الدلائل في شرح منتخب المسائل - ج1

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
742 /
303

[الخامس و السادس و السابع الجنون و الإغماء و السكر]

(الخامس) الجنون. (السادس) الإغماء (السابع) السكر (1).

____________

(1) ما يمكن أن يقال في مدرك ناقضية هذه المذكورات أمور:

منها: الإجماع، فعن التهذيب إجماع المسلمين عليه، و عن محكي المنتهى لا نعرف فيه خلافا بين أهل العلم، و عن المدارك هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب، و عن الخصال أنّ من دين الإمامية أنّ مذهب العقل ناقض، و عن البحار أنّ أكثر الأصحاب نقلوا الإجماع عليه و هذا هو العمدة إذ تعرف الخدش في بقيّة الوجوه و مع ذلك يمكن النقاش في حجّية هذا الإجماع مع احتمال كون المدرك عندهم أو البعض منهم أحد الوجوه الآتية.

و منها: أنّ المستفاد من بعض الأخبار الواردة في النوم أنّه ينقض إذا ذهب بالعقل فيفهم منه أنّ المناط في الناقضية ذهاب العقل بالنوم فلو نقض بذهابه بالنوم فينقض بذهابه بالجنون و الإغماء بالأولويّة.

و يرد عليه: إنّ المستفاد من الرواية المشار إليها أنّ النوم الناقض هو الذي يوجب ذهاب العقل، و أمّا كون المدار في الناقضية ذهابه فلا تكون الرواية دالّة عليه و لو تنزّلنا فمجرّد إشعار عليه.

و منها: ما رواه الفضل عن الرضا (عليه السلام) قال: إنّما وجب الوضوء ممّا خرج من الطرفين خاصّة و من النوم دون سائر الأشياء لأنّ الطرفين هما طريق النجاسة إلى أن قال: و أمّا النوم فإنّ النائم إذا غلب عليه النوم يفتح كلّ شي‌ء منه و استرخى فكان أغلب الأشياء عليه فيما يخرج منه الريح فوجب عليه الوضوء لهذه العلّة (1). بتقريب أنّ هذه العلّة المذكورة التي توجب الوضوء‌

____________

(1) الوسائل، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 13.

304

..........

____________

موجودة في مورد المذكورات و بعموم العلّة يعمّم الحكم.

و الجواب عن هذا الاستدلال: أنّ تحقّق هذه العلّة في هذه الموارد غير معلوم، بل معلوم العدم، أضف إلى ذلك الإشكال في سند الحديث.

و منها: ما رواه معمر بن خلّاد قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل به علّة لا يقدر على الاضطجاع و الوضوء يشتدّ عليه و هو قاعد مستند بالوسائد فربّما أغفى و هو قاعد على تلك الحال، قال: يتوضّأ، قلت له: إنّ الوضوء يشتدّ عليه لحال علّته، فقال: إذا خفى عليه الصوت فقد وجب عليه الوضوء، و قال: يؤخّر الظهر و يصلّيها مع العصر يجمع بينهما و كذلك المغرب و العشاء (1). بتقريب أنّ الميزان المستفاد من الرواية خفاء الصوت، فكلّما حصل فهو ناقض.

و يرد عليه: أنّ الناقض هو الإغفاء في حال خفاء الصوت و لا يستفاد من الرواية أنّ خفاء الصوت مطلقا يوجب النقض مضافا إلى أنّه لو سلّم فإنّه يختصّ بالإغماء و لا يعمّ السكر و الجنون لعدم خفاء الصوت فيهما.

____________

(1) الوسائل، الباب 40 من أبواب نواقض الوضوء.

305

[الثامن الرطوبة المشتبهة الخارجة من الحشفة قبل الاستبراء أو حاله]

(الثامن) الرطوبة المشتبهة الخارجة من الحشفة قبل الاستبراء أو حاله و لو مع طول الفصل بين خروجها و البول (1).

[التاسع الاستحاضة قليلة كانت أو متوسّطة أو كثيرة.]

(التاسع) الاستحاضة قليلة كانت أو متوسّطة أو كثيرة.

[العاشر الحيض]

(العاشر) الحيض

[الحادي عشر النفاس]

(الحادي عشر) النفاس

[الثاني عشر مسّ الميّت على الأحوط]

(الثاني عشر) مسّ الميّت على الأحوط (2)، و أمّا الجنابة فإنّها و إن كانت ناقضة للوضوء لكنّها ليست موجبة له (3) بل موجبة للغسل فقط فيصلّي معه من غير وضوء، و أمّا في الحيض و النفاس و الاستحاضة المتوسّطة و الكثيرة و مسّ الميّت فإنّه و إن لزم الغسل لكن يجب معه الوضوء أيضا للصلاة و نحوها فلا تصحّ إلّا بهما معا على الأحوط (4).

____________

(1) كما مرّ التفصيل بين الخارج قبل الخرطات و بعدها فراجع.

(2) يتعرّض هو (قدّس سرّه) لحكم الاستحاضة و الحيض و النفاس و مسّ الميّت فيما بعد و نحن نتعرّض لدليله هناك إن شاء اللّه تعالى.

(3) كما يأتي دليله في محلّه إن شاء اللّه تعالى.

(4) و نتعرّض لدليله أيضا إن شاء اللّه تعالى في محلّه.

306

مسألة 97: في موارد الجمع بين الوضوء و الغسل وجوب تقديم الوضوء غير معلوم و إن كان أحوط (1).

مسألة 98: المدار في حصول هذه النواقض على العلم العادي فلا عبرة بالظنّ فضلا عن الشكّ و إن كان النقض ثمّ الوضوء مع الشكّ فضلا عن الظنّ أولى (2) إذا لم يفض إلى الوسوسة (3).

____________

1- الظاهر أنّ الوجه في هذا الاحتياط تقدّم الامتثال القطعي على الاحتمالي إذ لو أخّر الوضوء يحتمل عدم مطلوبيته لحصول الغرض من إتيانه بالغسل المتقدّم عليه، و قد مرّ منّا أنّه لا فرق في نظر العقل بين أنواع الامتثال و لا تقدّم لبعضها على بعضها الآخر.

(2) لدرك الواقع، و أمّا النقض ثمّ الوضوء فالظاهر أنّ الوجه فيه تحقّق الامتثال التفصيلي، و الحقّ أن يقال: إنّ الأولى تجديد الوضوء رجاء بلا إبطاله أوّلا إذ في صورة الإبطال لا يكون متطهّرا و لو أثناء دقائق من الزمان، أضف إلى ذلك أنّه لو كان تجديد الوضوء مستحبّا يقصد ما في الذمّة.

(3) لما استفيد من جملة من الروايات إنّها مبغوضة للشارع فلا يحسن الاحتياط إذا أفضى إليها، ففي رواية زرارة و أبي بصير دلالة على ذلك؛ قالا:

قلنا له: الرجل يشكّ كثيرا في صلاته حتّى لا يدري كم صلّى و لا ما بقي عليه، قال: يعيد، قلنا: فإنّه يكثر عليه ذلك كلّما أعاد شكّ، قال: يمضي في شكّه ثمّ قال: لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه فإنّ الشيطان خبيث معتاد لما عوّد فليمض أحدكم في الوهم و لا يكثرنّ نقض‌

307

..........

____________

الصلاة فإنّه إذا فعل ذلك مرّات لم يعد إليه الشكّ.

قال زرارة: ثمّ قال: إنّما يريد الخبيث أن يطاع فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم (1). و لكن ذكرنا أخيرا أنّه لا يستفاد من الحديث حرمة العمل بل المستفاد منه أنّ شكّ كثير الشكّ و الوسواسي لا اعتبار به فلو احتاط كي يحرز الواقع لا يرتكب الحرام، فلاحظ.

____________

(1) الوسائل، الباب 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 2.

308

[فصل في حقيقة الوضوء]

فصل في حقيقة الوضوء و هي غسل الوجه (1) و اليدين (2) و مسح

____________

(1) ادّعى إجماع علماء الإسلام عليه، و في بعض الكلمات بل ينبغي نظمه في سلك الضروريات، و يدلّ عليه مضافا إلى ذلك قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ الآية (1). و النصوص الواردة في هذا المقام و نتعرّض لبعضها إن شاء اللّه تعالى.

(2) يدلّ عليه مضافا إلى الإجماع الكتاب و السنّة، أمّا الكتاب فقوله تعالى: وَ أَيْدِيَكُمْ و أمّا السنّة فنتعرّض لها عند بيان اشتراط كون الغسل من المرفق إلى الأصابع.

____________

(1) المائدة: 6.

309

الرأس و الرجلين (1). و أمّا غسل الوجه فيجب من قصاص الشعر (2).

____________

(1) قد دلّ عليه قوله تعالى: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ و أمّا النصّ الدال عليهما فنتعرّض له عند تعرّضه لكيفيّة مسحهما.

(2) نقل عن المعتبر دعوى عدم الخلاف، و عن المنتهى أنّه مذهب أهل البيت، و عن غيرهما دعوى الإجماع عليه و يدلّ عليه ما رواه زرارة بن أعين أنّه قال لأبي جعفر الباقر (عليه السلام): اخبرني عن حدّ الوجه الذي ينبغي أن يؤضّأ الذي قال اللّه عزّ و جلّ، فقال: الوجه الذي قال اللّه و أمر اللّه عزّ و جلّ بغسله الذي لا ينبغي لأحد أن يزيد عليه و لا ينقص منه إن زاد عليه لم يؤجر و إن نقص منه أثم؛ ما دارت عليه الوسطى و الإبهام من قصاص شعر الرأس إلى الذقن و ما جرت عليه الإصبعان مستديرا فهو من الوجه و ما سوى ذلك فليس من الوجه، فقال له: الصدغ من الوجه؟ فقال: لا (1). هذا بحسب رواية الصدوق.

و رواه الكليني عن زرارة مثله إلّا أنّه قال: و ما دارت عليه السبابة و الوسطى و الإبهام.

و رواه الشيخ أيضا مثل ما رواه الكليني. و لا يخفى أنّه لا فرق بين ذكر السبّابة و عدمه إلّا أن يراد التخيير بين السبّابة و الوسطى و هذا المعنى مضافا إلى أنّه خلاف ظاهر الجملة إذ لم يعبّر بلفظ «أو» غير معقول لأنّ مرجعه إلى كون الحدّ دائرا بين الأقلّ و الأكثر فقد بيّن (عليه السلام) حدّ الوجه الواجب غسله من حيث الطول من قصاص الشعر إلى الذقن و من حيث العرض ما دار عليه‌

____________

(1) الوسائل، الباب 17 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

310

..........

____________

الاصبعان. و الظاهر أنّ هذا المعنى ظاهر من الجملة بحيث يفهمه العرف بلا عناية و تكلّف.

إنّما الكلام في وجه تعبيره بالدوران فنقول: يمكن أن يكون الوجه في قوله (عليه السلام): (ما دارت) أنّ الرأس مدوّر و بتبعه يكون الوجه مدوّرا فلو وضع الاصبعان على الوجه، على الوجه المقرّر يحدث دائرة، و أمّا التعبير بالتدوير في الجملة الأخرى فامّا باعتبار ما ذكر في الجملة الأولى، و إمّا باعتبار تدوير الوجه عرفا باستدارة اللحيين بل و باستدارة قصاص الشعر من الناصية إلى العذار كما في بعض الكلمات.

و كيف كان الأمر ظاهر و لا مجال لما استشكله البهائي (قدّس سرّه) على ما نقل من أربعينه حيث ردّ على المشهور في تفسيرهم للرواية بأنّه يلزم على هذا التفسير دخول النزعتين و هما البياضان المكتنفان بالناصية و الصدغان في المحدود الواجب غسله مع خروج الأولتين عن وجوب الغسل بالإجماع و خروج الآخرين بنصّ الرواية فلا بدّ من تفسير آخر و هو أنّ كلّا من طول الوجه و عرضه هو ما اشتمل عليه الاصبعان إذا ثبت وسطه و أدير على نفسه حتّى يحصل شبه دائرة فذلك القدر هو الذي يجب غسله.

و بعبارة أخرى: الحدّ الواجب غسله هو ما حوته الدائرة الهندسية التي يكون قطرها قدر ما بين الاصبعين و بهذا التحديد تخرج النزعتان و الصدغان عن الحدّ المغسول، هذا ملخّص كلامه.

و يرد عليه أوّلا: أنّ هذا المعنى خلاف المتفاهم العرفي، و لذا لم يتوجّه إليه أحد من الفقهاء فيما نعلم.

311

..........

____________

و ثانيا: أنّه يلزم منه خروج بعض الوجه عن الحدّ لأنّ ما بين الإبهام و الوسطى أقلّ ما بين القصاص و الذقن و يلزم أيضا خروج بعض الجبهة و أكثر الجبينين لأنّ الاصبع الموضوع على الجبهة بحركته الدورية يميل إلى السفل فيخرج بعضها و أكثرهما مع دخولهما في الحدّ إجماعا و نصّا، ففي مكاتبة إسماعيل بن مهران قال: كتبت إلى الرضا (عليه السلام) أسأله عن حدّ الوجه، فكتب:

من أوّل الشعر إلى آخر الوجه و كذلك الجبينين (1).

و أمّا ما أورده على تفسير المشهور من دخول النزعتين و الصدغين فيجاب عنه: أنّ المراد من قصاص الشعر منتهى منبت الشعر من مقدم الرأس فلا يعمّ الناصية.

و بعبارة أخرى الظاهر من الرواية هذا المعنى و المشهور هكذا فهموا من الرواية، مضافا إلى أنّه مع خروجهما بالإجماع عن المحدود لا يبقى مجال للإشكال. و أمّا الصدغان فإن كان معنى الصدغ ما بين العين و الاذن فيدخل بعضه في المحدود على كلا التفسيرين و إن كان بمعنى الشعر المتدلّي على هذا الموضع فهو خارج عن المحدود على كلا التفسيرين أيضا، فالتصريح في الرواية بخروجهما عن المحدود لا يكون معينا لأحد التفسيرين كما هو ظاهر.

فانقدح ممّا ذكر: أنّ الواجب غسل الوجه من قصاص الشعر إلى الذقن طولا و ما اشتمل عليه الاصبعان عرضا مبتدءا من الأعلى إلى الأسفل لمكان لفظ «من و إلى».

____________

(1) الوسائل، الباب 17 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

312

إلى آخر الذقن طولا و ما دار عليه الإبهام و الوسطى عرضا (1).

____________

(1) لو قلنا: بأنّ الغاية داخلة في المغيّى فالظاهر أنّ ما أفاده (قدّس سرّه) من لزوم الغسل إلى آخر الذقن هو الصحيح فإنّه على هذا المبنى يلزم غسل الذقن، و غسل الذقن لا يتحقّق إلّا بغسل تمامه كما هو ظاهر.

توضيح ذلك أنّ الغاية لا يمكن أن يكون ذا أجزاء كما هو ظاهر فلو جعل الغاية ما يكون ذا أجزاء كما في المقام فلا بدّ من أن يقدر لفظ الأوّل أو الآخر أو الوسط كي يصلح معنى الغاية، فمعنى دخول الغاية في المغيى فيما يكون للغاية أجزاء أن يقدر لفظ الآخر و هو الخطّ الموهوم الذي يكون حدّا لطرفين و لا يبعد أن يقال: إنّ المتفاهم الخارجي في المحاورات خروج الغاية عن المغيى فيما جعل الدالّ عليهما لفظ- إلى- بخلاف ما جعل الدالّ عليهما لفظ- حتّى- فإنّ المتفاهم الخارجي فيها دخولها فيه كما لو قال القائل: أكلت السمك حتّى رأسها.

و إن شئت قلت: الأكثر في الاستعمالات دخولها فيه إذا اتي بلفظ حتّى و خروجها منه فيما اتي بلفظ- إلى- و إن أبيت عن ذلك فلا أقلّ من الإجمال و عدم الدليل على وجوب غسل الذقن و مع عدم الدليل المرجع هي البراءة المقتضية لعدم لزوم غسله كما هو الشأن في باب دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر.

و لا يخفى أنا قد ذكرنا أخيرا أن في مورد دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين لا يجري الأصل لا البراءة و لا الاستصحاب إذ بالتعارض تسقط‌

313

..........

____________

الأصول و تصل النوبة إلى حكم العقل بالاحتياط اللهم إلا أن يقال في مورد العلم الإجمالي لا مانع من جريان الأصل في بعض الأطراف و الالتزام بالتبعيض في الاحتياط و عدم كون العلم الإجمالي منجزا بالجملة بل منجز في الجملة فلا تغفل.

لا يقال: الشكّ في المقام يكون في المحصّل و المرجع فيه أصالة الاشتغال و الوجه في ذلك أنّ المستفاد من جملة من الروايات أنّ الصلاة مشروطة بالطهارة ففيما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا صلاة إلّا بطهور (1)، فكلّما شكّ في دخله لحصول الطهارة التي اشترطت في الصلاة لا بدّ من إتيانه.

فإنّه يقال: إنّ المستفاد من جملة من الروايات أنّ الطهور عبارة عن نفس الوضوء و التيمّم ففيما رواه زرارة في حديث قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إن أصاب الماء و قد دخل في الصلاة، قال: فلينصرف فليتوضّأ ما لم يركع فإن كان قد ركع فليمض في صلاته فإنّ التيمّم أحد الطهورين (2)، فيعلم من هذه الرواية و غيرها أنّ الطهور الذي جعل شرطا في الصلاة عبارة عن هذه الأفعال الخاصّة و لا ينافي ذلك المعنى اللغوي فإنّ الطهور في اللغة له معنيان: أحدهما: المعنى المصدري أي الغسلات و المسحات، ثانيهما: ما يتحقّق بهذه الأفعال و تكون هذه الأفعال آلة له، فلا ينحصر في المعنى الآلي‌

____________

(1) الوسائل، الباب 1 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

(2) الوسائل، الباب 21 من أبواب التيمّم، الحديث 1.

314

..........

____________

و كونه آلة لشي‌ء آخر، مضافا إلى أنّه علم من الأدلّة كما بيّنا أنّ المأمور به عبارة عن نفس الأفعال الخاصّة فلا مجال لجريان قاعدة الاشتغال، هذا أوّلا.

و ثانيا: لو أغمض عن الروايات و وصلت النوبة إلى الأصل العملي فمقتضاه الاكتفاء بما علم وجوبه و لا مجال للاشتغال و ذلك لأنّ المراد بالطهور المجعول شرطا في الصلاة مردّد بين أن يكون معنى مسبّبا من هذه الأفعال و بين أن يكون نفس هذه الأفعال و مع هذا الدوران لا يعلم بتعلّق التكليف بما يكون مسبّبا كي يقتضي الاشتغال لزوم الإتيان بكلّ ما يحتمل دخوله في محصله، بل يحكم بإتيان ما علم لزومه، هذا كلّه بحسب الطول.

و أمّا بحسب العرض فقد ظهر بما تقدّم ما يجب غسله.

315

و يلزم إدخال شي‌ء من أطراف حدّ المذكور في الغسل لتحصيل العلم بغسل تمام المقدار الواجب بل إدخال شي‌ء من باطن الأنف و الشفتين لذلك أيضا (1).

و داخل العين من الباطن فلا يجب غسله (2) و المدار في القصاص و الأصابع على مستوى الخلقة فلا عبرة بغيره (3).

____________

(1) فإنّه لو توقّف العلم بالامتثال و تحقّق ما هو واجب غسله يلزم من باب المقدّمة إدخال شي‌ء من الأطراف بل شي‌ء من باطن الأنف و الشفتين كما أفاده (قدّس سرّه).

(2) الظاهر أنّ عدم وجوب غسل ما يكون من الباطن اتفاقي بينهم و يمكن أن يستدلّ له بالوضوءات البيانية حيث إنّ وصول الماء إلى الباطن ليس أمرا طبعيّا بل يحتاج إلى مئونة و ليس في النصوص دلالة عليه و يشهد له أيضا ما ورد في غير واحد من النصوص من أنّ الواجب غسله ما يكون ظاهرا، و أمّا الباطن فلا يجب، منها ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

ليس المضمضة و الاستنشاق فريضة و لا سنّة إنّما عليك أن تغسل ما ظهر (1).

و هذه النصوص و إن كان في سندها خدش لكن لا يبعد أن تورث بمجموعها الوثوق بصدور مضمونها إجمالا، بل يمكن أن يقال: إنّه لا مقتضى للزوم غسل الباطن فإنّ الوجه ظاهر فيما يبدو للناظر كما في اللغة و لذا يصدق النظر إلى وجه من يكون مطبقا لجفنيه.

(3) لا شبهة في أنّ المستفاد من أدلّة الوضوء وجوب غسل كلّ مكلّف‌

____________

(1) الوسائل، الباب 29 من أبواب الوضوء، الحديث 6.

316

و يجب أن يكون الغسل من الأعلى (1).

____________

وجهه، فلا بدّ ن رعاية تناسب أعضاء كلّ مكلّف و ما في جملة من الكلمات من أنّ الميزان المتعارف من الخلق، فالظاهر أنّ المراد منها ليس ما بنوا عليه في تعيين الكر بالأشبار فإنّه في المقام لا ينسبق إلى الذهن إلّا تناسب أعضاء كلّ مكلّف بالنسبة إلى ما يكون متعارفا في صنفه فعليه لا يجب على من انحسر شعره عن المتعارف غسل المقدار الخارج عن الوجه و يجب على الأغمّ غسل المقدار النابت عليه الشعر و هكذا في كلّ من يكون خارجا عن المتعارف في صنفه.

(1) على الأشهر، بل نسب إلى المشهور و عن بعض دعوى الاتّفاق عليه، و يمكن أن يستدلّ بما ورد عن أبي جعفر (عليه السلام) من حكاية وضوء النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) روى زرارة قال: حكى لنا أبو جعفر (عليه السلام) وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فدعا بقدح فأخذ كفّا من ماء فأسدله على وجهه ثمّ مسح وجهه من الجانبين جميعا ثمّ أعاد يده اليسرى في الإناء فأسدلها على يده اليمنى ثمّ مسح جوانبها ثمّ أعاد اليمنى في الإناء فصبّها على اليسرى ثمّ صنع بها كما صنع باليمنى ثمّ مسح بما بقي في يده رأسه و رجليه و لم يعدهما في الإناء (1).

و بطريق آخر قال: حكى لنا أبو جعفر (عليه السلام) وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فدعا بقدح من ماء فأدخل يده اليمنى فأخذ كفّا من ماء فأسدلها على وجهه من أعلى الوجه ثمّ مسح بيده الجانبين جميعا ثمّ أعاد اليسرى في الإناء فأسدلها على اليمنى ثمّ مسح جوانبها ثمّ أعاد اليمنى في الإناء ثمّ صبّها على اليسرى‌

____________

(1) الوسائل، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث 6.

317

..........

____________

فصنع بها كما صنع باليمنى ثمّ مسح ببلّة ما بقي في يديه رأسه و رجليه و لم يعدهما في الإناء (1). لا يقال: لا يمكن استفادة الوجوب ممّا ذكرنا لأنّه نقل فعل و الفعل أعمّ من وجوبه كما هو ظاهر.

فإنّه يقال: لا شبهة في أنّه يستفاد من نقله (عليه السلام) عمل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) رجحان النحو المذكور و قد نقحنا في الأصول أنّه لو علم من المولى رجحان فعل و لم يعلم الترخيص في تركه لا بدّ من إتيانه بحكم العقل و بهذا البيان قرّبنا استفادة الوجوب من صيغة الأمر.

و ملخّص الكلام أنّ الوجوب أي اللزوم و الثبوت يكون بحكم العقل فيما لا يكون ترخيص من المولى و لا فرق فيه بين أن يستفاد رجحان العمل من اللفظ و بين أن يستفاد من غيره. و نقل عن العلّامة في المنتهى و الشهيد في الذكرى أنّهما قالا بعد نقل الرواية الاولى روي عنه أنّه قال بعد ما توضّأ أنّ هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلّا به.

و لا يخفى أنّ ما أفاداه لإرساله لا يترتّب عليه أثر، و يمكن أن يناقش فيما ذكر بأنّ استفادة الوجوب من الوضوءات البيانية بحكم العقل يتوقّف على عدم دليل على كفاية مطلق الفعل، و حيث إنّ إطلاق الآية الشريفة يقتضي كفاية مطلق الغسل لا مجال لهذا الاستدلال.

إن قلت: هذه المناقشه جارية فيما استفيد رجحان القيد بصيغة الأمر، و الحال أنّه لا شبهة في حمل المطلق على المقيّد في الواجبات مع أنّ استفادة الوجوب من الصيغة أيضا بحكم العقل على هذا المسلك.

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 10.

318

..........

____________

قلت: ظهور صيغة الأمر في الوجوب و الإلزام ليس قابلا للإنكار، و معه لا مجال لهذه المناقشة.

فتحصّل ممّا ذكر: أنّه لا موجب للزوم كون الغسل من الأعلى إلى الأسفل مع رعاية الأعلى فالأعلى، و نقل عن جماعة جواز النكس منهم السيّد و الشهيد و ابنا إدريس و سعيد بل مال إليه صاحب المعالم و حكي عن البهائي أيضا.

و يؤيّد المقصود ما رواه أبو جرير الرقّاشي قال: قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): كيف أتوضّأ للصلاة؟ فقال: لا تعمق في الوضوء و لا تلطم وجهك بالماء لطما و لكن اغسله من أعلى وجهك إلى أسفله بالماء مسحا و كذلك فامسح الماء على ذراعيك و رأسك و قدميك (1). فإنّ الظاهر من الرواية وجوب الوضوء بالنحو المذكور.

غاية الأمر دلّ الدليل من الخارج على كفاية الغسل و لو لم يكن بالمسح فإنّ الإجماع بل التسالم بينهم يقتضي كفاية الغسل بلا تحقّقه في ضمن المسح، و يدلّ على عدم لزوم المسح ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في الوضوء، قال: إذا مسّ جلدك الماء فحسبك (2).

إلّا أن يقال: بأنّ ما يدلّ بظاهره على لزوم المسح يقيّد المطلقات فالعمدة الإجماع، و لا يخفى أنّ أبا جرير الواقع في سند الرواية مجهول الحال فلا‌

____________

(1) الوسائل، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث 22.

(2) الوسائل، الباب 52 من أبواب الوضوء، الحديث 3.

319

..........

____________

يعتمد على روايته، و عليه لا يمكن الاستدلال بها على لزوم غسل الأعلى فالأعلى، و لا يستفاد من الوضوءات البيانية إلّا الابتداء في الغسل بأعلى الوجه.

و أمّا لزوم رعاية الأعلى فالأعلى فلا يستفاد منها فلو تمّ إجماع تعبّدي كاشف عن رأي المعصوم فهو و إلّا يشكل الأمر و طريق الاحتياط ظاهر، و لا يخفى أنّ ما ذكرناه هنا كان تبعا لسيّدنا الأستاد و رجعنا عن هذه المقالة و لا نلتزم بأنّ الوجوب بحكم العقل و ذكرنا ما هو الحقّ في كتابنا المسمّى بآرائنا في أصول الفقه، و قلنا: إنّ الوجوب المستفاد من صيغة الأمر بلحاظ الظهور العرفي فإنّ المولى لو كان في مقام البيان و أمر بشي‌ء و لم يرخّص في الترك يفهم العرف بالظهور أنّه واجب و إن شئت فقل: صيغة الأمر تدلّ على أنّ المولى في مقام إظهار جعل بشي‌ء في ذمّة المكلّف و بعثه نحوه فلو استعمل الصيغة و لم يذكر و لم يقم قرينة على أنّ الداعي الامتحان أو السخرية أو غيرهما من الدواعي يفهم أنّه في مقام الإلزام فإنّ الإطلاق المقامي يقتضي ذلك إذ بقيّة الدواعي تحتاج إلى مئونة زائدة و في المقام حيث إنّ الإمام (عليه السلام) في مقام بيان الوضوء المقرّر من قبل الشارع يلزم الأخذ بجميع الخصوصيات إلّا فيما قام الدليل على عدم لزومه فرعاية الأعلى فالأعلى لازم على طبق الصناعة.

و بعبارة أخرى لزوم رعاية الأعلى فالأعلى يستفاد من مجموع النصوص بلا إشكال لاحظ ما رواه زرارة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): ألا أحكي لكم‌

320

..........

____________

وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ فقلنا: بلى، فدعا بقعب فيه شي‌ء من ماء فوضعه بين يديه ثمّ حسر عن ذراعيه ثمّ غمس فيه كفّه اليمنى ثمّ قال هكذا إذا كانت الكفّ طاهرة ثمّ غرف ملائها ماء فوضعها على جبينه ثمّ قال: بسم اللّه و سدله على أطراف لحيته ثمّ أمرّ يده على وجهه و ظاهر جبينه مرّة واحدة ثمّ غمس يده اليسرى فغرف بها ملأها ثمّ وضعه على مرفقه اليمنى فأمرّ كفّه على ساعده حتّى جرى الماء على أطراف أصابعه ثمّ غرف بيمينه ملأها فوضعه على مرفقه اليسرى فأمرّ كفّه على ساعده حتّى جرى الماء على أطراف أصابعه و مسح مقدّم رأسه و ظهر قدميه ببلة يساره و بقيّة بلّة يمناه، قال: و قال أبو جعفر (عليه السلام): إنّ اللّه وتر يحبّ الوتر فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات واحدة للوجه و اثنتان للذراعين و تمسح ببلّة يمناك ناصيتك و ما بقى من بلّة يمينك ظهر قدمك اليمنى و تمسح ببلّة يسارك ظهر قدمك اليسرى قال زرارة:

قال أبو جعفر (عليه السلام): سأل رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فحكى له مثل ذلك (1). فإنّ الظاهر من الحديث رعاية الأعلى فالأعلى.

و من ناحية أخرى الظاهر من نقله وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بيان ما يكون لازما في الوضوء، أضف إلى ذلك دعوى الاتّفاق على لزوم رعاية الأعلى فالأعلى، بالإضافة إلى السيرة الجارية على الرعاية و استنكار خلافه.

____________

(1) الوسائل، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

321

و لو وضع وجهه في حوض مثلا و لكن نوى البدأة بالأعلى و حرّكه بحيث جرى عليه (1).

____________

(1) نقل عن المجلسي أنّه نسب هذا الحكم إلى اتفاق الأصحاب، و عن الشهيد الثاني أنّ هذا الحكم أي لزوم الجريان معروف بين الفقهاء و لا سيما المتأخّرين. و يمكن أن يستدلّ عليه بالكتاب و السنّة حيث دلّا على لزوم الغسل الذي أخذ في مفهومه لغة و عرفا الجريان، و قد نقل عن جمع من العلماء أنّهم نسبوا ذلك إلى المشهور بل المتّفق عليه مستشهدين بتصريح اللغويّين بذلك.

و يؤيّد المقصود بل يدلّ عليه قوله (عليه السلام) فيما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: أ رأيت ما أحاط به الشعر، فقال: كلّ ما أحاط به من الشعر فليس على العباد أن يطلبوه و لا يبحثوا عنه و لكن يجري عليه الماء (1). و لا يرفع اليد عمّا يقتضي إجراء الماء بما رواه زرارة و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنّما الوضوء حدّ من حدود اللّه ليعلم اللّه من يطيعه و من يعصيه و أنّ المؤمن لا ينجسه شي‌ء إنّما يكفيه مثل الدهن (2) فإنّه يمكن أن يكون وجه الشبه أنّه لا يلزم في الغسل أزيد من مسمّى بحيث يسيل و يقع على الأرض بل يكفى مثل الدهن بحيث يجري و ينتقل من محلّ إلى آخر كالدهن الذي يدهن به، و يشهد لما ذكر ما روى عن عليّ (عليه السلام) كان يقول:

الغسل من الجنابة و الوضوء يجزي منه ما أجزأ من الدهن الذي يبلّ الجسد (3).

____________

(1) الوسائل، الباب 46 من أبواب الوضوء، الحديث 3.

(2) الوسائل، الباب 52 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

(3) نفس المصدر، الحديث 5.

322

من الأعلى إلى الذقن كفى (1) كما أنّه يكفي لو أجرى الماء على وجهه منكوسا و لكن نوى الغسل من الأعلى برجوعه (2) و لا يجب غسل البشرة المستورة بالشعر النابت عليها (3) سواء في ذلك شعر اللحية و الحاجب و الشارب و أشفار العين (4) بل يجب غسل ظاهر

____________

و الحاصل أنّه لا بدّ من حمل الرواية على هذا المعنى و إلّا يرفع اليد عنها إذ لو كان المراد منها ما ينافي مفهوم الغسل يكون مخالفا للكتاب و السنّة، فلا بدّ من طرحها، و أيضا أنّ هذه الرواية تعارض غيرها من الروايات الدالّة على لزوم الغسل و بعد التعارض يقدّم ما دلّ على لزوم الغسل لموافقته الكتاب، لكن ذكرنا أنّ المرجح منحصر في الاحدثية فيكفي لإلغاء الحديث كونه مخالفا مع الكتاب.

(1) لما تقدّم آنفا من عدم لزوم المسح بل يكفي الغسل من أعلى بأيّ وجه كان لاقتضاء إطلاق الأدلّة ذلك.

(2) لتحقّق ما هو مأمور به كما هو ظاهر.

(3) لقول أبي جعفر (عليه السلام): كلّ ما أحاط به الشعر فليس للعباد أن يطلبوه و لا يبحثوا عنه و لكن يجري عليه الماء (1)، مضافا إلى أنّه ادّعي عليه الإجماع كما عن الخلاف و الناصريات.

(4) لإطلاق ما تقدّم و للتنصيص على اللحية فيما رواه محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن الرجل يتوضّأ أ يبطن لحيته؟ قال: لا (2).

____________

(1) الوسائل، الباب 46 من أبواب الوضوء، الحديث 3.

(2) نفس المصدر، الحديث 1.

323

الشعر بدلا عن البشرة (1). نعم، لو كانت مرئيّة بين خلال الشعر لتباعد منابته وجب غسلها (2). و أمّا غسل اليدين فيجب من المرفق و هو مجمع عظمي الذراع و العضد (3).

____________

(1) كما هو مقتضى النصّ.

(2) لعدم إحاطة الشعر عليه كما هو المفروض.

(3) وقع الخلاف في المراد من المرفق، ففي بعض الكلمات أنّه المفصل أو الموصل على اختلاف التعبير و هذا هو المحكي عن أكثر اللغويّين بل و كثير من العلماء بل نقل عن الحدائق أنّه المشهور.

فلو اريد من هذا التعبير الحدّ المشترك بين الطرفين فيردّه أنّه على هذا المعنى لا مجال لوقوع النزاع في وجوب غسله و عدمه إذ الحدّ المشترك بين الطرفين ليس إلّا أمرا موهوما كالنقطة فلا بدّ أن يكون المراد منه أمرا خارجيّا كي يصحّ وقوع النزاع فيه، و في بعض الكلمات تفسيره بالعضد كما نقل عن المغرب، و يظهر من القمّي في الغنائم على ما نقل عنه أنّه نفس الطرفين المتداخلين.

و لا يخفى أنّ النزاع فيه يترتّب عليه أثر عملي خلافا لما في بعض الكلمات من عدم ترتّب أثر عليه بدعوى ظهور اتّفاقهم على وجوب غسل تمام البشرة المستديرة على موضع التواصل و التداخل بين العظمين بأيّ معنى أخذ المرفق إلى آخر كلامه فإنّ الإجماع مستند إلى الروايات الواردة في المقام و لا أقلّ من احتماله، و غاية ما يستفاد من هذه الروايات أنّ غسل المرفق لازم فلو شكّ في المراد منه يكون الشكّ بين الأقلّ و الأكثر و المرجع البراءة.

و لا يرد عليه: أنّ المورد بما أنّ الشك في المحصل يرجع إلى الاشتغال لما بيّناه في غسل الوجه أنّ الحقّ جريان البراءة في المقام، و ذكرنا هناك ما ينبغي‌

324

مدخلا له في المغسول (1) بل يلزم غسل شي‌ء من العضد مقدّمة لحصول

____________

أن يذكر في هذا المقام فراجع، و ليكن في ذكرك كي ينفعك في كلّ شي‌ء زائد يشكّ في وجوبه.

فانقدح بما ذكر أنّ كلّما علم بكونه من المرفق يجب غسله بمقتضى ما دلّ على لزوم غسله و كونه جزءا من الحدّ المغسول و ما شكّ في كونه جزءا منه لا يجب غسله.

(1) نقل عن الخلاف و التحرير و التذكرة و كشف اللثام و غيرها دعوى الإجماع عليه، و أيضا نقل عن الخلاف نسبته إلى جميع الفقهاء إلّا زفر، و عن الشيخ الطبرسي في جامع الجوامع أنّه مذهب أهل البيت، و عن الخلاف قد ثبت عن الأئمّة أنّ «إلى» في الآية بمعنى (مع) و نقل عن الشيخ الأنصاري أنّ دعوى الثبوت كدعوى التواتر أو الإجماع فلا يقصر هذا المرسل عن الصحيح.

و لا يخفى أنّ هذا الكلام لا يمكن مساعدته فإنّ دعوى الثبوت يمكن أن يكون لقرائن تقتضي ثبوتها عند مدّعيها. و كيف كان العمدة في إثبات هذا الحكم ما رواه زرارة عنه (عليه السلام) عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) (1)، فإنّه يعلم رجحان إدخال المرفق في المغسول و لم يقم دليل على الترخيص في تركه، و هذا هو العمدة في إثبات هذا الحكم، و بتقريب آخر الظاهر من الرواية أنّ فعله (عليه السلام) في مقام نقل فعل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه يلزم غسل المرفق.

و أمّا الآية و النصوص المتضمّنة لذكر المرفق متضمّنا لحرف الغاية كرواية زرارة (2) فلا تصلح لإثباته لو لم تصلح لنفيه بناء على كون الأصل‌

____________

(1) لاحظ ص 319- 320.

(2) الوسائل، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث 3.

325

اليقين بغسل تمام المرفق (1) و يجب الابتداء من المرفقين إلى رءوس الأصابع (2).

____________

الخروج في مدخولها، فتكون الرواية معارضة مع النصوص التي تدلّ على لزوم غسل المرفق، و مقتضى الصناعة لزوم العمل بهذه الرواية إذ المفروض أنّها توافق الكتاب و الحديث الذي يكون دالّا على لزوم غسل المرفق مخالف مع الكتاب فيضرب به عرض الجدار، و لكنّ الظاهر أنّه لا شبهة في لزوم غسل المرفق فإنّ سيرة المتشرّعة جارية عليه و خلافه مستنكر عندهم فيعلم أنّه يلزم غسله.

(1) لتحصيل العلم بتحقّق ما علم وجوب غسله.

(2) هذا هو المشهور بين الأصحاب، و نقل عن الشهيد و ابن إدريس جواز العكس و لعلّه وافقهم جماعة، و تدلّ على قول الشهور جملة من الروايات منها: ما رواه الهيثم بن عروة التميمي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ فقلت: هكذا و مسحت من ظهر كفّي إلى المرفق، فقال: ليس هكذا تنزيلها إنّما هي «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ من الْمَرٰافِقِ» ثمّ أمرّ يده من مرفقه إلى أصابعه (1).

و لا يرد على الرواية أنّ المتواتر في القراءة لفظة «إلى» فالرواية مطروحة لأنّه يمكن أن يكون المراد بالتنزيل المراد أي أريد من الآية الابتداء في الغسل من المرفق فلا تنافي الرواية القراءة المتواترة، و الحديث ضعيف سندا.

و أيضا لا يعارض الرواية ما رواه إسماعيل بن جابر عن الصادق (عليه السلام) عن‌

____________

(1) الوسائل، الباب 19 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

326

..........

____________

آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) في حديث قال: و المحكم من القرآن ممّا تأويله في تنزيله مثل قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ و هذا من المحكم الذي تأويله في تنزيله لا يحتاج تأويله إلى أكثر من التنزيل. ثمّ قال: و أمّا حدود الوضوء فغسل الوجه و اليدين و مسح الرأس و الرجلين و ما يتعلّق بها و يتّصل سنّة واجبة على من عرفها و قدر على فعلها (1)؛ لأنّه يمكن أن يكون المراد بهذه الرواية أنّ الظاهر من الآية وجوب هذا المقدار من اليد و هو ما بين المرفق و رءوس الأصابع.

و من الظاهر أنّ استفادة هذا المعنى من الآية الشريفة لا تحتاج إلى تفسير و تأويل، مضافا إلى أنّ الحديث لا اعتبار به سندا فإنّ اسناد النعماني غير تامّ و المستفاد من رواية ابن عروة أنّ الآية و إن كانت مطلقة و لكن المراد منها الغسل الخاصّ أي المبتدأ به من المرفق إلى الأسفل فلا تنافي بينهما.

و منها: ما رواه محمّد بن الفضل أنّ عليّ بن يقطين كتب إلى أبي الحسن موسى (عليه السلام) يسأله عن الوضوء، فكتب إليه أبو الحسن (عليه السلام): فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء و الذي آمرك به في ذلك أن تمضمض ثلاثا و تستنشق ثلاثا و تغسل وجهك ثلاثا و تخلّل شعر لحيتك و تغسل يديك إلى المرفقين ثلاثا و تمسح رأسك كلّه و تمسح ظاهر أذنيك و باطنهما و تغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثا و لا تخالف ذلك إلى غيره. فلمّا وصل الكتاب إلى عليّ بن يقطين تعجّب ممّا رسم له أبو الحسن (عليه السلام) فيه ممّا جميع العصابة‌

____________

(1) الوسائل، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث 23.

327

..........

____________

على خلافه ثمّ قال: مولاي أعلم بما قال و أنا أمتثل أمره فكان يعمل في وضوئه على هذا الحدّ و يخالف ما عليه جميع الشيعة امتثالا لأمر أبي الحسن (عليه السلام) و سعي بعلي بن يقطين إلى الرشيد، و قيل: إنّه رافضي فامتحنه الرشيد من حيث لا يشعر فلمّا نظر إلى وضوئه ناداه كذب يا علي بن يقطين من زعم أنّك من الرافضة و صلحت حاله عنده و ورد عليه كتاب أبي الحسن (عليه السلام) ابتدأ من الآن يا علي بن يقطين و توضّأ كما أمرك اللّه تعالى؛ اغسل وجهك مرّة فريضة و اخرى إسباغا و اغسل يديك من المرفقين كذلك و امسح بمقدّم رأسك و ظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك فقد زال ما كنّا نخاف منه عليك و السلام (1).

و لا شبهة في أنّه يستفاد من هذه المكاتبة وجوب الابتداء من المرفق إذ نهاه أوّلا منه من أن يغسل من الأعلى و بعد رفع التهمة أمره (عليه السلام) بأن يتوضّأ كما كان يتوضّأ أوّلا من الابتداء بالأعلى.

و منها: ما ورد في بعض الوضوءات البيانية كرواية زرارة (2).

و منها: ما عن تفسير العيّاشي عن صفوان قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ إلى أن قال: قلت: فإنّه قال: اغسلوا أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ فكيف الغسل؟ قال:

هكذا أن يأخذ الماء بيده اليمنى فيصبّه في اليسرى ثمّ يفضّه على المرفق ثمّ يمسح إلى الكفّ، إلى أن قال: قلت له: يرد الشعر؟ قال: إذا كان عنده‌

____________

(1) الوسائل، الباب 32 من أبواب الوضوء، الحديث 3.

(2) تقدّمت في ص 319- 320.

328

على النحو المذكور في الوجه (1) فلو عكس بطل (2) و من قطع بعض يده اكتفى بغسل ما بقي من محلّ الغسل (3).

____________

آخر فعل و إلّا فلا (1)، فإنّ الظاهر من الرواية أنّ الإفاضة على المرفق ثمّ المسح إلى الكفّ لازم، فتحصّل أنّ اللازم أن يبتدأ الغسل من الأعلى.

(1) بأن يغسل من الأعلى إلى الأسفل مع رعاية الأعلى فالأعلى، و يدلّ عليه ما تقدّم في رواية ابن عروة و أيضا يدلّ عليه ما تقدّم في رواية زرارة من قوله: فأمرّ كفّه على ساعده حتّى جرى الماء على أطراف أصابعه و يدلّ عليه أيضا ما عن العيّاشي كما هو ظاهر، أضف إلى ذلك السيرة.

(2) لعدم الإتيان بما هو مأمور به فلا يكون مجزيا.

(3) قد ذكرت في تقريب المدّعى وجوه:

منها: الإجماع، و فيه أنّه على فرض حصوله محتمل المدرك إذ من الممكن أن يكون المدرك في نظرهم الوجوه المذكورة في المقام فلا يكون تعبّديا كاشفا عن رأي المعصوم (عليه السلام).

و منها: قاعدة الميسور، و يرد عليه: أنّ هذه القاعدة لا دليل معتبر عليها.

و منها: استصحاب وجوب الغسل و فيه أوّلا: أنّه يلزم أن يكون القطع أثناء الوقت كي يقطع بوجوب الغسل ثمّ الشكّ فيه فالدليل أخصّ من المدّعى، و ثانيا: أنّ غسل اليد ليس واجبا استقلاليّا كي يستصحب وجوبه و إنّما الواجب الصلاة مع الوضوء و الوضوء بتمامه واجب بالوجوب المقدّمي العقلي فلا موضوع للتقريب المذكور، و ثالثا: أنّ الاستصحاب الجاري في الحكم‌

____________

(1) مستدرك الوسائل، الباب 18 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

329

..........

____________

الكلّي معارض باستصحاب عدم الجعل الزائد.

و منها: النصوص الواردة في المقام، لاحظ ما رواه رفاعة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الأقطع فقال: يغسل ما قطع منه (1)، فإنّ المستفاد من الحديث بحسب الفهم العرفي أنّه يجب غسل ما بقي من المقدار الذي كان غسله واجبا، و لاحظ ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال:

سألته عن رجل قطعت يده من المرفق كيف يتوضّأ؟ قال: يغسل ما بقى من عضده (2) فإنّ الجار لا يكون بيانا للموصول و إلّا كان المناسب أن يقال يغسل عضده و لا يكون متعلّقا بقوله (بقى) إذ المفروض أنّ القطع من المرفق.

و بعبارة واضحة أنّ المفروض أنّ القطع ابتدئ من المرفق فالمرفق لم يقطع بل يكون باقيا و حيث إنّ غسل المرفق واجب فمقدار من محلّ الغسل يكون باقيا فيجب غسله.

فالنتيجة: أنّ المستفاد من الحديث وجوب غسل المقدار الباقي من محلّ كان غسله واجبا و هذا هو المدّعى و في الباب حديثان آخران أحدهما ما رواه ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الأقطع اليد و الرجل قال: يغسلهما (3)، ثانيهما ما رواه رفاعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الأقطع اليد و الرجل كيف يتوضّأ؟ قال: يغسل ذلك المكان الذي قطع منه (4) فإنّهما إمّا يكونان قابلين للجمع مع حديث عليّ بن جعفر و إما لا يكونان كذلك.

____________

(1) الوسائل، الباب 49 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

(2) نفس المصدر، الحديث 2.

(3) نفس المصدر، الحديث 3.

(4) نفس المصدر، الحديث 4.

330

و لو قطع جميعه اكتفى بغسل سائر الأعضاء (1)

و لو كان له يد زائدة أو اصبع كذلك أو لحم نابت دون المرفق وجب غسله (2) دون ما لو كان فوق المرفق (3). و الأحوط غسل

____________

أمّا على الأوّل فلا إشكال كما هو واضح، و أمّا على الثاني فالترجيح مع حديث ابن جعفر بالأحدثية فلاحظ. فالنتيجة أنّ ما أفاده من المتن تامّ.

(1) الظاهر أنّ الوجه فيما أفاده أنّه يستفاد من النصوص المشار إليها اعتبار قاعدة الميسور في المقام بتقريب أنّ العرف يفهم أنّ الشارع الأقدس اكتفى بغسل ما بقي و جعله بدلا عن الكلّ، و الإنصاف أنّ الجزم بالتقريب المذكور مشكل و مقتضى القاعدة الأوّلية سقوط وجوب الصلاة إذ المركّب ينتفي بانتفاء أحد أجزائه أو أحد شرائطه لكن مقتضى قاعدة لا تسقط الصلاة بحال بقاء وجوب الصلاة و اكتفاء الشارع بها بلا طهارة. نعم، مقتضى الاحتياط الإتيان بغسل ما بقي من الأعضاء و الإتيان بالصلاة و اللّه العالم بحقائق الأمور.

(2) الظاهر أنّه لا خلاف في ذلك، و عن المستند دعوى الاتّفاق عليه، و عن المدارك أنّه لا ريب فيه، و عن شرح الدروس الإجماع عليه. و يمكن أن يستدلّ عليه بالأدلّة الأوّلية فإنّ وجوب غسل اليد إلى المرفق يقتضي غسل هذا المقدار بتمامه، و من الظاهر أنّ ما ذكر في المتن من توابع اليد و أجزائه كالشعر النابت عليه.

(3) لعدم المقتضي.

331

الشعر هنا مع البشرة (1) و لا يجب إزالة الوسخ الكائن تحت الأظفار.

____________

(1) أمّا غسل الشعر فعلى القاعدة، و عن الشيخ الأعظم التصريح بالاتفاق على وجوب غسل الشعر هنا، و أمّا غسل البشرة و لو مع تكاثف الشعر كما هو مقتضى إطلاق العبارة فالظاهر أنّ منشأه قصور الدليل على كفاية غسل الشعر عن غسل البشرة في غير الوجه فإنّ ما دلّ على كفاية غسل الشعر عن غسل البشرة روايتان إحداهما ما رواه الصدوق في الفقيه في باب حدّ الوضوء قال: قال زرارة بن أعين لأبي جعفر الباقر (عليه السلام): اخبرني عن حدّ الوجه الذي ينبغي أن يوضّأ الذي قال اللّه عزّ و جلّ فقال: الوجه الذي قال اللّه و أمر اللّه عزّ و جلّ بغسله الذي لا ينبغي لأحد أن يزيد عليه و لا ينقص منه إن زاد عليه لم يؤجر و إن نقص منه أثم ما دارت عليه الوسطى و الإبهام من قصاص شعر الرأس إلى الذقن و ما جرت عليه الاصبعان مستديرا فهو من الوجه و ما سوى ذلك فليس من الوجه، فقال له: الصدغ من الوجه؟ فقال:

لا، قال زرارة: قلت له: أ رأيت ما أحاط به الشعر، فقال: كلّما أحاط به من الشعر فليس على العباد أن يطلبوه و لا يبحثوا عنه و لكن يجري عليه الماء.

و حدّ غسل اليدين من المرفق إلى أطراف الأصابع و حدّ مسح الرأس أن تمسح بثلاث أصابع مضمومة من مقدّم الرأس و حدّ مسح الرجلين أن تضع كفّيك على أطراف أصابع رجليك و تمدّهما إلى الكعبين فتبدأ بالرجل اليمنى في المسح قبل اليسرى و يكون ذلك بما بقي في اليدين من النداوة من غير‌

332

..........

____________

أن تجدّد له ماء و لا ترد الشعر في غسل اليدين و لا في مسح الرأس و القدمين (1).

و هذا السؤال من زرارة بعد بيان الإمام (عليه السلام) حكم الوجه و وجوب غسله و لا يبعد أن يقال كما ادّعى أنّ هذا السؤال حيث وقع في ذيل حكم الوجه لا يستفاد من الجواب إلّا حكمه و الشعر النابت عليه و لا ينعقد له الإطلاق.

ثانيهما: ما رواه الشيخ في التهذيب بإسناده عن الحسين بن سعيد عن حمّاد عن زرارة قال: قلت له: أ رأيت ما كان تحت الشعر؟ قال: كلّ ما أحاط به الشعر فليس للعباد أن يغسلوه و لا يبحثوا عنه و لكن يجري عليه الماء (2). و هذه الرواية مذكورة في التهذيب بلا تصديرها بما صدرت تلك الرواية به من حكم الوجه، و أيضا فرق بينهما من حيث العبارة و المتن فلا مانع للأخذ بإطلاقها و الحكم بكفاية غسل الشعر المتكاثف مطلقا إذ يحتمل تعدّد الرواية و لكن يشكل الجزم بالإطلاق إذ لا معنى أنّ الراوي يسأل الإمام (عليه السلام) ابتداء عن حكم الشعر فيلزم بحسب الصناعة الاحتياط لا سيما في المقام و اللّه العالم.

____________

(1) الفقيه ج 1 ص 28 الحديث 1.

(2) الوسائل، الباب 46 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

333

ما لم تكن تجاوز القدر المتعارف (1).

____________

(1) استدلّ عليه بأنّه من الباطن فلا يجب غسله و بجملة من النصوص، منها: ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ليس المضمضة و الاستنشاق فريضة و لا سنّة إنّما عليك أن تغسل ما ظهر (1).

و منها: ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن المضمضة و الاستنشاق، قال: ليس هما من الوضوء هما من الجوف (2).

و منها: ما رواه أبو بكر الحضرمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ليس عليك مضمضة و لا استنشاق لأنّهما من الجوف (3).

و منها: ما رواه أبو بصير عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) أنّهما قالا:

المضمضة و الاستنشاق ليسا من الوضوء لأنّهما من الجوف (4).

و لا يخفى أنّ ما دلّ على عدم وجوب غسل الباطن مع تعدّده ضعيف من حيث السند فلا يعتمد عليه، و لكن حيث إنّ الوسخ تحت الظفر لو لم يكن خارجا عن المتعارف أمر متعارف شائع بين أصناف المكلّفين و لم يدلّ دليل على لوم إزالته و لم يقع في الروايات سؤال عن حكمه، يعلم عدم وجوب غسله و يشهد له ما لو أمر المولى العرفي عبده بغسل يده لا يفهم العبد من هذا الأمر لزوم إزالة الوسخ الكائن تحت الظفر فيما لم يكن خارجا عن المتعارف، أضف إلى ذلك أنّ المستفاد من الوضوءات البيانية عدم وجوب غسل البواطن إذ لو كان واجبا كان اللازم التنبيه من قبل مخزن الوحي و حيث لم ينبّه يفهم من الإطلاق المقامى عدم وجوبه فلاحظ.

____________

(1) الوسائل، الباب 29 من أبواب الوضوء الحديث 6.

(2) نفس المصدر، الحديث 9.

(3) نفس المصدر، الحديث 10.

(4) نفس المصدر، الحديث 12.

334

نعم، لو قصّ الظفر فظهر الوسخ وجب إزالته و غسل موضعه (1) و يجب استيعاب الغسل لجميع أجزاء الوجه و اليدين بحيث لا يترك شي‌ء منها بلا غسل و لو مقدار مكان شعرة (2) فلو كان فيها مانع عن وصول الماء وجب رفعه أو تحريكه بحيث يصل الماء إلى محلّ الغسل (3).

و أمّا مسح الرأس فيجب مسح شي‌ء من الربع المقدّم من الرأس (4).

____________

(1) كما هو مقتضى القاعدة الأوّلية و عدم جريان ما تقدّم فيه كما هو ظاهر.

(2) فإنّ الظاهر من الأدلّة وجوب غسل الحدّ بتمامه فلا بدّ من الاستيعاب.

(3) من باب المقدّمة.

(4) بلا خلاف ظاهرا، و نقل دعوى الإجماع عليه من الخلاف و الانتصار و الغنية و السرائر و التذكرة و المدارك و غيرها، و يدلّ عليه ما رواه محمّد بن مسلم قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): امسح الرأس على مقدمه (1) ما رواه أيضا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: مسح الرأس على مقدمه (2).

و مثلهما غيرهما و المقدم على ما يظهر من كلام اللغويين على ما نقل عنهم، بل يظهر من تصريحات جملة من الفقهاء هو الربع المحاذي للجبهة.

بل يمكن أن يقال: لا إجمال في مفهومه عرفا فإنّ المتفاهم منه عرفا ما يقابل المؤخّر و الجانبين فينطبق على ما فسّروه به، و هنا رواية تدلّ على وجوب المسح على المقدم و المؤخّر و هي ما رواها الحسين بن أبي العلاء قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المسح على الرأس فقال: كأنّي أنظر إلى‌

____________

(1) الوسائل، الباب 22 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

(2) نفس المصدر، الحديث 1.

335

..........

____________

عكنة في قفا أبي يمرّ عليها يده و سألته عن الوضوء يمسح الرأس مقدمه و مؤخّره فقال: كأنّي أنظر إلى عكنة في رقبة أبي يمسح عليها (1).

و حمل الشيخ هذه الرواية على ما نقل عنه في الوسائل على التقيّة، و يرد عليه أوّلا: أنّه لا تعارض بين هذه الرواية و تلك الروايات حتّى تحمل على التقية بل مقتضى الجمع العرفي بينهما تقييد تلك الروايات بهذه الرواية فإنّ المستفاد من تلك الروايات أنّ المسح الواجب لا بدّ أن يقع على المقدم و هذه الرواية دلّت على زيادة المؤخّر على المقدّم، بل لو سلّمنا دلالة تلك الروايات على نفي المسح عن غير المقدم بمفهومها نقيّدها بهذه الرواية.

و ثانيا: أنّ هذه الرواية ليست مطابقة لفتوى العامّة فإنّ العامّة ما بين قائل بوجوب مسح تمام الرأس و هم المالكية و الحنابلة و بين قائل بوجوب مسح ربع الرأس و هم الحنفية و بين قائل بكفاية مسح بعض الرأس و هم الشافعية (2)، فلا مجال لحمل هذه الرواية على التقيّة.

و أمّا رفع اليد عنها بإعراض المشهور عنها فلا يتمّ على مسلكنا من عدم وهن الخبر الموثّق بالإعراض فلا بدّ من طريق آخر في الالتزام بعدم وجوب مسح المؤخّر.

و الذي يختلج بالبال أنّه لو كان مسح المؤخّر واجبا كالمقدّم لبان و اشتهر بين الرواة و الفقهاء العظام، فإنّ المسألة ممّا يبتلى بها العامة في كلّ يوم مرّات و لا يمكن عادة خفاء هذا الأمر، فبهذا الوجه يرفع اليد عن الرواية و يلتزم بكفاية مسح المقدم فقط.

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 5.

(2) الفقه على المذاهب الخمسة لمغنية في فرائض الوضوء ص 39.

336

بما يسمّى مسحا عرفا (1).

____________

(1) هذا هو المنسوب إلى المشهور، و نقل عن غير واحد نسبته إلى مذهب الأصحاب، و نقل عن الأردبيلي (قدّس سرّه) دعوى الإجماع عليه، بل نقل عن بعض الأعاظم أنّ دعوى الإجماع عليه مستفيض، و ما نسب إلى جملة من الأعلام بل نسب إلى المشهور من أنّ الاكتفاء بإصبع واحد في مسح الرأس و الرجلين لا ينافي ما ذكر لأنّه يمكن أن يكون بيانا لأقلّ ما يتحقّق به المسح لا إلزامه بالخصوص و لو تحقّق بأقلّ منه.

و كيف كان يدلّ على المدّعى ما رواه زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام):

ألا تخبرني من أين علمت و قلت: إنّ المسح ببعض الرأس و بعض الرجلين، فضحك فقال: يا زرارة قاله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و نزل به الكتاب من اللّه عزّ و جلّ لأنّ اللّه عزّ و جلّ قال: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ فعرفنا أنّ الوجه كلّه ينبغي أن يغسل، ثمّ قال: وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه فعرفنا أنّه ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين، ثمّ فصل بين الكلام فقال: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ فعرفنا حين قال: «برؤوسكم» أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثمّ وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال: وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ فعرفنا حين وصلهما بالرأس أنّ المسح على بعضهما ثمّ فسّر ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) للناس فضيّعوه، الحديث (1).

و في رواية زرارة و بكير ابني أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال في المسح:

____________

(1) الوسائل، الباب 23 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

337

و الأحوط كونه مقدار عرض اصبع (1). و الأولى مسح مقدار ثلاثة أصابع مضمومة (2).

____________

تمسح على النعلين و لا تدخل يدك تحت الشراك و إذا مسحت بشي‌ء من رأسك أو بشي‌ء من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك (1).

(1) نقل عن الشيخ و الشهيد عدم الاكتفاء بأقلّ من اصبع، و الظاهر أنّ المدرك لهذا الحكم ما رواه حمّاد بن عيسى مرسلا عن أحدهما (عليهما السلام) في الرجل يتوضّأ و عليه العمامة قال: يرفع العمامة بقدر ما يدخل اصبعه فيمسح على مقدّم رأسه (2). و ما رواه عن الحسين قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل توضّأ و هو معتمّ فثقل عليه نزع العمامة لمكان البرد فقال: ليدخل اصبعه (3).

و يرد على الاستدلال أوّلا: أنّه لا اعتبار بسند إحدى الروايتين للإرسال، و ثانيا: أنّه لا يستفاد منهما عدم كفاية مطلق المسح إذ الطبيعي لا يتحقّق إلّا بإدخال الاصبع كما هو ظاهر، مضافا إلى أنّ الظاهر منهما التعرّض لعدم وجوب رفع العمامة و جواز المسح بإدخال الاصبع فلا يستفاد منهما حكم آخر و لو تنزّلنا عن ذلك يمكننا أن نقول بأنّهما تدلّان على كفاية الأقلّ من الاصبع لأنّ باطن الاصبع المماس لظاهر الممسوح أقلّ مسافة من عرض الاصبع لأنّ الاصبع كالرأس غير مسطّح.

(2) نسب إلى السيّد و الصدوق و كتاب عمل يوم و ليلة للشيخ وجوب‌

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 4.

(2) الوسائل، الباب 24 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

(3) نفس المصدر، الحديث 2.

338

..........

____________

المسح بثلاث أصابع مضمومة و يمكن أن يكون المستند عندهم ما رواه معمّر ابن عمر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: يجزي من المسح على الرأس موضع ثلاث أصابع و كذلك الرجل (1).

و ما رواه زرارة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): المرأة يجزيها من مسح الرأس أن تمسح مقدمه قدر ثلاث أصابع و لا تلقي عنها خمارها (2) بدعوى عدم الفصل في هذا الحكم بين المرأة و الرجل.

و يرد عليه أوّلا: أنّ الرواية الأولى ضعيفة من حيث السند و غير قابلة للاعتماد عليها.

و ثانيا: أنّ الاستدلال بهما على المدّعى يتوقّف على القول بمفهوم العدد الذي لا نقول به، مضافا إلى أنّه يمكن أن يكون الحكم بالاجزاء في الثانية ناظرا إلى كفاية المسح بدون إلقاء الخمار.

و ممّا ذكر ظهر ضعف ما عن بعض من التفصيل بين الرجل بكفاية اصبع واحد و المرأة بلزوم مسحها بالثلاث، كما أنّ ما نسب إلى الشيخ (قدّس سرّه) من التفصيل بين حال الاختيار فالثلاث و بين حال الاضطرار فواحدة للجمع بين ما دلّ على الواحدة و الثلاث ليس على ما ينبغي، لما ذكرنا، مضافا إلى أنّ الضرورة المستفادة من رواية حمّاد إنّما تكون في لبس العمامة حال الوضوء لا في إدخال اصبع واحدة دون ثلاث فإنّ التمكّن من إدخال الاصبع يلازم غالبا التمكّن من إدخال الثلاث.

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 5.

(2) الوسائل، الباب 24 من أبواب الوضوء، الحديث 3.

339

من غير فرق في ذلك بين الذكر و الانثى (1).

إلّا أنّه يستحبّ لها مؤكّدا في مسح الوضوء لصلاة الصبح إزالة خمارها (2) و دون ذلك استحبابها في الوضوء لصلاة المغرب و يجزيها في سائر الصلوات إدخال اصبعها من تحت قناعها للمسح (3).

____________

(1) إذ لا وجه للفرق بينهما فإنّ الوجه في رجحان الثلاث وجود القول به بل دلالة الرواية عليه و يشتركان فيها.

(2) لما روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا تمسح المرأة بالرأس كما يمسح الرجال إنّما المرأة إذا أصبحت مسحت رأسها و تضع الخمار عنها فإذا كان الظهر و العصر و المغرب و العشاء تمسح بناصيتها (1) و لما روي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: و لا تمسح كما تمسح الرجال، بل عليها أن تلقي الخمار من موضع مسح رأسها في صلاة الغداة و المغرب و تمسح عليه و في سائر الصلوات تدخل اصبعها فتمسح على رأسها من غير أن تلقي عنها خمارها (2)، و هاتان الروايتان لا بأس بهما من حيث الدلالة على الوجوب لكن قاصرتان عن الدلالة على الإلزام من حيث السند فلا يعتدّ بهما.

(3) أمّا إلحاق صلاة المغرب بصلاة الصبح فلرواية الخصال، و أمّا كون الاستحباب فيها دون إلقائها في صلاة الصبح فالظاهر أنّ الوجه في التفصيل قول جملة من الفقهاء به، و أمّا المستند اللفظي من الروايات على التفصيل المذكور فلم أقف عليه.

____________

(1) الوسائل، الباب 23 من أبواب الوضوء، الحديث 5.

(2) جامع الأحاديث ج 2 باب 21 من كتاب الطهارة ص 305 و 306.

340

و الأولى كون مسح الرأس على الناصية (1).

____________

(1) لما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) و لما روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (2) و قد جمع بعض بين مطلقات أخبار المسح و بين هاتين الروايتين بحملها عليهما و الالتزام بوجوب المسح على الناصية أي الموضع المحدود من طرفيه بالنزعتين و من طرفه الأعلى بالخط المحاذي لهما.

و الجواب عنه: بأنّ قوله (عليه السلام): تمسح، عطف على فاعل لفظ يجزيك المتقدّم في العبارة، و عليه لا دلالة فيه على الوجوب بل دليل على الاجزاء، غير تامّ فإنّه خلاف الظاهر، بل الظاهر أنّ الجملة مستأنفة و تدلّ على الوجوب و اللزوم، فما أفاده هذا البعض تمام من حيث الصناعة إنّما الإشكال في المراد من الناصية فقد فسّرت بتفاسير، فعن المجمع أنّها قصاص الشعر فوق الجبهة، و عن القاموس و المصباح أنّها قصاص الشعر، و نسب إلى ظاهر مجمع البرهان و شرح المفاتيح أنّها حقيقة في مقدم الرأس، و عن مجمع البيان أنّها شعر مقدم الرأس، و عن الذكرى أنّها ما بين النزعتين و مع هذا الاختلاف في معنى الناصية لا يبقى مجال لتعينها فيما عيّنه هذا البعض على ما نقل عنه فلا وجه لتقييد المطلقات إلّا بما تيقّن كونه من الناصية، و الظاهر أنّ قصاص الشعر فوق الجبهة من الناصية على جميع التفاسير فلا بدّ من مسحه بل يلزم ما علم كونها منها بتمامه، فإنّ الظاهر من قوله: و تمسح ببلة يمناك ناصيتك لزوم مسحها بتمامها.

____________

(1) تقدّم في ص 319- 320.

(2) تقدّم في ص 339.

341

بل الأحوط عدم كونه في أواخر الربع المقدم من السمت الأعلى (1). و الأحوط أن يكون من الأعلى إلى الأسفل (2) و لا يجب أن يكون المسح على بشرة مقدم الرأس.

____________

و ممّا ذكرنا ظهر: أنّ ما أفاده في المتن من حكمه بكونه أولى غير تامّ بل هو المتعيّن.

و لكن كيف يمكن الالتزام بما ذكر و الحال أنّه خلاف السيرة الجارية بين أهل الشرع و ارتكازهم، مع أنّ الإنصاف يقتضي أن يقال إنّه يفهم من حديث زرارة أنّ مسح الناصية يجزي لا أنّه يلزم، فلا وجه للتقييد، أضف إلى ما ذكر أنّ المستفاد من حديث حسين (1) أنّه يكفي المسح باصبع واحدة.

(1) أمّا للقول به من بعض الأصحاب كما نقلنا عنه آنفا، و امّا لاحتمال عدم صدق المقدّم إلّا على الربع السافل حيث إنّ الربع من السمت الأعلى متأخّر بالنسبة إلى السمت الأسفل.

(2) وفاقا للمرتضى و الشيخ في النهاية و الخلاف و ظاهر ابن بابويه على ما نقل عنهم، و الحقّ جواز العكس، و عن الحدائق أنّه المشهور و يشهد للمدّعى إطلاق الآية الشريفة و صريح ما رواه حمّاد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا بأس بمسح الوضوء مقبلا و مدبرا (2).

و لا تعارف في مسح الرأس خارجا حتّى يقال بأنّه مانع عن انعقاد الإطلاق، كما أنّه لا وجه لرفع اليد عن الرواية بأن يقال: هذه الرواية متّحدة‌

____________

(1) لاحظ ص 337.

(2) الوسائل، الباب 20 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

342

بل يكفي المسح على شعره النابت عليه (1).

____________

مع الرواية الأخرى التي رواها حمّاد بن عثمان أيضا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا بأس بمسح القدمين مقبلا و مدبرا بدعوى استبعاد كونهما روايتين بل يقرب كونهما متّحدتين فإنّ مجرّد الاستبعاد لا يوجب رفع اليد عن تعدّد الرواية مع أنّ الأصل الأوّلي هو التعدّد. فانقدح بما ذكر أنّ الحقّ جواز النكس و لكن الاحتياط ينبغي أن لا يترك.

(1) الظاهر أنّه لا خلاف في ذلك بينهم، و في بعض الكلمات إجماعا محقّقا و منقولا مستفيضا بل لعلّه ضروري و يشهد له مضافا إلى ذلك إطلاقات الأدلّة، فإنّ الإنصاف أنّ المسح على الرأس يصدق على المسح على الشعر النابت عليه فإنّ الشعر النابت عليه من توابع الرأس و إن شئت قلت: لو كان المسح على الشعر النابت غير مجز لكان التنبيه عليه لازما لعدم انقداح هذا القيد في أذهان العامة و لا ينافي ما ذكر المرفوع عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الذي يخضب رأسه بالحنّاء ثمّ يبدو له في الوضوء، قال: لا يجوز حتّى يصيب بشرة رأسه بالماء (1). فإنّه لا اعتبار به سندا فهذا لا إشكال فيه إنّما الإشكال فيما يستفاد عن بعض الأخبار المعتبرة من جواز المسح على الحنّاء الموضوع على الرأس، ففي رواية عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يخضب رأسه بالحنّاء ثمّ يبدو له في الوضوء؟ قال: يمسح فوق الحنّاء (2).

____________

(1) الوسائل، الباب 37 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

(2) نفس المصدر، الحديث 3.

343

..........

____________

و فيما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يحلق رأسه ثمّ يطليه بالحنّاء ثمّ يتوضّأ للصلاة، فقال: لا بأس بأن يمسح رأسه و الحنّاء عليه (1). و لا ينافيهما ما في رواية أخرى لابن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) أنّه سئل عن المسح على الخفّين و على العمامة قال: لا تمسح عليهما (2)، إذ يمكن أن يقال: لا ملازمة بين جواز المسح على الحنّاء و جوازه على العمامة، و على فرض تسليم استفادة الحكم الكلّي ممّا ورد في الحنّاء يمكن الجمع بينه و بين ما دلّ على عدم الجواز على العمامة بحمل الأولى على الكراهة. نعم، يشكل الجمع بين ما دلّ على الجواز و بين ما رواه عليّ بن جعفر في كتابه عن أخيه (عليه السلام) قال: سألته عن المرأة هل يصلح لها أن تمسح على الخمار؟ قال: لا يصلح حتّى تمسح على رأسها (3). فإنّه لا يمكن الجمع بينهما عرفا، و عليه فإمّا يحمل ما دلّ على الجواز على التقيّة كما نقل جواز المسح على الحائل عن بعض العامّة، و إمّا أن يقدّم ما دلّ على المنع لموافقته للكتاب و السنّة المتواترة فإنّ الظاهر من المسح على الرأس مسح نفس الرأس.

إلّا أن يقال: إنّ ما رواه عليّ بن جعفر وارد في المرأة و الصناعة تقتضي التفصيل بين الرجل و المرأة في هذا الحكم.

و كيف كان لا يمكن للفقيه الالتزام بجواز المسح على الحائل مطلقا حتّى على الحنّاء المنصوص في الروايتين. و الحقّ أن يقال: إنّ حمل أحد الخبرين‌

____________

(1) الوسائل، الباب 37 من أبواب الوضوء، الحديث 4.

(2) الوسائل، الباب 38 من أبواب الوضوء، الحديث 8.

(3) الوسائل، الباب 37 من أبواب الوضوء، الحديث 5.

344

ما لم يكن مجموعا عليه مع كونه يخرج بمده عن حدّه (1).

(كما أنّه لو) لكن كسر الشعر على الموضع على خلاف المتعارف كان المسح عليه محلّ إشكال (2) و يجب أن يكون المسح بباطن الكفّ و الأحوط الأيمن (3).

____________

على التقيّة أو على الكراهة على خلاف التحقيق و حيث إنّ خبر ابن جعفر أحدث و من ناحية أخرى يبعد الفرق بين الرجل و المرأة يكون المرجع حديث ابن جعفر فلا يجوز المسح على الحائل.

(1) إذ المسح يلزم أن يكون بمقدّم الرأس فما أفاده تامّ.

(2) نقل الإجماع على عدم الجواز عن المدارك و كشف اللثام، و الوجه فيه أنّه لا يصدق المقدم عليه فإنّ الشعر المجتمع على المقدم حائل بين الماسح و الممسوح. نعم، فيما لو اجتمع شعر غير المقدم على المقدم بحسب الخلقة الأصلية يشكل الالتزام بوجوب تخليل الشعر لأنّه على خلاف العادة، و لكن لو قلنا بأنّه لا يصدق عنوان الواجب إلّا بالتخليل فلا بدّ منه مقدّمة للامتثال.

(3) يستفاد من هذا الحكم أمور ثلاثة:

الأوّل: وجوب المسح باليد.

الثاني: وجوبه بالكفّ.

الثالث: وجوبه بباطنها.

أمّا وجوبه باليد فمضافا إلى دعوى الاتفاق عليه من جملة من الأصحاب‌

345

..........

____________

كما في الحدائق على ما نقل عنه و نفى الخلاف عنه نصّا و فتوى كما عن شيخنا الأنصاري يشهد له ما في رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) من قوله (عليه السلام): و تمسح ببلّة يمناك ناصيتك (1). إلّا أن يقال: إنّ المسح ببلّة اليمنى لا يلازم أن تكون اليمنى بنفسها آلة للمسح و يؤيّده ما عن ظاهر المشهور من عدم الوجوب باليمنى، بل عن الحدائق عدم الخلاف فيه، لكن الإنصاف أنّه لا يبعد دعوى ظهور الرواية في إيجاب المسح باليمنى.

و أمّا وجوبه بالكفّ فعمدة الوجه فيه التعارف الخارجي فإنّ المطلقات منصرفة إلى الأفراد المتعارفة الخارجية، و لذا يفهم من الأمر بالمشي ما هو المتعارف منه فلا يشمل المشي من القفاء لا يقال المشهور بينهم أنّ المطلق لا ينصرف إلى النادر لا أنّه منصرف عنه فلا يتمّ ما ذكرت، فإنّه يقال الفرد غير الغالب تارة يكون نادرا وجوده في الخارج و بواسطة ندرة وجوده لا يكون متعارفا كالغسل بماء الكبريت و الزاج فإنّ الغسل بهما نادر لقلّة وجودهما، ففي مثل ذلك لا ندّعي الانصراف و تقيّد المطلق بالغالب فإنّه لا وجه لهذه الدعوى بعد تمامية مقدّمات الإطلاق.

و أخرى يكون الفرد النادر مع القدرة عليه خارجا كالفرد الغالب و مع ذلك لا يكون متداولا، ففي مثل ذلك يقرب ما ذكرنا من دعوى الانصراف و المراجعة إلى المحاورات العرفية يرشدك إلى ما ذكرنا.

و أمّا وجوبه بباطن الكفّ فقد ظهر وجهه ممّا ذكرنا في لزوم كون المسح‌

____________

(1) تقدّم في ص 319- 320.

346

بل الأولى الأصابع (1) و أن يكون بما بقي في يده من نداوة الوضوء فلا يصحّ بماء جديد (2).

____________

بالكفّ فإنّ المتعارف في المسح أن يكون بباطن الكفّ، أضف إلى ذلك أنّه قد صرّح في حديث زرارة «ثمّ مسح رأسه و قدميه إلى الكعبين بفضل كفّيه» (1).

(1) الظاهر أنّ لوجه فيه نسبته إلى جملة من الأصحاب فتوجب هذه النسبة رجحانها من باب الاحتياط أو لقاعدة التسامح على ما هو المقرّر عندهم.

(2) بلا خلاف ظاهرا عدا ابن جنيد، و عن طهارة شيخنا المرتضى استقرّ عليه المذهب في زماننا، و عن الذكرى أنّه استقرّ عليه إجماعنا عدا ابن جنيد إلى غير ذلك من العبائر المنقولة في هذا الباب و يشهد له ما تقدّم في خبر زرارة من قوله (عليه السلام): «تمسح ببلّة يمناك ناصيتك» (2) و يؤيّده بل يدلّ عليه أمر النبيّ ليلة المعراج و هو ما رواه عمر بن أذينة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث طويل أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لمّا أسري بي إلى السماء أوحى اللّه إليّ يا محمّد ادن من صاد فاغسل مساجدك و طهّرها و صلّ لربّك، فدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من صاد و هو ماء يسيل من ساق العرش الأيمن فتلقّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الماء بيده اليمنى فمن أجل ذلك صار الوضوء باليمين ثمّ أوحى اللّه إليه أن اغسل وجهك فإنّك تنظر إلى عظمتي ثمّ اغسل ذراعيك اليمنى و اليسرى فإنّك تلقى بيديك كلامي، ثمّ امسح رأسك بفضل ما بقي في يدك من الماء و رجليك إلى كعبيك فإنّي أبارك عليك و اوطئك موطئا لم يطأه أحد‌

____________

(1) الوسائل، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث 11.

(2) لاحظ ص 320.

347

..........

____________

غيرك (1)، فإنّ الظاهر منه أنّ الوضوء المشروع النحو المذكور و تطرّق احتمال كونه مخصوصا به (صلّى اللّه عليه و آله) يمنع عن الاستشهاد بالوضوءات البيانية كما هو ظاهر و في المقام روايات تدلّ بظاهرها على تعيّن المسح بالماء الجديد، بل صريح بعضها عدم الاجزاء بما في اليد، فعن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مسح الرأس قلت: أمسح بها على يدي من الندى رأسي؟ قال: لا، بل تضع يدك في الماء ثمّ تمسح (2).

و ما عن معمّر بن خلّاد قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) أ يجزي الرجل أن يمسح قدميه بفضل رأسه؟ فقال: برأسه لا فقلت أ بماء جديد فقال: برأسه نعم (3).

و لا يخفى أنّ ما دلّ على تعيّن المسح بماء جديد مخالف للإجماع و للسيرة العملية المستمرّة و للوضوءات البيانيّة الدالّة على أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) مسح بما في يده من الماء و في بعضها لم يعدهما في الإناء، بل يمكن أن يقال: إنّ الروايتين المتقدّمتين تعارضان ما دلّ على جواز المسح بما بقي من الماء بنحو لا يكون الجمع بينهما عرفيا.

أمّا الرواية الثانية فظاهر، و أمّا الأولى فإنّ الظاهر من الراوي السؤال عن جواز المسح بما في يده من الماء. و أجاب (عليه السلام) بعدم الجواز و كيف يجمع بين الحكم بالجواز بل التعيّن المستفاد من تلك الروايات و بين الحكم بعدم‌

____________

(1) الوسائل، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث 5.

(2) الوسائل، الباب 21 من أبواب الوضوء، الحديث 4.

(3) نفس المصدر، الحديث 5.

348

..........

____________

الجواز و بعد التعارض لا بدّ من الأخذ بتلك الروايات إمّا لكون هذه الروايات موافقة للتقيّة كما قالوا: فعن المغني لابن قدامة: و يمسح رأسه بماء جديد غير ما فصل عن ذراعيه و هو قول أبي حنيفة و الشافعي و العمل عليه عند أكثر أهل العلم قاله الترمذي و جوّزه الحسن و عروة و الأوزاعي ثمّ قال: و لنا ما روى عبد اللّه بن زيد قال: مسح النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) رأسه بماء غير فضل يديه، و لأنّ البلل الباقي في يده مستعمل فلا يجزئ المسح به كما لو فصله في إناء ثمّ استعمله، و في بداية المجتهد لابن رشد أكثر العلماء أوجب تجديد الماء لمسح الرأس قياسا على سائر الأعضاء، و في جامع الترمذي من شرحه لابن العربي بعد أن ذكر رواية عبد اللّه بن زيد و غيره أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أخذ لرأسه ماء جديدا قال و العمل على هذا عند أكثر أهل العلم رأوا أن يأخذ لرأسه ماء جديدا.

و في أحكام القرآن للشافعي «أخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لكلّ عضو ماء جديدا.

و قال في الأمّ: «و الاختيار له أن يأخذ الماء بيديه فيمسح بهما رأسه معا؛ يبدأ بمقدم رأسه إلى قفاه و يردهما إلى المكان الذي بدأ منه» (1).

و أمّا لكون تلك الروايات مشهورة بحيث يعدّ خلافها شاذّا نادرا.

إن قلت: يمكن حمل النهي في الرواية الأولى على الكراهة. قلت: كيف يمكن ذلك مع استقرار السيرة الخارجية على هذا الأمر المكروه بحيث يعدّ خلافه باطلا و تضمّن كثير من الأخبار البيانية على المسح بما بقي في اليد.

____________

(1) هامش الحدائق ج 2 ص 284.

349

مسألة 99: لو تعذّر المسح بباطن الكفّ مسح بغيره من سائر أعضائه (1) لكن لا يترك الاحتياط بالجمع حينئذ بين المسح بحواشي باطن الكفّ و بظاهرها و لو تعذّر المسح بالكفّ أصلا مسح بالذراع (2).

____________

(1) لو قلنا: بأنّه لا يلزم المسح بخصوص الباطن فالأمر ظاهر، إذ لا فرق بين باطن الكفّ و غيره من الأعضاء. و أمّا على القول به كما تقدّم فيمكن استفادة الحكم من الروايات الواردة في الاقطع فإنّه يستفاد منها أنّ حكم الوضوء لا يسقط بتعذّر بعض الأعضاء، مضافا إلى التسالم الخارجي بينهم، فحكي عن المدارك الظاهر أنّ المسح بالباطن. نعم، لو تعذّر المسح بالباطن أجزأ الظاهر قطعا.

و الحاصل: أنّ النظر في النصوص و الفتاوى يوجب الاطمئنان بأنّ المسح لا يسقط بتعذّر تحقّقه بباطن الكفّ، لكن قد مرّ منّا أنّ مقتضى القاعدة سقوط الطهارة إلّا أن يتمّ المدّعى بالتسالم.

(2) الذي يمكن أن يقال في تقديم الحواشي و الظاهر على سائر الأعضاء أمور لا يرجع شي‌ء منها إلى محصل صحيح، أحدها: أنّ أصالة الاحتياط في المقام محكمة لكون الشكّ في المحصل و قد مرّ منّا أنّ الأمر ليس كذلك فراجع.

ثانيها: أنّ الأمر دائر بين التعيين و التخيير فيلزم الحكم بالتعيين و الجواب عنه: أنّ التخيير مقتضى القاعده عند الدوران.

ثالثها: الإجماع على تقديم الأقرب إلى الواجب المتعذّر على غيره‌

350

و الأحوط فيه تقديم الباطن على الظاهر (1).

مسألة 100: لا يصحّ المسح على الخفّ و الجورب و أمثالهما (2).

____________

و ظاهر الكفّ في نظر العرف أقرب إلى باطنه من الذراع، و يرد فيه: أنّ قيام الإجماع التعبّدي الكاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) على هذا الأمر في غاية الإشكال فإنّه يمكن أن يكون الوجه في نظرهم أنّ قاعدة الميسور تقتضي النحو المذكور، هذا و لكن بعد وجود الدليل على عدم سقوط حكم المسح و وجوبه بعد تعذّر الباطن يقرب الالتزام بتقديم الظاهر أو الحواشي على غيرهما فإنّ دعوى أنّ العرف يفهم هذا المعنى من الأدلّة قريبة جدّا إلّا أنّ الإشكال في أصل المدعى.

(1) ما ذكرناه في توجيه تقديم ظاهر الكفّ على الذراع لا يجري في المقام فإنّه لا فرق في نظر العرف بعد تعذّر المسح بالكفّ بين باطن الذراع و ظاهره.

(2) هذا الذي أفاده تقتضيه القاعدة الأوّلية فإنّ المسح على الخفّ و أمثاله لا يكون مسحا على البشرة.

و قال في الحدائق ما حاصله: إنّ عدم الجواز إجماعي منّا فتوى و نصّا و يشهد له ما في صحيح ابن مسلم (1). و مثله في الدلالة على عدم جواز المسح على الحائل غيره. نعم، في خصوص المسح على الحنّاء في المختضب يمكن القول بالجواز بمقتضى بعض الروايات الواردة فيه و قد مرّ منّا الكلام في ذلك، فراجع.

____________

(1) تقدّم في ص 343.

351

إلّا في حال التقيّة (1).

____________

(1) قال في الحدائق: إنّ ظاهر كلمة الأصحاب الاتّفاق على جوازه و في بعض الكلمات أنّه نفى الخلاف عنه غير واحد و استدلّ برواية أبي الورد قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إنّ أبا ظبيان حدّثني أنّه رأى عليّا (عليه السلام) أراق الماء ثمّ مسح على الخفّين فقال: كذب أبو ظبيان أما بلغك قول عليّ (عليه السلام) فيكم سبق الكتاب الخفّين؟ فقلت: فهل فيهما رخصة؟ فقال: لا، إلّا من عدوّ تتّقيه أو ثلج تخاف على رجليك (1).

و استدلّ عليه أيضا بعموم مشروعية التقيّة بناء على دلالتها على الصحّة و الاجزاء. و لا يخفى ما في هذا الاستدلال فإنّ أبا ورد ضعيف و لا يعتمد على روايته و عمل المشهور بروايته لا يجبر ضعفها على مسلكنا.

و أمّا العمومات فعلى تقدير دلالتها على المطلوب تخصّص بما ورد في خصوص المقام من نفي التقيّة فيه، و مما يدلّ على التخصيص ما رواه زرارة عن غير واحد قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) في المسح على الخفّين تقيّة، قال:

لا يتّقى في ثلاث، قلنا: و ما هنّ؟ قال: شرب الخمر أو قال: شرب المسكر، و المسح على الخفّين، و متعة الحجّ (2).

و يؤيّده بل يدلّ عليه ما رواه زرارة أيضا قال: قلت له في مسح الخفّين تقيّة، فقال: ثلاثة لا أتّقي فيهنّ أحدا: شرب المسكر، و مسح الخفّين،

____________

(1) الوسائل، الباب 38 من أبواب الوضوء، الحديث 5.

(2) جامع الأحاديث ج 2 باب 26 من كتاب الطهارة ص 322 الحديث 21.

352

و في بعض أقسام الضرورة (1).

____________

و متعة الحجّ. قال زرارة و لم يقل الواجب عليكم أن لا تتّقوا فيهنّ أحدا (1).

و بهاتين الروايتين ترفع اليد عن عمومات التقيّة على فرض دلالتها على المدّعى و يؤيّد ما ذكرنا ما نقله في الحدائق عن جملة من المتأخّرين منهم سيّد المدارك من المناقشة في هذا الحكم و احتملوا انتقال التكليف إلى التيمّم.

(1) أي ما يكون في تركها حرج أو ضرر غير معتاد، و ادّعى عليه اتّفاق كلمة الأصحاب تارة كما في الحدائق، و اخرى الإجماع كما عن ظاهر الناصريّات و صريح الخلاف و المختلف و التذكرة و الذكرى، و قد استدلّ عليه بما تقدّم من رواية أبي الورد (2) المذكور فيها و إن كان خصوص الثلج و لكن فهموا منها القاعدة الكلّية و الحقّ معهم في استفادة الحكم الكلّي منها، إنّما الإشكال كما تقدّم في سندها من جهة أبي الورد و لا جابر له، و استدلّ أيضا بما رواه عبد الأعلى مولى آل سام قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): عثرت فانقطع ظفري فجعلت على اصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء؟ قال: يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّه عزّ و جلّ، قال اللّه تعالى: مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ امسح عليه (3).

و الإنصاف أنّه لا قصور في دلالة الرواية على المقصود فإنّه يستفاد من‌

____________

(1) الوسائل، الباب 38 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

(2) تقدّمت في ص 351.

(3) الوسائل، الباب 39 من أبواب الوضوء، الحديث 5.