التحقيق في كلمات القرآن الكريم - ج9

- حسن المصطفوي المزيد...
351 /
159

فوق: ظرف مكان نقيض تحت، و قد استعير للاستعلاء الحكمىّ، و معناه الزيادة و الفضل.

صحا- فوق: نقيض تحت. بعوضة فما فوقها. قال أبو عبيدة: فما دونها، كما تقول إذا قيل لك فلان صغير: و فوق ذلك، أى أصغر من ذلك. و قال الفرّاء:

فما دونها، أى أعظم منها. و فاق الرجل فواقا: إذا شخصت الريح من صدره. و مالها من فواق- يقرأ بالفتح و الضمّ، أى مالها من نظرة و راحة و إفاقة. و الفاقة:

الفقر و الحاجة و افتاق الرجل: افتقر، و لا يقال فاق.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو العلوّ النسبىّ، أى بالنسبة الى ما تحتها، لا مطلقا، في مادىّ أو معنوىّ.

و يضاف الى كلّ شي‌ء يتصوّر له فوق، و يشمل كلّ موجود في الأرض و في السماء، من أىّ نوع و طبقة من الممكنات.

و بلحاظ هذا الأصل: يطلق على إفاقة السكران الى العقل. و إفاقة المريض و النائم و المجنون و الغافل الى مرتبة الصحّة و اليقظة و العافية و الانتباه.

و إفاقة اللبن و اجتماعه في الصدر و الضرع. و إفاقة الريح و تصاعده من الصدر و المعدة، و كذلك الشهقة.

و يطلق على الافتقار و الاحتياج إذا كان النظر الى ما فوقه و يتوجّه اليه في رفع الفقر، و على هذا يقال افتاق أى أخذ الفوق و اختاره، و لا يقال فاق، فانّه بمعنى غلب و علا. و في الافتقار ليس علوّ، بل طلب علوّ، أى يجاهد في رفع الفقر بأىّ وسيلة.

ففوقيّة الربّ بالنسبة الى المخلوق: كما في-. وَ هُوَ الْقٰاهِرُ فَوْقَ عِبٰادِهِ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ- 6/ 18. يَدُ اللّٰهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ- 48/ 10‌

160

و الفوقيّة في عالم الآخرة: كما في-. قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيٰابٌ مِنْ نٰارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ- 22/ 19. لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّٰارِ- 39/ 16 و في المعنويّات: كما في-. وَ رَفَعْنٰا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجٰاتٍ- 43/ 32. نَرْفَعُ دَرَجٰاتٍ مَنْ نَشٰاءُ وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ- 12/ 76 و في الأمور المادّية: كما في-. مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحٰابٌ ظُلُمٰاتٌ بَعْضُهٰا فَوْقَ بَعْضٍ- 24/ 40. نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ- 7/ 171 و في الأصوات: كما في-. لٰا تَرْفَعُوا أَصْوٰاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ- 49/ 2 فالمراد في جميع هذه الموارد: العلوّ النسبىّ مادّيّا أو معنويّا.

و أمّا الإفاقة: فهو إفعال، بمعنى جعل شي‌ء ذات فوقيّة و علوّ. كجعل النفس متصاعد الى العقل و الصحّة و اليقظة و الانتباه-. فَلَمّٰا أَفٰاقَ قٰالَ سُبْحٰانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ- 7/ 143 أى فلمّا انقضى امتداد صعقة موسى (ع)، إذا تجلّى ربّه، و صار متصاعدا و متعاليا عن حالة الاندكاك و السقوط.

و في التعبير لطف: فانّ الإفاقة فيه دلالة على الحالتين، حالة الاندكاك و حالة التصاعد و العلوّ. و التوبة عن طلب النظر الى الربّ تعالى: إنّما هو في أثر الإفاقة و الصيرورة في حالة التعالي و التفوّق.

و أمّا الفواق كفعال: فالتحريك يدلّ على حركة و إظهار، و الألف يدلّ على الامتداد، كما في السلام و الصداق و الصغار، فهو مصدر، و يدلّ على علوّ متظاهر ممتدّ:

. وَ مٰا يَنْظُرُ هٰؤُلٰاءِ إِلّٰا صَيْحَةً وٰاحِدَةً مٰا لَهٰا مِنْ فَوٰاقٍ- 38/ 15‌

161

أى لا يكون لهذه الصيحة أمر يفوقها و يقهرها و يجعلها تحت نفوذ و سلطان ممتدّ ظاهر.

هذا بمقتضى حقيقة الكلمة، و هو المناسب للمقام. و أمّا ما يقال: من التفاسير المختلفة، فهو خارج عن مدلول الكلمة، و عن مقتضى المقام.

و الصيحة كما قلنا: صوت شديد له تموّجات كثيرة لا تتحمّلها سامعة الإنسان.

فوم

مقا- فوم: أصل صحيح مختلف في تفسيره، قال قوم: هو الثوم. و قال آخرون هو الحنطة.

لسا- الفوم: الزرع أو الحنطة. و أزد السراة يسمّون السنبل فوما الواحدة فومة. و قال بعضهم: الفوم: الحمّص لغة شاميّة. و الفوم: الخبز. أيضا. يقال: فوّموا لنا، أى اختَبزوا. و قال الفرّاء: هي لغة قديمة. و قيل الفوم: لغة في الثوم. قال ابن سيده: أراه على البدل. و قال الزجّاج: الفوم: الحنطة. و يقال الحبوب، لا إختلاف بين أهل اللغة أنّ الفوم الحنطة، و سائر الحبوب الّتى تختبز. يلحقها اسم الفوم.

إحياء التذكرة- 205- الثوم: و يسمّى ترياق الفقراء. و أظنّه ورد في القرآن باسم فوم بالفاء، و لكنّى لم احقّق ذلك. و قد ذكر داود في التذكرة أكثر من أربعين مرضا يشفيها الثوم، و الواقع انّه نبات ذو قيمة علاجيّة كبرى، و يحتوى على زيت طيار و بعض مركبّات الأليل، و الأليل نوع من الكحول ... الخ.

فرهنگ تطبيقى- ثوم- (شوم)- سير- عبرىّ.

162

و التحقيق

أنّ الكلمة مأخوذة من العبريّة، و كلّ من الثوم و الفوم مرجعه الى شوم عبريّا، و الشين يبدّل الى الثاء إذا بدّل العبرىّ الى العربيّ كما في شقل و شعلب، ينقل الى ثقل و ثعلب.

. وَ إِذْ قُلْتُمْ يٰا مُوسىٰ لَنْ نَصْبِرَ عَلىٰ طَعٰامٍ وٰاحِدٍ فَادْعُ لَنٰا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنٰا مِمّٰا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهٰا وَ قِثّٰائِهٰا وَ فُومِهٰا وَ عَدَسِهٰا وَ بَصَلِهٰا- 2/ 61 فالفوم هو الثوم. و لا يصحّ التفسير بالخبز: فانّه ليس ممّا تنبته الأرض. و أمّا جملة- فوّموا لنا- فالتفويم اشتقاق انتزاعىّ، بمعنى صيرورته و جعله ذا فوم مأكول مطبوخ.

و أمّا معاني- الحنطة، الحبوب، الحمّص، السنبل: إن ثبتت، فهي مفاهيم مجازيّة. مضافا الى أنّ الحبوب يغنى عن العدس. و السنبل ليس ممّا يؤكل بنفسه.

و حروف الثاء و الفاء و الشين: تشترك في صفات الهمس، الرخاوة، الانفتاح، الاستفال، السكون.

فوه

مقا- فوه: أصل صحيح يدلّ على تفتّح في شي‌ء، من ذلك الفوه: سعة الفم، رجل أفوّه و امرأة فوهاء، و يقولون إنّ أصل الفم فوه، و لذلك قالوا رجل أفوّه.

وفاه الرجل بالكلام يفوه به: إذا لفظ به. و المفوّه: القادر على الكلام. و زعم ناس أن الفوه أيضا خروج الثنايا العليا و طولها. و من الباب الفوهة: فم النهر، و انّما بنوه هذا البناء فرقا بين الّذى للنهر و الّذى للإنسان، و الفوه واحد أفواه الطيب، كأنّه لمّا فاحت رائحته فاه بها.

163

مصبا- الفوه: الطيب، و الجمع أفواه و أفاويه، و يقال لما يعالج به الطعام من التوابل: أفواه الطيب. و فاه الرجل بكذا يفوه: تلفّظ به. و فوهة الطريق: فمه و هو أعلاه. و فوّهة الزقاق: مخرجه. و جمعه أفواه على غير قياس. و الفم من الإنسان و الحيوان أصله فوه، و يجمع على أفواه، و يثنّى على فمان، و هو من غريب الألفاظ الّتى لم يطابق مفردها جمعها. و إذا أضيف الى غير الياء أعرب بالحروف، فيقال فوه و فاه و فيه، و يقال أيضا فمه.

صحا- الفوه: أصل قولهم فم، لأنّ الجمع أفواه، إلّا أنّهم استثقلوا اجتماع الهاءين في- هذا فوهه بالاضافة، فحذفوا منها الهاء فقالوا هذا فوه و فو زيد، و إذا أضفت الى نفسك قلت هذا في، يستوي فيه حال الرفع و النصب و الخفض، لأنّ الواو نقلت ياء فتدغم. و إذا افردوا لم يحتمل الواو التنوين فحذفوها و عوّضوا من الهاء ميما، قالوا هذا فم. و الفوه بالتحريك: سعة الفم.

قع- (فه) فم، كلام، فتحة، فوهة، مدخل.

(فوم) (أراميّة) فم.

و التحقيق

أنّ ما يتحصّل من المراجعة الى سائر اللغات: أنّ هذه المادّة في الأراميّة و السريانيّة أيضا قريبة من العبريّة، و العربيّة مأخوذة من العبريّة. و الفوه و الفم لغتان مستقلّتان بينهما اشتقاق اكبر، و الفم بمناسبة حرف الميم الشفوىّ: يدلّ على الفم في حالة الانغلاق و الفوه يدلّ عليه في حالة الانفتاح، و على هذا يفسّر الفوه بسعة الفم، أو بخروج الثنايا.

و الفم أعمّ من أن يكون لإنسان أو حيوان أو لغيرهما، و هو كلّ ما يفتح و يغلق، و فيه اقتضاء أن يدخل فيه شي‌ء أو يخرج منه، كما في فم النهر الخارج منه الماء، و هكذا في منبع آخر، أو في ظرف، أو في طريق.

فظهر أنّ القول بالتبديل و الحذف: ليس بصحيح.

164

و أمّا قولهم- فاه بالكلام، و تفوّه به، و رجل أفوه: فهي من الاشتقاق الانتزاعىّ من الفوه، أى انفتح و اتّسع بالكلام، و ليس في المادّة دلالة على التكلّم و التلفّظ.

و يدلّ على ما قلناه: الآيات الكريمة-. قَدْ بَدَتِ الْبَغْضٰاءُ مِنْ أَفْوٰاهِهِمْ- 3/ 118. يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللّٰهِ بِأَفْوٰاهِهِمْ- 9/ 32. كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوٰاهِهِمْ- 18/ 5. يَقُولُونَ بِأَفْوٰاهِهِمْ مٰا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ- 3/ 167 فاستعملت المادّة في موارد خروج شي‌ء من قول او كلمة أو بغضاء أو نفخ من الأفواه، فالأفواه حينئذ منفتحة.

و كذلك ورود شي‌ء في فيه:

. كَبٰاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمٰاءِ لِيَبْلُغَ فٰاهُ وَ مٰا هُوَ بِبٰالِغِهِ- 13/ 15. جٰاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنٰاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوٰاهِهِمْ- 14/ 9 فاستعملت في موارد ورود شي‌ء في الأفواه.

ثمّ إنّ ذكر الأفواه في مورد القول و الاظهار: يدلّ على خلوّه عن التعقّل و الاعتقاد، فانّ الأفواه في مقابل القلوب:

. وَ تَقُولُونَ بِأَفْوٰاهِكُمْ مٰا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ- 24/ 15. مِنَ الَّذِينَ قٰالُوا آمَنّٰا بِأَفْوٰاهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ- 5/ 41 فالأقوال بالأفواه لا اعتبار لها إذا لم تكن عن عقيدة و إيمان و لم تخرج عن القلوب.

في‌ء

مصبا- فاء الرجل يفي‌ء فيئا من باب باع: رجع. و فاء المولى عن يمينه‌

165

الى زوجته، و فاء الظلّ يفي‌ء فيئا: رجع من جانب المغرب الى جانب المشرق، و الجمع فيوء و أفياء. و الفي‌ء: الخراج و الغنيمة، و هو بالهمزة، و لا يجوز الإبدال و الإدغام.

مقا- فاء: كلمات تدلّ على الرجوع، يقال فاء الفي‌ء إذا رجع الظلّ، و كلّ رجوع في‌ء، يقال منه فيأت الشجرة و تفيّأت أنا في فيئها. و الفي‌ء: غنائم تؤخذ من المشركين أفاءها اللّٰه عليهم. و استفأت هذا المال أى أخذته فيئا. و فلان سريع الفي‌ء من غضبه.

لسا- الفي‌ء: ما كان شمسا فنسخه الظلّ. و فاء الفي‌ء: تحوّل و تفيّأ فيه:

تظلّل. و انّما سمّى الظلّ فيئا لرجوعه من جانب الى جانب. قال ابن السكّيت:

الظّلّ: ما نسخته الشمس. و الفي‌ء ما نسخ الشمس. و عن رؤبة: كلّ ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهي في‌ء و ظلّ، و ما لم تكن عليه الشمس فهو ظلّ. و تفيأت الظلال أى تقلّبت، و تفيّأت المرأة لزوجها: تثنّت عليه و تكسّرت له تذلّلا و ألقت نفسها عليه، من الفي‌ء و هو الرجوع.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو التّحنى بعد التجبّر. و من لوازمه: العود، و الرجوع، و التقلّب، و التحوّل.

و من مصاديقه: حصول الظلّ بعد حرارة الشمس. و تحّنى الزوجة و انعطافها بعد قهرها. و الغنيمة و الخراج بعد كونها غير منقادة. و التحرّك و الانعطاف في الشعر و الزرع بعد انطلاقها.

فالأصل في المادّة هو هذا المعنى، و به يتجمّع مختلف الموارد، و لازم أن يلاحظ القيدان في جميع موارد استعمالها.

. لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فٰاؤُ فَإِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ- 2/ 226‌

166

. فَقٰاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّٰى تَفِي‌ءَ إِلىٰ أَمْرِ اللّٰهِ فَإِنْ فٰاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمٰا بِالْعَدْلِ- 49/ 9 يراد الانعطاف و التحنّى و الخضوع بعد الإيلاء و البغي.

و ليس بمعنى الرجوع، فانّ مطلق الرجوع من دون خضوع و تثنّ و انكسار، لا فائدة فيه. و هذا لطف التعبير بالمادّة.

. وَ مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمٰا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ .... مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرىٰ فَلِلّٰهِ وَ لِلرَّسُولِ- 59/ 6. وَ مٰا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلَيْكَ- 33/ 50 يراد ما جعله من الأموال و المماليك مقهورا و منخضعا و مسلّطا عليه بعد كونه خارجا عن يد، و عن قدرته، و كونه قاهرا و مستقلّا.

و هذا التعبير بالمادّة فيه لطف، و هو الإشارة الى كونه منخضعا و منقادا تحت حكمه، لا الرجوع المطلق على أىّ نحو كان.

. أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلىٰ مٰا خَلَقَ اللّٰهُ مِنْ شَيْ‌ءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلٰالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَ الشَّمٰائِلِ سُجَّداً لِلّٰهِ- 16/ 48 سبق أنّ الظلّ هو ما ينبسط ما آثار الوجود و الشخصيّة. و التفيّؤ: هو التثنّي و التكسّر و التذلّل.

و التعبير بالظلال: فانّ التجبّر أو الطغيان إنّما يظهر بعد الخلق و أصل الوجود و تحقّق التشخّص، و هو مرحلة البقاء و ظهور الآثار، فيشير الى أنّ الخلق في استدامة الحياة و البقاء و الجريان ساجد خاضع للّٰه تعالى، بعد ظهور التشخّص و الاستعلاء في وجوده.

و لا يصحّ التثنّي و التكسّر إلّا بعد الاستقامة و التشخّص في نفسه.

ففي كلّ موجود له مرحلتان: مرحلة المخلوقيّة، و أنّه من خلقه تعالى و من تكوينه و إيجاده مقدّرا. و مرحلة البقاء و ظهور الآثار و التجلّيات منه. ففي المرحلة الاولى: هو مقهور ذاتا و مخلوق و مصنوع له تعالى، و ليس في ذاته‌

167

استقلال و قوام. و في المرحلة الثانية: هو المتثنّى الخاضع المتكسّر المتذلّل قبال عظمة الخالق المدبّر المقدّر له.

و ليراجع الى موادّ- سجد، شمل، يمن، ظلّ.

فيص

مقا- فيص: أصيل يدل على جريان في شي‌ء من ماء و ما أشبهه، يقال فاص الماء الدم إذا قطر. و ما أفاص بكلمة، أى لم يجرها لسانه‌

فيض

مقا- أصل صحيح واحد، يدلّ على جريان الشي‌ء بسهولة، ثمّ يقاس عليه، من ذلك فاض الماء يفيض. و يقال أفاض إناءه: إذا ملأه حتّى فاض. و أفاض دموعه. و منه أفاض القوم من عرفة: إذا دفعوا، و ذلك كجريان السيل. و أفاض القوم في الحديث: إذا تدافعوا فيه. و أرض ذات فيوض: إذا كان فيها ماء يفيض. و أعطى فلان غيضا من فيض، أى قليلا من كثير. و من الباب: فاض الرجل: إذا مات.

مصبا- فاض السيل يفيض فيضا: كثر و سال من شفة الوادي، و أفاض لغة، و فاض الإناء فيضا: امتلأ. و أفاضه صاحبه: ملأه. و فاض الماء و الدم:

قطرا. و فاض كلّ سائل: جرى. و فاض الخبر: كثر. و أفاضه اللّٰه: كثّره. و أفاض الناس من عرفات: دفعوا منها، و كلّ دفعة إفاضة. و أفاضوا من منى الى مكّة يوم النحر: رجعوا اليها. و منه طواف الإفاضة، أى طواف الرجوع من منى الى مكّة. و استفاض الحديث: شاع في الناس و انتشر، فهو مستفيض. و أفاض الناس فيه:

أخذوا. و فاضت نفسه فيضا: خرجت، و الأفصح فاظ الرجل من غير ذكر النفس.

لسا- فاض الماء و الدمع و نحوهما يفيض فيضا و فيوضة و فيوضا و‌

168

فيضانا و فيضوضة أى كثر حتّى سال على صفّة الوادي و أفاضت العين دمعه تفيضه إفاضة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو سيلان في امتلاء، أى من كثرة و امتلاء (سرازير شدن و سر رفتن).

فلا بدّ من لحاظ القيدين في المادة، و بهما تفترق عن مترادفاتها، كالجريان و السيلان و الانصباب و أمثالها.

و القيد الثاني ليس في الفيص بالصاد المهملة، و ذلك بوجود حرف الضاد المعجمة، و هو من حروف الاستطالة، و تدلّ على إطالة و امتداد، و هو من حروف الجهر أيضا، بخلاف الصاد المهملة.

. تَرىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّٰا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ- 5/ 83. وَ أَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً- 9/ 92 التعبير بالمادّة إشارة الى امتلاء الأعين من الدموع الى أن تسيل منها.

. وَ نٰادىٰ أَصْحٰابُ النّٰارِ أَصْحٰابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنٰا مِنَ الْمٰاءِ- 7/ 50 أى ليكن منكم سيلان من الماء الممتلى فيكم إلينا.

. وَ لَوْ لٰا فَضْلُ اللّٰهِ .... لَمَسَّكُمْ فِيمٰا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذٰابٌ عَظِيمٌ- 24/ 14 أى في إظهارات و أخبار تجرى منكم سايلة من امتلاء صدوركم.

. فَإِذٰا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفٰاتٍ فَاذْكُرُوا اللّٰهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرٰامِ .... ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفٰاضَ النّٰاسُ- 2/ 198 يراد جريان الحركة من عرفات و المشعر بعد امتلائهما من جمعيّة الحجّاج.

. أَمْ يَقُولُونَ افْتَرٰاهُ .... هُوَ أَعْلَمُ بِمٰا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفىٰ بِهِ شَهِيداً- 46/ 8. وَ لٰا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلّٰا كُنّٰا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ- 10/ 61‌

169

يراد سيلان قول أو عمل بعد امتلاء قلوبهم من المحبّة و شدّة التعلّق عليها، و تجمّعهم بحيث يدفع بعضهم بعضا.

ففي التعبير بالمادّة إشارة إلى امتلاء في مبدأ السيلان زائدا على السيلان نفسه، كامتلاء القلب من حبّ أو بغض أو عداوة أو سوء نيّة أو عصيان أو غيرها، و امتلاء محلّ من كثرة الحالّ و ازدحامه.

و في التعبير بصيغة الإفعال: لتفهيم التعدية و بالنظر الى قيام الفعل بالفاعل و صدوره منه، أى تفيضون أنفسكم و من معكم.

فيل

صحا- الفيل معروف، و الجمع أفيال و فيول و فيلة. و صاحبة فيّال. و رجل فيل الرأى، أى ضعيف الرأى. و قد فال الرأى يفيل فيولة. و فيّل رأيه تفييلا:

ضعّفه، فهو فيّل الرأى.

مقا- فيل: أصل يدلّ على استرخاء و ضعف. و يمكن أن يكون الفائل من هذا، و هو اللحم الّذى على خربة الورك.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الحيوان المعروف، و المادّة مأخوذة من السريانيّة و الآرامية و العبريّة فيلا. و قريب منها في الفارسيّة پيل. كما في- فرهنگ تطبيقى.

و في- قع- (فيل)- فيل.

و يشتقّ منها اشتقاقات انتزاعيّة، بمناسبة استرخاء في وجوده في قبال بدنه الثقيل الكبير، فيقال: فال الرأى، و فيّله، و فيّال.

و الفيل أعظم حيوان برّىّ، و النوع الآفريقى أكبر من الهندىّ، و الهندىّ‌

170

أسهل للتربية و الاستيناس من الافريقىّ، و له خرطوم طويل في امتداد الشفة العليا و الأنف، و يتوسّل به في إيصال الطعام الى فمه و في رفع حوائجه و في قلع الأشجار و في دفع العدوّ، و فيه قوّة في غاية القدرة و الشدّة، و له صياح ضعيف.

و قد يبلغ عمره الى أربعمائة سنة، و قد يكون ارتفاع الفيل في عظمه بالغا الى خمسة أمتار، و يؤخذ العاج من أنيابه.

. أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحٰابِ الْفِيلِ- 105/ 1 و هم المبعوثون من جانب ملك الحبشة لتخريب بيت مكّة.

و الحبشة مملكة في شرق افريقيا في جنوب السودان، و يقابلها اليمن في الجنوب الغربىّ من جزيرة العرب في جنوب الحجاز.

و في ذكر الفيل الإفريقي الحبشي، و في الدفاع عنه بطير ترميهم بحجارة صغيرة جعلهم كعصف مأكول: إشارة الى القدرة المطلقة للّٰه تعالى.

فيفعل ما يشاء بما يشاء كيف يشاء و هو على كلّ شي‌ء قدير.

و الحمد للّٰه الّذى منّ علينا بإتمام حرف الفاء من كتاب التحقيق في كلمات القرآن الكريم. و يتلوه حرف القاف، و نسأله أن يؤيّدنا في إتمام الكتاب أنّه ولىّ التوفيق و ما توفيقي إلّا منه تعالى. و قد تمّ في اليوم التاسع من شهر ذى الحجّة الحرام 1403 يوم العرفة، 26/ 6/ 62، في بلدة قم المشرّفة بيد مؤلّفه الفقير- حسن المصطفوى‌

171

[حرف القاف]

ق

. ق، وَ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، بَلْ عَجِبُوا أَنْ جٰاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقٰالَ الْكٰافِرُونَ هٰذٰا شَيْ‌ءٌ عَجِيبٌ- 50/ 1 و في آخر السورة-. نَحْنُ أَعْلَمُ بِمٰا يَقُولُونَ وَ مٰا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّٰارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخٰافُ وَعِيدِ.

و في السورة قبلها- الحجرات:

. يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ اتَّقُوا اللّٰهَ- 49/ 1 و في أواخر السورة-. يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لٰا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلٰامَكُمْ بَلِ اللّٰهُ يَمُنُّ.

ففي سورة الحجرات يبحث عن التأدّب في مقابل رسول اللّٰه و إطاعة أمره و الإسلام و الإيمان، ثمّ يبحث في هذه السورة عن إجراء برنامج الإسلام النازل من جانب اللّٰه المتعال و هو القرآن المجيد.

فالقرآن وسيلة دعوة النبي ص، و به ينذرهم و يعدهم و يبشّرهم- فذكّر بالقرآن من يخاف- و به يتمّ أمر الرسالة و إبلاغ الأمر.

172

و على هذا يبحث في السورة التالية عن نتيجة العمل و عن جزاء الأعمال-. وَ الذّٰارِيٰاتِ .... إِنَّمٰا تُوعَدُونَ لَصٰادِقٌ .... ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ.

و في آخر السورة-. فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ.

و في سورة ق: مضافا الى البحث عن القرآن: يبحث أيضا عن الأقوال المخالفة لبرنامج الرسول- فقال الكافرون. و عن الأقوام المكذّبين للرسل- كذّبت قبلهم قوم نوح ... و قوم تبّع.

و قد ذكرت هذه الأمور الثلاثة في آخر السورة- نحن أعلم بما يقولون ...

فذكّر بالقرآن.

فيشار بحرف القاف الى ما يجب للرسول و ما يوظّف به و ما يجرى بيده، و هو إبلاغ الأحكام و تبيين الحقائق في قبال الأقوال و الآراء الباطلة، و الأقوام و الجماعات المكذّبين المفسدين، و هذا برنامج البعثة و وجهة الرسالة.

و من صفات ق: الجهر و الشدّة و الاستعلاء و الضغط.

قبح

مصبا- قبح الشي‌ء قبحا، فهو قبيح من باب قرب، و هو خلاف حسن. و قبحه اللّٰه يقبحه: نحّاه عن الخير- هم من المقبوحين، أى المبعدين عن الفوز. و التثقيل مبالغة.

مقا- قبح: كلمة واحدة تدلّ على خلاف الحسن، و هو القبح، يقال قبحه اللّه و هذا مقبوح و قبيح. و زعم ناس أنّ المعنى في قبحه نحّاه و أبعده. و ممّا شذّ عن الأصل و أحسبه من الكلام الّذى ذهب من كان يحسنه: قولهم كسر قبيح، و هو عظم الساعد.

مفر- القبيح: ما ينبو عنه البصر من الأعيان و ما تنبو عنه النفس من‌

173

الأعمال و الأحوال، و قد قبح قباحة، فهو قبيح.

لسا- القبح: ضدّ الحسن يكون في الصورة و الفعل، قبح يقبح قبحا و قبوحا و قباحا و قباحة و قبوحة، و هو قبيح، و الجمع قباح. قال الأزهرىّ: هو نقيض الحسن، عامّ في كلّ شي‌ء. و القبيح: طرف عظم العضد ممّا يلي المرفق. و طرف عظم العضد الّذى يلي المنكب يسمّى الحسن لكثرة لحمه، و الأسفل القبيح.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يخرج عن الاعتدال كما أنّ الحسن ما يكون الاعتدال بين أجزائه و أعضائه.

و هذا المعنى في كلّ شي‌ء بحسبه، موضوعا خارجيّا، و إنسانا، و عملا، و قولا، و برنامجا، و جريان أمر.

. فَأَخَذْنٰاهُ وَ جُنُودَهُ (فَنَبَذْنٰاهُمْ) فِي الْيَمِّ .... وَ جَعَلْنٰاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّٰارِ .... وَ أَتْبَعْنٰاهُمْ فِي هٰذِهِ الدُّنْيٰا لَعْنَةً وَ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ- 28/ 42 يراد كونهم خارجين عن الاعتدال و النظم وجودا في ظواهرهم و بواطنهم و جريان أمورهم و معايشهم، من مسكن و غذاء و لباس و فكر و غيرها.

فتؤثّر هذه الاختلالات و الابتلاءات و الشدّة و المضيقة و الظلمة: اختلالا في معايشهم الاخرويّة و جريان أمورهم الروحانيّة.

و هذا أشدّ عذاب و أعظم ابتلاء لهم في الآخرة.

و أمّا التعبير بصيغة المفعول: اشارة الى المجازاة من جانب اللّٰه العزيز المتعال، كما في- و أتبعناهم في هذه الدنيا.

و يقابله حسن الحال في الآخرة:

. خٰالِدِينَ فِيهٰا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَ مُقٰاماً ...،. وَ اللّٰهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ...،. رَبَّنٰا آتِنٰا فِي الدُّنْيٰا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ...،. أَصْحٰابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَ أَحْسَنُ مَقِيلًا ...،. وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ- 16/ 97‌

174

قبر

مصبا- القبر: معروف، و الجمع قبور، و المقبرة بضمّ الثالث و فتحه:

موضع القبور، و الجمع مقابر، و قبرت الميّت قبرا من بابى قتل و ضرب: دفنته، و أقبرته: أمرت أن يقبر أو جعلت له قبرا. و القبّر: وزان سكّر، ضرب من العصافير، الواحد قبّرة. و القنبرة: لغة فيها، و كأنّها بدل من حرف التضعيف.

مقا- قبر: أصل صحيح يدلّ على غموض في شي‌ء و تطامن. و من ذلك قبر الميّت، يقال قبرته أقبره. فإن جعلت له مكانا يقبر فيه قلت أقبرته- ثمّ أماته فأقبره. و قال ناس من أهل التفسير في أقبره: ألهم كيف يدفن. ابن دريد: أرض قبور: غامضة. و نخيلة قبور: يكون حملها في سعفها. و مكان القبور: مقبرة و مقبرة.

التهذيب 9/ 138- قال الليث: القبر مدفن الإنسان، و المقبر المصدر، و المقبرة: الموضع، و المقبر أيضا: موضع القبر. عن الفرّاء في- فأقبره: جعله مقبورا و لم يجعله ممّن يلقى للطير و السباع و لا ممّن يلقى في النواويس، كأنّ القبر ممّا أكرم به المسلم، و لم يقل فقبره، لأنّ القابر هو الدافن بيده، و المقبر هو اللّٰه، لأنّه صيّره ذا قبر، و روى عن ابن عبّاس: إنّ الدجّال ولد مقبورا. قال أبو العبّاس: لأنّ امّه و ضعته و عليه جلدة مصمتة ليس فيها شقّ و لا ثقب.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو المواراة بحيث يغطّى من جميع الجوانب مادّيّا أو معنويّا. و من مصاديقه: القبر مصدرا، و اسما بمعنى ما يوارى و يغطّى شيئا. و هذا مأخوذ من العبريّة و السريانيّة.

و اسم المكان منه: المقبرة بفتح الأوّل و الثالث، و قد يستعمل تسامحا‌

175

بكسر الثالث كمسجد، و بضمّه اتباعا بالمضارع من باب قتل.

و إذا كان النظر الى جهة النسبة الى الفاعل و الصدور منه: يقال- أقبرته، إشارة الى هذه الجهة، كما في قوله تعالى:

. مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَمٰاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذٰا شٰاءَ أَنْشَرَهُ- 80/ 21 فانّ النظر الى جهة خلقه و تقديره و تيسير طريق السعادة و الحقّ، ثمّ إماتته و إقباره و نشره- و هذه كلّها في جريان إظهار القدرة من اللّٰه عزّ و جلّ.

و من التقدير نفخ الروح فيه فيكون خلقا جديدا، و تيسير السبيل بعد هذه النفخة و بعد كونه ذا شعور و إدراك و عقل و تمييز، فهو شخص واحد، البدن ظاهره و قالبه و آلة عمله و حركاته، و الروح حقيقة وجوده و الآمر و الناهي و المميّز و المكلّف المدرك.

فهذا الإنسان يديم حياته المطلقة الى أن ينتقل من عالم المادّة و يبلغ أجله، فيواري بدنه في التراب و هو قبره، و يوارى الروح في قالب برزخىّ على شكل يناسب صفاته و أخلاقه و أعماله، بل متحصّل و متكوّن من تلك الأعمال و الصفات الروحانيّة و على شكلها، فالبدن البرزخىّ في الحقيقة عبارة عن تحصّل صورتها.

و هذا التحوّل يمتدّ الى عالم النشر، و النشر هو البسط و الإذاعةُ و التشخّص و التحقّق. و لمّا كان الروح هو الأصيل الآمر الناهي الفاعل المختار:

فهو مورد التكليف و المؤاخذة و الثواب و العقاب، و لم يكن البدن إلّا آلة صرفة كسائر الآلات في أعماله، لا إدراك و لا شعور و لا فهم و لا إختيار و لا تشخيص و لا توجّه له بوجه، فلا يؤاخذ و لا يعاقب و لا يثاب، و لا خصوصيّة له، إلّا أن يشاء اللّٰه إحياءه و تجديد كونه بدنا لذلك الروح و آلة له، مع حفظ المادّة الأصيلة، و هذا من العلوم المربوطة الى عالم الآخرة، و هي خارجة عن البحث و التحقيق بادراكات محدودة و بحواسّ مادّيّة و أفكار مأخوذة منها، و هو الحكيم المدبّر القادر‌

176

الفاعل لما يشاء بما يشاء كيف يشاء.

و انّما نبحث في هذا الكتاب عن مسائل لنا طريق الى فهمها و إدراكها، و في محدودة تلك الخصوصيّة و الإدراك، و نسكت عن الباقي.

فظهر أنّ القبر إمّا للبدن المادّىّ: و هو المتفاهم المحسوس الممسوس لنا، يوارى و يغطّى الجسد إذا عرض له الموت.

أو للروح المطلق في الأبدان: و هو ما يغطّيه و يحجبه من الصفات الحيوانيّة و التمايلات النفسانيّة و التعلّقات المادّيّة الّتى توجب ظلمة و انكدارا و محدوديّة و محجوبيّة له، و يضاف اليها البدن البرزخىّ بعد الموت.

أو للروح المتزكّى المتوجّه: و هو الأنانيّة بمراتبها من التكبّر و الرياء و رؤية النفس، فيكون مقبورا، و محجوبا بها، و إن تنزّه عن سائر الصفات الحيوانيّة و التعلّقات المادّيّة.

فيتصوّر للنشر أيضا مراتب ثلث، فانّ بعد كلّ مرتبة من القبر و التغطّى و التحجّب نشرا و بسطا من تلك المحدوديّة و الانقباض.

. وَ أَنَّ السّٰاعَةَ آتِيَةٌ لٰا رَيْبَ فِيهٰا وَ أَنَّ اللّٰهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ- 22/ 7. أَ فَلٰا يَعْلَمُ إِذٰا بُعْثِرَ مٰا فِي الْقُبُورِ وَ حُصِّلَ مٰا فِي الصُّدُورِ- 100/ 9. وَ إِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ مٰا قَدَّمَتْ وَ أَخَّرَتْ- 82/ 4 ظاهر التعبير بالبعث و البعثرة و بالقبور و بمن فيها و بما فيها: يدلّ على بعث لذوي العقلاء من قبورهم- في الآية الاولى. و بعث مطلق ما يكون في القبور- كما في الآية الثانية. و بعثرة في نفس القبور- كما في الآية الثالثة.

ثمّ إنّ البعث: بمعنى الاختيار و الرفع للعمل بوظيفة، كبعث الرسول. و البعثرة: بعث شديد مع تقلّب.

و عبّر في الآية الاولى بالبعث: لتناسبه بذوي العقل و الإختيار، كما أن البعثرة و التقلّب يناسب القبور و ما فيها.

و الآية الاولى: في مقام إظهار القدرة و التكوين و التقدير.

177

و الثانية: في مقام قدح الإنسان و ذمّه و كونه غافلا عن عاقبة أمره، و أنّ السرائر تنكشف في الآخرة.

و الثالثة: في مقام الإشارة الى فناء عوالم المادّة، و رفع الحجب و التعلّقات و ظهور الحقائق.

و أمّا تفسير الآيات الكريمة بناء على أنّ القبر بمعناه المتفاهم العرفي و أنّ البعث إنّما يقع متعلّقا على ما فيه: فنقول:

1- البدن بتمام أعضائه و أجزائه و قواه: فانية تحت حكومة الروح و إرادته فناء تاما كاملا بحيث لا يرى منه حركة و لا عمل و لا سكون إلّا بحكمه و إرادته، و هذا الفناء و الطاعة بمرتبة قويّة يقرب من الاتّحاد و ينفى الاثنينيّة و الخلاف، و يكون البدن مورد خطاب و مواجهة و عتاب و تكليف و تشويق و مجازات، و هذا المعنى بالغ في العرف الى حدّ النهاية، حتّى اشتبه وجود الروح على من له نظر سطحىّ عرفىّ فقط.

2- هذا الفناء التامّ قد أوجب اختصاصا و مزيد ارتباط، و تعلّق تشريف و تكريم و تعظيم، بل و سراية جلال و عظمة و كمال و بهاء و نورانيّة من مقام الروح الى البدن الفاني.

و هذا أمر طبيعىّ قهرىّ في كلّ ما يفنى و يخضع في قبال شي‌ء آخر، كما أنّ العبد إذا بلغ الى مقام الفناء و العبوديّة التامّة: يلحق به من آثار الربّ و جلاله و جماله و نورانيّة صفاته بمقتضى سعة استعداده.

و ورد في محكمات الحديث:

إنّ العبد لَيتقرّبُ إلىّ حتّى أكونَ سمعَه و بصرَه و يدَه، يَقول لشي‌ء كُن فيكون- و ما رَميتَ إذ رميتَ و لكنّ اللّٰهَ رَمى.

3- البدن الفاني في الروح تلحقه آثار من مقامه و خصوصيّاته، كمالا أو ضعفا، و حسنا أو قبيحا، نورا أو ظلمة، فالبدن مظهر صفات الروح و مجلى مقاماته عالية أو سافلة، و مجرى تمايلاته و مقاصده، و ليس له إلّا ما يريد الروح و ما‌

178

يشاء، و لا يظهر منه سكون و لا عمل إلّا بنظره و ميله و إرادته، ففي البدن يتجلّى ما في الروح حسنا أو قبيحا.

4- الإنسان يتكوّن من سلّولات معدودة، و هذه السلّولات مبدأ حياته و منشأ وجوده، كما في سائر الحيوانات و النباتات أيضا، و هو يعيش و ينتهى الى كماله، ثم يموت و يقبر و يدفن في القبر، و يتلاشى و يتفرّق أجزاؤه و يصير ترابا، و لكنّ اللّٰه يحيط بأجزائه المتفرّقة و المتحوّلة، و يعلم ما ظهر و ما بطن، و لا حبّة في ظلمات الأرض و ما تسقط من ورقة إلّا يعلمها، فانّ نور حياته و وجوده محيط بكلّ شي‌ء، و لا يعزب عن عمله شي‌ء.

و هذه السلّولات الأصيلة محفوظة بموادّها في ضمن أجزاء البدن البالية، و محاطة معلومة متعيّنة ذرّاتها بعلم اللّٰه، ثمّ إنّه قادر على تكوينها و تقديرها و تصويرها من تلك السلّولات المعلومة عند اللّٰه تعالى، كما كوّنها و خلقها في المرّة الاولى، و الخلق الثاني أسهل، لوجود المادّة الأوّليّة و ضبط الصورة و الكيفيّة- إنّه على رجعه لقادر.

و لا يخفى أنّ جميع الخصوصيّات الباطنيّة و الصفات الذاتيّة الثابتة تنتقل الى النسل المتأخّر بواسطة هذه السلّولات المسمّاة بالنطفة المكمون فيها ما للوالدين من الامتيازات، و كذلك في النباتات و الرياحين.

5- البدن لازم أن يعود حين المسائلة و المحاكمة، فانّه عامل من جميع الجهات و مجرى النيّات و التمايلات في نهاية الخضوع و الطاعة و الفناء، لأنّ التحقيق و الدقّة و المعرفة التامّة الصحيحة في جريان امور شخص، تلازم إحضار عامله الخاصّ و إشهاد من يجرى نيّاته و أوامره كلّيّة و جزئيّة، و ذلك مقتضى إجراء الحقّ و العدل.

نعم يتجلّى جميع ما يريد و ينوى الإنسان في مظاهر البدن و في الأعضاء و الجوارح الظاهريّة، و يظهر في الخارج بواسطة القوى البدنيّة، فلا بدّ من حضور ذلك البدن و شهادة الأعضاء و القوى بما ظهر فيه و به:

179

. يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ- 24/ 24 6- البدن الّذى يعاد في يوم القيامة: على صورة البدن الدنيوىّ و شكله عضوا فعضوا، و من المادّة الّتى خلق منها أوّلا، إلّا أنّه في كمال اللطافة و الدقّة، ليس فيه أثر من آثار عالم المادّة.

و لا بدع فيه، فانّ في أبداننا أجزاءً و قوى لطيفة، و إن أخذت من مبدأ مادّىّ، كالقوى المودعة في البصر و السمع و الشمّ و في الأعصاب و في أجزاء العين و في نظم الدماغ و غيرها. مضافا الى أنّ المادّة و الجسد تلازم المحدوديّة و المضيقة و المشقّة و التزاحم و الابتلاء و المرض و التعب و التحوّل الشديد و سرعة الفناء، و هذه كلّها من لوازم دار الفناء، و ليس في دار البقاء و الخلود و النعمة و السرور تعب و مرض و تزاحم و فناء.

و أمّا العذاب و المضيقة و التعب في الآخرة لأهل العذاب: فانّما هي متحصّلة من نفس الوجود و من باطن هؤلاء الأفراد، لا من الخارج- هذا ما كنزتم لأنفسكم.

نعم إنّ عالم الآخرة بين المادّىّ الصرف الجسدانىّ و الروحانىّ الخاص، فهو من عوالم الجسمانيّة، كما في عالم الملائكة- لهم دار السلام، و إنّ الدار الآخرة لهى الحيوان، و إنّ الآخرة هي دار القرار، لا يمسّنا فيها نصب.

7- و الفرق بين السلّولات الأوّليّة و ما يبقى في القبر: أنّ الأوّليّة لا تلوّن لها إلّا في محدودة التلوّن من التأثّر و التوارث من الأبوين بالجريان الطبيعىّ القهرىّ. و هذا بخلاف الثانية فانّها قد تلوّنت بلون الصفات و الأعمال و سائر الخصوصيّات من صاحبها، و على هذا تتشكّل بالشكل الّذى كان صاحبها عليه في آخر العمر بهاء او انكدارا- كما تموتون تبعثون. فهذه خلاصة وجوده و الباقية منه، و هذه من المعارف المخزونة خذها و اغتنم.

ثمّ إنّ ما في القبر يعبّر عنه بكلمة- من: باعتبار كونه مبدأ لذي عقل، و بكلمة- ما: بلحاظ ما بالفعل.

180

قبس

مصبا- قبس نارا يقبسها من باب ضرب: أخذها من معظمها، و قبس علما: تعلّمه، و قبست الرجل علما، يتعدّى و لا يتعدّى، و أقبسته نارا و علما، فاقتبس. و القبس: شعلة نار يقتبسها الشخص. و المقباس: مثله. و المقبس مثل مسجد: موضع المقباس، و هو الحطب الّذى اشتعل بالنار. و أبو قبيس: مصغر، جبل مشرف على الحرم من الشرق.

مقا- قبس: أصل صحيح يدلّ على صفة من صفات النار، ثمّ يستعار، من ذلك القبس: شعلة النار، يقال أقبست الرجل علما و قبسته نارا. ابن دريد: قبست من فلان نارا، و اقتبست منه علما، و أقبسنى قبسا، و من هذا القياس: فحل قبيس، إذا كان سريع الإنتاج، كأنّه شبّه بشعلة النار. فأمّا القبس: فيقال إنّه الأصل.

الاشتقاق 366- قابوس: و هو اسم أعجمىّ، و إنّما هو كاؤوس، و هو اسم بعض ملوك العجم، فان جعلت اشتقاقه من العربيّة فهو فاعول من القبس. و القابس: المشعل النار.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو سيلان شي‌ء له نور، و أكثر استعمالها في جهة المعنى. فيقال: قبست نورا و علما، و إذا قيل قبست نارا: يكون النظر الى جهة الحرارة الحاصلة منها الّتى تصل الى باطن البدن، إلّا أن يكون تجوّزا، كما في- فحل قبيس.

. يَوْمَ يَقُولُ الْمُنٰافِقُونَ وَ الْمُنٰافِقٰاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونٰا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ- 57/ 12 أى نستفيض من نوركم السائل الروحاني و نتنوّر به. و ليس المراد النور‌

181

الظاهرىّ، بقرينة قوله تعالى:

. قِيلَ ارْجِعُوا وَرٰاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً.

فانّ المراد النور المعنوىّ المنتقل الى عالم الآخرة، و النور الظاهرىّ يشترك فيه المؤمن و المنافق.

. إِنِّي آنَسْتُ نٰاراً سَآتِيكُمْ مِنْهٰا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهٰابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ- 27/ 7. لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهٰا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النّٰارِ هُدىً فَلَمّٰا أَتٰاهٰا نُودِيَ يٰا مُوسىٰ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ- 20/ 10 التعبير بالانس و بالقبس و بالصلى و بالهداية و بالنداء منه: يدلّ على كون النار من النور.

فانّ الانس فيه ظهور و قرب باطني و تجاذب. و القبس يستعمل في المعنويّات و فيما فيه نورانيّة. و الاصطلاء هو مقابلة و قرب بنار و استحرار.

و التعبير بالنار: لكونها في الحسّ الظاهر نارا لها ضياء و تلألؤ ظاهرىّ.

و الأنوار الروحانيّة ترى بالبصر إذا كانت البصيرة غير محجوبة.

و يدلّ على ما ذكرنا أيضا: ذكر الشهاب و كون القبس وصفا له، فانّ الشهاب هو الشعلة المتجلّية، و الشعلة غير قابلة للنقل بنفسها، هذا بخلاف الشهاب الروحانىّ المتجلّى الظاهر.

و الاستفاضة من الأنوار الإلهيّة و لو بواسطة: ممكن لكلّ فرد يكون مستعدّا مشتاقا، كما في الاستفادة عن الرسل.

و التمييز بين شعلة النار و شعلة النور غير خفىّ على مثل موسى (ع)، فانّ شعلة النور فيها جذبة معنويّة و تأثير روحانىّ يؤثّر في القلب، بخلاف النار: فانّ الجذبة فيها من جانب المقابل إذا احتاج الى الحرارة أو الضياء الظاهرىّ، و لا جذبة في النار و شعلتها.

و قد عبّر موسى (ع) بالنار: على لسان القوم و لحسن التفاهم.

182

و أمّا القبس: فهو كحسن صفة بمعنى ما يتّصف بكونه متنوّرا سايلا. كما أنّ القبيس أيضا صفة. و أمّا الاقتباس: فهو على صيغة الافتعال، و يدلّ على اختيار القبس و الرغبة اليه.

قبض

مصبا- قبض اللّٰه الرزق قبضا من باب ضرب: خلاف بسطه و وسعه. و قبضت الشي‌ء قبضا: أخذته، و هو في قبضته، أى في ملكه. و قبضت قبضة من تمر، بفتح القاف و الضمّ لغة. و قبض عليه بيده: ضمّ عليه أصابعه. و قبضه اللّٰه أماته. و قبضته عن الأمر، مثل عزلته، فانقبض.

مقا- قبض: أصل واحد صحيح يدلّ على شي‌ء مأخوذ و تجمّع في شي‌ء.

تقول قبضت الشي‌ء من المال و غيره قبضا. و مقبض السيف و مقبضه: حيث تقبض عليه. و القبض: ما جمع من الغنائم و حصّل، يقال: اطرح هذا في القبض، أى في سائر الغنائم المقبوضة. و أمّا القبض الّذى هو الإسراع: فمن هذا أيضا، لأنه إذا أسرع جمع نفسه و أطرافه، و يقولون للسائق العنيف: قبّاضة و قابض، و من الباب: انقبض عن الأمر و تقبّض: إذا اشمأزّ.

التهذيب 8/ 349- قال الليث: القبض: بجمع الكفّ على الشي‌ء. و قال غيره: القبضة: ما أخذت بجمع كفّك كلّه، فإذا كان بأصابعك فهي القبضة. و يقال: مقبض القوس. و مقبض: أعمّ و أعرف. و القابض: السائق السريع السوق، لأنّ السائق للإبل يقبضها، أى يجمعها إذا أراد سوقها.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو جمع ليستقرّ تحت تسلّطه و قدرته. و هو خلاف البسط، أى الإخراج عن تسلّط اليد و النشر. و من مصاديقه: قبض الرزق و‌

183

تحديده في قبال التوسعة. و قبض اليد بضمّ الأصابع. و قبض النفس بإماتته و طىّ ايّام حياته. و قبض الشي‌ء أخذه و تملّكه أو التسلّط عليه. و قبض عن الأمر منعه عن جريان أمره أو عزله عنه. و انقباض في القلب في قبال انبساطه. و القابض السائق بقبض الإبل في جهة العمل و السير و جعلها تحت سيطرته و سلب الحرّيّة عنه في الحركة كيفما شاء.

فلا بدّ من وجود القيدين- الجمع، التسلّط- في موارد استعمال المادّة. و بهما تفترق عن مترادفاتها.

. وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ- 39/ 67. وَ لَمْ تَجِدُوا كٰاتِباً فَرِهٰانٌ مَقْبُوضَةٌ- 2/ 283. فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ- 20/ 96 يراد جمعها عند القابض بحيث تكون تحت سلطته، و ليست بمعنى الأخذ المطلق، أو الأخذ بالأصابع، أو مطلق الجمع، أو غيرها.

و القبضة للمرّة، فتمام الأرض بأىّ معنى كانت قبضة أى مجموعة تحت سلطته يوم القيامة، فيومئذ تظهر سلطته المطلقة و مالكيّته، و هو مالك يوم الدين.

و التعبير في الرهن بالقبض: إشارة الى لزوم كونه تحت التسلّط.

. مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّٰهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضٰاعِفَهُ لَهُ أَضْعٰافاً كَثِيرَةً وَ اللّٰهُ يَقْبِضُ وَ يَبْصُطُ- 2/ 245 من الأسماء الحسنى للّٰه عزّ و جلّ: اسما القابض و الباسط، و هما من أسماء الصفات الفعليّة، و صفات الفعل: ظهور صفات الذات و تجلّيها في الخارج، كالرازق و المصوّر و الخالق و الشافي و الكاشف و الكريم و القاضي و غيرها.

فالقابض هو الّذى يجمع صفة أو عملا و يجعلها محدودة، و هي تحت سلطته و سيطرته. و هذا في مقابل البسط و التوسعة.

كما في قبض الرزق و الرحمة و الجود و الكرم و العفو و النصر و الشفاء و‌

184

البرّ و الخلق و الغنى و الإحياء و الإماتة و غيرها.

و هذان الاسمان إنّما يتشعّبان من العلم و القدرة، فانّهما من مبادي اكثر الصفات، كما سبق في- سما- فراجعه.

و القبض و البسط يتحقّقان في ضمن الصفات الفعليّة الاخرى، فيقال قبض اللّٰه و بسط في رازقيّته و رحمته و جوده و كرمه و عفوه و نصره و برّه و خلقه و إحيائه، و هكذا.

. وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَ يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ- 9/ 67. أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صٰافّٰاتٍ وَ يَقْبِضْنَ- 67/ 19 الآية الاولى في قبض اليد عن بسط المال و الصدقات و الإنفاقات. و الثانية- في الطير و قبضها عبارة عن التحفّظ و التجمّع في القوى في حال الطيران في أنفسهنّ، و التجمّع و التقيّد في قبال وظائفها الفطريّة الإلهيّة، فانّ الصفّ اشارة الى الاطاعة و الانقياد و الخضوع- كما سبق.

. أَ لَمْ تَرَ إِلىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَ لَوْ شٰاءَ لَجَعَلَهُ سٰاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ثُمَّ قَبَضْنٰاهُ إِلَيْنٰا قَبْضاً يَسِيراً- 25/ 46 قلنا إنّ الظلّ انبساط آثار الوجود و التشخّص مادّيّا أو معنويّا، و مراتب الوجود الامكانى آثار و أظلّة لنور الحقّ، و اللّٰه تعالى قد مدّها و يمدّها، و يفيض عليها الوجود و ما يحتاجون اليه، و هو الباسط لنوره و فيضه كيف يشاء، و لو شاء لجعل ظلّه و فيضه ساكنا لا امتداد فيه، بل يقبضه، و هو يسير عليه.

و الشمس و نورها آيتان من امتداد الظلّ، فانّ ظلّ الشمس و أثرها الفائض الممتدّ منها هو ضياؤها، و هذا الضياء يمتدّ الى أن تكون الشمس باقية و لا حجاب لها، و إذا كوّرت أو حجبت بسحاب او كرات اخرى: فالظلّ منها و هو النور و الحرارة يكون منقبضا مأخوذا أو منتفيا.

و لا يخفى أنّ الظلّ المتراءى من الأجسام في قبال الشمس ليس ظلّا للشمس، بل لذي الظلّ و الحاجب عن بسط الضياء، فالظلّ هو أثر شي‌ء- راجع‌

185

الظلّ.

و الفرق بين الظلّ المنبسط من الشمس و الظلّ الممتدّ من نور اللّٰه تعالى هو أنّ الشمس يبسط ضياءها و يجمعها جبرا و بلا إختيار، فانّها مقهورة تحت سلطة الربّ العزيز و قدرته و إرادته، بخلاف ظلّ الربّ تعالى، فهو يقبض و يبسط كيف يشاء.

و التعبير بالظلّ إشارة الى أنّ مراتب الوجود الممكنة من جميع العوالم مظاهر صفات الجمال و الجلال الإلهيّة.

قبل

مصبا- قبلت العقد أقبله من باب تعب قبولا، و الضمّ لغة. و قبلت القول:

صدّقته. و قبلت الهديّة: أخذتها. و قبلت القابلة الولد: تلقّته عند خروجه قبالة، و الجمع قوابل، و امرأة قابلة، و قبيل أيضا. و قبل اللّٰه دعاءنا و عبادتنا و تقبّله. و قبل العام و الشهر قبولا من باب قعد فهو قابل: خلاف دبر. و أقبل أيضا، فهو مقبل، و القبل بضمّتين: اسم منه، يقال افعل ذلك لقبل اليوم، أى لاستقباله، قالوا: يقال في المعاني قبل و أقبل، و في الأشخاص أقبل لا غير. و افعل ذلك لعشر من ذى قبل، أى من وقت مستقبل. و القبل بضمّ الباء و سكونها: لفرج الإنسان، و الجمع أقبال. و القبل من كلّ شي‌ء خلاف دبره، قيل لأنّ صاحبه يقابل به غيره. و منه القبلة لأنّ المصلّى يقابلها، و كلّ شي‌ء جعلته تلقاء وجهك فقد استقبلته. و القبلة اسم من قبّلت الولد تقبيلا، و الجمع قبل. و ليس لي به قبل: طاقة. و لي في قبله أى في جهته. و القبيل: الكفيل وزنا و معنى، و الجمع قبلاء. و القبيل أيضا:

الجماعة. و تقبلت العمل من صاحبه: إذا التزمته بعقد. و القبالة: اسم المكتوب من ذلك.

مقا- قبل: أصل واحد صحيح تدلّ كلمه كلّها على مواجهة الشي‌ء‌

186

للشي‌ء. و يتفرّع بعد ذلك. فالقبل من كل شي‌ء: خلاف دبره، و ذلك أنّ مقدمه يقبل على الشي‌ء. و القبول من الرياح: الصبا، لأنّها تقابل الدبور.

مفر- قبل: يستعمل في التقدّم المتّصل و المنفصل، و يضادّه بعد. و قيل يستعملان في التقدّم المتّصل، و يضادهما دبر و دبر، هذا في الأصل، و إن كان قد يتجوّز في كلّ واحد منهما. و قبل: يستعمل في المكان، و في الزمان، و في المنزلة، و في الترتيب الصناعىّ: نحو تعلّم الهجاء قبل تعلّم الخطّ. و القبل و الدبر: يكنّى بهما عن السوأتين. و القابل: الّذى يستقبل الدلو من البئر فيأخذه. و قبلت عذره و توبته و غيره و تقبّلته كذلك. و قيل للكفالة: قبالة، فانّها أوكد تقبّل. و شاة مقابلة: الّتى قطعت من قبل اذنها.

صحا- قبل: نقيض بعد، و القبل و القبل نقيض الدبر و الدبر، و قدّ قميصه من قبل و من دبر، أى من مقدّمه و من مؤخّره.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو مواجهة في تمايل، و يلازمه وجود خلف له متّصلا أو منفصلا.

و هذا المعنى ينطبق على جميع موارد استعمال المادّة.

أمّا القبول و الإقبال: فهو مواجهة متمايلا الى تلك الجهة، و يلازمه الإدبار:

. فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ يَتَسٰاءَلُونَ- 37/ 50. يٰا مُوسىٰ أَقْبِلْ وَ لٰا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ- 28/ 31. وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّٰا فِيهٰا وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنٰا فِيهٰا- 12/ 82 و أمّا التقبّل و القبول: مواجهة بشي‌ء متمايلا راضيا في قباله، و يقابله الإدبار و الردّ-. وَ لٰا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهٰادَةً أَبَداً- 24/ 4‌

187

. أَنَّ اللّٰهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبٰادِهِ- 9/ 104. غٰافِرِ الذَّنْبِ وَ قٰابِلِ التَّوْبِ- 40/ 3. فَتَقَبَّلَهٰا رَبُّهٰا بِقَبُولٍ حَسَنٍ- 3/ 37. وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلٰامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ- 3/ 85. إِنَّمٰا يَتَقَبَّلُ اللّٰهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ- 5/ 27. رَبَّنٰا تَقَبَّلْ مِنّٰا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ- 2/ 127 و التمايل و الرضا في التقبّل أشدّ و أزيد من القبول، فانّه يدلّ على مطاوعة و أخذ و تحقّق الفعل، و على هذا قد استعمل في موارد يراد فيها التحقّق و الوقوع و التأكّد:

. قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ- 9/ 53 و أمّا القبلة: فهو فعلة لبناء النوع كالجلسة، و يدلّ على نوع خاصّ من المواجهة و التمايل، و هو توجّه مع ميل الى جانب الكعبة و بيت اللّٰه الحرام-. وَ مٰا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهٰا .... فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضٰاهٰا .... وَ مٰا بَعْضُهُمْ بِتٰابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ- 2/ 143 و أمّا القبيل و القبيلة و القبائل: فهو صفة كالشريف، و يدلّ على ثبوت الصفة في ذات، فالقبيل هو المتّصف بكونه مواجها و متمايلا في ذاته. و القبيلة إن كان التاء للتأنيث و الإفراد: فظاهر، و يكون النظر الى جهة الاسميّة. و إن كان وصفا للجماعة، كما في جماعة كثيرة: فيكون معناه أفراد يتحقّق فيما بينها مواجهة و تمايل و محبّة و انس:

. أَوْ تَأْتِيَ بِاللّٰهِ وَ الْمَلٰائِكَةِ قَبِيلًا- 17/ 92 أى أن يكون كلّ منها مواجها راضيا و متمايلا الى آخرين، أو باعتبار أكثرها، أو الجنس من الملائكة، و في الآية المتقدّمة منها- فأبى أكثر الناس.

. لٰا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطٰانُ .... إِنَّهُ يَرٰاكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لٰا تَرَوْنَهُمْ- 7/ 27 يراد من يواجه و يتمايل الى الشيطان، و هم من أعوانه و جنوده و من‌

188

المتوجّهين اليه.

. وَ جَعَلْنٰاكُمْ شُعُوباً وَ قَبٰائِلَ لِتَعٰارَفُوا- 49/ 13 جمع قبيلة، أى طائفة مواجهة متمايلة متحابّة فيما بينهم، و يقال إنّهم بنو أب واحد، كالطائفة و طوائف، فتطلق على الجماعة بهذا الاعتبار.

و أمّا القبل و القبل: كالجنب و الصلب صفتان بمعنى ما يتّصف بكونه في قبول و مواجهة و مقابلة، في قبال الدبر و الدبر:

. إِنْ كٰانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَ هُوَ مِنَ الْكٰاذِبِينَ وَ إِنْ كٰانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ- 12/ 26. وَ حَشَرْنٰا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْ‌ءٍ قُبُلًا: مٰا كٰانُوا لِيُؤْمِنُوا- 6/ 111. أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذٰابُ قُبُلًا- 18/ 55 أى المواجه المقابل. و الإفراد في- كلّ شي‌ء قبلا: باعتبار كلّ فرد منها، و إفراد اللفظ في كلّ شي‌ء، و ليس بجمع كما يقال.

و أمّا القبل: اسم بمعنى الجانب المقابل، و لا يبعد كونه في الأصل مصدرا أو اسم مصدر-. لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ- 2/ 177. فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لٰا قِبَلَ لَهُمْ بِهٰا- 27/ 13. وَ ظٰاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذٰابُ- 57/ 13 يراد الجانب المواجه.

و أمّا القبلة و التقبيل: فالقبلة فعلة كاللقمة بمعنى ما يقبل به، أى ما يتحقّق الإقبال الى شخص به. و التقبيل إقبال بلحاظ التعلّق و الوقوع فالتقبيل يلاحظ فيه إقبال خاصّ واقع الى متعلّقه.

و أمّا قبل و بعد: فيلاحظ فيه معنى المقابلة و المواجهة و ما بعدها، و هذا التعبير يستعمل في موارد يلاحظ فيها الامتداد، حتّى يكون لها وجه مقابل، و عقب آخر بعده-

189

. لِلّٰهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ- 30/ 4 و هكذا إذا كان في مورد يشار الى امتداد أو جريان ممتدّ في أمر، كما في:

. كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ- 2/ 183. وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ- 35/ 4 و لا يخفى أنّ الأمر الممتد الجاري لا بدّ أن يكون له طرفان: طرف في مواجهة و مقابلة، و طرف آخر لم يواجه به بل يتوقّع و ينتظر وقوعه أو كالمتوقّع إذا لم يثبت تحقّقه في نظر المخاطب و إن وجد في الخارج، كما أنّ المناط في المواجهة أيضا تحقّقه و المقابلة به و إن كان في زمان سابق، إذا كان مسلّما واقعا في نظر المخاطب-. سُنَّةَ اللّٰهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّٰهِ تَبْدِيلًا- 33/ 62 و قد يكون في أمر لم يقع و لم يتحقّق و لكنّه كالأمر المتحقّق الواقع-. وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ- 2/ 237. أَنْفِقُوا مِمّٰا رَزَقْنٰاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لٰا بَيْعٌ فِيهِ- 2/ 254 و أمّا مفاهيم الأخذ و التلقّى و التصديق و الالتزام و الكفالة: فمن لوازم معنى القبول و التقبّل.

و أمّا مفاهيم القابلة للولد، و الشهر القابل، و الفرج، و الريح، و القابل للدلو، و الشاة المقابلة: فمن مصاديق الأصل.

قتر

مصبا- القترة: بيت الصائد الّذى يستتر به عند تصيّده كالخصّ و نحوه، و الجمع قتر مثل غرف. و اقتتر: استتر بالقترة. و القتار: الدخان معنا وزنا. و قال الفارابي: القتار ريح اللحم المشوىّ المحرق أو العظم أو غير ذلك. و قتر اللحم:

190

من بابى قتل و ضرب: ارتفع قتاره. و قتر على عياله قترا و قتورا من بابى ضرب و قعد: ضيّق في النفقة. و أقتر و قتّر: مثله.

مقا- قتر: أصل صحيح يدلّ على تجميع و تضييق من ذلك القترة بيت الصائد، لضيقه و تجمّع الصائد فيه. يقال: قتر الرجل على أهله يقتر، و أقتر و قتّر. و من الباب القتر: ما يغشى الوجه من كرب. و القتر: الغبار. و القاتر من الرحال:

الحسن الوقوع على ظهر البعير، لأنّه إذا وقع وقوعا حسنا ضمّ السنام.

مفر- القتر: تقليل النفقة، و هو بإزاء الإسراف، و كلاهما مذمومان، و رجل قتور و مقتر، و قد قترت الشي‌ء و أقترته و قتّرته أى قلّلته، و أصل ذلك من القتار و القتر، و هو الدخان الساطع من الشواء و العود و نحوهما، فكأنّ المقتر و المقتّر يتناول من الشي‌ء قتاره.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو التضيّق في العمل، في إنفاق أو غيره. و يقابله الإسراف و التوسعة.

و الإسراف: هو العمل الخارج المتجاوز عن الحدّ الملحوظ عقلا أو عرفا.

و التوسعة: البسط و التكثير في قبال التضييق.

و التضييق: أعمّ من أن يكون في مادّىّ أو معنوىّ، في مكان أو غيره، و هذا بخلاف التقتير، فإنّه مختصّ بالعمل.

و القترة فعلة بمعنى ما يقتر به، فانّها مكان مضيّق لنفس الصائد، و يضيّق به الصيد أيضا. و كذلك القتار: ما يقتر به مع الامتداد، بوجود الألف، فانّ الأثر المعنوىّ الحاصل من التقتير في العمل يغشى الوجه الظاهري و الروحاني، و يوجب ظلمة و حجابا و مضيقة.

و أمّا الدخان و الغبار و الريح: فمعاني مجازيّة تشبيها.

و أمّا الرحل المتّصل على ظهر البعير: فانّه يوجب تضيّقا له في الحركة.

191

. لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنىٰ وَ زِيٰادَةٌ وَ لٰا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَ لٰا ذِلَّةٌ أُولٰئِكَ أَصْحٰابُ الْجَنَّةِ- 10/ 26. وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهٰا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهٰا قَتَرَةٌ أُولٰئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ- 80/ 41 القتر و القترة: بمعنى ما يتحصّل من التضيّق، و التاء للزيادة و التحقيق، و يناسب في مورد الكفرة، و القتر اسم، أو مصدر في الأصل.

هذا في الوجوه الظاهريّة المادّيّة: و أمّا في الوجوه الباطنيّة و الروحانيّة:

فيرى فيها تضيّق و شدّة و سوء حال و تعب و ظلمة، في قبال البهجة و السرور و الانبساط و التوسّع و النورانيّة.

. قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزٰائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفٰاقِ وَ كٰانَ الْإِنْسٰانُ قَتُوراً- 17/ 100 فانّ التضيّق في أفكاره و أخلاقه و أعماله يوجب الاتّصاف بصفات كالبخل و الإمساك و الحسد و التقيّد بحدود مادّيّة و قيود ظاهريّة و شهوات نفسانيّة و علائق دنيويّة.

فالإنسان بطبيعته الأوّليّة البدنيّة قتور، أى مائل الى تضييق نفسه بقيود مادّيّة و تمايلات و علائق دنيويّة، و لا يختار لنفسه الانطلاق، و العيش الروحاني المنبسط، و سعة القلب.

. وَ الَّذِينَ إِذٰا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كٰانَ بَيْنَ ذٰلِكَ قَوٰاماً- 25/ 67 أى لا يتجاوزون عن حدّ العدل و لا يضيّقون في إنفاقهم، و لا يزالون يراعون الاعتدال.

. وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتٰاعاً بِالْمَعْرُوفِ- 2/ 236 أى إذا أردتم طلاق زوجة غير ممسوسة أو زوجة تريدون أن تفرضوا و تقدّروا لها فريضة و مهرا و لمّا فرضتم حين العقد مهار، بل فوّضتم تعيينه الى زمان بعد العقد: فلا جناح عليكم في التطليق، و لكم حينئذ أن تعطوا متعة أى مهرا مفروضا‌

192

بمقدار وسع الرجل، و يكون هذا الإعطاء بالمعروف.

فحرف أو: في-. لٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسٰاءَ مٰا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَ مَتِّعُوهُنَّ.

بمعناه الترديد، و ليس بمعنى الواو للجمع، و لا بمعنى إلّا للاستثناء.

و بهذا يظهر لطف التعبير بصيغة الجحد الدالّ على النفي في الماضي:

في تحقّق عدم المسّ. و بصيغة المضارع الدالّ على التقدير المستقبل المتوقّع.

و قوله متّعوهنّ: يرتبط بلزوم التقدير و الفرض، و ناظر الى جهة تعيين مقدار الفريضة المفوّضة. و الجملة معطوفة على قوله لا جناح، أى على مجموع الجملة السابقة، و الجملة كانت في مقام بيان عدم الجناح في الطلاق فقط في الصورتين.

ثمّ يستدرك حكم لزوم إعطاء المتعة و المهر بعد الطلاق.

و تذكر في التفاسير للآية احتمالات ضعيفة خارجة عن الحقّ.

قتل

مصبا- قتلته قتلا: أزهقت روحه، فهو قتيل، و المرأة قتيل أيضا، إذا كانت و صفا، فإذا حذف الموصوف جعل اسما و دخلت الهاء، نحو رأيت قتيلة بنى فلان، و الجمع فيهما قتلى. و قتلت الشي‌ء قتلا: عرفته. و القتلة. بالكسر:

الهيئة، يقال قتلته قتلة سوء. و القتلة: المرّة. و قاتله مقاتلة و قتالا، فهو مقاتل، و الجمع مقاتلون و مقاتلة. و المقتل: موضع القتل.

مقا- قتل: أصل صحيح يدلّ على إذلال و إماتة. و مقاتل الإنسان:

المواضع الّتى إذا أصيبت قتله ذلك. و من ذلك قتلت الشي‌ء خبرا و علما. و يقال تقتّلت الجارية للرجل حتّى عشقها، كأنّها خضعت له. و أقتلت فلانا: عرضّته للقتل: و قلب مقتّل: إذا قتله العشق.

193

مفر- أصل القتل: إزالة الروح عن الجسد، كالموت، لكن إذا اعتبر بفعل المتولّى لذلك: يقال قتل. و إذا اعتبر بفوت الحياة: يقال موت- أ فإن مات أو قتل.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يقابل الحياة، أى زوال الحياة، و قلنا إنّ الحياة تعمّ من أن تكون في النباتات أو في الحيوان أو في المعنويّات، كذلك الممات أيضا تكون في كلّ منها.

ثمّ إنّ القتل إزالة الحياة. و الموت يصدق بعد زوال الحياة، فيقال قتله فمات. و لا يقال أماته فقتل. فانّ مرتبة الممات بعد القتل، فالقتل عمل به تتحقّق الممات.

و أمّا مفهوم المعرفة و الخبر أو المزج للخمر أو في الجوع و العطش: فانّها معاني مجازيّة، بمناسبة الإحاطة الى الشي‌ء و الغلبة عليه، و كسر حدّة الخمر و الجوع و العطش، فيقال الخمر مقتولة زالت شدّتها. و قتل حدّة الجوع و العطش. و الشي‌ء مقتول محاط به.

و هكذا التقتّل في مقام العشق: إشارة الى غاية المجاهدة.

. مَنْ قَتَلَ نَفْساً .... فَكَأَنَّمٰا قَتَلَ النّٰاسَ جَمِيعاً- 5/ 32 فانّه أخلّ بنظام العالم تكوينا و تشريعا. و بدّل خلق اللّٰه. و أفنى عالما أصغر و هو أنموذج العالم الأكبر و فيه انطوى العالم الأكبر. و فيه استعداد تشكيل نظام ظاهرىّ اجتماعىّ مدنىّ. و له أن يرشد الناس الى حياة حقيقيّة.

. يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزٰاءٌ مِثْلُ مٰا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ- 5/ 95 الآية الكريمة تتعلّق بحكم قتل الحيوان مطلقا، فإنّ الصيد يشمل اصطياد جميع الحيوانات من برىّ أو طير في حال الإحرام.

194

و أمّا حكم الصيد في حيوان لم يتعيّن حكمه بخصوصه: فهو ناظر الى حكم ما يقرب منه جسما، و يحكم به عدلان، فان تعيين هذا المعنى من الموضوعات و تمييز الموضوع على عهدة أهل العرف العادل.

و على هذا المعنى لا يصحّ قراءة- ذو عدل- ليراد به الحاكم العادل:

فانّ الحاكم العادل ليس له أن يعيّن حكما فيما لم يرد فيه حكم، إلّا أن يكون بطريق الاستنباط و تخريج المصاديق، و يشترط فيه العلم و الفقاهة أوّلا، و لا يكفى كونه من أهل العرف العادل.

نعم إذا أريد من- ذو عدل: النبىّ (ص) أو الامام ع، فلا يبقى في مقام تعيين الحكم إشكال، و بهذا ينظر بعض الروايات الواردة.

. وَ مٰا قَتَلُوهُ وَ مٰا صَلَبُوهُ- 4/ 157 راجع- صلب، شبه.

. وَ إِذْ قٰالَ مُوسىٰ لِقَوْمِهِ (يٰا قَوْمِ) إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخٰاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلىٰ بٰارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بٰارِئِكُمْ- 2/ 54 سفر الخروج 32/ 21- و قال موسى لهارون ما ذا صنع بك هذا الشعب حتّى جلبت عليه خطيّة عظيمة ... فقالوا اصنع لنا آلهة تسير أمامنا لأنّ موسى ... و قال من للربّ فإلىّ، فاجتمع اليه جميع بنى لاوى، فقال لهم هكذا قال الربّ إله إسرائيل: ضعوا كلّ واحد سيفه على فخذه و مرّوا و ارجعوا من باب الى باب في المحلّة و اقتلوا كلّ واحد أخاه و كلّ واحد صاحبه و كلّ واحد قريبه، ففعل بنو لاوى بحسب قول موسى، و وقع من الشعب في ذلك اليوم نحو ثلثة آلاف رجل.

فظهر أنّ المراد من قتل الأنفس في الآية الكريمة: هو معناه الظاهرىّ، لا إفناء الأنانيّة كما يقال، و هذا القتل كان حكما مخصوصا في المورد، و هل القتل كان متعلّقا الى من لم يتوبوا و لم يتوجّهوا الى جانب موسى: و هو الظاهر من عبارات الخروج [من للربّ فإلىّ، مرّوا و ارجعوا]، فيكون قتلهم بكونهم مرتدّين عن الدين غير تائبين، و لا اشكال فيه. أو كان متعلّقا الى جميعهم الّذين عبدوا‌

195

العجل، بهذه الخطيّة العظيمة، و هذا غير معلوم و خلاف صريح السفر.

مضافا الى أنّ الحكم العامّ لا يحتاج الى المرور و الرجوع الى الباب في المحلّة، و أكثرهم كانوا حاضرين عند موسى ع.

و أمّا التعبير بقتل الأنفس: فقد ورد في موارد من القرآن الكريم:

. وَ لٰا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ- 4/ 29. ثُمَّ أَنْتُمْ هٰؤُلٰاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ- 2/ 85. وَ لَوْ أَنّٰا كَتَبْنٰا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيٰارِكُمْ مٰا فَعَلُوهُ إِلّٰا قَلِيلٌ مِنْهُمْ- 4/ 66 و أمّا قتل النفس بمعنى إفناء الأنانيّة: فلا يناسب التكليف به الى أفراد لم يتوبوا أو تابوا و لم يزكّوا أنفسهم و لم يراقبوا في طاعاتهم، فانّ نفى الأنانيّة من المراحل المتأخّرة للسالك.

1-. وَ قٰاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ الَّذِينَ يُقٰاتِلُونَكُمْ وَ لٰا تَعْتَدُوا إِنَّ اللّٰهَ لٰا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَ الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ .... وَ قٰاتِلُوهُمْ حَتّٰى لٰا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ لِلّٰهِ- 2/ 191 2-. أَ لٰا تُقٰاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمٰانَهُمْ وَ هَمُّوا بِإِخْرٰاجِ الرَّسُولِ وَ هُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ .... قٰاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّٰهُ بِأَيْدِيكُمْ وَ يُخْزِهِمْ- 9/ 14 3-. قٰاتِلُوا الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لٰا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لٰا يُحَرِّمُونَ مٰا حَرَّمَ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ لٰا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ- 9/ 30 4-. إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيٰانٌ مَرْصُوصٌ- 61/ 4 5-. لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنٰافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ .... مَلْعُونِينَ أَيْنَمٰا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلًا، سُنَّةَ اللّٰهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّٰهِ تَبْدِيلًا- 33/ 61 6-. فَإِذٰا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقٰابِ حَتّٰى إِذٰا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثٰاقَ فَإِمّٰا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمّٰا فِدٰاءً- 47/ 4‌

196

7-. يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قٰاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّٰارِ- 9/ 123 8-. وَ قٰاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمٰا يُقٰاتِلُونَكُمْ كَافَّةً- 9/ 36 9-. فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تٰابُوا- 9/ 6 10-. فَمٰا لَكُمْ فِي الْمُنٰافِقِينَ .... فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ لٰا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ- 4/ 88 الثقف: الإدراك الدقيق مع الحذق. و الفتن: إيجاب اختلال مع اضطراب فما أوجب الأمرين فهو فتنة. و الإرجاف: جعل الغير متزلزلا في أفكاره و أعماله. و القتال: المحاربة، و يدلّ على قتل في استمرار بمقتضى صيغة المفاعلة و الفعال. و التقتيل: يدلّ على كثرة و شدّة.

هذه الآيات الكريمة تدلّ على مقاتلة الكفّار و المشركين و المنافقين و قتلهم إذا خالفوا المؤمنين و دينهم الحقّ و لم ينتهوا عن نفاقهم و عن الفساد و الفتنة و لم يتوبوا:

1- إنّ الكفر إعتقاد و عمل على خلاف البرنامج الإلهىّ الحقّ، فالكافر يجاهد قولا و عملا في نقض قوانين التكوين و التشريع.

2- إنّ الكافر يقابل الأنبياء المبعوثين و يخالف ما جاءوا به من الأديان و الأحكام و الحقائق: و لا يدينون دين الحقّ- 2- من الآيات السابقة.

3- إنّ الكافر يعمل على خلاف النظام الحقّ العدل، و يوجد اختلالا و اضطرابا و فتنة فيما بين الناس، و الفتنة أشدّ من القتل- 1- من الآيات السابقة.

4- إنّ الكافر يقاتل المؤمنين و لا يراعى حقوقهم و يسعى في إطفاء نورهم ليلا و نهارا بأىّ وسيلة يتمكّن- الّذين يقاتلونكم- 1.

5- إنّ المقصد الأقصى من الخلقة هو العبوديّة للّٰه عزّ و جلّ و تحقّق الخضوع و التذلّل و الارتباط فيما بين الخلق و الخالق، و الكافر يمنع عن هذا السلوك، و هو الّذى يوجد اضطرابا و وسوسة و تزلزلا و شكّا و رجفة في قلوب‌

197

السالكين-. وَ الْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ- 5.

6- إنّ الكفّار هم الّذين يبدؤون بالبغي و العدوان و الظلم و الأذى و الفتنة، فيلزم الدفاع-. وَ هُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ- 2.

7- إنّ الكفّار هم أعداء اللّٰه، يحرّمون ما أحلّه و يحلّون ما حرّمه، و اللّٰه عزّ و جلّ يحبّ الّذين يقاتلونهم- إنّ اللّٰه يحبّ الّذين- 4.

فظهر أنّ القتل أو المقاتلة في مورده من أهمّ الأمور اللازم في إدامة الحياة الدنيويّة و الروحانيّة، و لا يتحقّق العيش إلّا به، مضافا الى أنّ إقامة الدين و الشريعة الإلهيّة و السير الى الكمال و السعادة الأبديّة يتوقّف على هذه المجاهدة و رفع الموانع. و هذا أمر طبيعىّ قهرىّ، فانّ الدفاع في قبال طغيان العدوّ المتعدّى:

أمر ضرورىّ مسلّم فيما بين جميع الفرق و الملل، كلّ بحسب عقيدته و حاله و عيشه:

. وَ لَوْ لٰا دَفْعُ اللّٰهِ النّٰاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ- 2/ 251 و يقرب من هذا الموضوع: القصاص لتدوم الحياة و يدفع الشرّ و الفساد و الاختلال و يحفظ احترام الأفراد و يتحقّق الأمن، و هو من النعم العظيمة في استقرار العيش:

. يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصٰاصُ فِي الْقَتْلىٰ .... وَ لَكُمْ فِي الْقِصٰاصِ حَيٰاةٌ- 2/ 178 و يقابل هذا المعنى: التوحّش من القتال و التحرّز و التحفّظ منه.

. كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتٰالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ- 2/ 216. فَإِذٰا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَ ذُكِرَ فِيهَا الْقِتٰالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلىٰ لَهُمْ- 47/ 20. فَلَمّٰا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتٰالُ إِذٰا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّٰاسَ كَخَشْيَةِ اللّٰهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَ قٰالُوا رَبَّنٰا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتٰالَ لَوْ لٰا أَخَّرْتَنٰا إِلىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ- 4/ 77‌

198

و منشأ هذه الوحشة و الخشية إنّما هو حبّ النفس و التعلّق بالدنيا، و عدم التوجّه الى الحقائق و ترويجها، مع أنّ السعادة الأبديّة إنّما هي في الحياة الروحانيّة لا في الدنيويّة الزائلة.

ثمّ إنّ النفس الانسانىّ إذا كان في صراط حقّ و عدل و صواب و صلاح:

فقتله يعادل قتل الناس جميعا. و إذا كان في طريق باطل و طغيان و انحراف و فساد: يكون وجوده شرّا و ظلمة و موجبا لإختلال النظام و مفسدا للناس جميعا.

و هذا كالريح العقيم العاصف يصيب حرث القوم. و الريح الطيّبة المبشّرة فيها حياة لهم- بشرا بين يدي رحمته.

قثاء

مصبا- قثاء: و همزته أصليّة، و كسر القاف أكثر من ضمّها، و هو اسم لما يسمّيه الناس الخيار و العجور و الفقوس، الواحدة قثاءة، و أرض مقثأة وزان مسبعة، و ضمّ الثاء لغة: ذات قثاء. و بعض الناس يطلق القثاء على نوع يشبه الخيار.

أسا- أقثأت الأرض و أبطخت: كثرا فيها، و هذه مقثأة فلان و مبطخته، و مقاثيه و مباطه.

إحياء التذكرة 288- خيار: نبات معروف لبّه يدخل في تركيب مراهم لتحسين البشرة، و يحضر منه مرهم لعلاج تشقّق الثدي، و الخيار مرطّب مدرّ للبول و لكنّه بطي‌ء الهضم يمكث في المعدة ثماني ساعات.

و التحقيق

أنّ الكلمة تدلّ على نبات مشهور يقال له الخيار، و هي مأخوذة من اللغة العبريّة و السريانيّة، كما في- فرهنگ تطبيقى.

199

. وَ إِذْ قُلْتُمْ يٰا مُوسىٰ .... فَادْعُ لَنٰا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنٰا مِمّٰا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهٰا وَ قِثّٰائِهٰا وَ فُومِهٰا وَ عَدَسِهٰا وَ بَصَلِهٰا- 2/ 61 فليراجع في خواصّ هذه الثمرة اللطيفة الى كتب المفردات الطيّبة.

قحم

مقا- قحم: أصل صحيح يدلّ على تورّد الشي‌ء بأدنى جفاء و أقدام، يقال قحم في الأمور قحوما: رمى بنفسه فيها من غير دربة. و قحم الطريق: مصاعبه. و قحم الفرس فارسه على وجهه: إذا رماه. و يقولون إنّ للخصومة قحما، أى إنّها تقحّم بصاحبها على ما لا يهواه. و القحمة: السنة تقحم الأعراب.

مصبا- قحم: همّ. و فرس قحم: مهزول هرم، و الأنثى قحمة و الجمع قحام، و نخلة قحمة: إذا كبرت و دقّ أسفلها و قلّ سعفها. و القحمة بالضمّ: الأمر الشاقّ لا يكاد يركبه أحد، و الجمع قحم. و اقتحم عقبة أو وهدة: رمى بنفسه فيها.

لسا- القحم: الكبير المسن، و قيل فوق المسنّ مثل القحر، و الأنثى قحمة، و زعم يعقوب أنّ ميمها بدل من باء قحب. و القحم: الّذى قد أقحمته السنّ تراه قد هرم من غير أوان الهرم. و قحم في الأمر يقحم قحوما و اقتحم و انقحم، و هما أفصح: رمى بنفسه فيه من غير رويّة. و تقحيم النفس في الشي‌ء: إدخالها فيه من غير رويّة.

أسا- ركب قحمة من الأمور، و هي عظامها الّتى لا يركبها كلّ أحد. و وقعوا في القحمة، و هي السنة الشديدة. و اقتحم عقبة: رمى بنفسه فيها على شدّة و مشقّة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الورود على شي‌ء بشدّة و مشقّة، ففيه‌

200

قيدان: الورود، و وجود المشقّة و الشدّة.

و من مصاديقه: القحوم في الأمور من غير رويّة و دربة. و رمى النفس و إدخالها في شي‌ء بمشقّة و شدّة.

و القحمة: فعلة بمعنى ما يقحم به، أى ما يورد به و فيه، كما في القحمة بمعنى الأمر الشاقّ الّذى يدخل فيه. و المصاعب في الطريق. و في الخصومات. و السنة الّتى فيها قحط و مضيقة و شدّة.

و الاقتحام: افتعال بمعنى اختيار الورود على أمر شاقّ، أو ورود فيه مشقّة، و الفاعل منه مقتحم.

. أَ يَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ .... وَ هَدَيْنٰاهُ النَّجْدَيْنِ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَ مٰا أَدْرٰاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعٰامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ- 90/ 11 أى فانّه لم يختر الورود في العقبة. و العقبة: ما يكون في عقب شي‌ء و ظهره متّصلا به، و العقب يختلف بالموضوعات، فالعقب في الجبل هو المرقى فيه صعوبة و هو الطريق الى الصعود و التّرقّى الى الجبل. و النجد: الواضح المتبيّن المرتفع مادّيّا أو معنويّا، و المراد ما يرتفع و يعلو من جهة المادّىّ الدنيوىّ، أو من الروحانىّ المعنوىّ.

و هداية اللّٰه في الجهة الدنيويّة: ما ينتهى الى السعادة المعنويّة و يكون وسيلة يتوسّل بها الى الآخرة، و هو المراد بقوله:

. رَبَّنٰا آتِنٰا فِي الدُّنْيٰا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً.

فانّ الدنيا مزرعة الآخرة.

و العقبة الصعبة العبور الى النجدين: هي برنامج دينىّ إلهىّ في الحياة يوصل السالك الى السعادة الدنيويّة و الاخرويّة.

و أمّا ارتباط فكّ الرقبة و الإطعام، بطىّ العقبة و الصعود الى النجدين: فانّ بفكّ الرقبة يفكّ رقبته عن العلائق و القيود، و يوفّق فيه.

و بإطعام الفقير و اليتيم يوفّق في جلب الطعام المعنوىّ و تحصيله.

201

. هٰذٰا وَ إِنَّ لِلطّٰاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ .... هٰذٰا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لٰا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صٰالُوا النّٰارِ- 38/ 59 الطاغون هم الرؤساء و القادة من بين الكفّار الّذين نزلت السورة خطابا اليهم-. ص وَ الْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَ شِقٰاقٍ، كَمْ أَهْلَكْنٰا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ.

و الضماير في- معكم- بل أنتم- بكم أنتم- قالوا ربّنا: راجعة الى هؤلاء الكفّار التابعين، فإنّ الرؤساء يجيبون عن جملة- لا مرحبا بهم- و يعترضون خطابا للتابعين: بانّكم قدّمتمونا و جعلتمونا متبوعين و قدّمتموا هذه النار لنا. ثمّ إنّ التابعين يقولون في جواب اعتراضهم- ربّنا من قدّم هذا لنا فزده عذابا- راجع الآيات.

و أمّا قوله تعالى- و قالوا ما لنا: عطف على قول التابعين- قالوا ربّنا، إشارة الى ضلالهم، و انحرافهم و ميلهم عن هؤلاء الرجال، و إتّباعهم عن الطاغين الّذين انتهوا الى شرّ مآب.

و قد اضطربت كلمات المفسّرين في تفسير هذه الآيات الكريمة، و الظاهر أنّ ما ذكرناه هو الحقّ- فتدبّر فيها.

قدح

مقا- قدح: أصلان صحيحان يدلّ أحدهما على شي‌ء كالهزم في الشي‌ء. و الآخر يدلّ على غرف شي‌ء. فالأوّل- القدح: فعلك إذا قدحت الشي‌ء.

و القدح: تأكل يقع في الشجر و الأسنان. و القادحة: الدودة تأكل الشجرة، و منه قولهم قدح في نسبه: طعن. و من الباب القدح: و هو السهم بلا نصل و لا قذذ، و كأنّه سمّى بذلك يقدح به أو يمكن القدح به. و القدح: الواحد من قداح الميسر، و‌

202

هذا على التشبيه. و من الباب قدّح الفرس تقديحا: إذا ضمّر حتّى يصير من القدح.

و من الباب قدّحت العين: غارت، و قدحت. و قدحت النار، و قدحت العين:

أخرجت ماءها الفاسد. و الأصل الآخر- القديح: ما يبقى في أسفل القدر فيغرف بجهد، و قدحت القدر: غرفت ما فيها.

أسا- أجيلت القداح و أديرت الأقداح. و قدح النار من الزند و اقتدحها، و معه القدّاحة و المقدحة: أى حجر القدح و حديدته. و قدح الدود في العود و في الأسنان.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو تأثير في شي‌ء يوجب نقيصة. و من مصاديقه: القدح في النسب و التعييب، و قدح الدود في الأسنان و في الشجر. و قدح النار.

و يطلق على السهم و قدح الميسر: باعتبار كونهما مؤثّرين في العمل. و هكذا تأثير في تضمير الفرس و غور العين و بالثقب و الخرق.

و يطلق على القدح الخالي الفارغ إذا أريد الأخذ به من شي‌ء.

. وَ الْعٰادِيٰاتِ ضَبْحاً فَالْمُورِيٰاتِ قَدْحاً فَالْمُغِيرٰاتِ صُبْحاً- 100/ 2 قد مرّ في- عدو، غير: أنّ هذه الآيات الكريمة فيها إشارة الى المراحل الخمسة من السلوك، ففي المرحلة الاولى لازم أن يكون السير و التوجّه بتسرّع فوق الحدّ المعمول الى عالم الروحانيّة. و في الثانية- عمل في تخريج النار و تحصيل النور بالعبادات و المراقبات في الأعمال.

و الإيراء و الاستيراء: إخراج النار. و القدح تأثير في الشي‌ء بإخراج النار فيه و إيجاد الحرارة و بالإضاءه و الإنارة. فالقدح أخصّ من الإيراء، و يدلّ على تحقّق إخراج الاشتعال في الشي‌ء.

و يستفاد من هذا التعبير: أنّ المنظور في مرحلة العبادات و الطاعات هو‌

203

حصول النورانيّة و الحرارة. بإحراق اصول التعلّقات المادّيّة و التمايلات و الشهوات النفسانيّة في النفس.

و هذه المراحل راجعة الى النفوس السالكين السارعين الى اللقاء، و هم الّذين يليق القسم بهم، فانّهم في سبيل اللّٰه عزّ و جلّ.

قدّ

مقا- قدّ: أصل صحيح يدلّ على قطع الشي‌ء طولا، ثمّ يستعار، يقولون:

قددت الشي‌ء قدّا إذا قطعته طولا أقدّه، و يقولون هو حسن القدّ، أى التقطيع في امتداد قامته. و القدّة: الطريقة و الفرقة من الناس إذا كان هوى كلّ واحد غير هوى صاحبه ثمّ يستعيرون هذا فيقولون: اقتدّ فلان الأمور، إذا دبّرها و ميّزها. و قدّ المسافر المفازة.

مصبا- قددته قدّا: من باب قتل شققته طولا، و تزاد فيه الباء، فيقال قددته بنصفين فانقدّ. و القد: وزان حمل، السير يخصف به النعل و يكون غير مدبوغ. و لحم قديد: مشرّح طوالا. و القدّة: الطريقة و الفرقة من الناس إذا كان هوى كلّ واحد على حدة.

صحا- القدّ: الشقّ طولا، تقول قددت السير و غيره أقدّه، و قدّ المسافر المفازة. و الانقداد: الانشقاق. و القدّ أيضا: جلد السخلة الماعزة، و الجمع القليل أقدّ، و الكثير قداد. و القدّ: القامة و التقطيع. و القديد: اللحم المقدّد و الثوب الخلق. و تقدّد القوم: تفرّقوا. و المقدّ: القاع و هو المكان المستوى.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو تقطيع طولا. و من مصاديقه: شقّ شي‌ء طولا. و طىّ مكان وسيع بالطول. و القامة للشي‌ء بلحاظ الطول مقطّعا. و الطريق‌

204

الطويل المقطّع. و تقطيع في جلد أو لحم أو غيرها.

و بمناسبة هذا الأصل تستعمل في معاني قريبة منه مجازا، كما في تدبير الأمور بالنظر الى تقطيعها و تفريقها كأنّها تصير مستقيمة، و نظيره الفرقة إذا أطلقت على جماعة متقطّعة في نفسها أو باعتبار الأفراد و الأصناف. و هكذا.

. وَ اسْتَبَقَا الْبٰابَ وَ قَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ .... إِنْ كٰانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ .... وَ إِنْ كٰانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ- 12/ 25 فالقدّ من الدبر كاشف عن اجتذاب من جانب الخلف، و من القدّام يدلّ على دفاعها و خلافها في نفسها و عن نفسها.

و التعبير بالقدّ: فانّ الجذب يوجب خرقا و قطعا بالطول، فانّ الجرّ و لا سيّما في شخص بلباسه يورد قوة الجاذبة الى اللباس من جانب عال الى السافل، و هو طول اللباس.

. وَ أَنّٰا مِنَّا الصّٰالِحُونَ وَ مِنّٰا دُونَ ذٰلِكَ كُنّٰا طَرٰائِقَ قِدَداً- 72/ 11 هذا من مقولات الجنّ في سورة الجنّ. و الطرائق جمع طريقة، و الطرق ضرب و تثبيت شي‌ء على حالة مخصوصة كالطبع. فالطريقة ما فيها هذه الحالة و التثبّت، و كونهم طرائق أى على طبائع مخصوصة و خصوصيّات ذاتيّة و حالات معيّنّة. و القدد جمع قدّة على فعلة بمعنى نوع من التقطيع طولا، أى قطعات مخصوصة مقطّعة.

و هذه الآية تدلّ على وجود تنوّع و اختلافات طبيعيّة فيما بينهم، و قد جبّلت عليها، و بهذا يظهر اختلاف الصلاح فيهم، و يتجلّى تكثّر الطبقات و تنوّعهم فيما بينهم.

و أمّا- قد بالتخفيف: فمشتقّة من هذه المادّة، و تدلّ على التقليل أو التوقع أو التحقيق أو التكثير أو التقريب.

و مرجع كلّ واحد منها الى التقطيع و التقطّع بنحو من الأنحاء و بمقتضى مدلول مدخوله من الماضي و المستقبل، و اختلاف مواردهما.

205

و كذلك إذا استعمل بمعنى حسب أو يكفى اسم فعل، ففيه أيضا معنى التقطّع و التحقّق، و بينه و بين قطّ: اشتقاق أكبر.

قدر

مصبا- قدرت الشي‌ء قدرا من بابى ضرب و قتل، و قدّرته تقديرا بمعنى، و الاسم القدر. و قدر اللّٰه الرزق يقدره: ضيّقه. و قدر الشي‌ء و فتح الدال لغة: مبلغه، يقال هذا قدر هذا، أى مماثله، و ما له عندي قدر أى حرمة و وقار، و أخذ بقدر حقّه أى بمقداره و هو ما يساويه. و القدر: القضاء الّذى يقدّره اللّٰه تعالى، و إذا وافق الشي‌ء الشي‌ء قيل جاء على قدر. و القدر: آنية يطبخ فيها و هي مؤنّثة، و لهذا يلحق عليها الهاء في التصغير فيقال قديرة، و جمعها قدور. و رجل ذو قدرة و مقدرة أى يسار، و قدرت على الشي‌ء أقدر من باب ضرب: قويت عليه و تمكّنت منه، و الاسم: القدرة، و الفاعل قادر و قدير، و الشي‌ء مقدور عليه.

مقا- قدر: أصل صحيح يدلّ على مبلغ الشي‌ء و كنهه و نهايته. و قدرت الشي‌ء أقدره و أقدره من التقدير، و قدّرته و أقدّره، و القدر: قضاء اللّٰه تعالى الأشياء على مبالغها و نهاياتها الّتى أرادها لها، و هو القدر أيضا. و من الباب الأقدر من الخيل، و هو الّذى تقع رجلاه مواقع يديه، كأنّ ذلك قدّره تقديرا. و من قدر عليه رزقه: فمعناه قتر، و قياسه أنّه اعطى ذلك بقدر يسير. و قدرة اللّٰه على خليقته:

إيتاؤهم بالمبلغ الّذى يشاؤه و يريده.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو القوّة في اختيار إيتاء الفعل و تركه، بمعنى أنّه قوّة إن شاء فعل بها و إن لم يشاء لم يفعل، مادّيّة أو معنويّة.

و من الأصل: التقدير، و القدر، و القدر، و القدر.

206

أمّا التقدير: فيدلّ على إجراء القدرة و تعلّقه في الخارج على المتعلّق، فانّ إظهار القدرة هو فعليّة العمل و ظهوره على النحو الذي يريده و يختاره و هذا المعنى يلازم التعيّن و المحدوديّة في قبال مطلق المفهوم.

و أمّا القدر بمعنى القضاء: فهو أيضا حكم و تصويب و تصميم باختيار العمل المعيّن بعد تحقّق القدرة، ثمّ يكون التقدير.

و أمّا القدر بمعنى المقدار و المبلغ المعيّن: فهو اسم مصدر، و هو ما يتحصّل من التقدير و إظهار القدرة.

و أمّا القدر بمعنى التضييق: فهو من لوازم التقدير.

و أمّا القدر بمعنى الظرف الّذى يطبخ فيه الغذاء: فانّه يلازم تحديد المظروف و تعيين مقداره.

و أمّا القدرة من صفات الجمال: ففيه مباحث:

1- قلنا إنّ القدرة قوّة بها إن شاء يفعل و إن لم يشأ لم يفعل، و ينتزع من هذا المعنى صفة الاختيار، فالقدرة يلازم الإختيار، فانّ الإختيار هو انتخاب فعل معيّن مع توجّه و قصد.

2- القدرة منتزع من صفة الحياة، فانّ الحياة في قبال الممات، و يساوق الوجود، فوجود شي‌ء هو حياته، و الحياة إمّا طبيعىّ كما في النباتات، فالقوة فيها تكون طبيعيّا قهريّا. و إمّا إرادىّ كما في انواع الحيوانات، فقوّة القدرة تكون فيها إراديّا اختياريّا.

و لمّا كان النفس في وحدته كلّ القوى و مجمعها: فوجوده و الحياة فيه يكون منشأ قوّة القدرة و سائر القوى.

3- الحياة يختلف بحسب اختلاف مراتب الوجود، الى أن ينتهى الى الوجود المطلق و النور الّذى لا حدّ له و هو غير متناه، فيكون القدرة فيه أيضا غير محدود و غير متناه، و هو القادر المطلق، و كلّ من الموجودات خاضع تحت سلطة قدرته- و هو على كلّ شي‌ء قدير.

207

4- لمّا كان الحيوة في اللّٰه عزّ و جلّ ذاتيّا و واجبا أزليّا أبديّا، فيكون القدرة فيه أيضا ذاتيّا و أزليّا أبديّا، فانّ صفاته تعالى عين ذاته، بل ذاته عين صفاته، و كمال توحيده نفى الصفات عنه، فهو هو و لا صفة غير ذاته، اللّٰه نور السماوات و الأرض.

فالأزليّة و الأبديّة و الديموميّة و البقاء و الثبوت المطلق: إنّما هي من لوازم الوجوب الذاتي و الحياة اللانهائي.

5- الإرادة و المشيّة و الكراهة و الإختيار: مرجعها الى الميل الى ما يلائم و النفور عمّا لا يلائم، و هذا أمر طبيعى، فانّ الشي‌ء يميل الى جانب ملائمه و ينفر عمّا لا يلائمه، ثمّ يطلب و يختار و يريد أو يكره.

و مرجع الميل و المشيّة و الطلب: الى انتفاء الحدود و القيود مادّيّة كانت أو روحانيّة، فكلّما كانت الحدود قليلة كان الطلب شديدا، و بازدياد الحدود و القيود تضيق دائرة الطلب و تكثر الكراهة.

6- لمّا كان اللّٰه القادر المتعال عالما حكيما مدبّرا رحيما: فإرادته و مشيّته في مقام إظهار القدرة و الفعل و الترك، إنّما يتحقّق بمقتضى هذه الصفات الذاتيّة من الرحمة و الحكمة و العلم و التدبير.

و قلنا إنّ الارادة إنّما ينبعث من التمايل الى ما يلائم، و التمايل الى ملايم إنّما ينبعث من الصفات الداخليّة و المقتضيات الذاتيّة، و اللّٰه المتعال سبقت رحمته غضبّه، و حكمته و لطفه قهره، فالغضب و القهر منه تعالى إنّما يظهر بعناوين و مقتضيات ثانويّة.

7- من الأسماء الحسنى للّٰه المتعال: القادر و القدير، و الفرق بينهما:

أنّ القادر يلاحظ فيه مجرّد قيام الحدث بالفاعل، و النظر فيه الى مطلق من يقوم به القدرة-. أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ بِقٰادِرٍ عَلىٰ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ- 36/ 81‌

208

. إِنَّهُ عَلىٰ رَجْعِهِ لَقٰادِرٌ- 86/ 8 فالنظر الى مجرّد الخالقيّة.

و أمّا القدير: فيلاحظ فيه ثبوت الحدث للذات، فالنظر فيه الى جهة الثبوت لا القيام-. إِنَّ اللّٰهَ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ*- 2/ 20. إِنَّ اللّٰهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ- 16/ 70. فَإِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَفُوًّا قَدِيراً- 4/ 149 8- القضاء و القدر و التقدير: القضاء بمعنى الإتمام و الحكم القاطع، فالحكم من جانب اللّٰه تعالى إذا تمّ و انقضى فيطلق عليه القضاء، و سيجي‌ء في بابه. و أمّا القدر و التقدير: فيلاحظ فيه مرتبة بعد مرتبة القضاء، و هي عبارة عن تعلّق الحكم و تحقّقه في الخارج بخصوصيّات خارجيّة، فالنظر في القضاء الى جهة الحكم القاطع من حيث هو. و في التقدير الى جهة تحقّقه و تميّزه بخصوصيّات معينّة- انّه فكّر و قدّر .. فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ- 74/ 18. وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً- 25/ 2. وَ اللّٰهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ- 73/ 20 و من مصاديق التقدير: القدر بمعنى التضييق و بمعنى المبلغ و المقدار المعيّن: فانّ التقدير يلازم تضييقا ما و يقابل الإطلاق و التوسعة، فالمادّة لا تدلّ على التضيّق و المقدار المعيّن مستقلا، بل في ظلّ التقدير و في أثره، و الأصل محفوظ في جميع مشتقّاتها:

. اللّٰهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشٰاءُ مِنْ عِبٰادِهِ وَ يَقْدِرُ لَهُ- 29/ 62. وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّٰا آتٰاهُ اللّٰهُ- 65/ 7. وَ مٰا قَدَرُوا اللّٰهَ حَقَّ قَدْرِهِ*- 6/ 91. إِنَّ اللّٰهَ بٰالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللّٰهُ لِكُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدْراً- 65/ 3‌