمَّا اشْتَدَّ الْبَلَاءُ عَلَى أَيُّوبَ (ع) قَالَتِ امْرَأَتُهُ أَ لَا تَدْعُو رَبَّكَ فَيَكْشِفَ مَا بِكَ فَقَالَ لَهَا يَا امْرَأَةِ إِنِّي عِشْتُ فِي الْمِلْكِ وَ الرَّخَاءِ سَبْعِينَ سَنَةً فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَعِيشَ مِثْلَهَا فِي الْبَلَاءِ لَعَلِّي كُنْتُ أَدَّيْتُ شُكْرَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ وَ أَوْلَى بِيَ الصَّبْرُ عَلَى مَا أَبْلَى‏

وَ رُوِيَ‏

أَنَّ يُونُسَ قَالَ لِجَبْرَئِيلَ (ع) دُلَّنِي عَلَى أَعْبَدِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدَلَّهُ عَلَى رَجُلٍ قَدْ قَطَعَ الْجُذَامُ يَدَيْهِ وَ رِجْلَيْهِ وَ ذَهَبَ بِبَصَرِهِ وَ سَمْعِهِ وَ هُوَ يَقُولُ إِلَهِي مَتَّعْتَنِي بِهِمَا مَا شِئْتَ وَ سَلَبْتَنِي مَا شِئْتَ وَ أَبْقَيْتَ لِي فِيكَ الْأَمَلَ بِأَبَرِّ بَابِ الْوُصُولِ‏

وَ رُوِيَ‏

أَنَّ عِيسَى (ع) مَرَّ بِرَجُلٍ أَعْمَى أَبْرَصَ مُقْعَدٍ مَضْرُوبِ الْجَنْبَيْنِ بِالْفَالِجِ وَ قَدْ تَنَاثَرَ لَحْمُهُ مِنَ الْجُذَامِ وَ هُوَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَى بِهِ كَثِيراً مِنْ خَلْقِهِ فَقَالَ لَهُ عِيسَى (ع) يَا هَذَا وَ أَيُّ شَيْ‏ءٍ مِنَ الْبَلَاءِ أَرَاهُ مَصْرُوفاً عَنْكَ فَقَالَ يَا رُوحَ اللَّهِ أَنَا خَيْرٌ مِمَّنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ مَا جَعَلَ فِي قَلْبِي مِنْ مَعْرِفَتِهِ فَقَالَ لَهُ صَدَقْتَ هَاتِ يَدَكَ فَنَاوَلَهُ يَدَهُ فَإِذَا هُوَ أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهاً وَ أَفْضَلُهُمْ‏

96

هَيْئَةً قَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُ مَا كَانَ بِهِ فَصَحِبَ عِيسَى (ع) وَ تَعَبَّدَ مَعَهُ‏

و قال بعضهم قصدت عبادان في بدايتي فإذا أنا برجل أعمى مجذوم مجنون قد صرع و النمل يأكل لحمه فرفعت رأسه و وضعته في حجري و أنا أردد الكلام فلما أفاق قال من هذا الفضولي الذي يدخل بيني و بين ربي فو حقه لو قطعني إربا إربا ما ازددت له إلا حبا و قطعت رجل بعضهم من ركبته من آكلة خرجت بها فقال الحمد لله الذي أخذ مني واحدة و ترك ثلاثا و عزتك لئن كنت أخذت لقد أبقيت و لئن كنت ابتليت لقد عافيت ثم لم يدع ورده تلك الليلة و قال بعضهم نلت من كل مقام حالا إلا الرضا بالقضاء فما لي منه إلا مشام الريح و على ذلك لو أدخل الخلائق كلهم الجنة و أدخلني النار كنت بذلك راضيا و قيل لبعض العارفين نلت غاية الرضا عنه فقال أما الغاية فلا و لكن مقام من الرضا قد نلته لو جعلني الله جسرا على جهنم تعبر الخلائق علي إلى الجنة ثم ملأ بي جهنم لأحببت ذلك من حكمه و رضيت به من قسمته و هذا كلام من علم أن الحب به استغرق همة حتى منعه الإحساس بألم النار و

97

استيلاء هذه الحالة غير محال في نفسه لكنه بعيد عن الأخطار [من الأحوال‏] الضعيفة في هذا الزمان و لا ينبغي أن يستنكر الضعيف المحروم حال الأقويا و يظن أن ما هو عاجز عنه يعجز عنه غيره من الأولياء و كان عمران بن حصين رضي الله عنه استسقى بطنه فبقي ملقى على ظهره ثلاثين سنة لا يقوم و لا يقعد و قد ثقب له في سريري موضع لقضاء الحاجة فدخل عليه أخوه العلاء فجعل يبكي لما يرى من حاله فقال لم تبكي قال لأني أراك على هذه الحالة العظيمة قال لا تبك فإن ما أحبه الله تعالى أحبه ثم قال أحدثك شيئا لعل الله ينفعك به و اكتم علي حتى أموت إن الملائكة لتزورني فآنس بها و تسلم علي فأسمع تسليمها فأعلم بذلك أن هذا البلاء ليس بعقوبة إذ هو سبب لهذه النعمة الجسيمة فمن شاهد هذا في بلائه كيف لا يكون راضيا به و قال بعضهم دخلنا على سويد بن شعبة- فرأينا ثوبا ملقى فما ظننا أن تحته شيئا حتى كشف فقال امرأته أهلك فداؤك ما نطعمك و ما نسقيك فقال طالت الضجعة و ديرت الحراقيف و أصبحت نضوا لا أطعم طعاما و لا أشرب شرابا منذ كذا فذكر أياما و ما يسرني أني نقصت من هذا قلامة ظفر- و روي عن بعضهم و كان قاسي المرض ستين سنة فلما اشتد

98

عليه حاله دخل عليه بنوه فقالوا أ تريد أن تموت حتى تستريح مما أنت فيه قال لا قالوا فما تريد قال ما لي إرادة أنا العبد و للسيد الإرادة في عبده و الحكم في أمره و قيل اشتد المرض بفتح الموصلي و أصابه مع مرضه الفقر و الجهد فقال إلهي و سيدي ابتليتني بالمرض و الفقر فهذا فعالك بالأنبياء و المرسلين فكيف لي أن أؤدي شكر ما أنعمت به علي‏

فصل‏

اعلم أن الدعاء يدفع البلاء و زوال المرض و حفظ الولد لا ينافي الرضا بالقضاء فقد تعبدنا الله سبحانه بالدعاء و ندبنا إليه و حثنا عليه و جعل تركه استكبارا و فعله عبادة و وعد بالإجابة و دعا الأنبياء و الأئمة (ع) و أمروا به و ما نقل عنهم خارج عن حد الحصر و قد أثنى الله تعالى إلى الداعين من عباده فقال- يَدْعُونَنا رَغَباً وَ رَهَباً و من وظائف الداعي أن يكون في دعائه ممتثلا لأمر ربه تبارك و تعالى بالدعاء في طلب ما أمره بطلبه و أنه لو لا أمره به و إذنه له فيه لما اجترأ على التعرض لمخالفة قضائه و في الحقيقة هذا نوع من الرضا لمن فهم مواضع الرضا و أدب نفسه و قام بوظائف الدعاء و من علاماته أنه إذا لم يجب إلى مطلوبه لا يتألم من ذلك من حيث عدم إجابته-

99

لجواز أن يكون المدعو به مشتملا على مفسدة لا يعلمها إلا الله تعالى كما ورد أن العبد ليدعو الله تعالى بالشي‏ء حتى ترحمه الملائكة و تقول إلهي ارحم عبدك المؤمن و أجب دعوته فيقول الله تعالى كيف أرحمه من شي‏ء به أرحمه نعم لو استوحش من حيث احتمال أن يكون السبب الذي أوجب رد دعائه بعده عن الله تعالى و استحقاقه الخيبة و الحباد و الطرد و الإبعاد فلا حرج فإن كمال المؤمن أن يكون ماقتا لنفسه مزريا عليها حتى لو أجيبت دعوته فلا يظن أن ذلك من كرامته على الله تعالى و قربه منه بل يجوز أن يكون ذلك من بغض الله تعالى و كراهته لصوته و تؤذي الملائكة برائحته فتسأل الله تعالى أن يعجل بإجابته لتستريح منه و كذلك قد يكون سبب تأخير الإجابة من محبة الله تعالى و ملائكته لصوته و تلذذهم بمناجاته فتسأل الله تعالى تأخير حاجته كما ورد في الأخبار فالمؤمن أبدا بين رجاء و خوف فإن بهما قوام الأعمال و الانزجار عن المعاصي و الرغبة في الطاعات‏

الباب الرابع في البكاء

اعلم أن البكاء بمجرده غير مناف للصبر و لا للرضا

100

بالقضاء و إنما هو طبيعة بشرية و جبلة إنسانية و رحمة رحمية أوجبية [حبيبية] فلا حرج في إبرازها و لا ضرر في إخراجها ما لم تشتمل على أحوال تؤذن بالسخط و تنبئ عن الجزع و تذهب بالأجر من شق الثياب و لطم الوجه و ضرب الفخذ و غيرها و قد ورد البكاء في المصائب عن النبي (ص) و من قبله (ع) من لدن آدم (ع) و بعده من آله و أصحابه مع رضاهم و صبرهم و ثباتهم فأول من بكى آدم (ع) على ولده هابيل و رثاه بأبيات مشهورة و حزن عليه حزنا كثيرا و إن خفي شي‏ء فلا يخفى حال يعقوب (ع) حيث بكى حتى‏ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ‏ على يوسف ع‏

مِنْ مَشَاهِيرِ الْأَخْبَارِ مَا رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ (ع) أَنَّهُ قَالَ‏

إِنَّ زَيْنَ الْعَابِدِينَ (ع) بَكَى عَلَى أَبِيهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً صَائِماً نَهَارَهُ وَ قَائِماً لَيْلَهُ فَإِذَا حَضَرَهُ الْإِفْطَارُ جَاءَهُ غُلَامُهُ بِطَعَامِهِ وَ شَرَابِهِ فَيَضَعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ يَقُولُ كُلْ يَا مَوْلَايَ فَيَقُولُ قُتِلَ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ جَائِعاً قُتِلَ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ عَطْشَاناً فَلَا يَزَالُ يُكَرِّرُ ذَلِكَ وَ يَبْكِي حَتَّى يُبَلَّ طَعَامُهُ مِنْ دُمُوعِهِ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

رُوِيَ‏