الدلائل في شرح منتخب المسائل - ج1

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
742 /
353

كما يصحّ التقيّة في سائر أفعال الوضوء (1).

____________

كلامه (عليه السلام) أنّ الحكم الأوّلي يرتفع بواسطة عروض عنوان الحرج و يتنزل إلى مرتبة أخرى، لكنّ الإشكال في سند الرواية فإنّ عبد الأعلى لا يمكن الاعتماد بوثاقته، و أمّا التمسّك بقاعدة نفي الحرج و الضرر فيرد عليه: أنّ الحكم الإثباتي لا يستفاد من القاعدتين بل المستفاد منهما و أشباههما رفع الحكم عند عروض هذه العناوين.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه يمكن أن يستفاد المطلوب ممّا ورد في باب الجبائر فإنّ الناظر في تلك الروايات يفهم بأنّ عدم إمكان غسل البشرة نفسها أو المسح عليها لا يوجب سقوط حكم الوضوء و لا تتبدّل الوظيفة بالتيمّم و ما ذكروه في المقام من الإجماع و غيره مؤيّد للمقصود و إن أبيت عن استفادة المدّعى من تلك الأدلّة و قلت: لا وجه للتعدّي عن مورد النصّ يشكل الحكم.

و كيف كان لا ينبغي ترك الاحتياط و اللّه العالم. أضف إلى ذلك أنّ مفاد قاعدة لا ضرر على مسلكنا النهي عن الإضرار، فلاحظ.

(1) للأخبار الواردة في خصوص الوضوء تقيّة كرواية داود بن زربي قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الوضوء، فقال لي: توضّأ ثلاثا (ثلاثا قال) ثمّ قال لي: أ ليس تشهد بغداد و عساكرهم؟ قلت: بلى، قال: فكنت يوما أتوضّأ في دار المهدي فرآني بعضهم و أنا لا أعلم به فقال: كذب من زعم أنّك فلاني و أنت تتوضّأ هذا الوضوء، قال: فقلت لهذا و اللّه أمرني (1).

____________

(1) الوسائل، الباب 32 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

354

و لو حصل التقيّة بكلّ من المسح على الخفّ و غسل الرجلين فالأحوط بل الأقوى تعيّن الغسل (1)

____________

و للروايات العامّة الواردة في التقيّة بناء على دلالتها على الصحّة و الاجزاء كما أنّ بنائهم على ذلك، و من تلك الأخبار ما تقدّم في ما رواه زرارة (1)، فإنّه من الظاهر أنّ المسح على الخفّين عند العامّة بلا ترتيب أثر عليه لا مانع منه، بل المستفاد من الرواية ظاهرا أنّه لا يتّقى في المسح على الخفّ بحيث يكون هذا الوضوء وضوءا صحيحا موضوعا للآثار، و عليه يكون الداخل في المستثنى منه موردا للتقيّة و صحيحا و مجزيا، لكنّ الإنصاف إنّ الحديث لا يدلّ على الإجزاء بل يمكن أن يقال: إنّ الرواية دالّة على عدم الاجزاء.

و بعبارة أخرى أنّ المستفاد من قوله (عليه السلام) إنّه يتّقي من العدو، لا أنّه يتحقّق الامتثال و صفوة القول: إنّ أحاديث التقيّة لا دلالة فيها على الاجزاء.

(1) أمّا على ما ذكرنا من أنّ المستفاد من روايات الباب عدم التقيّة في المسح على الخفّ فظاهر، و أمّا على مسلك المشهور فيمكن أن يكون الوجه في تعيّن الغسل عند دوران الأمر بينه و بين المسح أنّ المستفاد من خبر أبي الورد أنّ المسح على الخفّ لا يجوز إلّا في صورة الضرورة و مع إمكان الغسل لا ضرورة في المسح فيتعيّن الغسل و يؤيّده ما ذكر في المقام من أنّ الغسل أقرب إلى الواجب حيث إنّ اليد يلاصق البشرة بخلاف المسح على الخفّ و من أنّ الأمر دائر بين التعيين و التخيير و مقتضى الأصل هو الأوّل و أنّ‌

____________

(1) لاحظ ص 351.

355

و لو أمكن الوضوء حينئذ صحيحا بلا محذور فالأحوط بل الأقوى تعيّنه (2).

____________

المقام من موارد الشكّ في المحصل، و مقتضى الأصل فيه الاحتياط بإتيان المشكوك فيه و تقدّم الكلام حوله. و لا يخفى أنّ ما ذكر على تقدير تمامية أدلّة التقيّة و كونها دالة على الاجزاء.

(1) كما ذهب إليه جملة من الأعاظم منهم صاحب المدارك على ما نقل عنه، و يمكن أن يستدلّ على تقييد مطلقات التقيّة و تخصيص عموماتها ببعض الروايات كرواية إبراهيم بن شيبة قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) أسأله عن الصلاة خلف من يتولّى أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو يرى المسح على الخفّين أو خلف من يحرّم المسح و هو يمسح، فكتب (عليه السلام): إن جامعك و إيّاهم موضع فلم تجد بدّا من الصلاة فأذّن لنفسك و أقم فإن سبقك إلى القراءة فسبّح (1). و قريب منها غيرها، لكن الإنصاف أنّه لو سلّم اعتبار المقيّدات من حيث السند و لم يناقش فيها يشكل رفع اليد عن العمومات الدالّة و الأدلّة الخاصّة الدالّة جميعا على التقيّة و ترغيب الناس إليها فإنّه يمكن أن يقال: إنّ الناظر فيها يراها آبية عن التقييد بمورد عدم وجود المندوحة لاحظ ما رواه إسحاق بن عمّار قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا إسحاق أ تصلّي معهم في المسجد؟ قلت: نعم، قال: صلّ معهم فإنّ المصلّي معهم في الصفّ الأوّل كالشاهر سيفه في سبيل اللّه (2).

____________

(1) الوسائل، الباب 33 من أبواب الجماعة، الحديث 2.

(2) الوسائل، الباب 5 من أبواب الجماعة، الحديث 7.

356

مسألة 101: يعتبر في محلّ المسح الجفاف من الماء. نعم، لا يضرّ نداوته على وجه يغلب عليه ماء الكفّ و يقع المسح بمائه وحده (1).

مسألة 102: إذا توضّأ بغمس اليد في الماء فإن نوى الوضوء بإدخاله في الماء أو بتحريكه فيه لم يجز المسح بمائه (2) و إن نواه

____________

فإنّه كيف يمكن تقييد مثل هذه الرواية بصورة عدم وجود المندوحة و تنقيح الحال في هذا المجال يحتاج إلى تحقيق أكثر ممّا ذكرنا و طريق الاحتياط ظاهر.

(1) لاحظ ما رواه زرارة (1) فإنّ قوله (عليه السلام) فيه: «و تمسح ببلّة يمناك ناصيتك و ما بقي من بلّة يمينك ظهر قدك اليمنى و تمسح ببلّة يسارك ظهر قدمك اليسرى» يدلّ على أنّ المسح لا بدّ أن يكون بما بقي من البلّة في اليد فلو كان الممسوح رطبا بحيث تغلب تلك الرطوبة على ما في اليد أو لا يغلب عليه و لكن تكون بحيث تمنع عن صدق عنوان المسح ببلّة اليد يكون المسح باطلا لعدم تحقّق عنوان المأمور به على الفرض. نعم، لو كانت قليلة بحيث تستهلك فيما بقى في اليد لا تمنع من تحقّق المأمور به، لكنّ الإشكال في أنّه يمكن فرض استهلاك شي‌ء في مماثله أو يشترط في تحقّق الاستهلاك تغاير الأمرين جنسا لكنّ الظاهر أنّه لا مانع عن صدق الاستهلاك مع اتحاد الجنس، فلاحظ.

(2) لعدم جواز المسح بماء جديد كما مرّ.

____________

(1) تقدّم في ص 320.

357

بالإخراج بأن نوى الغسل بمرور أجزاء اليد بسطحه الأعلى و كان على وجه لا يجري ماء الذراع إلى الكفّ جاز المسح بمائه و صحّ الوضوء (1).

مسألة 103: إذا جفّ ما في اليد من بلّة ماء الوضوء لنسيان المسح أو غيره من الأعذار جاز أخذ الماء من سائر أعضاء الوضوء للمسح (2).

____________

(1) أمّا جواز المسح فلعدم وجه لعدمه كما هو المفروض، و أمّا الصحّة فالأمر فيها كذلك فإنّ المأمور به عبارة عن الغسل و هو كما يحصل بصبّ الماء على اليد كذلك يحصل بإخراج اليد من الماء. لكن لو قيل بلزوم إحداث الغسل يشكل الالتزام بالصحة.

(2) يظهر من صاحب الجواهر (قدّس سرّه) أنّ الحكم مورد الاتّفاق سيّما بين المتأخّرين و في بعض الكلمات أنّه لا ينبغي التأمّل في هذا الحكم فإن تمّ إجماع تعبّدي كاشف على الحكم فهو و إلّا يشكل الالتزام به لأنّ ظاهر قوله (عليه السلام) في رواية زرارة: و تمسح ببلّة يمناك ناصيتك و ما بقي من بلّة يمينك ظهر قدمك اليمنى و تمسح ببلّة يسارك ظهر قدمك اليسرى (1) أنّ المسح لا بدّ أن يكون بما بقي في الكفّ، فلو جفّ يبطل الوضوء بمقتضى القاعدة و الأخذ من بلل بقيّة الأعضاء يحتاج إلى دليل، و الروايات الواردة في المقام لا تدلّ على جواز الأخذ من بلل سائر الأعضاء مطلقا، بل إمّا تدلّ على جواز الأخذ من بلل اللحية كرواية زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل ينسى مسح رأسه حتّى دخل في الصلاة قال: إن كان في لحيته بلل بقدر ما يمسح رأسه‌

____________

(1) تقدّم في ص 320.

358

..........

____________

و رجليه فليفعل ذلك و ليصلّ الحديث (1).

و رواية مالك بن أعين عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من نسى مسح رأسه ثمّ ذكر أنّه لم يمسح رأسه فإن كان في لحيته بلل فليأخذ منه و يمسح رأسه و إن لم يكن في لحيته بلل فلينصرف و ليعد الوضوء (2).

و رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل نسي مسح رأسه قال:

فليمسح، قال: لم يذكره حتّى دخل في الصلاة، قال: فليمسح رأسه من بلل لحيته (3).

و إمّا تدلّ على تقديم اللحية و على تقدير عدمها يقدّم ما في الحاجب و الأشفار، و على تقدير عدم البلّة فيها يؤخذ من بقيّة الأعضاء، و الدليل عليه مرسل الصدوق قال: قال الصادق (عليه السلام): إن نيست مسح رأسك فامسح عليه و على رجليك من بلّة وضوئك فإن لم يكن بقي في يدك من نداوة وضوئك شي‌ء فخذ ما بقي منه في لحيتك و امسح به رأسك و رجليك و إن لم يكن لك لحية فخذ من حاجبيك و أشفار عينيك و امسح به رأسك و رجليك، و إن لم يبق من بلّة وضوئك شي‌ء أعدت الوضوء (4).

و إمّا تدلّ على تقديم اللحية و على تقدير عدمها يقدّم ما في الحاجبين أو أشفار العينين، و الدليل عليه مرسل خلف بن حمّاد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل، الباب 21 من أبواب الوضوء، الحديث 3.

(2) الوسائل، الباب 21 من أبواب الوضوء، الحديث 7.

(3) نفس المصدر، الحديث 9.

(4) نفس المصدر، الحديث 8.

359

و الأولى تقديم ماء اللحية و الحاجبين (1).

____________

قال: قلت له: الرجل ينسى مسح رأسه و هو في الصلاة، قال: إن كان في لحيته بلل فليمسح به، قلت: فإن لم يكن له لحية قال: يمسح من حاجبيه أو من أشفار عينيه (1)، فلا وجه للقول بجواز الأخذ من بقيّة الأعضاء بلا تقييد.

(1) أمّا تقديم ماء اللحية فلا يجوز خلافه كما ذكرنا فإنّ المستفاد من الروايات الواردة في هذا الباب كما ذكرنا وجوب تقديم ماء اللحية على غيره، و أمّا تقديم الحاجبين فلا وجه له، بل لا يجوز الأخذ منهما و لا من غيرهما حتّى فيما لا يكون في اللحية ماء، أمّا مدرك جواز الأخذ من غير اللحية و الحاجبين و الأشفار فمنحصر في مرسل الصدوق (2) و هو لإرساله لا يعتمد عليه و ما أسند إليه من أنّ ما يرويه حجّة له على فرض عدم عدوله منه لا أثر له فإنّ حجّية رواية عنده لا تكون من أدلّة اعتبار الرواية كما هو ظاهر.

و أمّا الأخذ من الحاجبين أو أشفار العينين فمدركه المرسل المشار إليه و مرسل خلف بن حمّاد و فيه قال (عليه السلام): إن كان في لحيته بلل فليمسح به، قلت: فإن لم يكن له لحية؟ قال: يمسح من حاجبيه أو أشفار عينيه. و هذا المرسل أيضا لا يعتمد عليه لإرساله، مضافا إلى أنّ المستفاد من المرسلين تأخّر ما في الحاجبين و الأشفار عمّا في اللحية. نعم، مقتضى القاعدة‌

____________

(1) الوسائل، الباب 21 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

(2) تقدّم في ص 358.

360

لكن من المقدار الداخل منها في حدّ الوجه (1) و مع جفاف جميع الأعضاء يعيد الوضوء (2).

مسألة 104: إذا لم يمكن حفظ نداوة الوضوء للمسح لحرارة الهواء أو شدّة الرياح أو غيرهما فالأولى المسح بماء جديد ثمّ التيمّم و أولى منه المسح أوّلا باليد الجافّة ثمّ بالماء الجديد ثمّ التيمّم (3).

____________

جواز الأخذ من بلل اللحية في فرض جفاف ما في اليد لما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا ذكرت و أنت في صلاتك أنّك قد تركت شيئا من وضوئك إلى أن قال: و يكفيك من مسح رأسك أن تأخذ من لحيتك بللها إذا نسيت أن تمسح رأسك فتمسح به مقدّم رأسك (1) و لما رواه زرارة (2).

(1) لانصراف الدليل إلى ما يكون باقيا من بلّة الوضوء و ما يكون في المسترسل لا يكون من ماء الوضوء. نعم، لو قلنا باستحباب غسل المسترسل فغسله استحبابا لا بأس بالأخذ منه أيضا لأنّه جزء من ماء الوضوء حينئذ لكن إنّما يتمّ لو صحّ القول بالجزء المستحبّ، و أمّا لو لم نسلّم و قلنا لا معنى للجزء المستحبى فيشكل، فلاحظ.

(2) لعدم إمكان إتيان ما هو مأمور به على الفرض.

(3) نقل عن جملة من الأعلام جواز المسح بماء جديد في الصورة المفروضة و منهم العلّامة و الشهيد و المحقّق و صاحب المدارك و استدلّ له‌

____________

(1) الوسائل، الباب 21 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

(2) لاحظ ص 357- 358.

361

..........

____________

بنفي الضرورة و الحرج و صدق الامتثال و اختصاص وجوب المسح بالبلل بالإمكان المنتفي على الفرض، و في الكلّ ما لا يخفى فإنّ نفي الضرر و الحرج لا يقتضي تعلّق الأمر بغير متعلّقه كما أنّ الامتثال لا يتحقّق مع عدم الإتيان بما هو مأمور به و اختصاص وجوب المسح بالبلل يقتضي سقوط الأمر بالوضوء و العدول إلى التيمّم فإنّه قد حقّق في الأصول أنّ هذا النحو من الأوامر إرشاد إلى الجزئية أو الشرطية أو المانعية.

و من الظاهر أنّ الأمر المتعلّق بمركب ينتفي بتعذّر جزء أو شرط منه و تعلّق الأمر بالباقي الميسور يحتاج إلى الدليل.

و بعبارة أخرى استفيد من دليل وجوب المسح بالبلل أنّه يشترط في الوضوء هذا النحو من المسح و دليل الشرطية لا يختصّ بالقادر عليه بل يقتضي تقدّم المشروط به. و عن نهاية الاحكام و غيرها أنّه لو جفّ ماء الوضوء لحرارة الهواء أو غيرها جاز المسح باليد الجافّة و لا يجوز استئناف ماء جديد و هذا أيضا على خلاف القاعدة فإنّه لا دليل على بدلية المسح باليد الجافّة عن المسح باليد المبتلّة. و ما في الجواهر من قصور ما دلّ على شرطية المسح بالنداوة عن شموله للمقام لظهوره في صورة الإمكان قد ظهر ما فيه فإنّه لا قصور فيه فإنّ بنائهم في جميع الأبواب سقوط الأمر بتعذّر جزء منه أو شرط منه إلّا أن يدلّ على البدلية دليل و ما يمكن أن يكون دليلا له أحد الأمرين أحدهما: قاعدة الميسور و قد مرّ منّا لعلّه مرارا أنّ أدلّة هذه القاعدة مخدوشة و تفصيل الحال فيها موكول إلى محلّها من الأصول.

362

و أمّا مسح الرجلين فيجب من رءوس الأصابع إلى الكعبين طولا (1).

____________

ثانيهما: استصحاب وجوب الوضوء كما في الجواهر، و يرد عليه أوّلا:

أنّه على فرض جريانه يختصّ بما لو تعذّر الوضوء التامّ بعد الوقت كي يتعلّق الخطاب به فلو كان التعذّر مستوعبا لتمام الوقت فلا مجال لهذا الكلام.

و ثانيا: أنّ الخطاب المفروض تعلّق بالوضوء التامّ، و من الظاهر كما ذكرنا أنّ الخطاب المتعلّق بالوضوء التامّ سقط بتعذّر بعض شرائطه و الشكّ في الخطاب بالناقص شكّ في أصل الثبوت لا شكّ في السقوط فأركان الاستصحاب غير تامّة.

و ثالثا: أنّ جريان هذا الأصل يتوقّف على القول بحجّية الاستصحاب في الشبهات الحكمية و قد ذكرنا مرارا أنّا لا نلتزم به و بيّنا وجهه في الأصول مفصّلا.

فانقدح بما ذكرنا: أنّه مع عدم إمكان الوضوء التامّ و لو بالتأخير إلى آخر الأزمنة تصل النوبة إلى التيمّم. نعم، ما أفاده في المتن حسن لتحصيل الواقع المحتمل و للخروج عن خلاف ما ذهب إليه هؤلاء الأعلام (رضوان اللّه عليهم) و بما ينطبق عليه قاعدة التسامح عندهم و اللّه العالم.

(1) أمّا وجوب المسح فالظاهر أنّه لا خلاف بينهم، و في الجواهر ادّعى عليه إجماع الإمامية محصّلا و منقولا و قال: بل هو من ضروريات مذهبهم و أخبارهم به متواترة، بل في الانتصار أنّها أكثر من عدد الرمل و الحصى، و في الحدائق قال: إنّه ممّا انعقد عليه إجماع الإمامية فتوى و دليلا كتابا و سنّة و وافقنا عليه بعض متقدّمي العامّة، انتهى موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.

363

..........

____________

و روي عن طريق العامّة عن ابن عبّاس أنّه وصف وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فمسح على رجليه (1).

و روي عنه أيضا أنّه قال: إنّ (في) كتاب اللّه المسح و يأبى الناس إلّا الغسل (2). و روي عنه أيضا أنّه قال: غسلتان و مسحتان (3).

و روي عن طريقهم عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: ما نزل القرآن إلّا بالمسح (4).

قال في التهذيب: و كلّ هذه الأخبار قد رواها مخالفونا (5)، بل نقل القول بالمسح عن جماعة من التابعين و الصحابة كابن عبّاس و أنس و أبي العالية و الشعبي، و يشهد للمقصود مضافا إلى ما سمعت قوله تعالى: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (6) فإنّ ظاهر الآية الشريفة أنّ الوظيفة في الرجل المسح كالرأس و لا فرق في استفادة هذا المعنى بين أن يقرء لفظ أرجلكم بالجرّ كما عن ابن كثير و أبي عمرو و حمزة، و في رواية أبي بكر عن عاصم بل قيل: إنّها مجمع عليها، و يدلّ عليه ما رواه غالب بن الهذيل قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ على الخفض هي أمن على النصب؟ قال: بل هي‌

____________

(1) الوسائل، الباب 25 من أبواب الوضوء، الحديث 6.

(2) نفس المصدر، الحديث 7.

(3) نفس المصدر، الحديث 9.

(4) نفس المصدر، الحديث 8.

(5) التهذيب ج 1 ص 63 ذيل حديث 176.

(6) المائدة: 6.

364

..........

____________

على الخفض (1). و بين أن يقرأ بالنصب كما نقلت عن نافع و ابن عامر و الكسائي و في رواية حفص عن عاصم على ما قيل.

أمّا على الأوّل فظاهر فإنّه معطوف على لفظ رءوس، و أمّا على الثاني فإنّه معطوف على المحلّ فإنّ لفظ الرءوس منصوب محلّا لأجل المفعولية.

و أمّا ربّما يقال: من أنّه يمكن الالتزام بوجوب الغسل في الرجل بجعلها معطوفة على الأيدي بلا فرق بين القراءتين، أمّا على قراءة النصب فعلى القاعدة، و أمّا على قراءة الجرّ فيلتزم بكون جرّه للمجاورة كما في قولهم هذا حجر ضب خرب فيرد عليه: أنّ هذا خلاف الظاهر، بل على خلاف القواعد الأدبية، و في بعض الكلمات أنّ ذلك من غرائب الاستعمال فإنّ عطفه على المحلّ على قراءة النصب أولى من عطفه على لفظ الأيدي بل يتعيّن لأنّه يلزم الفصل بالأجنبي و إلقاء للمخاطب في خلاف ما هو ظاهر الكلام.

و أمّا على قراءة الجر فمضافا إلى ما سمعت أنّه نقل منعه عن محقّقي النحويّين و تأويل ما توهّم فيه ذلك و على فرض جوازه مشروط بعدم فصل بين المتجاورين كما في المثال. و أمّا مع الفصل بينهما كما في الآية فلا يجوز بلا كلام.

و كيف كان لا مجال للمناقشة في أنّ الوظيفة المقرّرة في الرجل المسح.

نعم، يظهر من بعض الروايات جواز الغسل لاحظ رواية أيّوب بن نوح قال:

كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) أسأله عن المسح على القدمين فقال: الوضوء‌

____________

(1) الوسائل، الباب 25 من أبواب الوضوء، الحديث 10.

365

..........

____________

بالمسح و لا يجب فيه إلّا ذاك و من غسل فلا بأس (1).

و رواية عمّار بن موسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يتوضّأ الوضوء كلّه إلّا رجليه ثمّ يخوض بهما الماء خوضا قال: أجزأه ذلك (2). و لا بدّ من رفع اليد عنهما بحملهما على التقيّة فإنّ رواية عمّار توافق قول أكثرهم و رواية أيّوب بن نوح توافق قول جملة منهم على ما نقل فإنّه نسب إلى الحسن البصري و ابن جرير الطبري و الجبائي التخيير بين الغسل و المسح أو تحملان على محمل آخر.

و كيف كان لا مجال للعمل بهما فإنّ في الأخبار الواردة في المسح ما ظاهره بل صريحه تعيّن المسح و هو ما رواه زرارة مضمرا قال: قال لي: لو أنّك توضّأت فجعلت مسح الرجلين غسلا ثمّ أضمرت أنّ ذلك من المفروض لم يكن ذلك بوضوء ثمّ قال: ابدأ بالمسح على الرجلين فإن بدا لك غسل فغسلته فامسح بعده ليكون آخر ذلك المفروض (3).

و ما رواه أبو همام عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في وضوء الفريضة في كتاب اللّه تعالى: المسح و الغسل في الوضوء للتنظيف (4). و حيث إنّ ما دلّ على تعيّن المسح موافق للكتاب و مخالف للعامّة يؤخذ به و يرفع اليد عن معارضه و لا يخفى أنّ المرجّح من حيث الأحدثية مع ما دلّ على لزوم‌

____________

(1) الوسائل، الباب 25 من أبواب الوضوء، الحديث 13.

(2) نفس المصدر، الحديث 14.

(3) نفس المصدر، الحديث 12.

(4) نفس المصدر، الحديث 11.

366

..........

____________

المسح و هذا هو المرجّح الوحيد في باب الترجيح و حديث أبي همام عن الرضا (عليه السلام) الدالّ على لزوم المسح أحدث.

و أمّا استيعابه من رءوس الأصابع إلى الكعبين فالمشهور بينهم كما في الحدائق وجوبه، و عن الانتصار دعوى الإجماع عليه، و عن المنتهى نسبته إلى علمائنا، و عن التذكرة أنّه إجماع فقهاء أهل البيت، و عن مفتاح الكرامة حكاية الإجماع عليه عن الخلاف و الغنية و السرائر، و عن الشهيد في الذكرى احتمال عدم الوجوب، و عن الكاشاني الجزم به، و عن صاحب رياض المسائل و حياض الدلائل نفى البعد عنه.

و يمكن أن يستدلّ للقول الأوّل مضافا إلى ما سمعت من دعاوى الإجماعات عليه بقوله تعالى: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ امّا على تقدير كون الغاية غاية للمسح فدلالتها على المدّعى ظاهرة و لا ينافيه ما يدلّ من الروايات على جواز النكس بل هو المشهور كما ادّعاه في الحدائق إذ المستفاد من الآية وجوب الاستيعاب و لزوم كون الابتداء من الأصابع و بقيام الدليل على جواز النكس يرفع اليد عن أحد الأمرين و لا وجه لرفع اليد عن الآخر. و امّا على تقدير كون الغاية غاية للمسوح فأيضا لا يضرّ بالمقصود لأنّ الظاهر منها على هذا التقدير أنّ قوله إلى الكعبين بيان لذلك البعض المستفاد من لفظ (باء) و امّا احتمال كون المراد بغاية الممسوح الاجتزاء بمسح أي جزء منه فمدفوع بأنّ الظاهر خلافه.

و الحاصل: أنّ ظهور الآية في المدّعى على كلا التقديرين لا ينكر.

367

..........

____________

و بحديث معراج: ثمّ امسح رأسك بفضل ما بقي في يدك من الماء و رجليك إلى كعبيك (1) فإنّ ظاهر الأمر الوجوب، و أيضا الظاهر أنّ هذا هو الذي يكون مجعولا لأمّته (صلّى اللّه عليه و آله) لا شي‌ء آخر، و بما رواه زرارة و بكير أنّهما سألا أبا جعفر (عليه السلام) عن وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فدعا بطشت أو تور فيه ماء فغمس يده اليمنى فغرف بها غرفة فصبّها على وجهه فغسل بها وجهه ثمّ غمس كفّه اليسرى فغرف بها غرفة فأفرغ على ذراعه اليمنى فغسل بها ذراعه من المرفق إلى الكفّ لا يردها إلى المرفق ثمّ غمس كفّه اليمنى فأفرغ بها على ذراعه اليسرى من المرفق و صنع بها مثل ما صنع باليمنى ثمّ مسح رأسه و قدميه ببلل كفّه لم يحدث لهما ماء جديدا ثمّ قال و لا يدخل أصابعه تحت الشرك، قال: ثمّ قال: إنّ اللّه تعالى يقول: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ فليس له أن يدع شيئا من وجهه إلّا غسله و أمر بغسل اليدين إلى المرفقين فليس له أن يدع من يديه إلى المرفقين شيئا إلّا غسله لأنّ اللّه تعالى يقول: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ ثمّ قال: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ فإذا مسح بشي‌ء من رأسه أو بشي‌ء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه، قال: فقلنا: أين الكعبان؟ قال: هاهنا يعني المفصل دون عظم الساق، فقلنا: هذا ما هو؟ فقال: هذا من عظم الساق و الكعب أسفل من ذلك، فقلنا: أصلحك اللّه فالغرفة الواحدة تجزي للوجه‌

____________

(1) تقدّم في ص 346.

368

..........

____________

و غرفة للذراع؟ قال: نعم إذا بالغت فيها و الثنتان تأتيان على ذلك كلّه (1).

فإنّ الظاهر أنّ قوله (عليه السلام): ما بين الكعبين الخ بدل من شي‌ء لا من القدمين فيجب مسح هذا المقدار كلّه لدلالة مفهوم الشرط عليه فإنّ الظاهر من القضية عدم الاجزاء عند انتفاء مسح المقدار المذكور و هذا الذي ذكرنا من ظهور الرواية في المدّعى ليس من جهة أنّ الباء لا يصلح لأن يكون للتبعيض لأنّه لا معنى لبعض الشي‌ء في مقابله كما في بعض الكلمات فإنّ هذا الكلام غير صحيح و ذلك لأنّ الشي‌ء لو عيّن بمعين خارجي فلا بأس بتبعيضه كما يقال: أعطيت زيدا شيئا و أمرته أن يعطي مقدارا منه لأخيه بل الكلام بحسب المتفاهم العرفي و الظهور الخارجي يعطي ما ذكرنا و بما روياه أيضا عن أبي جعفر (عليه السلام) (2).

و التقريب فيه ما تقدّم في سابقه و بما رواه البزنطي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفّه على الأصابع فمسحها إلى الكعبين إلى ظاهر القدم فقلت: جعلت فداك لو أنّ رجلا قال باصبعين من أصابعه هكذا، فقال: لا إلّا بكفّه كلّها (3).

و لا يخفى دلالته على المقصود و اشتماله على وجوب المسح بتمام الكفّ لا يوجب رفع اليد عن دلالتها على الوجوب من حيث الاستيعاب طولا، و من الغريب ما في بعض الكلمات من الإشكال في الرواية من هذه الجهة‌

____________

(1) الوسائل، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث 3.

(2) تقدّم في ص 336- 337.

(3) الوسائل، الباب 24 من أبواب الوضوء، الحديث 4.

369

..........

____________

و الحال أنّه لا وجه لهذا الإشكال و لا مجال له. و نعم ما افيد في بعض الكلمات من أنّ السبر لنصوص الباب مع التأمّل يشرف الفقيه على القطع باعتبار الاستيعاب و يظهر من بعض النصوص وجوب المسح لظاهر القدم و لباطنه لاحظ ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في مسح القدمين و مسح الرأس فقال: مسح الرأس واحدة من مقدم الرأس و مؤخّره و مسح القدمين ظاهرهما و باطنهما (1) و لاحظ ما رواه سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا توضّأت فامسح قدميك ظاهرهما و باطنهما ثمّ قال هكذا فوضع يده على الكعب و ضرب الاخرى على باطن قدميه ثمّ مسحهما إلى الأصابع (2).

لكن الروايتين ضعيفتان سندا؛ أمّا الأولى فمرفوعة، و أمّا الثانية ففي سندها بكر بن صالح و هو مردّد بين ضعيف و مجهول و استدلّ للقول الآخر بالآية بجعل الغاية غاية للممسوح و استشهد عليه بقرينة السياق فإنّها في المرفقين غاية للمغسول و استشهد عليه أيضا بما رواه الاخوان حيث فرّع (عليه السلام) على الآية «قوله فإذا مسح بشي‌ء من رأسه أو بشي‌ء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه» (3) و حيث إنّه قرن حرف الغاية بالأصابع فيعلم أنّ الغاية المذكورة في الآية غاية للممسوح فلا دلالة في الآية على الاستيعاب و بما رواه الاخوان (4) بجعل قوله (عليه السلام) ما بين بدلا من القدمين. و بما دلّ على‌

____________

(1) الوسائل، الباب 23 من أبواب الوضوء، الحديث 7.

(2) نفس المصدر، الحديث 6.

(3) الوسائل، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث 3.

(4) تقدّم في ص 336- 337.

370

..........

____________

جواز إدخال اليد في الخفّ المخرق و هو ما رواه جعفر بن سليمان قال:

سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) قلت: جعلت فداك يكون خفّ الرجل مخرّقا فيدخل يده فيمسح ظهر قدمه أ يجزيه ذلك؟ قال: نعم (1).

و بما يدلّ على عدم استبطان الشراك و عدم إدخال اليد تحته و ممّا يدلّ عليه ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّ عليّا (عليه السلام) مسح على النعلين و لم يستبطن الشراكين (2). و قد ظهر الجواب عن الآية و الصحيح ما ذكرناه في وجه دلالتهما على مدّعى المشهور و قلنا: إنّ الظاهر منهما الاستيعاب، و إن أبيت عن ذلك فلا أقلّ من الإجمال في ما رواه الاخوان و الرجوع إلى ما رواه البزنطي.

و أمّا جواز إدخال اليد في الخفّ المخرق فلا يدلّ على عدم وجوب الاستيعاب، كما أنّ عدم استبطان الشراك لا يلازم عدم الاستيعاب لأنّه يمكن أن يتجاوز عن محلّه بحركة اليد، و أيضا يمكن أن يكون معقده فوق الحدّ مضافا إلى جميع ذلك أنّه مع فرض التسليم يمكن أن يجعل المسح على الشراك بدلا عن المسح على البشرة. فتحصّل ممّا ذكر كلّه: أنّ الحقّ المنصور ما ذهب إليه المشهور.

____________

(1) الوسائل، الباب 23 من أبواب الوضوء الحديث 2.

(2) الوسائل، الباب 24 من أبواب الوضوء، الحديث 6.

371

و لا يترك الاحتياط بالمسح إلى المفصل (1).

____________

(1) كما عليه العلّامة و جمع من المتأخّرين على ما نسب إليهم خلافا للمشهور حيث أوجبوا المسح إلى قبّتي القدمين و منشأ الإشكال و الاختلاف إجمال الكعب من حيث المعنى فإنّه وقع الخلاف فيه بأنّ المراد منه قبّة القدم كما عليه المشهور أو المفصل كما عليه العلّامة و جمع آخر و استدلّ للمشهور بالإجماعات المنقولة عليه فعن المدارك أنّ هذا المعنى هو المعروف من مذهب الأصحاب، و نقل عن المرتضى في الانتصار و عن الشيخ في الخلاف الإجماع عليه، و عن المعتبر أنّه مذهب فقهاء أهل البيت (عليهم السلام)، و عن الذكرى الكعبان عندنا معقد الشراك و قبّتا القدم و عليه إجماعنا و أنّ أهل اللغة من العامّة مختلفون في ذلك. و أمّا أهلها من الخاصّة فهم متّفقون على أنّه بالمعنى المشهور.

و عن نهاية ابن أثير أنّه ذهب قوم إلى أنّهما العظمان اللذان في ظهر القدم و هو مذهب الشيعة، و نحوه حكي عن المصباح و لباب التأويل، و في محكي مجمع البيان نسبته إلى الإمامية إلى غير ذلك من العبائر المنقولة في هذا المقام، و بجملة من الأخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) بدعوى أنّ المستفاد منها أنّ الكعب عبارة عمّا ذهب إليه المشهور. منها ما رواه البزنطي عن الرضا (عليه السلام) (1) بتقريب أنّ الجملة ظاهرة في أنّ قوله إلى ظاهر القدم تفسير لقوله (عليه السلام): إلى الكعبين، فيعلم أنّ الكعب عبارة عن ظاهر القدم.

____________

(1) تقدّم في ص 368.

372

..........

____________

و الظاهر في اللغة يطلق على المرتفع، قال في القاموس على ما نقل عنه:

و الظواهر أشراف الأرض و الشرف العلوّ و المكان العالي، و منها ما رواه ميسر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: الوضوء واحد و وصف الكعب في ظهر القدم (1).

و منها: ما رواه أيضا ميسّر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ألا أحكي لكم وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثمّ أخذ كفّا من ماء فصبّها على وجهه ثمّ أخذ كفّا فصبّها على ذراعه ثمّ أخذ كفّا آخر فصبّها على ذراعه الاخرى ثمّ مسح رأسه و قدميه ثمّ وضع يده على ظهر القدم ثمّ قال: هذا هو الكعب، قال: و أومأ بيده إلى أسفل العرقوب ثمّ قال: إنّ هذا هو الظنبوب (2).

و تقريب الاستدلال بالروايتين على القول المشهور ظاهر على ما نقل عن القاموس أيضا من إطلاق الظهر على ما ارتفع من الأرض و غلظ، مضافا إلى أنّه قد صرّح به في نفس الخبر.

و بأنّ المستفاد من جملة من الروايات جواز المسح على النعل و عدم وجوب استبطان الشراك، منها: ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: توضّأ عليّ (عليه السلام) فغسل وجهه و ذراعيه ثمّ مسح على رأسه و على نعليه و لم يدخل يده تحت الشراك (3).

بتقريب أنّ الكعب لو كان هو المفصل لا بدّ من الالتزام بأحد الأمرين إمّا أن يلتزم بعدم وجوب استيعاب المسح من حيث الطول، و إمّا أن يلتزم ببدلية‌

____________

(1) الوسائل، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

(2) الوسائل، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث 9.

(3) الوسائل، الباب 23 من أبواب الوضوء، الحديث 3.

373

..........

____________

مسح الشراك عن المسح على البشرة و كلا الأمرين على خلاف القاعدة و يمكن النقاش في الكلّ أمّا الإجماع فإن اريد به إجماع اللغويّين بما أنّهم كذلك فليس الأمر كذلك فإنّه نقل عن القاموس أنّ الكعب كلّ مفصل للعضلات، و في المنجد كلّ مفصل للعظام و العظم الناشز فوق القدم و العظمان الناشزان من جانبي القدم.

و الحاصل: أنّ كلام أهل اللغة ليس متّفقا على المعنى المشهور و إن اريد به إجماع الفقهاء الذي يرجع إلى إجماع على الحكم، فمضافا إلى مخالفة العلّامة و جمع آخر من المحقّقين لا يترتّب عليه أثر فإنّ مدركه على ما صرّحوا به كلام أهل اللغة و لا أقلّ من احتمال أن يكون مدركهم ذلك و معه لا يبقى مجال لأن يعتمد عليه.

و أمّا الروايات فيرد في الأولى منها أنّه يمكن أن يكون المراد بالظاهر ما يقابل الباطن و يكون المقدر لفظ الانتهاء أو الآخر أي فمسحها إلى انتهاء الظاهر أو إلى آخر الظاهر فيكون انتهاء الظاهر هو الكعب فينطبق على قول العلّامة، و منه يظهر النقاش في الثانية فإنّه يمكن أن يكون المراد بالظهر ما يقابل البطن فلا يدلّ على قول المشهور و كذلك يرد هذا الإشكال في الثالثة مضافا إلى ما نقل عن البهائي من أنّ قول الراوي أنّ الإمام (عليه السلام) وصف الكعب في ظهر القدم يعطي أنّ الإمام (عليه السلام) ذكر للكعب أوصافا ليعرفه الراوي بها و لو كان الكعب هذا الارتفاع المحسوس المشاهد لم يحتج إلى وصف، و لكن الإنصاف أنّه يستفاد من حديث ميسّر أنّ ظهر القدم و مرتفعه هو‌

374

..........

____________

الكعب فإنّ الإمام (عليه السلام) صرّح به، فالقول المشهور مطابق مع القاعدة، و يضاف إلى ذلك حديث البزنطي فإنّه يدلّ على أنّ المسح إلى ظاهر القدم و قد فسّر الكعب بالمكان المرتفع و حديثه أحدث.

و الحاصل: أنّه يمكن أن يكون المراد من الظهر الردّ على العامّة حيث فسّروا الكعب بالناشزين في جانبي القدم فردّ (عليه السلام) عليهم بأنّ الكعب واقع في الظهر، و أمّا الاستدلال بما دلّ على المسح على الشراك فيمكن أن يلتزم بجواز المسح على الشراك و الالتزام بالبدلية لو ساعده الدليل الشرعي، لا مانع منه.

و أمّا قول العلّامة فاستدلّ له بما دلّ على وجوب مسح ظاهر القدم كقوله (عليه السلام) في رواية زرارة (1): «و ما بقي من بلّة يمينك ظهر قدمك اليمنى و تمسح ببلّة يسارك ظهر قدمك اليسرى» فإنّ الظاهر منها وجوب مسح ظاهر القدم كلّه. و برواية البزنطي (2) بالتقريب المتقدّم و بما في حديث الاخوين (3) «قلنا أين الكعبان؟ قال: هاهنا يعني المفصل دون عظم الساق فقلنا: هذا ما هو؟ فقال: هذا من عظم الساق و الكعب أسفل من ذلك».

فإنّه يعلم من هذه الرواية أنّ الكعب الموضوع للحكم هو المفصل، و يمكن النقاش في الدليل الأوّل بأنّ المسح على بعض الظاهر يصدق عليه مسح ظاهر القدم فتأمّل، مضافا إلى أنّه لو دلّ الدليل على كون الكعب عبارة‌

____________

(1) تقدّمت في ص 319.

(2) تقدّمت في ص 368.

(3) الوسائل، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث 3.

375

..........

____________

عن قبّة القدم يقيّد الدليل الدالّ على الاستيعاب، و في الثاني بأنّه كما يمكن أن يكون المراد بالمفصل ما ذكره العلّامة كذلك يحتمل أن يكون المراد منه المفصل الواقع وسط القدم فلا وجه لتعيينه فيما ذكره (قدّس سرّه)، بل يقوى أن يراد به الثاني لأنّه لو كان المراد بالمشار إليه في قوله: هذا من عظم الساق كما هو الظاهر فالمفصل الواقع بين الساق و القدم قريب منه جدّا و يبعد أن يطلق عليه عنوان الأسفل، و إن اريد بعظم الساق الملتقى مع عظم القدم فعدم دلالة الرواية على مدّعى العلّامة ظاهر.

إذا عرفت ما تقدّم فالإنصاف أنّ رفع اليد عن هذه الرواية و حملها على غير ما فهم منها العلّامة مشكل، كما أنّ تأويل تلك الروايات بنحو ينطبق على مدّعى العلّامة كذلك، فلو قلنا بتعارض الروايات أو بإجمالها تصل النوبة إلى الأصل العملي.

امّا على الثاني فظاهر و امّا على الأوّل فحيث لا مرجّح لأحدهما على الآخر إذ كلاهما مخالفان للعامّة و لإجمال المراد من الكعب لا يتميّز الموافق للكتاب عن مخالفه و لا نلتزم بالتخيير في المتعارضين لعدم دليل معتبر عليه فيتساقطان، و مقتضى الأصل العملي الاكتفاء بالمسح إلى وسط القدم لما ذكرنا سابقا أنّ القول بالاشتغال لا مقتضي له بل القاعدة تقتضي إجراء البراءة في المشكوك فيه فالقول قول المشهور لكنّ الإنصاف أنّه لا يمكن الاكتفاء به في مقام العمل سيّما أنّ الوضوء شرط للصلاة التي هي قوام الدين و عموده، مضافا إلى أنا قويّنا الاشتغال في أمثال المقام.

376

و يكفي مسمّاه عرضا و إن كان باصبع واحدة (1).

____________

(1) هذا هو المشهور بينهم، و نقل عن العلّامة في التذكرة و المنتهى الإجماع عليه، و حكي عن المعتبر دعوى الإجماع عليه و استدلّ للمشهور بوجوه؛ أحدها: ما في رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (1)، حيث قال (عليه السلام):

«و أرجلكم إلى الكعبين» فعرفنا حين وصلهما بالرأس أنّ المسح على بعضهما، فلا يجب الاستيعاب العرضي، و يرد عليه: أنّ القول بوجوب الاستيعاب العرضي لا ينافي البعضية إذ ظاهر القدم بعض من مجموعه فلو دلّ دليل على وجوب الاستيعاب يلزم الأخذ به. نعم، مقتضى الإطلاق الاكتفاء بأقلّ المسمّى.

ثانيها: ما في حديث الاخوين (2) بتقريب أنّه يستفاد من الباء التبعيض و قوله (عليه السلام): ما بين، بدل عن الشي‌ء فالمسح بشي‌ء و بجزء من هذا الحدّ كاف. و يرد عليه: ما ذكرناه في لزوم الاستيعاب الطولي من أنّ الظاهر من الرواية أنّه يلزم مسح هذا المقدار من حيث الطول و العرض حيث إنّ الظاهر من القضية كون ما بين بدل عن الشي‌ء لا عن القدمين و قلنا هناك: إنّ المتفاهم العرفي لا يساعد كون الباء للتبعيض بل يكون للإلصاق، فهذه الرواية على خلاف مقصود المشهور أدلّ و لو أبيت عن ذلك فلا أقلّ من الإجمال و عدم صلاحيّتها للاستدلال بها.

____________

(1) تقدّمت في ص 336.

(2) تقدّم في ص 374.

377

..........

____________

ثالثها: ما رواه جعفر بن سليمان (1) بتقريب أنّ إدخال اليد في الخفّ و مسح الرجل بها داخل الخفّ يلازم عدم الاستيعاب عرضا، و يرد عليه: أنّ هذه الملازمة لا نسلّمها، و بهذا لا يمكن رفع اليد عمّا دلّ على لزوم الاستيعاب، مضافا إلى أنّه يظهر من تعبير صاحب الحدائق (قدّس سرّه) أنّ الرواية غير معتبرة.

رابعها: ما دلّ على جواز أخذ البلل من اللحية و أشفار العين و الحاجبين للمسح (2)، بدعوى أنّ أخذ البلل من المذكورات لا يكفي للاستيعاب العرضي.

و يرد عليه أوّلا: أنّ ما دلّ على ذلك مختصّ بصورة نسيان المسح فلا يعمّ حال الاختيار.

و ثانيا: أنّ المعتبر من هذه الروايات كما ذكرنا سابقا ما يدلّ على جواز أخذ البلل من اللحية، و من الظاهر أنّ بلل اللحية يكفي غالبا للمسح عرضا و طولا، أضف إلى ذلك أنّ الحكم مختصّ بمسح الرأس و لا يشمل مسح الرجلين فظهر أنّ شيئا من المذكورات لمستند المشهور لا يصلح للاعتماد عليه، بل الحقّ القول الآخر لما رواه البزنطي (3) فإنّ المستفاد من هذه الرواية صريحا عدم الاجتزاء إلّا بالمسح المستوعب من رءوس الأصابع إلى الكعبين طولا و بتمام الكفّ من حيث العرض فإن قام إجماع تعبّدي كاشف عن رأيه (عليه السلام) على الاجتزاء بأقلّ من ذلك فهو و إلّا لا بدّ من الأخذ به و السيرة الخارجية ليست بحيث يمكن الاعتماد عليها فإنّ الناس مختلفون في‌

____________

(1) تقدّم في ص 370.

(2) تقدّم في ص 359- 360.

(3) تقدّم في ص 368.

378

و الأولى أن يكون بتمام الكفّ (1) و الأحوط أن يكون الابتداء فيه من الأصابع إلى الكعبين (2).

____________

إيجاد المسح إلّا أن يقال: إنّ قيام السيرة على عدم التقيّد بهذا النحو المذكور المستفاد من الرواية و عدم ارتكاز هذا المعنى في أذهان المتشرّعة يكشف عن عدم وجوبه.

و إن شئت فقل: كيف يمكن أن يكون المسح واجبا بهذا النحو و مع ذلك لم يلتزموا به من زمن الكليني و الطوسي و غيرهما من القدماء إلى زماننا و كيف يمكن الالتزام به مع أنّ السيرة الجارية بين أهل الشرع على خلافه، فبالنتيجة يكشف عدم اللزوم و اللّه العالم.

(1) لما ذكرنا بل ظهر ممّا ذكر تعيّنه مع ما أوردنا فيه.

(2) كما نسب إلى ظاهر المرتضى و ابن بابويه و المفيد و الشهيد و استدلّ لهذا القول بالآية الشريفة: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ بتقريب أنّ إلى غاية للمسح و بالوضوءات البيانية الدالّة على أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يمسح من رءوس الأصابع إلى الكعبين و لحديث البزنطي (1) المتقدّم آنفا حيث دلّ على عدم الاجتزاء إلّا بالنحو المذكور و بقاعدة الاشتغال المقتضية للاحتياط و في الجميع نظر، أمّا الآية فمضافا إلى الإشكال فيها بعدم ظهورها في المدّعى بل يحتمل أن تكون الغاية غاية للممسوح يرفع اليد عنها بما دلّ على جواز النكس كما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى فتأمّل.

____________

(1) تقدّم في ص 368.

379

..........

____________

و أمّا الوضوءات البيانية فغاية ما يستفاد منها رجحان هذا النحو و لا دلالة فيها على عدم جواز النكس مضافا إلى أنّ ما دلّ على جواز النكس يقتضي رفع اليد عمّا يدلّ على عدم جوازه و به يظهر الجواب عن حديث البزنطي، كما أنّه لا مجال لقاعدة الاشتغال مع وجود الدليل على الجواز مضافا إلى أنّه لا مجال لجريانها كما بيّناه سابقا بل المرجع البراءة و إن رجعنا عن ذلك، و في قبال هذا القول ما ذهب إليه المشهور من جواز النكس و يدلّ عليه ما رواه حمّاد بن عثمان (1)، و ما رواه حمّاد بن عثمان أيضا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

لا بأس بمسح القدمين مقبلا و مدبرا (2) و احتمال كون قوله مدبرا عطفا على قوله مقبلا حتّى يكون المستفاد عدم البأس بتكرار المسح كذلك، مردود بأنّ الظاهر إعادة العامل و يكون التقدير لا بأس بمسح الوضوء مقبلا و لا بأس به مدبرا، و يؤيّده مرسل يونس قال: أخبرني من رأى أبا الحسن (عليه السلام) بمنى يمسح ظهر قدميه من أعلى القدم إلى الكعب و من الكعب إلى أعلى القدم و يقول: الأمر في مسح الرجلين موسّع من شاء مسح مقبلا و من شاء مسح مدبرا فإنّه من الأمر الموسّع إن شاء اللّه (3).

و الحقّ أن يقال: إنّ الوضوءات البيانية تدلّ على التعيين، مضافا إلى حديث البزنطي الدالّ على التعيين و عند المعارضة يقدّم على غيره بالأحدثية.

____________

(1) تقدّم في ص 342.

(2) الوسائل، الباب 20 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

(3) نفس المصدر، الحديث 3.

380

و يجب جفاف الممسوح على النحو المذكور في مسح الرأس (1).

و الأحوط مسح اليمنى باليمنى و اليسرى باليسرى (2) و لا يشترط في صحّة الوضوء يبوسة الأعضاء قبله بل لو توضّأ على الأعضاء المبتلّة صحّ الوضوء (3).

مسألة 105: لو وقف تحت المطر أو الميزاب للغسل أو الوضوء جاز و صحّ الغسل و الوضوء إذا حصلا بشرائطهما (4) لكن يجب أن

____________

(1) قد مرّ الكلام في ذلك في مسح الرأس فراجع.

(2) قد نفى السيّد في العروة البعد عن جواز مسح كليهما بكلّ منهما و نسب الجواز إلى التنقيح و نقل عن بعض دعوى الاتّفاق عليه، و لكن الحقّ عدم الجواز لما في رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) و المناقشة في دلالة الرواية على اللزوم كما ترى لا وجه لها فإنّه بظاهره يقتضي لزوم النحو الخاصّ و به يرفع اليد عن الإطلاقات.

(3) لعدم الدليل عليه و تحقّق ما هو المأمور به من الغسل.

(4) كما تقتضيه القاعدة لتحقّق المأمور به أعني الغسل و يشهد له ما رواه عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل لا يكون على وضوء فيصيبه المطر حتّى يبتلّ رأسه و لحيته و جسده و يداه و رجلاه هل يجزيه ذلك من الوضوء؟ قال: إن غسله فإنّ ذلك يجزيه (2).

____________

(1) تقدّم في ص 320.

(2) الوسائل، الباب 36 من أبواب الوضوء.

381

يكون مسح الرأس و الرجلين بما جرى من المطر على يديه لغسلهما لا بما جرى عليهما بعد تمام غسلهما و لا بالممزوج منهما للزوم كون المسح بماء الوضوء (1).

مسألة 106: لو كرّر المسح لم يضرّ سواء كان لرعاية الاحتياط في تحقّقه أو للعبث (2). نعم، إذا قصد به التشريع أثم (3) بل و أفسد الوضوء فيما لو رجع إلى عدم قصد الامتثال (4). و كذا يشكل فيما لو كان التكرار في مسح الرأس و انتقل منه البلّة إلى اليد و وقع مسح الرجل اليمنى بها أو بالممزوج منها و من بلّة اليد (5).

____________

(1) كما مرّ تحقيقه.

(2) لعدم دليل على إضراره بالوضوء. نعم، نقل عن الخلاف و المبسوط و المقنعة التحريم و نقل عن ابن إدريس أنّه جعله بدعة، و عن الذكرى احتمال أن يكون مرادهم التكرار مع اعتقاد شرعيّته، و كيف كان لو لم يترتّب عليه عنوان محرم لا وجه للقول بالحرمة.

(3) لحرمة التشريع.

(4) فإنّه لو رجع إلى هذا المعنى لم يتعلّق القصد بالمأمور به فلا يصحّ.

نعم، إذا فرغ من المسح و بعد ذلك مسح ثانيا بعنوان أنّه من الوضوء أثم للتشريع و لكن لا يبطل الوضوء لعدم المقتضى للبطلان.

(5) لما مرّ من أنّ المسح لا بدّ أن يكون ببلّة الوضوء و لقائل أن يقول: إنّ البلّة المنتقلة من الرأس إلى اليد تصدق عليها أنّها بلّة اليمنى فلا وجه‌

382

..........

____________

للبطلان و يجاب عن ذلك: بأنّه (عليه السلام) قال في رواية زرارة «و ما بقى من بلّة يمينك ظهر قدمك اليمنى» (1) فاللازم أن يمسح بما بقي من البلّة بل يمكن أن يقال: إنّ الظاهر من الرواية لزوم تحقّق المسح بالبلّة الكائنة في اليد قبل الانتقال و لذا لو وقع قطرة من اليد في مكان لا يجوز أخذها و المسح بها، و عليه يشكل الأمر فيما لو مسح رأسه أو رجله و لم يبتل المقدار الواجب مسحه فإنّه لو كرّر المسح بلا تجفيف للمحلّ يبطل المسح لأنّه يمتزج بالبلّة الكائنة في اليد البلّة المنتقلة منها إلى الممسوح.

دفع و هم:

ربّما يتوهّم أنّه يستفاد من أخبار التثنية منها ما رواه معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الوضوء، فقال: مثنى مثنى (2) وجوب التعدّد.

كما أنّه يمكن أن يقال: إنّ مرسل يونس (3) يدلّ على وجوب التعدّد.

و يدفع بأنّ أخبار التثنية لا ظهور لها في هذا المعنى فإنّه يحتمل أن يكون المراد منها أنّ الغسل في الوضوء اثنان باعتبار الوجه و اليدين، كما أنّ المسح كذلك باعتبار الرأس و الرجلين، و أمّا مرسل يونس فمضافا إلى ضعف السند لا دلالة فيه على هذا المعنى فإنّ قوله (عليه السلام) في ذيل الحديث «الأمر في مسح الرجلين موسّع من شاء مسح مقبلا و من شاء مسح مدبرا» يفسّر ما فعله من الإقبال تارة و الإدبار أخرى.

____________

(1) تقدّم في ص 320.

(2) الوسائل، الباب 31 من أبواب الوضوء، الحديث 28.

(3) تقدّم في ص 379.

383

مسألة 107: يجوز التبعيض في الوضوء بأن يغسل بعض الأعضاء بالارتماس و بعضها بغيره (1).

مسألة 108: يجوز إتيان الصلاة الواجبة و المستحبّة بالوضوء المستحبّ أو الغسل المستحبّ الرافع للحدث كغسل الجنابة قبل الوقت (2) لا بمثل وضوء الحائض (3) و غسل الجمعة (4).

____________

(1) لصدق عنوان المأمور به فلا وجه لعدم الجواز كما هو ظاهر.

(2) لتحقّق الشرط فإنّ الوضوء أو الغسل لو كان رافعا للحدث كما هو المفروض فلا موجب لتجديد الطهارة كما هو ظاهر، و الظاهر أنّه لا خلاف بينهم في ذلك و يشهد له مضافا إلى ما ذكر ما رواه إسحاق بن عمّار قال:

قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): اخبرني عن أفضل المواقيت في صلاة الفجر، قال:

مع طلوع الفجر أنّ اللّه تعالى يقول: إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كٰانَ مَشْهُوداً (1) يعني صلاة الفجر تشهده ملائكة الليل و ملائكة النهار فإذا صلّى العبد صلاة الصبح مع طلوع الفجر أثبت له مرّتين تثبته ملائكة الليل و ملائكة النهار (2). بتقريب أنّ إيقاع الصلاة مع الفجر يستلزم صحّة الصلاة مع الطهارة الحاصلة قبل الفجر فلاحظ.

(3) لعدم رفعه لحدث الحيض.

(4) هذا مبني على ما ذهب إليه المشهور من أنّه يجب الوضوء مع كلّ‌

____________

(1) الاسراء: 78.

(2) الوسائل، الباب 28 من المواقيت، الحديث 1.

384

..........

____________

غسل إلّا غسل الجنابة خلافا للمرتضى حيث ذهب على ما نقل عنه إلى عدم وجوب الوضوء مع الغسل فرضا أو نفلا، و نسب إلى ابن الجنيد أيضا و قال في الحدائق و إليه مال جملة من أفاضل متأخّري المتأخّرين و استدلّ للمشهور بالآية الشريفة يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (1) فإنّ إطلاقها يقتضي وجوب الوضوء للمحدث تعيّنا إلّا ما خرج و هو غسل الجنابة الذي لا يجب معه الوضوء بالنصّ و الإجماع و بما رواه ابن أبي عمير عن رجل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كلّ غسل قبله وضوء إلّا غسل الجنابة (2).

و بما رواه ابن أبي عمير أيضا عن حمّاد بن عثمان أو غيره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: في كلّ غسل وضوء إلّا الجنابة (3).

و نقل عن المدارك أنّه جعل الروايتين رواية واحدة و شنّع على من جعلهما روايتين و بمرسلة الكليني فإنّه قال و روى أنّه ليس شي‌ء من الغسل فيه وضوء إلّا غسل يوم الجمعة فإنّ قبله وضوء (4).

و بما رواه عليّ بن يقطين عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) قال: إذا أردت أن‌

____________

(1) المائدة: 6.

(2) الوسائل، الباب 35 من أبواب الجنابة، الحديث 1.

(3) نفس المصدر، الحديث 2.

(4) الوسائل، الباب 33 من أبواب الجنابة، الحديث 7.

385

..........

____________

تغتسل للجمعة فتوضّأ و اغتسل (1) و هذه الروايات و إن كان سند بعضها مخدوشا لكن في المعتبر منها كفاية في الاستدلال على مدّعى المشهور فإنّ ما رواه ابن أبي عمير و إن كان في حكم المرسل لكن حيث إنّ الراوي ابن أبي عمير و قلنا سابقا إنّ الشيخ (قدّس سرّه) شهد بأنّه لا يروي و لا يرسل إلّا عن ثقة فيؤخذ بروايته فلا إشكال من حيث المقتضي لكن رجعنا عن هذه المقالة و قلنا لا فرق بين مراسيل ابن أبي عمير و غيره من حيث عدم الاعتبار إنّما الكلام في معارضة هذه الروايات مع غيرها الدالّ على إجزاء الغسل مطلقا عن الوضوء و يدلّ على خلاف المشهور ما رواه محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: الغسل يجزي عن الوضوء و أيّ وضوء أطهر من الغسل (2).

و ما رواه عمّار الساباطي قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل إذا اغتسل من جنابة أو يوم جمعة أو يوم عيد هل عليه الوضوء قبل ذلك أو بعده؟

فقال: لا، ليس عليه قبل و لا بعد قد أجزأه الغسل و المرأة مثل ذلك إذا اغتسلت من حيض أو غير ذلك فليس عليها الوضوء لا قبل و لا بعد قد أجزأها الغسل (3). و مثلهما غيرهما.

و يؤيّد المقصود بل يدلّ عليه في الجملة الأخبار الواردة في الحائض و المستحاضة و النفساء فإنّها قد اشتملت على الغسل خاصّة لا سيّما في مقام التقسيم إلى الغسل في بعض و الوضوء في بعض آخر فإنّ المقام مقام البيان‌

____________

(1) الوسائل، الباب 35 من أبواب الجنابة، الحديث 3.

(2) الوسائل، الباب 33 من أبواب الجنابة، الحديث 1.

(3) نفس المصدر، الحديث 3.

386

..........

____________

و لم يؤمر فيه بالوضوء فيفهم كفاية الغسل عنه، و من تلك الأخبار ما رواه معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: المستحاضة تنظر أيّامها فلا تصلّي فيها و لا يقربها بعلها فإذا جازت أيّامها و رأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر و العصر تؤخّر هذه و تعجّل هذه و للمغرب و العشاء غسلا تؤخّر هذه و تعجّل هذه و تغتسل للصبح و تحتشي و تستثفر و لا تحنى و تضمّ فخذيها في المسجد و سائر جسدها خارج و لا يأتيها بعلها أيّام قرئها و إن كان الدم لا يثقب الكرسف توضّأت و دخلت المسجد و صلّت كلّ صلاة بوضوء و هذه يأتيها بعلها إلّا في أيّام حيضها (1).

و مقتضى الجمع بين هذه الأخبار و تلك الأخبار الدالّة على وجوب الوضوء حملها على الاستحباب كما هو المقرّر عندهم و إن أبيت عن ذلك و قلت ليست المعارضة على نحو يكون قابلا للجمع يؤخذ بما يدلّ على الاجزاء لأنّ ما دلّ على الوجوب موافق لمذهب العامّة.

فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ الصحيح خلاف المشهور و كفاية كلّ غسل واجبا أو مندوبا عن الوضوء و لا يخفى أنّ المرجّح الوحيد في باب الترجيح الأحدثية، فلا أثر لكون الحديث مخالفا للعامّة أو موافقا للكتاب، و لكن مع هذا الحقّ كفاية كلّ غسل عن الوضوء فإنّ المعارض ضعيف سندا كما تقدّم.

____________

(1) الوسائل، الباب 1 من أبواب المستحاضة، الحديث 1.

387

مسألة 109: يجوز أن يتوضّأ قبل الوقت و لو للكون على الطهارة (1).

____________

(1) بلا خلاف كما عن كشف اللثام و إجماعا كما عن العلّامة الطباطبائي و يشهد له قوله تعالى: إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (1) فإنّ مقتضى عمومه محبوبيّة الطهارة عن الأحداث عند اللّه تعالى فإنّ الظاهر من الآية الشريفة أنّ الطهارة بنفسها محبوبة و يؤيّده ما رواه في الإرشاد قال: قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يقول اللّه تعالى: من أحدث و لم يتوضّأ فقد جفاني و من أحدث و توضّأ و لم يصلّ ركعتين فقد جفاني و من أحدث و توضّأ و صلّى ركعتين و دعاني و لم أجبه فيما سألني من أمر دينه و دنياه فقد جفوته و لست بربّ جاف (2).

و ما رواه أنس في حديث قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا أنس أكثر من الطهور يزيد اللّه في عمرك و إن استطعت أن تكون بالليل و النهار على طهارة فافعل فإنّك تكون إذا متّ على طهارة مت شهيدا (3).

و ما رواه الراوندي في نوادره عن عليّ بن الحسين (عليه السلام) قال: إنّ أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كانوا إذا بالوا توضّؤوا أو تيمّموا مخافة أن تدركهم الساعة (4).

و ما رواه محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

الوضوء بعد الطهور عشر حسنات فتطهّروا (5) إلى غير ذلك من الأخبار الواردة‌

____________

(1) البقرة: 222.

(2) الوسائل، الباب 11 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

(3) نفس المصدر، الحديث 3.

(4) مستدرك الوسائل، الباب 11 من أبواب الوضوء، الحديث 3.

(5) الوسائل، الباب 8 من أبواب الوضوء، الحديث 10.

388

و يصلّي به بعد دخوله (1).

____________

في هذه الأبواب في الوسائل و غيره من كتب الأخبار فإنّ النظر فيها من حيث المجموع يشرف الفقيه على القطع بمحبوبيّة الطهارة نفسا، بل يمكن أن يقال:

إنّ مقتضى الصناعة استحباب نفس الوضوء أعني الغسلات و المسحات بتقريب أنّ المستفاد من حديث من بلغ كون الفعل البالغ عليه الثواب مستحبّا، و من ناحية أخرى قد ثبت بمقتضى بعض النصوص الثواب على نفس الوضوء، لاحظ ما رواه أنس (1). فالنتيجة أنّ الوضوء بنفسه مندوب فيه و مستحبّ و اللّه العالم بحقائق الأمور.

(1) كما مرّ، و وجهه ظاهر.

____________

(1) تقدّم في ص 387.

389

[فصل في شرائط الوضوء]

فصل في شرائط الوضوء و هى أمور؛

[الأوّل: النيّة]

الأوّل: النيّة (1).

____________

(1) اعتبارها في الوضوء إجمالا ممّا لا شبهة فيه و لا شكّ يعتريه فإنّ الوضوء فعل اختياري و لا يعقل تحقّقه في الخارج إلّا بنيّة. و نعم ما نسب إلى بعض الفضلاء و استحسنه آخرون من أنّه لو كلّفنا اللّه العمل بلا نيّة لكان تكليفا بما لا يطاق، مضافا إلى أنّ اعتبارها فيه بل في كلّ طهارة منسوب إلى علمائنا كما عن المنتهى و التذكرة و نقل عن المختلف و جامع المقاصد و التنقيح الإجماع عليه و لا يقدح في تحقّق الاتفاق عدم تعرّض جملة من القدماء كالصدوقين لها لإمكان اتّكالهم على وضوح الأمر و عدم الحاجة إلى الذكر، و نقل عن ابن الجنيد الخلاف في ذلك و عدم إيجابها و هو مع معارضته بنقل المحقّق خلافه في المعتبر ضعيف لا يعبأ به و ربّما يستدلّ على المطلوب بجملة من الروايات؛ فعن أبي حمزة عن عليّ بن الحسين (عليه السلام) قال: لا عمل إلّا بنيّة (1).

و عن أبي عثمان العبدي عن جعفر عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال:

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا قول إلّا بعمل و لا قول و عمل إلّا بنيّة و لا قول و عمل و نيّة إلّا بإصابة السنّة (2).

____________

(1) الوسائل، الباب 5 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 1.

(2) نفس المصدر، الحديث 2.

390

و هي عبارة عن قصد العمل (1)

____________

و عن أبي حمزة الثمالي عن عليّ بن الحسين (عليه السلام) قال: لا حسب لقرشي و لا عربي إلّا بتواضع و لا كرم إلّا بتقوى و لا عمل إلّا بنيّة و لا عبادة إلّا بتفقّه، الحديث (1).

و عن عليّ بن جعفر بن محمّد و علي بن موسى بن جعفر هذا عن أخيه و هذا عن أبيه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في حديث قال: إنّما الأعمال بالنيّات و لكلّ امرئ ما نوى فمن غزا ابتغاء ما عند اللّه فقد وقع أجره على اللّه عزّ و جلّ و من غزا يريد عرض الدّنيا أو نوى عقالا لم يكن له إلّا ما نوى (2)، و قريب منها غيرها.

و لكنّ الإنصاف أنّها لا تدلّ على ما نحن بصدده بل تدلّ على أنّ العمل الكامل التامّ ما يأتي به له تعالى كما هو صريح بعض تلك الأخبار و لو أبيت عن ذلك فلا أقلّ من إجمالها و عدم ظهورها في المدّعى.

(1) الظاهر أنّ المراد من القصد هنا الإرادة قال في الجواهر: النيّة لغة و عرفا إرادة تؤثّر في وقوع الفعل و بها يكون الفعل فعل مختار و هو المراد ممّن فسّرها بالقصد على ما يظهر من ملاحظة كثير من كلمات الأصحاب و بعض كلمات أهل اللغة، انتهى موضع الحاجة من كلامه.

و الحاصل: أنّ القصد و إن كان يتعلّق بأمور خارجية فيقال: قصدت زيدا و يكون معناه مغايرا لمعنى الإرادة و لكن المقصود منه في المقام هي الإرادة.

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 3.

(2) نفس المصدر، الحديث 10.

391

و إتيانه للّه تعالى (1).

____________

(1) العمدة في المقام الإجماع بل كون الوضوء من العبادات المتوقّفة على قصد القربة من ضروريّات الفقه، و أمّا الاستدلال له بقوله تعالى: وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفٰاءَ وَ يُقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكٰاةَ وَ ذٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (1) فلا يستقيم فإنّ الآية متعرّضة للزوم التوحيد و النهي عن الشرك و لا ترتبط بالمقام و يشهد لذلك عطف وَ يُقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكٰاةَ فإنّه لا معنى لكون إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة غاية للواجبات كما هو ظاهر لمن تأمّل.

و الحاصل: أنّ المتأمّل في الآية الشريفة يفهم منها أنّ المراد إيجاب التوحيد و إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة.

و أمّا قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (2) فأيضا لا يدلّ على المطلوب؛ لأنّ المستفاد من مفهوم الإطاعة في المقام ليس إلّا امتثال الأوامر و النواهي الصادرة من قبل المولى فلو لم يؤخذ قصد التقرّب في متعلّق الأمر يتحقّق الامتثال بإتيان المأمور به كيف اتّفق.

و بعبارة أخرى: إطاعة كلّ أمر تابع للخصوصيّات المأخوذة في المأمور به و لو أغمض عمّا ذكر و قلنا: بأنّ الظاهر من الآية إيجاب قصد القربة فأيضا لا يفيد الخصم لأنّ الظاهر من الأمر الوجوب النفسي و الخصم في مقام إثبات‌

____________

(1) البيّنة: 5.

(2) النساء: 59.

392

..........

____________

الوجوب الغيري و يدّعي أنّ المستفاد من الآية تقييد الواجبات كلّها بهذا القيد و عهدتها عليه.

و أمّا الروايات فتقدّم الجواب عنها، و الإنصاف أنّه لا دلالة فيها على المقصود. نعم، ربّما يحتمل هذا المعنى من قوله (عليه السلام) في جملة من الروايات:

لا عمل إلّا بنيّة، و حيث إنّ هذه الجملة مجملة و قابلة لمعان عديدة فإنّه يمكن أن يكون المراد منها أنّ العمل إذا لم يكن فيه نيّة بأن يصدر نسيانا أو غفلة لا يصحّ و لا أثر له.

و يمكن أن يكون المراد نفي الكمال أي العمل إذا لم يكن فيه نيّة القربة لا كمال فيه. و يمكن أن يكون المراد منها ما هو المقصود و مع الإجمال لا تكون قابلة للاستدلال مضافا إلى أنّها مخدوشة سندا فراجع.

نعم، يمكن الاستناد إلى رواية أخرى واردة في غير هذا الباب و هي ما رواه زرارة و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنّما الوضوء حدّ من حدود اللّه ليعلم اللّه من يطيعه و من يعصيه و أنّ المؤمن لا ينجّسه شي‌ء إنّما يكفيه مثل الدهن (1) فإنّ هذه الرواية يستفاد منها أنّ الوضوء ميزان لتحقّق الإطاعة و المعصية.

و بعبارة أخرى: يمكن أن يدّعى أنّه يستفاد منها لزوم قصد القربة، لكن الإنصاف أنّه لا يستفاد من الحديث المدّعى فإنّ الإطاعة لا تختصّ بالأمر التعبّدي.

____________

(1) الوسائل، الباب 52 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

393

و لا يلزم فيها الاخطار بل يكفي الدّاعي (1) و يلزم أن يكون موجودا من أوّل العمل إلى آخره (2). إلّا أنّه يلزم أن يكون في ابتداء العمل ملتفتا إليه و في الأثناء لا يضرّ الغفلة عنه في الجملة (3).

[الثاني: الترتيب]

الثاني: الترتيب، بأن يغسل الوجه أوّلا (4).

____________

(1) إذ لا مقتضي له فإنّ المتيقّن من الإجماع أعمّ من ذلك، و المعلوم من بناء العقلاء كفاية صدور الفعل بالاختيار بداعي القربة في كونه عبادة و لا يشترط فيه الالتفات التفصيلي و اخطار صورة العمل.

(2) و الوجه فيه ظاهر فإنّ العمل المفروض كونه عبادة مركّب من الأجزاء، فلو لم يكن القصد الكذائي موجودا في تمام الأحوال يخرج العمل عن كونه عبادة.

(3) لم يظهر لي الوجه في التفريق بين الابتداء و الأثناء فإنّ الالتفات الإجمالي الارتكازي يكفي في الابتداء أيضا لعدم المقتضي لاشتراط الزائد من هذا المقدار اللهمّ أن يكون مراده (قدّس سرّه) أمرا آخر لم يختلج ببالي و اللّه العالم.

(4) نقل عليه الإجماع من الخلاف و الانتصار و المختلف و الغنية و السرائر و المنتهى و التذكرة و غيرها و يدلّ عليه ما رواه زرارة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام):

تابع بين الوضوء كما قال اللّه عزّ و جلّ ابدأ بالوجه ثمّ باليدين ثمّ امسح الرأس و الرجلين و لا تقدّمن شيئا بين يدي شي‌ء تخالف ما أمرت به فإن غسلت الذراع قبل الوجه فابدأ بالوجه و أعد على الذراع و إن مسحت الرجل قبل الرأس فامسح على الرأس قبل الرجل ثمّ أعد على الرجل ابدأ بما بدأ اللّه عزّ و جلّ به (1) و نحوه في الدلالة على المطلوب غيره.

____________

(1) الوسائل، الباب 34 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

394

ثمّ اليد اليمنى (1).

____________

(1) الظاهر أنّ هذا الحكم و ما بعده إجماعي، قال في الجواهر: الترتيب واجب في الوضوء إجماعا محصلا و منقولا مستفيضا كاد يكون متواترا كالسنّة انتهى، و يشهد له مضافا إلى ذلك ما رواه منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يتوضّأ فيبدأ بالشمال قبل اليمين قال: يغسل اليمين و يعيد اليسار (1).

و ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إن نسيت فغسلت ذراعيك قبل وجهك فأعد غسل وجهك ثمّ اغسل ذراعيك بعد الوجه فإنّ بدأت بذراعك الأيسر قبل الأيمن فأعد غسل الأيمن ثمّ اغسل اليسار و إن نسيت مسح رأسك حتّى تغسل رجلك فامسح رأسك ثمّ اغسل رجليك (2).

و ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا نسي الرجل أن يغسل يمينه فغسل شماله و مسح رأسه و رجليه فذكر بعد ذلك غسل يمينه و شماله و مسح رأسه و رجليه و إن كان إنّما نسى شماله فليغسل الشمال و لا يعيد على ما كان توضّأ و قال: أتبع وضوءك بعضه بعضا (3). فإنّ مقتضى اتباع الوضوء بعضه بعضا تأخير الشمال عن اليمين.

____________

(1) الوسائل، الباب 35 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

(2) الوسائل، الباب 35 من أبواب الوضوء، الحديث 8.

(3) نفس المصدر، الحديث 9.

395

ثمّ اليد اليسرى (1) ثمّ يمسح الرأس ثمّ الرجلين (2) و الأحوط تقديم اليمنى منهما أيضا، بل الأقوى عدم جواز تقديم اليسرى (3).

____________

(1) و يدلّ عليه مضافا إلى الإجماع رواية زرارة المتقدّمة (1) فإنّ مقتضاها تقديم غسل الشمال على مسح الرأس.

(2) و قد صرّح بذلك في رواية زرارة، فراجع.

(3) ذهب بعضهم إلى التخيير فجوّز تقديم مسح كلّ من اليمنى و اليسرى على الأخرى، و هذا القول منسوب إلى المشهور و قال الآخر بالتخيير بين المقارنة و تقديم اليمنى دون العكس و هذا القول منسوب إلى ظاهر المحدث الحر، و نقل عن التذكرة نسبته إلى بعض و التزم الثالث بتعيّن تقديم اليمنى و عدم جواز المقارنة و تقديم اليسرى و هذا القول منسوب إلى الصدوقين و ابن الجنيد و سلّار.

و مقتضى الجمع بين الروايات هو القول الثاني و ذلك لما رواه في الاحتجاج عن محمّد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري عن صاحب الزمان (عليه السلام) أنّه كتب إليه يسأله عن المسح على الرجلين بأيّهما يبدأ باليمين أو يمسح عليهما جميعا معا، فأجاب (عليه السلام): يمسح عليهما جميعا معا فإن بدأ بإحداهما قبل الاخرى فلا يبدأ إلّا باليمين (2).

و يؤيّده ما في رواية الهاشمي مولى محمّد بن عليّ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: بينا أمير المؤمنين (عليه السلام) ذات يوم جالس مع محمّد بن الحنفية إذ قال له:

____________

(1) تقدّمت في ص 393.

(2) الوسائل، الباب 34 من أبواب الوضوء، الحديث 5.

396

..........

____________

يا محمّد ايتني بإناء من ماء أتوضّأ للصلاة فأتاه محمّد بالماء فاكفاه فصبّه بيده اليسرى على يده اليمنى ثمّ قال: بسم اللّه و باللّه الحمد للّه الذي جعل الماء طهورا و لم يجعله نجسا قال: ثمّ استنجى فقال: اللّهمّ حصّن فرجي و اعفه و استر عورتي و حرّمني على النار، قال: ثمّ تمضمض فقال: اللّهمّ لقّني حجّتي يوم ألقاك و أطلق لساني بذكراك، ثمّ استنشق فقال: اللّهمّ لا تحرّم عليّ ريح الجنّة و اجعلني ممّن يشمّ ريحها و روحها و طيبها، قال: ثمّ غسل وجهه فقال: اللّهمّ بيّض وجهي يوم تسودّ فيه الوجوه و لا تسوّد وجهي يوم تبيض الوجوه، ثمّ غسل يده اليمنى فقال: اللّهمّ اعطني كتابي بيميني و الخلد في الجنان بيساري و حاسبني حسابا يسيرا، ثمّ غسل يده اليسرى فقال:

اللّهمّ لا تعطني كتابي بشمالي و لا تجعلها مغلولة إلى عنقي و أعوذ بك من مقطعات النيران، ثمّ مسح رأسه فقال: اللّهمّ غشّني برحمتك و بركاتك و عفوك ثمّ مسح رجليه فقال: اللّهمّ ثبّتني على الصراط يوم تزلّ فيه الأقدام و اجعل سعيي فيما يرضيك عنّي، ثمّ رفع رأسه فنظر إلى محمّد فقال: يا محمّد من توضّأ مثل وضوئي و قال مثل قولي خلق اللّه له من كلّ قطرة ملكا يقدّسه و يسبّحه و يكبّره فيكتب اللّه له ثواب ذلك إلى يوم القيامة (1). فإنّ الرواية من حيث المجموع ظاهرة في أنّه (عليه السلام) مسح الرجلين دفعة.

فانقدح بما ذكر: أنّه لا مجال للعمل بالإطلاقات لما في رواية الاحتجاج من النهي عن الابتداء إلّا باليمين و أيضا يرفع اليد عمّا دلّ على لزوم تقديم اليمنى فإنّ في رواية محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال:

____________

(1) الوسائل، الباب 16 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

397

فلو عكس نسيانا عاد على ما يحصل معه الترتيب ما لم يفت الموالاة (1).

____________

و ذكر المسح فقال: امسح على مقدم رأسك و امسح على القدمين و ابدأ بالشقّ الأيمن (1)، فإنّ هذه الرواية و إن كانت ظاهرة في لزوم تقديم اليمنى على اليسرى مطلقا لكن يرفع اليد عنها برواية الاحتجاج.

(1) كما هو مقتضى قاعدة لزوم الامتثال، مضافا إلى أنّه يستفاد من جملة من الروايات فعن زرارة قال: سئل أحدهما (عليهما السلام) عن رجل بدأ بيده قبل وجهه و برجليه قبل يديه قال: يبدأ بما بدأ اللّه به و ليعد ما كان (2).

و عن منصور بن حازم (3) إلى غيرهما من الروايات الواردة في هذا المقام ثمّ إنّه هل يكفي في الإعادة إعادة ما حقّه التأخير و لا يلزم إعادة ما حقّه التقديم أو يلزم إعادته أيضا أو يجب إعادة الوضوء في صورة النسيان دون العمد أو عكس هذه الصورة، ذكر لكلّ من هذه المذكورات وجوه، و الحقّ هو القول الأوّل فإنّ القاعدة الأوّلية تقتضي ذلك فإنّه لا وجه لإعادة ما حقّه التقديم بعد فرض بقاء الشرط و تشهد له جملة من الروايات، ففيما روى ابن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث تقديم السعي على الطواف قال: ألا ترى أنّك إذا غسلت شمالك قبل يمينك كان عليك أن تعيد على شمالك (4) و فيما رواه ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا بدأت بيسارك قبل يمينك و مسحت رأسك و رجليك ثمّ استيقنت بعد أنّك بدأت بها‌

____________

(1) الوسائل، الباب 25 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

(2) الوسائل، الباب 35 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

(3) تقدّمت في ص 394.

(4) الوسائل، الباب 35 من أبواب الوضوء، الحديث 6.

398

..........

____________

غسلت يسارك ثمّ مسحت رأسك و رجليك (1).

و استدلّ للثاني بما هو ظاهر بعض الأخبار من إعادة الوضوء من رأس، ففي رواية سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من نسي مسح رأسه أو قدميه أو شيئا من الوضوء الذي ذكره اللّه تعالى في القرآن كان عليه إعادة الوضوء و الصلاة (2). و هذه الرواية و إن اختصّت بالناسي لكن يتمّ الأمر في العامد بالأولوية القطعية و لكن يرفع اليد عنها بقرينة تلك الروايات الدالّة على عدم لزوم الإعادة بأن تحمل على استحباب الإعادة أو على فوات الموالاة أو على إرادة إعادة الجزء الذي من حقّه التأخير.

و استدلّ للقول الثالث برواية سماعة المتقدّمة آنفا فإنّها تدلّ على لزوم الإعادة في صورة النسيان فيقيّد بها ما دلّ على كفاية إعادة ما حقّه التأخير، و فيه أنّ ما رواه أبو بصير (3) واردة في خصوص الناسي.

و يمكن الاستدلال للرابع بأنّه تشريع فيكون الوضوء باطلا و بأنّه موجب لفوات الموالاة فإنّ الموالاة على بعض المسالك عبارة عن المتابعة مع الاختيار و بمفهوم حديث أبي بصير المتقدّم، فإنّ مفاده في صورة عدم النسيان، امّا الصحّة بلا إعادة المقطوع فساده، و إمّا البطلان و هو المطلوب، و يرد على الوجه الأوّل: أنّ التشريع لو كان في إتيان الجزء في غير محلّه فلا وجه للبطلان، و على الوجه الثاني أنّه لو سلّم كون المراد من الموالاة التتابع‌

____________

(1) الوسائل، الباب 35 من أبواب الوضوء، الحديث 14.

(2) نفس المصدر، الحديث 5.

(3) لاحظ ص 394.

399

و إلّا أعاد الوضوء (1).

و كما يجب الترتيب بين الأعضاء كذلك يجب بين أجزاء كلّ عضو فيجب غسل الأعلى فالأعلى بالنسبة إلى الأجزاء المسامتة (2).

____________

في الأجزاء لا نسلّم أنّ هذا المقدار مخلّ بالمتابعة، و على الوجه الثالث أنّه لا مفهوم للحديث فإنّه سيق لبيان تحقّق الموضوع فلا مفهوم له.

إذا عرفت ما تقدّم نقول: الذي يختلج بالبال في هذه العجالة أنّ النصوص متعارضة و الحمل على الاستحباب أو غيره لا يكون جمعا عرفيا صناعيّا، و من ناحية أخرى أنّ المرجّح في باب الترجيح منحصر في الأحدثية و حيث إنّه لا يميّز الأحدث عن غيره يكون المرجع إطلاق الكتاب و هو كفاية الغسل على الإطلاق لكن هل يمكن الالتزام بالإطلاق في حال كونه خلاف السيرة المستمرّة و خلاف الارتكاز المتشرّعي فلا مناص عن الاحتياط و اللّه الهادي إلى سواء السبيل.

(1) لزوم الإعادة مع فرض فوت الموالاة و اشتراطها في الوضوء لا يحتاج إلى بيان، إنّما الكلام في معنى الموالاة المعتبرة فيه و سيتعرّض له.

(2) ما أفاده تامّ من لزوم رعاية غسل الأعلى فالأعلى، أمّا بالنسبة إلى الوجه فتدلّ عليه جملة من النصوص منها ما رواه زرارة (1) قال (عليه السلام) فيه ثمّ غرف ملأها ماء فوضعها على جبينه ثمّ قال: بسم اللّه و سدله، و في نسخة سيّله على أطراف لحيته.

و منها: ما رواه زرارة قال: حكى لنا أبو جعفر (عليه السلام) وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)

____________

(1) تقدّم في ص 320.

400

..........

____________

فدعا بقدح فأخذ كفّا من ماء فأسدله على وجهه (من أعلى الوجه) ثمّ مسح وجهه من الجانبين جميعا، ثمّ أعاد يده اليسرى في الإناء فأسدلها على يده اليمنى ثمّ مسح جوانبها ثمّ أعاد اليمنى في الإناء فصبّها على اليسرى ثمّ صنع بها كما صنع باليمنى ثمّ مسح بما بقى في يده رأسه و رجليه و لم يعدهما في الإناء (1).

و منها: ما رواه زرارة (2). و أمّا بالنسبة إلى اليد فأيضا تدلّ عليه جملة من النصوص، لاحظ ما رواه زرارة (3)، و لاحظ ما رواه زرارة و بكير عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث حكاية وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) «ثم غمس كفّه اليسرى فغرف بها غرفة فأفرغ على ذراعه اليمنى فغسل بها ذراعه من المرفق إلى الكف لا يردها إلى المرفق ثم غمس كفّه اليمنى فأفرغ بها على ذراعه اليسرى من المرفق و صنع بها مثل ما صنع باليمنى» (4).

و لاحظ ما رواه بكير و زرارة ابني أعين أنّهما سألا أبا جعفر (عليه السلام) عن وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فدعا بطشت أو بتور فيه ماء فغسل كفّيه ثمّ غمس كفّه اليمنى في التور فغسل وجهه بها و استعان بيده اليسرى بكفّه على غسل وجهه ثمّ غمس كفّه اليمنى في الماء فاغترف بها من الماء فغسل يده اليمنى من المرفق إلى الأصابع لا يرد الماء إلى المرفقين ثمّ غمس كفّه اليمنى في‌

____________

(1) الوسائل، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث 6.

(2) تقدّم في ص 316- 317.

(3) تقدّم في ص 319- 320.

(4) الوسائل، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث 3.

401

..........

____________

الماء فاغترف بها من الماء فأفرغه على يده اليسرى من المرفق إلى الكفّ لا يرد الماء إلى المرفق كما صنع باليمنى، ثمّ مسح رأسه و قدميه إلى الكعبين بفضل كفّيه لم يجدّد ماء (1)، فإنّه لا إشكال في أنّه يستفاد من هذه النصوص لزوم الترتيب و رعاية غسل الأعلى فالأعلى إذ الظاهر من حكاية وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بيان ما هو الوظيفة الشرعية المقرّرة لكلّ مكلّف لا بيان موضوع تأريخي فلا إشكال في الحكم نصّا و سيرة و ارتكازا، أضف إلى ما ذكر حديث محمّد بن فضل (2) و حديث الهيثم بن عروة التميمي (3) و حديث صفوان (4).

ثمّ إنّه بعد لزوم رعاية الأعلى فالأعلى فهل اللازم رعاية ذلك بحسب الخطوط العرضية فلا يجوز غسل الأدنى قبل الأعلى و لو لم يكن مسامتا له أو يلزم رعاية غسل الأعلى فالأعلى بالنسبة إلى الخطوط الطولية عقلا أو عرفا أو لا يلزم شي‌ء من ذلك بل يكفي أن يصدق عنوان الغسل من الأعلى إلى الأسفل، الظاهر هو الأخير فإنّه لا دليل على أزيد من ذلك.

أمّا الوجه الأوّل فلا مقتضي لإلزامه و وجوبه، مضافا إلى أنّه يوجب الحرج الشديد و أنّه خلاف ما استقرّت عليه السيرة الجارية بين المتشرّعة.

و أمّا الوجهان الآخران فأيضا لا مقتضى لهما، بل المقتضى على خلافهما فإنّ مقتضى إطلاق الأدلّة كفاية الوجه الأخير و اللّه العالم و طريق الاحتياط ظاهر.

____________

(1) الوسائل، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث 11.

(2) لاحظ ص 326- 327.

(3) لاحظ ص 325.

(4) لاحظ ص 328.

402

و لو توضّأ في المطر قصد غسل الأعضاء الأوّل فالأوّل و غسل أجزائها الأعلى فالأعلى مع التحفّظ على وقوع المسح بماء الوضوء كما مرّ (1). و لو توضّأ ارتماسا في الماء حرّك الأعضاء فيه بالترتيب بقصد الغسل من الأعلى إلى الأسفل مع التحفّظ على كون المسح بماء الوضوء و هو يكون بأحد وجهين: الأوّل: أن يقصد الغسل بالإخراج من الماء كما مرّ. الثاني: أن يغسل اليد اليسرى بتمامها أو من الزند خارج الماء باليد اليمنى (2).

____________

(1) و قد ذكرنا هناك: أنّ ما ذكر مقتضى القاعدة الأوّلية و تشهد له رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل لا يكون على وضوء فيصيبه المطر حتّى يبتلّ رأسه و لحيته و جسده و يداه و رجلاه هل يجزيه ذلك من الوضوء؟ قال: إن غسله فإنّ ذلك يجزيه (1).

و لا يخفى أنّ المستفاد من الرواية جواز ذلك إذا اجتمع شرائط الصحّة و لا يستفاد منها الجواز مطلقا. و بعبارة أخرى المستفاد الجواز من هذه الجهة فلا بأس بالوضوء بهذا النحو.

(2) الميزان تحقّق الغسل من الأعلى فالأعلى فلا فرق بين أن يكون بالترتيب أو بالارتماس فإذا تحقّق الغسل مع الشرائط يتحقّق المأمور به، فالعمدة التحفّظ على الترتيب و المقرّر الذي علم من الدليل اعتباره.

____________

(1) الوسائل، الباب 36 من أبواب الوضوء.