التحقيق في كلمات القرآن الكريم - ج9

- حسن المصطفوي المزيد...
351 /
59

و التحقيق

أنّ: الحزّ: القطع. و القوس: آلة منحية ترمى بها السهام. و الوتر: شرعة تشدّ على القوس من طرفيها. و الزند: العود الأعلى.

و أمّا الأصل الواحد في المادّة: فهو التقدير المعيّن اللازم. و من آثاره و لوازمه: الإلزام، التكليف، التثبيت، التعليق، الجزّ، الإيجاب، التأثير، الإعطاء، القطع، الحكم.

فالأصل المحفوظ في جميع الموارد: هو التقدير الملزم.

و الفارض في مقابل البكر، فانّ البكر ما يكون في المرحلة الاولى من الجريان في برنامج أمره. و الفارض من لم يكن في المرحلة الاولى من جريان حياته، و هو في أثر التجربة و العمل يقدّر أموره، و يقع في مورد تقدير و تنظيم و إجراء برنامج:

. بَقَرَةٌ لٰا فٰارِضٌ وَ لٰا بِكْرٌ- 2/ 68 فيقال فرض له فريضة أى قدّر له تقديرا معيّنا ملزما عليه.

. مٰا كٰانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمٰا فَرَضَ اللّٰهُ لَهُ- 33/ 38. قَدْ عَلِمْنٰا مٰا فَرَضْنٰا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوٰاجِهِمْ- 33/ 50. فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً- 4/ 24. فَنِصْفُ مٰا فَرَضْتُمْ إِلّٰا أَنْ يَعْفُونَ- 2/ 237 يراد ما يقدّر و يتعيّن و يلزم عليه، و يقال له فريض و فريضة. و يلاحظ في فعيل نفس الاتّصاف بالفعل. و في المفعول تعلّق الفعل به كما في المفروض:

. مِمّٰا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً- 4/ 7. إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرٰادُّكَ إِلىٰ مَعٰادٍ 28/ 85 إذا استعملت المادّة بحرف على: تدلّ على الاستيلاء و التسلّط، كما في:

60

. قَدْ عَلِمْنٰا مٰا فَرَضْنٰا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوٰاجِهِمْ وَ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ- 33/ 50 و إذا استعملت بحرف اللام: تدلّ على الاختصاص و التعلّق.

و المعاد: هو بلد مكّة، الّذى بدء الرسالة و التبليغ منه، ثمّ يعاد اليه و يكرّر ثانيا العمل بالتبليغ فيه- و القرآن: راجعه.

و إذا استعملت بدون حرف: تدلّ على مجرّد التقدير و التعيين المطلق، كما في:

. سُورَةٌ أَنْزَلْنٰاهٰا وَ فَرَضْنٰاهٰا- 24/ 1 و السورة قطعة من القرآن و منها السور المقطعة الخارجيّة المقدّرة المعيّنة في أنفسها.

ثمّ إنّ الفرض أعمّ من أن يكون من جانب اللّٰه تعالى، أو من جانب الخلق، كما في:

. مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً- 2/ 237‌

فرط

مصبا- الفرط: المتقدّم في طلب الماء يهيّئ الدلاء و الأرشاء، يقال فرط القوم فروطا من باب قعد: إذا تقدّم لذلك، يستوي فيه الواحد و الجمع، يقال رجل فرط و قوم فرط، و منه يقال للطفل الميّت: الّلهمّ اجعله فرطا، أى أجرا متقدّما، و يقال رجل فارط و قوم فرّاط، و افترط فلان فرطا: إذا مات له أولاد صغار، و فرط منه كلام يفرط من باب قتل: سبق و تقدّم. و تكلّم فراطا: سقط منه بوادر. و فرّط في الأمر تفريطا: قصّر فيه و ضيّعه. و أفرط إفراطا: أسرف و جاوز الحدّ.

مقا- فرط: أصل صحيح يدلّ على ازالة شي‌ء عن مكانه و تنحيته عنه، يقال فرّطت عنه ما كرهه، أى نحيّته. ثمّ يقال أفرط، إذا تجاوز الحدّ في الأمر، و هذا هو القياس، لأنّه إذا جاوز القدر فقد أزال الشي‌ء عن جهته، فكذلك التفريط،

61

لأنّه إذا قصّر فيه فقد قعد به عن رتبته الّتى هي له. و من الباب الفرط و الفارط:

المتقدّم في طلب الماء، و أفرط في الأمر، عجّل، و فرّطت عنه الشي‌ء نحيّته عنه. و فرس فرط: تسبق الخيل. و الماء الفراط، الّذى يكون لمن سبق اليه من الأحياء.

صحا- فرط في الأمر يفرط فرطا: قصّر فيه و ضيّعه حتّى فات، و كذلك التفريط. و فرط عليه، أى عجل وعدا. و فرط اليه منّى قول: أى سبق. و غدير مفرط: أى ملأن. و ما أفرطت من القوم أحدا، أى ما تركت، و منه قوله تعالى- و انّهم مفروطون، أى متروكون.

لسا- فرط- الفارط: المتقدّم السابق. و الفراطة: الماء يكون شرعا بين عدّة أحياء من سبق اليه فهو له، و بئر فراطة: كذلك. و أمر فرط، أى مجاوز فيه الحدّ. و الفرطة: اسم للخروج و التقدّم. و الإفراط: الزيادة على ما أمرت. و الفراط: الترك.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الخروج عن الحدّ المعيّن في العرف. و من مصاديقه: التقدّم و السبق و التجاوز و العدو عن اللّٰه المعيّن المقدّر. و الإسراف عن القدر المعروف. و العجلة في أمر و هو خارج عن الحدّ اللازم. و التنحّى و الخروج عن مكان محدود.

و أمّا التفريط بمعنى التقصير و التضييع: قلنا كراراً انّ الإفعال: يلاحظ فيه قيام الفعل بالفاعل و صدوره منه و نسبته أوّلا اليه. و التفعيل يلاحظ فيه جهة الوقوع و النسبة الى المفعول في المرتبة الاولى، فالنظر في صيغة الإفراط الى جهة الخروج و صدوره من الفاعل، فالمفرط من يصدر منه الخروج و من يخرج الأمر عن حدّه. و هذا بخلاف المفرّط فهو من يوجد الخروج في شي‌ء حتّى يخرج عن الحدّ المعيّن، فالنظر الى تعلّق ذلك الفعل الى المفعول، و لا يلاحظ فيه جهة الصدور.

فالتفريط في الشي‌ء: إخراجه عن حدّه و هذا معنى التقصير في حقّه و‌

62

التضييع بحدوده و عدم رعاية ماله من المقام.

و يقرب منه مفاهيم الترك و التنحيّة و الكفّ و غيرها.

. قٰالٰا رَبَّنٰا إِنَّنٰا نَخٰافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنٰا أَوْ أَنْ يَطْغىٰ- 20/ 45 أى أن يخرج عن الحدّ المعيّن المعروف مستوليا علينا، و لا يراعى حقوقنا.

و سبق أنّ الطغيان: ارتفاع مع التجاوز عن الحدود.

فالفرط: اشارة الى خروج فرعون عن الحدّ المعيّن في نفسه في جهة الارتباط بأمر موسى و هارون و في موضوع رعاية حقوقهما.

و الطغيان: إرادة ترفّع في نفسه و تجاوز الى حقوقهما.

. يٰا حَسْرَتىٰ عَلىٰ مٰا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّٰهِ- 39/ 56. وَ مِنْ قَبْلُ مٰا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ- 12/ 80. مٰا فَرَّطْنٰا فِي الْكِتٰابِ مِنْ شَيْ‌ءٍ- 6/ 38. تَوَفَّتْهُ رُسُلُنٰا وَ هُمْ لٰا يُفَرِّطُونَ- 6/ 61 يراد إخراج هذه الموضوعات عن حدودها المعيّنة عرفا، و يعبّر عنها بالتقصير فيها و تضييع حقوقها.

. لٰا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النّٰارَ وَ أَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ- 16/ 62 أى و قد أخرجوا أنفسَهم أو أخرجهم الشيطان عن حدودهم المعينّة المقدّرة لهم، فهم المفرطون، أى المخرجون عن الحدود اللازمة.

و هذه القراءةُ أولى من قراءُة الكلمة بصيغة اسم الفاعل- مفرطون، فانّ الإفراط أعمّ من أن يكون في حقّ نفسه أو في غيره، و هكذا في صورة القراءة بصيغة اسم الفاعل من التفعيل (مفرّطون) و أمّا القراءة بصيغة المفعول من التفعيل:

فانّ أحدا لا يفرّط و لا يقصّر في حقّه في جهات معنويّة و آلهيّة.

. وَ لٰا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنٰا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنٰا وَ اتَّبَعَ هَوٰاهُ وَ كٰانَ أَمْرُهُ فُرُطاً- 18/ 28 الهوىّ بمعنى السقوط و منه الهوى. و الفرط و الفرط كالجنب و الحسن:

63

بمعنى المتّصف بالخروج عن الحدّ المقدّر المعروف.

فانّ من غفل عن ذكر اللّٰه، و هو التوجّه بالقلب و اللسان الى الجهة العليا و العالم الروحانىّ الإلهىّ: فهو متمايل الى السقوط و خارج عن الحقّ.

فرع

مصبا- الفرع من كلّ شي‌ء أعلاه، و هو ما يتفرّع من أصله، و الجمع فروع، و منه فرعت من هذا الأصل مسائل فتفرّعت، أى استخرجت فخرجت، و الفرع: أوّل نتاج الناقة. و فرعون: أعجمىّ و الجمع فراعنة، و فرعون موسى اسمه الريّان بن الوليد.

مقا- فرع: أصل صحيح يدلّ على علوّ و ارتفاع و سموّ و سبوغ. من ذلك الفرع، و هو أعلى الشي‌ء. و الفرع: مصدر فرعت الشي‌ء: إذا علوته، و امرأة فرعاء:

كثيرة الشعر. و فرعة الطريق: ما ارتفع منه.

صحا- هو فرع قومه: للشريف منهم. و الفرع أيضا: الشعر التامّ. و الفرع أيضا: القوس الّتى عملت من طرف القضيب. و يقال ايت فرعة من فراع الجبل فأنزلها، و هي أماكن مرتفعة. و فرعت قومي. علوتهم بالشرف و الجمال. و جبل فارع: إذا كان أطول ممّا يليه. و فارعة الجبل: أعلاه. يقال انزل بفارعة الوادي و احذر أسفله. و أفرعت في الجبل انحدرت، كذلك فرّعت. و فرعت الجبل أيضا:

صعدت، و هو من الأضداد. و رجل مفرع الكتف: عريضها.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يقابل الأصل، فالأصل ما يبنى عليه شي‌ء، من أىّ نوع كان. فيكون الفرع هو المبنىّ على شي‌ء آخر و هو المستخرج منه المرتفع عليه في مادّىّ أو معنوىّ.

64

و من مصاديقه: الفرع من الشجرة. و أوّل نتاج الناقة. و المسائل الفرعيّة من الأصول. و الشعر من البدن. و المرتفعات من الجبل أو من الطريق. و الشريف المنتخب من القوم.

فالقيود لازمة في صدق الأصل، و ليس مطلق الارتفاع و العلوّ أصلا في المادّة، فلا يقال إنّ الطائر فرع أى اعتلا.

و أمّا مفهوم النزول في الجبل أو الوادي: فانّ الفرع كما قلنا هو مصدرا بمعنى البناء على شي‌ء و هو المرتفع عليه و يقال عرفا إنّه القائم عليه و كأنّه منه. و بلحاظ هذا المعنى لا فرق فيه بين الصعود و الانحدار، ما دام يصدق أنّه قائم عليه. و يتعيّن أحد المعنيين بالقرائن، كقولهم- فرع من الجبل، و فرع الوادي و في الوادي، و كذلك أفرع و فرع.

فالأصل هو التفرّع الصادق على الموردين، و لا تضادّ فيه.

. ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهٰا ثٰابِتٌ وَ فَرْعُهٰا فِي السَّمٰاءِ تُؤْتِي أُكُلَهٰا كُلَّ حِينٍ- 14/ 24 قلنا إنّ الطيّب ما يكون مطلوبا في نفسه ليس فيه قذارة ظاهرا و باطنا و هو في قبال الخبيث و الكلمة عبارة عن كلام يتجلّى أو غير كلام.

فالكلمةُ إذا تجلّى و ظهر عن قلب سليم و اعتقاد حقّ و نيّة خالصة في أىّ موضوع كان: فهو مستند على أصل ثابت ليس له زوال و تغيّر، يثمر أثمارها كلّ حين- راجع- كلم.

و أمّا الكلمة الخبيثة الّتى اجتثّت و ظهرت من دون أصل ثابت حق، في أىّ موضوع كان، في اعتقاد، أو صفات نفسانيّة، أو أحكام، أو امور اجتماعيّة:

فهي غير ثابتة و غير مثمرة.

فظهر أنّ الفرع و كلّ بناء متفرّع انّما يتبع في استمراره و استدامته و إنتاجه و إفادته، على وجود أصل ثابت حقّ.

65

فرعون

قاموس مقدّس- فرعون: لقب سلاطين مصر، كما أنّ قيصر لقب لسلاطين الروم، و كسرى لسلاطين فارس. و قد يطلق لواحد منهم لشهرته: كفرعون موسى (ع) قع- (فرعوه)- فرعون.

ابن الوردي 1/ 48- الفراعنة: ملوك القبط بمصر، كان أهل مصر أهل ملك عظيم في الدهور الخالية، أخلاطا ما بين قبطىّ و يونانىّ و عمليقىّ، إلّا أنّ جمهورهم قبط، و أكثر ملوكها الغرباء، و كانوا صابئة يعبدون الأصنام، و صار بعد الطوفان بمصر علماء بضروب من العلوم، و خاصّة الطلسمات و النير نجات و الكيمياء، و كانت مدينة منف كرسىّ الملك على اثنى عشر ميلا من الفسطاط، و كان أوّل ملوكها بعد الطوفان: بيصر بن حام بن نوح نزل منف و ثلاثون من ولده و أهله، ثمّ ملكها بعده ابنه مصر، و سمّيت البلاد به لطول مدّته ... ثمّ ملك بعده طونيس فرعون ابراهيم ... ثمّ ملك بعده الريان فرعون يوسف ... ثمّ ملك بعده الوليد بن مصعب فرعون موسى.

تاريخ ابى الفداء 1/ 56- ما يقرب من ابن الوردىّ.

و التحقيق

أنّ فراعنة مصر كانوا ستّة و عشرين سلسلة، و كانت مدّة حكومتهم قريبة من ثلاثة ألاف سنة، الى أن ينتهى الى خمسة قرون من قبل الميلاد، و كانت دار الحكومة بمنفيس غالبا، أو بتيس.

و ينطبق زمان ملك فرعون موسى على قريب من 1750 قبل الميلاد كما أنّ ملك فرعون ابراهيم على قريب من 2300- قبل الميلاد.

فانّ المورّخين ضبطوا تاريخ ميلاد ابراهيم الخليل سنة 1081- من الطوفان. و تاريخ وفاة موسى سنة 1626 من الطوفان.

66

و كانت حياة يوسف (ع) قريبة من 250 بعد ميلاد ابراهيم ع.

. ثُمَّ بَعَثْنٰا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسىٰ وَ هٰارُونَ إِلىٰ فِرْعَوْنَ وَ مَلَائِهِ- 10/ 75. اذْهَبْ إِلىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغىٰ*- 20/ 43. وَ فِي مُوسىٰ إِذْ أَرْسَلْنٰاهُ إِلىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطٰانٍ مُبِينٍ- 51/ 38. فَعَصىٰ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنٰاهُ- 73/ 16. وَ قٰارُونَ وَ فِرْعَوْنَ وَ هٰامٰانَ وَ لَقَدْ جٰاءَهُمْ مُوسىٰ بِالْبَيِّنٰاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ- 29/ 39 تدلّ على أنّ موسى و أخاه بعثا الى فرعون و ملائه لهدايتهم الى الحقّ و العدل، فكذّبوا و كفروا و استكبروا، حتّى تمّت الحجّة عليهم و اشتدّ طغيانهم و استكبارهم، فأخذهم اللّٰه، و نجى اللّٰه تعالى بني إسرائيل المظلومين المستضعفين من فرعون و عمله.

و هذا من سنن اللّٰه العزيز القهار، فيما بين المستكبرين الظالمين و الضعفاء المظلومين المقهورين، في قاطبة الأزمنة و القرون.

. سُنَّةَ اللّٰهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّٰهِ تَبْدِيلًا- 33/ 62 و لا يخفى أنّ منشأ جميع العصيان و الطغيان و الكفر: هو الاستكبار و الأنانيّة، فانّ الإنسان إذا رأى نفسه و توجّه اليه و أحبّه: يتوجّه الى بقائه و يحبّ وجوده و أفكاره و أعماله، و يبغض كلّما يتظاهر و يتجلّى في قبال وجوده و بقائه و حياته، و يريد إفناء كلّ مخالف و معارض له، و يشتدّ هذا التوجّه و الحبّ في نفسه حتّى ينصرف و يعرض عمّا سوى نفسه، و ينكر وجود كلّ شي‌ء و كلّ أمر و كلّ حقّ سوية.

. وَ كَذٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَ صُدَّ عَنِ السَّبِيلِ- 40/ 37. وَ إِنَّ فِرْعَوْنَ لَعٰالٍ فِي الْأَرْضِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ- 10/ 83. إِلّٰا إِبْلِيسَ أَبىٰ وَ اسْتَكْبَرَ وَ كٰانَ مِنَ الْكٰافِرِينَ- 2/ 34. وَ قٰالَ فِرْعَوْنُ يٰا أَيُّهَا الْمَلَأُ مٰا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلٰهٍ غَيْرِي .... وَ اسْتَكْبَرَ هُوَ وَ

67

جُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ- 28/ 39 و لا يخفى أنّ كلمة فرعون لا يبعد اشتقاقها من مادّة- فارع- بمعنى القتل و الانتقام و الغارة، أو من- فرع- بمعنى الهرج و فقدان النظم و خروج شي‌ء و علوّه من جدار أو شجر- كما في فرهنگ عبرى فارسى.

و هذا المعنى يناسب المادّة العربيّة أيضا كما رأيت.

و يناسب مفهوم الخروج و الاعتلاء قوله تعالى:

. وَ إِنَّ فِرْعَوْنَ لَعٰالٍ فِي الْأَرْضِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ.

فكلمة فرعون في اللغتين: بمعنى المُعتلى الخارج عن الحدّ و الظالم.

فرغ

مصبا- فرغ من الشغل فروغا من باب قعد، و فرغ يفرغ من باب تعب لغة لبنى تميم، و الاسم الفراغ، و فرغت للشي‌ء و اليه: قصدت. و فرغ الشي‌ء: خلا، و يتعدّى بالهمزة و التضعيف، أفرغ اللّٰه عليه الصبر إفراغا: أنزله عليه، و أفرغت الشي‌ء: صببته. و استفرغت المجهود: استقصيت الطاقة.

الاشتقاق 529- مفرّغ: من الفراغ أو من الإفراغ، من قولهم فرغت من عملى و أفرغت ما في الإناء. و يقال حلقة مفرغة: إذا لم تك معطوفة لا يدرى أين طرفاها. و ضربة فريغ أى واسعة. و فرغ الدلو: مصبّ الماء. و ذهب دمه فرغا: إذا لم يدرك له ثار.

مقا- فرغ: أصل صحيح يدلّ على خلوّ وسعة ذرع. من ذلك الفراغ:

خلاف الشغل. يقال فرغ فراغا و فروغا، و فرغ أيضا. و أفرغت الماء: صببته، و افترغت إذا صببت الماء على نفسك. و فرس فريغ: واسع المشي، كأنّه خال من كلّ شي‌ء فخفّ عدوه و مشيه و طريق فريغ: واسع.

لسا- الفراغ: الخلاء. و فرّغ المكان: أخلاه. و تفريغ الظروف إخلاؤها.

68

و الطعنة الفرغاء ذات الفرغ، و هو السعة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو التخلّى عن اشتغال، و الخلاء أعمّ من أن يكون خاليا في نفسه أو خاليا بعد الشغل.

و أمّا مفهوم السعة، و الصبّ، و الخفّة، و البطلان، و القصد: فمن آثار الخلاء و لوازمه.

فانّ الخلاء يلازم سعة في المحلّ و خفّة و بطلانا، كما أنّ إفراغ شي‌ء مشغول يلازم تخليته و الصبّ عنه. و القصد لشي‌ء و التمايل اليه يلازم التخلّى عن غيره و يتوقّف عليه.

. وَ أَصْبَحَ فُؤٰادُ أُمِّ مُوسىٰ فٰارِغاً- 28/ 10. فَإِذٰا فَرَغْتَ فَانْصَبْ- 94/ 7. سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلٰانِ- 55/ 31 فيقال فرغ عنه إذا خلا عن الشغل بشي‌ء، ففراغ فؤاد أمّ موسى: عن الاضطراب و الهموم و الاشتغال بأمر موسى و نجاته عن الماء و سائر الحوادث.

و الفراغ في إذا فرغت، عن العمل بوظائف الرسالة الاجتماعيّة، من التبليغ و الإرشاد و الدفاع عن المخالفين و غيرها.

و فرغ له: أى تخلّى عن المشاغل للتوجّه اليه و العمل في سبيله، فمعنى سنفرغ لكم- التخلّى عن امور اخر و التوجّه اليهم، و هذا المعنى بالنسبة الى اللّٰه المتعال: هو التوجّه المخصوص الأكيد، فكأنّه اهتمّ بأمورهم و توجّه اليهم فقط منصرفا عن امور اخر. و ليس المراد الانصراف الكلّىّ و التخلّىّ عن سائر الأمور- فانّه تعالى- كلّ يوم هو في شأن، و لا يَشغله شأنٌ عن شأن.

. وَ لَمّٰا بَرَزُوا لِجٰالُوتَ وَ جُنُودِهِ قٰالُوا رَبَّنٰا أَفْرِغْ عَلَيْنٰا صَبْراً وَ ثَبِّتْ أَقْدٰامَنٰا- 2/ 250‌

69

. قٰالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ .... رَبَّنٰا أَفْرِغْ عَلَيْنٰا صَبْراً وَ تَوَفَّنٰا مُسْلِمِينَ- 7/ 125 الإفراغ هو التخلية، و استعماله بحرف- على: يدلّ على تخلية شي‌ء مستوليا عليه، و هذا أبلغ تعبير في مقام طلب الصبر، و دعاء له حتّى يعطيه اللّٰه تعالى صبرا يستولى بوجوده و ظاهره و باطنه.

و نتيجة هذا الصبر هو التثبّت و الاستقامة و تحقّق الايمان.

و الآية الاولى: في مقام المبارزة و المحاربة، و يناسبه التثبّت و النصر.

و الثانية: في مقام الاعتقاد و الايمان و الكفر، و يناسبه حسن الختام.

فرق

مصبا- فرقت بين الشي‌ء فرقا من باب قتل: فصلت أبعاضه. و فرقت بين الحقّ و الباطل: فصلت أيضا، هذه هي اللغة العالية، و بها قرء السبعة في- فافرق بيننا و بين القوم الفاسقين، و في لغة- من باب ضرب، و قرء بها بعض التابعين.

ابن الأعرابىّ: فرقت بين الكلامين فافترقا- مخفّف، و فرّقت بين العبدين فتفرّقا مثقّل في الأعيان، و المخفّف في المعاني. و حكاه غيره: التثقيل مبالغة. و في الحديث- البيّعان بالخيار ما لم يتفرّقا- يحمل على تفرّق الأبدان. و افترق القوم، و الاسم الفرقة بالضمّ. و فارقته مفارقة و فراقا. و الفرقة من الناس و غيرهم، و الجمع فرق، و الفرق كالفرقة، و الجمع أفراق مثل حمل و أحمال، و الفريق كذلك. و الفرق بفتحتين: مكيال يقال إنّه يسع ستّة عشر رطلا. و فرق فرقا من باب تعب: خاف، يتعدّى بالهمزة فيقال أفرقته. و الفرقان: القرآن، و هو مصدر في الأصل. و الفاروق: الرجل الّذى يفرق بين الأمور.

مقا- فرق: اصيل صحيح يدلّ على تمييز و تزييل بين شيئين، من ذلك فرق الشعر. و الفرق: القطيع من الغنم، و الفلق من الشي‌ء إذا انفلق. و الفرقان:

كتاب اللّٰه، و الصبح و به يفرق بين الليل و النهار. و إفراق المحموم من حمّاه،

70

لأنّها فارقته.

الفروق 122- الفرق بين التفريق و التفكيك: أنّ كلّ تفكيك تفريق، و ليس كلّ تفريق تفكيكا. و انّما التفكيك تفريق الملتزقات من المؤلّفات. و التفريق يكون فيها و في غيرها.

و الفرق بين الفصل و الفرق: أنّ الفصل يكون في جملة واحدة، و يقال فصل الثوب و الكتاب و الأمر. و لا يقال فرّق الامر، فانّ الفرق خلاف الجمع، فيقال فرّق بين الأمرين.

و الفرق بين الفرق و التفريق: انّ الفرق خلاف الجمع. و التفريق جعل شي‌ء مفارقا لغيره، حتّى كأنّه جعل بينهما فرقا بعد فرق حتّى تباينا، و ذلك أنّ التفعيل لتكثير الفعل.

و التحقيق

أن الأصل الواحد في المادّة: هو ما يقابل الجمع. كما أنّ النظر في الفصل الى رفع الوصل. و في الانفراج الى مطلق حصول الانفراج و الفرجة بين الشيئين. و في الشقّ الى حصول انفراج في الجملة سواء حصل تفرّق أم لا- راجع الفرج.

فيلاحظ في الفرق: حصول مطلق التفرّق سواء كان بعد وصل أم لا، و سواء كان في المادّيّات أو في المعنويّات، و سواء حصل بينهما فرجة خارجيّة أم لا، فهو ملحوظ بنفسه.

فالفرق في المادّىّ المحسوس:

. وَ إِذْ فَرَقْنٰا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنٰاكُمْ- 2/ 50. وَ إِنْ يَتَفَرَّقٰا يُغْنِ اللّٰهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ- 4/ 130 و في المعنوىّ:

. وَ لٰا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ- 6/ 153‌

71

و. أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لٰا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ- 42/ 13 و مرجع السبيل الى الدين، و هو البرنامج في الحياة ماديّة و معنويّة، في المسير الى الحقّ.

فالتفرّق يدلّ على القبول و المطاوعة و الحصول، كما أنّ الافتراق يدلّ على اختيار الفرق و العمل. و المفارقة على الاستمرار و التداوم كما في:

. أَوْ فٰارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ- 65/ 2. يَوْمَ تَقُومُ السّٰاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ- 30/ 14 بمقتضى اختلاف المراتب من جهة الأفكار و الصفات النفسانيّة و الأعمال، و هذا تفرّق قهرىّ غير اختيارىّ، بحسب الذاتيّات و الاكتسابات. و هذا بخلاف الدنيا، فانّ العيش المادّىّ و المراتب الدنيويّة يشترك فيها الصالح و الطالح.

. إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبٰارَكَةٍ إِنّٰا كُنّٰا مُنْذِرِينَ فِيهٰا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِنْ عِنْدِنٰا- 44/ 4 أى يعرف و يتميّز و يتجلّى كلّ أمر ذى حكمة، من الحقائق و المعارف الإلهيّة و الأمور الغيبيّة و الحكم اللاهوتيّة.

. وَ الْمُرْسَلٰاتِ عُرْفاً، فَالْعٰاصِفٰاتِ عَصْفاً، وَ النّٰاشِرٰاتِ نَشْراً، فَالْفٰارِقٰاتِ فَرْقاً، فَالْمُلْقِيٰاتِ ذِكْراً- 77/ 4 سبق في العرف و العصف أنّ الآيات الكريمة تشير الى المراتب الخمس من السلوك الى اللّٰه عزّ و جلّ، و النفوس الفارقة يكونون في المرتبة الرابعة، و هي مرتبة رفع الأنانيّة الى أن يتحقّق الفناء في اللّٰه تعالى، و هنا لك تتميّز حقيقة الانسانيّة و يعرف مقامه و يتجلّى شأنه و يرتفع حجابه، و فيها يفرق كلّ أمر حكيم و يزول كلّ نقع- فأثرن به نقعا، و يتحقّق الاستباق في السير عن عوالم المادّة- و السابقات سبقا.

فالفرقان مصدر كالقرآن و الغفران، و زيادة المبنى تدلّ على زيادة في‌

72

معنى الفرق، و هو صفة عالية ممتازة من أعلى الصفات الانسانيّة، و تحصل بعد حصول المعرفة و النورانيّة و رفع الحجب المانعة، و بها تتميّز الحقيقة و المعارف الإلهيّة و سبل السلام:

. يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللّٰهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقٰاناً- 8/ 29 و على هذا ينزل الفرقان على كلّ رسول يبلّغ عن اللّٰه عزّ و جلّ، فانّ من ليس له روح التمييز و الفصل، و لا يعرف حقّ الخير و الصلاح: فهو على ترديد و شكّ و شبهة في أمره، فكيف يمكن له الإبلاغ و الدعوة.

. وَ لَقَدْ آتَيْنٰا مُوسىٰ وَ هٰارُونَ الْفُرْقٰانَ- 21/ 48. تَبٰارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقٰانَ عَلىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعٰالَمِينَ نَذِيراً- 25/ 1 فظهر أنّ اطلاق الفرقان على القرآن بهذا الاعتبار:

. وَ قُرْآناً فَرَقْنٰاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّٰاسِ عَلىٰ مُكْثٍ- 17/ 106 فانّ أحكامه متقنة و دلائله محكمة و معارفه قاطعة و حقائقه بيّنة متيقّنة:

. لٰا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ- 2/ 3 و أمّا الفرق بين الفرق و التفريق: فانّ النظر في الفرق الى نفس حصول الفعل و حدوثه: و في التفريق الى تعلّق الفعل و تحقّقه في المفعول، و كونه ذا تفرّق، و يلاحظ فيه هذه الجهة، كما في:

. إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ- 6/ 159. وَ يُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّٰهِ وَ رُسُلِهِ- 4/ 150. لٰا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ- 2/ 285. مٰا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ- 2/ 102 و كذلك في التفعّل و هو المطاوعة التفعيل، كما في:

. وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّٰهِ جَمِيعاً وَ لٰا تَفَرَّقُوا- 3/ 103. وَ إِنْ يَتَفَرَّقٰا يُغْنِ اللّٰهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ- 4/ 130. أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لٰا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ- 42/ 13‌

73

فالتفرّق في هذه الموارد تفعيلا و تفعّلا انّما هو بعد تحقّق الجمع، و انّه أمر حادث في هذه الموضوعات على خلاف ما هي عليه من الجمع و التوحّد.

و هذا بخلاف الفرق مجرّدا، كما في:

. وَ إِذْ فَرَقْنٰا بِكُمُ الْبَحْرَ- 2/ 50. وَ قُرْآناً فَرَقْنٰاهُ- 17/ 106. فَافْرُقْ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَ الْقَوْمِ الْفٰاسِقِينَ- 5/ 25 فكأنّ هذا الفعل إنّما هو متحقّق في أصل الطبيعة، و متكوّن بجعل الخالق في المرحلة الاولى أو الثانية، و الملحوظ هو تحقّق نفس العمل، لا تحقّقه في الموضوعات و المتعلّقات.

و الفريق: بمعنى الجماعة، إلّا أنّ الجماعة تطلق باعتبار الاجتماع منهم.

و الفريق يطلق باعتبار افتراقهم عن الجمع.

. وَ قَدْ كٰانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلٰامَ اللّٰهِ- 2/ 75. إِنَّهُ كٰانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبٰادِي يَقُولُونَ رَبَّنٰا- 23/ 109. وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَ تَأْسِرُونَ فَرِيقاً- 33/ 26 ففي استعمال كلّ من كلمات- الجماعة، الفريق، الفئة، القوم، الطائفة، و غيرها: يلاحظ ما فيه من اللطف و الخصوصيّة.

فره

مصبا- الفاره: الحاذق بالشي‌ء، و يقال للبرذون و الحمار: فاره بيّن الفروهة و الفراهة و الفراهية. و براذين فره وزان حمر و فرهة، و فره الدابّة و غيره من باب قرب، و في لغة من باب قتل، و هو النشاط و الخفّة. و فلان أفره من فلان: أى أصبح، و جارية فرهاء: أى حسناء، و جوار فره.

مقا- فره: كلمة تدلّ على أشر و حذق، من ذلك الفاره: الحاذق بالشي‌ء. و‌

74

الفره: الأشر. و ناقة مفره و مفرهة: إذا كانت تنتج الفره.

صحا- الفاره: الحاذق بالشي‌ء، و قد فره يفره فهو فاره، و هو نادر، مثل حامض، و قياسه فرية و حميض. و يقال للبرذون و البغل و الحمار: فاره، و لا يقال للفرس فاره، و لكن رائع و جواد. و أفرهَت الناقة، فهي مُفرِه و مُفرهةُ: إذا كانت تنتج الفُره. و فره بالكسر: أشِر و بَطِر.

لسا- و فره: أشر و بطر، و رجل فره: نشيط أشر. و في التنزيل- و تنحتون من الجبال بيوتا فرهين- فمن قرأه كذلك فهو من هذا- شرهين بطرين. و من قرأه فارهين فهو من فره بالضمّ. قال الفرّاء: معنى فارهين حاذقين، و الفرح في كلام العرب بالحاء: الأشر البطر، فالهاء هاهنا كأنّها قيمت مقام الحاء، و الفره: الفرح.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الفرح الملائم الباطنىّ من دون اصطكاك بما يوجب اغتماما و انكدارا.

فانّ الحاء و الهاء يشتركان في صفات الهمس و الرخاوة و السكون و الاستفال و الصمت و الانفتاح، و يفترقان في الخفاء في الهاء، و البحّة في الحاء.

و البحّة خشونة في الصوت.

فالفره بوجود الهاء: يدلّ على فرح باطنىّ ملائم طبيعىّ. و سبق أنّ الفرح هو مطلق السرور و الانبساط يوجب رفع التألّم. و الطرب خروج عن الاعتدال في السرور. و البطر: تجاوز عن حدّ الطرب كما أنّ الأشر: تجاوز عن حدّ البطر.

فتفسير الفره بالطرب أو البطر أو الأشر: في غير محلّه.

فظهر أن بين موادّ الفرح و الفره و الرفه: اشتقاق أكبر.

و في تقدّم الفاء و هو من الحروف الشفويّة، ثمّ الراء من الحروف اللثويّة، ثمّ الهاء و هو من الحروف الحلقيّة، جريان طبيعىّ سهل في التلفّظ، و هذا الجريان السهل الطبيعىّ غير موجود في الرفه. و هذا هو الفرق بينه و بين الفره و الفرح من‌

75

جهة المعنى أيضا.

. كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ .... وَ تَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبٰالِ بُيُوتاً فٰارِهِينَ- 26/ 149 أى على حالة الفره و السرور الملائم الطبيعىّ، من دون توجّه و تنبّه الى وظائفه المعنويّة و الحياة الروحانيّة و ما بين يديه من الابتلاءات و العواقب المولمة.

و هذا كالغفلة حيث إنّها تمنع عن التوجّه و المجاهدة و العمل. و تنقضي أيّام حياته و هو في خسران مبين.

و أمّا مفهوم الحذاقة: فانّ الحذاقة بمعنى المهارة، و بمعنى القطع، و حالة السرور الطبيعي و وجوده و تحقّقه نوع مهارة في العيش و كمال التذاذ في الحياة الدنيويّة، و مثله القاطعيّة في تشخيص الخير المادّىّ، و لا يبعد اختلاط معنيي الفره و الفرى كما سيجي‌ء.

فرى

مقا- فرى: عظم الباب: قطع الشي‌ء. ثمّ يفرّع منه ما يقاربه. من ذلك فريت الشي‌ء أفريه فريا. و ذلك قطعكه لإصلاحه. ابن السكّيت: فرى إذا خرز، و أفريته: إذا أنت قطعته للإفساد. و من الباب: فلان يفرى الفرىّ، إذا كان يأتى بالعَجَب، كأنّه يقطع الشي‌ء قطعا عجبا. و يقال فرى فلان كذبا، يفريه، إذا خلقه، و تفرّت الأرض بالعيون: انبجست. و الفرى: الجبان، لأنّه فرى عن الإقدام، أى قطع. و الفرى أيضا: مثل الفرىّ و هو العجب. و الفرى: البهت و الدهش، يقال فرى يفرى فرى. و من الباب: الفروة الّتى تلبس. و قال قوم: إنّما سمّيت فروة من قياس آخر، و هو التغطية، لذلك سمّيت فروة الرأس، و هي جلدته. و منه الفروة و هي الغنى و الثروة. و الفروة: كلّ نبات مجتمع إذا يبس.

مصبا- الفروة: الّتى تلبس، قيل بإثبات الهاء، و قيل بحذفها، و الجمع الفراء. و الفروة: جلدة الرأس، و الثروة. و فريت الجلد فريا من باب رمى: قطعته‌

76

على وجه الإصلاح. و أفريت الأوداج: قطعتها. و أفريت الشي‌ء: شققته، و انفرى و تفرّى: إذا انشقّ. و افترى عليه كذبا: اختلقه، و الاسم الفرية. و فرى عليه يفرى من باب رمى: مثل افترى.

صحا- الفرو: الّذى يلبس، و الجمع الفراء، و افتريت الفرو: لبسته.

الفرّاء: إنّه لذو فروة في المال و ثروة: بمعنى. و فريت الأرض: سرتها و قطعتها. و فرى فلان كذبا، إذا خلقه.

الفروق 34- الفرق بين قولك اختلق، و قولك افترى: أنّ افترى قطع على كذب و أخبر به. و اختلق قدّر كذبا و أخبر به. لأنّ أصل افترى: قطع. و أصل اختلق: قدّر.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو قطع مع تقدير. و القيدان لازم أن يلاحظا في موارد استعمال المادّة.

و من مصاديقه: قطع مسافة و سير مع تقدير. و خرز مع نظم. و خلق في قطع. و شقّ معيّن في حدّ. و كذا الانبجاس. و الإصلاح أو الإفساد ليسا من قيود الأصل.

و أمّا مفاهيم- التلبّس و التغطية و الجلدة مع الشعر و الثروة و ما يصنع من الجلود: فهي ممّا يتعلّق بالواوى- الفرو.

و أمّا مفاهيم العجب و الجبن: فتجوّز، بمناسبة محدوديّة و تجدّد أمر.

و الافتراء: افتعال و يدلّ على اختيار الفعل و قصده، سواء كان في صلاح أو فساد، و في كذب أو صدق، فإن هذه الأمور خارجة عن مفهوم الأصل.

فالافتراء في مورد الكذب: كما في-. فَمَنِ افْتَرىٰ عَلَى اللّٰهِ الْكَذِبَ- 3/ 94. وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرىٰ عَلَى اللّٰهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيٰاتِهِ- 6/ 21‌

77

. أَفْتَرىٰ عَلَى اللّٰهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ- 34/ 8 أى جزّء و قدّر الكذبَ على اللّٰه. فالكذب متعلّق الافتراء، و هو المبان المقدّر منه.

فهذا الافتراء قبيح من جهتين: جهة الافتراء، و جهة الكذب.

و الافتراء المطلق: كما في-. أَمْ يَقُولُونَ افْتَرٰاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ- 32/ 3. قُلْ آللّٰهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّٰهِ تَفْتَرُونَ- 10/ 59. قٰالُوا مٰا هٰذٰا إِلّٰا سِحْرٌ مُفْتَرىً- 28/ 36. وَ قٰالُوا مٰا هٰذٰا إِلّٰا إِفْكٌ مُفْتَرىً- 34/ 43. وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّٰهِ فَقَدِ افْتَرىٰ إِثْماً عَظِيماً- 4/ 48 سبق أنّ الإذن: هو الاطّلاع مع الرضا. و السحر: هو الصرف الى ما هو خلاف الحقّ و الواقع. و الإفك: هو الصرف و القلب عن وجهه. و الشرك: هو نسبة أمر إلى غير من هو له.

فيظهر من هذه الإطلاقات: أنّ الافتراء في قبال الحقّ، بمعنى أنّ المفترى انّما يقطع و يقدّر أمرا في قبال الحقّ، و هذا بناء على عقيدته و علمه، و إن كان المفترى المقطوع حقّا في الواقع و من حيث لا يتوجّه، كما في مصداق السحر و الإفك المذكورين في الآيتين.

. أَمْ يَقُولُونَ افْتَرٰاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيٰاتٍ- 11/ 13. أَمْ يَقُولُونَ افْتَرٰاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ- 10/ 38 فانّ هذا القرآن الكريم إن كان مفترى من عند رسول اللّٰه (ص)، و هو بشر مثلكم: فيمكن لكم أيضا أن تفتروا مثله، و أنتم تدّعون تفوّقا و فضيلة عليه من جميع الجهات، و قد نزل القرآن على لسانكم.

فلكم أن تأتوا بسورة مثله و هي مفتراة من عندكم.

و قد قلنا إنّ القرآن الكريم معجز من جهة اللفظ و المعنى:

78

أمّا من جهة اللفظ: فانّ كلماته قد اختيرت من بين الكلمات المترادفة و المتقاربة مفهوما، ما يكون أنسب و ألطف و أحسن في مقام بيان المراد. و كذا جملاته من جهة رعاية التركيب و التقديم و التأخير و التعبير بالصيغ المختلفة و سائر قواعد البيان.

و أمّا من جهة المعنى: فانّ مفاهيمه حقائق واقعيّة و أحكام متيقّنة و مطالب مسلّمة لا ريب فيها و لا يأتيه الباطل.

و أمّا ما يترتّب على الافتراء من جهة الآثار الطبيعيّة و الإلهيّة: فهو سلب الاعتماد و الاطمينان فيما بين الناس عنه، و الانحراف عن الصدق و الحقّ، و إضلال أفكار الأفراد و سوقهم الى الباطل، و الانقطاع عن اللّٰه عزّ و جلّ و الانحراف عن سبيله، و انقطاع الفيوضات الربانيّة و تجليّات الرحمة و اللطف، و نزول العذاب و النقمة.

. قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرٰامِي وَ أَنَا بَرِي‌ءٌ مِمّٰا تُجْرِمُونَ- 11/ 35. قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلٰا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللّٰهِ شَيْئاً- 46/ 8. وَيْلَكُمْ لٰا تَفْتَرُوا عَلَى اللّٰهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذٰابٍ- 20/ 61. إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنٰالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ ذِلَّةٌ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ كَذٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ- 7/ 152 فيتعقّب الإجرام في الآية الاولى، و الإجرام قطع النفس عن الحق باكتساب الإثم. و فقدان المعاونة و النصرة في دفع الضرر في الثانية. و شمول العذاب في الثالثة. و الغضب و الذلّة في الرابعة.

. قٰالُوا يٰا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا- 19/ 27 الفرىّ فعيل: ما يكون قطيعا ذا تقدير، أى إنّ هذا الأمر من أحدوثتك المقدّرة المجزّأة، و جريان قطيع مقدّر لم يكن له سابق، و هو من صنيعك بهذه الخصوصيّة.

79

فزّ

مقا- فزّ: اصيل يدلّ على خفّة و ما قاربها، تقول فزّه و استفزّه: إذا استخفّه- ليستفزونك- أى يحملونك على أن تخفّ عنها. و أفزّه الخوف و أفزعه:

بمعنى. و قد استفزّ فلانا جهله. و رجل فزّ: خفيف. و يقولون فزّ عن الشي‌ء: عدل. و الفزّ: ولد البقرة، و يمكن أن يسمّى بذلك لخفّة جسمه.

صحا- فزّ الجرح يفز فزيزا: ندي و سال. و أفززته: أفزعته و أزعجته و طيرت فؤاده.

لسا- فزّه فزّا و أفزّه: أفزعه و أزعجه و طير فؤاده. و استفزّه من الشي‌ء:

أخرجه. و استفزّه: ختله حتّى ألقاه في مهلكة. و استفزّه الخوف: استخفّه. و استفزز من استطعت منهم بصوتك- قال الفرّاء: استخفّ بصوتك و دعائك. قال، و كذلك- و إن كادوا لَيستفِزّونك من الأرض- ليستخفّونك. أبو عبيد: أفززت القومَ و أفزعتهم، سواء. و فزّ الجرح و الماء يفزّ فزا و فزيزا و فصّ يفص فصيصا: ندى و سال بما فيه. ابن الأعرابىّ: فزفز: إذا طرد إنسانا و غيره. و في النوادر: افتززت و ابتززت و ابتذذت و قد تباذذنا و تباززنا و قد بذذته و بززته و فززته: إذا غررته و غلبته.

و قعد مستوفزا: غير مطمئنّ.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو التطيّر و الاضطراب، و يقابله التثبّت و الاطمينان، مادّيّا أو معنويّا.

و من مصاديقه: التخفّف مع اضطراب. و سيلان الدم أو الماء بترشّح و اضطراب. فالقيدان ملحوظان فيه.

و أمّا الفزع و الزعج و العدول و الخروج و الختل و الغرور و الغلبة و غيرها:

فمن لوازم الأصل و آثارها.

80

و أمّا ولد البقرة: فانّه لم يتثبّت و هو في تطيّر و اضطراب.

. وَ لَوْ لٰا أَنْ ثَبَّتْنٰاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا .... وَ إِنْ كٰادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهٰا- 17/ 76 فذكر الاستفزاز في قبال التثبيت: يدلّ على الأصل. و ذكر الخروج بعده:

يدلّ على أنّ مفهوم المادّة في مرتبة قبل الخروج. و هو التطيّر و الاضطراب و نفى التثبّت و الاطمينان، حتّى يحصل التزلزل.

. وَ اسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ- 17/ 64 يراد سلب الثبات و الطمأنينة منهم، حتّى يحصل لهم الاضطراب و التزلزل و يتطيّروا عن استقرارهم.

. يٰا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً فَأَرٰادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنٰاهُ وَ مَنْ مَعَهُ- 17/ 103 أى أراد أن يسلب عنهم استقرارهم و اطمينانهم في ملكهم حتّى يتزلزل سلطانهم و يضطرب أمرهم.

و أمّا التعبير بصيغة الاستفعال و هي تدلّ على الطلب: فانّ التطيّر و الاضطراب إنّما يتحصّل بمقدّمات و أسباب حتّى يتحقّق التزلزل و الاضطراب، و ينتفي الاطمينان و التثبّت.

و هذا المعنى بالنسبة الى الأفراد معلوم. و أمّا بالنسبة الى اللّٰه المتعال القادر المطلق القيّوم المحيط: فانّه تعالى إنّما ينهى عن عمل الفساد و الشرّ، كما أنّه لا يعمل به.

و أمّا طلب الفساد عند الاقتضاء بسلب التوفيق و التوجّه و التأييد، في مقام المؤاخذة و المعاقبة: فهو عين الخير و الصلاح و النظم.

فنتيجة الطغيان بعد إتمام الحجّة (اذهب الى فرعون إنّه طغى) إنّما هي سلب اللطف و الهداية و التوفيق (فأهلكناهم بذنوبهم و أغرقنا آل فرعون)، و نتيجة‌

81

سلب التوفيق: ختم على القلوب.

فزع

مصبا- فزع منه فزعا فهو فزع من باب تعب: خاف، و أفزعته و فزّعته ففزع، و فزعت اليه: لجأت، و هو مفزع، أى مُلجأ.

مقا- فزع: أصلان صحيحان: أحدهما- الذعر. و الآخر- الإغاثة. فأمّا الأوّل- فالفزع، يقال فزع، إذا ذعر، و أفزعته أنا، و هذا مفزع القوم، إذا فزعوا اليه فيما يدهمهم. فأمّا فزّعت عنه: فمعناه كشّفت عنه الفزع- حتّى إذا فزّع عن قلوبهم. و المفزعة: المكان يلتجئ اليه الفزع. و الأصل الآخر- الفزع: الإغاثة، يقولون: أفزعته، إذا رعبته. و أفزعته، إذا أغثتَه، و فزعت اليه، فأفزعنى، أى لجأت اليه فزعا، فأغاثَنى.

لسا- الفزع: الفرق و الذعر من الشي‌ء، و هو في الأصل مصدر، فزع منه و فزع فزعا و فزعا و فزعا، و أفزعه و فزّعه: أخافه و روّعه. و تقول فزعت اليك و فزعت منك، و لا تقل فزعتك. و المفزع و المفزعة: الملجأ، و قيل المَفزع: المستغاث به، و المَفزعة: الّذى يفزع من أجله، فرّقوا بينهما. قال الفرّاء: المفزّع يكون جبانا و يكون شجاعا، فمن جعله شجاعا مفعولا به: قال، بمثله تنزل الأفزاع. و من جعله جبانا جعله يفزع من كلّ شي‌ء. و فزعته: أعنته: بمعنى فزعت له، و هذا هو الصحيح المعوّل عليه. و الإفزاع: الإغاثة. و الإفزاع: الإخافة. و هو من الاضداد.

مفر- فزع: الفزع انقباض و نفار يعترى الإنسان من الشي‌ء المخيف، و هو من جنس الجزع.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو خوف شديد مع اضطراب و دهشة عند‌

82

عروض مكروه عظيم مفاجأة- راجع الخوف.

و على هذا يذكر في موارد الخوف المطلق فانّه مرتبة من الخوف:

. إِذْ دَخَلُوا عَلىٰ دٰاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قٰالُوا لٰا تَخَفْ- 38/ 22 فنهى عنه بعنوان الخوف، و جملة إذ دخلوا: تدلّ على المفاجأة.

و يذكر في قبال الأمن، فانّ الخوف يقابل الأمن:

. مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهٰا وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ- 27/ 89 أى من جاء يوم القيامة بالحسنة، و معه حسنة مطلقة في اعتقاده و صفاته الباطنة و أعماله الظاهرة: فهو آمن من فزع ذلك اليوم و خوفه المطلق:

. فَمَنْ آمَنَ وَ أَصْلَحَ فَلٰا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لٰا هُمْ يَحْزَنُونَ- 6/ 48 و يذكر الحزن أيضا من لواحقه و آثاره، فانّ الحزن اغتمام يظهر من فوات أمر مفيد أو من حدوث أمر ضارّ واقع. كما أنّ الخوف اغتمام و انقباض القلب من أمر مكروه متوقّع. فتحقّق الخوف و الفزع و الخشية يوجب حدوث الحزن:

. أُولٰئِكَ عَنْهٰا مُبْعَدُونَ .... لٰا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَ تَتَلَقّٰاهُمُ الْمَلٰائِكَةُ- 21/ 103 أى وقوع الفزع الأكبر و إحاطته بذلك اليوم، بسبب ظهوره مفاجأة، و حصول اغتمام و خوف شديد متوقّع يوجب الحزن لأغلب الناس:

. وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ- 27/ 87. وَ لٰا تَنْفَعُ الشَّفٰاعَةُ عِنْدَهُ إِلّٰا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتّٰى إِذٰا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قٰالُوا- 34/ 23 يقال فزّعته و خوّفته أى جعلته خائفا و فزعا، و فزّع و خوّف فهو مفزّع و مخوّف أى المجعول فزعا و خائفا، و المخوّف عنه و المفزّع عنه من يجعل التخويف و التفزيع منحىّ و مبعّدا عنه.

فالأصل في المادّة واحد، و يختلف باستعمالها بالحروف، فيقال: مخوّف له، و مفزّع له، و مفزّع عنه، و مفزّع اليه. و بهذه الجهة يظهر مفاهيم الانكشاف و‌

83

الاستغاثة و الالتجاء و غيرها.

فانّ التفزّع الى شي‌ء: يفيد معنى الالتجاء و التوجّه اليه. و التفزّع له: يفيد معنى قائما له. و هكذا.

فسح

مقا- كلمة واحدة تدلّ على سعة و اتّساع، من ذلك الفسيح: الواسع.

و فسّحت المجلس.

مصبا- فسحت له في المجلس فسحا من باب نفع: فرجت له عن مكان يسعه، و تفسّح القوم في المجلس، و فسح المكان فهو فسيح، و أفسح لغة فيه. و يتعدّى بالتضعيف فيقال فسّحته.

صحا- الفسحة: السعة، و مكان فسيح، و مجلس فسح على فعل، أى واسع، و فسح له في المجلس، أى وسع له، و انفسح صدره: انشرح، و تفسّحوا في المجلس و تفاسحوا، أى توسّعوا.

التهذيب 4/ 327- الليث- الفساحة: السعة الواسعة في الأرض، تقول:

بلد فَسيح، و مَفازة فسيحة، و أمر فسيح، و لك فيه فسحة، أى سَعة، و الرجل يفسح لأخيه في المجلس فسحا، إذا وسع له، و القوم يتفسّحون، إذا مكّنوا، و يقال انفسح طرفك إذا لم يردّده شي‌ء عن بعد النظر.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو إيجاد و انفراج في المحلّ. و هذا غير الوسع، فانّه إحاطة و شمول (فرا گرفتن در گشايش) و يعبر عن الفسح بالفارسية (به باز كردن محلّ).

و الوسع أعمّ من أن يكون في محلّ أو حالّ، مادّيّا أو معنويّا.

84

فيقال: وسع علمه و كرسيّه و رحمته و عدله و حكمه و سلطانه و ماله و نفوذه، و لا يقال فسح علمه و حكمه و رحمته.

. يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجٰالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللّٰهُ لَكُمْ- 58/ 11 التفسّح: إختيار إيجاد فسحة و فرجة. و الفسح: إيجاد الفرجة و رفع التضيّق في المحلّ.

فظهر لطف التعبير بالمادّة في المورد، دون الوسع و غيره.

ثمّ إنّ التفسّح مضافا الى إيجاد محلّ لجلوس فرد: يوجب ظهور صفات العطوفة و المحبّة و الخضوع و التواضع و التعاون.

فسد

مصبا- فسد الشي‌ء فسودا من باب قعد، فهو فاسد، و الاسم الفساد، و اعلم أنّ الفساد للحيوان أسرع منه الى النبات، و الى النبات أسرع منه الى الجماد.

مقا- فسد: كلمة واحدة، فسد الشي‌ء يفسد فسادا و فسودا و هو فاسد و فسيد.

مفر- الفساد: خروج الشي‌ء عن الاعتدال قليلا كان الخروج عنه أو كثيرا، و يضادّه الصلاح.

لسا- الفساد: نقيض الصلاح، فسد يفسد و يفسد، و فسد فسادا و فسودا، و لا يقال انفسد. و أفسدته أنا. و قوم فسدى كما قالوا ساقط و سقطى و هالك و هلكى. و المفسدة خلاف المصلحة، و الاستفساد خلاف الاستصلاح.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يقابل الصلاح، و يحصل الفساد‌

85

بحصول اختلال في نظم الشي‌ء و اعتداله:

و الفساد إمّا في الوجود الخارجىّ: كما في:

. لَوْ كٰانَ فِيهِمٰا آلِهَةٌ إِلَّا اللّٰهُ لَفَسَدَتٰا- 21/ 71. وَ لَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوٰاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمٰاوٰاتُ وَ الْأَرْضُ- 23/ 71 أى يوجَد اختلال في نظمهما، و تخرجان عن ميزان الاعتدال.

و إمّا في الأعمال: كما في-. وَ إِذٰا قِيلَ لَهُمْ لٰا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قٰالُوا إِنَّمٰا نَحْنُ مُصْلِحُونَ- 2/ 11. قٰالُوا أَ تَجْعَلُ فِيهٰا مَنْ يُفْسِدُ فِيهٰا وَ يَسْفِكُ الدِّمٰاءَ- 2/ 30 أى إيجاد الاختلال في الأعمال و الإخلال في الأمور.

ثمّ إنّ الإخلال إمّا في قبال النظم التكوينىّ: كالقتل و التجاوز و الظلم و الكفر و الشرك و محاربةُ أهل الحقّ و تضييع الحقوق.

و إمّا في التشريعيّات: كالإفساد و الإخلال في الأحكام الإلهيّة و القوانين الدينيّة و المقرّرات الاسلاميّة.

. الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلٰادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسٰادَ- 89/ 12. يُذَبِّحُ أَبْنٰاءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِسٰاءَهُمْ إِنَّهُ كٰانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ- 28/ 4. إِنَّمٰا جَزٰاءُ الَّذِينَ يُحٰارِبُونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسٰاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلٰافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيٰا- 5/ 36 فاشترط في ترتّب الجزاء أمران: المحاربة بعنوان المقابلة باللّٰه و رسوله، و السعى و الحركة و المجاهدة للافساد.

و أمّا إذا فقد الشرطان: بأن تكون المحاربة لأغراض شخصيّة و اختلافات اخر، أو لم يسع في الفساد، كالجندىّ الضعيف التابع، أو يكون ضعيفا جاهلا مغرورا: فلا يترتّب الجزاء.

نعم من كان محاربا بعنوان الحقيقة و الدين، و كان في جملة المحاربين‌

86

فعلا و عملا، و قصده الإفساد في الأرض: فهو محكوم بهذا الجزاء في أىّ مرتبة كان من المحاربة الفعليّة.

و أمّا أقسام الجزاء: فباعتبار مراتب العدوان و المحاربة.

فسر

مقا- فسر: كلمة واحدة تدلّ على بيان شي‌ء و إيضاحه. من ذلك الفسر، يقال فسَرت الشي‌ء و فسّرته. و الفسر و التفسرة: نظر الطبيب الى الماء و حكمه فيه.

مصبا- فسرت الشي‌ء من باب ضرب: بيّنته و أوضحته. و التثقيل مبالغة.

التهذيب 12/ 406- ابن الأعرابىّ: الفسر: كشف ما غطّى. و قال الليث: الفسر: التفسير، و هو بيان و تفصيل للكتاب. و التفسرة: اسم للبول الّذى ينظر فيه الأطبّاء، يستدلّون بلونه على علّة العليل، و كلّ شي‌ء يعرف به تفسير الشي‌ء و معناه فهو تفسرته. و قال بعضهم: التفسير: كشف المراد عن اللفظ المشكل. و التأويل. ردّ أحد المحتملين الى ما يطابق الظاهر.

صحا- الفسر: البيان. و استفسرته كذا: أى سألته أن يفسره لي. و الفسر:

نظر الطبيب الى الماء.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو شرح مع توضيح، و الفرق بينها و بين موادّ- الشرح، التوضيح، التبيين، الكشف و التفصيل، و التأويل:

أنّ الشرح: بسط مخصوص في موضوع في قبال القبض.

البيان: انكشاف بعد إبهام، بالتفريق و الفصل.

الانكشاف: زوال غطاء و رفعه عن شي‌ء حتّى يظهر.

87

التأويل: جعل شي‌ء متقدّما حتّى يترتّب عليه آخر.

التوضيح: يقابل الخمول و الخفاء.

التفصيل: يقابل الوصل.

فترجمة المادّة بالبيان أو الكشف أو التأويل: تعريف تقريبىّ. و الأصل فيها هو شرح مع توضيح. و من مصاديقه الشرح و إيضاح ما في القارورة من بول المريض. و إطلاق التفسرة على القارورة نفسها تجوّز، فانّها متعلّق التفسير.

. وَ لٰا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلّٰا جِئْنٰاكَ بِالْحَقِّ وَ أَحْسَنَ تَفْسِيراً- 25/ 33 المثل: ما يذكر في مقام التشبيه و التنظير بوجود النبىّ الأكرم و صفاته، كقولهم- انّه مسحور، ساحر، مجنون، شاعر-. انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثٰالَ فَضَلُّوا فَلٰا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا*- 25/ 9 و الأحسن: معطوف على الحقّ، و هو منصوب على كونه غير منصرف. فاللّٰه تعالى يوضح و يبيّن مقام النبىّ بالحقّ و يشرح و يفسّره بأحسن تفسير و إيضاح لا باطل فيه، في قبال أمثالهم.

و لا يخفى أنّ كلمة التفسير الاصطلاحي: قد أخذت من هذا المعنى، و تفسير كلّ كلام يتوقّف على أمرين: الأوّل- فهم مفاهيم الألفاظ و الكلمات على التحقيق و الدقّة، لا على التقريب و التجوّز، فانّ فهم مراد المتكلّم متوقّف على العلم بمداليل الكلمات تحقيقا.

و الثاني- فهم مراد المتكلّم ليتمكّن المفسّرين من الإيضاح و الشرح و البيان، و لا يخرج عن الحقّ، و لا يفسّر الكلام على خلاف المنظور.

و الأمر الأوّل: يتوقّف على الاجتهاد و التحقيق الكامل في اللغات، و تحصيل المعاني الحقيقيّة الأصيلة في الكلمات، و لا سيّما في القرآن المجيد، حيث إنّ الكلمات مستعملة فيه في المفاهيم الحقيقيّة، و لا تجوّز فيها حتّى يوجب إغراء و اضلالا و تحيّرا و اشتباها في فهم المراد.

و الأمر الثاني: يتوقّف على تحقّق النورانيّة الباطنيّة و البصيرة القلبيّة و‌

88

الارتباط المعنوىّ و التوجّه الروحىّ و الانقطاع عن العلائق الدنيويّة، حتّى يتحصّل له نور المعرفة و المحبّة و الارتباط.

و من الأسف: فقدان الشرطين في أغلب المفسّرين، و على هذا تريهم يقلّد كلّ لاحق سابقه، و هم في اكثر الموارد في ريب و تردّد و تحيّر، يشتبه عليهم المعاني، و لا يمكن لهم اليقين في موضوع و لا في حكم. و يتصوّرون أنّ نقل معنى من معاني الكلمة عن كتب اللغات العامّة، و توضيحها المنقول عن كتب التفاسير المتداولة: يكفى في تفسير المراد في القرآن الكريم.

نعم يقول عزّ و جلّ في مبتدإ الكتاب- لا ريب فيه هدى للمتّقين. و قال تعالى:

. إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعٰالَمِينَ- 56/ 78‌

فسق

مصبا- فسق فسوقا من باب قعد: خرج عن الطاعة، و الاسم الفسق. و يفسق بالكسر لغة، حكاها الأخفش، فهو فاسق، و الجمع فسّاق و فسقة.

ابن الأعرابىّ: و لم يسمع فاسق في كلام الجاهليّة مع أنّه عربىّ فصيح و نطق به الكتاب العزيز. و يقال أصله خروج الشي‌ء من الشي‌ء على وجه الفساد، يقال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، و كذلك كلّ شي‌ء خرج عن قشره فقد فسق.

مقا- فسق: كلمة واحدة و هي الفسق، و هو الخروج عن الطاعة. و يقولون إنّ الفأرة فويسقة.

التهذيب 8/ 414- قال الليث: الفسق الترك لأمر اللّٰه و قد فسق يفسق فسقا و فسوقا. و كذلك الميل عن الطاعة إلى المَعصية، كما فسق إبليس عن أمر ربّه. و قال الفرّاء: في- ففسق عن أمر ربّه- خرج عن طاعة ربّه. و العرب تقول‌

89

فسقت الرطبة من قشرها لخروجها منه. و كأنّ الفأرة سمّيت فويسقة لخروجها من حجرها على الناس. و قال أبو عبيدة في- ففسق عن أمر ربّه- أى جار و مال عن طاعته. الليث: رجل فسق و فسّيق.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الخروج عن مقرّرات دينيّة أو عقليّة أو طبيعيّة لازمة. و من مصاديقه: خروج العبد، عن أمر الربّ، و عن طاعته، و عن الأحكام و المقرّرات الاسلاميّة، و عن المقرّرات الأخلاقيّة المسلّمة كالحسد و البخل و التكبّر و الطمع إذا كانت صريحة واضحة، و عن ضوابط طبيعيّة لازمة كما في الرطبة الخارجة عن القشر، و عن ضوابط أصيلة بالكليّة كالفأرة.

و أمّا مفاهيم- الترك و الميل و الجور: فمن لوازم الأصل و آثاره.

و يدلّ على ما ذكرنا من الأصل: قوله تعالى-. وَ مٰا وَجَدْنٰا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَ إِنْ وَجَدْنٰا أَكْثَرَهُمْ لَفٰاسِقِينَ- 7/ 102. فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فٰاسِقُونَ- 57/ 26. إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفٰاسِقِينَ- 63/ 6. وَ مٰا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفٰاسِقِينَ- 2/ 26. مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَ أَكْثَرُهُمُ الْفٰاسِقُونَ- 2/ 110 فانّ التعهّد و الالتزام على مقرّرات لازمة، و كذلك إختيار الهداية و انتخابها، و كذلك قابليّة أن يهديه اللّٰه و يوفّقه، و فقدان مقدّمات الضلالة و الإضلال، و كذلك تحقّق الايمان بالاعتقاد و العمل: إنّما هي في قبال الفسق أى الخروج عن المقرّرات الدينيّة الإلهيّة.

نعم إنّ الفسق لا يجتمع مع التعهّد و الايمان و الاهتداء، كما أنّ ظهور الفسق يكشف عن نقض التعهّد و الايمان و عن انتفاء إختيار الهداية و التوفيق و هداية اللّٰه عزّ و جلّ.

90

فظهر أنّ الفسق بمناسبة الخروج عن المقرّرات الإلهيّة و نقض التعهّدات الايمانيّة: يوجب نقض العهود من جانب اللّٰه عزّ و جلّ.

. فَلَمّٰا زٰاغُوا أَزٰاغَ اللّٰهُ قُلُوبَهُمْ وَ اللّٰهُ لٰا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفٰاسِقِينَ- 61/ 5. فَإِنَّ اللّٰهَ لٰا يَرْضىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفٰاسِقِينَ- 9/ 96. لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فٰاسِقِينَ- 9/ 53. فَأَنْسٰاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ- 59/ 19. وَ لٰا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهٰادَةً أَبَداً وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ- 24/ 4. نَسُوا اللّٰهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنٰافِقِينَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ- 9/ 67. إِنّٰا مُنْزِلُونَ عَلىٰ أَهْلِ هٰذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّمٰاءِ بِمٰا كٰانُوا يَفْسُقُونَ- 29/ 34 فإذا خرج العبد عن وظائف العبوديّة و عن مقام الطاعة. فلا يبقى للّٰه تعالى عهد في إدامة الفيض و اللطف- و أوفوا بعهدي أوفِ بعهدكم.

و قد ذكر في القرآن المجيد من مصاديق الفسق:

امتناع إبليس عن السجدة، التكذيب بالآيات، الذبح على النصب، و الاستقسام بالأزلام، الأكل ممّا لم يذكر اسم اللّٰه عليه، التولّى عن الايمان بالنبىّ و النصرة له، الحكم بغير ما أنزل اللّٰه تعالى، النفاق، الكفر بعد الايمان، عدم الطاعة و العمل في العقود و الشهادات- راجع المعجم.

. بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمٰانِ- 49/ 11 الهمزة في لام التعريف و في الاسم للوصل تسقطان، و تكسر اللام لإلتقاء الساكنين.

أى بئس اسم يذكر بخروج عن مقرّرات العقل و الأدب و الدين، و هذا بعد جملة- و لا تَنابَزوا بالألقاب.

91

فشل

مقا- فشل: يقولون تَفشّل الماء: سال. و الفشل: شي‌ء من أداة الهَودج.

مصبا- فشل فشلا فهو فشل من باب تعب: الجبان الضعيف القلب.

لسا- الفشل: الرجل الضعيف الجبان، و الجمع أفشال. ابن سيده: فشل الرجل: كسل و ضعف و تراخى و جبن. و منه حديث جابر: فينا نزلت- إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا. الليث: رجل فشيل، و قد فشل يفشل عند الحرب و الشدّة:

إذا ضعف و ذهبت قواه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو التهاون في الإرادة و ضعف التصميم من خوف أو غيره. و من آثاره: الاضطراب و الاختلاف و ذهاب القوّة و الجبن و الكسل.

و بهذه المناسبة: تطلق على أداة من الهودج مسترخية لا قوام لها. و على الماء السائل باسترخاء لا يتقوّم.

و يدلّ على الأصل استعمالها في الآيات الكريمة في هذا المورد، كما في قوله تعالى:

. إِذْ هَمَّتْ طٰائِفَتٰانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلٰا وَ اللّٰهُ وَلِيُّهُمٰا وَ عَلَى اللّٰهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ- 3/ 122 أى اهتمّت الطائفتان أن توجد فيهما التهاون في إرادتهم القاطع، بأىّ توهّم و تخيّل من الخروج عن الأهل و البلد، و السفر، و الجهاد، و المقاتلة، و الخوف، و الخطر، مع أنّ اللّٰه وليهما على أىّ حالة و في أىّ صورة.

و مفاهيم الخوف و الضعف و ذهاب القوّة: لا تناسب بزمان قبل مقابلة العدوّ، و قبل شروع الجهاد- تبوّئ المؤمنين للقتال.

92

و في قوله تعالى:

. وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّٰهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتّٰى إِذٰا فَشِلْتُمْ وَ تَنٰازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ- 3/ 152. إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّٰهُ فِي مَنٰامِكَ قَلِيلًا وَ لَوْ أَرٰاكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَ لَتَنٰازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ- 8/ 43. وَ أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ لٰا تَنٰازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَ اصْبِرُوا- 8/ 46 قد علّق الفشل بالاحساس و هو الإحاطة و الغلبة و النفوذ، و بما إذا أريهم كثيرا في الرؤيا، و بالتنازع فيما بينهم.

فانّ الغلبة و النفوذ توجب غرورا و تسامحا، و التسامح يوجب تهاونا في القاطعيّة. و كذلك رؤية الأعداء كثيرا توجب الوحشة و الضعف، و هكذا التنازع و الاختلاف و التفرّق.

و أمّا تقدّم التنازع في الآية الثالثة الأخيرة: فانّ الإطاعة يقابلها التنازع و الاختلاف، ثمّ الفشل بخلاف الغلبة و الغرور، أو الجبن و الوحشة فانّها توجب فشلا ثمّ تنازعا.

فالفشل الحادث في أثر هذه الأمور: هو التهاون في قاطعيّة الإرادة و التصميم، لا الجبن و الضعف و أمثالها.

و أيضا إنّ ذهاب الريح في الثالثة: يناسب قاطعيّة الارادة و التصميم، فانّ الريح هو الجريان المنبعث من امور مادّيّة، و هو يلازم النفوذ و القدرة، فيكون في قبال الفشل.

و يستفاد من الآيات الكريمة: أنّ المؤمنين مأمورون بالتوكّل على اللّٰه عزّ و جلّ، و اتّخاذه تعالى وليّا، و إطاعته و إطاعة رسوله، و الاجتناب عن التنازع، و الاتّحاد و الاتّفاق، و الاستقامة و الصبر، و بهذه الصفات تحصل القاطعيّة و النفوذ و الغلبة على الأعداء، و التوفيق في السلوك الى الكمال و السعادة.

93

و أمّا الفشل: فهو أعظم مانع و أشدّ حجاب للإنسان المؤمن من السلوك الى اللّٰه عزّ و جلّ، و من العمل و السير، في أىّ طريق. و لا سيّما في الأمور الاجتماعيّة، و في تحصيل شوكة المسلمين.

و لا يخفى أنّ مفهوم- الجبان الضعيف القلب: قريب ممّا ذكرناه.

فصح

مصبا- فصح النصارى مثل الفطر وزنا و معنى، و هو الّذى يأكلون فيه اللحم بعد الصيام. قال ابن السكّيت: في باب ما هو مكسور الأوّل ممّا فتحته العامّة، و الجمع فصوح. و أفصح عن مراده: أظهره. و أفصح: تكلّم بالعربيّة. و فصح العجمىّ من باب قرب: جادت لغته فلم يلحن. و أفصح أيضا.

مقا- فصح: أصل يدلّ على خلوص في شي‌ء و نقاء من الشوب من ذلك الكلام الفصيح العربىّ، و الأصل أفصح اللبن: سكنت رغوته. و أفصح الرجل:

تكلّم بالعربيّة. و حكى: فصح اللبن فهو فصيح، إذا أخذت عنه الرغوة. و يقولون:

أفصح الصبح: إذا بدا ضوؤه، و كلّ واضح مفصح.

لسا- الفصاحة: البيان، فصح الرجل فصاحة، فهو فصيح، من قوم فصحاء و فصاح و فصح. رجل فصيح و كلام فصيح، أى بليغ، و لسان فصيح، أى طلق. و أفصح الرجل القول، فلمّا كثر و عرف: أضمروا القول و اكتفوا بالفعل، مثل أحسن و أسرع و أبطأ، و انّما هو أحسن الشي‌ء و أسرع العمل. و أفصح عن الشي‌ء: بيّنه و كشفه. و تفصّح في كلامه و تفاصح: تكلّف الفصاحة. و يوم مفصح: لا غيم فيه و لا قرّ. و أفصحت الشاة و الناقة: خلص لبنها.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ظهور و انكشاف في نفسه من دون توجّه‌

94

الى سابق أو الى شي‌ء آخر، من ظلام أو شوب أو غطاء أو غيرها، كما تلاحظ في التبيين و الانكشاف و البروز.

فالنظر في المادّة الى ظهور شي‌ء و صراحته في نفسه، لا بالنظر الى أمر آخر. و من مصاديقه: الكلام الصريح الواضح. اللسان الصريح المجلى. و اللبن الظاهر الصريح. و اليوم الصافي الصريح.

فالمادّة ليست بمعنى التخليص عن الشوب، و لا الانكشاف برفع الغطاء، و لا البيان بالتفريق و الفصل، و لا الظهور المطلق في قبال البطون، و لا التوضيح في قبال الخمول و الخفاء.

فإذا أريد الاشارة الى صراحة اللسان و ظهوره في نفسه: فلا يناسب أن يقال إنّه أبين أو ذو تخليص أو ذو ظهور أو ذو توضيح أو ذو انكشاف، فانّ كلّا منها يستعمل في مورده الخاصّ به.

. وَ أَخِي هٰارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسٰاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي- 28/ 34 أى أصرح في التكلّم، و منطقه ذو ظهور و انكشاف في نفسه، فيشير الى وجود هذه الحيثيّة في لسانه، لا الى كونه ذا تخليص من الشوب، أو ذا انكشاف يرفع الغطاء، أو ذا بيان يفرّق و يفصّل، أو غير هذه الجهات، فانّ موسى (ع) لم يكن من هذه الحيثيّات مفضولا.

فظهر لطف التعبير بالمادّة في هذا المورد.

و يناسب هذا المعنى قوله- يصدّقنى- فانّ التصديق يحتاج الى الفصاحة لا الى جهة التخليص و الكشف و التبيين و التوضيح و غيرها.

فالتصديق هو التوافق و تطابق في اظهار الدعوى من دون زيادة و نقيصة، بمنطق صريح جلىّ.

و اطلاق الفصاحة في اللسان: يشمل الفصاحة في الكلمة، و في الكلام، و في المتكلّم. بسلامة الكلمة و الكلام عن الغرابة و التنافر و الضعف. و كون المتكلّم ذا قوّة في تأليف تلك الكلمات و الجملات.

95

و أمّا الفصح: كان عيدا لليهود و النصارى يذبحون فيه قربانا، ثمّ يأكلونه مع الخبز و الفطير، و قد يمتدّ هذا العيد الى سبعة أيّام في شهر نيسان، و قد يطلقون الفصح على هذا الطعام.

يقول في لوقا- 22: و قرب عيد الفطير الّذى يقال له الفصح و كان رؤساء الكهنة و الكتبة يطلبون كيف يقتلونه.

ثمّ إنّ هذه الكلمة منقولة من العبرية و السريانيّة و الأراميّة كما في قع، و فرهنگ تطبيقى، و في- قع يقول: (فسح): عيد الفصح عند اليهود، ضحيّة عيد الفصح. (فسحاء)- آراميّة: عيد الفصح.

فصل

مقا- فصل: كلمة صحيحة تدلّ على تمييز الشي‌ء من الشي‌ء و إبانته عنه. يقال فصلت الشي‌ء فصلا. و الفيصل: الحاكم و الفصيل: ولد الناقة إذا افتصل عن امّه. و المفصل: اللسان، لأنّ به تفصل الأمور و تميّز. و المفاصل:

مفاصل العظام. و المفصل: ما بين الجبلين، و الجمع مفاصل. و الفصيل: حائط دون سور المدينة.

مصبا- فصلته عن غيره من باب ضرب: نحيّته أو قطعته، فانفصل، و منه فصل الخصومات، و هو الحكم بقطعها، و ذلك فصل الخطاب، و فصلت المرأة رضيعها فصلا أيضا: قطعته، و الاسم الفصال بالكسر، و هذا زمان فصاله كما يقال زمان فطامه. و منه الفصيل لولد الناقة، لأنّه يفصل عن امّه، فهو فعيل بمعنى مفعول، و الجمع فصلان بضمّ الفاء و كسرها، و قد يجمع على فصال، كأنّهم توهّموا فيه الصفة، مثل كريم و كرام. و فصّلت الشي‌ء تفصيلا: جعلته فصولا متمايزة، و يأتيك بالأمر من مفصله، أى من منتهاه.

صحا- الفصل: واحد الفصول، و فصلت الشي‌ء فانفصل: أى قطعته‌

96

فانقطع. و فصل من الناحية: خرج. و فصلت الرضيع عن امّه فصالا و افتصلته: إذا فطمته، و فاصلت شريكي. و الفصيل: حائط قصير دون سور المدينة و الحصن. و فصيلة الرجل رهطه الأدنون، يقال جاءوا بفصيلتهم أى بأجمعهم.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يقابل الوصل، و سبق في الفرق، انّه في قبال الجمع، و النظر في الفصل الى رفع الوصل.

و هو أعمّ من أن يكون الفصل في أمر مادىّ، كما في- فصل الثوب و الكتاب، أو في أمر معنوىّ، كما في- فصل الحقّ.

و الأغلب استعماله في موضوع واحد، ليصدق رفع الوصل.

فالفصل في المحسوس: كما في-. فَلَمّٰا فَصَلَ طٰالُوتُ بِالْجُنُودِ قٰالَ- 2/ 249. وَ لَمّٰا فَصَلَتِ الْعِيرُ قٰالَ أَبُوهُمْ- 12/ 94. فَأَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمُ الطُّوفٰانَ وَ الْجَرٰادَ .... آيٰاتٍ مُفَصَّلٰاتٍ- 7/ 133 يراد تحوّل الوصل الى الفصل و الانفصال، و كون الآيات منفصلا كلّ من الآخر في الخارج.

و في المعقول: كما في-. كِتٰابٌ أُحْكِمَتْ آيٰاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ- 11/ 1 و في المَقول: كما في-. إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَ مٰا هُوَ بِالْهَزْلِ- 86/ 13 و في عالم الآخرة: كما في-. هٰذٰا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنٰاكُمْ وَ الْأَوَّلِينَ- 77/ 38. إِنَّ اللّٰهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ- 22/ 17 فالانفصال في عالم الآخرة: فانّ المِلاك في حصول الارتباطات و‌

97

الاتّصالات في الحياة الدنيا هو البدن المادّىّ و قواه و تأمين العيش و إدامة الحياة الدنيويّة، كالانس و القرابة و الجوار و الوطن و الشغل و المال و الملك و الفقر و الحاجة، فإذا انقضت الحياة الدنيا يزول البدن و قواه و لوازمه و آثاره، فلا يبقى أنيس و لا رحم و لا جار و لا مال و لا ملك و لا بلد و لا حاجة و لا غنى و لا شي‌ء من اسباب العيشة المادّيّة.

فيتبدّل ملاك الاتّصال و الانفصال: و لا يبقى إلّا السلامة و الصفا و الروحانيّة و الخلوص و الصلاح و المعرفة و الحبّ و الايمان و الصفات الروحانيّة، فهذه الأمور بها تتقوّم الحياة الاخرويّة و بها تتحصّل القرب و البعد و التمايل و التنفّر و الوصل و الفصل:

. لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحٰامُكُمْ وَ لٰا أَوْلٰادُكُمْ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ- 60/ 3 فالأرحام و الأولاد المادّيّين ممّا يتعلّق بالحياة الدنيويّة، و ينتفي بانتفائها، كسائر الموضوعات المربوطة بالدنيا.

. هٰذٰا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ- 37/ 21. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ فِيمٰا كٰانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ- 32/ 25 و تحقّق الفصل يوم القيامة من جهتين: الأوّل- انفصال كلّ من أهل القيامة عن عالم المادّة و عمّا يتعلّق به. و الثاني- تحقّق الانفصال فيما بينهم، بلحاظ ظهور موادّ الاختلافات و تجلّى الآراء الباطنيّة و الأخلاق و الاعمال المختلفة فيما بينهم.

. هٰذٰا يَوْمُ لٰا يَنْطِقُونَ وَ لٰا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ هٰذٰا يَوْمُ الْفَصْلِ- 77/ 38 أى ليس فيه إظهار و لا اعتذار و لا ادّعاء و لا بحث قولىّ، فانّ الباطن يتجلّى في الظاهر، و ينفصل الحقّ من الباطل، و يتشخّص مقام كلّ فرد على ما هو عليه.

و التفصيل تفعيل: و يدلّ على وقوع الفصل و تعلّقه بالمفعول به، فانّ التفعيل‌

98

يلاحظ فيه جهة الوقوع- قد فصّلنا الآيات، نفصّل الآيات، فصّلت آياته، بكتاب فصّلناه، و كلّ شي‌ء فصّلناه تفصيلا، و تفصيل كلّ شي‌ء، آيات مفصّلات.

فالنظر في هذه الموارد الى جهة الوقوع، أى كون الآيات و الكتاب و الأشياء في جهة تعلّق الفصل اليها.

. وَ آتَيْنٰاهُ الْحِكْمَةَ وَ فَصْلَ الْخِطٰابِ- 38/ 20 الحكمة عبارة عن نوع من الأحكام القاطعة و هي الحقائق المسلّمة. و فصل الخطاب عبارة عن المخاطبات الفاصلة المتميّزة المعلومة الّتى لا ترديد و لا إبهام فيها. فالحكمة راجعة الى ما في الاعتقاد القلبي. و فصل الخطاب الى ما يظهر في مقام البيان و التفهيم و التعبير. و الضمير راجع الى داود ع.

. حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلىٰ وَهْنٍ وَ فِصٰالُهُ فِي عٰامَيْنِ- 31/ 14. وَ حَمْلُهُ وَ فِصٰالُهُ ثَلٰاثُونَ شَهْراً- 46/ 15 فيهما دلالة على أنّ فصال الصبىّ قريب من سنتين، فالحمل إذا كان ستّة أشهر: يكون الفطام سنتين كاملتين لينجبر ضعف الحمل و تغذّيه عن امّه. و إذا كان سبعة أو تسعة: يحاسب مجموعا الى ثلاثين شهرا، فينقص من الفطام.

و يدلّ على ذلك التعبير في الآية الاولى بقوله تعالى- في عامين. و في الثانية بقوله- ثلاثون شهرا- بدون حرف في، الدالّ على التمديد.

و أيضا: إنّ العام يدلّ على امتداد جريان مخصوص، و ينطبق على السنة أو ما يقرب منها.

فاللازم في زمان حمل الصبىّ و رضاعه مجموعا: كونه ثلاثين شهرا، و إذا انقضت المدّة: ينقضي زمان ملازمته و اتّصاله داخلا و خارجا.

و أمّا الفصل في المعنويّات: فيتحقّق بالتبيين و التمييز حتّى ينفصل كلّ من المعاني المعقولة عن الآخر مفهوما و في مقام التعقّل.

فظهر أنّ الأصل في المادّة: هو ما يقابل الوصل و رفعه.

و أمّا مفاهيم- التمييز المطلق، و الإبانة المطلق، و الحكم، و التنحية، و‌

99

القطع، و الخروج، و أمثالها: فمن آثار الأصل- راجع الموادّ.

فصم

مصبا- فصمته فصما من باب ضرب: كسرته من غير إبانة، فانفصم. و في التنزيل- لا انفصام لها.

مقا- فصم: أصل صحيح يدلّ على انصداع شي‌ء من غير بينونة، من ذلك الفصم و هو أن ينصدع الشي‌ء من غير أن يبين. و كلّ منحن من خشبة و غيرها فهو مفصوم.

التهذيب 12/ 213- في الحديث- درّة بيضاء ليس فيها فصم و لا وصم. أبو عبيد: الفصم: أن ينصدع الشي‌ء من غير أن يبين، يقال منه: فصمت الشي‌ء أفصمه فصما: إذا فعلت ذلك به. و أمّا القصم بالقاف: فأن ينكسر الشي‌ء فيبين. و أفصم المطر: إذا أقلع. و أفصم الفحل: إذا جفر. و في حديث عائشة- رأيت النبىّ (ص) ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم الوحى عنه، و إنّ جبينه ليتفصّد عرقا. الأصمعىّ: أفصم المطر و أفصى: إذا أقلع.

لسا- الفصم: الكسر من غير بينونة، فصّمه فتفصّم، و خلخال أفصم:

متفصّم. و فصم جانب البيت: انهدم. و الانفصام: الانقطاع.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو انكسار في حدّ يوجب انقطاع الاتّصال و ان لم يحصل الابانة.

و أمّا الانصداع و الانحناء و القلع و الانقطاع و الانهدام: فمن لوازم الأصل، و تعاريف تقريبيّة.

و بينها و بين موادّ- الفطم، الفتّ، الفتق، الفدع، الفدخ، الفرص، الفرز،

100

الفسل، الفصل، الفصى، الفطر، الفقس، الفقش، القصم: اشتقاق اكبر، و لكلّ منها باعتبار خصوصيّة في حروفه: امتياز و خصوصيّة.

. فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّٰاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللّٰهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقىٰ لَا انْفِصٰامَ لَهٰا- 2/ 255 العروة فعلة من العرو بمعنى الوصول النافذ: أى ما يوصل به. و العروة الروحانيّة عبارة عن تحقّق الايمان و الارتباط باللّٰه تعالى و ترك الطاغوت.

و إذا كانت العروة وثيقة: فهي غير منكسرة و غير منقطعة، فلا بوجد فيها انكسار يوجب قطع الاتّصال.

فالإيمان الحقّ يلازم الاستمساك للنفس بالعروة الوثقى، و إذا تحقّق الاستمساك بها في طريق الايمان: فيقع تحت قيمومة الربّ و ولايته و توجّهه و لطفه-. اللّٰهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمٰاتِ إِلَى النُّورِ، وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيٰاؤُهُمُ الطّٰاغُوتُ.

فظهر أنّ الاستمساك بعروة وثقى إنّما يتحصّل بالايمان فقط، أى رسوخ الايمان و ثبوته و تحقّقه في النفس. و ما دام لم تحصل هذه المرتبة من الايمان: فهو على ولاية الطاغوت و شفيرة النار.

و لا يخفى لطف التعبير بالانفصام دون مطلق الانقطاع و الإبانة و الفصل:

فانّ انتفاءها لا يوجب انتفاء الانفصام، و أمّا نفى الانفصام و هو المرتبة الضعيفة من الانقطاع و الابانة و الانفصال: فيدلّ على انتفائها بطريق اولى.

فضح

مصبا- الفضيحة: العيب، و الجمع فضائح و فضحته فضحا من باب نفع:

كشفته. و في الدعاء: و لا تفضحنا بين خلقك، أى استر عيوبنا و لا تكشفها، و‌

101

يجوز أن يكون المعنى اعصمنا حتّى لا نعصى فنستحقّ الكشف.

مقا- فضح: كلمتان متقاربتان تدلّ إحداهما على انكشاف شي‌ء و لا يكاد يقال إلّا في قبيح. و الاخرى على لون غير حسن أيضا. فالأوّل- قولهم- أفضح الصبح و فضّح: إذا بدا، ثمّ يقولون في التهتّك، و الفضوح، قالوا- و افتضح الرجل إذا انكشفت مساويه. و أمّا اللون: فيقولون إنّ الفضح غبرة في طحلة و هو لون قبيح.

التهذيب 4/ 215- قال الليث: الفضح: فعل مجاوز من الفاضح الى المفضوح، و الاسم الفضيحة. و الفضحةُ: غبرة في طحلة يخالطها لون قبيح، يكون في ألوان الإبل و الحمام، و النعت أفضح و فضحاء، و الفعل: فضح يفضح فضحا.

و أفضح البسر: إذا بدت فيه الحمرة. و الفضيحة: اسم لكلّ أمر سيّئ يشهر صاحبه بما يسوء. و يقال افتضح الرجل: إذا ركب أمرا سيّئا فاشتهر به.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو بدوّ الأمر القبيح السيّئ. و من مصاديقه:

انكشاف المساوى و كشفها. و انكشاف العمل القبيح. و ظهور العيب. و ظهور اللون المكروه.

و يقال: أفضح الصبح إذا أبدى بطلوعه أمرا سيّئا. و أفضح البسر إذا أبدى لونا غير حسن. و افتضح إذا اختار الفضيحة.

. قٰالَ إِنَّ هٰؤُلٰاءِ ضَيْفِي فَلٰا تَفْضَحُونِ وَ اتَّقُوا اللّٰهَ وَ لٰا تُخْزُونِ- 15/ 68 فانّ ظهور عمل سيّئ منتسبا الى الضيف يوجب انتسابه الى صاحب البيت فانّ الضيف تابع و في حماية المضيف و تحت لوائه، أى فلا تجعلوني ذا فضيحة و في خزى و هوان.

و سبق في الفحش: الفرق بين موادّ- القبح، السوء، الضرّ، و الفضح، الفساد، الكراهة، الهجن- فراجع.

102

و يظهر لطف التعبير بالمادّة دون أخواتها، فانّ المنظور في المقام بدوّ أمر قبيح و اشتهار عمل سيّ‌ء منتسبا اليه بالتبع.

فضّ

مقا- فضّ: أصل صحيح يدلّ على تفريق و تجزئة، من ذلك فضضت الشي‌ء إذا فرّقته، و انفضّ هو. و انفضّ القوم: تفرّقوا. و من هذا الباب: فضضت عن الكتاب ختمه. و ممكن أن يكون الفضّة من هذا الباب، كأنّها تفضّ لما يتّخذ منها من حلى. و الفضاض: ما تفضّض من الشي‌ء إذا انفضّ. و الفاضّة الداهية، و الجمع فواضّ، كأنّها تفضّ.

مصبا- فضضت الختم فضّا من باب قتل: كسره. و فضضت البكارة.

أزلتها. و فضضت اللؤلؤة: خرقتها. و فضّ اللّٰه فاه: نثر أسنانه. و فضضت الشي‌ء:

فرّقته، فانفضّ.

لسا- فضضت الشي‌ء أفضّه فضّا، فهو مفضوض و فضيض كسرته و فرّقته.

و فضاضه و فضاضه و فضاضته: ما تكسّر منه. و فضّ الخاتم و الختم: إذا كسره و فتحه. و لا يفضض اللّٰه فاه أى لا يكسر أسنانه، و الفم هنا الأسنان.

صحا- الفضّ: الكسر بالتفرقة، و قد فضّه يفضّه، و فضضت ختم الكتاب.

و في الحديث- لا يفضض اللّٰه. و لا تقل- لا يفضض. و المفضّة: ما يفضّ به المدر. و الفضيض: المائل السائل.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو كسر هيئة التجمّع مع التفرّق، أى تكسّر في تشكّل ثمّ التفرّق. فالقيدان ملحوظان في مفهوم الأصل. و من مصاديقه: انكسار في تجمّع القوم و تفرّقهم. و انكسار في هيئة الخاتم و تفرّق شكله. و انكسار في‌

103

تشكّل في بكارة و زواله. و هكذا في تشكّل اللؤلؤة. و في الفم. و في تجمّع الماء.

فليس مطلق مفهوم التفريق، التجزئة، الكسر: من الأصل.

و الفم: عبارة عن مجموع عضو متشكّل من الشفة و اللسان و السنّ و غيرها، و تكسّره يتحصّل بتكسّر ذلك التشكّل المتجمّع، بانتفاء واحد من الأجزاء أو أكثر، حتّى يتعذّر التكلّم و الأكل.

و الخاتم: ما يختم به كتابة أو غيرها، بخاتم محفور أو بطين أو غيرها.

. وَ إِذٰا رَأَوْا تِجٰارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهٰا وَ تَرَكُوكَ قٰائِماً- 62/ 11. وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ- 3/ 159. لٰا تُنْفِقُوا عَلىٰ مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللّٰهِ حَتّٰى يَنْفَضُّوا- 63/ 7 يراد تكسّر التجمّع حول رسول اللّٰه (ص) و تفرّقهم.

و لا يخفى أنّ أكثر موارد التجمّع و التشكّل: إمّا لجلب نفع عاجل أو لدفع ضرر مادّىّ، و الإنسان إذا كان في مسير الحياة الدنيا: يكون نظره الى هذه الجهة باطنا. و لو أظهر تمايلا الى الحياة الروحانيّة: فهو عرضىّ و ليس عن جدّ و خلوص و صميم نيّة. و على هذا يرى اكثر الناس معرضين عن الحقّ إذا شاهدوا ضررا و خسارة دنيويّة- قال تعالى- انفضّوا من حولك و تركوك قائما.

فاللازم في مقام الدعوة و التربية: رعاية هذه الجهة في الّذين لم يبلغوا حدّا آثروا الحياة الآخرة، و التوجّه الى تأمين معاشهم و منافعهم الدنيويّة. ثمّ تفهيم حقيقة العيشة الروحانيّة، باللين و العطوفة.

و أمّا الفضّة: فهي فعلة للنوع، و تدلّ على نوع من التكسّر و التفرّق، و هذا الفلزّ تصنع منه المسكوكات، فتكسّر على أشكال صغيرة مختلفة و تفرّق و تنتشر في أيدى الناس، و بها يتعاملون.

و قد عبّر في القرآن المجيد عن النقدين الذين هما من أعظم ما يتوجّه و يتعلّق و يتمايل اليهما، بالذهب و الفضّة: إشارة الى أنّ باطن هذين النقدين هو الذهاب و المضىّ و التحوّل و الجريان و عدم الثبوت في الذهب. و التكسّر و التفرّق و‌

104

الانبثاث. و هذا أيضا نوع من المضىّ و الذهاب. فهذان النقدان المتداولان لاثبات لهما حتّى يسكن اليهما.

. زُيِّنَ لِلنّٰاسِ حُبُّ الشَّهَوٰاتِ مِنَ النِّسٰاءِ .... مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ- 3/ 14. وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لٰا يُنْفِقُونَهٰا- 9/ 34. لَجَعَلْنٰا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ- 43/ 33. وَ حُلُّوا أَسٰاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ- 76/ 21 و لا يخفى أنّ الاشتهاء و التعلّق بهما و كذلك ضبطهما و ادّخارهما و كذلك اختيار لوازم البناء و سائر الأسباب كالأوانى منهما: على خلاف مقتضى النقدين المتداولين فيما بين أيدى الناس لمعاملاتهم و رفع احتياجاتهم و تأمين معايشهم.

. وَ يُطٰافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ أَكْوٰابٍ كٰانَتْ قَوٰارِيرَا قَوٰارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهٰا تَقْدِيراً .... وَ حُلُّوا أَسٰاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ- 76/ 15 و قد اختيرت الفضّة من الفلزّات: من جهة صفائها و بروقها و ابيضاضها و لينتها ذاتا، و لمّا كانت أسباب العيش في الآخرة خارجة عن الموادّ الدنيويّة الكثيفة: فلا بدّ من كونها ممّا بشبهها في الصورة و الصفات الممتازة، و فيها صفاء و لطف و نورانيّة و بروق.

مضافا الى كونها منكسرة منبثّة في قبال الجلال و العظمة و الكبرياء، ليس لها من التشخّص و التكبّر و الأنانيّة شي‌ء كما في الفضّة.

فأهل الآخرة يحلّون بهذه المقامات و الصفات النورانيّة.

و آثار التحلّى و خصوصيّاتها و لوازمها تختلف باختلاف الموضوع و المحلّ و الشكل و المورد و مراتب الأشخاص: كالذهب و الفضّة، و الساعد و العنق و الصدر، و الأساورة و الحلقة و العقد و التاج، و في مورد أصحاب اليمين و السابقين و الحور العين باختلاف مراتبهم، و في سائر الأسباب و الوسائل اللازمة كالأوانى و غيرها.

105

فالأوانى من الفضّة: تناسب ما به يؤخذ الفيض من ظروف روحانيّة و قلوب نورانيّة و الاستعدادات المنبسطة الطاهرة.

و الأساور من فضّة: تناسب ما به يحلّى اليد في مقام العمل و اظهار القدرة و الفعّاليّة: من الإخلاص و التوجّه و المحبّة و الطاعة.

و أمّا حقائق هذه الموضوعات المرتبطة بعالم الآخرة: فخارجة عن إدراكنا، و لا يمكن لنا الوصول الى جزئيّاتها و خصوصيّاتها.

فضل

مصبا- فضل فضلا من باب قتل: بقي. و في لغة فضل يفضل من باب تعب، و فضل يفضل لغة على تداخل اللغتين. و فضل من باب قتل أيضا: زاد، و خذ الفضل أى الزيادة و الجمع فضول. و قد استعمل الجمع استعمال المفرد فيما لا خير فيه، و لهذا نسب اليه على لفظه فقيل فضولىّ، لمن يشتغل بما لا يعنيه، و اشتقّ منه فضالة. و الفضالة: اسم لما يفضل، و الفضلة مثله. و تفضّل عليه و أفضل إفضالا: بمعنى. و فضّلته على غيره تفضيلا: صيرّته أفضل منه. و استفضلت من الشي‌ء و أفضلت منه: بمعنى. و الفضيلة و الفضل: الخير، و هو خلاف النقيصة و النقص.

مقا- فضل: أصل صحيح يدلّ على زيادة في شي‌ء، من ذلك الفضل:

الزيادة و الخير. و الإفضال: الإحسان. و رجل مفضل. و أمّا المتفضّل: فالمدّعى للفضل على أضرابه و أقرانه. و يقال المتفضّل: المتوشّح بثوبه. و يقولون: الفضل:

الّذى عليه قميص و رداء، و ليس عليه إزار و لا سراويل.

لسا- فلان يتفضّل على قومه: يدّعى الفضل عليهم. و فاضلنى فلان ففضلته أفضله، و هو مفضول: مغلوب. و ما فلان فاضل: كثير يفضل عن القوت.

و فلان تأتيه فواضل ما له. و للرئيس فضول الغنائم، و هي ما يفضل عن القسمة. و‌

106

أكل الطعام و أفضل منه: إذا ترك منه شيئا. و هذه فضلة الماء و فضالته و فضلات منه و فضالات. و أفضل في الحسب: إذا حاز الشرف.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الزيادة على ما هو اللازم المقرّر، لا مطلقا. و بهذا اللحاظ يطلق على الخير و الباقي و الإحسان و الشرف و ترك شي‌ء بعد الطعام و فواضل المال.

فالفضيلة: ما يزيد على ما هو اللازم الجاري. و الإفضال: هو الإعطاء زائدا على ما هو المعمول المقرّر. و المتفضّل: من يدّعى زيادة على ما هو المتعارف المتوقّع.

و الفضل من اللّٰه تعالى: عبارة عن عطائه زائدا على ما هو اللازم المقرّر في مقام تأمين المعاش المادّى و الروحانىّ.

و من مصاديقه: الرحمة، و الأجر العظيم، و الرضوان منه تعالى، و العفو و المغفرة، و رفيع المقام تكوينا أو تشريعا.

ثمّ إنّ الفضل: إمّا ابتدائىّ تكوينا و في أصل الخلقة أو بعده، و إمّا مسبوق بأمور توجد من جانب من يتعلّق به.

فالفضل الابتدائىّ التكوينىّ: كما في-. تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنٰا بَعْضَهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللّٰهُ- 2/ 253. وَ لٰا تَتَمَنَّوْا مٰا فَضَّلَ اللّٰهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلىٰ بَعْضٍ لِلرِّجٰالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَ لِلنِّسٰاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَ سْئَلُوا اللّٰهَ مِنْ فَضْلِهِ- 4/ 32. الرِّجٰالُ قَوّٰامُونَ عَلَى النِّسٰاءِ بِمٰا فَضَّلَ اللّٰهُ بَعْضَهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ- 4/ 34 فهذه الفضيلة الخاصّة للرسل و للرجال إنّما هي في قبال التكاليف و الوظائف المحوّلة عليهم و بمناسبتها، و معلوم أنّ تعلّق أىّ تكليف يتوقّف على وجود الاستعداد و التهيّؤ الذاتىّ في المتعلّق به.

107

فالقوّامية للرجال لا بّدّ أن تكون باقتضاء استعداد فطرىّ و فضيلة مخصوصة لهم من هذه الجهة. و كذلك الرسالة من اللّٰه تعالى و الخلافة منه لا يمكن تحمّلها إلّا بعد تحقّق فضيلة ذاتيّة خاصّة و استعداد مخصوص روحىّ، ليحصل مقام الفناء التامّ و الإخلاص الكامل، و ينمحى آثار الأنانيّة و النفسانيّة بالكليّة، حتّى يستطيع أن يدعو الناس الى اللّٰه عزّ و جلّ لا الى نفسه، و يبيّن أحكامه من دون تسامح.

و لا يخفى أنّ الفضيلة في كلّ موضوع بحسب اقتضاء المورد و بمناسبة الوظيفة المتوجّهة اليه من جانب اللّٰه عزّ و جلّ، و أمّا الاستعداد في مقام الرسالة: فهو مطلق في الجملة و منبسط و متّسع، فانّ الرسالة خلافة من اللّٰه تعالى في أرضه، و الرسول حجّة اللّٰه على خلقه، فلا بدّ أن يتّصف بصفات اللّٰه الحميدة.

و يدلّ على اختلاف الاستعدادات باختلاف المقامات: قوله تعالى: تلك الرّسل فضّلنا بعضهم على بعض، فانّ الرسل إذا كانوا مختلفين من جهة الفضيلة و الاستعداد الذاتىّ، على حسب مأموريّتهم و اختلاف طبقاتهم: فالاختلاف في سائر الطبقات يكون بطريق اولى.

و أمّا النهى عن تمنّى الفضل الّذى يؤتى من جانب اللّٰه: فان الفضل الإلهىّ الابتدائىّ خارج عن اختيار العبد، و لا يحصل بالطلب و التمنّى، فانّه على حسب الحكمة و التدبير و اقتضاء النظم و التقدير. و أمّا الفضل الإلحاقىّ الثانوىّ:

فلا بدّ من أن يكون تحقّقه في أثر الأعمال الصالحة و النيّات الخالصة و المجاهدات الحقّه المستمرّة، فللعبد أن يتوسّل الى هذه الوسائل و المقدّمات، و هذا معنى قوله تعالى- و لا تتمنّوا ... الآية.

و أيضا إنّ الأجر لكلّ عمل محفوظ مضبوط عند اللّٰه تعالى، و كلّ فرد ذكرا أو أنثى يأخذ نصيبه من مجاهدته على حسب مقامه و بمقتضى فطرته و في محدودة استعداده الموجود له فعلا.

ثمّ إنّ الفضل الثانوىّ من اللّٰه عزّ و جلّ يلحقه بحسب اقتضاء الحال و بمقتضى لسان السؤال حالا و مقالا- و اسألوا اللّٰه من فضله.

108

لا يقال إنّ الفضائل الذاتيّة الابتدائية لقوم دون آخرين توجب اعتراضا و انزجارا و سؤالا من جانب هؤلاء الّذين فضّلوا عليهم، بأن هذا على خلاف العدل و اللطف و المساواة.

فيقال أوّلا- إنّ هذا اعتراض على الخلقة من اللّٰه عزّ و جلّ، و الخلقة إنّما هي بسط الرحمة و تجلّى الفيض و إفاضة النور و نشر الجود و الكرم، و الافاضة لا بدّ و أن يتحقّق على مقتضى الصلاح و بحسب النظم و التقدير و التدبير من جانب المفيض الخالق، لا باللغو و بالعبث و الهرج. فهو تعالى لا يسأل عمّا يفعل بمقتضى حكمته التامّة و تدبيره الكامل.

و ثانيا- إنّ هذا الأمر اختلاف في آيات اللّٰه التكوينيّة، و الحكمة تقتضي اختلافا في التكوين و تنوّعا في مراتب الخلقة جنسا أو نوعا أو صنفا أو شكلا أو مرتبة، كما يرى ذلك في الخارج من الموجودات-. وَ مِنْ آيٰاتِهِ خَلْقُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلٰافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوٰانِكُمْ- 30/ 22 فوجود المراتب قوّة و ضعفا و تحقّق الاختلاف جنسا و نوعا: من آيات العلم و القدرة و الحكمة، و من آثار الكمال في النظم، و التماميّة في الخلقة، فليس الأحد في أىّ مرتبة كان أن يسأل بلسان الاعتراض عن مرتبة تكوينه و كيفيّة خلقته.

فانّ في كلّ مرتبة عالية بالنسبة الى السافلة: فضل و فيض و لطف زائد، فكل موجود له نصيب من الجود و الإفاضة الالهيّة قليلا أو كثيرا بحسب التقدير و الحكمة، و هو العليم الحكيم.

و ثالثا- قلنا إنّ الاستعدادات مختلفة، و يدلّ عليها اختلاف الأفراد من جهة الصفات الباطنيّة الذاتيّة الحميدة، كالقناعة و الخضوع و الرأفة و الجود و الشجاعة و العفو و المحبّة و الرضا و التوجّه الى اللّه و التوكّل و الانقطاع و التواضع و غيرها.

فالتفوّق في جهة فضل تكوينىّ إلهىّ يساعد على السلوك الروحانىّ، إن‌