الدلائل في شرح منتخب المسائل - ج1

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
742 /
103

..........

____________

و إن شئت قلت؛ المستفاد من الأدلّة حرمة التنجيس و وجوب الإزالة عن ظاهر المسجد، و أمّا باطنه فمقتضى الأصل هو الجواز.

و ربّما يقال: بأنّه يجوز تنجيس المسجد فإنّ الجواز مقتضى الأصل و يدلّ عليه ما رواه عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الدمل يكون بالرجل فينفجر و هو في الصلاة، قال: يمسحه و يمسح يده بالحائط أو بالأرض و لا يقطع الصلاة (1).

فإنّ مقتضى إطلاق الحديث جواز مسح يده بالحائط و إن كان الحائط للمسجد. و فيه: أنّ الأصل لا يبقى مجال له بعد ورود النصّ، و أمّا الحديث فلا إطلاق له و ليس في مقام البيان من هذه الجهة، و لذا لا يمكن الاستدلال به على جواز مسح حائط الغير مضافا إلى أنّ الرواية مخدوشة سندا بعليّ بن خالد. فالمتحصّل ممّا ذكرنا أنّه تجب إزالة النجاسة عن المسجد.

و منها: الإجماع كما نقل عن الشيخ و الحلّي و الفاضلين و الشهيد و غيرهم، إلّا أن يناقش فيه بأنّه محتمل المدرك و معه لا يكون حجّة فيمكن أن يقال: إنّ هذا الحكم لا يكون من المسلّمات لدى الأصحاب بحيث لا يكون قابلا للنقاش.

و أمّا المقام الثاني، فنقول: لو تمّ ما تقدّم من الأدلّة فمقتضاها فورية الإزالة فإنّ التأخير ينافي وجوب التبعيد و التجنّب، مضافا إلى أنّ مناسبة الحكم و الموضوع تقتضي الفوريّة. و نقل عن المدارك نسبة وجوب الفور إلى الأصحاب، مضافا إلى أنّ الفورية أيضا من الواضحات الفقهيّة.

____________

(1) الوسائل، الباب 22 من أبواب النجاسات، الحديث 8.

104

كما أنّه يحرم تنجيس المسجد (1) و لكن لا يحرم إدخال الشي‌ء النجس فيه و لا وضعه فيه (2) إلّا مع تعدّي نجاسته إليه (3) أو استلزم إدخاله أو وضعه هتك حرمة المسجد (4).

مسألة 53: المشاهد المشرّفة أعني روضات الأئمّة (عليهم السلام) في حكم المساجد في حرمة تنجيسها و وجوب إزالة النجاسة عنها حتّى الرواق منها على الأحوط، و أمّا الصحن الشريف فالظاهر عدم كونه كذلك (5).

____________

(1) يمكن الاستدلال على المدّعى أوّلا بالأولوية إذ لو كانت الإزالة واجبة فبالأولويّة يكون التنجيز حراما، و ثانيا أنّ حرمة تنجيس المسجد من مرتكزات أهل الشرع.

(2) لأنّه لا دليل عليه و مع فرض وجوده ترفع اليد عنه بالإجماع و التسالم عند الأصحاب.

(3) كما تقدّم.

(4) فإنّه حرام في هذه الصورة قطعا فإنّ المسجد من شعائر اللّه و هتكها حرام فإنّ هتكها يستلزم هتكه سبحانه و تعالى.

(5) لم يدلّ على هذا الحكم دليل. نعم، لو كان التنجيس أو الإبقاء سببا لهتكهم (عليهم السلام) الذي يكون هتكا لساحة قدسه تعالى فلا شبهة في حرمة الاحداث و وجوب الإزالة و هذا لا يختصّ بالروضة المقدّسة بل الرواق و الصحن كذلك كما هو ظاهر.

105

[في أحكام الميتة]

مسألة 54: الحيوان الطاهر العين من ذي النفس ينجس بالموت مطلقا (1).

____________

(1) نقل الإجماع عليه من المعتبر و الذكرى و كشف اللثام و نهاية الاحكام و التذكرة و كشف الالتباس، و نقل عن المعتبر أنّه إجماع علماء الإسلام و مضافا إلى ذلك يدلّ عليه جملة من النصوص منها: ما رواه قاسم الصيقل قال: كتبت إلى الرضا (عليه السلام) إنّي أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميّتة فتصيب ثيابي فأصلّي فيها، فكتب إليّ: اتّخذ ثوبا لصلاتك.

فكتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام): كنت كتبت إلى أبيك (عليه السلام) بكذا و كذا فصعب عليّ ذلك فصرت أعملها من جلود الحمر الوحشية الذكية فكتب إليّ: كل أعمال البرّ بالصبر يرحمك اللّه فإن كان ما تعمل وحشيّا ذكيّا فلا بأس (1).

و الحديث ضعيف سندا.

و منها: ما رواه الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفأرة و الدابّة تقع في الطعام و الشراب فتموت فيه، فقال: إن كان سمنا أو عسلا أو زيتا فإنّه ربّما يكون بعض هذا فإن كان الشتاء فانزع ما حوله و كله و إن كان الصيف فارفعه حتّى تسرّج به و إن كان ثردا فاطرح الذي كان عليه و لا تترك طعامك من أجل دابّة ماتت عليه (2).

____________

(1) الوسائل، الباب 34 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

(2) الوسائل، الباب 43 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 3.

106

..........

____________

و منها: ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: رواية من ماء سقطت فيها فأرة أو جرذ أو صعوة ميّتة، قال: إذا تفسّخ فيها فلا تشرب من مائها و لا تتوضّأ و صبّها و إن كان غير متفسّخ فاشرب منه و توضّأ و اطرح الميتة إذا أخرجتها طريّة و كذلك الجرّة و حبّ الماء و القربة و أشباه ذلك من أوعية الماء.

قال: و قال أبو جعفر (عليه السلام): إذا كان الماء أكثر من رواية لم ينجّسه شي‌ء تفسّخ فيه أو لم يتفسّخ إلّا أن يجي‌ء له ريح تغلب على ريح الماء (1).

إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في الميتة في الموارد المختلفة بحيث لا يكون قابلا للتشكيك مضافا إلى نقل الإجماع متواترا، بل نقل عن بعض دعوى ضرورة المذهب على نجاستها، فما عن صاحب المدارك من الإشكال في غير محلّه فإنّه (قدّس سرّه) استشكل في نجاسة الميتة بعدم دليل يعتدّ به عليها و بما رواه الصدوق مرسلا قال: سئل الصادق (عليه السلام) عن جلود الميتة يجعل فيها اللبن و الماء و السمن ما ترى فيه؟ فقال: لا بأس بأن تجعل فيها ما شئت من ماء أو لبن أو سمن و تتوضّأ منه و تشرب و لكن لا تصلّي فيها (2).

فإنّه ظهر ممّا ذكرنا أنّ الدليل على النجاسة تامّ لا ريب فيه، و أمّا مرسلة الصدوق فلإرسالها لا اعتبار بها، و ما أفاده (قدّس سرّه) في أوّل كتابه من أنّ كلّ رواية يذكرها فهي حجّة بينه و بين ربّه لا يوجب الاعتماد عليها.

____________

(1) الوسائل، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، الحديث 8 و 9.

(2) الوسائل، الباب 34 من أبواب النجاسات، الحديث 5.

107

..........

____________

فإنّه يمكن أن يكون اعتماده عليها من جهة قرينة قائمة عنده موجبة لاعتبارها بنظره، مضافا إلى أنّ هذه الرواية معارضة بما أقوى منها سندا و ما رواه عليّ بن أبي المغيرة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): جعلت فداك الميتة ينتفع منها بشي‌ء؟ قال: لا، قلت: بلغنا أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مرّ بشاة ميّتة فقال:

ما كان على أهل هذه الشاة إذ لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها قال: تلك شاة لسودة بنت زمعة زوج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و كانت شاة مهزولة لا ينتفع بلحمها فتركوها حتّى ماتت، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ما كان على أهلها إذ لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا باهابها، أي تذكّى (1).

فإنّ الإمام (عليه السلام) ردع السائل عمّا توهّمه من جواز الانتفاع بجلد الميتة كما هو رأي العامّة و استندوا إلى هذا الخبر و بيّن بأنّ مراد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) التعرّض بأهل الشاة لأجل عدم ذبح الحيوان و تذكيته للانتفاع بجلده لا جواز الانتفاع بجلد الميتة كما زعموا.

و قد أفاد صاحب الحدائق (قدّس سرّه) بأنّ هذه الرواية رواها في الكافي عن ابن أبي المغيرة و هو ثقة كما في كتب الرجال، انتهى موضع الحاجة من كلامه، و في دوران الأمر بين الزيادة و النقيضة يؤخذ بالزائد.

____________

(1) الوسائل، الباب 61 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

108

و أمّا مع التذكية فالمأكول اللحم منه طاهر حلال بلا إشكال مع العلم بتذكيته (1).

و إلّا فلا بدّ من قول أو فعل من ذي اليد المسلم يدلّ على تذكيته (2).

____________

(1) أمّا الطهارة فمع أنّها مورد الاتّفاق تستفاد من نفس الروايات الواردة في هذا الباب من جواز استعماله في الصلاة و غيرها ممّا يكون مشروطا بالطهارة، مضافا إلى أنّ عدم الدليل على النجاسة يكفي في الحكم بالطهارة، و أمّا الحلّية فتدلّ عليها الآية الشريفة و هي قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَ مٰا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّٰهِ بِهِ وَ الْمُنْخَنِقَةُ وَ الْمَوْقُوذَةُ وَ الْمُتَرَدِّيَةُ وَ النَّطِيحَةُ وَ مٰا أَكَلَ السَّبُعُ إِلّٰا مٰا ذَكَّيْتُمْ (1) مضافا إلى ما ورد من الروايات في هذا الباب.

(2) حكم (قدّس سرّه) باشتراط الحكم بالتذكية عند الشكّ و عدم العلم بها أن يكون المشكوك فيه مأخوذا من المسلم مع فعل منه يدلّ على تذكيته و اللازم ملاحظة ما يمكن أن يكون دليلا شرعيّا على التذكية و الحكم بمقتضاه.

فنقول: الظاهر أنّه لا خلاف في أمارية يد المسلم بل هذه الجهة مورد دعوى الإجماع، أضف إلى ذلك السيرة الجارية بين المسلمين المتّصلة بزمان المعصومين (عليهم السلام) و يدلّ على المدّعى بوضوح ما ورد من النصوص الدالّة على أمارية سوق المسلمين على التذكية.

____________

(1) المائدة: 3.

109

..........

____________

منها: ما رواه فضيل و زرارة و محمّد بن مسلم أنّهم سألوا أبا جعفر (عليه السلام) عن شراء اللحوم من الأسواق و لا يدرى ما صنع القصّابون، فقال: كل إذا كان ذلك في سوق المسلمين و لا تسأل عنه (1).

و منها: ما رواه الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الخفاف التي تباع في السوق، فقال: اشتر و صلّ فيها حتّى تعلم أنّه ميت بعينه (2).

و منها: ما رواه أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبّة فراء لا يدري أ ذكيّة هي أم غير ذكية أ يصلّي فيها؟

فقال: نعم، ليس عليكم المسألة، أنّ أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول: إنّ الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم انّ الدين أوسع من ذلك (3).

و منها: ما رواه إسحاق بن عمّار عن العبد الصالح (عليه السلام) أنّه قال: لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني و فيما صنع في أرض الإسلام، قلت: فإن كان فيها غير أهل الإسلام؟ قال: إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس (4).

و منها: ما رواه أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن الخفّاف يأتي السوق فيشترى الخفّ لا يدري أ ذكيّ هو أم لا ما تقول في الصلاة فيه و هو لا يدري أ يصلّي فيه؟ قال: نعم، أنا أشتري الخفّ من السوق‌

____________

(1) الوسائل، الباب 29 من أبواب الذبائح، ج 1.

(2) الوسائل، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(3) نفس المصدر، الحديث 3.

(4) نفس المصدر، الحديث 5.

110

..........

____________

و يصنع لي و أصلّي فيه و ليس عليكم المسألة (1).

فإنّ المستفاد من هذه النصوص أنّ الميزان الأخذ من محلّ مستند إلى المسلمين بلا فرق بين كون ذلك المحلّ عنوان السوق أو الشارع أو الطريق أو البلد، و إذا فرضنا أنّ البلد أو السوق المنسوب إلى المسلمين يكون أمارة على التذكية فبطريق أولى يكون الأخذ من المسلم أمارة. فانقدح بما ذكر أنّ يد المسلم أمارة التذكية.

بقي أمور:

الأوّل: أنّ السوق بما هو لا أثر له و إنّما المؤثّر السوق الذي يكون للمسلمين، لاحظ ما روي عن أبي جعفر (عليه السلام) (2) فإنّه (عليه السلام) علّق الجواز على كون السوق للمسلمين.

الثاني: أنّه يكفي كون البائع مسلما و لو لم يكن عارفا للإطلاق و العموم، مضافا إلى السيرة الخارجية بالإضافة إلى الارتكاز المتشرّعي.

الثالث: أنّه هل يلزم أن يفعل ذو اليد المسلم فعلا يدلّ على التذكية أم لا؟

الحقّ هو الثاني و الوجه فيه أنّ السيرة جارية على البناء على التذكية بلا التزام بهذا القيد، مضافا إلى إطلاق النصوص. و من ناحية أخرى لا دليل على القيد المذكور و حديث إسماعيل بن عيسى قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجلود الفراء يشريها الرجل في سوق من أسواق الجبل أ يسأل عن‌

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 6.

(2) تقدّم في ص 108.

111

..........

____________

ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف؟ قال: عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك و إذا رأيتم يصلّون فيه فلا تسألوا عنه (1). لا اعتبار به سندا.

الرابع: أنّه لو أخذ من يد الكافر في سوق المسلمين هل يمكن القول بالحكم بكون المأخوذ مذكّى بتقريب أنّ الميزان سوق المسلمين أم لا؟

أقول: إن قلنا: بأنّ سوق المسلمين أمارة على كون البائع مسلما، و بعبارة أخرى إن قلنا: إنّ السوق أمارة على الأمارة لا يحكم بالتذكية فيما لو كان البائع كافرا، و أمّا إن لم نقل بذلك بل قلنا: إنّ السوق بما هو سوق المسلمين أمارة على التذكية فيحكم بالتذكية في المأخوذ من يد الكافر إذا كان في سوق الإسلام.

و الإنصاف أنّ الجزم بالاحتمال الأوّل و الالتزام بكون السوق أمارة على الأمارة مشكل، و مقتضى الظهور أنّ السوق بما هو أمارة و لكن هل يمكن الالتزام به و اللّه العالم.

الخامس: أنّه ربّما يقال: إنّ المستفاد من حديث أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث أنّ علي بن الحسين (عليهما السلام) كان يبعث إلى العراق فيؤتى ممّا قبلكم بالفرو فيلبسه فإذا حضرت الصلاة ألقاه و ألقى القميص الذي يليه فكان يسأل عن ذلك فقال: إنّ أهل العراق يستحلّون لباس الجلود الميّتة‌

و يزعمون أنّ دباغه ذكاته (2). و حديث عبد الرحمن بن الحجّاج قال:

____________

(1) الوسائل، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 7.

(2) الوسائل، الباب 61 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

112

و غير المأكول طاهر إن كان من السباع أو المسوخ (1)، و أمّا غيرهما ففي الحكم بطهارته بالتذكية تأمّل (2).

____________

قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّي أدخل سوق المسلمين أعني هذا الخلق الذين يدّعون الإسلام، فأشتري منهم الفراء للتجارة فأقول لصاحبها: أ ليس هي ذكيّة؟ فيقول: بلى، فهل يصلح لي أن أبيعها على أنّها ذكية؟ فقال؛ لا، و لكن لا بأس أن تبيعها و تقول قد شرط لي الذي اشتريتها منه أنّها ذكيّة، قلت: و ما أفسد ذلك؟ قال: استحلال أهل العراق للميتة و زعموا أنّ دباغ جلد الميتة ذكاته ثمّ لم يرضوا أن يكذبوا في ذلك إلّا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) (1) المنع من ترتيب الأثر إن كان ذو اليد قائلا بتحقّق التذكية بالدباغ كما عليه بعض العامّة، و لكن الحديثين ضعيفان سندا فلا مجال للاعتماد عليهما.

1- فإنّ النجاسة مترتّبة على الميتة، مضافا إلى أنّ المستفاد من الأدلّة طهارة غير المأكول بالتذكية، و ممّا يدلّ على ذلك في الجملة ما رواه سماعة قال: سألته عن جلود السباع ينتفع بها، قال: إذا رميت و سمّيت فانتفع بجلده و أمّا الميتة فلا (2). و الحديث مخدوش سندا للإضمار فإنّ سماعة من الواقفة و يحتمل في حقّه أن أراد من المرجع غير المعصوم (عليه السلام).

(2) لا أدري ما الوجه فيما أفاده من التفريق بين المسوخ و السباع و غيرهما، و ما الوجه في التأمّل فإنّ المستفاد من النصوص المتقدّمة الدالّة‌

____________

(1) الوسائل، الباب 61 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

(2) الوسائل، الباب 49 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

113

..........

____________

على أمارية يد المسلم على التذكية أنّ الحيوان المأخوذ من يده محكوم بتذكيته، فالطهارة على طبق القاعدة، لاحظ حديث البزنطي (1) فإنّ السائل يسأل الإمام عن كون المأخوذ ذكيا و يستفاد من الجواب ثبوت التذكية بالطريق المذكور، مضافا إلى أنّ السيرة جارية على ترتيب الأثر و عدم السؤال، أضف إلى ذلك أنّه يكفي للحكم بالطهارة مجرّد الشكّ في التذكية إذ عنوان الميتة على ما يستفاد من اللغة عبارة عن ميّت الحيوان الذي مات حتف أنفه أو على هيئة غير شرعية قاله في المنجد، بل الأمر كذلك و لو مع الشكّ في أنّ الميتة عبارة عن غير المذكّى أو عبارة عن الحيوان الذي مات حتف أنفه أو على غير هيئة شرعية.

إذا النتيجة أنّه لا يمكن إحراز الموضوع بأصالة عدم التذكية، أمّا على فرض الجزم بكونها عبارة عن الأمر الوجودي فواضح، و أمّا على تقدير الشكّ فلا يمكن الجزم بتحقّق الموضوع، فعلى كلا التقديرين مقتضى القاعدة هي الطهارة.

____________

(1) تقدّم في ص 109.

114

نعم لا يحلّ بالتذكية شي‌ء من غير المأكول لا أكله و لا الصلاة فيه (1). و أمّا غير ذي النفس من الحيوان فميتته طاهرة و لا يحتاج في طهارته إلى التذكية (2).

____________

(1) أمّا عدم جواز الأكل فلأنّ المفروض أنّه غير المأكول، و أمّا عدم جواز الصلاة فيه فنتكلّم عن دليله عند تعرّضه (قدّس سرّه) لشرائط لباس المصلّي إن شاء اللّه تعالى.

(2) ادّعى الإجماع عليه عن جماعة، و يدلّ عليه ما عن حفص بن غياث عن جعفر بن محمّد عن أبيه (عليهما السلام) قال: لا يفسد الماء إلّا ما كانت له نفس سائلة (1). و ما عن عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن الخنفساء و الذباب و الجراد و النملة و ما أشبه ذلك يموت في البئر و الزيت و السمن و شبهه، قال: كلّ ما ليس له دم فلا بأس (2).

و لكن يظهر من بعض الأخبار استثناء العقرب من هذا الحكم و ما يدلّ على ذلك ما رواه سماعة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن جرّة وجد فيها خنفساء قد ماتت، قال: القها و توضّأ منه و إن كان عقربا فأرق الماء و توضّأ من ماء غيره، الحديث (3).

و لا ترفع اليد عن هذه الرواية بما رواه في قرب الإسناد عن عبد اللّه بن الحسن عن جدّه عليّ بن جعفر (عليه السلام) أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن‌

____________

(1) الوسائل، الباب 35 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(2) نفس المصدر: الحديث 1.

(3) نفس المصدر، الحديث 4.

115

و إن كان حراما أكله مطلقا و لا يجوز الصلاة فيه (1).

مسألة 55: جلد الميتة لا يطهر بالدباغة (2).

____________

العقرب و الخنفساء و أشباههما يموت في الجرّة أو الدّن يتوضّأ منه للصلاة، قال: لا بأس (1).

فإنّ عبد اللّه بن الحسن الواقع في السند غير موثّق، و أمّا ما رواه ابن مسكان قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): كلّ شي‌ء يسقط في البئر ليس له دم مثل العقارب و الخنافس و أشباه ذلك فلا بأس (2). فمورده البئر الذي لا نقول بانفعاله.

1- أمّا عدم جواز الأكل فلكونه ميتة، و أمّا عدم جواز الصلاة فنتكلّم فيه عند تعرّضه لشرائط لباس المصلّي إن شاء اللّه تعالى.

(2) حكى الإجماع عليه، بل نسب إلى شرح المفاتيح كونه من ضروريّات المذهب و نسب إلى ابن جنيد القول بالطهارة و نسب إلى الكاشاني الميل إليه و يكفي في الحكم بالنجاسة ما يدلّ على نجاسة الميتة مطلقا كرواية ابن أبي المغيرة (3) الواردة في الشاة الميتة، و كرواية سماعة (4) الواردة في السباع المتقدّمتين في المسألة السابقة، و يدلّ على عدم الجواز ما رواه محمّد بن مسلم قال: سألته عن جلد الميتة يلبس في الصلاة إذا دبّغ قال: لا‌

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 6.

(2) الوسائل، الباب 35 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

(3) تقدّمت في ص 107.

(4) تقدّمت في ص 112.

116

..........

____________

و إن دبغ سبعين مرّة (1). فإنّ الحديث صريح في عدم جواز التذكية بالدبغ.

و في قبال هذه الطائفة طائفة أخرى تدلّ على الجواز منها ما أرسله الصدوق (2) و المرسل لا اعتبار به.

و منها: ما عن الفقه الرضوي حيث قال: «و إن كان الصوف و الوبر و الشعر و الريش من الميتة و غير الميتة بعد أن يكون ممّا أحلّ اللّه تعالى أكله فلا بأس به و كذلك الجلد فإنّ دباغته طهارته (3).

و الحديث لا اعتبار به.

و منها: ما رواه الحسين بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في جلد شاة ميتة يدبغ فيصبّ فيه اللبن أو الماء فأشرب منه و أتوضّأ؟ قال: نعم، و قال: يدبغ فينتفع به و لا يصلّى فيه، الحديث (4). و الحسين بن زرارة لم يوثّق.

____________

(1) الوسائل، الباب 61 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

(2) تقدّم في ص 106.

(3) الحدائق ج 5 ص 61.

(4) الوسائل، الباب 34 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 7.

117

[في أحكام الطهارة]

مسألة 56: الجلود التي يبيعونها في أسواق المسلمين أو في أيديهم محكومة بالتذكية و الطهارة مع احتمال اطّلاعهم على تذكيته بل أو احتمال الصحّة في أيديهم بكونهم أخذوها بوجه صحيح شرعي (1).

مسألة 57: تثبت النجاسة بأمور: الأوّل: العلم بها، الثاني: اخبار عدلين (2)، الثالث: اخبار ذي اليد و إن لم يكن عادلا و لا مالكا لذلك الشي‌ء و لا يترك الاحتياط مع اخبار العدل الواحد بها (3).

____________

(1) تقدّم الكلام قريبا في أمارية يد المسلم و كذلك سوق الإسلام على التذكية، و تقدّم منّا احتمال موضوعية السوق و أنّ المأخوذ منه و لو من يد الكافر محكوم بالتذكية. نعم، المأخوذ من يد المسلم إنّما يكون أمارة إذا احتمل أن وصوله إلى يده بطريق شرعيّ.

(2) لا إشكال في حجّية العلم فإنّ اعتبار العلم عقلي فلا إشكال في طريقتيه، و أمّا اعتبار اخبار العدل الواحد، بل و الثقة كذلك فهو ثابت بالسيرة العقلائية الممضاة من قبل الشارع، مضافا إلى بعض النصوص.

(3) قال في الحدائق: ظاهر الأصحاب الاتّفاق على قبول قول المالك في طهارة ثوبه و إنائه و نحوهما و نجاستهما (1). و ما يمكن أن يذكر في تقريب المدّعى وجوه:

الوجه الأوّل: السيرة الجارية على قبول قول ذي اليد في الأمور التي هو أعرف بها و هذه السيرة ممضاة من قبل الشارع، و الإنصاف أنّ الجزم بتحقّق السيرة و قبول قول ذي اليد و لو مع عدم حصول العلم بالمخبر به مشكل.

____________

(1) الحدائق: ج 5 ص 252.

118

..........

____________

الوجه الثاني: النصوص الدالّة على جواز بيع الدهن المتنجّس بشرط إعلام المشتري، منها: ما رواه أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفأرة تقع في السمن أو في الزيت فتموت فيه، فقال: إن كان جامدا فتطرحها و ما حولها و يؤكل ما بقى، و إن كان ذائبا فاسرج به و اعلمهم إذا بعته (1).

و منها: ما رواه معاوية بن وهب و غيره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في جرذ مات في زيت ما تقول في بيع ذلك؟ فقال: بعه و بيّنه لمن اشتراه ليستصبح به (2).

و فيه أوّلا: أنّ المذكور في هذه النصوص الإعلام و التبيين و مقتضاهما جعل الطرف المقابل عالما و الكلام في صورة الشكّ، مضافا إلى الالتزام بالمدّعى في بعض الموارد لا يكون دليلا على العموم و الإطلاق.

الوجه الثالث: ما رواه عبد اللّه بن بكير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أعار رجلا ثوبا فصلّى فيه و هو لا يصلّي فيه، قال: لا يعلمه، قال قلت: فإن أعلمه؟ قال: يعيد (3). و فيه أنّ الوارد في الخبر الإعلام، و قلنا معناه جعل الطرف عالما.

الوجه الرابع: ما دلّ من النصوص على طهارة ما يؤخذ من يد المسلم أو سوق المسلمين، منها: ما رواه عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن فراش اليهودي و النصراني ينام عليه، قال: لا بأس و لا يصلّى في ثيابهما، و قال: لا يأكل المسلم مع المجوسيّ في قصعة واحدة و لا يقعده على فراشه و لا مسجده و لا يصافحه، قال: و سألته عن رجل اشترى ثوبا من‌

____________

(1) الوسائل، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3.

(2) الوسائل، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.

(3) الوسائل، الباب 47 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

119

..........

____________

السوق للّبس لا يدري لمن كان هل تصحّ الصلاة فيه؟ قال: إن اشتراه من مسلم فليصلّ فيه و إن اشتراه من نصراني فلا يصلّي فيه حتّى يغسله (1).

و منها: ما رواه الحلبي (2).

و منها: ما رواه أحمد بن محمّد بن أبي نصر (3).

الوجه الخامس: النصوص الدالّة على جواز شرب البختج إذا أخبر ذو اليد بذهاب ثلثيه، منها: ما رواه عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث أنّه سئل عن الرجل يأتي بالشراب فيقول: هذا مطبوخ على الثلث، قال: إن كان مسلما ورعا مؤمنا فلا بأس أن يشرب (4)، و فيه أنّ البختج لا يكون نجسا بل يكون حراما قبل ذهاب ثلثيه.

و المستفاد من مجموع النصوص أنّ المخبر الذي يخبر بذهاب ثلثيه يصدّق إذا كان مأمونا أي ثقة بل ورعا فلا تدلّ هذه الطائفة على حجّية أخبار ذي اليد بل تدلّ على اعتباره إذا كان المخبر ثقة ورعا. و من الواضح اعتبار قول الثقة، فهذه الطائفة تدلّ على عدم اعتبار قول ذي اليد في المورد، مضافا إلى أنّ ثبوت الدليل في مورد خاصّ لا يكون دليلا على العموم كما هو واضح، فالدليل منحصر في السيرة، و الإنصاف أنّ الجزم باستمرار السيرة إلى زمن المعصومين (عليهم السلام) في غاية الإشكال إلّا أن يقال إنّ ارتكاز أهل الشرع على قبول قوله و هو أوّل الكلام و الإشكال. و أمّا الاحتياط بالنسبة إلى اخبار العدل الواحد فتقدّم الكلام حوله.

____________

(1) الوسائل، الباب 14 من أبواب النجاسات، الحديث 10.

(2) تقدّم في ص 109.

(3) تقدّم في ص 109.

(4) الوسائل، الباب 7 في الأشربة المحرّمة، الحديث 6.

120

مسألة 58: كلّ شي‌ء محكوم بالطهارة ما لم تثبت نجاسته (1) إلّا اللحم و الجلد و الشحم فإنّها محكومة بالنجاسة ما لم تثبت تذكيته بالعلم أو اخبار عدلين أو اخبار ذي اليد المسلم أو كونه في سوق المسلمين أو في يد مسلم مع احتمال الصحّة في أيديهم كما مرّ (2).

____________

(1) و يدلّ عليه ما رواه عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: كلّ شي‌ء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر فإذا علمت فقد قذر و ما لم تعلم فليس عليك (1).

(2) نقل عن مجمع البحرين أنّ الموت في عرف المتشرّعة عبارة عن زهاق الروح المستند إلى سبب غير شرعي و لكن المذكور فيه ليس كذلك و لعلّه ذكره في غير مادّة الموت و لو كان بعيدا غايته.

و كيف كان، المستفاد من كتاب المنجد أنّ الميتة أمر وجودي قال فيه الميتة مؤنّث الميّت الحيوان الذي مات حتف أنفه أو على هيئة غير شرعية.

و في محكي المصباح أنّها لم تلحقها الذكاة و كذلك المحكي عن القاموس و الصحاح، فلو ثبت أنّ معنى الميتة أمر عدمي يمكن إحرازها بالأصل، و يستفاد من رواية قاسم الصيقل (2) أنّ النجاسة مترتّبة على غير المذكّى بمقتضى الشرطية، لكن الرواية ضعيفة من حيث السند.

و أمّا إذا كان أمرا وجوديا فلا يمكن إثباته بالأصل، و عليه يكون مقتضى القاعدة الطهارة. و ما أفاده في ذيل المسألة من ثبوت التذكية بالأمور المذكورة تقدّم شرحه.

____________

(1) الوسائل، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

(2) تقدّمت في ص 105.

121

مسألة 59: بعد العلم بنجاسة شي‌ء يثبت طهارته بأمور؛ الأوّل:

العلم، الثاني: اخبار عدلين، الثالث: اخبار ذي اليد، و لا يترك الاحتياط مع اخبار العدل الواحد (1). و أمّا الظنّ فلا اعتبار به و لا بالشكّ (2).

مسألة 60: اللباس النجس إذا غسل بالاشنان ثمّ وجد فيه شي‌ء من الاشنان بعد التطهير فاللباس و ظاهر الاشنان طاهر، بل و باطنه مع وصول الماء إليه بشرائطه (3).

مسألة 61: الدم المشكوك نجاسته محكوم بالطهارة (4) إلّا مع

____________

(1) قد تقدّم الكلام حول هذه الأمور.

(2) لا إشكال في أنّ التذكية لا تحرز بالظنّ إلّا أن يكون اطمئنانيّا و لا بالشكّ، لكن الكلام في أنّ النجاسة مترتّبة على الميتة التي عرفت الكلام في معناها.

(3) لتحقّق الغسل المقتضي للتطهير كما هو ظاهر، و بعبارة أخرى قد فرض في كلامه تحقّق الغسل و معه لا إشكال في تحقّق الطهارة بلا فرق بين الظاهر و الباطن.

(4) الظاهر أنّ الحكم بطهارة الدّم المشكوك بنجاسته مبنيّ على أحد أمرين:

أحدهما: عدم وجود دليل عام أو مطلق على نجاسة كلّ دم إلّا ما خرج بالدليل، فإنّه لو شكّ في دم يكون من موارد الشبهة المصداقية فلا مانع من جريان أصالة الطهارة لأنّه لا أصل عملي يثبت أنّ ما شكّ فيه داخل في‌

122

العلم بنجاسته سابقا فإنّه محكوم بالنجاسة (1).

مسألة 62: الطرق و الأسواق محكومة بالطهارة ما لم يعلم نجاستها فعلا أو سابقا مع الشكّ في عروض الطهارة (2).

مسألة 63: إذا كان في مقدار من الحصرم حبّة مثلا من العنب فعصر الجميع و استهلك ماء تلك الحبّة فيه لا ينجس بالغليان إذا كان يطلق عليه ماء الحصرم في العرف (3).

____________

ذلك العنوان كدم ما لا يؤكل لحمه.

ثانيهما: إنكار حجّية الاستصحاب في الاعدام الأزلية فلا طريق إلى إحراز عدم كون المشكوك فيه من المستثنى فتكون الشبهة موضوعية فيحكم عليها بالطهارة و لكن لا نسلّم شيئا من الأمرين فإنّ مقتضى ما رواه عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: كلّ شي‌ء من الطير يتوضّأ ممّا يشرب منه إلّا أن ترى في منقاره دما، فإن رأيت في منقاره دما فلا تتوضّأ منه و لا تشرب (1). فكلّ دم يشكّ في كونه ممّا استثنى يحكم بعدم دخوله فيه بأصالة العدم الأزلي الذي حقّقناه في الأصول فيحكم عليه بالنجاسة.

1- لاستصحاب بقاء الموضوع على ما هو عليه فإنّه يستصحب بقاء الصورة السابقة على حالها و الموضوع في هذا الاستصحاب هي المادّة الموجودة في كلتا الحالتين.

(2) لقاعدتها بل و استصحابها فيما كانت مسبوقة بالطهارة.

(3) قد مرّ منه (قدّس سرّه) طهارة العصير العنبي بعد الغليان و يمكن أن يكون ما‌

____________

(1) الوسائل، الباب 82 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

123

مسألة 64: لا بأس بطبخ الخلال مع اللحم و غيره قبل صيرورته تمرا فإنّه طاهر حلال (1).

مسألة 65: إذا كان الفراش أو اللباس مثلا نجسا فاستعمله الغير بالرطوبة لعدم علمه بنجاسته لا يجب على صاحب الفراش و اللباس إعلام ذلك الغير بالنجاسة (2). نعم، يلزم عليه عدم مباشرة ما علم بنجاسته منه حتّى فيما لو غاب عنه و احتمل التطهير اتّفاقا على الأحوط إلّا بعد العلم بتطهيره عن تلك النجاسة (3).

مسألة 66: إذا كان جماعة يأكلون فوجد بعضهم نجاسة في الطعام أو الشراب لا يجب عليه إعلامهم. نعم، يلزم ترك ذلك الطعام و لو كان يحتاج إلى معاشرتهم أعلمهم بعد الفراغ ليطهّرون ما

____________

أفاده هنا على نحو التعليق و يمكن أنّه أبدل لا يحرم بلا ينجس اشتباها، و كيف كان الوجه فيما أفاده عدم بقاء موضوع للعصير العنبي حتّى يترتّب عليه حكمه.

1- لعدم ما يوجب الحرمة أو النجاسة بل مقتضى القاعدة عدمهما حتّى بعد صيرورته تمرا فإنّ الدليل يختصّ بالعصير العنبي.

(2) لعدم دليل على وجوبه مضافا إلى الأخبار الواردة التي تدلّ على عدم الوجوب، منها: ما رواه محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن الرجل يرى في ثوب أخيه دما و هو يصلّي، قال: لا يؤذنه حتّى ينصرف (1).

(3) لعدم الدليل على كون الغيبة من المطهّرات مطلقا، فالمرجع‌

____________

(1) الوسائل، الباب 47 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

124

تنجّس منهم (1).

مسألة 67: إذا اختضب بالحنّاء النجس ثمّ غسله و بقي أجزاء صغار منه في الشيب يطهر الشيب و ظاهر تلك الأجزاء بل و باطنها إذا وصل إليه الماء بشرائطه (2) و لا عبرة باللون الباقي منه (3).

مسألة 68: السواد المنجمد تحت الجلد أو الأظفار إن علم بكونه في الأصل دما فهو نجس إلّا أن يعلم باستحالته و إن لم يعلم بكونه دما فهو على أصل الطهارة (4).

مسألة 69: إذا مشى على أرض بعضها نجس و بعضها طاهر ثمّ وجد طينا أو رطوبة في رجله أو نعله فهو محكوم بالطهارة إلّا أن يعلم بكونه من القطعة النجسة. (5)

____________

استصحاب النجاسة.

1- لعدم الدليل، و أمّا هو بنفسه فيحرم عليه لحرمة أكل المتنجّس، و أمّا إعلام الغير فيما يكون معاشرا فلا يلزم إذ مع الشكّ يستصحب الطهارة و مع العلم بالنجاسة يطهّر ما علم بنجاسته.

(2) لتحقّق مقتضى التطهير و عدم المانع.

(3) لعدم وجود الموضوع عند العرف و إن كان باقيا عقلا لاستحالة بقاء العرض بلا معروضه و انفكاكه عنه.

(4) كما هو ظاهر و كذلك ما أفاده بعده فلا يحتاج إلى الشرح و يتعرّض الماتن لكون الاستحالة من المطهّرات.

(5) لأنّ الشبهة موضوعية و مقتضى القاعدة الطهارة.

125

مسألة 70: إذا كان إناءان في أحدهما دبس و في أحدهما خلّ فأخذ منهما و مزجهما في إناء ثالث ثمّ وجد في الممزوج ذرق الفأرة فإن لم يعلم بكونه من أحدهما لم يلزم الاجتناب منهما و كذا لو علم بكونه من أحدهما و لكن كان الدبس جامدا (1).

أمّا لو كان الدبس مائعا في هذه الصورة لزم الاجتناب عن كلا الإنائين (2).

____________

(1) لعدم المقتضي للاجتناب فإنّ استصحاب الطهارة جار في كليهما و كذا فيما لو كان أحدهما يابسا فإنّ الأصل في كليهما بلا مانع.

(2) للعلم الإجمالي فيتعارض الأصلان الجاريان فيهما و بعد التساقط يلزم الاجتناب عن كليهما، هذا حسب ما حقّقه القوم في هذا المقام.

و لكن الذي اختلج ببالي القاصر في هذا البحث خلاف ما بنوا عليه و هو أنّه لا مانع من جواز ارتكاب أحد الطرفين بشرط الاجتناب عن الآخر إلى الأبد.

بيان ذلك: أنّه لا قصور في شمول أدلّة البراءة أو الطهارة للأطراف إلّا من جهة تجويز المخالفة القطعية و هو غير ممكن لأنّ مرجعه إلى تحريم شي‌ء و تحليله و بطلانه ظاهر، و حيث إنّه لا مرجّح لأحد الطرفين يسقط الأصل في كليهما فلا معذر للارتكاب فيلزم الاجتناب عنهما و حيث إنّ المانع عقلي نرفع اليد عن الدليل بمقدار اللازم، و أمّا الزائد فلا وجه له. و من الواضح أنّه لا مانع من تحليل أحد الطرفين مشروطا بهذا الشرط فنلتزم به بلا محذور‌

126

..........

____________

فيه.

إن قلت: لو ترك المكلّف ارتكاب كلا الإنائين إلى الأبد فشرط جواز الارتكاب حاصل بالنسبة إلى كليهما فيلزم جواز كليهما فيعود المحذور و هو تجويز المخالفة القطعية.

قلت: المشروط بحصول شرطه لا يصير مطلقا فالجواز في كليهما متحقّق لكن مشروطا و نظير ذلك ما بنينا عليه في المتزاحمين فإنّ ترك كلّ واحد شرط في وجوب الآخر فلو ترك كليهما لا يلزم الأمر بالجمع بينهما كي يقال إنّه أمر بغير مقدور و هذا ظاهر عند التأمّل فتأمّل.

127

في النجاسات

128

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

129

[الأوّل و الثاني: البول و الغائط]

فصل في النجاسات و هي عشرة: الأوّل و الثاني: البول و الغائط من الحيوان الغير المأكول اللحم ذي النفس السائلة (1).

____________

(1) على المشهور بل نقل عن المعتبر و المنتهى إجماع العلماء كافّة عدا شاذ من العامّة على نجاسة البول و الغائط من حيوان لا يؤكل لحمه إذا كان له نفس سائلة و يدلّ على نجاسة البول جملة من النصوص، منها: ما عن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن البول يصيب الثوب قال: اغسله مرّتين (1).

و منها ما رواه عبد اللّه بن سنان قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): اغسل ثوبك من أبواب ما لا يؤكل لحمه (2). إلى غير ذلك من الروايات الواردة في الباب الأوّل من أبواب النجاسات و غيره، هذا كلّه في البول.

و أمّا الغائط فيدلّ على نجاسته إذا كان من الآدمي، الأخبار الواردة في الاستنجاء، منها: ما عن إبراهيم بن أبي محمود قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول في الاستنجاء يغسل ما ظهر منه على الشرج و لا يدخل فيه الانملة (3).

و منها: ما عن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: إنّما عليه أن يغسل ما ظهر منها يعني المقعدة، و ليس عليه أن يغسل باطنها (4)

____________

(1) الوسائل، الباب 1 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(2) الوسائل، الباب 8 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(3) الوسائل، الباب 29 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 1.

(4) الوسائل، الباب 29 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 2.

130

..........

____________

و أمّا ما يخرج من غير الآدمي فيدلّ على نجاسته ما عن عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن الدجاجة و الحمامة و أشباههما تطأ العذرة ثمّ تدخل في الماء يتوضّأ منه للصلاة؟ قال: لا، إلّا أن يكون الماء كثيرا قدر كرّ من ماء (1)، بناء على أنّ لفظ العذرة لا يكون مخصوصا بعذرة الإنسان كما هو ليس ببعيد، بل يظهر من كلام أهل اللغة عدم الاختصاص فعن صاحب القاموس و الصحاح تفسير الخرء بالعذرة، و يؤيّد المدّعى ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يصلّي و في ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو كلب أ يعيد صلاته؟

قال: إن كان لم يعلم فلا يعيد (2)، حيث إنّه أطلق العذرة على خرء غير الإنسان فلو ثبت أنّ العذرة اسم لخرء ما يكون أعمّ من الإنسان يتمّ الأمر و لكن صحيح زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل وطئ على عذرة فساخت رجله فيها أ ينقض ذلك وضوءه و هل يجب عليه غسلها؟ فقال: لا يغسلها إلّا أن يقذرها و لكنّه يمسحها حتّى يذهب أثرها و يصلّي (3). يعارض رواية عليّ بن جعفر و الترجيح بالأحدثية مع حديث ابن جعفر.

____________

(1) الوسائل، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 4.

(2) الوسائل، الباب 40 من أبواب النجاسات، الحديث 5.

(3) الوسائل، الباب 10 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 1.

131

سواء كان حرمة لحمه بالأصل أو لعارض كالجلّال و الموطوء (1).

هذا إذا لم يكن طائرا

____________

(1) ما دلّ على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه يشمل ما كان حرمة أكل لحمه لعارض كقوله (عليه السلام): «اغسل ثوبك من أبواب ما لا يؤكل لحمه» كما أنّ ما دلّ على طهارة بول بعض الحيوانات بالخصوص يشمل ما حرم أكله لعارض كالمرويّ عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ألبان الإبل و البقر و الغنم و أبوالها و لحومها؟ فقال: لا توض منه إن أصابك منه شي‌ء أو ثوبا لك فلا تغسله إلّا أن تتنظّف، قال: و سألته عن أبوال الدواب و البغال و الحمير فقال: اغسله فإن لم تعلم مكانه فاغسل الثوب كلّه فإن شككت فانضحه (1). فيقع التعارض بين الدليلين بالعموم من وجه. و لقائل أن يقول يقدم دليل الحرمة إذ المقرّر في محلّه تقدّم الدليل المتعرّض للعنوان الثانوي على الدليل المتعرّض للعنوان الأوّلي و عنوان الموطوء و الجلل عنوان ثانوي.

و يرد على التقريب المذكور أنّ المقام غير داخل في تلك الكبرى إذ الدليل المتعرض لنجاسة بول محرّم الأكل أو خرئه لا يكون واردا في خصوص الموطوء أو الجلال بل الموضوع فيه عنوان محرّم الأكل و هذا العنوان له فردان أحدهما بالأصالة و الثاني بالعارض فلا يتمّ التقريب.

لكن يمكن إثبات المدّعى بتقريب آخر، لاحظ ما رواه عمّار عن أبي‌

____________

(1) الوسائل، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 5.

132

..........

____________

عبد اللّه (عليه السلام) قال: كلّ ما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه (1). فإنّ المستفاد من الحديث إعطاء ضابطة كلّية و هو التفصيل بين مأكول اللحم و غيره، فالأوّل لا بأس بما يخرج منه، و الثاني فيه البأس.

و لاحظ ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل يمسّه بعض أبوال البهائم أ يغسله أم لا؟ قال: يغسل بول الحمار و الفرس و البغل، فأمّا الشاة و كلّ ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله (2).

و التقريب هو التقريب، و لاحظ ما رواه أبو البختري عن جعفر عن أبيه أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا بأس ببول ما أكل لحمه (3).

و لاحظ ما رواه زرارة أنّهما قالا: لا تغسل ثوبك من بول شي‌ء يؤكل لحمه (4). فإنّ المستفاد من الحديث أنّ الميزان في الطهارة حلّية الأكل.

و لاحظ ما رواه العلّامة في المختلف نقلا من كتاب عمّار بن موسى عن الصادق (عليه السلام) قال: خرء الخطاف لا بأس به هو ممّا يؤكل لحمه، و لكن كره أكله لأنّه استجار بك و آوى إلى منزلك و كلّ طير يستجير بك فأجره (5).

و يمكن الاستدلال على المدّعى بما رواه ابن بكير قال: سأل زرارة أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصلاة في الثعالب و الفنك و السنجاب و غيره من الوبر‌

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 12.

(2) الوسائل، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 9.

(3) نفس الباب، الحديث 17.

(4) نفس الباب، الحديث 4.

(5) نفس الباب، الحديث 20.

133

..........

____________

فأخرج كتابا زعم أنّه إملاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ الصلاة في وبر كلّ شي‌ء حرام أكله فالصلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و كلّ شي‌ء منه فاسد لا تقبل تلك الصلاة حتّى يصلّي في غيره ممّا أحلّ اللّه أكله، ثمّ قال: يا زرارة هذا عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاحفظ ذلك يا زرارة فإن كان ممّا يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و بوله و شعره و روثه و ألبانه و كلّ شي‌ء منه جائز إذا علمت أنّه ذكي قد ذكّاه الذبح و إن كان غير ذلك ممّا قد نهيت عن أكله و حرم عليك أكله فالصلاة في كلّ شي‌ء منه فاسد ذكّاه الذبح أو لم يذكّه (1).

فإنّ المستفاد من الحديث بوضوح أنّ الميزان في الطهارة و النجاسة حلّية الأكل و حرمته، اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ المستفاد من هذه الرواية التفريق بين النوعين في جواز الصلاة في قسم منها و عدم الجواز في القسم الآخر، و أمّا الطهارة و النجاسة فلا تعرّض لهما في الحديث فتأمّل.

و صفوة القول في هذا المقام: أنّ المستفاد من حديث ابن بكير أنّ الحيوان الذي حرم أكله أعمّ من أن يكون بالأصالة أو بالعرض يكون بوله و روثه نجسا، و أمّا الحيوان الذي يكون محلّل الأكل و لم يصر محرّما بالعارض يكون بوله و روثه طاهرا بالسيرة القطعية المتّصلة بزمنهم (عليهم السلام) فلا مجال للعمل ببعض النصوص الدالّة على نجاسة ما يخرج عن البغل مثلا و نتكلّم حول هذه المسألة مفصّلا عن قريب إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) الوسائل، الباب 2 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 1.

134

و أمّا الطائر الغير المأكول ففي نجاسة بوله و خرئه إشكال (1).

____________

(1) منشأه تعارض الروايات و ذهاب المشهور إلى النجاسة، و لكن المحكيّ عن الجعفي و العماني و الصدوق في الفقيه و الشيخ في المبسوط هو الطهارة مع استثناء الأخير بول الخشاف عن الكلّية.

و يدلّ على الطهارة ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كلّ شي‌ء يطير فلا بأس ببوله و خرئه (1) و يقع التعارض بين هذه الرواية و ما يدلّ على نجاسة مدفوع محرم الأكل، لكن الظاهر من دليل الطهارة أنّ عنوان الطيران له دخل في طهارة البول و الخرء فلو اختصّ هذا الدليل بالطائر المأكول يكون وصف الطيران لغوا و ليس الأمر في طرف العكس كذلك كما هو ظاهر و هذا يوجب ترجيح دليل الطهارة على دليل النجاسة و قول الصادق (عليه السلام) في رواية عمّار (2) «خرء الخطاف لا بأس به هو ممّا يؤكل لحمه» لا ينافي هذا المعنى إذ لا مانع من اجتماع أمرين في الخطاف كلّ منهما يوجب طهارة خرئه، مضافا إلى أنّه يمكن أن يكون حرمة الأكل مقتضيا للنجاسة و وصف الطيران مانعا فما دام لم يكن المقتضي موجودا لا ينسب عدم المعلول إلى وجود المانع بل ينسب إلى عدم المقتضي، هذا في غير الخشاف.

و أمّا فيه فقد روى داود الرقي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن بول الخشاشيف يصيب ثوبي فأطلبه فلا أجده، قال: اغسل ثوبك (3)، و لكن‌

____________

(1) الوسائل، الباب 10 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

(2) تقدّم في ص 132.

(3) الوسائل، الباب 10 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

135

و أمّا المأكول اللحم فبوله و خرئه طاهر و لو كان ذا نفس سائلة (1).

____________

الرواية ضعيفة مضافا إلى معارضتها بخبر غياث عن جعفر عن أبيه قال: لا بأس بدم البراغيث و البق و بول الخشاشيف (1)، فلا وجه لنجاسة بوله و لا سيّما أنّه ليس له نفس سائلة حسب الاختبار، و أضف إلى ذلك نقل الإجماع على عدم نجاسة بول ما لا نفس له.

و صفوة القول أنّه لو فرض اعتبار كلا الخبرين تكون النتيجة الطهارة إذ لا نميز الأحدث عن القديم فتجري قاعدة الطهارة.

1- نقل الإجماع عليه عن الخلاف و الناصريات و التذكرة و البيان، و يدلّ عليه جملة من النصوص، منها: ما رواه زرارة (2) و ما عن عمّار بن موسى (3) فإنّه يفهم من كلامه قاعدة كلّية، و ما عن عمّار (4) إلى غير ذلك من الروايات.

إنّما الكلام في حكم البول و الروث من الحمير و البغل و الفرس لاختلاف الروايات فيها و المشهور طهارة ما يخرج منها، و نقل عن ابن الجنيد و الشيخ في النهاية القول بالنجاسة.

و كيف كان فلا بدّ من ملاحظة الأخبار و استفادة الحكم منها، و حيث إنّ الأخبار الواردة مختلفة من حيث بيان حكم البول و الروث فنتكلّم في مقامين:

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 5.

(2) تقدّم في ص 132.

(3) تقدّم في ص 131.

(4) تقدّم في ص 132.

136

..........

____________

المقام الأوّل: في حكم بولها، فنقول: أمّا بول الحمير فيدلّ على نجاسته ما عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا بأس بروث الحمر و اغسل أبوالها (1). و ما رواه محمّد بن مسلم (2) و في قبال هذه الروايات ما يدلّ على طهارة بول الحمير و هو ما رواه معلّى بن خنيس و عبد اللّه بن أبي يعفور، قالا:

كنّا في جنازة و قدّامنا حمار فبال فجاءت الريح ببوله حتّى صكّت وجوهنا و ثيابنا فدخلنا على أبي عبد اللّه فأخبرناه، فقال: ليس عليكم بأس (3)، و الحديث ضعيف سندا.

و أمّا بول البغل و الفرس فيدلّ على نجاسته ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه (4) إلى غير ذلك من الروايات الدالّة على نجاسة بول هذه الثلاثة و ليس في قبالها ما يدلّ على الطهارة خصوصا.

نعم، في المقام ما يدلّ بعمومه على طهارة بول هذه الثلاثة و هو ما رواه الصدوق بإسناده عن أبي الأغرّ النخّاس قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّي أعالج الدواب فربما خرجت بالليل و قد بالت وراثت فيضرب أحدها برجله أو يده فينضح على ثيابي فأصبح فأرى أثره فيه، فقال: ليس عليك شي‌ء (فقال: لا بأس به) (5).

____________

(1) الوسائل، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

(2) تقدّم في ص 131.

(3) الوسائل، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 14.

(4) تقدّم في ص 132.

(5) الوسائل، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

137

و الخفّاش من غير المأكول (1) و الخطاف من المأكول (2).

____________

و لا يستشكل في الرواية بضعف أبي الأغرّ فإنّ اسناد الصدوق على ما في المشيخة إلى أبي الأغرّ بابن أبي عمير و روايته كاف في كون المرويّ عنه ثقة لكن رجعنا عن هذه المقالة و قلنا كون الراوي ابن أبي عمير لا يدلّ على وثاقة المروي عنه فلا بدّ من الالتزام بالنجاسة، إلّا أن يقال: كيف يمكن الالتزام بالنجاسة مع أنّها خلاف ارتكاز أهل الشرع و خلاف السيرة الجارية.

هذا كلّه ما يرجع الى المقام الأوّل.

و أمّا المقام الثاني، فنقول: تدلّ على نجاسة أرواث هذه الثلاثة حديث ابن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الثوب يقع في مربط الدابّة على بولها و روثها كيف يصنع؟ قال: إن علق به شي‌ء فليغسله و إن كان جافّا فلا بأس (1)، و حيث إنّه لا دليل على طهارته بالخصوص فيؤخذ به، مضافا إلى ما ورد في نجاسة مطلق العذرة لو قلنا بشمولها للروث و إن كان بعيدا فتأمّل.

1- لكنّه من الطيور، و الطيور لا بأس ببولها و خرئها.

(2) لدلالة قوله (عليه السلام) في رواية عمّار (2) عليه.

هذا كلّه بالنسبة إلى ذي النفس، و أمّا ما لا نفس له فاستدلّ على طهارة ما يخرج منه بعدم الخلاف و أصالة الطهارة و بلزوم الحرج و بأنّ ميتته طاهرة‌

____________

(1) الوسائل، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 21.

(2) تقدّم في ص 131.

138

..........

____________

فبوله و خرئه أيضا طاهر كعصارة النباتات و الكلّ كما ترى، أمّا الإجماع فمع هذه الوجوه المذكورة كيف يعتمد عليه، و أمّا قاعدة الطهارة فلو تمّ الدليل على النجاسة لا مجال لجريانها، و أمّا الحرج فيوجب رفع اليد عن الحكم في مورده و لا اختصاص له بالمقام، و أمّا قياسه بالميتة فلا وجه له عندنا فإنّه مخصوص بغيرنا.

لكن يمكن أن يقال: إنّ دليل نجاسة البول لا يشمل بول ما لا نفس له من الحيوان فالمقتضي من الأوّل قاصر، فتأمّل.

و أمّا القول بأنّ الدالّ على نجاسة البول منصرف إلى بول الإنسان فكلام بلا دليل، أضف إلى ذلك ما رواه حفص بن غياث عن جعفر بن محمّد عن أبيه (عليهما السلام) قال: لا يفسد الماء إلّا ما كانت له نفس سائلة (1)، فإنّ المستفاد من الحديث أنّ ما لا نفس له لا يكون نجسا.

اللهمّ إلّا أن يقال: المستفاد من الحديث أنّ ما لا نفس له بنفسه لا ينجس و تقدير شي‌ء يضاف إليه خلاف الظاهر.

و أمّا رجيع ما لا نفس له فالإنصاف أنّ دليل النجاسة منصرف عنه، مضافا إلى أنّ عمدة الدليل هو الإجماع المفقود في المقام بل هو قائم على طهارته.

____________

(1) الوسائل، الباب 35 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

139

[الثالث: المني من الحيوان ذي النفس]

الثالث: المني من الحيوان ذي النفس سواء كان حراما أو حلالا دون غير ذي النفس فإنّ منيه طاهر و لو كان حرام الأكل (1).

____________

(1) يقع الكلام تارة في حكم مني الآدمي، و أخرى في مني غيره من الحيوان ذي النفس السائلة، فهنا مسألتان:

المسألة الأولى: في حكم مني الآدمي، ادّعي كما في الحدائق عدم الخلاف في نجاسته و يدلّ عليه جملة من النصوص، منها: ما رواه سماعة قال: سألته عن المني يصيب الثوب، قال: اغسل الثوب كلّه إذا خفي عليك مكانه قليلا كان أو كثيرا (1). و منها ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

إذا احتلم الرجل فأصاب ثوبه شي‌ء فليغسل الذي أصابه فإن ظنّ أنّه أصابه شي‌ء و لم يستيقن و لم ير مكانه فلينضحه بالماء و إن استيقن أنّه قد أصابه مني و لم ير مكانه فليغسل ثوبه كلّه فإنّه أحسن (2). و مثلهما في الدلالة على النجاسة غيرهما و في قبالها ما ينافيها و هو ما رواه زيد الشحّام أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الثوب يكون فيه الجنابة فتصيبني السماء حتّى يبتلّ عليّ، فقال: لا بأس به (3). و ما رواه زرارة قال: سألته عن الرجل يجنب في ثوبه أ يتجفّف فيه من غسله؟ فقال: نعم لا بأس به إلّا أن تكون النطفة فيه رطبة فإن كانت جافّة فلا بأس (4). و مقتضى الصناعة التفصيل بين كونه يابسا‌

____________

(1) الوسائل، الباب 16 من أبواب النجاسات، الحديث 5.

(2) نفس المصدر، الحديث 4.

(3) نفس المصدر، الحديث 7.

(4) الوسائل، الباب 27 من أبواب النجاسات، الحديث 7.

140

..........

____________

و رطبا و الالتزام بالطهارة في الصورة الأولى و النجاسة في الثانية، إلّا أن يقال: إنّ التفصيل خلاف ارتكاز أهل الشرع.

المسألة الثانية: في مني غير الآدمي من ذي النفس السائلة، فنقل عن التذكرة الإجماع على نجاسته، أضف إلى ذلك أنّ إطلاق لفظ المني الوارد في بعض النصوص يقتضي نجاسة مطلقة. و لقائل أن يقول: يشكل الجزم بنجاسة مني غير الإنسان إذ مقتضى إطلاق دليل نجاسة المني كما تقدّم نجاسة مني غير الإنسان و مقتضى حديث عمّار (1) طهارة مني ما يؤكل من الحيوان كالبقر مثلا فيقع التعارض بالعموم من وجه بين الدليلين. فالنتيجة طهارة مني الحيوان المأكول، فاللازم التفصيل بين محرم الأكل و محلّله.

و صفوة القول: أنّ الأحدث من المتعارضين غير معلوم فيدخل المقام في كبرى اشتباه الحجّة بغيرها و تصل النوبة إلى قاعدة الطهارة، إلّا أن يتمّ الحكم بالنجاسة بالإجماع.

____________

(1) تقدّم في ص 131.

141

[الرابع: الميتة من الحيوان ذي النفس و أجزائه التي تحلّها الحياة]

الرابع: الميتة من الحيوان ذي النفس و أجزائه التي تحلّها الحياة سواء انفصلت منه بعد الموت أو حال حياته. نعم، لا بأس بالقشور المنفصلة من الشفة و من رأس الأقرع و بدن الأجرب و من الدماميل عند برئها و لا بما في أصول الشعور المنفصلة من اللحية و الرأس عند الوضوء و التمشّط مثلا و كذا فارة المسك المنفصلة من الظبي الحيّ أمّا المنفصلة من الميّت ففيه إشكال. نعم، المأخوذة من يد المسلم محكومة بالطهارة إلّا أن يعلم بكونها من الميّت و لا بأس بما لا تحلّه الحياة من الحيوان كالقرن و العظم و الشعر و غيرها كما لا بأس بالبيض الخارج من الدجاجة الميتة و غيرها إذا اكتسى القشر الأعلى و لو كان من حرام الأكل. نعم، لو لاقى رطوبة الميتة لزم غسله من تلك الرطوبة حتّى في المأكول على الأحوط و لا يترك الاحتياط في الإنفحة و اللبن في الضرع خصوصا في غير المأكول (1).

____________

(1) في المقام فروع:

الفرع الأوّل: إنّ الميتة من الحيوان ذي النفس نجس و لا إشكال في الحكم المذكور و لا كلام بينهم، بل ادّعى أنّ نجاسة الميتة من ضروريّات المذهب، بل من ضروريات الدين هكذا نقل عن الجواهر.

و كيف كان استدلّ على المدّعى بطوائف من النصوص:

الطائفة الأولى: ما دلّ على نزح ماء البئر بموت جملة من الحيوانات،

142

..........

____________

منها ما رواه عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إن سقط في البئر دابّة صغيرة أو نزل فيها جنب نزح منها سبع دلاء فإن مات فيها ثور أو صبّ فيها خمر نزح الماء كلّه (1).

و تقريب الاستدلال بهذه الطائفة، نجاسة ماء البئر بوقوع الميتة فيه فتكون الميتة نجسة.

إن قلت: بناء الأصحاب على عدم انفعال ماء البئر، قلت: نرفع اليد عن دلالة النصوص على نجاسة ماء البئر، و أمّا بالنسبة إلى كون الميتة فلا نرفع اليد عن النصوص.

و لقائل أن يقول: إنّ مجرّد الأمر بالنزح لا يدلّ على النجاسة و لذا نرى قد أمر بالنزح بورود الجنب في ماء البئر مع أنّ بدن الجنب لا يكون نجسا، لاحظ ما رواه عبد اللّه بن سنان. و يرد عليه: أنّه ترفع اليد عن الدليل في مورد القطع بالخلاف.

الطائفة الثانية: ما يدلّ على نجاسة الماء بملاقاة الميتة.

منها: ما رواه حريز بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: كلّما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضّأ من الماء و اشرب فإذا تغيّر الماء و تغيّر الطعم فلا توضّأ منه و لا تشرب (2).

الطائفة الثالثة: النصوص الدالّة على حرمة أكل ما وقعت فيه الميتة، منها:

____________

(1) الوسائل، الباب 15 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1.

(2) الوسائل، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1.

143

..........

____________

ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فإن كان جامدا فالقها و ما يليها و كل ما بقي، و إن كان ذائبا فلا تأكله و استصبح به و الزيت مثل ذلك (1).

الطائفة الرابعة: ما يدلّ على النهي عن الأكل في آنية أهل الكتاب إذا كانوا يأكلون فيه الميتة، منها: ما رواه محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال:

سألته عن آنية أهل الكتاب، فقال: لا تأكلوا في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيه الميتة و الدم و لحم الخنزير (2).

الطائفة الخامسة: ما يدلّ على عدم جواز الصلاة في الميتة، لاحظ ما رواه محمّد بن مسلم قال: سألته عن الجلد الميّت أ يلبس في الصلاة إذا دبغ؟

قال: لا و لو دبغ سبعين مرّة (3). فإنّ دلالة الحديث على كون المنع من جهة النجاسة واضحة و لذا لا أثر للدبغ.

الطائفة السادسة: ما يدلّ على فساد الماء بوقوع ما له النفس فيه، لاحظ ما رواه عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن الخنفساء و الذباب و الجراد و النملة و ما أشبه ذلك يموت في البئر و الزيت و السمن و شبهه، قال:

كلّ ما ليس له دم فلا بأس (4).

الفرع الثاني: أنّ الجزء المبان من الميتة نجس، و هذا ظاهر واضح فإنّ‌

____________

(1) الوسائل، الباب 5 من أبواب الماء المضاف، الحديث 1.

(2) الوسائل، الباب 54 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 6.

(3) الوسائل، الباب 1 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 1.

(4) الوسائل، الباب 35 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

144

..........

____________

العرف يفهم من الدليل الدالّ على النجاسة عدم الفرق بين الاتّصال و الانفصال.

الفرع الثالث: إنّ الجزء المبان من الحيّ نجس و يدلّ على المدّعى ما رواه محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ما أخذت الحبالة من صيد فقطعت منه يدا أو رجلا فذروه فإنّه ميّت و كلوا ما أدركتم حيّا و ذكرتم اسم اللّه عليه (1). فإنّ المستفاد من الحديث أنّ الجزء المبان من الحيّ ميتة.

الفرع الرابع: أنّه لا بأس بالقشور و غيرها من المذكورات في المتن و عمدة الدليل على المدّعى السيرة الجارية على طهارة المذكورات، كما أنّ ارتكاز أهل الشرع كذلك و أنّه لو كان الاجتناب عنها لازما لشاع و ذاع و الحال أنّ خلافه مركوز. و أمّا حديث عليّ بن جعفر أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل يكون به الثالول أو الجرح هل يصلح له أن يقطع الثالول و هو في صلاته أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح و يطرحه؟ قال:

إن لم يتخوّف أن يسيل الدم فلا بأس و إن تخوّف أن يسيل الدم فلا يفعله (2).

فلا يمكن الاستدلال به على الحكم، فإنّ المستفاد منه حكم حيثي. و بعبارة أخرى لا يكون الحديث في مقام بيان طهارة المنتوف، فلاحظ.

الفرع الخامس: أنّ فأرة المسك المنفصلة عن الحيّ طاهرة و ما يمكن أن‌

____________

(1) الوسائل، الباب 24 من أبواب الصيد، الحديث 1.

(2) الوسائل، الباب 63 من أبواب النجاسات.

145

..........

____________

يذكر في وجهها أمور:

منها: الإجماع، و يرد عليه أنّه محتمل المدرك مضافا إلى وجود الخلاف فإنّه نقل عن كشف اللثام الحكم بالنجاسة مطلقا، و نقل عن العلّامة في المنتهى القول بالتفصيل بين المأخوذ من الحيّ و بين المأخوذ من الميّت.

و منها: أنّ الحكم بطهارة المسك يستلزم طهارة الجلدة و فيه أنّه لا ملازمة بينهما فإنّ المسك يابس فلا ينجس بالملاقاة، مضافا إلى أنّ غاية ما يستفاد منه أنّ المسك لا ينجّس بملاقاتها فيكون تخصيصا في أدلّة التنجيس.

و منها: أنّ الجلدة ممّا لا تحلّه الحياة و يردّه أنّ الجلدة كيف لا تحلّها الحياة. نعم، يمكن أن يكون عند السقوط ميّتا و هذا غير مؤثّر في رفع النجاسة.

و منها: ما رواه عليّ بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن فارة المسك تكون مع من يصلّي و هي في جيبه أو ثيابه، فقال: لا بأس بذلك (1).

بتقريب أنّه لو كانت الفأرة نجسة لما أجاب (عليه السلام) بعدم البأس.

و يرد عليه أوّلا: أنّ نفي البأس عن الصلاة معها أعمّ من الطهارة.

و ثانيا: أنّ هذه الرواية مقيّدة بخبر عبد اللّه بن جعفر قال: كتبت إليه يعني أبا محمّد (عليه السلام): يجوز للرجل أن يصلّي و معه فارة المسك؟ فكتب: لا بأس به إذا كان ذكيّا (2).

____________

(1) الوسائل، الباب 41 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 1.

(2) الوسائل، الباب 41 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 2.

146

..........

____________

فإنّ الظاهر من هذه الرواية أنّ الشرط في الجواز كونها مأخوذة من الظبي المذكّى فإنّ كلمة الظبي و إن لم يكن مذكورا في الكلام لكن العرف بالمناسبات المغروسة في ذهنه من اختصاص التذكية بالحيوان يفهم هذا المعنى. و عليه لا بدّ من التفصيل بين ما يؤخذ من الظبي المذكّى فيحكم بطهارته و بين ما يؤخذ من غير المذكّى فيحكم بنجاسته أعمّ من أن يكون مأخوذا من الميّت أو يكون مأخوذا من الحيّ.

فالنتيجة: أنّ الفأرة المأخوذة من الحيوان الميّت الذي ذبح على طريق شرعي طاهرة، و أمّا المأخوذة من الميتة أو من الحيّ ففي طهارتها إشكال.

نعم، إذا أخذت من يد المسلم يحكم بطهارتها كما هو المقرّر إذ المأخوذ من يده أمارة التذكية، هذا فيما لم يعلم أنّها مأخوذة من الحيّ أو الميّت أو المذبوح بطريق شرعي.

الفرع السادس: أنّه لا بأس بما لا تحلّه الحياة ادّعى على طهارته عدم الخلاف كما في الحدائق، و تدلّ على طهارته جملة من النصوص، منها: ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا بأس بالصلاة فيما كان من صوف الميتة، إنّ الصوف ليس فيه روح (1). فإنّه يستفاد من هذه الرواية أنّ كلّما ليس فيه روح لا يترتّب عليه حكم الميتة.

و منها: ما عن حسين بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: الشعر و الصوف‌

____________

(1) الوسائل، الباب 68 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

147

..........

____________

و الريش و كلّ نابت لا يكون ميّتا (1).

و منها: ما رواه حريز قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) لزرارة و محمّد بن مسلم:

اللبن و اللباء و البيضة و الشعر و الصوف و القرن و الناب و الحافر و كلّ شي‌ء يفصل من الشاة و الدابّة فهو ذكيّ و إن أخذته منه بعد أن يموت فاغسله و صلّ فيه (2).

و منها: ما رواه زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الإنفحة تخرج من الجدي الميّت قال: لا بأس به، إلى أن قال: قلت: و الصوف و الشعر و عظام الفيل و الجلد و البيض يخرج من الدجاجة؟ فقال: كلّ هذا لا بأس به (3).

و رواه الصدوق بإسناده عن الحسن بن محبوب بإسقاط لفظ الجلد إلى غير ذلك من الروايات.

الفرع السابع: أنّه لا بأس بالبيض الخارج من الدجاجة الميّتة، لاحظ جملة من الأحاديث:

منها: ما رواه أبو حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث: أنّ قتادة قال له: أخبرني عن الجبن، فقال: لا بأس به، فقال: إنّه ربّما جعلت فيه أنفحة الميّت، فقال: ليس به بأس أنّ الإنفحة ليس لها عروق و لا فيها دم و لا لها عظم إنّما تخرج من بين فرث و دم و إنّما الإنفحة بمنزلة دجاجة ميّتة‌

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 4.

(2) الوسائل، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 3.

(3) نفس المصدر، الحديث 10.

148

..........

____________

أخرجت منها بيضة فهل تأكل تلك البيضة؟ قال قتادة: لا، و لا آمر بأكلها، قال أبو جعفر (عليه السلام): و لم؟ قال: لأنّها من الميتة، قال: فإن حضنت تلك البيضة فخرجت منها دجاجة أ تأكلها؟ قال: نعم، قال: فما حرّم عليك البيضة و أحلّ لك الدجاجة، ثمّ قال: فكذلك الإنفحة مثل البيضة فاشتر الجبن من أسواق المسلمين من أيدي المصلّين و لا تسأل عنه إلّا أن يأتيك من يخبرك عنه (1).

و منها: ما رواه يونس عنهم (عليهم السلام) قالوا: خمسة أشياء ذكية ممّا فيه منافع الخلق: الإنفحة و البيض و الصوف و الشعر و الوبر، و لا بأس بأكل الجبن كلّه ما عمله مسلم و غيره و إنّما كره أن يؤكل سوى الإنفحة ممّا في آنية المجوس و أهل الكتاب لأنّهم لا يتوقّون الميتة و الخمر (2)

و منها: ما رواه حسين بن زرارة قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) و أبي يسأله عن السنّ من الميتة و البيضة من الميتة و أنفحة الميتة، فقال: كلّ هذا ذكيّ، قال: قلت: فشعر الخنزير يجعل حبلا يستقى به من البئر التي يشرب منها أو يتوضّأ منها فقال: لا بأس به (3).

و منها: ما رواه حريز (4).

و أمّا اشتراط اكتساء القشر الأعلى فيدلّ عليه حديث غياث بن إبراهيم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في بيضة خرجت من است دجاجة ميّتة، قال: إن كانت‌

____________

(1) الوسائل، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 1.

(2) نفس المصدر، الحديث 2.

(3) الوسائل، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 4.

(4) تقدّم في ص 147.

149

..........

____________

اكتست البيضة الجلد الغليظ فلا بأس بها (1). أضف إلى ذلك أنّه لا مقتضي لنجاسة البيضة لأنّها لا تكون من أجزاء الميتة، و أمّا لزوم غسلها عند الملاقاة مع الميتة فعلى القاعدة و لا فرق فيما ذكر بين محلّل الأكل و محرمه لإطلاق النصوص.

الفرع الثامن: أنّه يلزم الاحتياط في الإنفحة. أقول: لا إشكال في حسن الاحتياط، لكن مقتضى جملة من النصوص عدم لزومه، لاحظ ما رواه أبو حمزة الثمالي (2)، و ما رواه يونس (3)، و ما رواه حسين بن زرارة (4)، و ما رواه فتح بن يزيد الجرجاني عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: كتبت إليه أسأله عن جلود الميتة التي يؤكل لحمها ذكيّا، فكتب (عليه السلام): لا ينتفع من الميتة بإهاب و لا عصب و كلّما كان من السخال الصوف و إن جزّ و الشعر و الوبر و الإنفحة و القرن و لا يتعدّى إلى غيرها إن شاء اللّه (5).

و ما رواه الصدوق قال: قال الصادق (عليه السلام): عشرة أشياء من الميتة ذكية:

القرن و الحافر و العظم و السنّ و الإنفحة و اللبن و الشعر و الصوف و الريش و البيض (6).

____________

(1) الوسائل، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 6.

(2) تقدّم في ص 147.

(3) تقدّم في ص 148.

(4) تقدّم في ص 146.

(5) الوسائل، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 7.

(6) نفس المصدر، الحديث 9.

150

..........

____________

و ما رواه زرارة (1).

و ما رواه حسين بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: سأله أبي عن الإنفحة تكون في بطن العناق أو الجدي و هو ميّت، قال: لا بأس به (2).

و لا فرق فيما ذكر بين محلّل الأكل و محرمه لإطلاق النصوص و في المعتبر منها كفاية.

الفرع التاسع: أنّه يلزم الاحتياط في اللبن في الضرع. أقول: لا وجه لوجوب الاحتياط مع دلالة النصوص على طهارته، لاحظ ما رواه محمّد بن عليّ بن الحسين (3)، و لاحظ ما رواه زرارة (4)، و ما رواه حريز (5)، و لا يعارضها ما رواه وهب عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) أنّ عليّا (عليه السلام) سئل عن شاة ماتت فحلب منها لبن، فقال عليّ (عليه السلام): ذلك الحرام محضا (6). و السند ضعيف فلا يعتدّ به، مضافا إلى أنّه على فرض غمض العين عن السند يلزم رفع اليد عن النصوص في خصوص الشاة. فالنتيجة عدم الإشكال في اللبن في الضرع.

إن قلت: كيف يمكن الحكم بالطهارة في اللبن مع ملاقاته الضرع الذي يكون من الميتة؟ قلت: التخصيص في الأحكام الشرعية لا يكون عزيزا.

____________

(1) تقدّم في ص 147.

(2) الوسائل، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 12.

(3) تقدّم في ص 149.

(4) تقدّم في ص 147.

(5) تقدّم في ص 147.

(6) الوسائل، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 11.

151

[الخامس: الدم من كلّ حيوان له نفس سائلة]

الخامس: الدم من كلّ حيوان له نفس سائلة و لو كان مأكول اللحم، أمّا ما لا نفس له فدمه طاهر و لو كان حرام الأكل كالسمك و البق و البرغوث. نعم، لا يترك الاحتياط في دم البق حال مصّه من دم الإنسان مثلا و ما كان من غير الحيوان كالخارج من الشجر المعروف يوم عاشوراء أو الموجود تحت الأحجار أو النازل من السماء في تلك الواقعة و ما كان من آيات موسى بن عمران و أمثال ذلك كلّه طاهر، و أمّا العلقة فهي نجسة حتّى الموجودة في البيضة على الأحوط و يستثني من دم الحيوان ما يبقى من الدم في الذبيحة بعد خروج ما يتعارف خروجه بالذبح فإنّه طاهر سواء كان في العروق أو في اللحم أو في القلب أو الكبد. نعم، الموجود منه في الجزء الحرام كالطحال محلّ إشكال، بل الأقوى الاجتناب عن المتخلّف في غير المأكول اللحم مطلقا، كما أنّه لو لم يخرج المقدار المتعارف خروجه من المأكول لكون رأس الذبيحة في مكان عال أو لرجوعه بردّ النفس إلى الجوف أو غير ذلك لا يكون المتخلّف منه طاهرا أيضا و لا يترك الاحتياط في دم الجنين الذي يخرج من بطن المذبوح و إن كان حلالا بذكاة امّه.

مسألة 71: الدم المشتبه كالمردّد بين دم الإنسان و دم البق و البرغوث محكوم بالطهارة كالمردّد بين دم ذي النفس من الحيوان و غيره أيضا إذا لم يكن مسبوقا بالنجاسة.

152

مسألة 72: إذا تردّد الدم بين كونه من الخارج عند الذبح أو من المتخلّف في الذبيحة الأحوط إن لم يكن الأقوى الاجتناب عنه (1).

____________

(1) في المقام فروع:

الفرع الأوّل: أنّ دم الحيوان ذي نفس سائلة نجس، قال في الحدائق:

أجمع الأصحاب عدا ابن الجنيد و ظاهر الصدوق في الفقيه على نجاسة الدم قليله و كثيرة إذا كان من ذي نفس سائلة (1).

و قال في المنتهى على ما نقل عنه قال علمائنا: الدم المسفوح من كلّ حيوان ذي نفس سائلة أي يكون خارجا بدفع من عرق، نجس و هو مذهب علماء الإسلام، و يدلّ على نجاسته ما رواه عمّار الساباطي (2).

و الإشكال في دلالة الرواية بما في بعض الكلمات من أنّ الإمام (عليه السلام) في مقام بيان الحكم الظاهري و الحكم بالطهارة عند الشكّ في وجود الدم بعد مفروغية نجاسته لا في مقام جعل النجاسة للدم فلا يستفاد منه الإطلاق، لا نعلم وجهه فإنّ الحمل على هذا المعنى ممّا لا دليل عليه، فإنّ غاية ما يمكن مساعدته أنّ الحكم ظاهري بقرينة أنّه جعل الغاية فيها الرؤية و لكنّ المقصود يستفاد من ذيلها و هو قوله (عليه السلام): «فإن رأيت في منقاره دما فلا تتوضّأ منه و لا تشرب» فإنّه لا مانع من الأخذ بإطلاق الدم في كلامه (عليه السلام) و الحكم بنجاسة كلّ دم. و تدلّ على المدّعى أيضا ما رواه عبد اللّه بن أبي يعفور في‌

____________

(1) الحدائق: ج 5 ص 39.

(2) تقدّم في ص 122.