الدلائل في شرح منتخب المسائل - ج1

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
742 /
403

[الثالث: الموالاة]

الثالث: الموالاة (1) و هي المتابعة في الأعضاء بأن يشرع في العضو اللاحق قبل جفاف تمام الأعضاء السابقة (2) مع اعتدال الهواء (3).

____________

(1) بلا خلاف كما في الحدائق، و إجماعا كما عن الخلاف و الغنية و المنتهى و التذكرة و الذكرى و التنقيح و المسالك و غيرها و إنّما الخلاف في معناها و المراد منها.

(2) الظاهر أنّ تفسير الموالاة بهذا المعنى هو المشهور بينهم كما عن جملة من الأعلام و يمكن الاستشهاد له بحديث أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

إذا توضّأت بعض وضوئك و عرضت لك حاجة حتّى يبس وضوؤك فأعد وضوءك فإنّ الوضوء لا يبعّض (1) و حديث معاوية بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ربما توضّأت فنفد الماء فدعوت الجارية فأبطأت عليّ بالماء فيجفّ وضوئي فقال: أعد (2). بتقريب أنّ المستفاد من الروايتين أنّ المخلّ في الوضوء اليبوسة الحاصلة في الأعضاء السابقة.

(3) يمكن أن يقال في وجه ذلك: أنّ المستفاد من الرواية مع قطع النظر عن التعليل أنّ الصحّة دائرة مدار بقاء الرطوبة مطلقا فمع بقاء الرطوبة و لو لبرودة الهواء أو غيرها يصحّ الوضوء و إن فصل بين الأعضاء طويلا و يبطل مع الجفاف و إن وقعت مترتّبة و لكن يستفاد من التعليل الواقع في الذيل أنّ‌

____________

(1) الوسائل، الباب 33 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

(2) نفس المصدر، الحديث 3.

404

بل الأحوط في حال الاختيار مراعاة المتابعة العرفية (1).

____________

الوضوء له هيئة اتّصالية لا بدّ من عدم وقوع الفصل بين أجزائه، غاية الأمر لا يضرّه الفصل بمقدار بقاء الرطوبة في الأعضاء السابقة فالرطوبة و عدمها ليست لهما موضوعية بل معرّفة للمقدار الذي عين في نظر الشارع، و عليه فالمدار هو المتعارف من الهواء و المزاج و غيرهما لأنّ التحديد لا بدّ أن يكون منضبطا.

(1) نقل عن جماعة أنّ الموالاة عبارة عن المتابعة في الأعضاء اختيارا و عدم الجفاف اضطرارا، و أصحاب هذا القول بين قائل بعدم بطلان الوضوء بالإخلال بالمتابعة بل الإخلال موجب للإثم خاصّة و بين قائل بالبطلان إذا لم يتابع اختيارا، و يستفاد من كلمات صاحب الحدائق أنّ القائل بالبطلان بين قائل بحصول الإثم أيضا و بين قائل بحصول البطلان فقط.

و كيف كان فما يمكن أن يقال أو قيل في وجه التفصيل بين حال الاختيار و الاضطرار و بهذا التفصيل يجمع بين الروايات الدالّة على اشتراط التتابع و ما دلّ على عدم البطلان لو أخّر لعارض إلّا أن يجفّ الأعضاء السابقة، الجمع بين الروايات الواردة في المقام. ففي رواية زرارة قال (عليه السلام): تابع بين الوضوء، كما قال اللّه تعالى ابدأ بالوجه ثمّ باليدين ثمّ امسح الرأس و الرجلين (1).

____________

(1) تقدّم في ص 393.

405

..........

____________

و في رواية الحلبي (1) و في رواية حكم بن حكيم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل نسي من الوضوء الذراع و الرأس قال: يعيد الوضوء أنّ الوضوء يتبع بعضه بعضا (2).

و تقريب الاستدلال بهذه الروايات أنّ الأمر تعلّق بالمتابعة فهي واجبة فلو تركها يأثم، و الجواب عن ذلك: أنّ المستفاد من هذه الروايات ليس إلّا الترتيب بين الأعضاء فإنّ القرائن الدالّة على هذا المعنى موجودة في الروايتين الأوليين.

و أمّا الرواية الثالثة فهي أيضا تحمل على هذا المعنى بقرينة غيرها أو تحمل على مورد يبس الأعضاء السابقة بقرينة ما دلّ على بطلان الوضوء إذا يبس الوضوء كما تقدّم، مضافا إلى أنّ الرواية لا اعتبار بسندها على الظاهر فإنّ في طريقها معلّى بن محمّد و هو غير موثّق فلا يستفاد من هذه الروايات اشتراط التتابع في الوضوء.

و ربّما يستدلّ للمدّعى بالوضوءات البيانيّة حيث إنّ الظاهر منها التتابع بين الأعضاء فيجب، و الجواب عن ذلك: إنّه على فرض دلالتها إنّما تتمّ لو لم يكن إطلاق يقتضي كفاية مطلق الغسل كيف اتّفق، و أمّا مع وجود الإطلاق في الآية و الرواية فلا يبقى لهذه الدعوى مجال.

و الحاصل: أنّ غاية ما يستفاد من الوضوءات البيانية محبوبية التتابع،

____________

(1) تقدّمت في ص 394.

(2) الوسائل، الباب 33 من أبواب الوضوء، الحديث 6.

406

..........

____________

و من الظاهر أنّ هذا المقدار لا يقتضي لزوم التتابع مع وجود الدليل لكفاية مطلق الغسل، و لكن الإنصاف أنّه يفهم من الوضوء البياني لزوم هذا النحو فلا تغفل، و بما رواه أبو بصير (1) وجه الاستدلال أنّه لو لم يكن التتابع لازما لما كان وجه لإعادة غسل الوجه بل كان إعادة غسل الذراع كافيا لحصول الترتيب.

و يرد عليه أوّلا: أنّ إعادة الذراع وحده لا ينافي التتابع كما هو ظاهر، و ثانيا: أنّ المراد لو كان كما توهّم ينافيه ما في ذيل الرواية من كفاية إعادة غسل الأيمن بلا إلزام لإعادة غسل الوجه فلا تكون هذه الرواية شاهدة للمدّعى.

و أمّا لزوم إعادة غسل الوجه فامّا يحمل على صورة الجفاف، و إمّا يحمل على صورة عدم غسل الوجه فإنّه لم يصرّح بتحقّق الغسل بل استفيد من لفظ الإعادة فيرفع اليد عن هذا الظاهر بقرينة غيره من الروايات.

و ممّا ذكرنا ظهر ضعف الاستدلال بهذه الروايات على الوجوب النفسي، فإنّه لا يستفاد منها كما ذكرنا إلّا لزوم الترتيب، كما أنّ الاستدلال عليه بظهور الأمر في الفور فيلزم التتابع و بقاعدة الاشتغال المقتضي للاحتياط و بالإجماع المدّعى في بعض الكلمات، فاسد فإنّ الأمر ليس ظاهرا في الفور كما حقّق في محلّه، مضافا إلى أنّ مقتضاه وجوب أصل الوضوء فورا، و المدّعى هو لزوم التتابع.

____________

(1) لاحظ ص 394.

407

نعم، لو لم يمكن التحفّظ على بقاء رطوبة السابق حين الشروع في اللاحق لحرارة الهواء أو هبوب الرياح أو حرارة البدن مثلا سقط اعتبارها و أتى بالوضوء متتابعا من غير فصل (1). كما أنّه فيما تبقى رطوبة السابق مدّة مديدة لنداوة الهواء لا عبرة بها على الأحوط إن لم يكن أقوى فالمعيار هو المعتدل من الهواء و المزاج و غيرهما.

مسألة 110: لو جفّ اليد اليمنى قبل الشروع في اليسرى مع بقاء نداوة الوجه كفى و صحّ الوضوء (2) و إن كان الأحوط الإعادة لكن المعتبر من نداوة الوجه هي نداوة ما يجب غسله من البشرة

____________

و أمّا أصل الوضوء فلا قائل بوجوبه فورا، و أمّا قاعدة الاشتغال فلا مجال لها مع وجود الإطلاق، مضافا إلى أنّه حقّق في محلّه أنّ مقتضى الأصل في الشبهات الحكمية هي البراءة. و أمّا الإجماع فحاله معلوم، و كيف يمكن القول به مع ذهاب المشهور إلى خلافه.

(1) قد ظهر ممّا تقدّم عدم تمامية ما أفاده (قدّس سرّه) فإنّ القول بكون الشرط أحد الأمرين كما هو مفاد المتن لا دليل عليه، بل المستفاد من الروايتين أنّ الفصل الموجب ليبس الأعضاء السابقة يوجب البطلان و إلّا فلا وجه لرفع اليد عن إطلاق أدلّة الغسل و الحكم بالصحّة و ممّا ذكرنا يظهر ما في ذيل كلامه رفع مقامه.

(2) و ذلك لأنّ الموضوع الواقع في الدليل يبس الوضوء و جفافه و هو لا يصدق إلّا بيبس الأعضاء بتمامها.

408

و الشعر فلو لم يبق من نداوته إلّا في المقدار الخارج عن حدّ الوجه من اللحية فالاكتفاء بها مشكل (1) و الأحوط إعادة الوضوء (2).

[الرابع: المباشرة مع الاختيار بأن يباشر إتيان الوضوء بنفسه]

الرابع: المباشرة مع الاختيار بأن يباشر إتيان الوضوء بنفسه بحيث يسند إليه في العرف (3).

____________

(1) فإنّ الظاهر من الدليل و لو بمعونة مناسبة الحكم و الموضوع أنّ المناط في الصحّة و الفساد بقاء الرطوبة في العضو الواجب غسله و يبسه، و أمّا ما لا يجب غسله فأجنبي عن موضوع الحكم.

(2) لحسن الاحتياط.

(3) حكي عن الانتصار و الذكرى و المنتهى الإجماع على عدم جواز التولية في الوضوء و الظاهر أنّ المراد من عدم الجواز في أمثال المقام هو الوضعي، و في الحدائق وجوب المباشرة مع الإمكان و عدم جواز التولية في كلّ من الطهارات الثلاث، هو المشهور بين الأصحاب، ثمّ إنّ هذا الحكم مقتضى القاعدة فإنّ الظاهر من الخطاب المتوجّه إلى المكلّف كقوله تعالى:

فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ لزوم استناد الفعل إلى المكلّف فلو تولّى الغير لم يسند إليه فلا يجزي، و حيث إنّ ظاهر الخطاب يقتضي المباشرة لا مجال للقول بجواز النيابة فإنّ دليل النيابة و الوكالة لا يثبت موضوعه، بل يدلّ على جوازها فيما يكون قابلا لها و المفروض عدم دليل في المقام على ذلك، بل كما ذكرنا مقتضى الخطابات لزوم المباشرة فما في بعض الكلمات من أنّ‌

409

..........

____________

ظاهر الخطاب صحّة النسبة إلى المخاطب فما دلّ على مشروعية النيابة من بناء العقلاء يكون حاكما عليه، غير تامّ فإنّه لم يثبت من العقلاء بناء على صحّة النيابة في كلّ مورد بل خلافه معلوم منهم كما هو ظاهر لمن راجع إلى العرف.

نعم، قد يعلم من القرينة الداخلية أو الخارجية أنّ مطلوب المولى ليس إلّا تحقّق هذا الفعل في الخارج من أي شخص فالمخاطب مكلّف بإيجاد المتعلّق أعمّ من المباشرة و التسبيب و في هذا الفرض لا يحتاج إلى النيابة بل يكفي التسبيب فإنّه يعتبر في النيابة أن يجعل النائب نفسه منزلة المنوب عنه و في التسبيب يكون المباشر آلة فقط فيمكن أن يكون صبيّا أو مجنونا.

و ربما يستدلّ له بقوله تعالى: وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (1) لكن الظاهر من الآية بشهادة سياقها و ملاحظة صدرها و هو قوله تعالى: فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صٰالِحاً هو خلوص العمل بأن يأتي بالعمل لوجه اللّه و لا يجعل له شريكا، و قد ورد في تفسير الآية رواية رواها جرّاح المدائني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ: فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صٰالِحاً وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً قال: الرجل يعمل شيئا من الثواب لا يطلب به وجه اللّه إنّما يطلب تزكية الناس يشتهي أن يسمع به الناس فهذا الذي أشرك بعبادة ربّه ثمّ قال: ما من عبد أسرّ خيرا فذهبت الأيّام أبدا حتّى يظهر اللّه له خيرا و ما من عبد يسرّ شرّا فذهبت الأيّام‌

____________

(1) الكهف: 110.

410

..........

____________

حتّى يظهر اللّه له شرّا (1).

و رواية اخرى رواها عليّ بن إبراهيم قال في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سئل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن تفسير قول اللّه عزّ و جلّ: فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صٰالِحاً وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً فقال:

من صلّى مراءاة الناس فهو مشرك إلى أن قال: و من عمل عملا ممّا أمر اللّه به مراءاة الناس فهو مشرك و لا يقبل اللّه عمل مراء (2)، فالآية بظاهرها و بمقتضى هذا التفسير أجنبية عمّا نحن فيه.

نعم، ورد في تفسيرها في جملة من الروايات أنّ الاستعانة في مقدّمات الوضوء شرك و من تلك الروايات ما رواه الحسن بن علي الوشاء قال:

دخلت على الرضا (عليه السلام) و بين يديه ابريق يريد أن يتهيّأ منه للصلاة فدنوت منه لأصبّ عليه فأبى ذلك فقال: مه يا حسن فقلت له: لم تنهاني أن أصبّ على يديك تكره أن أؤجر؟ قال: تؤجر أنت و أؤزر أنا فقلت: و كيف ذلك؟ فقال:

أما سمعت اللّه عزّ و جلّ يقول: فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صٰالِحاً وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً و ها أنا ذا أتوضّأ للصلاة و هي العبادة فأكره أن يشركني فيها أحد (3).

فبهذه الرواية و ما يراد منها يعلم أنّ المراد من الإشراك، الإشراك في العمل، فيمكن أن تجعل الآية دليلا على المدّعى. و ما في جملة من‌

____________

(1) الوسائل، الباب 12 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 6.

(2) الوسائل، الباب 11 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 13.

(3) الوسائل، الباب 47 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

411

و لو باشره الغير أو شاركه و لو في البعض على وجه لم يسند الفعل إلى المتوضّئ وحده بطل من غير فرق في ذلك بين العالم و الجاهل و العامد و الناسي و الغافل (1) و لا بين الوضوء و الغسل و التيمّم و لا بين الغسل و المسح (2).

____________

كلمات من أنّ التشريك في مقدّمات الوضوء ليس حراما للإجماع و النصّ فلا تقوم تلك الروايات دليلا على المنع، مدفوع بأنّ الشرك بأيّ معنى كان تستفاد حرمتها من الآية و تلك الرواية فسّرت الشرك بالإشراك في العمل. غاية الأمر علم من الخارج أنّ التشريك في المقدّمات أي الاستعانة في المقدّمات ليست حراما. و أمّا الإشراك في ذي المقدّمة فتدلّ الآية بضميمة تلك الروايات على حرمته.

نعم، يقع الكلام في أنّه هل يمكن الجمع بين هذه الروايات المفسّرة للشرك بالتشريك في العمل و بين الروايات المفسّرة له بالتشريك في العبادة و الإخلاص أو يكون بينهما التعارض و حيث إنّ الروايات المفسّرة للشرك بالتشريك في العمل لا اعتبار بها سندا فلا موضوع للبحث.

(1) لوحدة ملاك المنع فإنّه لا مقتضي للصحّة بعد ما فرض أنّ الظاهر من الخطاب لزوم المباشرة. نعم، في الناسي و الغافل يسقط التكليف لعدم إمكان تعلّقه بهما و لكن هذا لا يوجب صحّة مطلق الغسل كما هو ظاهر.

(2) فإنّ ما ذكرناه من ظهور الدليل في المباشرة، مشترك في الجميع.

412

نعم، لو لم يتمكّن من المباشرة تولّى مباشرته الغير فيوضّيه، و الأحوط حينئذ أن ينويا كلاهما (1).

____________

(1) اتفاقا كما في الحدائق، و إجماعا كما عن المنتهى، و عليه اتفاق الفقهاء كما عن التحرير و يشير إليه ما ورد في المجدور فإنّه وقع في جملة من الروايات أنّ المجدور يتيمّم، لاحظ ما رواه محمد بن سكين و غيره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قيل له: إنّ فلانا أصابته جنابة و هو مجدور فغسّلوه فمات فقال: قتلوه ألا سألوا ألا يمّموه، انّ شفاء العيّ السؤال (1) و مثلها غيرها فراجع (2).

و أيضا يشير إليه ما عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أيضا في حديث أنّه كان وجعا شديد الوجع فأصابته جنابة و هو في مكان بارد قال: فدعوت الغلمة فقلت لهم: احملوني فاغسلوني فحملوني و وضعوني على خشبات ثمّ صبّوا عليّ الماء فغسّلوني (3).

و يمكن أن يقال كما في طهارة شيخنا الهمداني (قدّس سرّه) أنّ المتبادر من الأمر بالغسل ليس إلّا وجوب إيجاد هذه الطبيعة على كلّ مكلّف على وجه يستند الفعل إليه عرفا و هذا يختلف بحسب القادر و العاجز، فالقادر لا بدّ أن يباشر الغسل، و العاجز لا بدّ أن يسبّب.

و بعبارة أخرى لا يسلم ظهور إسناد الفعل إلى الفاعل في المباشرة مطلقا بل يختلف بالقدرة و العجز، و عليه يجب على العاجز أن يسبب في غسل‌

____________

(1) الوسائل، الباب 5 من أبواب التيمّم، الحديث 1.

(2) نفس الباب من الوسائل.

(3) الوسائل، الباب 48 من أبواب الوضوء.

413

و إن كان الأظهر كفاية نيّة المتوضّي فيما لو كان يسند إليه الفعل عرفا و كان الموضّي بمنزلة الآلة (1).

[الخامس: إطلاق الماء]

الخامس: إطلاق الماء، فلا يصحّ بالماء المضاف كماء الرمّان و ماء الورد و أمثالهما و لو مزج به شي‌ء من ملح أو جلّاب أو غيرهما كان الاعتبار بصدق اسم الماء عليه في العرف فلو لم يصدق لم يصحّ الوضوء به. نعم، لا بأس بمثل ماء القليان المتعارف (2).

____________

وجهه و يديه و مسح رأسه و رجليه، لكنّ الإنصاف أنّ إتمام الأمر بحسب القاعدة مشكل و قياس الوضوء بباب الغسل لا وجه له. و بعبارة أخرى مقتضى الصناعة لزوم المباشرة و لا دليل على جواز الاستنابة.

(1) لو قلنا: بأنّ مدرك الحكم هو الإجماع فلا بدّ من أن ينويا كلاهما للعلم الإجمالي بأنّ أحدهما يلزم أن ينوي و غير مشخص و إن كان المدرك الروايات فحيث إنّ قوله (عليه السلام): فغسّلوني، أو قوله: ألا يمّموه، ظاهر في أنّ الغسل أو التيمّم مستند إلى الموضّي بتمام خصوصياتهما فلا بدّ أن ينوي الموضّي، و أمّا لو كان المدرك ما ذكرناه أخيرا فالمتوضّى لا بدّ أن ينوي حيث إنّه مأمور و مخاطب بالغسل و الموضّي ليس إلّا آلة للغسل.

و بعبارة أخرى على هذا المعنى لا فرق بين القادر و العاجز إلّا بأنّ القادر يباشر و العاجز يسبّب لكن قد تقدّم آنفا عدم تمامية التفصيل و طريق الاحتياط ما ذكره في المتن و مقتضى الصناعة سقوط الوضوء في الفرض.

(2) هذا هو المشهور بينهم بل نقل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه و خالف المشهور في هذا الحكم الصدوق و ابن أبي عقيل حيث إنّ الأوّل جوّز الوضوء و الغسل بماء الورد و وافقه في ذلك الكاشاني على ما نقل عنه‌

414

..........

____________

صاحب الحدائق حيث قال: و لم أقف على موافق للصدوق من الأصحاب إلّا ما يظهر من كلام المحدّث الكاشاني في مفاتيحه و وافيه إلى آخر كلامه، و أمّا ابن أبي عقيل فجوّز الوضوء بالنبيذ لكن عند الضرورة.

و الحقّ ما ذهب إليه المشهور لقوله تعالى في آية الوضوء: فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً (1) فإنّ المستفاد من الآية الشريفة حصر المطهر في الماء و التراب فيلزم الوضوء بالماء عند وجوده و عند عدمه يلزم التيمّم بالتراب، و حيث إنّ المضاف لا يصدق عليه الماء بما هو مطلق فلا يكون مطهّرا و هذا هو العمدة.

و أمّا التمسّك بالإجماعات المنقولة بل المحصّلة فرد عليه: أنّ المدرك عندهم معلوم و لا أقلّ من احتمال استنادهم إلى الآية الشريفة و مع هذا القطع أو الاحتمال كيف يصحّ الاستناد إلى الإجماع فإنّ مثله لا يكشف عن حكم شرعي تعبّدي كما هو ظاهر، كما أنّ التمسّك بقوله تعالى: وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً (2) بتقريب أنّه تعالى في مقام الامتنان على العباد بجعل الماء طهورا فلو كان غيره طهورا أيضا لكان المناسب الامتنان بالأعمّ، في غير محلّه لأنّه يمكن أن يكون المراد من الطهور في الآية الشريفة الطهور التكويني الخارجي لا الشرعي و المضاف لا يكون طهورا بهذا المعنى قطعا.

و الحاصل: أنّه لا دليل على إرادة المعنى الشرعي من الطهور في الآية، و لذا لم يذكر التراب مع أنّه طهور أيضا و لو أغمض عن ذلك و سلّم أنّه اريد منه المعنى الشرعي يمكن أن يكون الوجه في ذكره كثرة وجوده و عموميّة‌

____________

(1) المائدة: 6.

(2) الفرقان: 48.

415

..........

____________

نفعه، فظهر أنّ العمدة دلالة الآية الأولى على المدّعى، و يؤيّدها ما في بعض الروايات من حصر الطهور في الماء و الصعيد كما في رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يكون معه اللبن أ يتوضّأ منه للصلاة؟ قال: لا، إنّما هو الماء و الصعيد (1).

و استدلّ الصدوق على مدّعاه على ما نقل عنه بما رواه يونس عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: قلت له: الرجل يغتسل بماء الورد و يتوضّأ به للصلاة قال:

لا بأس بذلك (2). و هذه الرواية لا مجال للاعتماد عليها لضعف سندها فإنّ في طريقها سهل بن زياد و الرجل مورد طعن جماعة من أهل الفنّ بل قيل في حقّه إنّه غال فلا يعتمد على اخباره و إن وثّقه الشيخ في رجاله بعد تضعيفه في الفهرست، مضافا إلى أنّه نقل عن الشيخ في التهذيب أنّه (قدّس سرّه) ردّ على هذا الخبر بأنّه شاذ شديد الشذوذ و إن تكرّر في الكتب و الأصول فإنّما أصله يونس عن أبي الحسن (عليه السلام) و لم يروه غيره و قد أجمعت العصابة على ترك العمل بظاهره. أضف إلى ذلك أنّ في السند أيضا ممّن لا يعتمد عليه، فالرواية من حيث السند مخدوشة.

و أمّا من حيث الدلالة فناقش الشيخ فيها أيضا بأنّه يمكن أن يراد بماء الورد الماء الذي وقع فيه الورد و إن لم يكن معتصرا منه لأنّ كلّ شي‌ء جاور غيره فإنّه يكسبه اسم الإضافة إليه، انتهى.

و هذه المناقشة في غير محلّها إذ مجرّد الاحتمال لا يوجب رفع اليد عن ظهور الدليل في الإطلاق، غاية ما في الباب أنّ لماء الورد مصداقين‌

____________

(1) الوسائل، الباب 1 من أبواب الماء المضاف، الحديث 1.

(2) الوسائل، الباب 3 من أبواب الماء المضاف.

416

..........

____________

و مقتضى عدم التقييد شمول الحكم لكلا الفردين، و الذي يختلج ببالي أن يقال: لو كان ماء الورد بما له من المعنى عبارة عن خصوص المعتصر من الورد بحيث لا يصدق على غيره فالقاعدة تقتضي أن يقيّد إطلاق الآية بهذه الرواية و يلتزم بجواز الوضوء به.

و أمّا لو لم يكن كذلك، بل له مصداقان: أحدهما مضاف، و الآخر: مطلق، و هو الذي ورد في كلام الشيخ (قدّس سرّه)، كما أنّه ليس ببعيد فإنّ الماء الذي وقع عليه مقدار من الورد و بقى فيه زمانا معتدّا به لا يبعد أن يصدق عليه ماء الورد، فيقع التعارض بين الآية و الرواية فيما لا يقدر المكلّف على الماء و يقدر على ماء الورد المضاف، و حيث إنّ التعارض بينهما بالعموم من وجه و شمول كلّ منهما لأفراده بالإطلاق و مقدّمات الحكمة و قد بيّنا في محلّه أنّ التعارض بين المطلقين يوجب تساقطهما إذ الإطلاق يتوقّف حدوثا و بقاء على عدم البيان و كلّ من الدليلين قابل لأن يكون بيانا للآخر فيسقط كلا الدليلين و يرجع إلى إطلاق دليل الغسل فإنّ إطلاق قوله تعالى في صدر الآية: إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ يقتضي الغسل بكلّ مائع قابل لأن يغسل به، و ذيل الآية لسقوطه بالمعارضة ليس قابلا للتقييد.

و أمّا ما ربّما يقال كما قيل: بأنّ القاعدة تقتضي أن يقدّم إطلاق الرواية على الآية حيث إنّ الرواية لو قيّدت بالآية لا يبقى لعنوان ماء الورد مورد و يكون أخذه في موضوع الحكم لغوا بخلاف العكس كما هو ظاهر، ليس على ما ينبغي و ذلك لأنّ ماء الورد لم يقع موضوعا للحكم ابتداء في كلام الإمام حتّى يجري فيه هذا البيان بل وقع مورد السؤال في كلام الراوي و لا يجري فيه هذا البيان كما هو ظاهر عند المتأمّل.

417

..........

____________

إذا عرفت ما تقدّم نقول: الحقّ أنّه لا مجال لهذه المقالات إذ يرد عليها أوّلا: أنّ الحديث ضعيف سندا، و ثانيا: أنّ التعارض بالإطلاق لا يوجب سقوط المتعارضين بل التعارض باق بحاله و حيث إنّ الرواية تباين الآية تباينا جزئيا تسقط و تضرب عرض الجدار.

و أمّا ابن أبي عقيل فاستدلّ على مدّعاه بما رواه عبد اللّه بن المغيرة عن بعض الصادقين قال: إذا كان الرجل لا يقدر على الماء و هو يقدر على اللبن فلا يتوضّأ باللبن إنّما هو الماء أو التيمّم فإن لم يقدر على الماء و كان نبيذا فإنّي سمعت حريزا يذكر في حديث أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قد توضّأ بنبيذ و لم يقدر على الماء (1)، و هذه الرواية غير تامّة من حيث السند لأنّه يحتمل أن يكون المراد من بعض الصادقين غير الإمام (عليه السلام) و لا دليل على كون المراد منه المعصوم (عليه السلام)، و مع هذا الاحتمال تسقط عن الاعتبار و لأنّ الواسطة بين حريز و النبي غير معلوم بل يظهر من تعبير صاحب الحدائق أنّ الخبر ضعيف، هذا من حيث السند.

و أمّا من حيث الدلالة فيمكن أن يقال: إنّ هذا الكلام لو كان صادرا من الإمام (عليه السلام) لكان تعبيره بهذا النحو مشعرا بالتقيّة و مناسبا لها، بل نوقش في الدلالة باحتمال كون تتمّة الكلام من كلام ابن المغيرة لكن يدفعها أنّه خلاف الظاهر.

و كيف كان لا مجال للاعتماد على الرواية خصوصا مع ما نقل عن الشيخ من أنّه أجمعت العصابة على عدم جواز الوضوء بالنبيذ بل يمكن أن يقال:

إنّ عدم الجواز من واضحات الفقه بل من واضحات المذهب.

____________

(1) الوسائل، الباب 2 من الماء المضاف، الحديث 1.

418

و لو اشتبه المطلق بالمضاف جاز الوضوء بالتكرير بهما في حال الانحصار بل مطلقا إذا كان التكرير لداع عقلائي (1).

[السادس: إباحة الماء]

السادس: إباحة الماء فلا يصحّ الوضوء بالماء المغصوب (2).

____________

(1) قد مرّ منّا في بحث الاجتهاد و التقليد أنّ التكرار و لو لم يكن لداع عقلائي لا يكون مضرّا، فإنّ اللعب و العبث على فرض تسلّمهما يكونان في كيفيّة الامتثال لا في نفسه فلا مانع.

(2) بلا خلاف بين الأصحاب كما في الحدائق، و في بعض الكلمات أنّه استفاض نقل الإجماع عليه، بل قيل: إنّه يظهر من غير واحد ذلك حتّى من القائلين بجواز الاجتماع، و لذا نقل عن بعض أنّه استدلّ على عدم الجواز بالإجماع مضافا إلى قاعدة الامتناع.

و الإنصاف ان تحقّق إجماع كاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) في غاية الإشكال، فالمتعيّن أن يستدلّ على عدم الجواز بوجه آخر فنقول: يمكن أن يقال: إنّ إطلاق دليل الوضوء لا يشمل التصرّف الغصبي. و بعبارة أخرى:

الدليل ليس ناظرا إلى هذه الخصوصيات، و نوضّح المقصود في مورد آخر مثلا لو دلّ دليل على جواز التصرّف في المال لا يقتضي بإطلاقه جواز ضرب اليتيم بأن يقال: ضرب اليتيم بالعصا تصرّف في المال و هو جائز مطلقا و لو أغمض عن ذلك و لم يسلّم فلا شبهة أنّه لا يرى العرف معارضة بين دليل الوضوء و بين دليل حرمة الغصب بل يمكن أن يقال: إنّ العرف بما له من الارتكاز يقدّم أدلّة العناوين الثانوية على أدلّة العناوين الأوّلية و المقام كذلك.

و الحاصل: أنّه حيث لا يجتمع الأمر و النهي كما بيّناه في محلّه، و قلنا:

419

نعم، لا يشترط كونه مملوكا للمتوضّي فلو توضّأ بماء لغيره بإذنه الصريح أو بفحوى أو شاهد حال على رضاه صحّ (1). و الأولى في شاهد الحال الاقتصار على صورة حصول العلم بالرضا منه (2). نعم في مثل الأنهار الواقعة في الطرق و المنازل في الأسفار لا بأس بالوضوء منها (3).

____________

بأنّ مرجعه إلى اجتماع الضدّين فلا بدّ من رفع اليد عن أحد الدليلين، و حيث إنّ العرف محكم في باب الظهورات و يقدّم بحسب مركوزه دليل الغصب فلا يجوز التوضّي بالماء المغصوب، مضافا إلى أنّه لو قدّم الدليل الأوّلي لا يبقى موضوع للدليل الثانوي و هذا من المرجّحات في باب التعارض.

(1) لأنّ المانع الغصبية فلو زالت بأيّ سبب كان تكون مقتضى القاعدة الصحّة.

(2) يمكن أن يكون الوجه في ذلك أنّ المقام حيث إنّه من الأموال و علم من الشارع أنّه أراد أن يحتاط فيها فيلزم أن يحصل العلم بالرضا و لا يكتفى بغيره، لكن الحقّ أنّ الاطمئنان كالعلم فإنّه حجّة عقلائية، و يمكن أن يكون المراد من العبارة أنّ شاهد الحال ما لم يوجب العلم أو الاطمئنان لا يفيد و ليس حكمه حكم الظواهر بحيث يؤخذ بها و لو مع الشكّ في المراد و لو كان مراده من العبارة ذلك فأيضا يمكن أن يناقش بأنّه لا فرق بين ظهور الألفاظ و ظهور الحال ففي كلّ مورد حكم العرف بالظهور يؤخذ به و الذي يهوّن الخطب أنّه (قدّس سرّه) عبّر بقوله: و الأولى و لا شبهة في كونه أولى و أحوط.

(3) عمدة الدليل على ذلك السيرة العملية الجارية بين المتشرّعة بلا نكير‌

420

..........

____________

من أحد ففي كلّ مورد تمّت فهو و إلّا يشكل الأمر.

و أمّا التمسّك للجواز بما رواه محمّد بن سنان عن أبي الحسن (عليه السلام) قال:

سألته عن ماء الوادي فقال: إنّ المسلمين شركاء في الماء و النار و الكلأ (1) فليس في محلّه فإنّ الجمع بين هذا الدليل و دليل حرمة الغصب يقتضي حمل الأوّل على ما لم يكن له صاحب و مالك لما ذكرنا آنفا من عدم المعارضة بين أدلّة العناوين الأوّلية و بين دليل العناوين الثانوية، مضافا إلى أنّ الالتزام بهذا المعنى يستلزم تخصيص الأكثر المستهجن، أضف إلى ذلك أنّ الظاهر من الرواية أنّ المذكورات فيها مشتركة و مملوكة بنحو المشاع بين المسلمين و هو مقطوع الخلاف هذا مع قطع النظر عن سندها و إلّا فهي مخدوشة من هذه الجهة أيضا حيث إنّ في طريقها محمّد بن سنان و هو مورد الكلام.

إيقاظ الرواية مذكورة في الوسائل بهذا المضمون، و أمّا ما كتب في بعض المؤلّفات من أنّ الناس في ثلاثة شرع سواء: الماء و النار و الكلاء، فلم نظفر عليه في كتب الرواية و بما رواه أبو البختري عن جعفر عن أبيه عن عليّ (عليهم السلام) أنّه قال: لا يحلّ منع الملح (و الماء) و النار (2) فكذلك لأنّه لم يوثّق، أضف إلى ذلك أنّه لو لوحظت النسبة بين دليل الغصب و بقيّة الأدلّة ربما لا يبقى مورد لدليل الغصب و هذا يوجب تقديمه على بقيّة الأدلّة كما هو الشأن في أمثال ذلك.

____________

(1) الوسائل، الباب 5 من أبواب إحياء الموات، الحديث 1.

(2) نفس المصدر، الحديث 2.

421

ما لم يظهر الكراهة من ملاكها (1) و لا يقدح احتمال كونها لصغير أو مجنون مثلا (2).

____________

و أمّا ما نقل عن العلّامة من أنّ شاهد الحال يقتضي الجواز فهو متوقّف على وجوده و منحصر فيه كما هو ظاهر.

و أمّا ملاحظة النسبة بين دليل الغصب و بين أدلّة جواز الوضوء أو الشرب من الماء الذي لم يتغيّر فقد ظهر جوابه ممّا ذكرناه آنفا فإنّه لا تعارض بين الدليلين كما هو ظاهر.

و أمّا الحكم بالجواز باستناد قاعدة نفي الحرج فيرد عليه: أنّ الحرج ناش من الإلزام بالوضوء بالماء المباح و نفى الحرج يقتضي رفع وجوب الوضوء و وصول النوبة إلى التيمّم لا أنّه يقتضي جواز الوضوء بالماء الغصبي.

(1) لعدم قيام السيرة في الفرض و المفروض أنّ الجواز دائر مدارها.

(2) لعين الدليل، فإنّ السيرة قائمة على ذلك و لو مع هذا الاحتمال.

و محصّل الكلام: أنّ التصرّف في مال الغير بلا إذنه عدوان و هو غير جائز حتّى مع الشكّ في وجود الإذن لأنّه يحكم بعدمه بالاستصحاب، بل يمكن أن يقال: إنّ التصرّف حتّى مع الشكّ في الرضا يعدّ عدوانا و تعدّيا و قد دلّ على حرمة العدوان و التعدّي، مضافا إلى حكم العقلاء الممضى عند الشارع الآيات الشريفة و الروايات العديدة، لاحظ ما رواه سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: من كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها فإنّه لا يحلّ دم امرئ مسلم و لا ماله إلّا بطيبة نفسه (1).

____________

(1) الوسائل، الباب 3 من أبواب مكان المصلّي، الحديث 1.

422

كما أنّه يصحّ الوضوء بالمغصوب مع الجهل بالغصب أو مع سهوه (1) و إن ضمن الماء (2).

____________

فلا يجوز، فلا بدّ من وجود دليل في رفع اليد عن دليل الحرمة و ليس إلّا السيرة و قيام السيرة على التصرّف فيما ذكر غير قابل للإنكار إجمالا. و أمّا تحديدها و تميز مواردها بخصوصياتها ففي غاية الإشكال و طريق الاحتياط ظاهر.

(1) اتّفاقا كما في الحدائق و استدلّ عليه بعدم تعلّق النهي في حال الجهل فلا مانع، و التحقيق أن يقال كما ذكرنا في محلّه من الأصول بأنّ الحكم الواقعي محفوظ في حال الجهل فالحرمة موجودة و هي تلازم المبغوضية، و من الظاهر أنّ المبغوضية و المحبوبية ضدّان لا يجتمعان فلا يصحّ الوضوء بالماء الغصبي و لو مع الجهل بالغصب. نعم، في صورة السهو لا مانع من الصحّة لأنّ الحكم الواقعي غير موجود إذ لا يعقل بقائه في حال السهو، إلّا أن يقال: إنّ حديث الرفع الرافع للحكم الواقعي عند السهو حيث إنّه بلسان الامتنان على الأمّة يقتضي بقاء المبغوضية إذ ملاك الحكم لو لم يكن باقيا لما كان مجال للامتنان، بل الامتنان يقتضي أن يكون الملاك محفوظا و مع وجوده يرفع الحكم و بقاء الملاك يستلزم المبغوضية فلا يتحقّق المحبوب لعين المحذور، اللّهم إلّا أن يقال: إنّ الامتنان لا يستلزم بقاء المبغوضة بل يحصل الامتثال بعدم وجوب التحفّظ و عليه لا دليل على المبغوضية فالنتيجة صحّة الوضوء، مضافا إلى أن عدم الحكم الواقعي بحكم العقل إذ مع الغفلة لا يمكن الانبعاث فلا يمكن البعث.

(2) لما بنوا عليه من أنّ الإتلاف يوجب الضمان مطلقا و حديث الرفع لا يرفعه لأنّه خلاف الامتنان و الذي يختلج ببالي القاصر من سالف الزمان أنّ‌

423

[السابع: طهارة الماء]

السابع: طهارة الماء فلا يصحّ الوضوء بالماء النجس (1) و لو مع الجهل بالنجاسة (2).

____________

هذا البيان غير تامّ و ذلك لأنّ حديث الرفع في مقام المنّة على من يكون الدليل شاملا له لا أنّ جريانه في كلّ مورد يلزم أن يكون امتنانا على جميع الأمّة، و عليه لا مانع من الأخذ به و الحكم بعدم تحقّق الضمان بالإتلاف غير العمدي.

(1) بلا خلاف كما في الحدائق و إجماعا بل ضرورة كما في كلام بعض آخر و يشهد له جملة من النصوص، منها: ما عن عليّ (عليه السلام) قال: و أمّا الرخصة التي هي الإطلاق بعد النهي فإنّ اللّه تعالى فرض الوضوء على عباده بالماء الطاهر و كذلك الغسل من الجنابة فقال تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فالفريضة من اللّه عزّ و جلّ الغسل بالماء عند وجوده لا يجوز غيره و الرخصة فيه إذا لم تجد الماء الطاهر التيمّم بالتراب من الصعيد الطيّب (1).

و منها: ما رواه عمّار (2) إلى غير ذلك من النصوص الواردة في هذا الباب.

(2) لاقتضاء الأدلّة عدم الفرق بين حالتي العلم و الجهل و مع ثبوت‌

____________

(1) الوسائل، الباب 51 من أبواب الوضوء.

(2) لاحظ ص 86.

424

..........

____________

النجاسة بمقتضى الإطلاق يثبت بطلان الوضوء إذ استفيد من النصوص اشتراطه بالطهارة.

و أمّا ما في الحدائق من قصر النجاسة بصورة العلم مستدلّا بقوله (عليه السلام) فيما رواه عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: كلّ شي‌ء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر فإذا علمت فقد قذر و ما لم تعلم فليس عليك (1).

و قوله (عليه السلام) في حديث حمّاد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: الماء كلّه طاهر حتّى تعلم أنّه قذر (2). بتقريب أنّ المطلقات تقيّد بهذا الخاص و يشترط في النجاسة العلم بها فلا وجه لفساد الوضوء بالماء النجس في حال الجهل.

فيرد عليه: أنّ الظاهر من الروايتين ثبوت نجاسة واقعية و جعل الحكم في ظرف الشكّ في قبال الحكم الواقعي فإنّ ظهور الروايتين في هذا المعنى لا ينكر، مضافا إلى أنّ الالتزام بما أفاده (قدّس سرّه) يستلزم القول بالتصويب و خلوّ الواقعة عن الحكم مع الجهل، و المفروض أنّه مجمع على بطلانه هذا.

و أمّا ما أورده على صاحب الحدائق بأنّ الحكم بالطهارة لو حمل على الحكم الواقعي يستلزم اجتماع الضدّين و لو احتمالا.

فيرد عليه: أنّه لا تضادّ بين الأحكام بنفسها و قد بيّنا ذلك مفصّلا في بحث الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري من الأصول.

____________

(1) الوسائل، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

(2) الوسائل، الباب 4 من أبواب الماء المطلق، الحديث 2.

425

فوجب إعادة الوضوء بعد العلم بها (1) بل لو صلّى بذلك الوضوء أعاد الصلاة أيضا و لو في خارج الوقت.

[الثامن: عدم الخوف في استعمال الماء]

الثامن: عدم الخوف في استعمال الماء من حدوث مرض أو زيادته أو بطء برئه أو من عطش على نفسه (2).

____________

(1) لأنّ المفروض أنّ وضوئه باطل و لا صلاة إلّا بطهور فلا بدّ من الوضوء الثاني، و من ذلك يعلم الوجه فيما أفاده بعده فإنّ الإعادة في الوقت مقتضى دليل وجوب الصلاة فإنّه يقتضي الإتيان بالصلاة الجامعة للشرائط، كما أنّ مقتضى دليل وجوب القضاء على من لم يأت بالصلاة هو القضاء خارج الوقت لأنّ المفروض عدم الإتيان بالصلاة الصحيحة.

(2) يمكن أن يستدلّ بعمومات نفي الضرر و الحرج حيث إنّ الخوف طريق عقلائي و أمضاه الشارع فإنّه يمكن أن يستفاد من جملة من الموارد أنّ الشارع جعل الخوف طريقا و رتّب عليه الأثر و يشهد لذلك ما رواه سماعة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يكون معه الماء في السفر فيخاف قلّته، قال: يتيمّم بالصعيد و يستبقي الماء فإنّ اللّه عزّ و جلّ جعلهما طهورا الماء و الصعيد (1).

و ما رواه ابن سنان يعني عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال في رجل أصابته جنابة في السفر و ليس معه إلّا ماء قليل و يخاف إن هو اغتسل أن يعطش، قال: إن خاف عطشا فلا يهريق منه قطرة و ليتيمّم بالصعيد فإنّ‌

____________

(1) الوسائل، الباب 25 من أبواب التيمّم، الحديث 3.

426

..........

____________

الصعيد أحبّ إليّ (1) فإنّه جعل الخوف طريقا إلى متعلّقه في هاتين الروايتين، بل حكم المقام يستفاد من الرواية الثانية و لو مع عدم الغضّ عن طريقيّة الخوف في بقيّة الموارد فإنّ الرواية الثانية و إن كانت في مورد العطش لكن يفهم العرف أنّ العطش ليس له خصوصية، بل الحكم عام لكلّ ما يترتّب عليه من ناحية الوضوء لا سيما إذا كان ما يترتّب عليه أعظم من العطش، هذا.

و لكن الاستدلال بقاعدة نفي الضرر و الحرج يتوقّف على إحراز موضوعهما و طريقية الخوف على متعلّقيهما لا دليل عليها بل الظاهر كونهما موضوعين في جملة من الموارد فإنّ الالتزام بالطريقية خلاف الظاهر. نعم، الإلزام بالوضوء مع الخوف من عروض المرض أو بطوئه حرجي فينفى بقاعدة نفي الحرج فالأولى أن يستدلّ بإطلاق رواية سماعة، و يمكن استفادة الحكم من عدّة روايات واردة في موارد مختلفة، لاحظ ما رواه البزنطي عن الرضا (عليه السلام) في الرجل تصيبه الجنابة و به قروح أو جروح أو يكون يخاف على نفسه البرد فقال: لا يغتسل يتيمّم (2).

و ما رواه داود بن سرحان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل تصيبه الجنابة و به جروح أو قروح أو يخاف على نفسه من البرد فقال: لا يغتسل و يتيمّم (3)، فإنّ الظاهر من الخوف الواقع في الرواية الخوف من حدوث‌

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 1.

(2) الوسائل، الباب 5 من أبواب التيمّم، الحديث 7.

(3) الوسائل، الباب 5 من أبواب التيمّم، الحديث 8.

427

أو مصاحب يتضرّر بتلفه (1) و لو كان كافرا (2) أو نفس محترمة (3) أو حيوان محترم يتضرّر بموته (4).

أو من ضيق الوقت و لو لركعة (5).

____________

المرض من جهة البرودة فأمر (عليه السلام) بالتيمّم.

و الحاصل: أنّ التأمّل في هذه الروايات مضافا إلى ما ورد في الكسير و المجدور من الأمر بالتيمّم مع أنّه لا يعلم تحقّق الضرر يوجب الوثوق بأنّ الخوف من عروض المرض أو طوله يوجب سقوط الأمر بالوضوء.

(1) لإطلاق رواية سماعة فإنّها بإطلاقها تشمل المقام بل يمكن ادّعاء الإطلاق في رواية ابن سنان فإنّ متعلّق الخوف و هو العطش نكرة فيشمل كلّ عطش و لا يختصّ بالعطش العارض لنفسه.

(2) لأنّ المفروض أنّه يتضرّر بموته فيخاف من قلّة الماء فيسقط وجوب الوضوء.

(3) يمكن أن يقال: إنّ حفظ الماء مع خوف التلف من مراتب وجوب حفظ النفس فيجب حفظه، كما أنّه لا مانع من الأخذ بإطلاق الروايتين فإنّه يصدق عنوان خوف العطش كما أنّه يصدق الخوف من قلّة الماء.

(4) لإطلاق الرواية، مضافا إلى عموم نفي الحرج فإنّ الأمر بالوضوء مع الخوف على نفس حيوانه ربما يكون حرجيّا.

(5) و لم أظفر على رواية تدلّ على جواز التيمّم عند الخوف من فوت الوقت و الالتزام بكون الخوف طريقا إلى متعلّقه قد عرفت إشكاله. نعم،

428

فلو كان لو توضّأ أدرك ركعة من الصلاة في الوقت تعيّن الوضوء (1).

____________

لقائل أن يقول: يستفاد حكم المقام من رواية زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال:

إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمّم و ليصلّ الحديث (1).

فإنّ هذه الرواية و إن كانت واردة فيمن لا يكون عنده الماء و يريد أن يطلبه لكن لا يبعد دعوى فهم العرف عدم الفرق بين المقامين فإنّه يفهم منها أنّ الخوف من فوت الوقت يسوّغ التيمّم و لكن رفع اليد عن القاعدة الأوّلية و إحراز بقاء الوقت باستصحاب بقائه مشكل، لكنّ الظاهر أنّ الحكم المدّعى يستفاد من الحدث، أضف إلى ما ذكر أنّ التحفّظ على الصلوات واجب بمقتضى الآية الشريفة و التحفّظ مع خوف الوقت يقتضي رفع اليد عن الطهارة المائية و الصلاة مع التيمّم، و يرد عليه: أنّه مع اعتبار الاستصحاب و حجّيته لا يكون الوضوء مخالفا للتحفّظ.

(1) الظاهر و اللّه العالم أنّ ما أفاده (قدّس سرّه) مبنيّ على قاعدة من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت، لاحظ ما رواه عمّار بن موسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: فإن صلّى ركعة من الغداة ثمّ طلعت الشمس فليتمّ و قد جازت صلاته (2)، فإنّه مقتض للتوسعة في الوقت عند الضرورة و عليه يلزم‌

____________

(1) الوسائل، الباب 1 من أبواب التيمّم، الحديث 1.

(2) الوسائل، الباب 30 من أبواب المواقيت، الحديث 1.

429

..........

____________

على المكلّف الوضوء لأنّ مقتضى التنزيل المستفاد من القاعدة أنّ إدراك ركعة من الوقت في حكم إدراك تمامه.

و الكلام في هذا المقام يقع في جهات ثلاثة:

الجهة الاولى: في مدرك هذه القاعدة.

الجهة الثانية: في مقدار دلالتها.

الجهة الثالثة: في تقدّمها على قاعدة بدلية الطهارة الترابية عن الطهارة المائية.

أمّا الجهة الأولى فالمدرك لها إمّا الإجماع المدّعى في المقام فإنّ كلام صاحب المدارك على ما نقل عنه ظاهر في أنّ المسألة إجماعية، و نقل عن المنتهى أنّه لا خلاف في المسألة، و إمّا الروايات، أمّا الإجماع ففيه ما لا يخفى فإنّ المحتمل بل المقطوع أنّ مدرك المجمعين الأخبار الواردة في المقام فلا يترتّب على مثل هذا الإجماع أثر.

و أمّا الروايات فهي على قسمين؛ قسم منها مروي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، لاحظ ما في الذكرى قال: روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة (1).

و قال: و عنه (عليه السلام): من أدرك ركعة من العصر قبل أن يغرب الشمس فقد أدرك العصر (2).

____________

(1) الوسائل، الباب 30 من أبواب المواقيت، الحديث 4.

(2) نفس المصدر، الحديث 5.

430

..........

____________

و قسم منها مروي عن الأئمّة (عليهم السلام)، لاحظ ما رواه عمّار (1) و ما رواه الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من أدرك من الغداة ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدرك الغداة تامّة (2)، و المعتبر من هذه الروايات حديث عمار فقط فلا وجه للتعدّي، فظهر أنّ القاعدة بإطلاقها ليس لها مستند قويّ.

و أمّا الجهة الثانية: فربّما يقال إنّ القاعدة ظاهرة في أنّه لو فات الوقت و لم يبق منه إلّا مقدار ركعة يكون ذلك المقدار بجعل الشارع في حكم الوقت التامّ.

و أمّا التأخير الاختياري و تفويت الوقت متعمّدا فلا يستفاد من القاعدة، و عليه فيلزم على المكلّف التيمّم لأنّ المفروض أنّ الوقت يسع لإيقاع الصلاة في الوقت بتمامها، هذا.

و لكن لنا أن نقول: مقتضى إطلاق القاعدة و إن كان جواز التأخير و لو عمدا لكن خرج منها بحكم الضرورة صورة العمد و بقي الباقي و التأخير في المقام لا يكون عمديّا فإنّ الشارع حيث حكم ببدلية إدراك ركعة عن إدراك تمام الوقت يجب على المكلّف الطهارة المائية، إلّا أن يقال: إنّ غاية الأمر عدم تقديم الطهارة الترابية. و أمّا تأخّرها عن المائية بمقتضى القاعدة فلا وجه له.

و بعبارة أخرى: لا يمكن للمكلّف أن يأتي بالصلاة الجامعة للأجزاء‌

____________

(1) لاحظ ص 428.

(2) الوسائل، الباب 30 من أبواب المواقيت، الحديث 2.

431

..........

____________

و الشرائط و لا بدّ له من ترك أحد الأمرين و لكلّ من الأمرين بدل، فعلى مسلك المشهور من إجراء حكم التزاحم في أمثال المقام يقدّم ما يكون أهمّ أو يحتمل الأهمّية و لذا حكم في العروة بوجوب التيمّم لأهمّية الوقت، و أمّا على ما سلكناه من أنّ هذه الموارد كلّها من باب التعارض فلا بدّ من إعمال قواعده و حيث إنّ شمول الدليل للمقام من كلّ طرف بالإطلاق يسقطان و تصل النوبة إلى حكم العقل و مقتضاه التخيير بعد فرض وجوب الصلاة بمقدار الإمكان بمقتضى الصلاة لا تسقط بحال.

و الحقّ أنّه لا تصل النوبة إلى هذه المقالات إذ المفروض أنّ الشارع أوجب الصلاة مع الطهارة في الوقت و من ناحية أخرى جعل التراب كالماء، فكما أنّ المكلّف لا يجوز له تفويت الوقت مع إمكان الطهارة المائية كذلك لا يجوز له تفويت الوقت مع إمكان الطهارة الترابية. نعم، بالنسبة إلى صلاة الغداة جعل الشارع إدراك ركعة واحدة مثل إدراك الركعتين. و أمّا في غير صلاة الغداة فلا دليل معتدّ به على التنزيل فلا تغفل.

و صفوة القول: إنّ قاعدة من أدرك لا تقتضي جواز التأخير اختيارا، و عليه لا يجوز التأخير لأجل الطهارة المائية بل لا بدّ من الإتيان بالطهارة الترابية.

و بما ذكرنا ظهر الحال في الجهة الثالثة من تقدّم قاعدة بدلية التراب عن الماء على قاعدة من أدرك.

432

مسألة 111: هذا الشرط و الشرط السادس أعني إباحة الماء من الشرائط العلمية لا من الشرائط الوجودية بمعنى أنّه لو لم يعلم به لم يضرّ (1).

[التاسع: أن لا يكون غسالة الاستنجاء]

التاسع: أن لا يكون غسالة الاستنجاء و لو كان هو طاهرا (2).

[العاشر: أن لا يكون مشتبها بالنجس]

العاشر: أن لا يكون مشتبها بالنجس، فلو فرض انحصار الماء في المشتبهين فإن كان كلّ منهما قليلا تعيّن التيمّم، و إن كان كلاهما كرّا يصحّ أن يتوضّأ بأحدهما ثمّ يطهر بالآخر كلّما أصابه ذلك الماء من جسده ثمّ يتوضّأ به و كذا لو كان أحدهما كرّا مع جعله أخيرا في الاستعمال (3).

____________

(1) قد عرفت أنّ الشرط السادس ليس من الشرائط العلمية، بل هو شرط حتّى في حال الجهل، و أمّا هذا الشرط فالحقّ كما أفاده (قدّس سرّه) فإنّه لو لم يكن خائفا و كان مضرّا بحسب الواقع لا وجه لفساد الوضوء.

(2) قد مرّ منّا في بحث ماء الاستنجاء أنّ القاعدة تقتضي صحّة الوضوء به بناء على القول بطهارته فراجع ذلك البحث، لكن الاحتياط ممّا لا ينبغي تركه و اللّه العالم.

(3) يقع الكلام في هذا المقام من جهات:

الجهة الأولى: في مقتضى القاعدة الأوّلية مع قطع النظر عن النصّ الخاصّ فنقول: لو انحصر الماء في المشتبهين فالقاعدة تقتضي أن يتوضّأ و يصلّي لأنّه واجد للماء و لا مانع عن استعماله لأنّه يمكنه أن يتوضّأ بأحد الإنائين و يصلّي و يغسل أعضاء وضوئه بالماء الآخر و يتوضّأ به و يصلّي ثانيا فإنّه مبرئ‌

433

..........

____________

للذمّة قطعا كما هو ظاهر و لا فرق في ذلك بين أن يكون الماءان قليلين و بين كونهما كثيرين و بين كونهما مختلفين، فإنّ المكلّف بهذا العمل يتيقّن بحصول الصلاة جامعة للطهارة الحدثية و الخبثية كما أنّه يمكنه أن يتوضّأ بأحدهما ثمّ يغسل مواضع الوضوء بالثاني و يتوضّأ به و يصلّي لأنّ الاستعمال الثاني و إن كان موجبا لحصول علمه بنجاسة أعضائه إمّا بالماء الأوّل و إمّا بالثاني و يشكّ في ارتفاعه و مقتضى الاستصحاب بقائها لكن يعلم إجمالا بكون أعضائه طاهرة في زمان و مقتضى الاستصحاب بقائها و بعد تساقط الاستصحابين تصل النوبة إلى قاعدة الطهارة فبها تحرز الطهارة من الخبث، و لا فرق في ذلك أيضا بين أن يكون الماء الثاني قليلا و بين كونه كثيرا لتمامية أركان الاستصحاب في كلتا الصورتين.

و ربّما يقال كما عن المحقّق الخراساني: بأنّ الماء الثاني في الفرض لو كان قليلا يشكل الأمر إذ بمجرّد وصول الماء إلى العضو يعلم بالنجاسة فإنّ انفصال الغسالة في القليل شرط في تحقّق الطهارة فحين وصول الماء الثاني إلى العضو يعلم بوجود النجاسة فيجري الاستصحاب في معلوم التاريخ أعني النجاسة، و أمّا الطهارة فلا يجري الأصل فيها لأنّ اتّصال زمان الشكّ باليقين غير معلوم و قد أجبنا عن هذا الإشكال في بحث الأصول و قلنا بأنّه لا مانع من جريان الأصل و اتصال الشكّ باليقين أمر وجداني للمكلّف و لا يعقل الشكّ في تحقّق هذا العنوان حتّى يقال: بأنّ الشبهة مصداقية.

إن قلت: سلّمنا و لكن لا مجال لقاعدة الطهارة بعد تساقط الاستصحابين بلا فرق بين كون الماء الثاني قليلا و بين كونه كثيرا و ذلك لأنّ وصول الماء‌

434

..........

____________

الثاني إلى أعضاء الوضوء تدريجي لا محالة و لا يتصوّر وصوله إلى الأعضاء دفعة واحدة، و عليه فبمجرّد وصول الماء إلى أوّل جزء من الأعضاء يحصل العلم الإجمالي بنجاسة حاصلة إمّا في العضو الملاقي للماء الثاني و إمّا في العضو الملاقي للماء الأوّل، و مع العلم الإجمالي لا مجال لجريان أصالة الطهارة.

قلت: قد حقّقنا في محلّه من الأصول أن تنجّز العلم الإجمالي دائر مدار تعارض الأصول الجارية في الأطراف فلو ارتفع هذا المانع بأيّ وجه كان لا مانع من جريان الأصل و في المقام بعد غسل الأعضاء بتمامها لا مانع من جريان أصل الطهارة في الأطراف و لا نجد محذورا لا شرعا و لا عقلا.

و بعبارة أخرى: رفع اليد عن دليل الأصل بمقدار الضرورة و بعد ارتفاعها يتمسّك به بلا مانع و تفصيل الكلام موكول إلى محلّه، فعليه هذه الصورة كالصورة السابقة يحصل بها الطهارة الحدثية و الخبثية بلا فرق في الماء الثاني من حيث القلّة و الكثرة. نعم، لو توضّأ بأحدهما و توضّأ بالثاني بلا غسل أعضاء الوضوء لا تصحّ الصلاة من جهة أنّه لم يحرز حصول الوضوء الصحيح بناء على اشتراط طهارة الأعضاء أو القول بانفعال القليل بملاقاة المتنجّس فإنّ الماء الثاني بملاقاته لأوّل العضو ينفعل و لا يصحّ الوضوء به إلّا أن يكون الماء الثاني كرّا و يتوضّى فيه ارتماسا، و لكن يشكل الأمر في محال المسح لكن مع القدرة على الوضوء على النحوين المتقدّمين لا يبقى مجال للإشكال من هذه الناحية.

و ممّا ذكرنا ظهر ما في المتن من التفصيل بين أن يكون الماءان قليلين‌

435

..........

____________

و بين أن يكونا كثيرين أو مختلفين مع جعله الكر أخيرا.

و انقدح أنّه لا فرق بين الصور من جهة اقتضاء القاعدة، هذا فيما يقدر على الوضوء بأحد النحوين.

و أمّا لو لم يقدر إلّا على النحو الثالث الموجب لابتلائه بنجاسة البدن فلا يبعد أنّ مقتضى القاعدة سقوط الوضوء و لزوم التيمّم إذ الموضوع المأخوذ في دليل الوضوء هو الوجدان و العرف يفهم منه أنّه يشترط في وجوب الوضوء وجود الماء و عدم محذور في استعماله، و حيث إنّ المفروض أنّ التوضّي يوجب تنجّس بدنه يسقط وجوبه، مضافا إلى أنّه لا يمكنه إحراز صحّة الوضوء فلا يقدر عليه، و مقتضى الملازمة بين سقوط الوضوء و وجوب التيمّم أن يتيمّم إلّا أن يستشكل في أصل المبنى بأنّ الموضوع للوجوب عدم القدرة على الوضوء و الحال أنّه يقدر و نجاسة أحد المائين لا تكون مانعة.

و قد ذكرنا سابقا أنّه يمكنه تحصيل الشرط أي الطهارة المائية و لو بتكرار الغسل، أضف إلى ذلك أنّه يمكنه أن يهريق أحد الإنائين و يتوضّأ بالآخر إذ قد ذكرنا في محلّه أنّ تنجّز العلم الإجمالي يتوقّف على تعارض الأصول و مع إهراق أحدهما لا تعارض، كما أنّه لو بنى على عدم التعرّض لأحدهما يجري الأصل في الآخر بلا محذور و إن شئت التفصيل راجع ما حقّقناه في هذا المقام في كتابنا «آرائنا في أصول الفقه».

الجهة الثانية: فيما يستفد من النصّ الخاصّ الوارد في المقام و هو ما رواه سماعة (1)، و ما رواه عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال:

____________

(1) لاحظ ص 269.

436

..........

____________

سئل عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري أيّهما هو و حضرت الصلاة و ليس يقدر على ماء غيرهما؟ قال: يهريقهما جميعا و يتيمّم (1). فإنّ مقتضى هذه الطائفة جواز التيمّم مع وجدان الماء، و من الظاهر أنّها تخصّص دليل الوضوء بل مقتضى ظاهر القضية مع الغضّ عن القرينة الموجودة تعيّن التيمّم لكن حيث إنّ المقام مورد توهّم الحظر لا ينعقد للقضية إلّا جواز التيمّم فيجوز للمكلّف أن يتيمّم و يجوز له أن يتوضّأ لكن بأحد النحوين المتقدّمين بحيث يحرز كلتا الطهارتين. و أمّا التوضّي بالنحو الثالث الذي يوجب عدم إحراز الطهارة الحدثية بل يوجب ابتلائه بالنجاسة الخبثية فلا دليل على جوازه.

الجهة الثالثة: في أنّه هل يمكن التعدّي عن مورد الرواية و الالتزام بترك الوضوء و جواز التيمّم حتّى فيما كان الماءان كثيرين أو أحدهما كثيرا و الآخر قليلا كما أفاده في المتن أو يلزم الاقتصار على مورد الرواية، الظاهر هو الثاني فإنّ التيمّم كما ذكرنا خلاف القاعدة للقدرة على الوضوء و رفع اليد عن القاعدة في غير مورد الرواية يحتاج إلى دليل و هو مفقود و القطع بعدم الفرق دون إثباته خرط القتاد، بل حيث إنّ المشقّة الموجودة في القليلين لا تكون في الكثيرين و كذلك فيما يكون أحدهما كثيرا فإنّ التطهير بالكثير كما هو ظاهر يحتمل قويّا أنّ الشارع رفع اليد عن وجوب الوضوء في مورد المشقّة.

و أمّا كون مورد الرواية الماء القليل فيدلّ عليه لفظ الإناء إذ الظاهر منه الإناء المتعارف فلا يكون ما فيه من الماء كثيرا، مضافا إلى أنّ فرض‌

____________

(1) الوسائل، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 14.

437

و لا يترك الاحتياط بضمّ التيمّم إلى الوضوء في الصورتين (1).

[الحادي عشر: طهارة مواضع الوضوء]

الحادي عشر: طهارة مواضع الوضوء بل لو أجرى الماء على المحلّ بقصد التطهير و الوضوء لم يصحّ (2).

____________

الانفعال مع كون الماء كثيرا لا يكون إلّا مع تغيّر الماء بالنجاسة إلّا في صورة اجتماعه من القليل النجس.

الجهة الرابعة: في أنّه لو أراد التيمّم هل يجب عليه إهراق المائين أو لا يجب؟ ظاهر الرواية هو الأوّل و احتمال أن يكون الوجه في الأمر بالإراقة للإرشاد إلى عدم منفعة في المائين لا من جهة الشرب و لا من جهة استعماله في الطهارة لمكان العلم الإجمالي و هو يمنع عن ظهور الجملة في الإلزام فإنّ باب الاحتمال واسع، مدفوع بأنّه لا وجه لرفع اليد من ظهور الجملة في الوجوب.

(1) لاحتمال تعيّن التيمّم.

(2) هذا هو المشهور كما في الحدائق، و ما قيل أو يمكن أن يقال في مستند هذا الحكم أمور؛ منها: ما ورد من الأخبار الواردة في باب غسل الجنابة، لاحظ ما رواه حكم بن حكيم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن غسل الجنابة فقال: افض على كفّك اليمنى من الماء فاغسلها ثمّ اغسل ما أصاب جسدك من أذى ثمّ اغسل فرجك و افض على رأسك و جسدك فاغتسل، الحديث (1). و بهذا المعنى عدّة روايات في ذلك الباب و هذه الروايات واردة في غسل الجنابة و لا وجه للتعدّي منها إلى الوضوء و مقتضاها وجوب تطهير‌

____________

(1) الوسائل، الباب 26 من أبواب الجنابة، الحديث 7.

438

..........

____________

جميع الأعضاء قبل الغسل، و القائلون بهذا الشرط مختلفون في وجوب طهارة جميع الأعضاء قبل الوضوء و وجوب طهارة كلّ عضو قبل غسله.

و الحاصل: أنّ هذه الروايات لا تصلح لإثبات المدّعى في المقام.

و منها: أصالة عدم التداخل في المسبّب فإنّ مقتضى هذا الأصل عدم جواز تحصيل الطهارة من كلا الأمرين بغسل واحد و حيث إنّ الطهارة الخبثية ترتفع بوصول الماء إلى العضو فلا تتحقّق الطهارة الحدثية.

و يرد عليه: إنّا لا نسلّم هذا الأصل بنحو الإطلاق فإنّه لو كان بين العنوانين عموما من وجه من حيث التحقّق الخارجي فلا مانع من الالتزام بالتداخل فلو أمر المولى بإكرام الهاشمي في دليل و أمر بإكرام العالم في دليل آخر فأكرم المكلّف عالما هاشميّا يتحقّق الامتثال فإنّه مقتضى الإطلاق و تفصيل الحال يطلب ممّا ذكرناه في باب المفاهيم في الأصول.

و منها: أنّ ماء الوضوء لا بدّ أن يقع على محلّ طاهر و إلّا لأجزأ الغسل مع بقاء عين النجاسة و فساد هذا الدليل بوضوح من المكان لأنّه مصادرة ظاهرة.

و منها: أنّ الماء ينفعل بملاقاة العضو فلا يتحقّق به الطهارة الحدثية لأنّه يشترط الطهارة في ماء الوضوء. و لا يخفى أنّ هذا الدليل يتمّ على القول بانفعال الغسالة و كون المتنجس منجسا و لكن مع ذلك لا يكون مطردا فإنّه لو توضّأ بالكثير لا يتوجّه هذا الإشكال، كما أنّ الإيراد في القليل يختصّ بالعضو المغسول بالماء المغسول به العضو المتنجّس. و أمّا في غير هذا الفرض كما لو فرض النجاسة في العضو الأخير فلا يتوجّه هذا الإشكال كما هو ظاهر، و لذا نسب إلى بعض التفصيل في المقام بين الغسل في الكثير و ما لو كانت النجاسة في آخر العضو و بين ما لم يكن كذلك.

439

[الثاني عشر: إباحة مكان الوضوء]

الثاني عشر: إباحة مكان الوضوء بمعنى عدم غصبيته و هذا الشرط علمي أيضا (1) فلو علم بالغصب و توضّأ فيه بطل الوضوء (2).

____________

(1) فإنّه لو فرض صدق عنوان التصرّف على الغسل المأمور به فلا يكون قابلا لأن يتقرّب به لما ذكر من أنّ مرجعه إلى اجتماع الضدّين. نعم، ربّما يناقش في صدق التصرّف على مثل ذلك و هذا أمر آخر.

(2) قد علم ممّا ذكرنا سابقا أنّ هذا الشرط واقعي و لا فرق بين الجاهل و العالم لأنّ الحكم الواقعي محفوظ في ظرف الجهل. نعم، مع السهو و الغفلة يكون الحكم الواقعي ساقطا لكن حيث إنّه يستفاد من حديث الرفع بقاء الملاك الملزم و الملاك يستلزم المبغوضية فلا مجال للالتزام بالصحّة للزوم اجتماع الحبّ و البغض و التسليم ببقاء الملاك و الالتزام بالصحّة بدعوى أنّ الملاك غير المؤثّر في تعلّق النهي لا يكون مؤثّرا في المبغوضية لا مجال له فإنّ الملاك لو لم يكن تامّا في ظرف السهو و الغفلة فلا وجه لكون الرفع امتنانا و إن كان تامّا يكون الفعل مبغوضا قهرا فلا يمكن أن يكون محبوبا لاستحالة اجتماع الضدّين و لكن قد تقدّم منّا عدم تمامية التقريب المذكور، فراجع ذيل الشرط السادس من شرائط الوضوء.

و صفوة القول أنّ المولى لو كان محبّا و مشتاقا إلى تحقّق الفعل في الخارج يقتضي أن يأمر بالتحفظ عن الوقوع في الغفلة و لكن مع ذلك لا يأمر به امتنانا.

440

أمّا لو جهل الغصب أو سها عنه أو نسيه و توضّأ ثمّ تذكّر بعد الوضوء لم يبطل و إن لزمه أجرة المثل للمالك إن كان له اجرة في العرف (1).

[الثالث عشر: إباحة مصبّ ماء الوضوء]

الثالث عشر: إباحة مصبّ ماء الوضوء فيما لو كان المصبّ منحصرا (2) أو كان الوضوء علّة للتصرّف فيه (3) أو كان تصرّفا فيه عرفا.

فمع عدم الانحصار و عدم كون الوضوء تصرّفا أو علّة للتصرّف فيه يصحّ الوضوء (4) و إن فعل حراما و لزمه أجرة المثل لو كانت له في العرف. (5)

____________

(1) بناء على عدم شمول حديث الرفع للضمان و قد ناقشنا في ذلك.

(2) إذ مع فرض الانحصار لا يقدر المكلّف أن يترك الغصب و مع ذلك يجب أن يصلّي و حيث إنّ الموضوع لوجوب الوضوء الوجدان و مقتضاه بحسب الفهم العرفي عدم محظور في استعمال الماء فيسقط وجوب الوضوء و تصل النوبة إلى التيمّم.

(3) هذا مبني على حرمة مقدّمة الحرام، و أمّا على تقدير إنكارها كما هو القوي في النظر فلا وجه لما أفاده (قدّس سرّه).

(4) أمّا على تقدير كونه تصرّفا و مصداقا للحرام فما أفاده مقتضى القاعدة، و أمّا لو كان علّة له ففيه إشكال يظهر من سابقه.

(5) كما هو ظاهر.

441

مسألة 112: لو كان محلّ المتوضّي غصبيا و هوائه مباحا كما لو كان على سقف أو سرير غصبي فإن كان وضوئه عليه يعدّ تصرّفا فيه أو علّة للتصرّف فيه لم يصحّ، و إلا صحّ و لو مع الانحصار كالوضوء في النعل الغصبي (1).

مسألة 113: الغسل في الحمّام الغصبي باطل و لو مع إباحة مائه.

نعم، لو أخذ الماء المباح من المكان الغصبي حمّاما كان أو غيره فتوضّأ أو اغتسل به في مكان مباح صحّ الوضوء و الغسل و إن عصى بالتصرّف في الغصب (2).

مسألة 114: فاقد الطهورين و هو من لم يتمكّن من الطهارة المائية و لا الترابية و لو لمانع شرعي، الأحوط له أن يأتي بالصلاة

____________

(1) لو كان المراد من العبارة ما ظاهره و هو صحّة الوضوء حتّى في فرض الانحصار من حيث مكان المتوضّي، فمع أنّه مناقض لما أفاده في الشرط الثالث عشر لا يمكن تسلّمه لما مرّ من أنّه لا يمكن الجمع بين الامتثالين فيلزم سقوط أحدهما، إلّا أن يلتزم بالصحّة بالترتّب و مع فرض الترتّب لا فرق بين المقامين و إن كان المراد أمرا آخر فهو (قدّس سرّه) أعرف بما أفاد.

(2) هذا مبني على حرمة المقدّمة، و قد مرّ منعها. نعم، إذا كان الغسل مصداقا للتصرّف في المغصوب يشكل الحكم بالصحّة لاستحالة اجتماع الضدّين.

442

في الوقت كذلك (1).

____________

(1) المشهور بين المتأخّرين كما في الحدائق سقوط الوجوب اداءا، و عن جامع المقاصد أنّه ظاهر مذهب أصحابنا، و عن المدارك أنّه مذهب الأصحاب لا نعلم فيه مخالفا صريحا، و عن الروض لا نعلم فيه مخالفا، و الوجه في ذلك أنّ الطهارة شرط في الصلاة بمقتضى قوله (عليه السلام) فيما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا صلاة إلّا بطهور (1).

و مقتضى إطلاقه سقوط وجوب الصلاة عند تعذّرها لأنّه لو بقي الشرط على حاله يلزم سقوط التكليف لعدم القدرة عليها و لو سقط عن الشرطية يلزم الخلف فإنّ المفروض إطلاق الدليل.

و أمّا قاعدة عدم سقوط الصلاة بحال فلا تجري في المقام لأنّ المدرك لها إمّا الإجماع و إمّا قاعدة الميسور المستفادة من جملة من الروايات. و إمّا ما ورد في المستحاضة عن زرارة قال: قلت له: النفساء متى تصلّي؟ فقال: تقعد بقدر حيضها و تستظهر بيومين فإن انقطع الدم و إلّا اغتسلت و احتشت و استثفرت و صلّت فإن جاز الدم الكرسف تعصّبت و اغتسلت ثمّ صلّت الغداة بغسل و الظهر و العصر بغسل و المغرب و العشاء بغسل و إن لم يجز الدم الكرسف صلّت بغسل واحد، قلت: و الحائض؟ قال: مثل ذلك سواء فإن انقطع عنها الدم و إلّا فهي مستحاضة تصنع مثل النفساء سواء ثمّ تصلّي و لا‌

____________

(1) الوسائل، الباب 1 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

443

..........

____________

تدع الصلاة على حال فإنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: الصلاة عماد دينكم (1).

أمّا الإجماع فقد عرفت عدم قيامه في المقام بل الأمر بالعكس، و أمّا قاعدة الميسور فقد ذكرنا في محلّه أنّ الروايات المستفادة منها هذه القاعدة مخدوشة سندا و دلالة، و أمّا ما ورد في المستحاضة فيرد عليه أوّلا: أنّه لا يستفاد منه الحكم الكلّي حتّى بالنسبة إلى النفساء فكيف بغيرها فإنّه لا يبعد أن يستظهر من تلك الرواية أنّ النفساء لا تدع الصلاة في هذه الحالات الطارئة عليها لا أنّها لا تدع الصلاة مطلقا حتّى مع فقد شرط أو جزء و لعلّ المتأمّل في الرواية يؤمن بما ذكرنا.

و ثانيا: لو سلّمنا استفادة الميزان الكلّي في حقّها فما الوجه في التعدّي عن النفساء إلى غيرها فإنّ الحكم وارد في حقّها و التعليل الوارد في كلامه (عليه السلام) ليس إلّا تأكيدا لما قبله و ليس تأسيسا للقانون الكلّي.

و ثالثا: لو أغمض عن جميع ذلك فإنّ انطباق القاعدة يتوقّف على صدق الحقيقة الصلاتية، و أمّا مع فقدها و انعدامها فلا مجال لهذا الكلام، و مقتضى قوله: لا صلاة إلّا بطهور، إنّ هذا المركّب الاختراعي يتقوّم في نظر مخترعه و جاعله بالطهور و بدونه لا يتحقّق، و عليه كيف يمكن التمسّك بالقاعدة؟

لكنّ الإنصاف أنّ المستفاد من التعليل أنّه يجب الإتيان بأيّ مقدار ممكن و المفروض إمكان الإتيان بها بهذا النحو فيجب فلاحظ.

____________

(1) الوسائل، الباب 1 من أبواب الاستحاضة، الحديث 5.

444

ثمّ يقضي مع الطهارة لزوما (1).

____________

(1) لزوم القضاء بعد زوال العذر هو المشهور بين المتأخّرين كما في الحدائق، و استندوا في هذا الحكم إلى أدلّة القضاء الواردة في الموارد الخاصّة بدعوى أنّه يفهم من مجموع أدلّتها أنّه لو ترك الصلاة في الوقت يجب قضائها في خارجه إلّا أن يدلّ دليل على عدمه كما دلّ الدليل بالنسبة إلى الحائض بل في أدلّة القضاء ما يكون بإطلاقه شاملا للمقام، لاحظ ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا نسيت صلاة أو صلّيتها بغير وضوء و كان عليك قضاء صلوات فابدأ بأوّلهن فأذّن لها و أقم ثمّ صلّها ثمّ صلّ ما بعدها بإقامة إقامة لكلّ صلاة، و قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): و إن كنت قد صلّيت الظهر و قد فاتتك الغداة فذكرتها فصلّ الغداة أيّ ساعة ذكرتها و لو بعد العصر و متى ما ذكرت صلاة فاتتك صلّيتها و قال: إذا نسيت الظهر حتّى صلّيت العصر فذكرتها و أنت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الأولى ثمّ صلّ العصر (1) الحديث.

و ما رواه أيضا عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: أربع صلوات يصلّيها الرجل في كلّ ساعة صلاة فاتتك فمتى ذكرتها أدّيتها الحديث (2).

فظهر أنّ مقتضى القاعدة سقوط الصلاة في الوقت و وجوبها في خارجه، و نسب إلى جماعة منهم المحقّق سقوط القضاء كالأداء، و مال إلى هذا القول صاحب الحدائق و استدلّ له بأنّه مقتضى الأصل و أنّ القضاء تابع للأداء و أنّه‌

____________

(1) الوسائل، الباب 63 من أبواب المواقيت، الحديث 1.

(2) الوسائل، الباب 2 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 1.

445

..........

____________

مثل الحائض و أنّ أدلّة القضاء منصرفة عنه لقلّة وجوده و الكلّ كما ترى فإنّ الأصل يرتفع بالدليل و تبعية القضاء للأداء بهذا المعنى لا دليل عليها و قياسه بالحائض مع الفارق فإنّ الدليل قام على سقوطه و الانصراف لا وجه له فإنّ قلّة الوجود لا يوجب الانصراف عنه و إلّا يلزم عدم شمول الأدلّة لكلّ فرض قليل الوجود و هنا قول بوجوب الاداء بلا طهارة و القضاء في خارجه و قائله غير معلوم، و لا وجه له أصلا. نعم، مقتضى الاحتياط كذلك و يتصوّر في المقام قول رابع و هو ثبوت الاداء و سقوط القضاء و يستدلّ له بقاعدة الميسور و بقاعدة عدم سقوط الصلاة على حال و قد بيّنا عدم تماميّتها و إن رجعنا عنه و قلنا: إنّ الحقّ بحسب الصناعة هذا القول.

446

[فصل في حكم صاحب الجبيرة]

فصل في حكم صاحب الجبيرة و المراد بها هنا الألواح و الخيوط التي يشدّ بها الكسر و الخرق و الأدوية التي توضع على الجروح و الدماميل فصاحب الجبيرة إن تمكّن من غسل العضو و لو بغمسه في الماء أو تكرار الصبّ عليه أو استمراره حتّى يصل إليه على وجه يصدق عليه الغسل في العرف وجب عليه ذلك (1). و إن لم يتمكّن مسح على الجبيرة بالماء (2)

____________

(1) كما تقتضيه القاعدة الأوّلية و ليس في نصوص الباب ما يوجب رفع اليد عن مقتضى القاعدة فراجع، بل يقتضيه بعض النصوص الواردة في الباب لاحظ ما رواه عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل ينكسر ساعده أو موضع من مواضع الوضوء فلا يقدر أن يحلّه لحال الجبر إذا جبر كيف يصنع؟ قال:

إذا أراد أن يتوضّأ فليضع إناء فيه ماء و يضع موضع الجبر في الماء حتّى يصل الماء إلى جلده و قد أجزأه ذلك من غير أن يحلّه (1).

(2) اتفاقا كما في الحدائق، و نقل عن الخلاف و التحرير و المنتهى و التذكرة و غيرها الإجماع عليه و يشهد له ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سئل عن الرجل تكون به القرحة في ذراعه أو نحو ذلك من موضع الوضوء فيعصبها بالخرقة و يتوضّأ و يمسح عليها إذا توضّأ فقال: إن كان يؤذيه الماء فليمسح على الخرقة و إن كان لا يؤذيه الماء فلينزع الخرقة ثمّ ليغسلها‌

____________

(1) الوسائل، الباب 39 من أبواب الوضوء، الحديث 7.

447

على وجه يصدق عليه أقلّ مسمّى الغسل (1).

____________

قال: و سألته عن الجرح كيف أصنع به في غسله؟ قال: اغسل ما حوله (1) و ما رواه الوشاء قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الدواء إذا كان على يدي الرجل أ يجزيه أن يمسح على طلي الدواء؟ فقال: نعم يجزيه أن يمسح عليه (2).

(1) جمعا بين الاحتمالات فإنّه نسب إلى ظاهر الشهيدين التخيير بين الغسل و المسح و وجّه بأنّ الأمر الوارد في المقام الدالّ على وجوب المسح حيث إنّه في مقام توهّم الحظر لا يدلّ على تعيّن المسح فتكون النتيجة التخيير بين الأمرين لكن هذا البيان يتمّ لو كان هذا الدليل واردا في موضع يجب غسله و حيث إنّه وارد في حكم الجبيرة لا وجه لرفع اليد عن مدلول الدليل فلا مجال للتخيير و احتمل جماعة على ما نسب إليهم أنّ المراد من المسح الوارد في الدليل مجرّد إيصال البلل و لو لم يكن بإمرار اليد ليكون مسحا و لا بنحو الغلبة و الجريان ليكون غسلا، و وجّه هذا القول بأنّ المستفاد من الأدلّة بمناسبة الارتكاز العرفي لزوم إيصال الماء إلى الجبيرة من دون دخل خصوصية للغسل و المسح و فساد هذا القول أوضح من أن يخفى فإنّه ليس للعرف ارتكاز في كفاية مجرّد إيصال الماء إلى الجبيرة مطلقا، و نسب إلى جماعة منهم كاشف اللثام لزوم الغسل فلا يكفي مجرّد إيصال الماء، بل لا بدّ من صدق الغسل و وجّه هذا القول بأنّ الظاهر من الأدلّة بدلية الجبيرة عن البشرة، فكما يجب غسل البشرة يجب غسل الجبيرة و هذه الدعوى أيضا لا شاهد لها،

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 2.

(2) نفس المصدر، الحديث 9.

448

و فيما يكون العجز لنجاسة العضو و عدم إمكان تطهيره يحتاط بضمّ التيمّم أيضا و لا يلزم حينئذ قصد المسح (1).

____________

بل المستفاد من الأدلّة كفاية المسح على الجبيرة بأيّ وجه كان.

و الحاصل: أنّ المستفاد من النصوص لزوم المسح و مقتضاه كفاية المسح و لو لم يصدق الغسل و لكن الاحتياط يقتضي ما أفاده في المتن.

(1) نقل عن المدارك أنّه لا خلاف فيه، و نقل عن جملة من الأعلام الذهاب إلى هذا القول.

و الإنصاف أنّ استفادته من نصوص الباب في غاية الإشكال، فإنّ الظاهر من جملة منها و الصريح من الآخر أنّ الوجه هو تضرّر المحلّ بالماء أو بالنزع، و أمّا لو كان المانع من الاستعمال نجاسة المحلّ فليس في الأدلّة ما يوجب إلحاقه به، فالنتيجة تعيّن التيمّم. و عليه لو لم يمكن تطهير المحلّ و اشترطنا طهارة المحلّ تصل النوبة إلى التيمّم.

449

كما أنّه لا يقصد عنوان الغسل بل يقصد ما هو الواجب عليه (1) و هذا بخلاف مسح الرأس و القدمين و لو على الجبيرة فإنّه يجب أن يقصد فيهما عنوان المسح و إن كان يكفي قصد ما في الذمّة هنا أيضا (2) و لو تمكّن من مسح البشرة وجب (3).

و لكن لا يترك الاحتياط حينئذ بالجمع بينه و بين مسح الجبيرة و يجب مسح جميع الجبيرة و عدم ترك شي‌ء منه مع الإمكان كنفس

____________

(1) لأنّه يحتمل أن يكون الواجب المسح و يحتمل أن يكون الواجب الغسل و لذا جمع بين الأمرين في المتن، و حيث إنّ المأمور به مردّد بين الأمرين يقصد ما في الذمّة كي ينطبق ما تعلّق به القصد على المأمور به. و ممّا ذكرنا علم أنّ المستفاد من الأدلّة في المقام أنّ الواجب المسح.

(2) أي لا بدّ من أن يأتي بالمسح قربة إلى اللّه فإنّ المأمور به ليس دائرا بين الأمرين بل المأمور به هو المسح.

(3) قيل في وجهه: إنّه الميسور من الغسل، فلو أمكن وجب بمقتضى القاعدة، و يرد عليه أوّلا: أنّ القاعدة غير تامّة كما ذكرنا مرارا في هذا الشرح، و ثانيا: أنّه ينافي ذلك مقتضى النصوص الواردة في المقام، فإنّ مقتضى رواية الحلبي أنّ الماء لو كان يؤذيه يجب المسح على الجبيرة و لا دليل على أنّه لو كان الغسل مؤذيا يجب مسح البشرة.

و عليه فلا وجه لإلزام ذلك بل يجب المسح على الجبيرة و طريق الاحتياط ظاهر.

450

البشرة (1). نعم ما لا يمكن مسحه أو يشقّ ممّا بين الخيوط و الألواح فالظاهر سقوط مسحه (2) و لا يجب في محلّ الغسل المسح باليد أو الكفّ بل يكفي بكلّ ما يحصل به المسح (3).

مسألة 115: لو كان في العضو جرح أو قرح مكشوف فإن تمكّن من غسله وجب (4).

و إلّا مسح بشرته (5). و لو لم يتمكّن من ذلك لتضرّره بالماء أو

____________

(1) كما عن الخلاف و التحرير و نهاية الاحكام و التذكرة و غيرها، و في الحدائق أنّه ظاهر المشهور، و نقل عن الذكرى بعد تحسينه هذا القول بأنّه يشكل وجوب الاستيعاب حيث إنّ المسح يصدق و لو بجزء من العضو و لا يلزم الاستيعاب كما أنّ الأمر كذلك في الرجلين.

و يرد عليه: أنّ الجبيرة في المقام بدل عن العضو، فالظاهر من الدليل وجوب مسح كلّ جزء من الجبيرة بدلا عمّا تحته و لا يقاس المقام بالرجلين لوجود المقتضي هناك و عدمه هنا.

(2) لانصراف الدليل عن المداقة، مضافا إلى لزوم الحرج المرفوع في الشريعة و لو أحيانا.

(3) لإطلاق الدليل و عدم ما يوجب تقييده.

(4) كما هو مقتضى القاعدة الأوّلية.

(5) استشكل صاحب الحدائق (قدّس سرّه) في ذلك و أفاد بأنّه لم أقف على مستند لهذا الحكم و ليس في أخبار الباب شاهد له و قال: إنّ ما علّل به من أنّ فيه‌

451

لنجاسته و عدم إمكان تطهيره وضع عليه خرقة طاهرة و مسح عليها بالماء (1).

و لو تعذّر ذلك أيضا فالأحوط الجمع بين الوضوء بغسل أطرافه فقط و التيمّم (2) بل لا يترك الاحتياط بالجمع بين الوضوء و التيمّم

____________

تحصيلا لشبه الغسل عند تعذّر حقيقته إذا كان الجرح في محلّ الغسل أو أنّه وسيلة إلى المسح الواجب في موضع المسح، فلا محصل له، و ما أفاده متين فإنّه لا دليل على هذا الأمر، بل مقتضى رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الجرح كيف يصنع صاحبه؟ قال: يغسل ما حوله (1)، و ذيل رواية الحلبي (2) كفاية غسل حول الجرح إذا كان مكشوفا و الروايتان و إن كانتا بإطلاقهما تشملان الجرح المجبور لكن تقيّدان بغيرهما فيما عليه الجبيرة، و أمّا المكشوف فيبقى على حاله.

(1) هذا كسابقه في عدم قيام دليل عليه فإنّ وضع خرقة على الجرح غير مستفاد من نصوص الباب، بل يكفي غسل حول الجرح هذا فيما يضرّه الماء. و أمّا فيما كان المانع نجاسة المحلّ فقد مرّ أنّه خارج عن محلّ البحث و لا تشمله الأدلّة بل تصل النوبة إلى التيمّم.

(2) الوجه فيه العلم الإجمالي بتعلّق أحد التكليفين، لكن ظهر ممّا ذكر تعيّن الغسل.

____________

(1) الوسائل، الباب 39 من أبواب الوضوء، الحديث 3.

(2) تقدّمت في ص 446.

452

في جميع صور هذه المسألة غير صورة إمكان غسل نفس البشرة (1).

مسألة 116: لو كانت الجبيرة نجسة و لم يتمكّن من تطهيرها و لا تبديلها و ليس له ما يضع عليها و يمسح عليه غسل أطرافها في محلّ الغسل و مسح طرفيها في محلّ المسح و يتيمّم، بل يلزم ضمّ التيمّم في كلّ مورد لم يمكن مسح الجبيرة (2).

مسألة 117: لو كان على العضو مانع غير الجبيرة لا يمكن إيصال الماء معه إلى البشرة و يتعذّر أو يتعسّر إزالته مسح على المانع بالماء كالجبيرة و احتاط بضمّ التيمّم إليه (3).

____________

(1) ممّا ذكرنا ظهر وجه هذا الاحتياط.

(2) قد ظهر ممّا تقدّم الإشكال فيما أفاده (قدّس سرّه) فإنّ غسل الأطراف مختصّ بالجرح المكشوف، و أمّا المجبور فمع عدم التمكّن من المسح على الجبيرة يكون مقتضى القاعدة التيمّم.

(3) كما نسب إلى الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) و استدلّ له بأنّه و إن كان خارجا عن النصوص لكن يمكن التعدّي عن موردها إلى المقام بتنقيح المناط لكنّه كما ترى لا يمكن المساعدة عليه فإنّ المناط غير معلوم لنا فلا بدّ من تبعيّة الدليل بمقدار دلالته، و عليه نقول: لو كان المانع الموجود دواء موضوعا على العضو للتداوي لا مانع من المسح عليه لما رواه الوشاء (1) لكن حديث الوشاء لا اعتبار به سندا.

____________

(1) تقدّم في ص 447.