الدلائل في شرح منتخب المسائل - ج1

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
742 /
153

..........

____________

حديث قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به ثمّ يعلم فينسى أن يغسله فيصلّي ثمّ يذكر بعد ما صلّى أ يعيد صلاته؟ قال:

يغسله و لا يعيد صلاته إلّا أن يكون مقدار الدرهم مجتمعا فيغسله و يعيد الصلاة (1).

و ما رواه إسماعيل الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال في الدم يكون في الثوب: إن كان أقلّ من قدر الدرهم فلا يعيد الصلاة و إن كان أكثر من قدر الدرهم و كان رآه فلم يغسله حتّى صلّى فليعد صلاته و إن لم يكن رآه حتّى صلّى فلا يعيد الصلاة (2).

و ما رواه جميل بن درّاج مرسلا عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) أنّهما قالا: لا بأس بأن يصلّي الرجل في الثوب و فيه الدم متفرّقا شبه النضح و إن كان قد رآه صاحبه قبل ذلك فلا بأس به ما لم يكن مجتمعا قدر الدرهم (3).

و ما رواه محمّد بن مسلم قال: قلت له: الدم يكون في الثوب عليّ و أنا في الصلاة؟ قال: إن رأيته و عليك ثوب غيره فاطرحه و صلّ و إن لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك و لا إعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم و ما كان أقلّ من ذلك فليس بشي‌ء رأيته قبل أو لم تره و إذا كنت قد رأيته و هو أكثر من مقدار الدرهم فضيّعت غسله و صلّيت فيه صلاة كثيرة‌

____________

(1) الوسائل، الباب 20 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

(2) الوسائل، الباب 20 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(3) نفس المصدر، الحديث 4.

154

..........

____________

فأعد ما صلّيت فيه (1). و لا فرق فيما ذكر بين محلّل الأكل و محرمه.

إن قلت: مقتضى ما دلّ على أنّ الحيوان إذا كان محلّل الأكل لا بأس بما يخرج منه، وقوع التعارض بين الطرفين في دم الحيوان الجلّال كالشاة.

قلت: على فرض تمامية التقريب، نجيب: بأنّ حديث ابن جعفر في كتابه عن أخيه قال: سألته عن الدمل يسيل منه القيح كيف يصنع؟ قال: إن كان غليظا أو فيه خلط من دم فاغسله كلّ يوم مرّتين غدوة و عشية و لا ينقض ذلك الوضوء و إن أصاب ثوبك قدر دينار من الدم فاغسله و لا تصلّ فيه حتّى تغسله (2). يكون متأخّرا و دالّا على نجاسة مطلق الدم.

الفرع الثاني: أنّ دم ما لا نفس له طاهر.

أقول: على القول بأنّ مقتضى الإطلاق في بعض النصوص نجاسة مطلق الدم كما قلنا لا بدّ من التماس دليل يستدلّ به على إخراج دم ما لا نفس له و ما يمكن أن يذكر في وجهه أمور:

الأوّل: الإجماع، و حاله في الإشكال ظاهر.

الثاني: ما دلّ من النصوص على جواز الصلاة في الثوب الذي فيه دم البراغيث، منها؛ ما رواه الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن دم البراغيث يكون في الثوب هل يمنعه ذلك من الصلاة؟ قال: لا و إن كثر (3). و فيه: أنّ غاية ما يستفاد من الحديث و مثله جواز الصلاة في الثوب الكذائي‌

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 6.

(2) نفس المصدر، الحديث 8.

(3) الوسائل، الباب 23 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

155

..........

____________

و لا يستفاد عدم نجاسة دم البرغوث مضافا إلى أنّه حكم خاصّ في مورد مخصوص فلا وجه للتعدّي.

الثالث: ما دلّ على عدم البأس بدم البرغوث على الإطلاق، لاحظ حديث عبد اللّه بن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما تقول في دم البراغيث؟ قال: ليس به بأس، قلت: إنّه يكثر و يتفاحش، قال: و إن كثر ..

الحديث (1).

و لاحظ حديث غياث عن جعفر عن أبيه قال: لا بأس بدم البراغيث و البق و بول الخشاشيف (2). و فيه: أنّه حكم وارد في مورد خاصّ و هو البرغوث و البق و لا وجه للتعدّي.

الرابع: النصوص الدالّة على أنّه لا يفسد الماء ما لا نفس له، منها: ما رواه حفص بن غياث عن جعفر بن محمّد عن أبيه (عليه السلام) قال: لا يفسد الماء إلّا ما كانت له نفس سائلة (3).

و منها: ما رواه عمّار الساباطي (4).

و منها: ما رواه محمّد بن يحيى رفعه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا يفسد الماء إلّا ما كانت له نفس سائلة (5).

____________

(1) الوسائل، الباب 23 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

(2) نفس المصدر، الحديث 5.

(3) الوسائل، الباب 35 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(4) تقدّم في ص 143.

(5) الوسائل، الباب 35 من أبواب النجاسات، الحديث 5.

156

..........

____________

و منها: ما رواه عليّ بن جعفر (عليه السلام) أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن العقرب و الخنفساء و أشباههما يموت في الجرّة أو الدن يتوضّأ منه للصلاة، قال: لا بأس (1).

و منها: ما رواه سماعة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن جرّة وجد فيها خنفساء قد ماتت، قال: ألقها و توضّأ منه و إن كان عقربا فأرق الماء و توضّأ من ماء غيره، الحديث (2). فإنّ المستفاد من هذه الطائفة أنّ ما لا نفس له لا بأس بكلّ شي‌ء منه و منه الدم.

و بعبارة أخرى يمكن الاستدلال على المدّعى بهذه الطائفة مؤيّدا بالإجماع المدّعى بالإضافة إلى السيرة و الارتكاز في أذهان أهل الشرع، أضف إلى ذلك كلّه أنه لو كان نجسا لذاع و شاع لكونه مورد الابتلاء، فلاحظ.

الفرع الثالث: أنّه لا يترك الاحتياط في دم البق حال مصّه دم الإنسان مثلا: أقول المكلّف تارة يعلم بصدق عنوان دم البق حال المصّ و اخرى يعلم بعدم الصدق و ثالثة يشكّ في الصدق و في هذه الصورة تارة يكون منشأ الشكّ الشبهة الموضوعية، و أخرى يكون المنشأ الشبهة المفهومية.

أمّا في صورة العلم بالصدق أو بعدمه فيكون الحكم واضحا، و أمّا في صورة الشكّ فإن كانت الشبهة موضوعية يكون مقتضى الاستصحاب عدم صدق عنوان دم البق على المشكوك فيه و إن كانت مفهومية فأيضا بمقتضى‌

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 6.

(2) الوسائل، الباب 35 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

157

..........

____________

الاستصحاب يحكم بعدم الصدق، و على كلا التقديرين يحكم عليه بالنجاسة.

الفرع الرابع: أنّ ما كان من غير الحيوان محكوم بالطهارة. أقول: الحقّ أنّ مقتضى حديث عمّار (1) نجاسة مطلق الدم و الخروج عن تحت الكلّية موقوف على قيام الدليل عليه.

الفرع الخامس: أنّ العلقة نجسة حتّى الموجودة في البيضة على الأحوط.

و الحقّ أن يقال: إنّها نجسة على الأظهر فإنّ مقتضى حديث عمّار نجاسة مطلق الدم إلّا ما خرج بالدليل و لا دليل على طهارة العلقة.

الفرع السادس: أنّ ما يتخلّف في الذبيحة بعد الذبح طاهر.

أقول: الظاهر أنّه لا خلاف في طهارته كما نقل عن المختلف و كنز العرفان و آيات الجواد. و قال في الحدائق: هو طاهر حلال من غير خلاف و إن شئت قلت: إنّ طهارة دم المتخلّف من الواضحات و أنّه لو كان نجسا لذاع و شاع لكن يشترط في الحكم بالطهارة خروج المقدار المتعارف و هذا على طبق القاعدة فإنّ مقتضى الدليل نجاسة الدم على الإطلاق و المقدار الذي قام الدليل على طهارته المتخلّف في صورة خروج المتعارف.

الفرع السابع: أنّ المتخلّف في الجزء الحرام أو المتخلّف في الحيوان المذبوح إذا كان محرم الأكل لا يحكم بطهارته و الوجه فيه القصور في المقتضي إذ لا دليل لفظي على طهارة الدم المتخلّف كي يؤيّد بإطلاقه‌

____________

(1) تقدّم في ص 122.

158

..........

____________

و المقتضي للنجاسة موجود، فلا بدّ من الاقتصار في الحكم بالطهارة على المقدار المعلوم.

الفرع الثامن: أنّه لا يترك الاحتياط في دم الجنين الذي يخرج من بطن أمّه بعد الذبح و الحقّ أن يقال: الأظهر نجاسته إذ المقتضي للنجاسة موجود و لا يشمله عنوان المتخلّف.

الفرع التاسع: أنّه لو تردّد في دم أنّه من البق أو من الإنسان يحكم بطهارته.

أقول: بل يحكم بنجاسته إذ المفروض أنّ حديث عمّار (1) بإطلاقه يقتضي نجاسة كلّ دم و إنّما الخارج دم البق مثلا، فلو شكّ يحكم بنجاسته إذ كونه دما بالوجدان و عدم كونه من البق بالاستصحاب فيتمّ الأمر.

الفرع العاشر: أنّ الدم إذا تردّد بين كونه من المتخلّف و غيره يحكم بنجاسته و الوجه فيه التقريب المتقدّم.

الفرع الحادي عشر: أنّ دم الجنين نجس و هذا على طبق القاعدة إذ الدم بمقتضى إطلاق حديث عمّار (2) نجس و دم الجنين لا يصدق عليه الدم المتخلّف في الذبيحة.

و إن شئت فقل: لا دليل على خروج دم الجنين، فالمقتضي للنجاسة موجود و المانع مفقود، فلاحظ.

____________

(1) لاحظ ص 122.

(2) لاحظ ص 122.

159

[السادس و السابع: الكلب و الخنزير البريّان]

السادس و السابع: الكلب (1).

____________

(1) بلا خلاف على الظاهر إلّا في بعض الخصوصيّات التي تظهر في ضمن الاستدلال، و تدلّ على المقصود جملة من النصوص:

منها: ما رواه محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الكلب يصيب شيئا من جسد الرجل، قال: يغسل المكان الذي أصابه (1).

و منها: ما رواه البقباق قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إن أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله و إن مسّه جافّا فاصبب عليه الماء، قلت: لم صار بهذه المنزلة؟ قال: لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أمر بقتلها (2).

و منها: ما رواه الفضل أبو العبّاس في حديث أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الكلب؟ فقال: رجس نجس لا يتوضّأ بفضله و اصبب ذلك الماء و اغسله بالتراب أوّل مرّة ثمّ بالماء (3). و مع هذه الروايات لا مجال لما عن الصدوق من التفصيل بين كلب الصيد و غيره فيجب غسل الملاقي بالماء في الثاني و يجب رشّه بالماء في الأوّل فإنّ هذا التفصيل خلاف إطلاق الروايات، مضافا إلى ما رواه محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الكلب السلوقي، فقال: إذا مسته فاغسل يدك (4).

____________

(1) الوسائل، الباب 12 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

(2) نفس المصدر، الحديث 1.

(3) نفس المصدر، الحديث 2.

(4) الوسائل، الباب 12 من أبواب النجاسات، الحديث 9.

160

و الخنزير البريّان (1).

من غير فرق بين ما تحلّ فيه الحياة و غيره كالشعر و الظفر و لا بين أجزائهما و فضلاتهما كلعابهما و ألبانهما (2).

____________

(1) قال في الخلاف على ما نقل عنه إنّ الخنزير نجس بلا خلاف، و قال في المنتهى و التذكرة على ما نقل عنه: الكلب و الخنزير نجسان عينا عند علمائنا إلى غير ذلك من كلماتهم (رضوان اللّه تعالى عليهم)، و يدلّ على نجاسته ما رواه عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر و هو في صلاته كيف يصنع به؟

قال: إن كان دخل في صلاته فليمض و إن لم يكن دخل في صلاته فينضح ما أصاب من ثوبه إلّا أن يكون فيه أثر فيغسله، قال: و سألته عن خنزير يشرب من إناء كيف يصنع به؟ قال: يغسل سبع مرّات (1).

و ما رواه سليمان الإسكاف قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن شعر الخنزير يخرز به، قال: لا بأس به و لكن يغسل يده إذا أراد أن يصلّي (2).

و ما رواه عليّ بن رئاب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الشطرنج، قال: المقلّب لها كالمقلّب لحم الخنزير قلت: و ما على من قلب لحم الخنزير؟ قال: يغسل يده (3). إلى غير ذلك من الروايات الواردة في الباب.

(2) فإنّ مقتضى إطلاق بعض الأخبار الدالّة على النجاسة ذلك مضافا إلى‌

____________

(1) الوسائل، الباب 13 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

(2) نفس المصدر، الحديث 3.

(3) الوسائل، الباب 13 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

161

..........

____________

الإجماع و بعض الأخبار الواردة في خصوص ما لا تحلّه الحياة، لاحظ ما رواه برد قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): جعلت فداك انّا نعمل بشعر الخنزير فربّما نسي الرجل فصلّى و في يده شي‌ء منه قال: لا ينبغي له أن يصلّي و في يده شي‌ء منه، و قال: خذوه فاغسلوه فما كان له دسم فلا تعملوا به و ما لم يكن له دسم فاعملوا به و اغسلوا أيديكم منه (1).

نعم في المقامات روايات ربّما يستدلّ بها على طهارة شعر الخنزير، منها:

ما رواه زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقى به الماء من البئر هل يتوضّأ من ذلك الماء؟ قال: لا بأس (2).

و منها: ما رواه الحسين بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال:

قلت له: شعر الخنزير يعمل حبلا و يستقى به من البئر التي يشرب منها أو يتوضّأ منها، فقال: لا بأس به (3).

و منها: ما رواه الصدوق قال: سئل أبو جعفر و أبو عبد اللّه (عليهما السلام) فقيل لهما:

إنّا نشتري ثيابا يصيبها الخمر و ودك الخنزير عند حاكتها أ نصلّي فيها قبل أن نغسلها؟ فقالا: نعم، لا بأس إنّما حرّم اللّه أكله و شربه و لم يحرّم لبسه و مسّه و الصلاة فيه (4).

و لا يخفى أنّ هذه الروايات قاصرة عن إثبات الطهارة، أمّا الرواية الأولى‌

____________

(1) الوسائل، الباب 65 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 2.

(2) الوسائل، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1.

(3) نفس المصدر، الحديث 3.

(4) الوسائل، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحديث 13.

162

نعم البحري منهما طاهر (1).

____________

فغاية ما يستفاد منها بعد التسليم أنّ الماء الملاقي للشعر لا ينفعل و هذا أعمّ من طهارة الشعر، و أمّا الثانية فتدلّ على عدم انفعال البئر بملاقاة الشعر و لا تدلّ على طهارته، و أمّا الثالثة فقاصرة من حيث السند، و أمّا الاستناد في دعوى الطهارة بما دلّ على طهارة ما لا تحلّه الحياة كما نقل عن السيّد فأيضا ضعيف فإنّ الظاهر من ذلك الدليل أنّ النجاسة الناشئة من كون الحيوان ميتة ترتفع لعدم حلول الحياة لا أنّ كلّ ما تحلّه الحياة طاهر و لو كان نجس العين و مثل هذا الاستدلال في الضعف الاستدلال بالإجماع على طهارة ما لا تحلّه الحياة فإنّ الإجماع لو لم يكن على خلافه لم يقم على طهارته و كذلك دعوى عدم الجزئية فإنّ هذه الدعوى غريبة غايتها.

1- أقول: طهارتهما على طبق القاعدة الأوّلية فإنّ صدق العنوان على البحري منهما أوّل الكلام و مع الشكّ في الصدق يكون الأخذ بالدليل في الشبهة المصداقية الذي حقّق في محلّه عدم جوازه، أضف إلى ذلك ما رواه عبد الرحمن بن الحجّاج قال: سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) رجل و أنا عنده عن جلود الخزّ فقال: ليس بها بأس، فقال الرجل: جعلت فداك إنّها علاجي و إنّما هي كلاب تخرج من الماء، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إذا خرجت من الماء تعيش خارجة من الماء؟ فقال الرجل: لا، قال: ليس به بأس (1). فإنّ المستفاد من الحديث أنّ الكلب الذي يكون محكوما بالنجاسة هو البري.

____________

(1) الوسائل، الباب 10 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 1.

163

[الثامن: الخمر]

الثامن: الخمر سواء كان مأخوذا من العنب (1).

____________

و بعبارة أخرى أنّ المستفاد من الرواية أنّ الميزان في الطهارة و النجاسة أنّ الحيوان إذا كان بحريّا يكون طاهرا و إذا كان بريّا يكون نجسا، فتأمّل.

1- المشهور نجاسته بين الأصحاب، بل حكي عن المرتضى أنّه قال: لا خلاف بين المسلمين في نجاسة الخمر إلّا ما يحكى عن شاذ، و نقل عن ابن إدريس إجماع المسلمين على نجاسته لكن يظهر من الصدوق في الفقيه و المقنع على ما نقل، الميل إلى طهارته حيث نفى البأس عن الصلاة في ثوب أصابه خمر مستدلّا بأنّ اللّه حرّم شربه و لم يحرم الصلاة في ثوب أصابته، و كذلك نقل عن ابن أبي عقيل الذهاب إلى طهارتها، و نقل عن الشهيد في الذكرى أنّه نسب إلى الجعفي أنّه وافق الصدوق في حكم الخمر. و كيف كان ما استدلّ به على النجاسة أو يمكن أن يستدلّ به عليها أمور:

منها: الإجماع، و لا يخفى أنّه لا يصلح لإثبات المدّعى لأنّك عرفت مخالفة جماعة في هذا الحكم و معها كيف يمكن تحقّقه، مضافا إلى أنّ المظنون بل المقطوع أنّ مدرك الجلّ و لا أقل كثير منهم الأدلّة اللفظية فلا يكون تعبّديا.

و منها: قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (1) بناء على كون الرجس بمعنى النجس.

____________

(1) المائدة: 90.

164

..........

____________

و يرد عليه: أنّ الرجس و إن كان بعض معانيه النجس و القذر لكن من الظاهر أنّ للقذر لم يكن وقت نزول الآية اصطلاحا خاصّا شرعيّا و هي القذارة الشرعية كي يحمل قوله تعالى عليه، بل القذارة كانت بمعناها اللغوي فيحمل كلامه تعالى عليه. غاية الأمر يلتزم بأنّ العرف لعدم اطّلاعه على الجهات الواقعية لا يرى الخمر قذرا و إن أبيت إلّا عن الحمل على المعنى الشرعي كما هو ليس ببعيد، فلا بدّ من الالتزام بنجاسة الميسر و الأنصاب و الأزلام، و الحال أنّ هذه الأمور لم يلتزم أحد بنجاستها فلا بدّ من أن يحمل على القذارة المعنوية و يراد بهذه الامور الفعل المتعلّق بها، و عليه تكون الآية أجنبية عن المدّعى بالكلّية كما هو ظاهر.

و منها: النصوص الواردة في هذا المقام، لاحظ ما رواه عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا تصلّ في بيت فيه خمر و لا مسكر لأنّ الملائكة لا تدخله، و لا تصلّ في ثوب قد أصابه خمر أو مسكر حتّى يغسل (1). إلى غير ذلك من النصوص الواردة في هذا الباب بألسنة مختلفة.

و في قبالها نصوص تدلّ على الطهارة و من تلك النصوص ما رواه حسين بن أبي سارة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إن أصاب ثوبي شي‌ء من الخمر أصلّي فيه قبل أن أغسله؟ قال: لا بأس إنّ الثوب لا يسكر (2). و مثلها غيرها، و لا بدّ من ترجيح ما دلّ على النجاسة و ذلك لما رواه عليّ بن مهزيار‌

____________

(1) الوسائل، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحديث 7.

(2) الوسائل، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحديث 10.

165

..........

____________

قال: قرأت في كتاب عبد اللّه بن محمّد إلى أبي الحسن (عليه السلام): جعلت فداك روى زرارة عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) في الخمر يصيب ثوب الرجل انّهما قالا: لا بأس بأن يصلّي فيه إنّما حرم شربها. و روي عن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ- يعني المسكر- فاغسله إن عرفت موضعه و إن لم تعرف موضعه فاغسله كلّه و إن صلّيت فيه فأعد صلاتك فاعلمني ما آخذ به؟ فوقّع (عليه السلام) بخطّه و قرأته خذ بقول أبي عبد اللّه (عليه السلام) (1). و لا يتوهّم أنّ هذه الرواية تكون من الروايات الدالّة على النجاسة و تعارضها نصوص الطهارة و ذلك لأنّ لسانها لسان الحكومة و إن شئت قلت: إنّها تعالج المعارضة بين الروايات الواردة في المقام.

و الحاصل: أنّه لا ريب أنّ هذه الرواية تكون مقدّمة على بقيّة الروايات و لا تكون في عرضها كي تكون معارضة لغيرها، مضافا إلى أنّ الترجيح بالأحدثية مع الحديث الدالّ على النجاسة فإنّ حديث ابن مهزيار أحدث و هذا الذي ذكرنا هو العمدة في وجه العمل بنصوص النجاسة و إلّا فبقيّة الوجوه غير نقيّة عن المناقشة امّا كون نصوص الطهارة موافقة للعامّة فمردود بأنّ الحكم عندهم مختلف فيه، و أمّا كون ما دلّ على النجاسة موافقا للكتاب فقد مرّ أنّ القرآن غير دالّ على المدّعى، و أمّا كون نصوص الطهارة معرض عنها فقد مرّ منّا مرارا أنّ إعراض المشهور لا يكون مسقطا كما أنّ عملهم غير جابر.

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 2.

166

أو غيره (1). و كذا كلّ مسكر مائع بالأصل (2).

____________

(1) فإنّه لو صدق عنوان الخمر يترتّب عليه حكمها بلا فرق بين منشئه فإنّه مقتضى الإطلاق.

(2) يدلّ عليه مضافا إلى عدم الفصل بين أقسامه رواية عمّار (1) المتقدّمة فإنّ فيها عطف المسكر عليها، و يقتضيه أيضا ما رواه عمر بن حنظلة قال:

قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما ترى في قدح من مسكر يصبّ عليه الماء حتّى تذهب عاديته و يذهب سكره؟ فقال: لا و اللّه و لا قطرة قطرت في حبّ إلّا أهريق ذلك الحبّ (2). فإنّ المسكر في هذه الرواية لم يقيّد بقيد و يؤيّده ما نقل عن بعض أهل اللغة من أنّ الخمر اسم لمطلق ما يخامر العقل، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله) في رواية عطاء بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): كلّ مسكر حرام و كلّ مسكر خمر (3).

و ما رواه أبو الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ الآية أمّا الخمر فكلّ مسكر من الشراب إذا أخمر فهو خمر و ما أسكر كثيره و قليله فحرام و ذلك أنّ أبا بكر شرب قبل أن تحرم الخمر فسكر إلى أن قال فأنزل اللّه تحريمها بعد ذلك و إنّما كانت الخمر يوم حرمت بالمدينة فضيخ البسر و التمر، الحديث (4).

____________

(1) تقدّمت في ص 164.

(2) الوسائل، الباب 18 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 1.

(3) الوسائل، الباب 15 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 5.

(4) الوسائل، الباب 1 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 5.

167

دون الجامد بالأصل كالبنج و إن صار مائعا بالعرض لخلطه بالماء. (1)

[التاسع: الفقاع]

التاسع: الفقاع و هو شراب يؤخذ من الشعير غالبا فإنّه نجس (2)

____________

و ما نقل عن ابن عبّاس في مجمع البيان في تفسير الآية قال ابن عبّاس: يريد بالخمر جميع الأشربة التي تسكر.

(1) الظاهر أنّ المستند لهذا الحكم الإجماع و إلّا فمقتضى رواية عمّار و خبر ابن حنظلة و غيرهما شمول الحكم لمطلق المسكر مائعا كان أو جامدا و حيث إنّ تمامية هذا الإجماع محلّ الإشكال من جهات فالمرجع إطلاق النصوص المشار إليها.

و حيث انتهى الكلام إلى هنا لا بأس لتعرّض حكم المائع المتداول في زماننا المسمّى بالألكل فإنّه لو علم بكونه مسكرا فلا إشكال في نجاسته و لو علم بعدم إسكاره أو بأنّه يسكر عند مزجه بالماء فلا شبهة في طهارته و لو شكّ في ذلك فقاعدة الطهارة تقتضي طهارته.

(2) نقل الإجماع على ذلك فإنّه نقل عن العلّامة في النهاية و المنتهى نقل إجماع علمائنا على ذلك. و قال صاحب الحدائق (قدّس سرّه): الظاهر أنّه لا خلاف في ذلك.

و يمكن أن يستدلّ عليه بجملة من النصوص الدالّة على أنّه الخمر، منها:

ما رواه عمّار بن موسى قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفقاع؟ فقال: هو خمر (1). و منها ما رواه و شاء قال: كتبت إليه- يعني الرضا (عليه السلام)- أسأله عن‌

____________

(1) الوسائل، الباب 27 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 4.

168

و لو لم يسكر (1) و ليس منه ماء الشعير المعمول عند الأطبّاء (2).

[العاشر: الكافر]

العاشر: الكافر (2).

____________

الفقاع، قال: فكتب: حرام و هو خمر الحديث (1) إلى غير ذلك من الروايات الدالّة على تنزيل الفقاع منزلة الخمر، و مقتضى إطلاق التنزيل ترتيب جميع أحكام الخمر عليه و من جملتها النجاسة بل في خبر هشام بن الحكم أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفقاع فقال: لا تشربه فإنّه خمر مجهول و إذا أصاب ثوبك فاغسله (2). التصريح بالغسل.

(1) لإطلاق الأدلّة و هو المحكم فلو صدق عنوان الفقاع يترتّب عليه النجاسة إلّا ما علم خروجه و ما لم يعلم خروجه يحكم عليه بالنجاسة بمقتضى إطلاق دليلها.

(2) كما هو ظاهر، مضافا إلى أنّه يستفاد من النصوص أنّه على قسمين، منها: ما رواه مرازم، قال: كان يعمل لأبي الحسن (عليه السلام): الفقاع في منزله قال ابن أبي عمير و لم يعمل فقاع يغلي (3). و ظاهر هذه الرواية إنّ عمل الفقاع لأبي الحسن (عليه السلام) كان أمرا مستمرّا، و من الظاهر الواضح الذي لا ريب فيه أنّ المعمول له (عليه السلام) كان شرابا حلالا طاهرا.

(3) استدلّ على نجاسته بوجوه:

الأوّل: الإجماع، نقل عن الناصريات و الانتصار و الغنية و السرائر و المنتهى‌

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 1.

(2) نفس المصدر، الحديث 8.

(3) الوسائل، الباب 39 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 1.

169

..........

____________

و البحار و التذكرة و غيرها، و لا يخفى أنّ الإجماع المنقول على تقدير حجّيته لا اعتبار به في المقام فإنّ مدركه معلوم أو محتمل.

الثاني: قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ بَعْدَ عٰامِهِمْ هٰذٰا (1) فإنّ النجس بالفتح وصف كالنجس بالكسر على ما يستفاد من اللغة، لكن يرد عليه: إنّ النجس وقت نزول الآية لم تكن له حقيقة شرعية كي يحمل على المعنى الشرعي فلا يستفاد من الآية أنّ المشرك نجس شرعا و القول بأنّ النجاسة في لسان الشارع ليست إلّا المعنى الخاصّ إذ لا يناسب أن يتعرّض للمعنى غير الشرعي غريب فإنّه كثيرا ما يتعرّض للموضوعات و يترتّب عليها الأحكام و الذي لا يناسبه أن يتعرّض للموضوع العرفي بلا ترتيب حكم عليه.

كما أنّ الإشكال بأنّ الحمل على القذارة العرفية خلاف الواقع لأنّهم لا يكونون أنجاسا في نظر العرف، غير وارد إذ يمكن أن تكون القذارة العرفية موجودة فيهم و لكن العرف لقصوره ما يدركها و الشارع ينبّه عليها.

إلّا أن يقال: لا معنى للقذارة الشرعيّة إلّا هذا المعنى فإنّ العرف لو لم يكن قاصر الفهم لكان مدركا للقذارة في جميع النجاسات فلا يبقى فرق بين القذارة الشرعية و العرفية.

لكن يمكن أن يجاب بأنّ النجاسة الشرعية أمر اعتباري وضعي، و لذا تعدّ من الأحكام الشرعية. غاية الأمر أنّ المنشأ لهذا الحكم أمر خارجي بناء‌

____________

(1) التوبة: 28.

170

..........

____________

على أنّ الحكم الشرعي تابع لما في متعلّقه.

لا يقال: القذارة العرفية لا تناسب الحكم المرتّب عليها و هو وجوب الاجتناب و عدم قرب المسجد الحرام فلا بدّ من إرادة المعنى الشرعي.

فإنّه يقال: هذا أمر راجع إلى الشارع فإنّ له أن يحكم بهذا الحكم بالنسبة إلى بعض القذارات. و بعبارة أخرى يمكن أن يكون في المشرك قذارة خاصّة لا يناسب أن يدخل المسجد الحرام و إن أبيت عن الحمل على المعنى العرفي فلا أقلّ من الإجمال إذ من المحتمل إرادة القذارة المعنوية القائمة بالنفس فإنّه مع هذا الاحتمال و عدم تحقّق الحقيقة الشرعية للنجاسة كيف يحمل الكلام على المعنى الشرعي.

و ممّا يؤيّد ما ذكرنا أنّ الأصحاب جوّزوا إدخال النجاسة غير المتعدّية في المسجد و لو كان المستفاد من الآية نجاسة المشرك شرعا لكان مقتضاها المنع من إدخال مطلق النجاسة العينيّة في المسجد لعموم العلّة المستفاد من التفريع الواقع في الآية و الالتزام بالتخصيص مع أنّه بلا مخصّص يكون من أظهر أفراد التخصيص المستهجن كما هو ظاهر بأدنى تأمّل و لو سلّم دلالة الآية على المدّعى فلا وجه للحكم بنجاسة غير المشرك من النصراني و غيره.

و القول: بأنّ اللّه تعالى أسند إلى النصارى و اليهود الشرك بقوله: سُبْحٰانَهُ عَمّٰا، يُشْرِكُونَ (1) مردود أوّلا: بأنّ هذه الآية مخصوصة لجماعة منهم كما هو ظاهر.

____________

(1) التوبة: 31.

171

..........

____________

و ثانيا: أنّه تعالى ليس في مقام تنزيلهم منزلة المشركين كي يؤخذ بعموم المنزلة.

هذا كله على ما سلكناه في الدورة السابقة و لكن قد ذكرنا في الدورة الأخيرة أنه لا دليل على كون الآية نازلة في أوّل البعثة و قيل إنها نزلت في السنة التاسعة من الهجرة فالآية نازلة بعد سنين متعددة، و يضاف إلى ما ذكر أن الدليل دالّ على أنّ الماء جعل طهورا و رافعا للنجاسة في أوائل البعثة، لاحظ ما روي عن موسى بن جعفر عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) في حديث طويل مع يهودي يخبره عن فضائل الأنبياء و يأتيه أمير المؤمنين (عليه السلام) بما لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بما هو أفضل مما أوتي الأنبياء إلى أن قال: و كانت الأمم السالفة إذا اصابهم أذى من نجاسة قرضوه من أجسادهم و قد جعلت الماء لأمّتك طهورا ... الحديث (1).

فإن المستفاد من هذه الرواية أن اللّه سبحانه منّ على رسوله الأكرم بأن رفع عن أمّته وجوب المقراض و جعل الماء طهورا و رافعا للنجاسة، و لاحظ الأحاديث (6) و (7) و (8) من الباب (1) من أبواب الماء المطلق من الوسائل و لاحظ ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) لا صلاة إلا بطهور، و يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار، بذلك جرت السنّة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و أما البول فإنه لا بدّ من غسله (2) فإنه يستفاد من هذه النصوص أنّ النجاسة و الطهارة كانتا مجعولتين في زمن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، أضف إلى ذلك كله أنّ مقتضى الاستصحاب‌

____________

(1) تفسير البرهان، ج 1، ص 264 و 265.

(2) الوسائل، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 1.

172

..........

____________

القهقري الذي يكون من الأصول اللفظية كون النجاسة بالمعنى الشرعي منها في لسان الشارع كانت متحدة مع ما كانت في لسان الأئمة و في زمان الوصي.

إن قلت: هب أنّ الاستصحاب بالتقريب المذكور يكون مقتضيا لكون المراد المعنى الشرعي، لكن مقتضى الاستصحاب أيضا بقاء اللفظ على معناه اللغوي في زمن الرسول.

قلت: هذا الاستصحاب من الأصول العملية و الاستصحاب القهقري الجاري في الألفاظ من الأمارات، و الأصل العملي لا يقاوم الأصل اللفظي، و إن شئت قلت: الأصل الفقاهي لا يعارض الدليل الاجتهادي، و بتعبير آخر: الأصل العملي لا يقاوم الأمارة.

إن قلت: الحق أنّ الاستصحاب أمارة فلا وجه للترجيح.

قلت: إنّ الاستصحاب و إن كان أمارة على المسلك الحق، لكن حيث لا أمارة، فالمستفاد من الآية الشريفة نجاسة المشركين، أضف إلى ذلك ما عن سيدنا الأستاذ (قدّس سرّه) حيث قال: لا إشكال و لا شكّ في نجاسة المشركين بل نجاستهم من الضروريات عند الشيعة و لا نعهد فيها مخالفا من الأصحاب، نعم ذهب العامة إلى طهارتهم و لم يلتزم منهم بنجاستهم إلا القليل، و قال الطريحي (رحمه اللّه) في مادة (نجس): و في الآية دلالة على أنّ المشركين أنجاس نجاسة عينية لا حكمية و هو مذهب أصحابنا، قال ابن عباس: أعيانهم نجسة كالكلاب و الخنازير، و روايات أهل البيت (عليهم السلام) على نجاستهم مشهورة، و خالف في ذلك باقي الفقهاء و قالوا:

معنى كونهم نجسا أنهم لا يغتسلون من الجنابة و لا يجتنبون النجاسات ... الخ.

173

..........

____________

الثالث: النصوص الخاصّة الواردة في المقام منها ما رواه محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن آنية أهل الذمّة و المجوس فقال: لا تأكلوا في آنيتهم و لا من طعامهم الذي يطبخون و لا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر (1).

و منها ما رواه عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن فراش اليهودي و النصراني ينام عليه، قال: لا بأس و لا يصلّى في ثيابهما، و قال: لا يأكل المسلم مع المجوسي في قصعة واحدة و لا يقعده على فراشه و لا مسجده و لا يصافحه، قال: و سألته عن رجل اشترى ثوبا من السوق للبس لا يدري لمن كان هل تصحّ الصلاة فيه؟ قال: إن اشتراه من مسلم فليصلّ فيه و إن اشتراه من نصراني فلا يصلّي فيه حتّى يغسله (2).

و منها ما رواه محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل صافح رجلا مجوسيّا قال: يغسل يده و لا يتوضّأ (3) إلى غير ذلك من الروايات الدالّة على النجاسة.

و في قبال هذه الروايات نصوص تدلّ على الطهارة، منها: ما رواه إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت للرضا (عليه السلام): الجارية النصرانية تخدمك و أنت تعلم أنّها نصرانية لا تتوضأ و لا تغتسل من جنابة، قال: لا بأس تغسل يديها (4). و حمل‌

____________

(1) الوسائل، الباب 14 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

(2) الوسائل، الباب 14 من أبواب النجاسات، الحديث 10.

(3) نفس المصدر، الحديث 3.

(4) نفس المصدر، الحديث 11.

174

..........

____________

هذه القضية على قضية خارجية و إرادة جارية خاصّة و حمل فعله (عليه السلام) على التقيّة من سلطان الوقت لا شاهد عليه.

و منها: ما رواه عيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مؤاكلة اليهودي و النصراني و المجوسي فقال: إن كان من طعامك و توضّأ فلا بأس (1).

و حمل الوضوء على كونه من آداب المائدة لا من جهة تطهير يده غريب.

و مقتضى الجمع بين هذه الطائفة من الروايات و بين ما دلّ على النجاسة حمل الطائفة الأولى على استحباب الاجتناب عنهم كما هو المقرّر عندهم، و لكن الجمع بهذا النحو غير مقبول عندنا.

نعم، يمكن ترجيح دليل الطهارة بالأحدثية و على تقدير التعارض تصل النوبة إلى قاعدة الطهارة و إعراض المشهور عن الطائفة الثانية لا يسقطها عن الاعتبار كما ذكرناه مرارا لكن مع ذلك كلّه لا ينبغي ترك الاحتياط في مقام العمل فإنّ الدين أخوك فاحتط له.

نعم، يستفاد من بعض النصوص أنّ الناصبي أنجس من الكلب، لاحظ ما رواه عبد اللّه بن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: و إيّاك أن تغتسل من غسالة الحمّام ففيها تجتمع غسالة اليهودي و النصراني و المجوسي و الناصب لنا أهل البيت و هو شرّهم فإنّ اللّه تبارك و تعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب و أنّ الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه (2).

____________

(1) الوسائل، الباب 53 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 1.

(2) الوسائل، الباب 11 من أبواب الماء المضاف، الحديث 5.

175

في الجملة (1) بلا إشكال و هو من لم يدن بدين الإسلام كالدهري و اليهود و النصارى و المجوس (2) و كذا من انتحل الإسلام و لكن أنكر ضروريّا من ضرورياته كالصلاة و الحجّ مثلا (3).

____________

(1) حيث إنّ الأدلّة المذكورة على فرض دلالتها على المدّعى لا تدلّ على نجاسة مطلق الكافر، فيمكن النقاش في نجاسة منكري الضروري مثلا.

و الحاصل: أنّه يمكن أن يكون الوجه في نظره (قدّس سرّه) فيما أفاده عدم دليل عام أو مطلق يدلّ على نجاسة مطلق الكافر.

(2) بالضرورة، و تدلّ عليه جملة من الروايات منها ما رواه عبد اللّه ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من شكّ في اللّه و في رسوله فهو كافر (1).

(3) لم نظفر على دليل يستفاد منه كفر منكر الضروري بما هو ضروري.

نعم، يستفاد من جملة الروايات أنّ المنكر لحكم من الأحكام كافر، منها:

قوله (عليه السلام) في رواية عبد الرحيم القصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث أنّه كتب إليه مع عبد الملك بن أعين: سألت رحمك اللّه عن الإيمان و الإيمان هو الإقرار إلى أن قال: و الإسلام قبل الإيمان و هو يشارك الإيمان فإذا أتى العبد بكبيرة من كبائر المعاصي أو بصغيرة من صغائر المعاصي التي نهى اللّه عنها كان خارجا من الإيمان ساقطا عن اسم الإيمان و ثابتا عليه اسم الإسلام فإن تاب و استغفر عاد إلى الإيمان و لا يخرجه إلى الكفر إلّا الجحود و الاستحلال أن يقول للحلال هذا حرام و للحرام هذا حلال و دان بذلك فعندها يكون‌

____________

(1) الوسائل، الباب 10 من أبواب حدّ المرتدّ، الحديث 22.

176

..........

____________

خارجا من الإسلام و الإيمان و داخلا في الكفر الحديث (1).

و منها: قوله (عليه السلام) في رواية داود بن كثير الرقي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): سنن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كفرائض اللّه عزّ و جلّ، فقال: إنّ اللّه عزّ و جلّ فرض فرائض موجبات على العباد فمن ترك فريضة من الموجبات فلم يعمل بها و جحدها كان كافرا و أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بأمور كلّها حسنة فليس من ترك بعض ما أمر اللّه عزّ و جلّ به عباده من الطاعة بكافر و لكنّه تارك للفضل منقوص من الخير (2).

و منها: ما رواه محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كلّ شي‌ء يجرّه الإقرار و التسليم فهو الإيمان و كلّ شي‌ء يجرّه الإنكار و الجحود فهو الكفر (3). إلى غير ذلك من الروايات الدالّة على أنّ من جحد حكما من الأحكام الشرعية يكون كافرا أعمّ من أن يكون ضروريّا أو غير ضروريّ، فالمتّبع هذه الروايات إلّا أن تخصص في مورد بمخصّص قطعي. نعم، يمكن أن يقال: إنّه لو أنكر أحد حكما من الأحكام اجتهادا أو تقليدا أو غفلة أو غير ذلك بحيث لا يكون متعمّدا في الإنكار لا يكون مشمولا لهذه الأخبار فإنّها منصرفة عنها كما لعلّه الظاهر.

____________

(1) الوسائل، الباب 10 من أبواب حدّ المرتدّ، الحديث 50.

(2) الوسائل، الباب 2 من مقدّمات العبادات، الحديث 2.

(3) نفس المصدر، الحديث 1.

177

أو صدر منه قول أو فعل يقتضي كفره كسبّ النبيّ و الأئمّة (عليهم السلام) أو أحرق القرآن مثلا و العياذ باللّه (1).

و الأحوط الاجتناب من عرق الجنب عن الحرام (2).

____________

و يستفاد المدّعى بوضوح من حديث داود الرقي الذي قد مرّ آنفا فإنّ الميزان في تحقّق الكفر الجحود، و عليه لا فرق بين الحكم الضروري و غيره إلّا أن يثبت خلافه بالإجماع الكاشف و أنّى لنا بذلك.

1- تارة يكون السبّ ناشئا من البغض، و اخرى يكون بسبب آخر كما لو أخذ شيئا ليسبّ أحد الأئمّة (عليهم السلام) أو ليحرق القرآن، أمّا الأوّل فمقتضى بعض الروايات أنّ بعض أهل البيت (عليهم السلام) يوجب الكفر؛ لاحظ ما رواه الفضيل عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): حبّنا إيمان و بغضنا كفر (1).

و ما رواه زيد الشحّام قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا زيد حبّنا إيمان و بغضنا كفر (2).

و أمّا لو لم يكن السبّ ناشئا عن البغض و العداوة فالظاهر أنّه ليس في الأدلّة ما يدلّ على كفره إلّا أن ينعقد إجماع على ذلك.

(2) نقل عن جملة من الأعلام و منهم الصدوقان و المفيد و الشيخ عدم جواز الصلاة في الثوب الذي عرق فيه من الحرام، و استدلّ على النجاسة بما رواه محمّد بن همام بإسناده إلى إدريس بن يزداد الكفرتوثي أنّه كان يقول‌

____________

(1) الوسائل، الباب 10 من أبواب حدّ المرتدّ، الحديث 23.

(2) نفس المصدر، الحديث 24.

178

..........

____________

بالوقف فدخل سرّ من رأى في عهد أبي الحسن (عليه السلام) فأراد أن يسأله عن الثوب الذي يعرق فيه الجنب أ يصلّي فيه، فبينما هو قائم في طاق باب لانتظاره إذ حرّكه أبو الحسن (عليه السلام) بمقرعة و قال مبتدئا: إن كان من حلال فصلّ فيه، و إن كان من حرام فلا تصلّ فيه (1). و بهذا المضمون ما رواه في البحار نقلا عن كتاب المناقب لابن شهر آشوب و ما رواه أيضا في البحار من كتاب عتيق لقدماء الأصحاب.

و لا يخفى أنّه لا يستفاد المدّعى من هذه الروايات فإنّ المستفاد منها مانعيّته للصلاة لا النجاسة و مقتضى إطلاق النهي عدم جواز الصلاة في الثوب الذي عرق فيه مطلقا لكن بعدم المانعية بعد الغسل يرفع اليد عن الإطلاق بهذا المقدار. و الحاصل: أنّه لا دليل على النجاسة و المحكم أصالة الطهارة، هذا.

مضافا إلى عدم الاعتماد بسند هذه الروايات للجهل بحال رواتها و ربّما يتمسّك بما رواه عليّ بن الحكم عن رجل عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: لا تغتسل من غسالة ماء الحمّام فإنّه يغتسل فيه من الزنا و يغتسل فيه ولد الزنا و الناصب لنا أهل البيت و هو شرّهم (2).

و من الواضح أنّه لا تدلّ على النجاسة لاحتمال أن يكون من جهة أخرى، مضافا إلى كون الرواية مرسلة. نعم، ما في الفقه الرضوي: إن عرقت في‌

____________

(1) الوسائل، الباب 27 من أبواب النجاسات، الحديث 12.

(2) الوسائل، الباب 27 من أبواب النجاسات، الحديث 13.

179

و عرق الإبل الجلّالة أيضا (1).

____________

ثوبك و أنت جنب و كانت الجنابة من الحلال فتجوز الصلاة فيه و إن كانت حراما فلا تجوز الصلاة فيه حتّى يغسل (1). لا بأس بدلالته على المدّعى لكن الكلام في سند هذا الكتاب.

(1) نسب إلى مشهور القدماء القول بنجاسته و يدلّ عليها ما رواه حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا تشرب من ألبان الإبل الجلّالة و إن أصابك شي‌ء من عرقها فاغسله (2).

و ما رواه هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا تأكل اللحوم الجلّالة (لا تأكلوا لحوم الجلالات خ) و إن أصابك من عرقها فاغسله (3). و لا وجه لرفع اليد عن مقتضى هذين الخبرين بالنسبة إلى عرق الإبل الجلّالة و استبعاد كون بدنه طاهرا و عرقه نجسا لا يكون دليلا شرعيا، مضافا إلى أنّه لا وجه لهذا الاستبعاد فإنّ مناطات الأحكام معلومة عند جاعلها، إنّما الكلام في عرق الجلّال غير الإبل فإنّه لو قلنا بأنّ رواية هشام تدلّ على نجاسة عرق مطلق الجلّال فالخروج عن مقتضاها يحتاج إلى الدليل، لكن يمكن الخدش في أصل الدلالة فإنّه يحتمل أن يكون لفظ الجلّالة المضاف إليه للحوم وصفا للإبل، و يمكن أن يكون وصفا للحيوانات، و حيث إنّه لا معين فيكون مجملا و العلم الإجمالي ينحلّ بالقدر المتيقّن و هو عرق الإبل الجلّالة فالزائد مورد‌

____________

(1) الحدائق ج 5 ص 217.

(2) الوسائل، الباب 15 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(3) نفس المصدر، الحديث 1.

180

..........

____________

لأصل الطهارة، مضافا إلى أنّ طهارة عرق الجلّال غير الإبل كأنّه من الواضحات عندهم.

لكن التحقيق أن يقال: إنّ مقتضى رواية هشام نجاسة عرق مطلق الجلالة و ذلك لأنّ الجلّالة كما توصف بها الإبل توصف بها الشاة و البقرة و الدجاجة، فمقتضى القاعدة الأخذ بإطلاقها و مجرّد كون المتعارف من الجلّالة الإبل لا يوجب حمل الألف و اللام على العهد، و أيضا الإجماع على طهارة عرق غير الإبل الجلّالة لا يقتضي رفع اليد عن إطلاق الرواية فإنّ المدرك للمجمعين يمكن أن يكون حمل الألف و اللام على العهد و على فرض العمل بالإجماع لا وجه لرفع اليد عن ظهور الأمر في الوجوب في رواية حفص و ذلك لأنّ صيغة الأمر لا تستعمل في الوجوب و لا في الاستحباب بل يراد منها إيجاد المتعلّق فلو لم يدلّ دليل على كونه مأذونا في تركه يحكم بلزوم إتيانه و لو دلّ دليل على الترخيص في الترك لا يلزم الإتيان به، و في المقام لو أخذ بالإجماع نلتزم باستحباب الغسل بالنسبة إلى عرق غير الإبل، و أمّا فيها فلا دليل، فلا مانع من حكم العقل.

و لا يخفى أنّا ذكرنا في الأصول بأنّ الظاهر من صيغة الأمر هو الوجوب بلحاظ الإطلاق فدلالتها على الوجوب لفظية لا عقلية، و التفصيل موكول إلى مجال آخر.

181

و ما سوى ذلك من الثعلب و الأرنب (1) و الوزغ (2).

____________

(1) يظهر من الشيخ في النهاية على ما نقل عنه نجاستهما، و أيضا نسب إلى ظاهر المفيد في المقنعة ذلك، و يدلّ على نجاستهما مرسل يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته هل يحلّ أن يمسّ الثعلب و الأرنب أو شيئا من السباع حيّا أو ميّتا؟ قال: لا يضرّه و لكن يغسل يده (1).

لكن المرسل لا اعتبار به و لعلّ مدرك القائلين بالنجاسة هذا المرسل و أصالة الطهارة محكمة.

(2) نسب إلى المفيد القول بنجاسته و يدلّ عليها قوله (عليه السلام) في رواية هارون بن حمزة الغنوي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الفأرة و العقرب و أشباه ذلك يقع في الماء فيخرج حيّا هل يشرب من ذلك الماء و يتوضّأ منه؟ قال:

يسكب منه ثلاث مرّات و قليله و كثيره بمنزلة واحدة ثمّ يشرب منه و يتوضّأ منه غير الوزغ فإنّه لا ينتفع بما يقع فيه (2). و هذه الرواية على تقدير تسليم سندها ترفع اليد عن ظاهرها بما رواه عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن العظاية و الحيّة و الوزغ يقع في الماء فلا يموت أ يتوضّأ منه للصلاة؟ قال: لا بأس به، و سألته عن فأرة وقعت في حبّ دهن و أخرجت قبل أن تموت أ يبيعه من مسلم؟ قال: نعم، و يدهن به (3) لأنّه أحدث.

____________

(1) الوسائل، الباب 34 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

(2) الوسائل، الباب 9 من أبواب الأسآر، الحديث 4.

(3) الوسائل، الباب 33 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

182

و العقرب (1) و الفأر (2)، بل مطلق المسوخات (3).

و ولد الزنا (4).

____________

(1) ربّما يتمسّك بنجاسته بما رواه سماعة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن جرّة وجد فيها خنفساء قد ماتت قال: القها و توضّأ منه و إن كان عقربا فأرق الماء و توضّأ من ماء غيره الحديث (1). و هذه الرواية لا تدلّ على نجاسة العقرب في حياته لأنّ المفروض عند السائل موت الخنفساء، فقوله (عليه السلام) بعده: و إن كان عقربا ظاهر في فرض موت العقرب و لا أقلّ من الإجمال و المرجع أصالة الطهارة.

(2) إلى الصدوق و المفيد القول بنجاسته و يدلّ عليها ما رواه عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الفأرة الرطبة قد وقعت في الماء فتمشي على الثياب أ يصلّى فيها؟ قال: اغسل ما رأيت من أثرها و ما لم تره انضحه بالماء (2).

و لكن يعارضه حديثه الآخر و بعد التعارض و التساقط تصل النوبة إلى قاعدة الطهارة.

(3) نسب إلى الشيخ نجاسة مطلق المسوخ، و الظاهر أنّه لا دليل معتبر عليها و المرجع أصل الطهارة.

(4) المشهور بين الأصحاب الحكم بإسلامه و طهارته، و نقل عن ابن‌

____________

(1) الوسائل، الباب 35 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

(2) الوسائل، الباب 33 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

183

..........

____________

إدريس القول بكفره و نجاسته و نقل عن الصدوقين أيضا القول بنجاسته و ما يمكن أن يستدلّ به على نجاسته جملة من الروايات، منها: ما رواه حمزة بن أحمد عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) قال: سألته أو سأله غيري عن الحمّام، قال: ادخله بمئزر و غضّ بصرك و لا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمّام فإنّه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب و ولد الزنا و الناصب لنا أهل البيت و هو شرّهم (1) بتقريب أنّ النهي عن الاغتسال بغسالة ماء الحمّام معلّلا بأنّه يغتسل فيه ولد الزنا يدلّ على المدّعى.

و منها: مرسل عليّ بن الحكم عن رجل عن أبي الحسن (عليه السلام) في حديث أنّه قال: لا تغتسل من غسالة ماء الحمّام فإنّه يغتسل فيه من الزنا و يغتسل فيه ولد الزنا و الناصب لنا أهل البيت و هو شرّهم (2).

و منها: خبر ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها غسالة الحمّام فإنّ فيها غسالة ولد الزنا و هو لا يطهر إلى سبعة آباء و فيها غسالة الناصب و هو شرّهما إنّ اللّه لم يخلق خلقا شرّا من الكلب و أنّ الناصب أهون على اللّه من الكلب (3).

و منها: ما دلّ على كراهة سؤره، ففي مرسلة الوشاء عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه كره سؤر ولد الزنا و سؤر اليهودي و النصراني و المشرك و كلّ ما خالف‌

____________

(1) الوسائل، الباب 11 من الماء المضاف، الحديث 1.

(2) نفس المصدر، الحديث 3.

(3) نفس المصدر، الحديث 4.

184

..........

____________

الإسلام و كان أشدّ ذلك عنده سؤر الناصب (1).

و منها: ما في الحدائق، عن محمّد بن سليمان الديلمي عن أبيه رفع الحديث إلى الصادق (عليه السلام) قال: يقول: ولد الزنا يا ربّ فما ذنبي فما كان لي في أمري صنع، قال: فيناديه مناد فيقول: أنت شرّ الثلاثة أذنب و والداك فنبت عليهما و أنت رجس و لن يدخل الجنّة إلّا طاهر (2).

و منها: ما دلّ على أنّه لا خير فيه، ففي خبر زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لا خير في ولد الزنا و لا في بشره و لا في شعره و لا في لحمه و في دمه و لا في شي‌ء منه يعني ولد الزنا (3) لكن لا مجال للاعتماد على شي‌ء منها لإثبات المطلوب.

أمّا ما دلّ على النهي عن الاغتسال فغير تامّ من حيث السند، مضافا إلى أنّه لا دلالة فيه على ذلك فإنّ كونه شرّا يمكن أن يكون بلحاظ الذات كما أنّ نجاسته إلى سبعة آباء ممّا يقطع بخلافه فيكون المراد منه الخباثة النفسية.

و أمّا ما يدلّ على كراهية السؤر فالكراهة أعمّ من الحرمة، مضافا إلى ضعف سند الرواية.

و أمّا ما يدلّ على كونه رجسا فأيضا ضعيف من حيث السند فإنّ محمّد بن سليمان غير موثّق، مع أنّه يمكن أن يقال: إنّ الرجس ظاهر في الخباثة النفسية.

و أمّا ما يدلّ على عدم الخير فيه فالظاهر أنّه نقي سندا لكن لا دلالة فيه‌

____________

(1) الوسائل، الباب 3 من أبواب الأسآر، الحديث 2.

(2) الحدائق: ج 5 ص 195.

(3) ثواب الأعمال و عقاب الأعمال ص 313 على ما في التنقيح ج 3 ص 67.

185

و المخالفين، طاهر (1).

____________

على المطلوب كما هو ظاهر، و ممّا ذكرنا تعرف الجواب عمّا استدلّ به من الروايات.

فانقدح ممّا ذكر أنّه لا وجه للقول بنجاسته بل الحقّ طهارته. نعم، لو ثبت كفره بالأدلّة و قلنا إنّ كلّ كافر نجس فهو نجس لكن كلتا المقدّمتين فاسدتان.

1- المشهور بين الأصحاب طهارة المخالفين، و حكي عن السيّد القول بنجاستهم و يظهر من صاحب الحدائق الذهاب إلى نجاستهم.

و ما يمكن أن يكون مدركا للنجاسة أمور، منها: الإجماع على كونهم كفرة بضميمة أنّ الكافر نجس، و الدليل على الإجماع قول الشيخ ابن نوبخت في كتاب فصّ الياقوت: دافعوا النصّ كفرة عند جمهور أصحابنا. و قول ابن إدريس في السرائر: بأنّ المخالف لأهل الحقّ كافر بلا خلاف بيننا.

و لكن لا يخفى أنّه لا يمكن الاعتماد على هذا الإجماع فإنّ المشهور كما ذكرنا قائلون بطهارتهم، فعلى فرض ذهابهم إلى كفر المخالف لا يقولون بكفره الموجب لنجاسته.

و منها: ما دلّ من الأخبار على كفرهم و هي كثيرة و قد ذكرها صاحب الوسائل في الباب العاشر من أبواب حدّ المرتدّ. و من تلك الأخبار ما رواه أبو حمزة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إنّ عليّا (عليه السلام) باب فتحه اللّه عزّ و جلّ فمن دخله كان مؤمنا و من خرج منه كان كافرا و من لم يدخل فيه و لم يخرج منه كان في الطبقة الذين قال اللّه تبارك و تعالى: فيهم المشيئة (1).

____________

(1) الوسائل، الباب 10 من أبواب حدّ المرتدّ، الحديث 49.

186

..........

____________

و منها: ما رواه فضيل بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ نصب عليّا (عليه السلام) علما بينه و بين خلقه فمن عرفه كان مؤمنا و من أنكره كان كافرا و من جهله كان ضالّا و من نصب معه شيئا كان مشركا و من جاء بولايته دخل الجنّة (1). إلى غير ذلك من الأخبار المذكورة في ذلك الباب المشار إليه.

و منها: ما دلّ من الأخبار على كون المخالف ناصبيّا بضميمة كون الناصب نجسا، لاحظ ما رواه عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت لأنّك لا تجد أحدا يقول أنا أبغض محمّدا و آل محمّد و لكن الناصب من نصب لكم و هو يعلم أنّكم تتولّونا و أنّكم من شيعتنا (2).

و لا يعارضها ما رواه سماعة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أخبرني عن الإسلام و الإيمان أ هما مختلفان؟ فقال: إنّ الإيمان يشارك الإسلام و الإسلام لا يشارك الإيمان، فقلت: فصفهما لي، فقال: الإسلام شهادة أن لا إله إلّا اللّه و التصديق برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، به حقنت الدماء و عليه جرت المناكح و المواريث و على ظاهره جماعة الناس، و الإيمان الهدى و ما يثبت في القلوب من صفة الإسلام و ما ظهر من العمل به، و الإيمان أرفع من الإسلام بدرجة؛ إنّ الإيمان يشارك الإسلام في الظاهر و الإسلام لا يشارك الإيمان في الباطن و إن اجتمعا في القول و الصفة (3). لأنّه قابل للتقييد بها لكن الضرورة قاضية‌

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 48.

(2) الوسائل، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.

(3) الكافي: ج 2 ص 25 الحديث 1.

187

..........

____________

بخلافهما فإنّه لا شبهة في قيام السيرة على معاملة الإسلام معهم و إجراء أحكام الإسلام عليهم من أكل ذبائحهم و حقن دمائهم و احترام أموالهم و المناكحة معهم فلا بدّ من تأويل في هذه الأخبار و حملها على خلاف ظاهرها.

فغاية ما يمكن أن يقال: إنّ المخالف كافر أو ناصب لكن لا يترتّب عليه حكم النجاسة، و إن شئت فقل: إنّهم بمقتضى النصوص كفرة أو نصاب، لكن لا يترتّب على تلك النصوص أنّهم كبقيّة الأعيان النجسة، هذا في مطلق المخالف.

و أمّا الناصب لأهل البيت (عليهم السلام) فيدلّ على نجاسته ما رواه عبد اللّه ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: و إيّاك أن تغتسل من غسالة الحمّام ففيما تجتمع غسالة اليهودي و النصراني و المجوسي و الناصب لنا أهل البيت و هو شرّهم فإنّ اللّه تبارك و تعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب و أنّ الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه (1).

____________

(1) الوسائل، الباب 11 من أبواب الماء المضاف، الحديث 5.

188

و إن كان الأولى اجتناب الجميع، و أمّا الحديد فطاهر (1) و إن استحب المسح بالماء بعد الحلق و التقليم (2).

____________

(1) بلا خلاف على الظاهر، بل المسألة من الواضحات بحيث لا مجال للبحث. نعم، نقل عن بعض المتورّعين أنّه كان يجتنب عن أكل مثل البطّيخ الذي قطع بالحديد و يدلّ على الطهارة ما رواه سعيد بن عبد اللّه الأعرج قال:

قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): آخذ من أظفاري و من شاربي و أحلق رأسي أ فأغتسل؟ قال: لا ليس عليك غسل، قلت: فأتوضّأ؟ قال: لا ليس عليك وضوء، قلت: فأمسح على أظفاري الماء؟ فقال: هو طهور ليس عليك مسح (1).

و بهذا ترفع اليد عمّا دلّ على نجاسته و لزوم مسحه بالماء كرواية عمّار الآتية إذ الأحدث غير معلوم فيكون المقام من اشتباه الحجّة بغيرها، و النتيجة هي الطهارة، مضافا إلى وضوح الحكم كما تقدّم.

(2) لما رواه عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل قصّ أظفاره بالحديد أو جزّ من شعره أو حلق قفاه فإنّ عليه أن يمسحه بالماء قبل أن يصلّي. سئل فإن صلّى و لم يمسح من ذلك بالماء؟ قال: يعيد الصلاة لأنّ الحديد نجس، و قال: لأنّ الحديد لباس أهل النار و الذهب لباس أهل الجنّة (2)، لكن لا يمكن الجزم بالاستحباب إذ الحمل على الاستحباب ليس جمعا عرفيّا.

____________

(1) الوسائل، الباب 83 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(2) الوسائل، الباب 83 من أبواب النجاسات، الحديث 6.

189

في المطهّرات

190

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

191

[الأوّل: الماء المطلق]

فصل في المطهّرات و هي خمسة عشر: الأوّل: الماء المطلق (1) و هو يطهّر كلّ شي‌ء يقبل التطهير دون ما لا يكون له قابلية التطهير كالميتة و الكلب و الخنزير و أمثال ذلك (2).

____________

(1) بلا خلاف في الجملة، بل من الواضحات الأوّلية التي لا مجال للتشكيك فيها و تدلّ عليه جملة من الروايات التي نتعرّض لها عن قريب إن شاء اللّه.

(2) ما يمكن أن يستدلّ به على الكلّية أمور؛ منها: قوله تعالى: وَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيٰاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً (1) بتقريب أنّ المراد بالطهور الطاهر في نفسه و المطهّر لغيره.

و قد أورد في هذا الدليل إشكالات:

أحدها: أنّ غاية ما يستفاد من الآية الشريفة مطهّرية الماء النازل من السماء، و أمّا مطهّرية غيره فلا دلالة فيها.

و اجيب عن هذا الإشكال: بأنّ المستفاد من الكتاب و السنّة أنّ جميع المياه الموجودة في العالم منشأه ماء المطر، أمّا ما يدلّ عليه من الكتاب فقوله تعالى: وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّٰاهُ فِي الْأَرْضِ وَ إِنّٰا عَلىٰ ذَهٰابٍ بِهِ لَقٰادِرُونَ (2).

فإنّ المستفاد من ظاهر الآية أنّ اللّه سبحانه في بيان عظم قدرته و التهديد‌

____________

(1) الفرقان: 48.

(2) المؤمنون: 18.

192

..........

____________

بأنّه يمكنه أن يذهب بما يكون قوام كلّ شي‌ء به و هو الماء و لو كان غير ماء المطر ماء في الخارج لما كان قوام الناس بما أنزل من السماء، و قوله تعالى:

أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّٰهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً فَسَلَكَهُ يَنٰابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوٰانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرٰاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطٰاماً إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَذِكْرىٰ لِأُولِي الْأَلْبٰابِ (1)، فإنّ المستفاد من ظاهرها أنّ الينابيع أصلها من ماء المطر.

و أمّا ما يدلّ عليه من السنّة فما رواه عليّ بن إبراهيم عن الباقر (عليه السلام) في تفسير هذه الآية قال (عليه السلام): الينابيع هي العيون و الركايا ممّا أنزل اللّه من السماء فأسكنه في الأرض (2). و أمّا البحار فعلى ما يقولون إنّها متشكّلة من الأنهار.

ثانيها: أنّ لفظ الماء في قوله تعالى نكرة في سياق الإثبات و هي لا تدلّ على العموم بل المستفاد منها موجبة جزئية فلا يتمّ المطلوب.

و يمكن أن يجاب عنه: بأنّه سبحانه في مقام الامتنان على الخلق و الامتنان عليه يقتضي عمومية التفضّل، مضافا إلى أنّ جعل المطهّرية لنوع خاصّ من الماء من دون بيانه يكون لغوا و لا أقلّ من كونه خلاف البلاغة.

هذا، و لكن تماميّة هذا البيان تتوقّف على كون المراد من التطهير المعنى الشرعي و ليس عليه دليل، فيمكن أن يكون المراد منه التطهير العرفي أي الرافع للخباثات العرفية و هذا المعنى يناسب المنّة منه تعالى، مضافا إلى أنّه‌

____________

(1) الزمر: 21.

(2) تفسير القمّي: ج 2 ص 248.

193

..........

____________

يمكن أن يكون سبحانه في مقام بيان ما أنعم به من إحياء البلدة الميّتة بالماء و ما بعده لا في مقام بيان جعل الماء مطهّرا كي يستدلّ به على المقصود بالتقريب المتقدّم.

ثالثها: أنّ الطهور على ما نقل من بعض أهل اللغة اسم للطاهر و نقل عن بعض آخر: أنّه على وزن فعول و هي صيغة مبالغة كأكول، و على كلا الاحتمالين لا دلالة فيه على المدّعى.

و ردّ الاحتمال الأوّل كما نقل عن صاحب المصباح بأنّه لو كان الطهور بمعنى الطاهر لكان إطلاقه على كلّ طاهر صحيحا و الحال أنّه لا يصحّ فلا يقال: خشب طهور و ثوب طهور.

و ردّ الاحتمال الثاني بأنّ الطهور و إن استعمل أحيانا في المبالغة لكن في المقام لا يمكن أن يكون مستعملا فيها لأنّ الطهارة الشرعية من الامور الاعتبارية و الأمر الاعتباري غير قابل للشدّة.

و هذا الإيراد ممّا لا يمكن المساعدة عليه فإنّا لا نتصوّر مانعا عن شدّة في الأمر الاعتباري فإنّ المعتبر و الجاعل تارة يعتبر أمرا بمرتبة و أخرى يعتبر أمرا أقوى من تلك الرتبة و ليس فيه مانع عقلي و غيره و في المقام لا مانع من تصوّر الطهارة الشديدة في الماء و أثره أنّه لا ينفعل بالغير، و أمّا غيره فينفعل بغيره.

و الإيراد بأنّه وصف لطبيعي الماء و طبيعي الماء لا يكون عاصما أوّل الكلام و أيّ دليل دلّنا على ذلك فتأمّل.

194

..........

____________

كما أنّ الإشكال بأنّه لو كان استعماله في المبالغة جائزا لكان إطلاقه على البواطن بهذا اللحاظ صحيحا و الحال أنّه غلط، لا نسلمه فإنّه لو كان من صيغ المبالغة و تصوّرنا المبالغة في الطهارة الشرعية كما قلنا إنّه كذلك، فلا مانع من الإطلاق و لا مجال لأن يقال هذا الاستعمال غلط.

فانقدح ممّا ذكر أنّ هذه الآية لا تدلّ على المدّعى.

و منها: قوله تعالى: وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطٰانِ (1) و لا يرد في هذه الآية ما ورد في تلك من احتمال طهارة الماء أو المبالغة في وصفه.

و لكن يرد فيها أنّها وردت في طائفة خاصّة، و مع اختصاص المورد لا دلالة فيها على العموم.

و ردّ هذا الإشكال بأنّ المستفاد من جملة من الروايات أنّ ورود الآية في مورد أو تفسيرها بمورد خاصّ لا يوجب الاختصاص، بل القرآن يجري مجرى الشمس و القمر و لنا في دلالة جملة من هذه الروايات على فرض تسليم سندها كلام و للتفصيل و التحقيق في هذا البحث مقام آخر و العمدة في الإشكال في هذه الآية ما ذكرناه في سابقتها من أنّ الطهارة بالمعنى الشرعي المصطلح حادثة و لا يمكن حمل الآية عليه فهذه الآية أيضا غير دالّة على المطلوب.

و لكن قد مرّ الكلام قريبا حول هذه الجهة و قلنا إنها لا تكون حادثة.

____________

(1) الأنفال: 11.

195

..........

____________

و منها: جملة من الروايات، و من تلك الروايات ما رواه محمّد بن حمران و جميل بن درّاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: إنّ اللّه جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا (1).

و منها: مرسل الصدوق قال: و قال الصادق (عليه السلام): كلّ ماء طاهر إلّا ما علمت أنّه قذر (2).

و منها: ما أرسله أيضا قال: و قال (عليه السلام): الماء يطهّر و لا يطهّر (3).

و منها: ما رواه داود بن فرقد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض و قد وسّع اللّه عليكم بأوسع ما بين السماء و الأرض و جعل لكم الماء طهورا فانظروا كيف تكونون (4).

و منها: ما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

الماء يطهّر و لا يطهّر (5) إلى غير ذلك من الروايات المطلقة، مضافا إلى ما ورد في الموارد الخاصّة الدالّة على مطهّرية الماء للبول و الولوغ و الخمر و الخنزير و غيرها من النجاسات، أضف إلى ذلك كلّه الاتفاق و التسالم الخارجي على طهارة الماء و مطهّريّته مطلقا و ما نسب إلى أبي هريرة و عمرو بن العاص و عبد اللّه بن عمر من عدم طهوريّة ماء البحر، فعلى تقدير صحّة النسبة لا يعبأ به.

____________

(1) الوسائل، الباب 1 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1.

(2) نفس المصدر، الحديث 2.

(3) نفس المصدر، الحديث 3.

(4) الوسائل، الباب 1 من أبواب الماء المطلق، الحديث 4.

(5) نفس المصدر، الحديث 6.

196

[الثاني: الأرض]

الثاني: الأرض، و هي تطهّر أسفل الرجل و النعل (1).

____________

(1) نقل عن جامع المقاصد أنّه مجمع عليه، و نقل عن المدارك و الدلائل أنّه مقطوع به في كلام الأصحاب، و يدلّ عليه في الرجل ما رواه زرارة بن أعين قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل وطأ على عذرة فساخت رجله فيها أ ينقض ذلك وضوئه، و هل يجب عليه غسلها؟ فقال: لا يغسلها إلّا أن يقذرها و لكنّه يمسحها حتّى يذهب أثرها و يصلّي (1).

و ما رواه المعلّى بن خنيس قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الخنزير يخرج من الماء فيمرّ على الطريق فيسيل منه الماء أمرّ عليه حافيا، فقال: أ ليس ورائه شي‌ء جافّ؟ قلت: بلى، قال: فلا بأس إنّ الأرض يطهّر بعضها بعضا (2) و غيرهما.

و أمّا في النعل فيقتضيه إطلاق رواية الأحول عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال في الرجل يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف ثمّ يطأ بعده مكانا نظيفا فقال: لا بأس إذا كان خمسة عشر ذراعا أو نحو ذلك (3).

و ما رواه الحلبي قال: نزلنا في مكان بيننا و بين المسجد زقاق قذر فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال: أين نزلتم؟ فقلت: نزلنا في دار فلان، فقال: إنّ بينكم و بين المسجد زقاقا قذرا أو قلنا له: إنّ بيننا و بين المسجد زقاقا قذرا، فقال: لا بأس الأرض تطهّر بعضها بعضا، قلت: فالسرقين‌

____________

(1) الوسائل، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث 7.

(2) نفس المصدر، الحديث 3.

(3) نفس المصدر، الحديث 1.

197

سواء كان من الجلود أو الأخشاب أو غيرهما (1) بالمشي عليها أو المسح بها (2).

____________

الرطب أطأ عليه، فقال: لا يضرّك مثله (1).

و أمّا الاستدلال عليه بعموم التعليل الوارد في جملة من روايات الباب فمشكل لإجمال المراد من العلّة فإنّه يحتمل أن يكون المراد من البعض الثاني هو الرجل و الخف و أطلق عليهما بعض الأرض بعلاقة مجاورتهما معها كما عن بعض، و يحتمل كون المراد منه الأجزاء الأرضية اللاصقة بالرجل و الخف و يستفاد طهارتهما تبعا، و يحتمل كون المراد منه البعض المبهم أي الأرض تطهّر بعضا مبهما من الأشياء كما عن بعض، و يحتمل كون المراد منه أنّ بعضها يطهّر ما ينجس بملاقاة بعضها الآخر و مع كثرة الاحتمالات و عدم معين لا مجال للاستدلال.

1- للإطلاق فإنّ الوطاء شامل لجميع هذه الأقسام.

(2) أمّا المشي فيدلّ على كفايته في الرجل و النعل إطلاق رواية الأحول (2). و أمّا المسح فيدلّ على كفايته في الرجل رواية زرارة (3). و أمّا كفايته في النعل فالمستند إمّا عموم التعليل فقد عرفت إجمالها و عدم المجال للاستدلال بها.

و أمّا كون المستند ما رواه حفص بن أبي عيسى قال: قلت لأبي‌

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 4.

(2) تقدّمت في ص 196.

(3) تقدّمت في ص 196.

198

على وجه يزول عين النجاسة (1) و لو فرض زوالها قبل ذلك ففي الاكتفاء بمجرّد مسّ الأرض إشكال (2) بل لا بدّ من المشي أو المسح بالأرض أيضا و كذا في النجاسات التي لا عين لها كالبول و الماء المتنجّس بعد اليبس. و لا فرق في الأرض بين التراب و الحجر و غيرهما ممّا يصدق عليه اسم الأرض (3) و يعتبر فيها الطهارة (4).

____________

عبد اللّه (عليه السلام): إنّي وطئت عذرة بخفّي و مسحته حتّى لم أر فيه شيئا ما تقول في الصلاة فيه؟ قال: لا بأس (1).

فيرد عليه: أنّ المستفاد منه عدم البأس في الصلاة فيه و هو أعمّ من حصول الطهارة بالمسح، مضافا إلى أنّ حفص بن أبي عيسى الراوي في هذه الرواية مجهول فلا اعتبار بها.

(1 كما صرّح به في رواية زرارة (2) فلاحظ، مضافا إلى أنّ القاعدة تقتضي ذلك.

(2) و الوجه فيه عدم الدليل على كفاية المسّ أو المشي فلا مجال للخروج عن مقتضى الأدلّة من لزوم المشي أو المسح.

(3) لأنّ الموضوع في الأدلّة عنوان الأرض، فكلّما تحقّق هذا العنوان يتحقّق الموضوع.

(4) ذهب إليها على ما نقل الشهيد الأوّل و الاسكافي و الكركي و نسب إلى‌

____________

(1) الوسائل، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث 6.

(2) تقدّم في ص 196.

199

..........

____________

الشهيد الثاني عدم الاشتراط.

و ما يمكن أن يكون مدركا لهذا الحكم أمور:

الأوّل: قوله (صلّى اللّه عليه و آله): جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا (1)، بناء على كون الطهور هو الطاهر بنفسه المطهّر لغيره فلا بدّ من أن تكون الأرض المطهّرة طاهرة.

و يرد عليه أنّ المستفاد من هذه الرواية أنّ الأرض واجدة لكلتا الجهتين.

أمّا كون الطهارة شرطا في كلّ أرض مطهّرة فلا يستفاد من هذه الرواية مضافا إلى أنّه قد مرّ منّا قريبا أنّ الطهور له معان، أضف إلى ذلك أنّ الحديث ضعيف سندا.

الثاني: القاعدة المتّفق عليها عند الفقهاء و هي اشتراط الطهارة في كلّ مطهّر.

و يرد عليه: أنّه كيف يمكن ادّعاء الاتّفاق على ذلك مع ذهاب الشهيد الثاني إلى الخلاف بل نسب الخلاف إلى جماعة.

الثالث: الاستقراء الموجب للظنّ باشتراط الطهارة في المطهر، و يرد عليه أنّ الظنّ على فرض تسليم حصوله من الاستقراء لا اعتبار به.

الرابع: الارتكاز العرفي بأنّ الفاقد لا يعطي فإنّ هذا الارتكاز يوجب ظهور الكلام في اعتبار هذا الشرط و لذلك استدلّ الفقهاء على نجاسة الأشياء بنجاسة ملاقيها.

____________

(1) الوسائل، الباب 7 من أبواب التيمّم، الحديث 2.

200

..........

____________

و يرد عليه: أنّ المتّبع ظهور الأدلّة و ملاكات الأحكام لا تناط بنظر العرف فإنّ المطهّرات ليست من سنخ واحد و قياس المقام بباب النجاسة مع الفارق لأنّه علم من الخارج بالضرورة أنّ الطاهر لا ينجس شيئا، مضافا إلى أنّ سراية القذارة من الملاقي إلى الملاقى موافق مع نظر العرف، و أمّا مطهّرية الأرض فخارجة عن ارتكاز العرف فلا معنى لأن يناط بنظره.

الخامس: الأصل أي الاستصحاب فإنّ مقتضاه بقاء النجاسة مع الشكّ.

و يرد عليه أنّ إطلاق الدليل لا يبقي مجالا لجريان الأصل، مضافا إلى أنّ الاستصحاب لا يجري في الأحكام الكلّية كما مرّ منّا لعلّه مرارا.

السادس: صحيح الأحوال (1) فإنّه فرض في سؤاله أنّه يطأ بعده مكانا نظيفا و الحكم وارد في هذا الفرض فلا وجه للتعدّي.

و أورد عليه: بأنّ القيد فرض في كلام الراوي لا في كلام الإمام (عليه السلام) و لكن هذا الإشكال غير وارد لأنّ الإطلاق يحتاج إلى الدليل و قد دلّ بعض الروايات بإطلاقه على كفاية المشي على الأرض لكن يختصّ بالمشي حافيا كروايتي زرارة و معلّى (2).

و أمّا المشي مع النعل على الأرض غير النظيفة فالظاهر أنّه ليس على مطهّريته دليل إلّا أن يقال بعدم القول بالفصل، اللّهمّ إلّا أن يستدلّ عليه برواية الحلبي المتقدّمة (3) فإنّه لم يفصل في تلك الرواية بين النعل و غيره و لم يفصل بين المشي على الأرض النظيفة و غيرها‌

____________

(1) تقدّم في ص 196.

(2) تقدّم في ص 196.

(3) تقدّمت في ص 196.

201

و الجفاف فلا يضرّ النداوة الغير المتعدّية التي يصدق معها الجفاف و إن كان الأولى يبوستها (1).

____________

(1) نسب إلى الإسكافي و جامع المقاصد و المسالك و غيرهم اشتراط ذلك.

و يدلّ عليه ما تقدّم في رواية معلّى (1) من قوله (عليه السلام): «ليس ورائه شي‌ء جاف؟ قلت: بلى» و ما رواه محمّد الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له:

إنّ طريقي إلى المسجد في زقاق يبال فيه فربّما مررت فيه و ليس عليّ حذاء فيلصق برجلي من نداوته، فقال: أ ليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟

قلت: بلى، قال: فلا بأس، إنّ الأرض يطهّر بعضها بعضا، الحديث (2).

و احتمال كون المراد من الجفاف في الأولى الجفاف من الماء السائل من الخنزير يدفعه ظهور الرواية في اشتراط الجفاف مطلقا، كما أنّ احتمال كون المراد من اليبوسة في الثانية اليبوسة من البول لا يعبأ به مع ظهور الدليل في خلافه، فمقتضى الروايتين اشتراط الجفاف، بل لا يبعد أن يستفاد من الجمع بين الروايتين اشتراط اليبوسة لأنّ اليبوسة أخصّ من الجفاف و الجفاف الوارد في موضوع الحكم في الأولى مطلق قابل لأن يقيّد باليبوسة و عليه يظهر الإشكال فيما أفاده (قدّس سرّه) في المتن من الاكتفاء بالجفاف، لكن الحديثين ضعيفان سندا، كما أنّ حديث الكليني: و في رواية أخرى إذا كان جافّا فلا تغسله (3) كذلك فالحكم مبنيّ على الاحتياط.

____________

(1) تقدّمت في ص 196.

(2) الوسائل، الباب 32 من أبواب النجاسات، الحديث 9.

(3) نفس المصدر، الحديث 5.

202

كما أنّ الأحوط الاقتصار على النجاسة الحاصلة من الأرض (1) و في طهارة الكفّ و الركبة و ظهر الرجل لمن يمشي عليها و ما يتوقّى به لها بالأرض تأمّل (2) أمّا كعب عصا الأعمى و عكاظ الرمح فلا يطهران بالأرض (3). نعم لا يبعد طهارة حواشي القدم القريبة من أسفله التي تصل بنفسها إلى الأرض في المشي (4).

و المعتبر إزالة العين، أمّا الأجزاء الصغار التي لا تزول في الغالب بغير الماء فلا يعتبر إزالتها (5) كما هو الحال في الاستنجاء بغير الماء و إن كان الأولى إزالتها أيضا، بل لا يبعد طهارة الأجزاء الأرضية النجسة الباقية في أسفل القدم و النعل بعد المشي

____________

(1) بل لا وجه للتعدّي لعدم الدليل و اللازم الاقتصار على مورد النصوص.

(2) لانصراف الدليل عنها، فإنّ الوطاء منصرف إلى ما يكون متعارفا في الخارج و لكن الإنصاف أنّ للمناقشة في هذا الانصراف مجال.

(3) لعدم الدليل.

(4) فإنّ العرف يفهم من هذه الروايات طهارة ما تصل من الرجل بالمشي على الأرض، بل يمكن أن يقال بشمول هذه الأدلّة المقدار المتعارف من الرجل التي تسيخ في العذرة.

(5) إن كانت الأجزاء الصغار بحيث لا تزول غالبا إلّا بالغسل فلا يلزم زوالها لأنّ اشتراط زوالها يستلزم رفع اليد عن هذه الأدلّة و حملها على الفرد النادر لا وجه له، و أمّا إن كانت قابلة للزوال و لو مع المشقّة فيشكل الحكم‌