الدلائل في شرح منتخب المسائل - ج1

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
742 /
53

مسألة 21: لو كان بعض مواضع البدن نجسا و دخل الماء الكرّ كفى في التعدّد تحقّق الفصل بين المغسول و الماء بحائل كالمسح باليد مثلا ثمّ رفعه ليصل الماء إليه بعد انفصاله عنه (1).

مسألة 22: اللباس المتنجّس و نحوه ممّا ينفذ فيه الماء يلزم عصره في كلّ غسلة في القليل و كذا في الكثير على الأحوط (2).

____________

(1) لعدم خصوصيّة للإخراج بل الإخراج طريق لحصول تعدّد الغسل و هو يحصل بما ذكره (قدّس سرّه).

(2) قال في الحدائق: المعروف من كلام الأصحاب من غير خلاف يعرف وجوب العصر في الثوب و نحوه ممّا يرسب فيه الماء فلو غسله و لم يعصره حتّى جفّ بالهواء أو الشمس فهو باق على نجاسته كما صرّح به جملة منهم إلى آخر كلامه رفع مقامه (1). و لا بدّ أن ينظر فيما ذكر لهذا المدّعى من الدليل، فأقول: القائلون بلزوم العصر اختلفوا في مدرك هذا الحكم، فتارة:

استدلّ بأنّ النجاسة الموجودة لا يتيقّن خروجها إلّا به، و اخرى: بأنّ الغسالة نجسة فيلزم إخراجها، و ثالثة: بأنّ النجاسة ترسخ في الثوب فلا تزول إلّا بالعصر، و رابعة: بما في الفقه الرضوي من قوله (عليه السلام): و إن أصابك بول في ثوبك فاغسله من ماء جار مرّة و من ماء راكد مرّتين ثمّ اعصره (2)، و خامسة:

بأنّ العصر مأخوذ في مفهوم الغسل في الثوب و نحوه.

____________

(1) الحدائق ج 5 ص 365.

(2) المستدرك، الباب 1 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

54

..........

____________

و يرد على الأوّل: أنّه لو كان المراد من النجاسة عين النجس فالدليل أخصّ من المدّعى فإنّ القائل بالعصر يلزمه و لو بعد زوال العين و إن كان المراد بها النجاسة الحكمية فلا نسلّم عدم تيقّن خروجها إلّا بالعصر فإنّ الغسل لو تحقّق بدون العصر نحكم بالطهارة لأنّ ما دلّ على لزوم الغسل يدلّ على الطهارة بعده.

و يرد على الثاني: بأنّه لو قلنا: بأنّ الغسل يتحقّق بدون العصر فنلتزم بطهارة ما يبقى في الثوب بالملازمة كما أنّ القائل بالعصر قائل بطهارة المتخلّف في الثوب بعد العصر، مضافا إلى أنّ إخراج الغسالة لا يتوقّف على العصر فقط بل يمكن إخراجها بالتجفيف.

و يرد على الثالث: أنّ هذا أوّل الكلام فإنّ الغسل لو حصل يحكم بحصول الطهارة كما ذكرنا.

و يرد على الرابع: بعدم تحقّق كون ما في الكتاب المزبور عن الإمام (عليه السلام) فلا أثر له.

و أمّا الدليل الخامس فما يختلج بالبال القاصر أن يفصّل بين غسل الثوب في الماء العاصم كالجاري و نحوه و بين أن يغسل بالماء القليل المنفعل بملاقاة النجس أو المتنجّس، ففي الأوّل لا يلزم العصر و في الثاني يلزم، و الوجه في ذلك أنّ الغسل من المفاهيم العرفية فلا بدّ في تعيين معناه من المراجعة إلى العرف و نحن إذا راجعنا العرف في غسلهم القذارات من الأثواب و الأبدان نرى أنّهم يفرّقون بين الموارد، مثلا لو غسل أحد يده في‌

55

..........

____________

الماء الكثير كالبحر فلا يلزمون في نظافته انفصال غسالته بل يحكمون بتحقّق غسل يده، و كذا لو غسل ثوب وسخ في ماء البحر يرون تحقّق غسله بلا احتياج إلى انفصال ما فيه من الماء. و أمّا لو غسل يده بماء قليل غير عاصم في نظرهم لا يحكمون بتحقّق الغسل إلّا بأنّ ينفصل ما غسل به عن اليد و كذلك في الثوب بحيث لو جفّف بالهواء لا يرونه نظيفا، فعليه لا بدّ من التفصيل و لو شككنا في تحقّق الغسل بدون العصر يلزم العصر و ذلك لاستصحاب عدم تحقّق الغسل فببركة هذا الأصل يحكم ببقاء النجاسة.

إن قلت: هذا من موارد الشكّ في المفهوم و المقرّر في محلّه أنّ الأصل لا يجري في الشبهة المفهومية.

قلت: هذا الذي ذكرت و إن التزموا به و لكن لا نلتزم بهذه المقالة، بل نقول: لا مانع من جريان الاستصحاب فإنّ ما في الخارج و إن كان دائرا بين مقطوع الوجود و مقطوع العدم و لكن بوصف كونه معنونا بهذا العنوان مشكوك فيه فيصحّ أن يقال: إنّ الغسل مشكوك الحدوث و مقتضى الاستصحاب عدم حصوله. و ممّا ذكرنا يظهر وجه الاحتياط في الكثير كما في المتن.

56

مسألة 23: اللباس المتنجّس المصبوغ بالنيل و نحوه يطهر بالماء القليل فضلا عن الكثير و إن خرج منه الماء متلوّثا ما لم يصر مضافا (1).

مسألة 24: إذا تنجّست يداه و ليس عنده إلّا ماء قليل جاز أخذ الماء بالفم و صبّه على يديه و غسلهما به (2) و إذا كان بعض مواضع بدنه نجسا جاز أن يصبّ الماء بإحدى يديه و يغسله بالاخرى.

مسألة 25: الأحوط عدم الفرق بين بول الرضيع و غيره في الحكم بالتعدّد مطلقا (3).

____________

(1) المقدار اللّازم غسل المتنجّس بالماء الطاهر المطلق، و أمّا لو زال عند الإطلاق بعد انفصاله بل لو صار مضافا بعد الغسل أي بعد الوصول إلى المتنجّس فلم يظهر لي وجه الإشكال فيه و اللّه العالم.

(2) فإنّه أحد طرق التطهير إذ لا خصوصيّة للصبّ بطريق خاصّ و ما أفاده بعده أيضا مبنيّ على ما ذكر. و في رواية عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن الرجل يصلح له أن يصبّ الماء من فيه يغسل به الشي‌ء يكون في ثوبه؟ قال: لا بأس (1).

(3) لا إشكال في أنّ ما أفاده موافق للاحتياط، إنّما الكلام فيما تقتضيه الأدلّة. قال في الحدائق: مذهب الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) لا نعلم فيه مخالفا أنّه يكفي صبّ الماء في بول الرضيع من غير غسل و نقل عليه الشيخ في الخلاف إجماع الفرقة (2). و المستفاد من الروايات الواردة في هذا المقام‌

____________

(1) الوسائل، الباب 59 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

(2) الحدائق ج 5 ص 384.

57

..........

____________

هو التفصيل بين الرضيع غير المتغذّي و بين الرضيع المتغذّي فيكفي الصبّ من غير غسل في الأوّل و يلزم الغسل في الثاني، ففي حديث الحلبي قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن بول الصبي قال: تصبّ عليه الماء فإن كان قد أكل فاغسله بالماء غسلا و الغلام و الجارية في ذلك شرع سواء (1). و لا يعارضه ما رواه سماعة قال: سألته عن بول الصبي يصيب الثوب، فقال (عليه السلام)؛ اغسله، قلت: فإن لم أجد مكانه؟ قال: اغسل الثوب كلّه (2). و ما في رواية الحسين بن أبي العلاء (3)، و ما في رواية السكوني عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) أنّ عليّا (عليه السلام) قال: لبن الجارية و بولها يغسل منه الثوب قبل أن تطعم لأنّ لبنها يخرج من مثانة امّها و لبن الغلام لا يغسل منه الثوب و لا بوله قبل أن يطعم لأنّ لبن الغلام يخرج من العضدين و المنكبين (4) من التفريق بين بول الجارية و الغلام بلزوم الغسل في الأوّل، فإنّ رواية الحلبي تقيّد رواية الحسين ابن أبي العلاء و رواية سماعة و توجب حمل رواية السكوني على الاستحباب حيث إنّها صريحة في عدم الفرق بين الغلام و الجارية، فعلى فرض صحّة رواية السكوني من حيث السند لا بدّ من حملها على الاستحباب، لكن العمدة عدم اعتبار سندها إذ الحمل على الاستحباب في أمثال المقام غير مقبول عندنا و لا يخفى أنّه لا اعتبار بحديث سماعة للإضمار فإنّ سماعة من الواقفة و يمكن أن يكون إضماره من غير المعصوم.

____________

(1) الوسائل، الباب 3 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(2) نفس المصدر، الحديث 3.

(3) لاحظ ص 40.

(4) الوسائل، الباب 3 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

58

مسألة 26: ما لا يقبل العصر كالخشب و الحنطة و أمثالهما إذا تنجّست بواطنها بنفوذ النجاسة يطهر ظاهرها بالقليل و الكثير (1) و أمّا باطنها فيشكل تطهيره إلّا إذا وضعت في غير القليل (2) و علم بنفوذ الماء لا مجرّد الرطوبة إليه و لو توقّف العلم بنفوذ الماء إلى باطنها على تجفيفها أوّلا ثمّ وضعها في الماء لزم، و قد مرّ كفاية المرّة في الجاري بل و في الكرّ (3).

مسألة 27: إذا نفذ الماء النجس إلى جوف الحب و الكوز و نحوهما يلزم تجفيفهما أوّلا ثمّ وضعها في الكرّ أو الجاري مثلا حتّى ينفذ الماء الطاهر إلى الجوف فيطهر بذلك و إن كان الأحوط فعل ذلك مرّتين (4).

____________

(1) لعدم مانع من حصول الطهارة مع تحقّق الغسل.

(2) يمكن أن يكون الوجه فيه أنّه لو وضعت في الكثير فحيث إنّ الماء عاصم لا يلزم انفصال الغسالة في تحقّق الغسل فيحصل سبب الطهارة و هذا بخلاف القليل غير العاصم فإنّه يشترط في تحقّق الغسل به انفصال الغسالة و المفروض أنّه لا ينفصل فلا يطهر.

(3) لم أعرف وجه لزوم التجفيف، إلّا أن يقال: ما دام لم يجفّف لا يصدق الغسل و هذا ممنوع فإنّ الحب بعد وضعه في الكرّ و نحوه و استيلاء الماء عليه و نفوذه في أعماقه يحصل الغسل فلا وجه للإشكال فيه.

(4) لو كان وجه الاحتياط ما رواه عمّار بن موسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الدّن يكون فيه الخمر هل يصلح أن يكون فيه خلّ أو ماء كامخ أو زيتون؟ قال: إذا غسل فلا بأس، و عن الإبريق و غيره يكون فيه‌

59

مسألة 28: الفراش أو اللحاف أو الحصير الذي فيه الخيوط إذا تنجّست غسلت في الكرّ أو الجاري بكبس أو دلك أو غير ذلك في الماء ممّا يتحقّق به صدق الغسل بعد زوال عين النجاسة عنها (1).

مسألة 29: إذا تنجّس لبّ الرقّي أو البطّيخ و نحوهما جاز غسلها في الكرّ أو الجاري و كذا بالماء القليل بالصبّ عليها على وجه يستوعب الماء عليها مرّتين في نجاسة البول، بل مطلقا على الأحوط (2).

و لا بأس ببقاء شي‌ء من ماء الغسالة عليها كما لا بأس بما يبقى من الغسالة في مثل اللحاف و الألبسة الغليظة بعد الكبس و العصر (3).

____________

خمر أ يصلح أن يكون فيه ماء؟ قال: إذا غسل فلا بأس. و قال في قدح أو إناء يشرب فيه الخمر، قال: تغسله ثلاث مرّات. و سئل أ يجزيه أن يصبّ فيه الماء؟ قال: لا يجزيه حتّى يدلكه بيده و يغسله ثلاث مرّات (1)، الدالّ على لزوم غسل الكوز ثلاثا فيحتاط حتّى في الكثير، فاللّازم أن يحتاط ثلاثا لا مرّتين و إن كان له وجه آخر فلا أعرفه و لا بأس بالاحتياط، بل لا إشكال في رجحانه.

1- الأمر كما أفاده، و قد تقدّم الكلام حول هذه الجهة فلاحظ.

(2) لعدم مانع من تطهيره بالغسل و قد مرّ الكلام من التفصيل بين البول و غيره.

(3) فإنّ ما دلّ على تطهير المتنجّس بالغسل يدلّ بالملازمة على طهارة ما بقي في المغسول كما هو محلّ الاتّفاق و موافق للارتكاز العرفي.

____________

(1) الوسائل، الباب 1 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

60

مسألة 30: إذا عجن مثل الكوز و الآجر بالماء النجس فتطهيره بوضعه في الكرّ أو الجاري أو صبّ الماء عليه على وجه يستوعب الماء على جميع أجزائه ثمّ تجفيفه و يفعل ذلك مرّتين في نجاسة البول بل مطلقا في التطهير بالقليل على الأحوط (1).

مسألة 31: لا بدّ من غسل الظروف ثلاث مرّات من جميع النجاسات في القليل بل و كذا في الكثير على الأحوط (2) و إن كان

____________

(1) يظهر ممّا ذكرناه في المسألة الثانية و العشرين الإشكال في المقام فإنّ الماء الذي يغسل به الشي‌ء لو لم ينفصل عن الشي‌ء و لم يكن عاصما بل جفّف بالهواء أو بالشمس يحتمل بل يظنّ بعدم كون ذلك الشي‌ء نظيفا و لا يمكن القطع بحصول الغسل في نظر العرف و عليه يشكل ما أفاده (قدّس سرّه) في المقام.

(2) اختلف الأصحاب في غسل الإناء من النجاسات في غير الموارد المنصوصة فقيل بالثلاث فيما عدا الولوغ و هو على ما نقل مذهب الشيخ و ابن الجنيد و الذكرى و الدروس و قيل بالمرّة و قيل بالمرّتين و الأقوى بحسب الدليل الشرعيّ هو الأوّل و يدلّ عليه موثّق عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن الكوز و الإناء يكون قذرا كيف يغسل؟ و كم مرّة يغسل؟ قال: يغسل ثلاث مرّات يصبّ فيه الماء فيحرّك فيه ثمّ يفرغ منه ثمّ يصبّ فيه ماء آخر فيحرّك فيه ثمّ يفرغ ذلك الماء ثمّ صبّ فيه ماء آخر فيحرّك فيه ثمّ يفرغ منه و قد طهر إلى أن قال: و قال: اغسل الإناء الذي تصيب فيه الجرذ ميّتا سبع مرّات (1).

____________

(1) الوسائل، الباب 53 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

61

الأقوى كفاية المرّة في الكرّ و الجاري (1).

مسألة 32: إذا ولغ الكلب في إناء أي شرب من مائه بطرف لسانه (2)،

____________

(1) الظاهر أنّ التفصيل الذي ذكرناه في تطهير المتنجّس بالبول يجري في المقام فإنّ ما رواه عمّار لا يشمل صورة غمس الإناء في الكرّ و الجاري فلو غمس بالكثير العاصم يحكم بطهارته بالغسلة الأولى لإطلاق الغسل المستفاد من الروايات، و أمّا لو صبّ فيه الماء فاللازم غسله ثلاثا أعمّ من أن يغسل بالقليل أو بالكثير كما لو جرى الماء الكثير من مكان فوضع الإناء تحته.

نعم، حيث إنّه استفيد من دليل الجاري كفاية المرّة فلو صبّ فيه الماء الجاري يقع التعارض بين ما دلّ على لزوم الثلاث و بين ما دلّ على كفاية المرّة في الجاري. اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ ما رواه عمّار منصرف عن الغسل بالكثير كما هو ليس بعيدا عن النظر.

(2) لا يخفى أنّه لم يرد في النصّ عنوان الولوغ فلا يهمّنا تحقيق معناه، بل الموضوع في صحيح البقباق قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن فضل الهرّة و الشاة و البقرة و الإبل و الحمار و الخيل و البغال و الوحش و السباع فلم أترك شيئا إلّا سألته عنه، فقال: لا بأس به حتّى انتهيت إلى الكلب فقال: رجس نجس لا تتوضّأ بفضله و أصبب ذلك الماء و اغسله بالتراب أوّل مرّة ثمّ بالماء (1)، عنوان فضل الماء الذي شرب منه بأيّ نحو كان.

____________

(1) الوسائل، الباب 1 من أبواب الأسآر، الحديث 4.

62

بل و إذا وقع في الإناء على الأحوط (1) فتطهيره بالتعفير بالتراب مرّة (2). ثمّ غسله بالماء ثلاث مرّات (3).

____________

(1) الظاهر أنّ الوجه في الاحتياط ذهاب بعض إلى إلحاق وقوعه بولوغه فإنّه نقل عن الصدوق و ابن بابويه التسوية بين الأمرين.

(2) المشهور بينهم أنّه يغسل ثلاثا أوّلها بالتراب و أطلق جملة منهم و نسب إلى المفيد أنّ الغسل بالتراب لا بدّ أن يكون وسطا بين الغسلتين بالماء و لم يعرف له مستند. و كيف كان مقتضى صحيح البقباق هو الأوّل حيث يسأل الإمام (عليه السلام) عن الكلب، فقال: «رجس نجس لا تتوضّأ بفضله و اصبب ذلك الماء و اغسله بالتراب أوّل مرّة ثمّ بالماء» فإنّه صرّح بأن يكون الغسل بالتراب أوّل مرّة.

(3) يظهر وجه الاحتياط بالثلاث ممّا نذكره في المقام و هو أنّ صحيح البقباق (1) برواية الشيخ ليست فيها زيادة مرّتين، و أمّا المحقّق في المعتبر فقد نقلها مع هذه الزيادة. قال في المدارك على حسب ما نقل عنه ما حاصله: إنّ هذه الزيادة ما وجدتها في كتب الأخبار و الشيخ نقلها بلا زيادة في مواضع من الخلاف و كذلك العلّامة في المختلف، و إنّما ذكرها المحقّق في المعتبر و لعلّه من سهو قلم الناسخ و عليه لا يلزم تعدّد الغسل بل يكفي المرّة للإطلاق إلّا أن يثبت إجماع فإن ثبت فهو و إلّا فلا. هذا ملخّص كلامه رفع مقامه.

و ردّ عليه صاحب حبل المتين على حسب نقل صاحب الحدائق عنه بأنّ عدم وجدان رواية في زماننا في كتب الحديث لا يدلّ على عدمها فإنّه يظهر من المحقّق في المعتبر أنّه ينقل بعض الأحاديث المذكورة في كتاب من كتب‌

____________

(1) تقدّم في ص 61.

63

..........

____________

ليست بأيدينا في هذا الزمان إلّا أسمائها ككتاب حسين بن سعيد و غيره.

أقول: ما ردّ به على صاحب المدارك متين و مع هذا الاحتمال القاعدة المعمول بها فيما دار الأمر في الاشتباه بين الزيادة و النقيصة تقتضي الأخذ برواية المحقّق فإنّ احتمال النقص يرجّح على احتمال الزيادة لكنّ الإشكال في عدم اعتبار رواية المعتبر.

و بعبارة أخرى رواية المعتبر مرسلة و لا اعتبار بالمرسلات.

أضف إلى ذلك أنّ العمل بهذه القاعدة في المقام كما استشكل فيه شيخنا الهمداني (قدّس سرّه) مشكل و الوجه في ذلك أنّ هذه القاعدة ليست مدلولة آية أو رواية بل لأجل رجحان احتمال النقص على احتمال الزيادة فإنّ الزيادة لها مئونة زائدة و في المقام حيث إنّ صاحب المدارك لم يجد الزيادة في عدّة كتب من الأخبار و وجد رواية خالية عن الزيادة في مواضع من الخلاف، فاحتمال النقص يضعف، و لذا يشكل الأخذ بالرواية مع هذه الزيادة و عليه يمكن أن يقال بلزوم الثلاث لحديث عمّار الدالّ على الغسل ثلاثا الوارد في مطلق الإناء فإنّ صحيح البقباق إمّا يكون مطلقا و إمّا يكون مجملا و على كلّ تقدير يؤخذ بحديث عمّار، أمّا على الأوّل فلتقييده به و أمّا على الثاني فأظهر، فعلى هذا يصحّ ما أفاده في المتن.

نعم، هنا كلام و هو أنّ الموضوع في حديث عمّار أعمّ من الموضوع في حديث البقباق إذ الموضوع في حديث عمّار مطلق الآنية و الموضوع في صحيح البقباق ما ولغ فيه الكلب، و أمّا محمول حديث عمّار فأخصّ من محمول الصحيح فإنّ المحمول في حديث عمّار الغسل ثلاث مرّات و المحمول في الصحيح مطلق الغسل فلو قلنا: بأنّ الميزان في النسبة لا بدّ أن‌

64

..........

____________

يلاحظ بين الموضوعين و لا يلاحظ المحمول فبالصحيح يخصّص حديث عمّار و يلتزم بكفاية المرّة و لو قلنا بأنّ النسبة تلاحظ بين مجموع الدليلين و لا خصوصيّة للموضوع بخصوصه فأيضا لا وجه لتقديم حديث عمّار، بل مقتضى التعارض بين العامّين من وجه لو كان كلاهما بالإطلاق التساقط فلا بدّ من النظر إلى الدليل الفوقانيّ لو كان و إلّا فإلى الأصل العملي، و على كلّ تكفي المرّة فإنّه لو كان لنا إطلاق الأمر بالغسل كما هو كذلك فظاهر. و لو لم يكن، يقع التعارض بين استصحاب النجاسة و بين استصحاب عدم الجعل الزائد فتصل النوبة إلى قاعدة الطهارة.

لكن يمكن أن يقال: إنّ صحيح البقباق بعد تعارض رواية الشيخ مع رواية المحقّق يصير في حكم المجمل فلا بدّ من الأخذ بحديث عمّار و الحكم بلزوم الغسل ثلاثا.

و لا يخفى أنّه لا فرق بين المتعارضين من حيث الإطلاق و الوضع فإنّ مقتضى القاعدة الرجوع إلى الأحدث و مع عدم تمييزه يكون من موارد كبرى اشتباه الحجّة بغيرها. هذا كلّه على فرض تماميّة حديث المحقّق من حيث السند و قد علم عدم تماميّته.

و أمّا النسبة بين الدليلين فالذي يختلج بالبال أن يقال الميزان بالموضوع.

إن قلت: قد فرض في حديث عمّار الغسل بالقليل فتكون النسبة بين الخبرين عموما من وجه.

قلت: لو قلنا بأنّ الميزان في ملاحظة النسبة الموضوع يكون حديث البقباق أخصّ من حديث عمّار إذ المفروض أنّ الموضوع في الأوّل أخصّ فلاحظ.

65

و لو في الكثير على الأحوط (1).

ثمّ يجفّف (2) و الأحوط في التعفير أن يطرح فيه التراب من غير ماء و يمسح به ثمّ يصبّ فيه شي‌ء من الماء و يمسح به (3).

____________

(1) الظاهر أنّه لا فرق بين القليل و الكثير أمّا على القول و البناء على ترجيح حديث الشيخ فظاهر إذ اللّازم مطلق الغسل، و أمّا على القول بتعدّد الغسل بالماء فأيضا لا فرق إذ مقتضى الإطلاق عدم الفرق.

(2) الظاهر أنّه لا دليل لذلك سوى رواية الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام): إن وقع كلب في الماء أو شرب منه اهريق الماء و غسل الإناء ثلاث مرّات؛ مرّة بالتراب و مرّتين بالماء ثمّ يجفّف (1).

و لا اعتبار بهذه الرواية بل كونها رواية غير معلوم.

(3) هذا محلّ خلاف الفقهاء (قدّس سرّه) فمنهم من ذهب إلى لزوم مزجه بالماء كالراوندي و ابن إدريس على ما نقل عنهما، و منهم من جوّز الغسل بالتراب من غير مزج و لعلّه المشهور و استدلّ على لزوم المزج بأنّ الغسل بالتراب كالغسل بالصابون و السدر و نحوهما فكما يلزم الاستعانة بالماء في الغسل بالصابون كذلك يلزم المزج بالماء في المقام و إلّا لا يصدق الغسل بالتراب.

و هذا بحسب الظاهر من غرائب الكلام فإنّ الغسل بالصابون و أمثاله غسل بالماء، غاية الأمر يستعان بالصابون و نحوه في رفع القذارة و بالماء يغسل مضافا إلى أنّ عنوان الصابون و نحوه لا يزول باستعمال الماء فإنّ‌

____________

(1) المستدرك، الباب 1 من الأسآر، الحديث 1.

66

بل الأحوط أن يكون ذلك بترابين لا بتراب واحد (1). و كذا الحكم في امثال الظروف كالجاون و نحوه (2).

____________

القائل بالمزج إن أراد به ما لا يخرج التراب عن عنوانه فلا يكون مثل غسل الصابون كما هو ظاهر و إن أراد به ما يخرج التراب عن عنوانه بحيث يصدق على ما غسل به إنّه ماء فيه التراب فهذا مناف لظاهر الدليل فإنّ ظاهره يقتضي الغسل بالتراب.

و صفوة القول: إنّ المستفاد من الدليل لزوم الغسل بالتراب الخالص فإنّ الظاهر تقسيم الغسل بالتراب أوّلا و بالماء ثانيا و التقسيم قاطع للشركة، و ما أفاده في المتن من الاحتياط جمع بين الاحتمالات.

و الحاصل: أنّه لا وجه لرفع اليد عن ظاهر الدليل، و عليه يلزم التراب بلا مزج.

1- الظاهر أنّ الوجه في الاحتياط المذكور أنّ التراب الأوّل باستعماله في التعفير، يحتمل سقوطه عن قابليّته للتطهير فمقتضى الاحتياط أن يكون متعدّدا.

(2) لأنّ الحكم مترتّب على عنوان الفضل ففي كلّ مورد يتحقّق هذا العنوان يترتّب عليه حكمه.

67

مسألة 33: الحياض و القدور الكبيرة المنصوبة و دنان الخل و الصبغ و أمثالها ممّا لا يمكن غسلها في الكثير فطريق تطهيرها بالماء القليل أن يصبّ الماء من أطرافها و يدار إلى أن يستوعب جميع أجزائها أو الموضع النجس منها ثمّ يخرج الغسالة منها بالإفراغ أو بآلة طاهرة (1) لا تعاد إليها إلّا طاهرة في كلّ غسلة، و كذا في اليد المستعملة في الإفراغ و إن كان الأحوط غسلها في كلّ مرّة و يفعل ذلك ثلاث مرّات (2).

مسألة 34: العود النجس إذا صار فحما فالأحوط الاجتناب عنه (3).

____________

(1) كي لا ينجس الماء بنجاسة خارجيّة هذا على القول بكون المتنجّس منجسا و إلّا فلا يلزم.

(2) لو قلنا بطهارة الغسالة فلا وجه لهذا الشرط، و أمّا على القول بنجاستها فيمكن أن يقال أيضا بعدم لزوم التطهير بادّعاء أنّ العرف كما يفهم من دليل حصول الطهارة بالغسل طهارة ما يبقى في المحلّ كذلك يفهم عدم انفعال الإناء بالآلة التي تستعمل في تطهيره لكنّ الالتزام بذلك مشكل فلا بدّ من أن يحتاط بالتطهير في كلّ غسلة بل في كلّ مرّة كما أفاده (قدّس سرّه).

(3) عنوان العوديّة و الفحميّة إمّا أن يكونا في نظر العرف من الصور النوعيّة، و إمّا أن يكونا من الحالات العارضة للجسم الواحد. أمّا على الأوّل فلا وجه لبقاء النجاسة فإنّه يكون من مصاديق الاستحالة، و على الثاني فلا وجه للطهارة على مذهب القوم من جريان الاستصحاب في الأحكام الكلّية،

68

مسألة 35: البخار أو الدّخان الصاعد من النجس أو المتنجّس طاهر ما لم يستصحب أجزاء صغارا منها (1).

مسألة 36: لا بأس ببقايا الغسالة في المغسول بعد ذهاب معظمها على النحو المتعارف (2).

مسألة 37: إذا يمّم الميّت بالتراب لعدم إمكان تغسيله بالماء فالأحوط بقاء نجاسته و لزوم الغسل بمسّه (3).

____________

و أمّا على مسلكنا فيعارضه أصل عدم الجعل الزائد فيرجع إلى قاعدة الطهارة و لو لم نحرز نظر العرف و لم نعرف أنّ الوصفين من المقوّمات أو من الحالات فأيضا يرجع إلى قاعدة الطهارة لعدم إحراز الموضوع حتّى يستصحب حكمه إلّا أن يقال لا بدّ من استصحاب بقاء الموضوع فلا تصل النوبة إلى قاعدة الطهارة.

1- لاستحالته إلى شي‌ء آخر فلا مقتضي لبقاء النجاسة السابقة، و أمّا إذا استصحب جزءا فما أفاده مبنيّ على تنجيس المتنجّس إذ المفروض أنّ الجزء نجس ينجّس ما يلاقيه، هذا بالنسبة إلى الجزء المتنجّس و هنا إشكال و هو أنّ البخار لا يكون قابلا للتنجّس فإن تمّ فهو و لو شكّ فأيضا يحكم بعدم تنجّسه.

(2) فإنّه يطهر بالتّبع، و الدليل عليه الفهم العرفي، كما أنّ الأمر كذلك في نظرهم بالنسبة إلى القذارات العرفيّة فإنّ بقايا المغسول به، نظيف في نظرهم.

(3) لإطلاق دليليهما، ففي حديث الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث‌

69

..........

____________

قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميّت، فقال: يغسل ما أصاب الثوب (1).

و في حديث الصفّار قال: كتبت إليه: رجل أصاب يديه أو بدنه ثوب الميّت الذي يلي جلده قبل أن يغسل هل يجب عليه غسل يديه أو بدنه؟

فوقّع (عليه السلام): إذا أصاب يدك جسد الميّت قبل أن يغسل فقد يجب عليك الغسل (2).

فإنّ مقتضى إطلاق كلتا الروايتين وجوب التطهير و الغسل و لو بعد أن ييمّم الميّت.

إن قلت: الأدلّة الدالّة على تنزيل التراب منزلة الماء كقوله (عليه السلام): فإنّ اللّه عزّ و جلّ جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا (3) يقتضي ترتيب آثار الماء عليه مطلقا إلّا أن يدلّ دليل على خلافه.

قلت: هذه الأدلّة ليست ظاهرة إلّا في التشريع فلا يستفاد منها الإطلاق و لا أقلّ من الشكّ، لكنّ الإنصاف أنّه يستفاد من أدلّة التيمّم كون التراب بمنزلة الماء على الإطلاق.

و بعبارة واضحة لا نرى مانعا عن الإطلاق و مع الشكّ تكون أصالة الإطلاق محكمة، فالنتيجة تحقّق الإطلاق فما افيد في المتن مبنيّ على الاحتياط.

____________

(1) الوسائل، الباب 34 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(2) الوسائل، الباب 1 من أبواب غسل مسّ الميّت، الحديث 5.

(3) الوسائل، الباب 24 من أبواب التيمّم، الحديث 2.

70

و كذا لو غسله كافر بأمر المسلم لعدم إمكان تغسيل المسلم له (1).

مسألة 38: لو لم يمكن تغسيله بالسّدر أو الكافور فغسّل أغساله الثلاثة بالماء القراح فالأظهر عدم وجوب الاجتناب عنه و لا الغسل بمسّه و إن كان هو الأحوط (2).

____________

(1) لا أعرف له وجها، بل مقتضى حديث عمّار بن موسى عن الصادق (عليه السلام) صحّة غسل النصراني للمسلم عند الضرورة ففيه قال: قلت:

فإن مات رجل مسلم و ليس معه رجل مسلم و لا امرأة مسلمة من ذوي قرابته و معه رجال نصارى و نساء مسلمات ليس بينه و بينهنّ قرابة؟ قال:

يغتسل النصارى ثمّ يغسّلونه فقد اضطرّ، و عن المرأة المسلمة تموت و ليس معها امرأة مسلمة و لا رجل مسلم من ذوي قرابتها و معها نصرانية و رجال مسلمون، قال: تغتسل النصرانيّة ثمّ تغسلها (1).

فمقتضى هذه الرواية أنّ غسل الميّت يتحقّق بفعل النصراني فلا وجه لهذا الإشكال فإنّ مقتضى تعليق نجاسة بدن الميّت على عدم غسله و مقتضى تعليق وجوب الغسل على عدم غسله انتفاء الأمرين بعد تحقّق الغسل شرعا بأيّ نحو كان.

(2) الأمر كما أفاده فإنّ المستفاد من الدليل أنّ الغسل بالماء القراح بدل عن الغسل بالسدر و الكافور عند الضرورة.

____________

(1) الوسائل، الباب 19 من أبواب غسل الميّت، الحديث 1.

71

[في أحكام العصير العنبي]

مسألة 39: إذا انقلب الخمر خلّا بنفسه فهو طاهر (1). و كذا إذا كان ذلك بعلاج (2).

____________

(1) نقل الإجماع عليه عن المنتهى و المهذّب البارع و كشف اللثام و مجمع البرهان و يدلّ عليه جملة من النصوص منها ما رواه زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الخمر العتيقة تجعل خلّا، قال: لا بأس (1).

و منها: ما رواه عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يأخذ الخمر فيجعلها خلّا، قال: لا بأس (2). منها ما رواه عليّ بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: سألته عن الخمر يكون أوّله خمرا ثمّ يصير خلّا، قال: إذا ذهب سكره فلا بأس. و في كتاب عليّ بن جعفر زاد فيه: أ يؤكل؟ قال:

نعم (3). بل لا يبعد القول بتبدّل الصورة النوعيّة عند العرف فالطهارة على القاعدة لكن يمكن أن يقال بأنّ ظرفه نجس فينجس الخلّ على القول بكون المتنجّس نجسا.

(2) كما هو مقتضى إطلاق جملة من الروايات و نصّ بعضها الآخر مثل ما عن عبد العزيز بن المهتدي قال: كتبت إلى الرضا (عليه السلام): جعلت فداك العصير يصير خمرا فيصبّ عليه الخلّ و شي‌ء يغيّره حتّى يصير خلّا، قال: لا بأس به (4).

و في قبال هذه الروايات روايات بعضها يدلّ على أنّه لا بدّ أن يكون الانقلاب من قبل نفسه مثل ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل‌

____________

(1) الوسائل، الباب 77 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

(2) نفس المصدر، الحديث 2.

(3) الوسائل، الباب 31 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 9 و 10.

(4) الوسائل، الباب 31 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 8.

72

..........

____________

عن الخمر يجعل فيها الخلّ، فقال: لا، إلّا ما جاء من قبل نفسه (1). و بعضها يدلّ على أنّه لو لم يكن ما يعالج به غالبا على العصير، فلا بأس، منه ما رواه أيضا أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الخمر يصنع فيها الشي‌ء حتّى تحمض، قال: إن كان الذي صنع فيها هو الغالب على ما صنع فلا بأس به (2).

فيقع التعارض بين تلك الأخبار الدالّة على عدم البأس و بين هذه الأخبار الدالّة على البأس، و أجابوا عن هذا التعارض أوّلا: بضعف سند هذه الطائفة، و ثانيا: بأنّ الجمع بين الطائفتين يقتضي الحكم بالكراهة فإنّ ما ظاهره الحرمة المستفاد من قوله فيه بأس لا يعارض ما صريحه عدم البأس.

هذا، و لكنّ التحقيق أن يقال: إنّ الطائفة الثانية لو كانت ضعيفة من حيث السند فلا كلام في العمل بالطائفة الاولى، و أمّا لو كانت معتبرة من حيث السند فلا يمكننا المساعدة مع هذا الجمع إذ لا إشكال في التنافي بين الطرفين و رفع اليد عن الظهور بالصراحة لا يكون جمعا عرفيا.

أضف إلى ذلك أنّ رواية أبي بصير الثانية فصّلت بين غلبة العصير و عدمها و مقتضى الجمع أن تقيّد الطائفة الاولى الدالّة على عدم البأس بهذا القيد كما هو الميزان في المطلق و المقيّد لكن مع ذلك لا مانع من الحكم بالطهارة لأنّ غاية ما يستفاد من الرواية المقيّدة أنّه لو لم يكن العصير غالبا ففيه بأس و القدر المتيقّن منه الحرمة، و أمّا النجاسة فلا. فيحكم بطهارته بمقتضى تلك الروايات بل بمقتضى قاعدة الطهارة بعد سقوط استصحاب النجاسة بمعارضته باستصحاب عدم الجعل الزائد.

____________

(1) الوسائل، الباب 31 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 7.

(2) نفس المصدر، الحديث 2.

73

مع استهلاكه كما إذا كان بملح فأذيب فيه قبل الانقلاب، أمّا مع بقائه إلى بعد الانقلاب فالأحوط الاجتناب عنه (1).

مسألة 40: إذا شكّ في صيرورة الحصرم عنبا فعصيره بعد الغليان طاهر حلال (2)، بل الأقوى طهارة ماء العنب بعد الغليان قبل ذهاب ثلثيه و إن كان الأحوط الاجتناب عنه (3).

____________

(1) الوجه في هذا القيد أنّ ما جعل فيه منفعل بالخمر و لا دليل على طهارته بعد الانقلاب و ما دلّ على طهارة العصير يدلّ عليها من حيث هو، هذا غاية ما يمكن أن يقال في هذا المقام، و لكن يقوى في النظر أن يقال: إنّ ظاهر الدليل كونه في مقام بيان الحكم الفعلي لا الحكم الحيثي و حيث إنّه كثيرا ما يبقى من أجزاء ما يعالج به فمقتضى الإطلاق اللفظي طهارته و لو مع بقاء ما عولج به بل مقتضى الإطلاق المقامي طهارة نفس ما عولج به فإنّ عدم التعرّض في النصوص لنجاسته يكون دليلا في نظر العرف على كونه طاهرا.

أضف إلى ذلك أنّ انفعال الخلّ بما عولج به مبنيّ على القول بكون المتنجّس منجسا.

(2) لاستصحاب بقائه على ما كان فيحكم بعدم كونه عنبا فلا يترتّب عليه أحكامه.

(3) إذ هو لم يتمّ ما استدلّ به على النجاسة فالقاعدة تقتضي طهارته و ما استدلّ به عليها أو يمكن أن يستدلّ به امور:

74

..........

____________

أحدها: الإجماعات المنقولة كما عن كنز العرفان و التنقيح و لا يمكن الاعتماد عليه لأنّه محتمل المدرك مضافا إلى أنّه معارض بنقل الخلاف عن الشهيد و غيره فإنّه نقل عن الشهيد في الذكرى حكاية القول بالنجاسة عن ابن أبي حمزة و المحقّق و حكاية توقّف العلّامة في النهاية و قال بعد ذلك:

و لم نقف لغيرهم على قول بالنجاسة، و أيضا نقل عن غيره نقل الخلاف فلا أثر لهذا الإجماع.

ثانيها: ما دلّ على نجاسة المسكر بدعوى كونه مسكرا و يرد عليه أنّه يكفي في الحكم بالطهارة الشكّ في الإسكار.

ثالثها: عدّ العصير في بعض الأخبار من أقسام الخمر، و بما أنّ الخمر نجس فهو نجس أيضا، و من هذه الروايات ما رواه عليّ بن إسحاق الهاشمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): الخمر من خمسة: العصير من الكرم و النقيع من الزبيب و البتع من العسل و المزر من الشعير و النبيذ من التمر (1).

و الجواب عن ذلك: أنّ هذه الرواية و أمثالها ليست في مقام إثبات هذه الجهة لمطلق ما يسمّى عصيرا، بل المراد عدّ ما يؤخذ منه و يكون خمرا بالفعل و إلّا يلزم الحكم بالتحريم و النجاسة حتّى قبل الغليان و هو كما ترى، أضف إلى ذلك أنّ الرواية مخدوشة سندا بعليّ بن إسحاق فإنّ الرجل لم يوثّق.

رابعها: ما دلّ من الأخبار على نزاع نوح مع إبليس في الكرم و جعل ثلثين لإبليس و الثلث له، لاحظ ما رواه أبو الربيع الشامي قال: سألت أبا‌

____________

(1) الوسائل، الباب 1 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 3.

75

..........

____________

عبد اللّه (عليه السلام) عن أصل الخمر كيف كان بدء حلالها و حرامها و متى اتّخذ الخمر؟

فقال: إنّ آدم لمّا اهبط من الجنّة اشتهى من ثمارها فأنزل اللّه عليه قضيبين من عنب فغرسهما فلمّا أن أورقا و أثمرا و بلغا جاء إبليس فحاط عليهما حائطا فقال آدم: ما حالك يا ملعون؟ قال: فقال إبليس: إنّهما لي، قال:

كذبت فرضيا بينهما بروح القدس فلمّا انتهيا إليه قصّ آدم عليه قصّته فأخذ روح القدس ضغثا من نار فرمى به عليهما و العنب في أغصانهما حتّى ظنّ آدم أنّه لم يبق منه و ظنّ إبليس مثل ذلك، قال: فدخلت النار حيث دخلت و قد ذهب منهما ثلثاهما و بقي الثلث فقال الروح: أمّا ما ذهب منهما فحظّ إبليس و ما بقى فلك يا آدم (1). و يرد عليه أنّ هذه الأخبار أجنبيّة عن المدّعى بالمرّة كما هو ظاهر لمن راجعها.

خامسها: ما عن معاوية بن عمّار قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل من أهل المعرفة بالحقّ يأتيني بالبختج و يقول: قد طبخ على الثلث، و أنا أعرف أنّه يشربه على النصف أ فأشربه بقوله و هو يشربه على النصف؟ فقال:

لا تشربه، قلت: فرجل من غير أهل المعرفة ممّن لا نعرفه يشربه على الثلث و لا يستحلّه على النصف يخبرنا أنّ عنده بختجا على الثلث قد ذهب ثلثاه و بقي ثلثه يشرب منه؟ قال: نعم (2). هذا حسب نسخة الكافي، و أمّا الشيخ في التهذيب فقد نقل مع زيادة لفظ «فقال: خمر لا تشربه».

____________

(1) الوسائل، الباب 2 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 2.

(2) الوسائل، الباب 7 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 4.

76

..........

____________

و تقريب الاستدلال أنّ عموم التنزيل يقتضي ترتيب أحكام المنزل عليه على المنزل، و في بعض الكلمات أنّه يؤخذ برواية الكافي لأنّه أضبط لكنّه مشكل مع أنّ القاعدة المقرّرة فيما لو دار الأمر بين الزيادة و النقيصة تقتضي الأخذ برواية التهذيب.

لكن في دلالة الرواية على المدّعى نظر؛ فإنّه يرد على الاستدلال أوّلا:

أنّ الظاهر من دليل التنزيل ترتيب الأثر الظاهر للمنزل عليه على المنزل و الأثر الظاهر فيما نحن فيه هي الحرمة و لو أبيت عن الظهور فلا أقلّ من الإجمال، و ثانيا: و هو العمدة، أنّ الحكم بنجاسة البختج لا يدلّ على نجاسة مطلق العصير الذي هو محلّ الكلام فإنّ البختج يمكن أن يكون نوع خمر.

و يؤيّده ما نقل عن النهاية الأثيرية من أنّه معرّب و أصله في لغة الفرس «مى‌پخته» فهذه الرواية أيضا لا دلالة فيها على المطلوب، و أمّا ما رواه أبو بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) و سئل عن الطلا فقال: إن طبخ حتّى يذهب منه اثنان و يبقى واحد فهو حلال و ما كان دون ذلك فليس فيه خير (1)، فلا يدلّ على المطلوب بل الظاهر بقرينة المقابلة رفع الحلّية مضافا إلى أنّ الخير المترتّب على العصير ليس الغسل أو الوضوء به حتّى يقال لا خير فيه، أضف إلى ذلك أنّ الحديث ضعيف بالبطائني.

و لكنّ الإنصاف أنّ البناء على الطهارة و رفع اليد عن حديث معاوية بن عمّار و حمل البختج على نوع خاصّ من العصير مع تفسيره في كلام اللغوي بالعصير، مشكل فلا بدّ من الاحتياط.

____________

(1) الوسائل، الباب 2 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 6.

77

نعم هو حرام (1).

مسألة 41: إذا غلى ماء العنب فالقي فيه مثل التفّاح و اليقطين قبل ذهاب ثلثيه ثمّ اغلي حتّى ذهب ثلثاه فهو طاهر على الأقوى (2)، بل و حلال إذا كان ما نفذ من العصير في التفّاح مثلا يعدّ جزء منه في العرف (3).

مسألة 42: لا بأس بأكل الزبيب و الكشمش و التمر الملقى في المرق و الطبيخ و نحوهما أو المحموس في الدهن ما لم يعلم بغليانه (4).

____________

(1) بلا خلاف على الظاهر كما عن بعض، و يدلّ عليه جملة من الروايات.

ففي خبر حمّاد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن شرب العصير، قال: تشرب ما لم يغل فإذا غلى فلا تشربه، قلت: أيّ شي‌ء الغليان؟ قال:

القلب (1). و رواه أيضا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا يحرم العصير حتّى يغلي (2).

و عن ذريح قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إذا نشّ العصير أو غلى حرم (3)، إلى غير ذلك من الروايات، و الظاهر أنّ الحكم ممّا لا إشكال فيه.

(2) و قد مرّ التفصيل فيه آنفا.

(3) فإنّه على هذا التقدير لا موضوع للعصير و لا وجود له كي تترتّب عليه الحرمة.

(4) لاستصحاب عدم الغليان فلا بأس بأكله حتّى على القول بحرمته بعد الغليان.

____________

(1) الوسائل، الباب 3 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 3.

(2) نفس المصدر، الحديث 1.

(3) نفس المصدر، الحديث 4.

78

أمّا مع العلم به فيحرم أكله (1).

____________

(1) لو قلنا: بأنّ عنوان العصير لا يصدق على ما في الزبيب و الكشمش كما هو ليس ببعيد فلا وجه للحرمة كما هو ظاهر و كذا لو قلنا: بأنّه يصدق عنوان العصير على الماء الذي يجعل فيه الزبيب أو الكشمش و يطبخ حتّى يغلي.

أمّا على القول بالصدق فما استدلّ على الحرمة أو يمكن أن يستدلّ به عليها أمور:

منها: ما دلّ على حرمة العصير بعد الغليان و قبل ذهاب ثلثيه، و من النصوص الدالّة على ذلك رواية حمّاد المتقدّمة (1) و فيها: قال: «سألته عن شرب العصير قال: تشرب ما لم يغل فإذا غلى فلا تشربه» و من هذه النصوص ما رواه عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كلّ عصير أصابته النار فهو حرام حتّى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه (2).

و لا يخفى ما في هذا الاستدلال فإنّه لو أخذ بإطلاق مثل هذه الروايات يلزم الحكم بحرمة كلّ عصير بعد الغليان حتّى عصير البرتقال أو يلزم تخصيص الأكثر المستهجن.

فالحقّ أنّ هذه الروايات ليس فيها إطلاق بل السؤال و الجواب راجع إلى عصير خاصّ بل يمكن أن يقال: إنّ العصير في ذلك الزمان لم يكن مستعملا‌

____________

(1) تقدّمت في ص 77.

(2) الوسائل، الباب 2 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 1.

79

..........

____________

في عصير الزبيب بل كان مخصوصا بعصير العنب و في غيره كان يطلق النبيذ و غيره و قد أفاد في الحدائق ما ينفع في المقام فراجع.

و منها: ما عن عليّ بن جعفر عن أخيه موسى أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن الزبيب هل يصلح أن يطبخ حتّى يخرج طعمه ثمّ يؤخذ الماء فيطبخ حتّى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه ثمّ يرفع فيشرب منه السنة؟ فقال: لا بأس به (1).

و هذه الرواية يمكن أن يستدلّ بها على المدّعى.

بتقريب أنّ نفي البأس عن الشرب علّق على ذهاب الثلثين و مفهومه يقتضي الحرمة قبله و الجواب عن ذلك: أنّه ليس في الرواية تعليق بل يسئل عن شي‌ء خاصّ.

مضافا إلى أنّ القيد واقع في كلام السائل لا في كلام الإمام (عليه السلام).

مضافا إلى جميع ذلك أنّه من الممكن أنّ البقاء سنة يؤثّر في حدوث السكر للعصير و مع ذهاب الثلثين لا يؤثّر فيه فلا تصلح الرواية للاستدلال على المدّعى، مضافا إلى أنّ السند مخدوش فلاحظ.

و منها: ما رواه عمّار بن موسى الساباطي قال: وصف لي أبو عبد اللّه (عليه السلام) المطبوخ كيف يطبخ حتّى يصير حلالا فقال لي (عليه السلام): تأخذ ربعا من زبيب و تنقّيه ثمّ تصبّ عليه اثنى عشر رطلا من ماء ثمّ تنقعه ليلة فإذا كان أيّام الصيف و خشيت أن ينشّ جعلته في تنّور سخن قليلا حتّى لا ينشّ ثمّ تنزع الماء منه كلّه إذا أصبحت ثمّ تصبّ عليه من الماء بقدر ما يغمره ثمّ تقلبه‌

____________

(1) الوسائل، الباب 8 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 2.

80

..........

____________

حتّى تذهب حلاوته ثمّ تنزع ماءه الآخر (فتصبّه على) الماء الأوّل ثمّ تكيله كلّه فتنظر كم الماء ثمّ تكيل ثلثه فتطرحه في الإناء الذي تريد أن تغليه و تقدّره و تجعل قدره قصبة أو عودا فتحدّها على قدر منتهى الماء ثمّ تغلي الثلث الآخر حتّى يذهب الماء الباقي ثمّ تغليه بالنار فلا تزال تغليه حتّى يذهب الثلثان و يبقى الثلث ثمّ تأخذ لكلّ ربع رطلا من عسل فتغليه حتّى تذهب رغوة العسل و تذهب غشاوة العسل في المطبوخ ثمّ تضربه بعود ضربا شديدا حتّى يختلط و إن شئت أن تطيّبه بشي‌ء من زعفران أو شي‌ء من زنجبيل فافعل ثمّ اشربه فإن أحببت أن يطول مكثه عندك فروّقه (1).

و عنه أيضا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن الزبيب كيف يحلّ طبخه حتّى يشرب حلالا؟ قال: تأخذ ربعا من زبيب فتنقّيه ثمّ تطرح عليه اثنى عشر رطلا من ماء ثمّ تنقعه ليلة فإذا كان من غد نزعت سلافته ثمّ تصبّ عليه من الماء بقدر ما يغمره ثمّ تغليه بالنار غلية ثمّ تزع ماءه فتصبّه على الأوّل ثمّ تطرحه في إناء واحد ثمّ توقد تحته النار حتّى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه و تحته النار ثمّ تأخذ رطل عسل فتغليه بالنار غلية و تنزع رغوته ثمّ تطرحه على المطبوخ ثمّ اضربه حتّى يختلط به و اطرح فيه إن شئت زعفرانا و طيّبه إن شئت بزنجبيل قليل، قال: فإذا أردت أن تقسمه أثلاثا لتطبخه فكله بشي‌ء واحد حتّى تعلم كم هو ثمّ اطرح عليه الأوّل في الإناء الذي تغليه فيه ثمّ تضع فيه مقدارا و حدّه بحيث يبلغ الماء ثمّ اطرح الثلث الآخر‌

____________

(1) الوسائل، الباب 5 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 2.

81

..........

____________

ثمّ حدّه حيث يبلغ الماء ثمّ تطرح الثلث الأخير ثمّ تحدّه حيث يبلغ الماء ثمّ توقد تحته بنار ليّنة حتّى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه (1). و تقريب الاستدلال بالروايتين انّه علقت الحلية على ذهاب الثلثين فقبل ذهابهما لا يحلّ.

و يرد عليه: أنّ الرواية الاولى ليس فيها تعليق في كلام الإمام (عليه السلام) فلا أثر لها في الاستدلال، مضافا إلى أنّ السند مخدوش.

و أمّا الثانية فيمكن أن يستفاد منها الحرمة قبل الذهاب إذ الظاهر أنّ الإمام (عليه السلام) قرّر السائل في معتقده من الحرمة في حال و الحلّية في حال اخرى و بيّن طريق الحلّية.

و لكن حيث إنّه يحتمل أنّ هذا النحو من العصير بهذه الكيفيّات إذا لم يذهب ثلثاه يكون مسكرا أو يصير مسكرا بمكثه كيف يمكن الجزم بحرمة عصير الزبيب بعد الغليان قبل الذهاب مطلقا.

و منها: ما رواه زيد النرسي في أصله قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الزبيب يدقّ و يلقى في القدر ثمّ يصبّ عليه الماء و يوقد تحته، فقال (عليه السلام):

لا تأكله حتّى يذهب الثلثان و يبقى الثلث فإنّ النار قد أصابته، قلت: فالزبيب كما هو يلقى في القدر و يصبّ عليه الماء ثمّ يطبخ و يصفّى عنه الماء؟ فقال:

كذلك هو سواء إذا أدّت الحلاوة إلى الماء فصار حلوا بمنزلة العصير ثمّ نشّ من غير أن تصيبه النار فقد حرم و كذلك إذا أصابته النار فأغلاه فقد فسد (2).

____________

(1) الوسائل، الباب 5 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 3.

(2) مستدرك الوسائل، ج 17 ص 38.

82

..........

____________

و هذه الرواية تارة يبحث فيها من حيث الدلالة و اخرى من حيث السند.

أمّا من حيث الدلالة فالظاهر أنّه لا قصور في دلالتها على المدّعى كما هو ظاهر لمن راجعها و تأمّل فيها.

و أمّا من حيث السند فقد استشكل فيه بأنّ الراوي مجهول و لم يوثّق في كتب الرجال و نقل عن ابن بابويه و ابن وليد أنّ أصله موضوع وضعه محمّد بن موسى الهمداني.

أقول: و يشكل رفع اليد عن هذه الرواية لأنّ الراوي لهذا الأصل ابن أبي عمير شهد بذلك الشيخ الطوسي و روايته تدلّ على وثاقة صاحب الأصل فإنّ الشيخ ذكر في العدّة أنّه لا يروي و لا يرسل إلّا عمّن يوثق به.

و قال سيّدنا الاستاد في ترجمة زيد النرسي نقلا عن الشيخ و كتاب زيد النرسي رواه ابن أبي عمير إلى أن قال: ثمّ إنّ طريق الشيخ إليه صحيح فإنّه ذكر أنّ راوي كتابه ابن أبي عمير و قد ذكر طريقه إلى جميع كتبه و رواياته في ترجمته و الطريق إليه صحيح و هذا توثيق لكلّ من يروي عنه ابن أبي عمير فكون الكتاب لزيد و كونه موثوق به يثبت برواية ابن أبي عمير هذا الكتاب عنه، اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّه يعارض هذا كلّه ما أفاده ابن باويه و ابن وليد من كون الكتاب موضوعا. أضف إلى ذلك أنّ وثاقة الرجل لا تتمّ إلّا بشهادة ابن أبي عمير و فيها جهات من الإشكال تعرّض لها سيّدنا الاستاد في رجاله، و يضاف إلى جميع ما ذكر هناك أنّ أخبار ابن أبي عمير بأنّي لا أروي و لا أرسل إلّا عن ثقة على فرض تحقّقه ينحلّ إلى اخبارين- اخبار أصالي‌

83

..........

____________

و هو عدم روايته و إرساله إلّا عن ثقة و اخبار ضمني و هو أنّ المروي عنه أو المرسل منه ثقة.

و حمل الاخبار الضمني على الشهادة الحسيّة في أوّل الكلام و شمول السيرة إيّاها مورد الشكّ فلا دليل على الاعتبار.

و منها: الاستصحاب بتقريب أنّ الزبيب في حال كونه عنبا كان بحيث لو غلى عصيره كان حراما و الأصل بقائه على ما كان بعد صيرورته زبيبا و هذا هو الاستصحاب التعليقي و قد اختلف الأصوليّون في جريانه و عدمه.

و الحقّ أنّ هذا الأصل ليس من مصاديق الاستصحاب و لا دليل على اعتباره و تحقيقه و تفصيل ما فيه و إن كان موكولا إلى بحث الأصول لكن بنحو الاختصار نبيّن في المقام.

فنقول: الأحكام الشرعيّة المجعولة للموضوعات بالشرائط الخاصّة المأخوذة فيها لها فعليّتان فعلية من قبل المولى و فعلية خارجية و الفعلية من قبل المولى تحصل بمجرّد إنشائه للحكم أعمّ من أن يوجد الموضوع في الخارج أم لا، و أمّا الفعلية الخارجية فهي تتوقّف على حصول موضوعها في الخارج.

إذا عرفت ذلك نقول: القائل بجريان الاستصحاب لو أراد به جريانه فيما كان راجعا إلى المولى فلا شبهة في بقائه إلّا أن يشكّ في نسخ الحكم الذي ليس محلّا للبحث.

نعم، يشكّ في الجعل بمعنى أنّه يشكّ في أنّ المولى كما حكم بالحرمة‌

84

..........

____________

بعد الغليان في العنب حكم بالنسبة إلى الزبيب أم لا؟ يكون المرجع فيه أصالة عدم الجعل و أصالة الإباحة لأنّه شكّ في أصل الحدوث و لو أراد به ما هو حاصل في الخارج لحصول موضوعه فلا تحقّق للحرمة حتّى تستصحب، فانقدح أنّه لا مجال للاستصحاب.

و لكن لو أغمض عن ذلك و قلنا بجريانه يعارضه الأصل التنجيزي فإنّ العصير قبل الغليان كان حلالا فالأصل بقائه.

و ما قيل: من أنّ الأصل التنجيزي محكوم بالأصل التعليقي فلا يجري كلام لا يرجع إلى محصل صحيح فإنّ الشكّ في كلّ من الحكمين عين الشكّ في الآخر مضافا إلى أنّ أصالة عدم الجعل الزائد يعارض الاستصحاب التنجيزي فضلا عن التعليقي كما ذكرناه مرارا، فلاحظ.

85

و إن كان الأقوى طهارته فلا ينجس المرق و الطبيخ مثلا ما لم يمتزج به (1).

مسألة 43: إذا القي العنب في الماء مع التفّاح أو الخيار أو اليقطين مثلا فغلى ثمّ صار خلّا، فإن علم بصيرورته خمرا بالغليان كان نجسا (2) و لم يجز أكله على الأحوط إن لم يكن أقوى (3) و إن لم يعلم بذلك فلا بأس بأكله (4).

مسألة 44: إذا كان الدن دهنيا فالقي فيه الخلّ بالتمر أو العنب حتّى غلى و صار خلّا و ارتفع الدسومة فوق الخلّ فلا بأس إذا لم يكن لتلك الدسومة جسمية و جرم عرفا (5).

____________

(1) إذ مع الامتزاج يوجب نجاسة المرق و هذا مبنيّ على كونه نجسا و لا دليل عليه.

(2) بناء على نجاسة الخمر و نتعرّض لها عند تعرّضه (قدّس سرّه) للنجاسات.

(3) عدم الجواز مبنيّ على أمرين:

أحدهما: حرمة أكل المتنجّس و شربه و سيتعرض له عن قريب.

ثانيهما: عدم الإطلاق في الدليل الدالّ على عدم البأس بالخمر إذا صار خلّا بالنسبة إلى ما انضمّ إليه من الخيار و نحوه و الظاهر أنّ الأمر كذلك فإنّ تلك الأدلّة بظاهرها في مقام بيان عدم البأس من هذه الجهة لا من جميع الجهات بحيث يحكم بالحلّية و لو مع ملاقاته للنجس.

(4) لاستصحاب عدم صيرورة العنب خمرا.

(5) إذ في هذه الصورة لا وجود للدهن كي يترتّب عليه أثر، و بعبارة‌

[في كيفية تطهير المتنجس]

86

مسألة 45: إذا تنجّس منقار الطير ثمّ زال عنه عين النجاسة يحكم بطهارته (1).

____________

اخرى الدسومة كاللون و الريح.

1- نقل الإجماع عن الخلاف على طهارة سؤر الهرّة، و يمكن أن يستدلّ على هذا الحكم بالنصوص الواردة في أسآر أنواع الحيوانات الدالّة على عدم البأس فإنّ إطلاقها يقتضي عدم انفعال ما يلاقي بدن الحيوان بعد زوال النجاسة. يدلّ على ذلك ما رواه عمّار بن موسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

سئل عمّا تشرب منه الحمامة فقال: كلّ ما اكل لحمه فتوضّأ من سؤره و اشرب، و عن ماء شرب منه باز أو صقر أو عقاب فقال: كلّ شي‌ء من الطير يتوضّأ ممّا يشرب منه إلّا أن ترى في منقاره دما فإن رأيت في منقاره دما فلا توضّأ منه و لا تشرب (1) ففهم من هذه الرواية أنّ المانع وجود الدّم في المنقار، و أمّا لو زال فلا بأس إلّا أن يقال: إنّ إطلاق القضية يقتضي المنع من سؤر ما كان في منقاره الدّم و لو بعد زواله لكن هذا الادّعاء بعيد عن ظاهر الرواية.

إن قلت: يظهر من بعض الأخبار أنّ الماء الملاقي لبدن الفأر ينجس و ممّا يدلّ على ذلك ما رواه عليّ بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن الفأرة الرطبة قد وقعت في الماء فتمشي على الثياب أ يصلّى فيها؟

____________

(1) الوسائل، الباب 4 من أبواب الأسآر، الحديث 2.

87

..........

____________

قال: اغسل ما رأيت من أثرها و ما لم تره أنضحه بالماء (1)، و ممّا يدلّ على المدّعى أيضا ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن الدّود يقع من الكنيف على الثوب أ يصلّى فيه؟ قال: لا بأس إلّا أن ترى أثرا فتغسله (2)، و أيضا يمكن دعوى قيام السيرة على هذا المعنى في كثير من الموارد و إتمام الحكم في غيرها بعدم القول بالفصل و لكن لا يخفى أنّ ما ذكر إنّما يدلّ على عدم انفعال ما يلاقي بدن الحيوان و هذا لا يلازم طهارة بدنه بزوال النجاسة كما هو المدّعى، فعليه يشكل الحكم و تظهر الثمرة فيما لو جعل من جلد الحيوان لباسا فهل يصلّى فيه أم لا، إلّا أن يدّعى قيام السيرة على ذلك أيضا، و لكنّه مشكل جدّا فإنّ دعوى قيام السيرة على ذلك بحيث تكشف عن رأى المعصوم عهدتها على مدّعيها و لكنّ الإنصاف أنّ إنكار السيرة على الطهارة في الجملة من الجزاف فإنّه لم ينقل عن أحد من المتشرّعة أنّه إذا اشترى فروة يفحص عنها، و أيضا ما سمع و ما روى من أحد أنّه إذا اشترى نعالا يسأل عن أنّه هل طهر جلده أم لا فعليه نعم ما قاله في المتن من الاقتصار على موارد قيام السيرة.

____________

(1) الوسائل، الباب 33 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(2) الوسائل، الباب 80 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

88

مع احتمال ملاقاة مطهّر له و لو بعيدا (1).

بل و مع عدم احتماله في موارد قيام السيرة على عدم الاجتناب كما في أغلب الموارد (2).

____________

(1) الظاهر أنّ الوجه في هذا القيد كما يظهر من ذيل العبارة دعوى اختصاص السيرة بصورة الاحتمال و لكن مع أنّ السيرة قائمة مطلقا يكفي للإطلاق النصوص الواردة في باب الأسآر، إلّا أن يقال: إنّ تلك النصوص في مقام بيان نفي البأس عن السؤر بما هو و ليس فيها تعرّض من هذه الجهة و لكن حيث إنّ مورد الروايات غير منفكّ عن ملاقاة النجاسة و ظاهر الحكم هو الفعليّ يستكشف عدم الانفعال بالملاقاة، ففي رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) في حديث قال: سألته عن العظاية و الحيّة و الوزغ يقع في الماء فلا يموت أ يتوضّأ منه للصلاة؟ قال: لا بأس به، و سألته عن فأرة وقعت في حبّ دهن و اخرجت قبل أن تموت أ يبيعه من مسلم؟ قال:

نعم و يدهّن منه (1).

(2) لو كان المدرك منحصرا في السيرة لكان ما أفاده (قدّس سرّه) من الاختصاص في محلّه و لكن ظهر ممّا ذكرنا أنّه يمكن أن يتمسّك بالروايات، و أيضا يمكن أن يدّعى أنّ العرف يفهم من هذه الموارد المنصوصة إطلاق الحكم لكلّ مورد و اللّه العالم.

____________

(1) الوسائل، الباب 9 من أبواب الأسآر، الحديث 1.

89

مسألة 46: إذا سقى الزرع أو الشجر بالماء المتنجّس لا يحكم بنجاسة الزرع و لا الشجر و لا بنجاسة ما فيهما من الماء (1).

مسألة 47: إذا كان تحت الأظفار وسخ فتنجّس اليد فإن لم تنفذ النجاسة إلى باطن الوسخ، كفى غسل ظاهره فيطهر بتطهير اليد و لو بالماء القليل و إن نفذت إلى باطنه لزم إيصال الماء إلى حيث نفذت فإن لم يمكن لزم إزالته (2).

مسألة 48: إذا تنجّس تحت الأظفار، ثمّ انجمد عليه الوسخ فإن أمكن إيصال الماء إلى المحلّ المتنجّس مع بقاء الوسخ عليه كفى في الكثير بل و لعلّه كذلك في القليل أيضا و إلّا لزم إزالة الوسخ أوّلا ثمّ التطهير.

مسألة 49: لا يطهر المتنجّس بزوال عين النجاسة عنه (3) و لو كان صيقليا كالزجاج و نحوه (4) بل يلزم غسله بالماء. نعم، يكفي زوال

____________

(1) للاستحالة و تغيّر الصورة النوعيّة العرفيّة لو لم يكن التغيّر عقليّا.

(2) مقدّمة للتطهير، و ممّا ذكر يظهر الوجه في المسألة الآتية من لزوم الإزالة.

(3) لعدم الدليل عليه.

(4) نسب إلى السيّد و صاحب المفاتيح كفاية الإزالة إذا كان صيقليا و لا وجه له على الظاهر.

90

عين النجاسة من البواطن في طهارتها (1).

____________

(1) قال في الحدائق: الظاهر أنّه لا خلاف بين الأصحاب في الاكتفاء في طهر البواطن بزوال عين النجاسة. و قال في مصباح الفقيه: و أمّا بواطن الإنسان فلا ينبغي الارتياب في طهارتها بعد زوال العين و إن صحبتها رطوبات ملاقية للعين كما هو الغالب فيها لقضاء الضرورة بها في الجملة، فضلا عن انعقاد الإجماع عليه كما صرّح به غير واحد.

أقول: لو ثبتت الضرورة بحيث يقطع أو يطمئن بهذا الحكم فهو و إلّا فالأمر مشكل و لا بدّ من النظر في النصوص التي ادّعي دلالتها على المدّعى منها: ما رواه عبد الحميد بن أبي الديلم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل يشرب الخمر فبصق فأصاب ثوبي من بصاقه، قال: ليس بشي‌ء (1)، و قريب منه ما رواه الحسين بن موسى الحنّاط قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يشرب الخمر ثمّ يمجّه من فيه فيصيب ثوبي، فقال: لا بأس (2). و فيه أنّ الروايتين ضعيفتان فإنّ عبد الحميد و الحسين بن موسى لم يوثّقا و الحسن بن موسى أيضا لم يوثّق.

و لا يخفى أنّ المدّعى إنّما يتمّ لو قلنا بنجاسة الخمر.

و منها: ما يدلّ على وجوب غسل ظاهر البدن و لا يلزم غسل الباطن؛ لاحظ ما رواه إبراهيم بن أبي محمود قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول:

يستنجي و يغسل ما ظهر منه على الشرج و لا يدخل فيه الأنملة (3).

____________

(1) الوسائل، الباب 239 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

(2) نفس المصدر، الحديث 2.

(3) الوسائل، الباب 24 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

91

..........

____________

و ما رواه محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) في الرجل يمسّ أنفه في الصلاة فيرى دما كيف يصنع أ ينصرف؟ قال: إن كان يابسا فليرم به و لا بأس (1).

و ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: سألته عن الجرح كيف يصنع به في غسله؟ قال: اغسل ما حوله (2).

و ما رواه عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال؛ سألته عن الجرح كيف يصنع به صاحبه؟ قال: يغسل ما حوله (3).

و ما رواه عمّار الساباطي قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل يسيل من أنفه الدم هل عليه أن يغسل باطنه يعني جوف الأنف فقال: إنّما عليه أن يغسل ما ظهر منه (4).

و ما رواه عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: إنّما عليه أن يغسل ما ظهر منها- يعني المقعدة- و ليس عليه أن يغسل باطنها (5).

و الاستدلال بهذه الروايات لا يخلو عن إشكال لأنّ غاية ما يستفاد منها العفو عن النجاسة الباطنية، و أمّا كفاية طهارة الباطن بزوال العين عنه فليس فيها دلالة عليها.

و الحاصل: أنّه على القول بتنجّس الباطن يشكل الحكم بكون زوال النجاسة مطهّرا له.

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 2.

(2) نفس المصدر، الحديث 3.

(3) الوسائل، الباب 24 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

(4) نفس المصدر، الحديث 5.

(5) نفس المصدر، الحديث 6.

92

..........

____________

و لكن يمكن أن يقال: بأنّ أدلّة التنجيس قاصرة عن شمول الباطن، فلنا أن ننكر تنجّسه بالملاقاة إذ ليس لنا دليل عام أو مطلق يدلّ على نجاسة كلّ ما يلاقي النجس.

إن قلت: الأمر و إن كان كذلك لكنّ العرف بارتكازه لا يرى فرقا بين الظاهر و الباطن في انفعاله عند الملاقاة فكما يحكم بانفعال كلّ شي‌ء ظاهر عند ملاقاته للنجس، و نستدلّ بالفهم العرفي بحسب ارتكازه ففي المقام الأمر أيضا كذلك.

قلت؛ ما ذكر صحيح لكن هنا ارتكاز آخر و هو عدم الفرق في تأثير النجاسات بين كونها ظاهرة أو باطنة فإنّ العرف بحسب الارتكاز يحكم بانفعال ما يلاقي الدم أو البول في الداخل و الجوف لكن استفدنا من الأدلّة أنّ الملاقاة في الداخل لا تؤثّر، و يدلّ على ذلك ما ورد في طهارة الودي و المذي و الوذي و ما ورد في طهارة البلل الخارج عن فرج المرأة مع كونها جبنا فبعد ذلك نحتمل أنّ الباطن له خصوصية و مع هذا الاحتمال لا يمكن الحكم بعد الفرق.

و الحاصل: أنّه بعد ردع العرف عن حكمه بعدم الفرق بين أنواع الملاقاة لا يبقى له ارتكاز بل يحتمل الفرق فلا يبقى دليل لإلحاق الباطن بالظاهر في الانفعال.

نعم، يدلّ على التنجيس عموما ما رواه عمّار بن موسى الساباطي أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل يجد في إنائه فأرة و قد توضّأ من ذلك الإناء مرارا أو اغتسل منه أو غسل ثيابه و قد كانت الفأرة متسلّخة، فقال: إن كان‌

93

..........

____________

رآها في الإناء قبل أن يغتسل أو يتوضّأ أو يغسل ثيابه ثمّ فعل ذلك بعد ما رآها في الإناء فعليه أن يغسل ثيابه و يغسل كلّ ما أصابه ذلك الماء و يعيد الوضوء و الصلاة، و إن كان إنّما رآها بعد ما فرغ من ذلك و فعله فلا يمسّ من ذلك الماء شيئا و ليس عليه شي‌ء لأنّه لا يعلم متى سقطت فيه، ثمّ قال: لعلّه أن يكون إنّما سقطت فيه تلك الساعة التي رآها (1).

و هذه الرواية بعمومها تدلّ على أنّ الباطن ينجس كالظاهر لكن موردها الميتة فإن خصّصنا الحكم بموردها يلزم الالتزام بمقتضاها و نلتزم بانفعال الباطن و طهره بالزوال على ما تقدّم.

و إن قلنا: بأنّ المستفاد من الدليل العموم لعامّة النجاسات كما هو ليس ببعيد فهذه الرواية ممّا يدلّ على تنجيس المتنجّس و حيث إنّ هناك روايات تدلّ على عدم تنجيسه فالجمع بين الطائفتين يقتضي الحكم باستحباب التنزّه كما بنينا عليه في ذلك المبحث تبعا للمشهور و عدلنا عنه لا حقا فلا دليل على انفعال الباطن.

و لكنّ الإنصاف أنّا لا نرى مانعا من شمول أدلّة النجاسات و تنجيسها للبواطن فلو قال المولى (اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه) نقول:

لا فرق في وجوب الغسل بين الظاهر و الباطن في الانفعال.

فالنتيجة: أنّه لا فرق بين الظاهر و الباطن و مقتضى القاعدة الأوّلية انفعال الباطن بملاقاة النجس و كونه منجسا لما يلاقيه بجميع أقسامه و عدم صيرورته طاهرا بالزوال و تفصيل هذه الجهات موكول إلى مجال آخر.

____________

(1) الوسائل، الباب 4 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1.

94

بل و كذا من ظاهر الحيوانات على ما مرّ (1).

مسألة 50: لا يجوز أكل الأشياء النجسة أو المتنجّسة و لا شرب المائعات النجسة و لا المتنجّسة (2).

____________

(1) و تقدّم الكلام حوله.

(2) ما يمكن أن يستدلّ به على هذا الحكم أمور: منها قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (1).

بتقريب أنّه سبحانه فرع وجوب الاجتناب عن الامور المذكورة على كونها رجسا و حيث إنّ النجس أو المتنجّس رجس يلزم اجتنابه، و من الواضح أنّ الأكل في المأكول و الشرب في المشروب أظهر آثارهما أو من أظهرها فيلزم اجتنابهما.

و يرد عليه: أنّ الرجس في اللغة له معان عديدة؛ منها: القذارة، و منها:

العمل القبيح، و عليه لا مجال للاستدلال به على المدّعى إذ من الممكن أنّه أريد منه في الآية العمل القبيح و يشهد على ذلك قوله تعالى: مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ فإنّه سبحانه جعله من أعمال الشيطان.

و يؤيّد ذلك أنّ الميسر من الأعمال مضافا إلى أنّ اللّه سبحانه أردف قوله رجس بقوله: من عمل الشيطان و كون النجس من عمل الشيطان أوّل الكلام.

و منها قوله تعالى: وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ (2) بدعوى أنّ النجس رجز فيلزم‌

____________

(1) المائدة: 90.

(2) المدّثر: 5.

95

..........

____________

هجره، و هجره في المأكول عدم أكله و في المشروب عدم شربه.

و يرد عليه: أنّ الرجز و إن كان معناه القذر لكن ليس منحصرا فيه بل له معان اخر و منها عبادة الأوثان فلا يتمّ الاستدلال إذ من الممكن أنّ المراد من الآية عبادة الأوثان، و حيث إنّ عبادة الأوثان حرام قطعا فلا تصل النوبة إلى العلم الإجمالي بحرمة أحد الامور كي يقال: بأنّ تنجّزه يقتضي الاجتناب عن جميع المحتملات، مضافا إلى الإشكال في تنجّز العلم الإجمالي عندنا.

و منها: الأخبار الدالّة على نجاسة السمن و الزيت لو وقعت فيها الميتة و من جملتها ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فيه، فإن كان جامدا فالقها و ما يليها و كل ما بقي و إن كان ذائبا فلا تأكله و استصبح به و الزيت مثل ذلك (1) و غيرها من الروايات الواردة في الأبواب المتفرّقة، و وجه الدلالة في هذه الأخبار على المدّعى ظاهر.

و منها: ما دلّ من الأخبار على إهراق الماء الملاقي للنجس و من جملتها ما رواه سماعة قال: سألته عن رجل يمسّ الطست أو الركوة ثمّ يدخل يده في الإناء قبل أن يفرغ على كفّيه، قال: يهريق من الماء ثلاث حفنات و إن لم يفعل فلا بأس و إن كانت أصابته جنابة فأدخل يده في الماء فلا بأس به إن لم يكن أصاب يده شي‌ء من المني و إن كان أصاب يده فأدخل يده في الماء قبل أن يفرغ على كفّيه فليهرق الماء كلّه (2). و وجه الدلالة على المدّعى أيضا‌

____________

(1) الوسائل، الباب 43 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 2.

(2) الوسائل، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 10.

96

..........

____________

ظاهر لكن مضمر سماعة لا أثر له.

و منها: ما رواه ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا و ما أحسبه إلّا عن حفص بن البختري قال: قيل لأبي عبد اللّه (عليه السلام) في العجين يعجن من الماء النجس كيف يصنع به؟ قال: يباع ممّن يستحلّ أكل الميتة (1). و هذا الخبر و إن كان مرسلا لكن مرسله ابن أبي عمير الذي شهد في حقّه أنّه لا يروي و لا يرسل إلّا عن ثقة و تقدّم قريبا عدم تماميّة التقريب.

و منها: ما رواه حسن بن علي بن شعبة في تحف العقول عن الصادق (عليه السلام) في حديث قال: و أمّا وجوه الحرام ... إلى أن قال: أو شي‌ء من وجوه النجس فهذا كلّه حرام، الحديث (2).

و لكنّ الكلام في سند هذه الرواية مضافا إلى أنّ شمولها للمتنجّس مشكل فإنّ ظاهر وجوه النجس هي العناوين الأوّلية أعني الأعيان النجسة. هذه جملة ما يمكن ان يستدل به في المقام مضافا إلى أنه ادّعي أنّ هذا الحكم من الضروريات فضلا عن كونه إجماعيّا.

____________

(1) الوسائل، الباب 11 من أبواب الأسآر، الحديث 1.

(2) الوسائل، الباب 2 من أبواب ما يكتسب به.

97

[في أحكام المسجد]

مسألة 51: لا يجوز السجود على المحلّ المتنجّس و لو مع عدم سراية النجاسة إلى الجبهة. نعم يجوز الصلاة في المكان النجس إذا لم تسر نجاسته إلى ثياب المصلّي أو بدنه (1).

مسألة 52: يجب إزالة النجاسة عن المسجد فورا مع التمكّن (2).

____________

(1) ادّعي الإجماع على هذا الحكم، و يمكن أن يستدلّ عليه بما رواه ابن محبوب قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجصّ توقد عليه العذرة و عظام الموتى ثمّ يجصّص به المسجد أ يسجد عليه؟ فكتب (عليه السلام) إليّ بخطّه أنّ الماء و النار قد طهّراه (1). فإنّه يفهم من هذه الرواية أنّ مانعيّة النجاسة عن صحّة السجود كانت مفروضة في ذهن السائل، و الإمام (عليه السلام) لم يردعه عن هذا المعنى بل أجابه بأنّه طاهر فلا مانع من السجود عليه، و أمّا الصلاة في المكان النجس فلا مانع منها إذا لم تسر النجاسة و ذلك لعدم الدليل على المنع و السيرة جارية عليها.

(2) الكلام يقع تارة فيما أفاده من جهة أصل وجوب الإزالة، و اخرى من جهة الفوريّة، فهنا مقامان: أمّا المقام الأوّل فما يمكن أن يستدلّ به على المدّعى امور:

منها: قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ بَعْدَ عٰامِهِمْ هٰذٰا (2).

____________

(1) الوسائل، الباب 10 من أبواب ما يصحّ السجود عليه، الحديث 1.

(2) التوبة: 28.

98

..........

____________

بتقريب أنّ المستفاد من الآية مبغوضيّة قرب النجاسة من المسجد، فلا فرق بين الدفع و الرفع فكما يجب الأوّل يجب الثاني و حيث إنّه لم يكن فرق بين المسجد الحرام و بقيّة المساجد يشمل الحكم مطلق المسجد.

و يرد عليه: أنّ النجس في عرف الشارع في ذلك الزمان لم يحرز أنّه حقيقة في المعنى الخاصّ أي القذارة الشرعية التي تكون لها أحكام خاصّة، و عليه يمكن أن يكون المراد به في الآية القذارة المعنويّة القائمة بنفس المشرك أو الكافر مطلقا و وجوب تبعيدهم عن المسجد الحرام لا يلازم كون القذارة قذارة شرعيّة مصطلحة و بعبارة اخرى وجوب الاجتناب أعمّ من المعنى المرتكز في أذهاننا في هذا الزمان، بل يمكن النقاش في دلالة الآية و لو مع تسليم كون المراد بالنجس هو المعنى الخاصّ كما هو ليس ببعيد، و ذلك لأنّ المستفاد من الآية حرمة قربهم من المسجد و لو مع عدم تنجيسهم للمسجد. و بعبارة اخرى يفهم من الآية أنّ قرب النجس بما هو مبغوض للشارع. و بعبارة أوضح المستفاد من الآية الشريفة أنّ قرب المشركين من حيث هو مبغوض لا أنّه مقدّمة للمبغوض الآخر.

و منها قوله تعالى: أَنْ طَهِّرٰا بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ وَ الْعٰاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ (1) بتقريب أنّ المستفاد من الآية وجوب إزالة النجاسة عن البيت و بعدم القول بالفصل بين البيت و سائر المساجد يجب إزالة النجاسة عن المسجد مطلقا.

و ممّا ذكر في ردّ الدليل السابق يظهر الحال في هذه الآية فإنّ التطهير بمعنى‌

____________

(1) البقرة: 125.

99

..........

____________

التنظيف و لا دليل على إرادة التنظيف الشرعيّ من الآية، فالاستدلال أيضا غير تامّ فتأمّل، أضف إلى ذلك أنّ قياس المساجد على المسجد الحرام لا دليل عليه.

و منها: النبوي المرويّ في كتب الأصحاب عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: جنّبوا مساجدكم النجاسة (1). و دلالته على المدّعى يتوقّف على عدم كون المراد من المساجد مسجد الجبهة و من المحتمل أن يكون المراد بها هذا المعنى، و يؤيّده إضافتها إلى ضمير الجمع.

إن قلت: هذا المعنى و إن كان محتملا لكن مقتضى العلم الإجمالي تنجّز العلم بالنسبة إلى أطراف الاحتمال.

قلت: هذا فيما يكون الأصل الجاري في الأطراف يتعارض بعضه مع البعض الآخر و في المقام ليس كذلك إذ الأصل لا يجري بالنسبة إلى وجوب الإزالة عن مسجد الجبهة كما بيّنا وجهه في محلّه فأصالة البراءة في الطرف الآخر بلا معارض و الذي يهوّن الخطب أنّ الرواية مرسلة لا اعتبار بها.

و منها: ما رواه الحلبي قال: نزلنا في مكان بيننا و بين المسجد زقاق قذر فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال: أين نزلتم؟ فقلت: نزلنا في دار فلان، فقال: إنّ بينكم و بين المسجد زقاقا قذرا أو قلنا له: إنّ بيننا و بين المسجد زقاقا قذرا، فقال: لا بأس، الأرض تطهّر بعضها بعضا، قلت: فالسرقين الرطب أطأ عليه، فقال: لا يضرّك مثله (2).

____________

(1) الوسائل، الباب 24 من أحكام المساجد، الحديث 2.

(2) الوسائل، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

100

..........

____________

و يرد عليه: أنّه يمكن أنّ نظره (عليه السلام) في نفي البأس من جهة الصلاة لا من جهة تنجيس المسجد، مضافا إلى أنّ الرواية لا تدلّ على وجوب الإزالة بل تدلّ على فرض التسليم على حرمة التنجيس، إلّا أن يقال بعدم الفصل بين الأمرين.

و منها: ما رواه عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الدابّة تبول فيصيب بولها المسجد أو حائطه أ يصلّى فيه قبل أن يغسل؟

قال: إذا جفّ فلا بأس (1). بتقريب أنّ المرتكز في ذهن السائل أنّ إزالة النجاسة عن المسجد أمر واجب، و من ناحية اخرى يتصوّر السائل أنّ بول الدابّة من النجاسات و لذا يسأل الإمام عن وظيفته و الإمام (عليه السلام) قرّره على ما في ذهنه.

إن قلت: بول الدواب طاهر على طبق المذهب، قلت: حيث إنّ مذهب العامّة على نجاسته يكون التقرير تقيّة.

إن قلت: إن كان المستفاد من الرواية ما ذكر، فكيف يمكن الالتزام بعدم البأس في صورة الجفاف إذ مطلق الجفاف لا يكون مطهّرا؟

قلت: من الممكن أنّ الرواية من هذه الجهة صدرت أيضا تقيّة إذ كما نقل أنّ بعض العامّة أي الحنفيّة قائلون بأنّ مطلق الجفاف يقتضي الطهارة.

و لكن حمل الرواية على التقيّة بهذا النحو لا ينافي دلالتها على المدّعى فإنّ المستفاد منها وجوب إزالة النجاسة عن المسجد، غاية الأمر تطبيق هذه الكبرى على المورد يكون بنحو التقيّة.

____________

(1) الوسائل، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 18.

101

..........

____________

لكن في المقام إشكال و هو أنّه من الممكن أن يكون السؤال من ناحية منافاة تعظيم المسجد مع وجود القذرات العرفية فيه فربّما تجب إزالتها عنه أو تستحبّ، فيمكن أن يكون وجه السؤال إمكان تنافي المبادرة إلى الصلاة مع وجود بول الدابّة على جدران المسجد، و الإمام (عليه السلام) يفصل بين صورتي الجفاف و عدمه إذ مع الجفاف لا يصدق انهتاك المسجد فلا يرتبط السؤال بوجوب إزالة النجاسة عن المسجد.

و يؤيّد المدّعى أنّه يبعد أن يكون مثل عليّ بن جعفر جاهلا بعدم نجاسة بول الدابّة، فتأمّل.

و منها: ما رواه أبو حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل إنّ اللّه أوحى إلى نبيّه أن طهّر مسجدك و اخرج من المسجد من يرقد فيه بالليل و مر بسدّ أبواب من كان له في مسجدك باب إلّا باب عليّ (عليه السلام) و مسكن فاطمة (عليها السلام) و لا يمرّن فيه جنب (1)، و تقريب الاستدلال به على المدّعى ظاهر.

و يرد عليه: أنّه يمكن أن يكون المراد من المسجد مسجد الجبهة و إلّا كان المناسب أن يقول: «و اخرج منه» لسبق المرجع مضافا إلى أنّه يمكن أن يكون وجوب تطهير مسجده تكليفا مختصّا به.

و منها جملة من الروايات الدالّة على جواز جعل الكنيف مسجدا بعد تنظيفه أو طمّه بالتراب، لاحظ الروايات في الوسائل في الباب 11 من أبواب أحكام المساجد؛ منها: ما رواه عبيد اللّه بن علي الحلبي في حديث أنّه قال لأبي‌

____________

(1) الوسائل، الباب 15 من أبواب الجنابة، الحديث 1.

102

..........

____________

عبد اللّه (عليه السلام): فيصلح المكان الذي كان حشا زمانا أن ينظّف و يتّخذ مسجدا؟

فقال: نعم إذا القي عليه من التراب ما يواريه فإنّ ذلك ينظّفه و يطهّره (1).

و منها: ما رواه أبو الجارود في حديث قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المكان يكون خبيثا ثمّ ينظّف و يجعل مسجدا، قال: يطرح عليه من التراب حتّى يواريه فهو أطهر (2).

و منها: ما رواه عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن بيت كان حشا زمانا هل يصلح أن يجعل مسجدا؟ قال: إذا نظّف و اصلح فلا بأس (3).

فإنّه يمكن أن يستدلّ بهذه الروايات على المدّعى بتقريبين:

أحدهما: أنّ المرتكز في ذهن السائل التنافي بين المسجدية و النجاسة، و الإمام (عليه السلام) قرّره على هذا الارتكاز.

ثانيهما: أنّه (عليه السلام) علّق جواز جعل الكنيف مسجدا على الطمّ فيعلم التنافي بين الأمرين و يعلم من هذه النصوص كما ذكرنا أنّ عنوان المسجد لا يجامع مع النجاسة فلا فرق بين الإحداث و الإبقاء أي يستفاد منها أمران:

الأوّل: حرمة التنجيس، و الثاني: وجوب التطهير.

لكن لا يستفاد من هذه النصوص سراية الحكم المذكور إلى خارج المسجد فلا دليل على شمول الحكم خارجه فلا تجب إزالة النجاسة عن جدار المسجد من خارجه.

____________

(1) الوسائل، الباب 11 من أبواب أحكام المساجد، الحديث 1.

(2) نفس المصدر، الحديث 3.

(3) الوسائل، الباب 11 من أبواب أحكام المساجد، الحديث 7.