التحقيق في كلمات القرآن الكريم - ج9

- حسن المصطفوي المزيد...
351 /
109

كان التربية و السير على برنامج صحيح و تحت مراقبة لازمة.

و هذا كما في فضيلة خاصّة ممتازة لموسى ع، و فضيلة مخصوصة لهارون (عليه السلام)، و فضيلة ممتازة لعبد صالح من عباد اللّٰه. و فضيلة خاصّة لشعيب النبىّ ص، فلكلّ منهم خصوصيّة و امتياز:

. لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا مٰا آتٰاهٰا- 65/ 7 و رابعا- إنّ للتربية و إيصال الاستعداد الى الفعليّة من مرحلة القوّة:

أهمّيّة في عرض أهمّية الاستعداد الأوّلىّ و في قباله، و ربّ استعداد ذاتىّ لا يبلغ مقام فعليّته، و لا يستفاد منه كما هو حقّه، و ذلك في أثر فقدان التربية و عدم الاهتمام به.

فالرجل كلّ الرجل أن يجتهد في مقام تربية نفسه، و يجاهد بالرياضات و العبادات و تزكية النفس في إصلاحه و تقويته، و هذا هو المقدور لكلّ انسان بحسب اقتضاء قوّته و قدرته و إمكاناته، و حتى لكلّ جماد و نبات و حيوان، فضلا عن الإنسان.

و أمّا البحث عن خصوصيّات التكوين و التفكّر فيها: فغير مفيد، و هو خارج عن القدرة و الاختيار، و ليس إلّا على الخير و الصلاح.

. لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ- 35/ 30. تَرٰاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللّٰهِ وَ رِضْوٰاناً- 48/ 29. إِنَّ اللّٰهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّٰاسِ وَ لٰكِنَّ أَكْثَرَ النّٰاسِ لٰا يَشْكُرُونَ* 40/ 61 و هذا هو الفضل الثانوىّ الإلحاقىّ و الفيض المتعلّق بالناس في أثر دعوتهم و تحقّق الاقتضاء في حالاتهم:

. وَ اللّٰهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَ فَضْلًا وَ اللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ 2/ 268. وَ عَلَّمَكَ مٰا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كٰانَ فَضْلُ اللّٰهِ عَلَيْكَ عَظِيماً 4/ 113. قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّٰهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشٰاءُ- 3/ 73. ذٰلِكَ فَضْلُ اللّٰهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشٰاءُ*- 5/ 54‌

110

فضى

مقا- أصل صحيح يدلّ على انفساح في شي‌ء و اتّساع، من ذلك الفضاء:

المكان الواسع. و يقال أفضى الرجل الى امرأته: باشرها، و المعنى- أنّه شبّه مقدّم جسمه بفضاء و مقدّم جسمها بفضاء، فكأنّه لاقى فضاؤها بفضائه. و من هذا أفضى الى فلان بسرّه إفضاءا. و أفضى بيده الى الأرض: إذا مسّها بباطن راحته في سجوده. و يقولون: الفضا مقصورا: تمر و زبيب يخلطان. و قال بعضهم:

الشيئان يكونان في وعاء مختلطين.

مصبا- الفضاء بالمدّ: المكان الواسع، و فضا المكان فضوّا من باب قعد:

إذا اتّسع، فهو فضاء. و أفضى الى امرأته: باشرها و جامعها. و أفضاها: جعل مسلكيها بالافتضاض واحدا، فهي مفضاة. و أفضيت الى الشي‌ء: وصلت اليه. و أفضيت اليه به: أعلمته.

لسا- فضا يفضو فهو فاض، و قد فضا المكان و أفضى إذا اتّسع، و أفضى الى فلان: وصل اليه، و أصله أنّه صار في فرجته و فضائه و حيّزه. و أفضى اليه الأمر كذلك. و أفضى الرجل: دخل على أهله. و أفضى الى المرأة: غشيها، و قال بعضهم: إذا خلابها فقد أفضى غشى أو لم يغش، و الإفضاء في الحقيقة الانتهاء، و قد أفضى بعضكم الى بعض- انتهى و أوى، عدّاه بإلى لأنّ فيه معنى وصل.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الخلوّ من تقيّد ما. و من مصاديقه: المكان الواسع إذا لوحظ فيه خلوّه و فراغه عن محدودة الأبنية. و اظهار سرّ أو علم أو خبر مكتوم فيصير في خلاء عن المحدوديّة. و إخلاء النفس و إفراغه الى التمايل الى زوج. و إخلاء اليد عن القبض و الحفظ الى الأرض و مسّها. و هكذا.

فلا بدّ في الأصل أن يلاحظ قيد الخلاء عن تقيّد و حد:

111

. فَلٰا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتٰاناً وَ إِثْماً مُبِيناً وَ كَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَ قَدْ أَفْضىٰ بَعْضُكُمْ إِلىٰ بَعْضٍ وَ أَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثٰاقاً غَلِيظاً- 4/ 20 يراد إخلاء كلّ من الزوجين الى الآخر شيئا بمقتضى العقد، فالمرء يفضى المهر و النفقة و ما تحتاج اليه في إدامة المزاوجة. و المرأة تفضى التمتّع منها و سائر الخدمات، و هذا الإفضاء من الطرفين يستمرّ ما داما متزوّجان، و هو بمقتضى العقد اللفظي و التعهّد العملي المستمرّ، و هذا لطف التعبير بالإفضاء في المورد، دون الإيتاء أو التمليك أو الإعطاء أو غيرها، فيشمل ما يوجد بإخلاء الطرفين.

و الميثاق: مفعال من الوثوق و الاطمينان، فانّ إدامة تعيّشهما و ازدواجهما مبتنى على أساس الوثوق و الاعتماد، و كلّ جريان و عمل في طول الزواج كان على هذا الميثاق العملىّ المحكم الغليظ المستمرّ بعد تحقّق ميثاق و عقد لفظىّ.

فكيف يجوز نقض هذه التعهّدات اللفظيّة و العمليّة: بمطالبة شي‌ء و أخذه، و هذا تحيّر و دهشة و تأخير للحقّ.

فطر

مقا- فطر: أصل صحيح يدلّ على فتح شي‌ء و إيراده، من ذلك الفطر من الصوم، يقال أفطر إفطارا، و قوم فطر، أى مفطرون. و منه الفطر و هو مصدر فطرت الشاة فطرا: إذا حلبتها. و الفطرة: الخلقة.

مصبا- فطر اللّٰه الخلق فطرا من باب قتل: خلقهم، و الاسم: الفطرة، قال تعالى- فطرة اللّٰه الّتى فطر الناس عليها. و زكاة الفطرة و هي البدن. و كلّ مولود يولد على الفطرة، أي الفطرة الاسلاميّة و الدين الحقّ. و فطّرت الصائم: أعطيته فطورا، أو أفسدت عليه صومه. و الفطور: ما يفطر عليه. و بالضمّ: المصدر. و الاسم الفطر و أفطر الصائم: دخل في وقت الفطور.

مفر- أصل الفطر: الشقّ طولا، هل ترى من فطور، أى اختلال و وهى‌

112

فيه، و ذلك قد يكون على سبيل الفساد، و قد يكون على سبيل الصلاح. و فطرت الشاة إذا حلبتها بإصبعين، و فطرت العجين إذا عجنته فخبزته من وقته. و فطر اللّٰه الخلق: و هو إيجاد الشي‌ء و إبداعه على هيئة مترشّحة لفعل من الأفعال.

صحا- أفطر الصائم، و الاسم الفطر، و فطّرته أنا تفطيرا، و رجل مفطر، و قوم مفاطير، مثل موسر و مياسير، و رجل فطر و قوم فطر، أى مفطرون، و هذا مصدر في الأصل. و الفطرة: الخلقة. و الفطر: الشقّ، يقال فطرته فانفطر. و تفطّر الشي‌ء:

تشقّق. و سيف فطار: أى فيه تشقّق. و الفطر: الابتداء و الاختراع.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو إحداث تحوّل يوجب نقض الحالة الأوّليّة، كالتحوّلات العارضة المحدثة بعد الخلق الأوّل، و هذا المعنى يصدق على التقدير و الخلق و الإحداث و الإبداع في المرتبة الثانية. و على الصدع و الشقّ و الاختلال بالنسبة الى الحالة السابقة. و على الفتح و الإبراز و الحلب و العجن و الإفطار بمناسبة إحداث حالة.

فالقيدان لازم أن يلاحظا في الأصل.

. تَكٰادُ السَّمٰاوٰاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ- 19/ 90. تَكٰادُ السَّمٰاوٰاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ- 42/ 5. إِذَا السَّمٰاءُ انْفَطَرَتْ- 82/ 1. السَّمٰاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كٰانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا- 73/ 18 الإنفطار انفعال، و يدلّ على القبول و التأثّر في قبال الحوادث و الشدائد العظيمة من دون إختيار. و التفطّر تفعّل، و يدلّ على الطوع و الإختيار في مواجهة امور يوجب إختيار التحوّل في الحالة الفعليّة. و هذا كما في قوله تعالى:

. لَوْ أَنْزَلْنٰا هٰذَا الْقُرْآنَ عَلىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خٰاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللّٰهِ.

و مقابلة التفطّر بالانشقاق في الآية الاولى: تدلّ على أنّ التفطّر غير‌

113

الانشقاق المطلق، ثمّ إنّ المناسب بالسماوات جمعا و بالسماء مطلقا: هو التحوّل في حالتها لا الإنشقاق، فانّ الإنشقاق إنّما يتحقّق في الموضوع المتشخّص المعيّن غالبا.

فالفاطر من أسماء اللّٰه عزّ و جلّ: و يدلّ على من أوجد أحوالا و أبدع كيفيّات حادثة بعد الخلق الأوّل في مقام الربوبيّة و التربية:

. قُلْ أَ غَيْرَ اللّٰهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فٰاطِرِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ- 6/ 14. بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ- 21/ 56. الْحَمْدُ لِلّٰهِ فٰاطِرِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ- 35/ 1. إِنْ أَجْرِيَ إِلّٰا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي- 11/ 51 فتستعمل المادّة فيما يناسب المعنى المذكور، كما في مقام إعطاء الأجر، و الحمد، و الربوبيّة، و الولاية، و غيرها.

و أمّا مفاهيم الخالقيّة و الإيجاد و الإبداع و الإبداء و الاختراع: فهي راجعة الى أصل التكوين العامّ، و هو قبل الربوبيّة و الولاية و مرتبة الحمد و الأجر.

و يدلّ على الأصل قوله تعالى:

. فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللّٰهِ الَّتِي فَطَرَ النّٰاسَ عَلَيْهٰا لٰا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّٰهِ ذٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ- 30/ 30 الدين: اسم مصدر، و هو نفس الانقياد قبال مقرّرات معيّنة من حيث هو، و هذا هو الفطرة و الحالة الحادثة و الكيفيّة العارضة بعد التكوين، و هذه الفطرة هي الّتى قد جبّل الناس عليها، و قد وقع برنامج حياتهم و جريان معاشهم المقرّر المقدّر على هذه الفطرة.

و الخلق: هو إيجاد أمر على كيفيّة مخصوصة، فيشمل الفطر أيضا، فقوله تعالى- لا تبديل لخلق اللّٰه- كالكبرى الكلّيّة.

و أمّا الدين القيّم: فانّه مرتبط بالفطر و الخلق التكويني، و هو امر حقّ يطابق التكوين و في جهة استمراره.

114

. فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنٰا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ- 17/ 51 سبق أنّ الإعادة عبارة عن الرجوع الى العمل في المرتبة الثانية، و ليس معناه الإيجاد و التكوين ثانيا، فانّ التكوين بشي‌ء معدوم: لا يصحّ اطلاق الإعادة عليه، بل هو تكوين مستقلّ ابتدائىّ، فالبعث في المعاد ليس تكوينا و إبداءا، بل إعادة فطر، و فطر ثانوىّ على كيفيّة مخصوصة.

. فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرىٰ مِنْ فُطُورٍ- 67/ 3 يراد حدوث حالات عارضة تخالف الخلق السابق و تنقض النظم و التقدير الأوّل.

فظّ

مصبا- فظّ: شديد غليظ القلب، يقال منه فظّ يفظّ من باب تعب، فظاظة:

إذا غلظ حتّى يهاب في غير موضع.

مقا- فظّ: كلمة تدلّ على كراهة و تكره، من ذلك الفظّ: ماء الكرش، و افتظّ الكرش: إذا اعتصر. قال بعض أهل اللغة: إنّ الفظاظة من هذا، يقال رجل فظّ: كريه الخلق.

التهذيب 14/ 365- عن ابراهيم الحربي: الفظّ: الخشن الكلام. و قال الليث: رجل فظّ ذو فظاظة، و هو الّذى فيه غلظة في منطقه. و الفظظ: خشونة في الكلام.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو خشونة و صلابة في المنطق و في العمل.

و هذا المعنى يقابل اللين المطلق.

. فَبِمٰا رَحْمَةٍ مِنَ اللّٰهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ

115

حَوْلِكَ- 3/ 59 فاللين سبق في الرطب: ما يقابل الخشونة و الصلابة. و قد ذكر الفظّ في قبال اللينة.

و اللين له مفهوم عامّ، كما أنّ الفظّ أيضا يعمّ خشونة في المنطق و خشونة في العلم و في المعاشرة و الصحبة.

و أمّا غلظة القلب: فهي القساوة في القلب، قبال الرأفة و الرحمة و الرقّة.

و قد يكون انسان فظّا و هو رقيق القلب.

و أمّا ماء الكرش: فباعتبار كونه إظهارا فيه خشونة و صلابة، فانّ الفظّ هو إظهار ما فيه خشونة و صلابة في منطق أو عمل.

و أمّا التكرّه: فهو من لوازم الأصل و آثاره.

و لا يخفى أنّ الآية الكريمة تدلّ على الاجتناب عن فظّ في منطق أو عمل، لمن كان موظّفا على التبليغ أو الإصلاح أو العمل في الاجتماع.

فعل

مصبا- فعلته فعلا فانفعل، و الاسم الفعل و جمعه فعال، و الفعلة: المرّة.

و فعل فعالا مثل ذهب ذهابا، و افتعل الكذب: اختلقه.

مقا- فعل: أصل صحيح يدلّ على إحداث شي‌ء من عمل و غيره، من ذلك فعلت كذا أفعله فعلا. و كانت من فلان فعلة حسنة أو قبيحة. و أفعال: الكرم و ما يفعل من حسن.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو إيجاد عمل، فالفعل بلحاظ نسبة العمل الى الفاعل و صدوره منه. و إذا لوحظ جهة الوقوع في الخارج يقال إنّه عمل.

116

و الفعل في نفسه و من حيث هو و هو إيجاد عمل: لا يتّصف بمدح و لا بذمّ، و إنّما هو تابع خصوصيّة المتعلّق و هو العمل الخارجي.

ففي المنكر كما في:

. وَ الَّذِينَ إِذٰا فَعَلُوا فٰاحِشَةً- 3/ 135 و في المعروف كما في:

. فِيمٰا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ- 2/ 234 و من اللّٰه تعالى كما في:

. كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعٰادٍ- 89/ 6 فظهر أنّ الفاعل من حيث هو فاعل: لا يكون ممدوحا و لا مذموما، و المدح و الذمّ إنّما ينشئان من خصوصيّة في متعلّق إيجاد ذلك العمل.

و يدلّ على ما ذكرنا: قوله تعالى- و آمن و عمل عملا صالحا، فليعمل عملا صالحا، إنّى لا أضيع عمل عامل منكم- و لا يصحّ أن يقال: فعل فعلا، و افعل فعلا، و لا أضيع فعل فاعل.

فانّ الإيجاد المطلق من حيث هو: لا يكون متعلّق عمل.

فقد

مقا- فقد: اصيل يدلّ على ذهاب شي‌ء و ضياعه، من ذلك قولهم- فقدت الشي‌ء فقدا. و الفاقد: المرأة تفقد ولدها أو بعلها، و الجمع فواقد. فأمّا قولك: تفقّدت الشي‌ء إذا تطلّبته، فهو من هذا أيضا، لأنّك تطلبه عند فقدك إيّاه- و تفقّد الطير.

مصبا- فقدته فقدا من باب ضرب و فقدانا: عدمته، فهو مفقود و فقيد، و افتقدته: مثله. و تفقّدته: طلبته عند غيبته.

التهذيب 9/ 41- الليث- الفقد: الفقدان، و يقال امرأة فاقد: قد مات‌

117

ولداها أو حميمها. أبو عبيد- امرأة فاقد و هي الثكول. الأصمعى- الفاقد من النساء: الّتى يموت زوجها.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو غيبة شي‌ء عنك بعد حضوره عندك بحيث لا تجده و لا تعلم محلّه، فهو فقيد و مفقود، و أنت الفاقد. فليس في الفقدان عدم و لا ضياع، بل و لا ذهاب مطلق. نعم عدم و ضياع و ذهاب في علمك لا في الخارج.

و هذا هو الفرق بين هذه الموادّ الأربعة.

. قٰالُوا وَ أَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مٰا ذٰا تَفْقِدُونَ قٰالُوا نَفْقِدُ صُوٰاعَ الْمَلِكِ وَ لِمَنْ جٰاءَ بِهِ- 12/ 72 أى غاب عن نظرنا و لا نعلم مكانه.

و التعبير بالفقدان: فانّهم صادقون في هذه الدعوى، لأنّ الصواع غاب عن نظرهم فعلا و لا يدرون مكانه في أىّ جهة.

و الصواع: ما يكال به، و هو يناسب فقدان أخيه، و يعلم بوجدان أخيه و دركه و حضوره مقدار العطاء اللازم لإخوته.

. وَ تَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقٰالَ مٰا لِيَ لٰا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كٰانَ مِنَ الْغٰائِبِينَ- 27/ 20 التفعّل يدلّ على مطاوعة و إختيار، أى أظهر فقد الطيور و تحقيق الاطّلاع عن حضورهم و غيبتهم، فقال ما لي لا أرى الهدهد.

و ذكر- الغائبين- فانّ الغيبة نتيجة الفقدان.

فقر

مصبا- الفقير فعيل بمعنى فاعل، يقال فقر يفقر من باب تعب: إذا قلّ‌

118

ماله. و لم يقولوا فقر، استغنوا عنه بافتقر، و الفقر بالفتح، و الضمّ لغة: اسم منه. و قالوا في المؤنّث فقيرة، و جمعها فقراء كجمع المذكّر، و مثله سفيهة و سفهاء، و لا ثالث لهما، و يعدّى بالهمزة فيقال أفقرته فافتقر. و فقرت الداهية الرجل فقرا من باب قتل: نزلت به، فهو فقير أيضا. و فقارة الظهر: الخرزة، و الجمع فقار، و لا يقال فقارة بالكسر. و الفقرة لغة في الفقارة، و جمعها فقر و فقرات.

مقا- فقر: أصل صحيح يدل على انفراج في شي‌ء من عضو أو غير ذلك، من ذلك الفقار للظهر، الواحدة فقارة، سمّيت للحزوز و الفصول الّتى بينها. و الفقير: المكسور فقار الظهر من ذلّته و مسكنته. و من ذلك فقرتهم الفاقرة، و هي الداهية، كأنّها كاسرة لفقار الظهر. و بعض أهل العلم يقولون: الفقير: الّذى له بلغة من عيش. و أمّا الفقير: فانّه مخرج الماء من القناة، و قياسه صحيح، لأنّه هزم في الأرض و كسر. و أفقرك الصيد: فمعناه أنّه أمكنك من فقاره حتّى ترميه. و يقال فقرت البعير: إذا حززت خطمه ثمّ جعلت على موضع الحزّ الجرير لتذلّه و تروضه. و أفقرتك ناقتي: أعرتك فقارها لتركبها. و فقرت الخرز: إذا ثقبته.

لسا- الفقر و الفقر: ضدّ الغنى، مثل الضعف و الضعف. و رجل فقير من المال، و قد فقر فهو فقير، و الجمع فقراء، و الأنثى فقيرة من نسوة فقائر. و الفقير:

الّذى له ما يأكل، و المسكين الّذى لا شي‌ء له. و الفقرة و الفقرة و الفقارة واحدة فقار الظهر، و هو ما انتضد من عظام الصلب من لدن الكاهل الى العجب.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ضعف يوجب احتياجا، و هو في قبال الغنى، فانّ الغنى هو قوّة يرفع الاحتياج.

و لهذا المعنى مراتب شدّة و ضعفا، و من جهة الحيثيّات، كما يقال إنّه فقير مالا، أو علما، أو أدبا، أو أخلاقا، أو غيرها.

و أعظم مراتب الفقر: هو الفقر في الوجود الذاتي، كما أنّ أعلى المراتب‌

119

في الغنى: هو الغنى بذاته و في ذاته و من جميع الحيثيّات، و ينحصر هذا المعنى في ذات الواجب عزّ و جلّ.

فالفقر الذاتىّ يعمّ قاطبة مراتب الموجودات الممكنة، إذ انّها فقيرة بذاتها و ليس لها من أنفسها حياة و لا وجود و لا قوّة و لا قدرة و لا بقاء. لا يملك لنفسه نفعا و لا ضرّا.

. يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرٰاءُ إِلَى اللّٰهِ وَ اللّٰهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ- 35/ 15. وَ مَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمٰا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَ اللّٰهُ الْغَنِيُّ وَ أَنْتُمُ الْفُقَرٰاءُ- 47/ 38 هذا حقيقة الأمر في الإنسان و في سائر الموجودات. و لكنّ الإنسان المادّىّ المحجوب يتخيّل أنّ الفقر و الغنى إنّما يتحقّقان في موضوع المال و الثروة و التمكّن الظاهرىّ الدنيوىّ، غافلا عن أنّ الحياة الدنيا متاع قليل محدود، بل و لا يأمن الإنسان على بقائه و استمراره و حفظه من الآفات، مضافا الى فقر في نفسه و قواه.

فهو يخاف من الفقر، مع أنّ الفقر جوهر وجوده و من لوازمه، و العلم بحقيقة فقره غاية المعرفة و كمال الإدراك، إذ به يصل الإنسان الى إدراك حقيقة الغنى في اللّٰه عزّ و جلّ.

و بناء على هذا التخيّل و الوحشة: يخوّف الشيطان أولياءه عن الفقر و الاحتياج:

. أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا كَسَبْتُمْ .... وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ الشَّيْطٰانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَ يَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشٰاءِ- 2/ 268 نعم إنّ منتهى رغبة أهل الدنيا و غاية مطلوبهم: هو الغنى المادّىّ و قلع مادّة الفقر في حياتهم الدنيويّة، و هذا هو حقيقة التعلّق بالدنيا و محبّة التعيّش بالعيش المادّىّ. و الشيطان إنّما يخوّفهم من هذا الطريق و يذكّرهم زوال الحياة الدنيا بالفقر.

و هؤلاء المتوغّلون في الحياة الدنيا: يحسبون الفقر في الآخرة أيضا أشدّ‌

120

عذاب و أعظم ابتلاء:

. كَلّٰا بَلْ تُحِبُّونَ الْعٰاجِلَةَ وَ تَذَرُونَ الْآخِرَةَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نٰاضِرَةٌ إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بٰاسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهٰا فٰاقِرَةٌ- 75/ 25 فالباسرة في قبال الناضرة، و هو العبوس من دون رويّة. و الفاقرة في قبال النظر الى الربّ الغنىّ الحميد، و هو ما يوجد فقرا و حاجة و يحيط الحياة في الآخرة. و هذا الظنّ للوجوه الّتى تحبّون العاجلة و تذرون الآخرة.

فهذه الوجوه بزوال الدنيا يشاهدون حقيقة ذواتهم و مقامات أنفسهم الروحانيّة و إحاطة الضعف و الاحتياج بهم و استيلاء الفقر من جميع الجهات عليهم، ثمّ لا يقدرون النظر الى الربّ الغنىّ، حتّى يرتفع فقرهم، و يستفيضوا من نور جلاله و عظمته، كما في الوجوه الناضرة.

. إِنْ يَكُونُوا فُقَرٰاءَ يُغْنِهِمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ- 24/ 32 فظهر أنّ غنى النفس إنّما يحصل بأمرين: الأوّل- باكتساب الفضائل الأخلاقيّة و الإتيان بالأعمال الصالحة. و الثاني- بالنظر الى الربّ و التوجّه و الارتباط و التعلّق به للاستنارة.

ثمّ إنّ اختلاف الناس من جهة الغنى و الفقر في الحياة الدنيا: انّما هو من آثار الحكمة و التدبير في الخلق، و من آيات النظم و العدل في الحياة، و من أسباب المعيشة و المدنيّة في جامعة الإنسان، بلحاظ لزوم وجود الطبقات المختلفة، و تقسيم الأعمال و الوظائف بحسب تلك الطبقات.

و يؤظف الأغنياء بأن ينفقوا على الفقراء، و يؤتوهم ما يحتاجون اليه في معاشهم، و يدفعوا عنهم العسرة و المضيقة:

. وَ لٰا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمٰا آتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ- 3/ 180. وَ إِنْ تُخْفُوهٰا وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَرٰاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ- 2/ 271 فانّ فيه تضعيف التعلّق بالدنيا، و كسر محبّة المال، و التوجّه الى خدمة‌

121

عباد اللّٰه المستضعفين، و نجاة الفقراء من مضيق العيش، و إصلاحا للاجتماع، و هذه من أعظم العبادات للأغنياء.

و أمّا الفقارة: فهي مأخوذة من اللغة السريانيّة (فقارا)- كما في- فرهنگ تطبيقى. مضافا الى أنّ تلك العظام ضعيفة هيّنة. و تشتقّ منها مشتقات بالاشتقاق الانتزاعىّ.

فقع

مقا- فقع: اعلم أنّ هذا الباب و كلمه غير موضوع على قياس، و هي كلمات متبائنة. من ذلك الفقع: ضرب من الكمأة، و به يشبّه الرجل الذليل، فيقال هو أذلّ من فقع بقاع. و الفقع الحصاص و هذا من قولهم فقّع بأصابعه: صوّت. و ممّا لا يشبه الّذى قبله صفة الأصفر، يقال أصفر فاقع. و يقولون: الإفقاع: سوء الحال، يقال منه أفقع. و فواقع الدهر: بوائقه. فأمّا الفقّاع: فيقال انّه عربىّ. قال الخليل: سمّى فقّاعا لما يرتفع في رأسه من الزبد. و الفقاقيع: كالقوارير- فوق الماء.

صحا- الفقوع: مصدر قولك أصفر فاقع، أى شديد الصفرة، و قد فقع لونه يفقع و يفقع فقوعا. و الفاقعة: الداهية. و الفقّاع: الّذى يشرب. و الفقاقيع:

النفاخات الّتى ترتفع فوق الماء كالقوارير، و الفقع: ضرب من الكمأة و هي البيضاء الرخوة، و كذلك الفقع بالكسر، و يشبّه به الرجل الذليل.

لسا- الفقع و الفقع: الأبيض الرخو من الكمأة و هو أردءها، و الجمع فقعة. و الفقع: شدّة البياض، و أبيض فقاعىّ: خالص منه، و الفاقع: الخالص الصفرة الناصعها. و أحمر فاقع و فقاعىّ: يخلط حمرته بياض، و قيل: هو الخالص الحمرة. و قيل: الفاقع: الخالص الصافي من الألوان أىّ لون كان.

122

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الخلوص و الصفاء من انكدار و تلوّن. و من مصاديقه: الخلوص و الصفاء في الألوان بحيث لا يخلط غيره من انكدار أو لون آخر. و الكمأة إذا كانت رخوة صافية بيضاء كأنّها خالصة عن الطعم و اللون و المادّة. و الصوت الصافي الليّن بلا ترجيع و تطويل كأنّه لا تلوّن فيه. و سوء الحال و الذلّة و المرض و الفوت فكأنّها توجب تخلّصا من التلوّن و التقيّد و التحوّل في طول العيش. و الفقّاع باعتبار تصفيتها و تخليصها عن الموادّ.

فظهر أنّ المادّة ليست بمعنى اللون أىّ لون كان.

. إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهٰا بَقَرَةٌ صَفْرٰاءُ فٰاقِعٌ لَوْنُهٰا تَسُرُّ النّٰاظِرِينَ- 2/ 69 فالفاقع صفة للبقرة، أى صفراء و صافية خالصة لا انكدار فيها، بحيث إن لونها من كمال صفائها تسرّ الناظرين.

و اللون فاعل للفاقع، و التذكير باعتبار الفاعل. أو تأنيث تسرّ: باعتبار البقرة الصفراء الفاقعة.

و يقال في الاصطلاح انّ الفاقع صفة بحال متعلّق الموصوف.

و لا يخفى التناسب فيما بين لون الصفراء و الفاقع الّذى يسرّ الناظر، و بين ذبح تلك البقرة في مورد إحياء الميّت: فانّ في إحيائه أيضا كمال مسرّة للورثة.

و يستفاد من هذا الكلام: أنّ للّون و صفائه و انكداره آثارا طبيعيّه في الخارج، و قد أشير الى بعض هذه الآثار و الخواصّ في ألوان الحيوانات و الألبسة و غيرها في الروايات.

. يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ ...،. وَ أَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللّٰهِ- 3/ 106‌

123

فقه

مصبا- الفقه: فهم الشي‌ء. و فقه فقها، من باب تعب: إذا علم، و فقه بالضمّ: مثله. و قيل: الضمّ إذا صار الفقه له سجيّة. قال أبو زيد: رجل فقه بضمّ القاف و كسرها و امرأة فقهة بالضمّ. و يتعدّى بالألف فيقال أفقهتك الشي‌ء. و هو يتفقّه في العلم مثل يتعلّم.

مقا- فقه: أصل واحد صحيح يدلّ على إدراك الشي‌ء و العلم به، تقول فقهت الحديث أفقهه، و كلّ علم بشي‌ء فهو فقه، ثمّ اختصّ ذلك بعلم الشريعة. و أفقهتك الشي‌ء: بيّنته لك.

الفروق 69- الفرق بين العلم و الفقه: أنّ الفقه هو العلم بمقتضى الكلام على تأمّله، و لهذا لا يقال إنّ اللّٰه يفقه، لأنّه لا يوصف بالتأمّل. و تقوله لمن تخاطبه تفقّه ما أقوله، أى تأمّله لتعرفه. و لا يستعمل إلّا على معنى الكلام- لا يكادون يفقهون قولا. و أمّا- و لكن لا تفقهون تسبيحهم: اتى بلفظ التسبيح و هو قول. و سمّى علم الشرع فقها لأنّه مبنى عن معرفة كلام اللّٰه و كلام رسوله.

و الفرق بين الفهم و العلم: أنّ الفهم هو العلم بمعاني الكلام عند سماعه خاصّة، و لهذا يقال فلان سيئّ الفهم، إذا كان بطي‌ء العلم بمعنى ما يسمع، و لا يجوز أن يوصف اللّٰه بالفهم، لأنّه عالم بكلّ شي‌ء على ما هو به فيما لم يزل.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو فهم على دقّة و تأمّل، و بهذا القيد يفترق عن موادّ العلم و المعرفة و الفهم و غيرها.

فالتفقّه تفعل، و يدلّ على اختيار الفهم و الدقّة.

و الفقه غير مخصوص بالكلام، بل في كلّ موضوع يقتضى الفهم و الدقّة و التأمّل فيه: يصدق فيه التفقّه.

124

فالتفقّه في القول كما في:

. وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسٰانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي- 20/ 28. يٰا شُعَيْبُ مٰا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمّٰا تَقُولُ- 11/ 91. لٰا يَكٰادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا- 18/ 93 و في المعاني و المعارف كما في:

. وَ لٰكِنْ لٰا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ- 17/ 44. بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لٰا يَفْقَهُونَ- 63/ 3 و فيما يرتبط بالأمور الاخرويّة كما في:

. قُلْ نٰارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كٰانُوا يَفْقَهُونَ- 9/ 81 و في مطلق التفقّه كما في:

. وَ طُبِعَ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لٰا يَفْقَهُونَ- 9/ 87. ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللّٰهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لٰا يَفْقَهُونَ- 9/ 128 فظهر أنّ الفقه بمعنى الفهم على دقّة و تأمّل. و الفقيه من يكون متّصفا بهذه الصفة. و هو مطلق و لا يختصّ بمورد.

. فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ- 9/ 122 الدين هو الخضوع تحت برنامج و مقرّرات و أحكام معيّنة و يراد منه دين الإسلام. و برنامجه في المرتبة الاولى هو الاعتقادات و الحقائق و المعارف الاسلاميّة. ثمّ ما يرتبط بتزكية النفس و تهذيبها و تحصيل الروحانيّة الباطنيّة. ثمّ الأحكام و المقرّرات المرتبطة بالأعمال الخارجيّة و العبادات و المعاملات.

و بمناسبة هذه الآية الكريمةُ اختصّ الفقيه في لسان أهل الدين: بمن يكون متفقّها في الدين، و لمّا كان المتداول فيما بين عموم المتديّنين الأحكام المربوطة بالطاعات و المعاملات: جعل مختصّا فيما بينهم بمن يتفقّه في تلك الأحكام.

125

و من الأسف: غفلة الناس عن هذه الحقيقة، حيث لم يتوجّهوا الى معارف الإسلام و الى تهذيب النفس و أحكامها، مع أنّ حقيقة الدين هو معارفه، و الفلاح في تزكية النفس-. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّٰاهٰا وَ قَدْ خٰابَ مَنْ دَسّٰاهٰا.

نعم اكتفوا من الأصول و الحقائق بألفاظها، و غفلوا عن حقائقها و عن حقائق ما يرتبط بعلوم التزكية.

و العجب العجيب من العلماء علمائهم، حيث سمّوا أنفسهم فقهاء، و ليس عندهم إلّا ما يرتبط بالفروع، و لا يبحثون إلّا في أحكامها، و لا يدعون الناس إلّا اليها- و قد نسوا و أنسوا ذكر اللّٰه.

في الكافي، قال رسول اللّٰه ص: إنّما العلوم ثلاثة- آية محكمة، و فريضة عادلة، و سنّة قائمة- إشارة الى العلوم الثلاثة.

فكر

مصبا- الفكر: تردّد القلب بالنظر و التدبّر لطلب المعاني. ولى في الأمر فكر، أى نظر و رويّة. و الفكر: مصدر فكرت في الأمر من باب ضرب، و تفكّرت فيه، و أفكرت. و الفكرة: اسم من الافتكار مثل العِبرة من الإعتبار، و جمعها فكر.

مقا- فكر: تردّد القلب في الشي‌ء. يقال تفكّر إذا ردّد قلبه معتبرا. و رجل فكّير: كثير الفكر.

صحا- التفكّر: التأمّل، و الاسم الفكر و الفكرة.

الفروق 58- الفرق بين النظر و الفكر: أنّ النظر يكون فكرا و يكون بديهة.

و الفكر ما عدا البديهة.

و الفرق بين التفكّر و التدبّر: أنّ التدبّر تصرّف القلب بالنظر في العواقب.

و التفكّر تصرّف القلب بالنظر في الدلائل.

126

و أصل النظر: المقابلة، فالنظر بالصبر: الإقبال به نحو المبصر. و النظر بالقلب: الإقبال بالفكر نحو المفكّر فيه. و النظر بالأمل: هو الإقبال به نحو المأمول. و إذا قرن النظر بالقلب فهو الفكر في أحوال ما ينظر فيه. و إذا قرن بالبصر كان المراد به تقليب الحدقة نحو ما يلتمس رؤيته مع سلامة الحاسّة.

و الفرق بين النظر و التأمّل: أنّ التأمّل هو النظر المؤمّل به معرفة ما يطلب، و لا يكون إلّا في طول مدة. فكلّ تأمّل نظر و ليس كلّ نظر تأمّلا.

و الفرق بين البديهة و الرويّة: أنّ الرويّة فيما قال بعضهم: آخر النظر. و البديهة أوّله. و قال بعضهم: الرويّة طول التفكّر في الشي‌ء و هو خلاف البديهة. و بديهة القول ما يكون من غير فكر.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو تصرّف القلب و تأمّل منه بالنظر الى مقدّمات و دلائل ليهتدى بها الى مجهول مطلوب.

و قريب منه ما يقول: السبزوارىّ.

الفكر حركة الى المبادي * * *و من مبادىّ الى المراد

و الفكر يكون في المحسوسات و في المعقولات و في امور الآخرة:

ففي المحسوسات كما في:

. وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ- 3/ 191. أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ- 30/ 8 و في المعقولات كما في:

. وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّٰاسِ مٰا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ- 16/ 44. وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ- 30/ 21 و في عوالم ما وراء المادّة كما في:

. اللّٰهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهٰا وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنٰامِهٰا .... إِنَّ فِي ذٰلِكَ

127

لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ- 39/ 42 و في مطلق التفكّر كما في:

. وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّٰاسِ مٰا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ- 16/ 44 فيراد جولان النظر القلبي في موضوع معيّن مادّيّا أو معنويّا ليصل الى ما هو مطلوب له و يهتدى اليه.

فالنتيجة المطلوبة الحقّة في أىّ موضوع: إنّما تتحصّل بالتفكّر، حتّى أنّ نزول الآيات و الاستنتاج منها: متوقفة على التفكّر الدقيق:

. كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ اللّٰهُ لَكُمُ الْآيٰاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ*- 2/ 219 ثمّ النظر بالبصر كما أنّه يتوقّف على قوّة الباصرة و انتفاء الموانع من الإحساس: كذلك النظر بالقلب و جولانه يحتاج الى نورانيّة في البصيرة و وجود قوّة الإدراك فيه، و انتفاء الموانع و الحجب من تعصّب و أغراض نفسانيّة و أمراض قلبيّة و كدورات باطنيّة.

فالتفكّر تختلف مراتبه على حسب مراتب البصائر شدّة و ضعفا، الى أن يصل الى مرتبة تعادل تفكّر في ساعة عبادة سنوات.

و في قباله تفكّر من ختم على قلبه و استولى عليه الهوى و اتّبع خطوات الشيطان و ليس له نور:

. إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ- 74/ 18 فالتفكّر الصحيح المنتج يتوقّف على مقدّمات، يجمعها نور القلب و خلوصه من الأغراض الفاسدة:

. قُلْ إِنَّمٰا أَعِظُكُمْ بِوٰاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلّٰهِ مَثْنىٰ وَ فُرٰادىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مٰا بِصٰاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلّٰا نَذِيرٌ لَكُمْ- 34/ 46 فإذا كان التفكّر في موضوع الرّشد و العقل لشخص يصاحبهم مدّة حياته و لم يشاهدوا منه عملا ضعيفا يخالف الحقّ و العقل و هو على صدق و أمانة و حقيقة: متوقّفا على الإخلاص و القيام للّٰه و تطهير النظر: فكيف في سائر‌

128

المجهولات و المتشابهات.

و بهذا يظهر لطف التعبير في موارده: بكلمة- لعلّ، فانّ التفكّر في نفسه و من دون تحقّق مقدّماته، غير ممكنة أو غير منتجة.

هذا حقيقة مفهوم الفكر، و أمّا اختصاصه بكونه تحت نظر العقل، أو اختصاصه بالإنسان، أو غير ذلك من الاصطلاحات: فخارج عن الأصل الحقّ. فانّ للحيوان أيضا في حدود سعة ذاته و قواه عقلا و اختيارا و إدراكا و فكرا، فلا يختصّ الفكر بالإنسان المؤمن العاقل، بل هو عامّ في كلّ حيوان- راجع- عقل، علم.

فكّ

مصبا- الفكّ: الحي، و هما فكّان، و الجمع فكوك. و فككت العظم فكّا من باب قتل: أزلته من مفصله. و انفكّ بنفسه. و فككت الختم، و فككت الرهن: خلّصته. و الاسم الفكاك، و الكسر لغة. و فككت الأسير و العبد: إذا خلّصته من الإسار و الرّقّ، و هو يسعى في فكاك رقبته و في فكّها. و فكّ رقبة- أى أعتقها و أطلقها.

مقا- فكّ: أصل صحيح يدلّ على تفتّح و انفراج، من ذلك فكاك الرهن. و هو فتحه من الانغلاق، و حكى الكسائي بالكسر. و يقال فككت الشي‌ء أفكّه فكّا. و انفكّت قدمه، أى انفرجت. و قولهم لا ينفكّ يفعل ذلك، بمعنى لا يزال، و المعنى هو و ذلك الفعل لا يفترقان. و الفكّ: انفراج المنكب عن مفصله ضعفا. و الفكّان ملتقى الشدقين، و سمّيا بذلك للانفراج.

صحا- فككت الشي‌ء: خلّصته، و كلّ مشتبكين فصلتهما فقد فككتهما، و كذلك التفكيك. و الفكّ اللحى، و يقال مقتل الرجل بين فكّيه. و فككت الصبىّ: جعلت الدواء في فيه. و يقال للشيخ الكبير: قد فكّ و فرّج، يريد قد فرّج‌

129

لحييه، و ذلك في الكبير إذا هرم. و الفاكّ من الرجال: الهرم. و فكّ الرهن و افتكّه: خلّصه. و الفكك: انفساخ القدم. و الفكّة: الحمق و الاسترخاء.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو انطلاق عن قيد، و من مصاديقه: انطلاق العبد عن الرقيّة. و انطلاق الأسير عن قيد الإسارة. و انطلاق الرهن عن قيد الرهانة. و انطلاق العظم عن قيد الربط و الاتّصال في المفصل. و هكذا.

فكلّ مورد يصدق فيه الانطلاق عن قيد موجود: فهو من مصاديق الأصل، و إذا كان فيه تشبّه فهو تجوّز.

. فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَ مٰا أَدْرٰاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ- 90/ 13 العقبة: ما يتعقّب شيئا، و يطلق على طريق الجبل. و يناسب قوله تعالى و هديناه النجدين، فانّ النجد المكان المرتفع، فيكون المراد منها ما يكون في عقب النجد و في طريقه.

و النجدان سعادة الدنيا و الآخرة، أى رفعة حسنة مطلوبة في العيش المادّىّ، و في العيش الروحانىّ.

و يناسبه التفسير بالفكّ: فانّ في طىّ العقبة و الوصول الى النجد: انطلاق عن الانخفاض و الانحطاط و الابتلاء بالمادّة.

و لا يخفى أنّ العقبة يختلف مصداقها باختلاف الموارد و الأشخاص، ففي هذا المورد (أ يحسب أن لم يره أحد): يناسب الفك للرقبة، و إطعام اليتيم و المسكين، في قبال التعلّق بالمال.

. لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتٰابِ وَ الْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّٰى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ- 98/ 1 أى منطلقين عن قيود الكفر و الشرك.

فظهر لطف التعبير بالمادّة، دون الإزالة و التخليص و الفتح و الانفراج و‌

130

الفصل و غيرها، لإنتفاء القيدين الملحوظين فيها.

و أمّا البيّنة: فهي عبارة عمّا يكون فيه وضوح و بيان في المطلوب، و هذا تعلّل منهم في قبول الحقّ، و أىّ بيّنة أقوى من الرسول و القرآن.

و أمّا قولهم- لا ينفكّ زيد يفعل كذا: فيراد أنّه لا ينطلق عن هذا الفعل، و إن كان فيه تقيّدا.

فكه

مصبا- الفاكهة: ما يتفكّه به أى ما يتنعّم بأكله رطبا كان أو يابسا، و قوله تعالى- فيهما فاكهة و نخل و رمّان- تذكر مجملة ثمّ تخصّ بالتسمية تنبيها على فضل فيه، و النخل و الرمّان من الفاكهة. و الفكاهة بالضمّ: المزاح لإنبساط النفس فيها. و تفكّه بالشي‌ء: تمتّع به. و تفكّه: أكل الفاكهة. و تفكّه: تعجّب.

مقا- فكه: أصل صحيح يدلّ على طيب و استطابة، من ذلك الرجل الفكه: الطيّب النفس. و من الباب: الفاكهة: لأنها تستطاب و تستطرف. و من الباب: أفكهت الناقة و الشاة: إذا درتا عند أكل الربيع، و كان في اللبن أدنى خثورة و هو أطيب اللبن، فأمّا التفكّه: فليس من هذا، و من باب الإبدال، و الأصل تفكّنون، و هو من التندّم.

الاشتقاق 120- رجل فكه: أى ضحّاك مزّاح، و هو مأخوذ من الفكاهة، و هو المزاح بعينه و حسن الخلق. و ناقة مفكهة: غزيرة طيّبة اللبن. و تفاكه القوم إذا تمازحوا. و قوم فكهون أى لاهون.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو طيب في طبيعة شي‌ء، (خوش طبع بودن) و هذا المعنى في كلّ شي‌ء بحسبه، ففي تكلّم، أو في عمل، أو في خلق، أو في‌

131

طعم. أو غيرها.

و من مصاديقه: الفاكهة من الثمار ما كان طيّبا في الطبيعة. و المزاح الطيّب اللطيف في ذاته. و الرجل إذا كان طيّب الخلق ظريفا في الطبع و اللبن الطيّب اللطيف في الربيع. و العيش الطيّب الموافق.

و أمّا التعجّب و التنعّم و التلذّذ و الحلاوة و التمتّع و الضحك: فمن آثار الأصل. و اللهو: تجوّز بمناسبة الطيب.

و الفكه كالخشن يدلّ على اشتداد في الفكاهة، أزيد من الفاكه.

و يتعدّى بالهمزة، فيقال: أفكهت الناقة و هي مفكهة، و كذلك فكّهت بالتشديد. فيقال فكّهته بفاكهة أو بكلام فتفكّه.

. إِنَّ أَصْحٰابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فٰاكِهُونَ- 36/ 55. وَ نَعْمَةٍ كٰانُوا فِيهٰا فٰاكِهِينَ- 44/ 27 أى في عيش طيّب طبيعىّ معتدل سالم.

. لَكُمْ فِيهٰا فٰاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهٰا تَأْكُلُونَ- 43/ 73. وَ فَوٰاكِهَ مِمّٰا يَشْتَهُونَ- 77/ 42 أى ثمار ممّا يشتهون و يأكلون، و هي طيّبة طبيعيّة.

. فِيهِمٰا فٰاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمّٰانٌ- 55/ 68. فِيهٰا فٰاكِهَةٌ وَ النَّخْلُ ذٰاتُ الْأَكْمٰامِ- 55/ 11 قد سبق أنّ النخل و الرمّان و الزيتون و العنب: تطلق على مجموع الشجرة و الثمرة، و لا يراد من النخل و الرمّان أثمارهما حتّى يحتاج الى التأويل، و يدلّ عليه في الآية الثانية قوله تعالى- و النخل ذات الأكمام.

و الفاكهة: تطلق على كلّ ما يكون طيّبا أكله بالطبع، و لا يطلق على ما يطيب أكله بالعرض كالطبخ و المزج و العمل. و يراد منها المفهوم الوصفي و على هذا يجمع بالفواكه، كفاعلة و فواعل. و لا يقال لبايع الفاكهة انّه فكّاه، كما في اللّبّان و التّمّار.

132

و تأنيث الفاكهة باعتبار الثمرة، و للفرق بينها و بين الفاكه.

. وَ إِذَا انْقَلَبُوا إِلىٰ أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ- 83/ 31 من غير أن يتوجّهوا الى سيّئات أعمالهم و غمزهم و إهانتهم، فكأنّهم منزّهون مبرّؤون من الأعمال و المعاصي المخالفة و عن كونهم مجرمين.

. لَوْ نَشٰاءُ لَجَعَلْنٰاهُ حُطٰاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنّٰا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ- 56/ 65 أى تتفكّهون. و التفكّه تفعّل، و يدلّ على قبول اثر التفعيل، و قلنا إنّ الفكاهة و التفكيه أعمّ من تحقّقه في كلام أو عمل أو موضوع أو خلق. و المراد هنا التفكّه بالقول، أى انّهم يظهرون الفكاهة بالقول و يقولون متفكّها: إنّا لمغرمون بل نحن محرومون. و لا يعترفون بذنوبهم و بأنّ هذا العذاب في زراعتهم أخذ غيبىّ و جزاء إلهىّ.

و هذا معنى قولهم- إنّ التفعّل يدلّ على التكلّف و التصنّع.

و أصل ظلتم: ظللتم، أى دخلتم في الظلّ كظلّ الليل، فيشبه قوله تعالى:

. وَ إِذَا انْقَلَبُوا إِلىٰ أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ.

ثمّ إنّ الفكاهة أعمّ من المادّىّ الدنيوىّ و من الروحانّىّ الاخروىّ، كما في:

. إِنَّ أَصْحٰابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فٰاكِهُونَ ...،. فِيهٰا فٰاكِهَةٌ وَ لَهُمْ مٰا يَدَّعُونَ- 36/ 57. أُولٰئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ فَوٰاكِهُ- 37/ 42 و لمّا كان افكه عبارة عن الطيب الطبيعي. و الفاكهة ما يكون طيّبا في الثمار: فيكون المراد من الفاكه في الجنّة هو الطيّب حالا و عيشا و فكرا. و من الفاكهة فيها هي الرزق الطيّب و الغذاء الموافق.

و أمّا حقيقة الفكاهة أو الفاكهة الاخرويّة: فلا بدّ من كونها من سنخ عالم الآخرة، و خصوصيّاتها خارجة عن البحث و الفهم لنا.

133

من عمل صالحا من ذكر أو أنثى و هو مؤمن فلنحيينّه حياة طيّبة.

فلح

مقا- فلح: أصلان صحيحان: أحدهما يدلّ على شقّ. و الآخر على فوز و بقاء. فالأوّل- فلحت الأرض: شققتها. و العرب تقول- الحديد بالحديد يفلح. و لذلك سمّى الأكّار فلّاحا. و يقال للمشقوق الشفة السفلى: أفلح، و هو بيّن الفلحة.

و الأصل الثاني- الفلاح: البقاء و الفوز. و قول الرجل لامرأته: استفلحى بأمرك، معناه فوزي بأمرك. و الفلاح: السحور. قالوا سمّى لأنّ الإنسان تبقى معه قوّته على الصوم.

مصبا- الفلاح: الفوز، و منه قول المؤذّن- حىّ على الفلاح، أى هلمّوا الى طريق النجاة و الفوز. و الفلاح: السحر. و فلحت الأرض فلحا من باب نفع:

شققتها للحرث. و الفلح: الشقّ، و الجمع فلوح. و أفلح الرجل: فاز و ظفر.

لسا- الفلح و الفلاح: الفوز و النجاة و البقاء في النعيم و الخير. و بشّرك اللّٰه بخير و فلح، أى بقاء و فوز، و هو مقصور من الفلاح. و إنّما قيل لأهل الجنّة مفلحون: لفوزهم ببقاء الأبد. و فلاح الدهر بقاؤه، و أفلح الأرض: ظفر، و يقال لكلّ من أصاب خيرا مفلح. و من ألفاظ الجاهلية في الطلق- استفلحى بأمرك، أى فوزي به. قال أبو عبيد: معناه اظفرى بأمرك و فوزي و استبدّى بأمرك.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو النجاة من الشرور و إدراك الخير و الصلاح. و بهذين القيدين تمتاز عن موادّ- النجاة و الظفر و الصلاح. و يعبّر عنه بالفارسيّة بكلمة- پيروزى.

و الفوز مرتبة بعد الفلاح، و هو الوصول الى الخير و النعمة.

134

و من آثار الأصل: البقاء في الخير، و الفوز.

و أمّا الشقّ و السحر: فانّ النجاة و الخروج عن محيط الظلمة و إقبال النور و الخير و النعمة. فلاح و من مصاديق الأصل، لأنّ في السحر ذهاب الظلام و طلوع الضياء و النور، و في شقّ الأرض للزراعة: تخلّص الأرض عن البوار و شروع الحرث.

و يدلّ على الأصل خصوصيّة كلّ من موارد استعمال المادّة في القرآن الكريم:

. وَ قَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلىٰ- 20/ 64. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّٰى- 87/ 14. فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوٰازِينُهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ*- 7/ 8. وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ*- 59/ 9. أُولٰئِكَ حِزْبُ اللّٰهِ أَلٰا إِنَّ حِزْبَ اللّٰهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ- 58/ 22 فانّ هذه الأمور أوّل مرتبة من إدراك الخير و الصلاح و مقدّمة للفوز، كما أنّ الذكر و التقوى و المجاهدة و فعل الخير و التوبة من مقدّمات الفلاح و من أسباب حصوله:

. وَ اذْكُرُوا اللّٰهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ*- 8/ 45. فَاتَّقُوا اللّٰهَ يٰا أُولِي الْأَلْبٰابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ- 5/ 100. وَ جٰاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ- 5/ 35. وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ- 22/ 77. وَ تُوبُوا إِلَى اللّٰهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ- 24/ 31 و في قبالها الظلم و الإجرام و السحر و الكفر و الافتراء، فانّها تمنع عن التخلّص عن الشرور و إدراك الخير و الصلاح:

. إِنَّهُ لٰا يُفْلِحُ الظّٰالِمُونَ*- 6/ 135. إِنَّهُ لٰا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ- 10/ 17‌

135

. وَ لٰا يُفْلِحُ السّٰاحِرُونَ- 10/ 77. إِنَّهُ لٰا يُفْلِحُ الْكٰافِرُونَ*- 23/ 117. إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّٰهِ الْكَذِبَ لٰا يُفْلِحُونَ*- 10/ 69 فظهر أنّ من يطلب الخروج عن محيط الشرّ و الفساد و إدراك الخير و الصلاح: لا بدّ أن يجتنب عن هذه الأمور الّتى تحجب الحقّ و تزيل النور و تمنع عن نزول الخير و الرحمة الإلهيّة و تخالف الصدق و الخلوص في السير، ثمّ يتوجّه الى مقامات ذكر اللّٰه و التقوى و المجاهدة و العمل الصالح بالتوبة الى اللّٰه عزّ و جلّ، حتّى يكون من المفلحين.

فمقام الفلاح إنّما هو بعد مقامات التوبة و العمل الصالح، حتّى يتثبّت في طريق السلوك الى اللّٰه تعالى:

. فَأَمّٰا مَنْ تٰابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صٰالِحاً فَعَسىٰ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ- 28/ 67 و من أراد الاطّلاع عن خصوصيّات منازل السير فليراجع كتاب لقاء اللّٰه تعالى.

فلق

مصبا- فلقته فلقا من باب ضرب: شققته فانفلق، و فلقته بالتشديد:

مبالغة، و منه خوخ مفلق اسم مفعول، و كذلك المشمس و نحوه، إذا انفلق عن نواه و تجفّف، فان لم يتجفّف فهو فلّوق. و تفلّق الشي‌ء: تشقّق. و الفلقة القطعة وزنا و معنا. و الفلق: الأمر العجيب. و أفلق الشاعر: أتى بالفلق. و الفلق: ضوء الصبح.

مقا- فلق: أصل صحيح يدلّ على فرجة و بينونة في الشي‌ء، و على تعظيم شي‌ء. و الفلق: الصبح، لأنّ الظلام ينفلق عنه. و الفلق: مطمئنّ من الأرض كأنّه انفلق، و جمعه الفلقان. و الفلق: الخلق كلّه، كأنّه شي‌ء فلق عنه شي‌ء حتّى ابرز‌

136

و اظهر. و يقال انفلق الحجر و غيره. و الفالق: فضاء بين شقيقتى الرمل. و الأصل الآخر- الفليقة و هي الداهية العظيمة، و الأمر العجب العظيم.

التهذيب 9/ 156- قال الفرّاء- الفلق: الصبح. يقال: هو أبين من فلق الصبح و فرق الصبح. فالق الحبّ و النوى- فلق الأرض بالنبات، و السحاب بالمطر، و إذا قلت الخلق تبيّن لك أنّ أكثره عن انفلاق، فالفلق جميع المخلوقات. عن أبى عمرو: الفلق: جهنّم، و الفلق: الصبح، و الفلق: بيان الحقّ بعد اشكال. الأصمعىّ: الفلق: المطمئنّ من الأرض بين المرتفعين. ابن السكّيت- الفلق: الداهية. و الفلق: العجب. و الفلق: القضيب يعمل منه قوسان فيقال لكلّ واحدة فلق.

الفروق 124- الفرق بين الفلق و الشقّ: أنّ الفلق هو الشقّ على أمر كبير، و لهذا قال تعالى- فالق الإصباح، و يقال فلق الحبّة عن السنبلة، و فلق النواة عن النخلة، و لا يقولون في ذلك شقّ، و من ثمّ سمّيت الداهية فلقا و فليقة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو انشقاق مع حصول إبانة بين الطرفين. و النظر في الشقّ الى حصول مطلق الانشقاق في شي‌ء سواء حصل تفرّق أم لا. و سبق في الفجّ و الفجر و الفرج و الفصل و الفجور و الفتق: امتياز كلّ منها.

و من مصاديقه: انفلاق في الحبّة و النوى. و انفلاق بين الظلمة و النور. و انفلاق طبيعىّ بين مرتفعين. و انفلاق بين الحقّ و الباطل. و انفلاق بين شي‌ء عظيم من رمل أو غيره. و انفلاق بحصول أمر عجيب أو إبتلاء أو داهية على خلاف الجريان الطبيعىّ.

فلا بّدّ من لحاظ القيدين في تحقّق الأصل في المادّة.

و أمّا إطلاقها على الخلق كلّا: فانّ كلّ موجود في أىّ عالم مادّيّا أو معنويّا، إنّما يوحد في الخارج بتحقّق انفلاق، و يقال إنّ الشي‌ء ما لم يتشخّص لم‌

137

يوجد، فالتشخّص عبارة عن حصول القيود اللازمة و الفصول الملحوظة في الشي‌ء، و الشي‌ء ما لم يلحقه قيوده و مشخّصاته لم يتعيّن مفهومه بل يبقى في مرحلة المفهوم الذهنىّ.

بل و المفهوم الذهنىّ أيضا يحتاج في مقام التشخّص و التعيّن الى تصوّر مشخّصات و قيود ليمتاز عن مفاهيم اخر.

و كذلك فيما وراء المادّة من العوالم: فانّ تحقّق وجود كلّ شي‌ء فيها يحتاج الى حصول انفلاق.

ثمّ إنّ الفلق و الفلق صفتان كالحسن و الملح، و الفلق بمناسبة الكسرة يدلّ على انكسار و انخفاض، فيستعمل في موارد الداهية و الأمر العجيب، كما أنّ الفلق بمناسبة الفتحتين يدلّ على ما يتّصف بكونه منفلقا و فيه انفلاق، كالصبح المنفلق، و الأرض المطمئنّ المنفلق بين ارتفاعين، و الحقّ المتبيّن المنفلق عن الظلام.

و من ذلك الخلق كلّا، لانفلاق فيه و اتّصاف به.

. قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مٰا خَلَقَ- 113/ 1 و لمّا أريد الاستفادة من شرّ مطلق الخلق: يناسبه ذكر ربّ الفلق، أى ربّ كلّ شي‌ء يتّصف بكونه منفلقا، فانّ الخلق من مصاديق الفلق، و مربّى الفلق هو اللّٰه عزّ و جلّ، فهو بالنظر الى كونه مربّيا حاكم و سلطان على الخلق و على خيره و شرّه و آثاره.

و هذه الاستعاذة لازمة في الأمور المادّيّة و المعنويّة معا، كما أنّ الفاسق أيضا و هو الظلام المحيط أعمّ منهما، و المراد من الشرور الفاسق المعنويّة:

الانحرافات و الضلالات و الظلمات النازلة المحيطة على القلب، في قبال النورانيّة و الروحانيّة و الهدايات.

. فَانْفَلَقَ فَكٰانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ- 26/ 63. إِنَّ اللّٰهَ فٰالِقُ الْحَبِّ وَ النَّوىٰ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ

138

الْحَيِّ .... فٰالِقُ الْإِصْبٰاحِ وَ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً- 6/ 95 أى فانفلق البحر بضرب العصا، فكان كلّ فلق قد فرق كالطود. و الفرق يكون بعد تحقّق الانفلاق.

. وَ إِذْ فَرَقْنٰا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنٰاكُمْ- 2/ 50 و لا يخفى أنّ الانفلاق يلازم كون الفلق و المنفلق من جنس واحد، فانّ الانفلاق يوجب تفارقا و انقساما لا تبدّلا، و بهذا يظهر لطف التعبير بالإصباح دون الظلام، فانّ النهار و نور الشمس إنّما يتحصّل من انفلاق الإصباح الّذى هو صيرورة الى التنّور، فتكون مادّة النهار هي انفلاق الصبح و ذلك التنّور.

و الصبح يتحقّق بعد تحقّق الإصباح، فيكون الصبح بدء الانفلاق، و أمّا مبدأ الانفلاق: فهو الإصباح، و هو الصيرورة و التحوّل.

ثمّ إذا اختلف المبدأ و ما يتحصّل منه: فيعبّر بالإخراج دون الفلق، كما في قوله تعالى بعد الفالق- يخرج الحىّ من الميّت.

فلك

مصبا- فلكة المغزل مثل ثمرة: معروفة، و الفلك جمعه أفلاك مثل سبب و أسباب. و الفلك مثل قفل السفينة، يكون واحدا فيذكّر، و جمعا فيؤنّث.

مقا- فلك: أصل صحيح يدلّ على استدارة في شي‌ء، من ذلك فلكة المغزل، و سمّيت لاستدارتها، و لذلك قيل: فلك ثدي المرأة: إذا استدار. و من هذا القياس فلك السماء. و فلكت الجدى بقضيب أو غيره: أدرته على لسانه لئلّا يرتضع. و الفلك: قطع من الأرض مستديرة مرتفعة عمّا حولها. و يقال إنّ فلكة اللسان: ما صلب من أصله. و أمّا السفينة: و لعلّها تسمّى فلكا و يقال انّ الواحد و الجمع في هذا الاسم، و لعلّها تسمّى فلكا لأنّها تدار.

لسا- الفلك: مدار النجوم، و الجمع أفلاك، و يجوز أن يجمع على فعل‌

139

مثل أسد و أسد. و فلك كلّ شي‌ء: مستداره و معظمه. و فلك البحر: موجه المستدير المتردّد. الفرّاء- الفلك: استدارة السماء. الجوهري- و الفلكة: قطعة من الأرض تستدير و ترتفع على ما حولها. و قيل- فلّك ثدي الجارية تفليكا: استدار.

قع- (فلك) مغزل، فلكة المغزل.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو السفينة الجارية في وجه الماء صغيرة أو كبيرة. و أمّا مفهوم الفلك و المغزل: فهو مأخوذ من العبريّة. و المعنى الجامع فيه هو ما يكون مستديرا، و من مصاديقه: مدار النجوم. و القطعة المستديرة من الأرض.

و الثدي المستدير. و الموج المستدير. و فلكة المغزل.

و لا يخفى التناسب بين المفهومين: فانّ السفينة تجرى في محيط بحر الماء كالنجوم في فضاء الهواء المخصوص. أو أنّ الكواكب تجرى في مجاريه المعيّنة كالسفينة في الماء. و وجه الشبه بينهما: لطافة محيط الجريان، و الجريان على برنامج معيّن، و التقيّد بالخطّ و عدم الخروج عنه، و تسخيرهما بحيث ينتظم جريانهما من دون أن يغورا و يرسبا، و محدوديّة ميزان الحركة.

. وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمٰا يَنْفَعُ النّٰاسَ- 2/ 164. حَتّٰى إِذٰا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ- 10/ 22. وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ- 14/ 32. وَ تَرَى الْفُلْكَ مَوٰاخِرَ فِيهِ- 16/ 14. رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ- 17/ 66. فَأَنْجَيْنٰاهُ وَ مَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ- 26/ 119. اللّٰهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ- 45/ 12 هذه آثار و امتيازات للفلك، و هي جارية في الكواكب السيّارة أيضا:

فانّها لا تزال جارية في مجاريها المعيّنة، لا تخرج عن مجاريها و لا تغور في‌

140

الفضاء، و لا تسرع و لا تبطئ في حركاتها، و هي مسخّرة في برامج ضوابطها المنظّمة تحت قوانين الجاذبة و الدافعة و غيرها، يستفاد منها في نظم العالم و في جريان الأمور كما في القمر و الشمس- لتبتغوا من فضله. و هكذا.

. وَ لَا اللَّيْلُ سٰابِقُ النَّهٰارِ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ- 36/ 40. وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ- 21/ 33 السبح قد سبق انّه حركة في مسير حقّ من دون انحراف. و قلنا إنّ الفلك هو ما يكون في استدارة، و هو أعمّ من محسوس أو متصوّر ذهنىّ، كما في الخطّ المتصوّر، و الدائرة المتصوّرة المعيّنة في حركات الكواكب.

و هذا بالنسبة الى الشمس و القمر معلوم. و أمّا بالنسبة الى الليل و النهار فانّهما من آثار الشمس، و كما أن الشمس تجرى في خطّ و دائرة: كذلك آثارها من الضياء و الحرارة تجرى بتبع الشمس. فالليل و النهار من آثار جريان الشمس و جريان الأرض، و لا فرق في الجريان بين أن يكون بالأصالة أو بالتبع:

. وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهٰارَ فَإِذٰا هُمْ مُظْلِمُونَ، وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهٰا- 36/ 38‌

فلن

مقا- فلن: كناية عن كلّ أحد، و رخّمه أبو النجم- أمسك فلانا عن فل.

هذا في الناس، فان كان في غيرهم قيل: ركبت الفلانة، و الفرس الفلان (أى مع اللام).

مصبا- فلان و فلانة بغير الف و لام: كناية عن الأناسىّ، و بهما كناية عن البهائم، فيقال ركبت الفلان، و حلبت الفلانة.

فرهنگ تطبيقى- سرياني- فلان، فلنيتا: فلان.

141

عبرى- (فلنى)- فلان.

و التحقيق

أنّ هذه الكلمة مأخوذة من العبريّة و السريانيّة، و تدلّ على شخص غير معيّن. و تلحقها التاء في التأنيث.

و لمّا كانت الكلمة موضوعة للدلالة على فرد غير معيّن من الناس، فإذا أريد بها البهائم: عرّفت بالّلام، فانّها نوع مشخّص.

. يٰا وَيْلَتىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلٰاناً خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جٰاءَنِي- 25/ 28 التعبير به دون الرفيق و غيره: إشارة الى تحقيره، و الى انه لا يرضى برفاقته فعلا بل و بادّعاء كونه رفيقا.

و أشير الى نهاية التأثّر و التأسّف عن اتّخاذ رفاقته في الحياة الدنيا، بقوله- يا ويلتى، ليتني، لقد أضلّنى.

و هذا حال من اتّخذ في الدنيا خليلا يضلّه عن ذكر اللّٰه عزّ و جلّ و التوجّه اليه تعالى، الى الدنيا و شهواتها.

فند

مقا- فند: أصل صحيح يدلّ على ثقل و شدّة، من ذلك الفند: الشمراخ من الجبل، و قال قوم، هو الجبل العظيم، و به سمّى الرجل فندا. و ممّا يقاس عليه التفنيد، و هو اللوم، لأنّه كلام يثقل على سامعه و يشتدّ. و الفند: الهرم، و لا يكون هرما الّا و معه إنكار عقل، يقال أفنَد الرجلُ فهو مفند إذا اهتِرَ، و لا يقال عجوز مفندة لأنّها لم تك في شبيبتها ذات رأى، و يقولون الفند: الكذب، و ممكن أن يكون سمّى كذا، لأنّ صاحبه يفنّد، أى يلام. و ممكن أن يسمّى كذا لأنّه شديد‌

142

الإثم شديد وزره.

صحا- الفند: الكذب، و قد أفند إفنادا: كذب. و الفند: ضعف الرأى من هرم. و التفنيد: اللوم و تضعيف الرأى. و الفند قطعة من الجبل طولا. و الفند:

الزمانىّ الشاعر.

لسا- الفند: الخرف و إنكار العقل من الهرم أو المرض. و قد يستعمل في غير الكبر، و أصله في الكبر. و الفند: الخطأ في الرأى و القول، و أفنده: خطّأ رأيه.

و فنّده: عجزّه و أضعفه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو انحراف في رأى أو واقعيّة بأىّ علّة كانت. و من مصاديقه: الضعف في العقل إذا أوجب انحرافا. و الخطأ في الرأى.

و الخرف. و الكذب في قبال واقعيّة حقّة. و من لوازمه: الضعف و اللوم و الهرم.

و أمّا الجبل إذا كان منحرفا عن استقامته أو عن عظمه: فتجوّز.

و التفسير بالإهتار: فانّه إسقاط و خفض في عنوان أو مرتبة.

. وَ لَمّٰا فَصَلَتِ الْعِيرُ قٰالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لٰا أَنْ تُفَنِّدُونِ قٰالُوا تَاللّٰهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلٰالِكَ الْقَدِيمِ- 12/ 95 أى لو لا أن تقولوا إنّ فكرى منحرف و في رأيى انحراف.

و يدلّ على هذا المعنى: قولهم- إنّك لفي ضلالك القديم- أى في انحراف فكرك السابق، كما كنت زعمت في حقّ يوسف و اعتلاء أمره.

فقوبل قول يعقوب بالضلال، و هو الفند المشار اليه.

و لا يناسب المقام مفاهيم- الكذب و الهرم و ضعف العقل و غيرها.

و التفنيد: نسبة الانحراف الى شخص، و لا يدلّ على تحقّقه واقعا بل هو في نظر المتكلّم، و هذا هو الفرق بينه و بين الخرف و الانحراف.

و أمثال هذه النسبة يتراءى غالبا في حقّ أهل المعرفة و اليقين، من الّذين‌

143

كانوا محجوبين عن عوالم النور و الحقيقة.

و لا يخفى التأكيد في قول يعقوب (ع) بكلمة إنّ و اللام و صيغة المضارع الدالّة على الاستمرار. و الريح عبارة عن جريان في مادّىّ، و هو يناسب القميص المنتسب الى يوسف ع.

و بهذه المناسبة: أجيب بتأكيد زائد و هو القسم.

فنّ

مقا- فنّ: أصلان صحيحان، يدلّ أحدهما على تعنية، و الآخر- على ضرب من الضروب في الأشياء كلّها. فالأوّل- الفنّ: التعنية و الإطراد الشديد، يقال فننته فنا: إذا أطردته و عنّيته. و الآخر- الأفانين: أجناس الشي‌ء و طرقه، و منه الفن: و هو الغصن، و جمعه أفنان، و يقال شجرة فنواء. قال أبو عبيد: كأنّ أصله فنّاء.

مصبا- الفنّ من الشي‌ء: النوع منه، و الجمع فنون. و الفنن الغصن، و الجمع أفنان، مثل سبب و أسباب.

لسا- الفنّ واحد الفنون، و هي الأنواع. و الفنّ: الحال. و الفنّ: الضرب من الشي‌ء، و الجمع أفنان و فنون، يقال رعينا فنون النبات و أصبنا فنون الأموال. و الرجل يفنّن الكلام: أى يشتقّ في فنّ بعد فنّ، و التفنّن فعلك، و رجل مفنّ: يأتى بالعجائب، و فنّن الناس: جعلهم فنونا، و التفنين: التخليط. و فنّه يفنّه فنّا: إذا طرده. و الفنّ: العناء. و الفنّ: الغبن. و الفنن: الغصن، و قيل: الغصن القضيب يعنى المقضوب، و الفنن: ما تشعّب منه. و ذواتا أفنان- قال عكرمة: ظلّ الأغصان على الحيطان. و بعضهم: فسّره- ذواتا أغصان. و بعضهم: ذواتا ألوان، واحدها حينئذ فنّ و فنن. و أفانين جمع أفنان.

144

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الشعب و التشعّب، و الفنّ في الأصل مصدر كالشعب. و الفنن صفة في الأصل كالحسن: ما يتصف بالتشعّب. و الفنّ كالبعث و البعوث.

و أمّا مفاهيم- النوع و الحال و الضرب و الشقّ و الغصن و اللون و غيرها:

فتكون من مصاديق الأصل، إذا لوحظ في كلّ منها مفهوم التشعّب من شي‌ء. و إلّا فهو تجوّز.

و يلاحظ في كلّ منها قيد مخصوص و امتياز يمتاز به عن مترادفاته، فراجع في تشخيص كلّ منها الى بابه.

و أمّا مفاهيم الإطراد و التعنية و التخليط و الغبن: فانّ التشعيب قد يلازم هذه المعاني، كلّ منها في مورد.

. وَ لِمَنْ خٰافَ مَقٰامَ رَبِّهِ جَنَّتٰانِ .... ذَوٰاتٰا أَفْنٰانٍ- 55/ 48 الجنّتان باعتبار الأعمال الصالحة، و باعتبار الصفات النفسانيّة، و منها صفة الخوف، فيلتذّ بالاعتبارين على هاتين الجنّتين.

ثمّ إنّ لكل منهما شعبات و جهات مختلفة متناسبة به.

و الأفنان جمع الفنن، أى المتشعّبات.

و لا يخفى أنّ مفاهيم الطرد و العناء: توجد في موادّ قريبة معنى من هذا المفهوم لما ذكرنا، كالشقّ و الشعب و غيرهما.

و يقيّد الخوف هنا بحصوله عن مقام الربّ و عظمته و جلال شأنه، لا عن عذابه و عقابه و سخطه و أخذه، و هذا هو السبب للاستحقاق بجنّة ثانويّة إلهيّة فيها الانس و التوجّه و الارتباط.

145

فنى

مقا- فنى: هذا باب لا ينقاس كلمه و لم يبن على قياس معلوم، و قد ذكرنا ما جاء فيه، قالوا فنى يفنى فناء، و اللّٰه تعالى أفناه، و ذلك إذا انقطع، و اللّٰه قطعه، أى ذهب به. و الفنا مقصور: عنب الثعلب. و الفناء: ما امتدّ مع الدار من جوانبها، و الجمع أفنية. و يقولون: هو من أفناء العرب، إذا لم يدر ممّن هو. و المفاناة: المدارة. و الأفانى: نبت. و الفناة: البقرة. و شجرة فنواء: إذا ذهبت أفنائها في كلّ شي‌ء، و القياس فناء، لأنّه من الفنن.

مصبا- فنى المال يفنى من باب تعب فناء و كلّ مخلوق: صائر الى الفناء، و يعدّى بالهمزة فيقال أفنيته. و قيل للشيخ الهرم. و الفناء: الوصيد، و هو سعة أمام البيت، و قيل ما امتدّ من وانبه.

لسا- الفناء: نقيض البقاء. و تفانى القوم قتلا: أفنى بعضهم بعضها. و فنى يفنى: هرم و أشرف على الموت.

الفروق 84- الفرق بين الفناء و النفاد، أنّ النفاد هو فناء آخر الشي‌ء بعد فناء أوّله، و لا يستعمل النفاد فيما يفنى جملة، ألا ترى انّك تقول فناء العالم، و لا يقاد نفاد العالم.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو زوال ما به قوام الشي‌ء من خصوصيّاته و امتيازاته. و هو قبل الانعدام فانّه زوال ذات الشي‌ء بالكليّة. و يلاحظ في النفاد:

الفناء بالتدريج حتّى ينتفي الشي‌ء بالكليّة ظاهرا.

فيقال: فنى الملح في الماء الكثير. و انعدم الماء في الظرف إذا صار هواء. و نفد الغذاء إذا أكلت بالتدريج و لم يبق منها شي‌ء، و هذه المعاني إنّما تلاحظ بنظر العرف لا بالدقّة العقليّة.

146

. كُلُّ مَنْ عَلَيْهٰا فٰانٍ وَ يَبْقىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلٰالِ وَ الْإِكْرٰامِ- 55/ 26 أى كلّ موجود على الأرض فهو يفنى و تزول خصوصيّاته و امتيازاته و جميع مشخّصاته الأرضيّة المادّيّة، إلّا ما يكون وجها للربّ، و يبقى وجه الربّ و وجهته الباقية بالربّ بعد فناء سائر الجهات.

و النظر في الآية الكريمة الى من هو على الأرض: و لا نظر الى من هو في السماء، و الى ما هو في الأرض: فانّ الفناء و تحقّق الوجهيّة في الأوّل تكوينىّ في الجملة. و في الثاني يحتاج الى سير تكوينىّ طبيعىّ في مراحل.

و التعبير بالاسميّة في- فان، و بصيغة المضارع في- يبقى: اشارة الى تحقّق الفناء في من على الأرض و كونها متّصفة به بذاتها و الى استمرار البقاء في الوجه للّٰه تعالى.

و التعبير بالربّ: إشارة الى أنّ البلوغ الى مرتبة الفناء عن غيره تعالى إنّما يتحصّل بتربية اللّٰه عزّ و جلّ و بتأييده، فانّ هذا المقام منتهى درجة العارفين باللّٰه و أوليائه المقرّبين، و هو مقام اللاهوت.

و على هذا يوصف بقوله تعالى- ذو الجلال و الإكرام: فانّ الوجه أعلى مرتبة من التجلّى و الظهور، و وجه كلّ شي‌ء ما يواجه به و ما يتوجّه اليه و المنظر المرأى من الشي‌ء، و التوجه للّٰه ما يكون مظهرا تامّا و مرأى صافيا خالصا من كلّ شوب و انكدار، لا يرى فيه إلّا اللّٰه تعالى.

و في ذلك المقام يكون صاحب عظمة و جلال و ارتفاع شأن، و يجب إكرامه و تعظيمه و تجليله و التوجّه اليه، فانّه وجه اللّٰه تعالى، و هو باق ببقاء اللّٰه و فان في نوره عزّ و جلّ.

و قريب من الآية الكريمة:

. وَ لٰا تَدْعُ مَعَ اللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ كُلُّ شَيْ‌ءٍ هٰالِكٌ إِلّٰا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ- 28/ 88 و الهلاك في قبال الحياة، و هو أعمّ من الممات و الفناء، أى سقوط‌

147

بانقضاء الحيات، فانّ كلّ شي‌ء له حيات في الجملة ينقضي حياته و يسقط و يهلك، إلّا وجهه عزّ و جلّ، فانّ الحكم للّٰه و هو المرجع، فما كان وجها للّٰه عزّ و جلّ: فهو باق لا فناء فيه و لا هلاك عليه.

ثمّ إنّ للفناء ثلاث مراحل، و على ثلثة أنواع:

الأوّل- في العوالم العالية كالعقول و الأرواح المجرّدة: فانّ الفناء فيها تكوينىّ، إذ هي مجرّدة خالصة ذاتا.

الثاني- في العوالم المادّيّة كالجماد و النبات و الحيوان و الإنسان: فانّ الفناء فيها على الجريان الطبيعىّ و السير في الحياة مرتبة بعد مرتبة الى أن تصل الى مقام التجرّد و الخلوص.

الثالث- في الإنسان إذا سلك في طريق السير الى اللّٰه و جاهد في اللّٰه و للّٰه إلى أن يصل الى مقام الفناء و البقاء:

. فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صٰالِحاً وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً- 18/ 110 فلا يمكن البلوغ الى مرتبة اللقاء إلّا بعد تحقّق الفناء إمّا تكوينا أو بسير طبيعىّ في الحياة و مراتبها أو بالسلوك الاختيارىّ.

نسأل اللّٰه تعالى أن يوفّقنا في طريق السلوك الى لقائه، إنّه جواد كريم و ذو المنّ و الإفضال، و هذا معنى الرواية الواردة- موتوا قبل أن تموتوا- راجع رسالة اللقاء.

و حقيقة مقام الفناء كسائر المعارف الإلهيّة: لا يعرفها إلّا من وفّقه اللّٰه في السلوك و السير و المجاهدة و تزكية النفس و الإخلاص. و ما يقال فيها من غير أهلها إثباتا أو نفيا: فهو ضلال و إضلال.

و أمّا مفاهيم أمام البيت و غيره: فهي من مادّة الفنو واويّا. و قد تداخلت المفاهيم في موادّ- الفنى و الفنّ و الفنو.

148

فهم

مصبا- فهمته فهما من باب تعب، و تسكين المصدر لغة، و قيل الساكن اسم للمصدر، إذا علمته. و يعدّى بالهمزة و التضعيف.

مقا- فهم: علم الشي‌ء. كذا يقولون أهل اللغة.

لسا- الفهم: معرفتك الشي‌ء بالقلب، فهمه فهما و فهما و فهامة: علمه.

الأخيرة عن سيبويه. و فهمت الشي‌ء: عقلته و عرفته. و فهّمت فلانا و أفهمته، و تفهّم الكلام: فهمه شيئا بعد شي‌ء. و رجل فهم: سريع الفهم، و يقال: فهم و فهم.

و أفهمه الأمر و فهّمه إيّاه: جعله يفهمه، و استفهمه: سأله أن يفهمه و قد استفهمنى الشي‌ء فأفهمته و فهّمته تفهيما.

الفروق 69- الفرق بين الفهم و العلم: أنّ الفهم هو العلم بمعاني الكلام عند سماعه خاصّة، و لهذا يقال فلان سيّئ الفهم: إذا كان بطي‌ء العلم بمعنى ما يسمع، و لذلك كان الأعجمى لا يفهم كلام العربىّ، و لا يجوز أن يوصف اللّٰه بالفهم، لأنّه عالم بكلّ شي‌ء على ما هو به فيما لم يزل. و قال بعضهم: لا يستعمل الفهم إلّا في الكلام، ألا ترى أنّك تقول فهمت كلامه و لا تقول فهمت ذهابه و مجيئه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو إدراك أمر عن التعقّل في شي‌ء، سواء كان ذلك الشي‌ء كلاما أو موضوعا خارجيّا.

فالفهم هو الاستنتاج العلمي و الإدراك عن شي‌ء مسموع أو مرئىّ أو بمنزلتهما. و العلم أعمّ منه.

و أيضا إنّ الفهم مقدّمة و باعث لحصول العلم و المعرفة، و ليس بعلم، فلا يقال إنّه كثير الفهم، كما يقال إنّه كثير العلم و المعرفة.

149

. وَ دٰاوُدَ وَ سُلَيْمٰانَ إِذْ يَحْكُمٰانِ فِي الْحَرْثِ .... فَفَهَّمْنٰاهٰا سُلَيْمٰانَ وَ كُلًّا آتَيْنٰا حُكْماً وَ عِلْماً- 21/ 79 فالتفهيم مقدّمة لحصول العلم و الحكم، و على هذا لم يقل علما و فهما.

و التفهيم من اللّٰه تعالى: إمّا بالوحي أو بالإلقاء أو بوسائط اخرى، و هو يتوقف على تحقّق خلوص و صفاء و ارتباط.

فوت

مصبا- فات يفوت فوتا و فواتا، وفات الأمر، و الأصل فات وقت فعله، و منه فاتت الصلاة إذا خرج وقتها و لم تفعل فيه. وفاته الشي‌ء: أعوزه. وفاته فلان بذراع: سبقه بها، و منه قيل إفتات فلان افتياتا: إذا سبق بفعل شي‌ء و استبدّ برأيه و لم يؤامر فيه من هو أحقّ منه بالأمر فيه. و تفاوت الشيئان: إذا اختلفا. و تفاوتا في الفضل: تباينا فيه.

مقا- فوت: اصيل صحيح يدلّ على خلاف إدراك الشي‌ء و الوصول اليه، يقال فاته الشي‌ء فوتا. و تفاوت الشيئان: تباعد ما بينهما، أى لم يُدرك هذا ذاك.

و الافتيات: السبق الى الشي‌ء دون الايتمار يقال فلان لا يفتات عليه، أى لا يعمل شي‌ء دون أمره. و من الباب: الفوت: الفرجة بين الشيئين، كالفرجة بين الإصبعين، و الجمع أفوات، يقال مات موت الفوات: إذا فوجئ كأنّه فاته ما أراد من وصيّة و شبهها، و يقال: جعل اللّٰه تعالى رزقه فوت فيه، أى حيث يراه و لا يصل اليه.

لسا- الفوت: الفوات. فاتنى كذا: أى سبقني، و فتّه أنا. و قال أعرابىّ:

الحمد للّٰه الّذى لا يفات و لا يلات. و فاتنى الأمر فوتا و فواتا: ذهب عنّى. الليث:

فات يفوت فوتا، فهو فائت، كما يقولون بون بائن، و بينهم تفاوت و تفوّت.

الأصمعىّ: الافتيات: الفراغ، يقال إفتات بأمره أى مضى عليه و لم يستشر أحدا.

150

ابن السكّيت: إفتات فلان بأمره بالهمز: إذا استبدّ به.

مفر- الفوت: بعد الشي‌ء عن الإنسان بحيث يتعذّر إدراكه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو انعدام شي‌ء بأن لا يوجد و لا يدرك. و الفرق بينها و بين الانعدام و الموت و الفناء: أنّ المادّة تدلّ على عدم شي‌ء قبل أن يوجد. بخلاف تلك الموادّ، فهي دالّة على انعدام بعد الوجود.

و الى هذا الأصل ترجع مفاهيم- الذهاب و السبقة و الفراغ و المضىّ و تعذّر الإدراك و الوصول اليه و غيرها.

فانّ من آثار الفوت و لوازمه: ذهاب الشي‌ء و مضّيه و خروجه عن محيط إدراك الشخص، أو سبقه بحيث لا يمكن إدراكه أو الوصول اليه، أو بعده عن الإدراك و الوصول.

و الافتيات: إختيار تحقّق الفوت، أى اختيار أن يكون فائتا بالسبق و الذهاب و البعد عن أمر آخرين و نظرهم. و هذا معنى الفراغ عن برنامج آخر و الاستبداد بنظر شخصى.

و أمّا التفاوت: فهو تفاعل، و يدلّ على مطاوعة في مفاعلة، أى اختيار استمرار في حصول الفوت، بمعنى فوت خصوصيّة فيه في قبال شي‌ء آخر، بحيث لم تفت تلك الخصوصيّة في ذلك الشي‌ء المقابل.

. لِكَيْلٰا تَحْزَنُوا عَلىٰ مٰا فٰاتَكُمْ وَ لٰا مٰا أَصٰابَكُمْ- 3/ 153. لِكَيْلٰا تَأْسَوْا عَلىٰ مٰا فٰاتَكُمْ وَ لٰا تَفْرَحُوا بِمٰا آتٰاكُمْ- 57/ 23. وَ لَوْ تَرىٰ إِذْ فَزِعُوا فَلٰا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكٰانٍ قَرِيبٍ- 34/ 51 مقابلة المادّة بالإصابة (و لا ما أصابَكم) في الاولى، و بالإيتاء و الأخذ في الأخيرتين. تدلّ على ما ذكرناه من الأصل من انعدام يوجب عدم الوصول اليه و عدم الإدراك، فانّ الإيتاء و الإصابة و الأخذ في قبال الانعدام.

151

ثمّ إنّ الفائت أعمّ من أن يكون من الأموال أو من المشتهيات النفسانيّة أو من العناوين الدنيويّة و المناصب الرسميّة، بل و يشمل الحظوظ المعنويّة الفائتة أيضا، فانّ الحزن و التأسّف على ما فات و لم يصل اليه و لم يدركه: لا أثر و لا فائدة فيه، بل و لا ينتج إلّا خللا في نظم الأمور و اضطرابا في المعيشة و انكدارا و تهاونا.

و إنّ الرجل من يعمل و يجاهد لما يستقبله، و يغتنم الفرصة الحاضرة، و يراقبها حتّى لا تفوت عنه، و أمّا ما فات فقد مضى وفات.

و أمّا ما أتاه أو وصله: فاللازم عند العقل هو الاستفادة الحسنة منه و الاستنتاج المطلوب بمقدار الميسور منه. و أمّا الفرح المجرّد: فلا يوجب إلّا غفلة و غرورا و تهاونا في العمل.

و التعبير بكلمة- ما- الموصولة: اشارة الى العموميّة في المقامين.

و لا يخفى أنّ الفوت إنّما يتحقّق في الحياة الدنيا المادّيّة، فانّها محدودة ذات موانع، و فيها عوارض مخالفة و صوارف مواجهة، و دار ضعف و فقر و حاجة و ابتلاء. و هذا بخلاف الحياة الآخرة الروحانيّة: فلا يكون فيها فوت و فائت بوجه في فكر و خلق و عمل و في أىّ موضوع، فانّها دار حياة ليس فيها ممات، و دار خلوص ليس فيها اختلال:

. وَ إِنَّ الدّٰارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوٰانُ لَوْ كٰانُوا يَعْلَمُونَ- 29/ 64. وَ وَجَدُوا مٰا عَمِلُوا حٰاضِراً وَ لٰا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً- 18/ 49. الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ طِبٰاقاً مٰا تَرىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمٰنِ مِنْ تَفٰاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرىٰ مِنْ فُطُورٍ- 67/ 3 قلنا إنّ التفاعل يدلّ على استمرار و مطاوعة و اختيار في الفوت، و ليس معناه ما هو المتفاهم في العرف بمعنى الافتراق.

أى لا ترى في خلقه من فوت شي‌ء و كمال و خصوصيّة لازمة، حتّى يكون في خلقه ضعف و نقص و عيب، يكشف عن ضعف في الخالق تعالى.

152

و التعبير باسم الرحمن: اشارة الى أنّ الخلق بعنوان ظهور الرحمة و تجلّيه:

. فَانْظُرْ إِلىٰ آثٰارِ رَحْمَتِ اللّٰهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ- 30/ 50‌

فوج

مقا- فوج: كلمة تدلّ على تجمّع، من ذلك الفوج: الجماعة من الناس، و الجمع أفواج، و جمع الجمع أفاوج و أفاويج. و أمّا أفاج الرجل، إذا أسرع: فهو من ذوات الياء.

لسا- الفائج و الفوج: القطيع من الناس. و في الصحاح: الجماعة من الناس. و الإفاجة: الإسراع و العدو. ابن الأثير: الفوج: الجماعة من الناس، و الفيج مثله، و هو مخفّف من الفيّج، و أصله الواو، يقال: فاج يفوج فهو فيّج، مثل هان يهون فهو هيّن، ثمّ يخفّفان فيقال فيج و هين.

مفر- الفوج: الجماعة المارّة المسرعة. و جمعه أفواج.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو قطيع من شي‌ء يتراءى فيه جريان. و من مصاديقه: جماعة من الناس يسرعون الى جانب و قطيع من المسك تفوح و تنتشر رائحته. و قطيعة من الأرض متّسعة فيما بين مرتفعين، فكأنّها تجرى الى الانحدار.

و الفيج: بمناسبة الياء، يدلّ على انحدار و سرعة زائدة.

و بينها و بين موادّ- الفوت، فوح، فوخ، فور، فوع، فوغ: اشتقاق اكبر، و هي تشترك في مفهوم الجريان.

و هذا المعنى هو الفارق بينها و بين- القوم و الجماعة و الطائفة و غيرها.

فالفوج: قطيع يشترك في حكم أو في جريان.

. وَ رَأَيْتَ النّٰاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللّٰهِ أَفْوٰاجاً- 110/ 2.

153

. يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوٰاجاً- 78/ 18. وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ- 27/ 83. كُلَّمٰا أُلْقِيَ فِيهٰا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهٰا أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ- 67/ 8 أى جمع متشكّل يجمعهم جريان و برنامج واحد، كالحركة الى جانب الدين أو الى الحشر أو الى العذاب.

و يظهر من هذه الآيات الكريمة: أنّ الناس يوم الحشر يتشكّلون على أصناف و مراتب و طبقات على حسب أعمالهم، ثمّ يساقون الى جنّة و نعيم، أو الى عذاب و حجيم، كلّ فوج في مرتبة مخصوصة به.

و ظهر لطف التعبير بالمادّة في هذه الموارد.

فور

مقا- فور: كلمة تدلّ على غليان، ثمّ يقاس عليها. فالفور: الغليان، يقال فارت القدر تفور فورا. و فار غضبه: إذا جاش. و ممّا قيس على هذا قولهم: فعله من فوره، أى في بدء أمره قبل أن يسكن.

مصبا- فار الماء يفور فورا: نبع و جرى. و فارت القدر فورا و فورانا:

غلت. و قولهم- الشفعة على الفور من هذا، أى على الوقت الحاضر الّذى لا تأخير فيه، ثمّ استعمل في الحالة الّتى لا بطؤ فيها، يقال جاء فلان في حاجته ثمّ رجع من فوره.

صحا- فارت القدر: جاشت. و أتيت من فوري، أى قبل أن أسكن. و فار فائره لغة في ثار ثائره: إذا جاش غضبه. و فورة الحرّ: شدّته. و فورة العشاء: بعده. و فوّارة الورك: ثقبها. و فوارة القدر: ما يفور من حرّها.

154

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو هيجان و ارتفاع بحدّة من حيث هو بأىّ سبب كان، بنبع أو غليان أو ثوران أو غيرها.

كما أنّ النبع: هو خروج مايع من مخرج و عين.

و الغليان: هو ارتفاع مايع في انخفاض بالحرارة.

و الهيجان: هو مطلق اضطراب و تحرّك.

و الفور أعمّ من أن يكون في مادّىّ كالماء و الطعام أو في معنوىّ كالغضب. أو في أمر لطيف كالمائع: كرائحة المسك.

. حَتّٰى إِذٰا جٰاءَ أَمْرُنٰا وَ فٰارَ التَّنُّورُ- 11/ 40. إِذٰا أُلْقُوا فِيهٰا سَمِعُوا لَهٰا شَهِيقاً وَ هِيَ تَفُورُ 67/ 7 قلنا إنّ التنور مأخوذ من مادّة النار و النور، و هو محلّ توقّد النار لطبخ الخبز و غيره. و فوران الماء منه: إشارة الى قدرته التامّة و مشيّته الكاملة، بحيث إذا أراد شيئا، فيكون، و يتبدّل محلّ توقّد النار الى محلّ فوران الماء.

و أمّا فوران جهنّم: فانّها مظهر الغيظ و مجلى الغضب، و تفور كما يفور الغضب، و هذا أمر ممّا وراء عالم المادّة.

. بَلىٰ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هٰذٰا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ- 3/ 125 أى و يأتوكم من زمان فورانهم و هيجانهم و في حال شدّة تحرّكهم.

و يطلق بهذه المناسبة على معنى الفور المقابل للتراخي، فانّ الرخوة بمعنى- سستى-، و هو يقابل الشدّة، كما أنّ الفور حدّة في هيجان، فالفور ليس بمعنى الحال و الحاضر كما هو المتعارف.

فمعنى قولهم- الأمر يدلّ على الفور: أى طلب الفعل مقارن بهيجان و حدّة في الأمر، بأن يلزم امتثال الأمر حين فورانه.

فظهر لطف التعبير بالمادّة في الآية الكريمة: إشارة الى أنّ فوران حدّتهم‌

155

و هيجان عداوتهم و صولتهم ينكسر بإمداد اللّه عزّ و جلّ، كما في فوران حدّة النار و الحرارة، فيبدّل حدّة النار الى الماء.

فوز

مصبا- فاز يفوز فوزا: ظفر و نجا. و يتعدّى بالهمزة، فيقال أفزته بالشي‌ء، و فاز: قطع المفازة. و المفازة: الموضع المهلك، مأخوذ من فوّز إذا مات، لأنّها مظنّة الموت، و قيل من فاز إذا سلم و نجا، سمّيت به تفاؤلا بالسلامة.

صحا- الفوز: النجاة و الظفر بالخير. و الفوز أيضا: الهلاك، تقول منهما:

فاز يفوز، و فوّز. أى مات. و أفازه اللّٰه بكذا ففاز به، أى ذهب به- فلا تحسبنّهم بمفازة من العذاب، أى بمنجاة منه. و المفازة أيضا واحدة المفاوز.

مقا- فوز: كلمتان متضادّتان: فالاولى- النجاة. و الاخرى الهلكة. فاز إذا نجا. و فاز بالأمر إذا ذهب به و خلص. و كان الرجل يقول لامرأته إذا طلّقها:

فوزي بأمرك، كما يقال أمرك بيدك. و يقال لمن ظفر بخير و ذهب به. و الكلمة الاخرى- فوّز الرجل إذا مات.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الوصول الى الخير و النعمة. و قلنا في- فلح: إنّ الفوز مرتبة بعد الفلاح.

و أمّا مفاهيم- النجاة و الظفر و الذهاب و الخلاص و السلامة: فمن آثار الفوز و لوازمه.

و أمّا الهلاكة و الموت: فبملاحظة النجاة و التخلّص منها، و الوصول الى الخير و السلامة، فانّ المنجى و المهلك متلازمان.

. فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّٰارِ وَ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فٰازَ- 3/ 185‌

156

. وَ مَنْ يُطِعِ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ فٰازَ فَوْزاً عَظِيماً- 33/ 71. رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ- 5/ 119. أَصْحٰابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفٰائِزُونَ- 59/ 20. إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفٰازاً حَدٰائِقَ وَ أَعْنٰاباً- 78/ 31 يراد الوصول الى الخير و النعمة، و من مصاديقه: دخول الجنّة و الحدائق و إطاعة اللّٰه و إطاعة الرسول و رضوان اللّٰه تعالى.

و ليعلم أنّ الفوز الحقيقىّ: هو في طاعة اللّٰه و طاعة الرسول و التقوى و رضوان اللّٰه تعالى، و أمّا النعم الدنيويّة و الخيرات المادّيّة: فانّما توجب فوزا و سعادة إذا كانت مقدّمة لتكميل النفس و تهذيبه. و إلّا فلا خير فيها، فانّها تنتج ظلمة و تعلّقا و محجوبيّة.

. وَ مَنْ تَقِ السَّيِّئٰاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَ ذٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ- 40/ 9 فانّ السبب التامّ لحصول الرحمة و الوصول الى الفوز هو التقوى و وقاية النفس عن السيّئات و عن طريق النار و الجحيم. و أمّا اللذات الدنيويّة: فانّما هي زائلة و متحوّلة لا دوام لها، و لا توجب كما لا و شرفا و مقاما للنفس.

فوض

مقا- فوض: أصل صحيح يدلّ على اتكال في الأمر على آخر و ردّه عليه.

ثمّ يفرّع فيردّ اليه ما يشبهه. من ذلك فوّض اليه أمره، إذا ردّه. و من ذلك قولهم- باتوا فوضى، أى مختلطين، و معناه أنّ كلّا فوّض أمره الى الآخر. و تفاوض الشريكان في المال، إذا اشتركا ففوّض كلّ أمره الى صاحبه.

مصبا- تفاوض القوم الحديث: أخذوا فيه. و شركة المفاوضة: أن يكون جميع ما يملكانه بينهما. و فوّض أمره اليه تفويضا: سلّم أمره اليه. و فوّضت المرأة نكاحها الى الزوج حتّى تزوّجها من غير مهر، و قيل فوّضت أى أهملت حكم‌

157

المهر، فهي مفوّضة اسم فاعل، و قوم فوضى: إذا كانوا متساوين لا رئيس لهم. و المال فوضى بينهم أى مختلط من أراد منهم شيئا أخذ. و كانت خيبر فوضى، أى مشتركة بين الصحابة. و استفاض الحديث: شاع، فهو مستفيض، و يتعدّى بالحرف فيقال: استفاض الناس فيه و به.

لسا- فوّض اليه الأمر: صيّره اليه و جعله الحاكم فيه. و التفويض في النكاح: التزويج بلا مهر. و قوم فوضى: أى متساوون لا رئيس لهم. و أمرهم فوضى و فيضى: مختلط.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: تصيير أمر الى آخر بحيث يجعله متولّيا و صاحب إختيار مطلق فيه يفعل ما يختار. و هذا المعنى إنّما يتحقّق بعد مرتبة التوكّل، فانّ في التوكّل: يحفظ مقام الموكّل و لا يسقط اعتباره. بخلاف التفويض، فانّ المفوّض بتفويضه يخرج نفسه و مقامه عن الاعتبار، و يردّه الى غيره.

و لا فرق في هذا المعنى بين أن يكون المفوّض اليه: ربّا أو شريكا أو زوجا أو أفراد قوم، و في أىّ أمر كان.

و أمّا مفاهيم التساوي و الاختلاط و الإهمال و الاشتراك و غيرها: فهي من آثار الأصل، فانّ التفويض يرفع الأنانيّة.

و من علائم الإيمان باللّٰه تعالى: تفويض الأمور اليه و الرضاء في جميع حكمه و أمره، فانّه حكيم عدل قادر عالم مدبّر.

. وَ قٰالَ الَّذِي آمَنَ يٰا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشٰادِ .... فَسَتَذْكُرُونَ مٰا أَقُولُ لَكُمْ وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ بَصِيرٌ بِالْعِبٰادِ- 40/ 44 التفويض في امور خارجة عن الإختيار و الوظيفة، و أمّا في قبال الوظائف المعيّنة و التكاليف المتوجّهة و المجاهدات اللازمة: فلا مورد للتفويض الى اللّٰه عزّ‌

158

و جلّ، و التهاون في العمل بها.

و التفويض مطلقا إنّما يتحقّق إذا حصل العلم و المعرفة بمقام الطرف المفوّض اليه و قدرته و إحاطته و كفايته.

ففي الآية الكريمة إشارة الى تفويض أموره في الحوادث الآتية و الجريانات المستقبلة دنيويّا أو روحانيّا، انفراديّا أو اجتماعيّا، الى اللّٰه المتعال، إذا لم يُحِط بها أو لم يستطع في العمل بها.

فوق

مقا- فوق: أصلان صحيحان، يدلّ أحدهما على علوّ. و الآخر على أوبة و رجوع. فالأوّل- الفوق، و هو العلوّ، يقال فاق أصحابه يفوقهم: إذا علاهم. و أمر فائق، أى مرتفع عال. و أمّا الآخر- ففواق الناقة، و هو رجوع اللبن في ضرعها بعد الحلب، تقول: ما أقام عنده إلّا فواق ناقة. و اسم المجتمع من الدرّ: فيقة، و الأصل فيه الواو. مالها من فواق- أى مالها من رجوع و لا مثنويّة و لا ارتداد، و قال غيره:

مالها من نظرة. و المعنيان قريبان. و يقولون: أفاق السكران يفيق، و ذلك من أوبة عقله اليه. و الأفاويق: ما اجتمع من الماء في السحاب. و من الباب فوق السهم، لأنّ الوتر يجعل فيه كأنّه قد ردّ فيه.

مصبا- فوق السهم وزان قفل: موضع الوتر، و الجمع أفواق و فوقات و فوق السهم فوقا من باب تعب: انكسر فوقه، فهو أفوق. و يتعدّى بالحركة فيقال فقت السهم فوقا من باب قال، فانفاق: كسرته فانكسر، و فوّقت، تفويقا: جعلت له فوقا.

و إذا وضعت السهم في الوتر لترمى به قلت أفقته إفاقة. و فاق الرجل أصحابه:

فضلهم أو غلبهم، و فاقت الجارية بالجمال، فهي فائقة. و الفواق: ما يأخذ الإنسان عند النزع. و الفواق: ترجيع الشهقة الغالبة. و الفواق بضمّ الفاء و فتحها: الزمان الّذى بين الحلبتين. و الفاقة: الحاجة، و افتاق افتياقا: إذا احتاج، و هو ذو فاقة. و‌