التحقيق في كلمات القرآن الكريم - ج9

- حسن المصطفوي المزيد...
351 /
209

فالمراد في جميع هذه الموارد: هو التقدير و جعل شي‌ء تحت خصوصيّات و حدود معيّنة ملحوظة، و المعنى: إنّ اللّٰه تعالى يبسط الرزق لمن يشاء، و يجعله تحت حدود و قيود منظورة لمن يشاء. و من يجعل رزقه تحت حدود معيّنة فلا يضطرب و لينفق ممّا قدّر له. و ما يستطيعون أن يقدّروا شأن اللّه تعالى حقّ التقدير.

و قد جعل اللّٰه لكلّ شي‌ء تقديرا مضبوطا معيّنا من جميع الجهات.

و أمّا التعبير بالقدر دون التقدير: فانّ التقدير يدلّ على وقوع الفعل و تعلّقه بالمفعول، و النظر فيه الى هذه الجهةُ. بخلاف القدر مصدرا فالنظر فيه مجرد حدوث الفعل، فيستعمل كلّ منهما في مورد يناسبه، كما في الآيات المذكورة.

9- القدرة يتعلّق بالأفكار و الأعمال و الأقوال، فيقال له قدرة في التفكّر و في الأعمال و في المنطق، و هو قادر في هذه الموارد، بمعنى أنّه إن يشأ يتفكّر أو يعمل أو ينطق:

. وَ مٰا قَدَرُوا اللّٰهَ حَقَّ قَدْرِهِ*- 22/ 74 أى فكرا و قولا.

و أمّا القدر بمعنى ظرف الطبخ: مضافا الى تناسب بينه و بين الأصل، إنّه مأخوذ من السريانيّة و الآراميّة- كما في فرهنگ تطبيقى.

قدس

مصبا- القدس: بضمّتين، و إسكان الثاني تخفيف، هو الطهر، و الأرض المقدّسة: المطهرّة. و تقدّس اللّٰه: تنزّه، و هو القدّوس، و القادسيّة: موضع بقرب الكوفة، و هي آخر أرض العرب و أوّل سواد العراق.

مقا- قدس: أصل صحيح، و أظنّه من الكلام الشرعىّ الإسلامىّ، و هو يدلّ على الطهر. و من ذلك الأرض المقدّسة هي المطهّرة، و تسمّى الجنّة حظيرة القدس، أى الطهر. و جبرئيل (عليه السلام) روح القدس، و كلّ ذلك معناه واحد. و‌

210

في صفة اللّٰه تعالى القدّوس، و هو ذلك المعنى، لأنّه منزّه عن الأضداد و الأنداد و الصاحبة و الولد.

لسا- التقديس: تنزيه اللّٰه تعالى، و هو المتقدّس القدّوس المقدّس، و يقال القدّوس فعّول من القدس و هو الطهارة. قال ثعلب: كلّ اسم على فعّول فهو مفتوح الأوّل مثل سفّود و كلّوب و سمّور و تنّور، إلّا السبّوح و القدّوس، و هو من أبنية المبالغة. و القدس و القدس: اسم و مصدر، و منه قيل للجنّة: حضيرة القدس.

و التقديس: التطهير و التبريك. و من هذا بيت المقدس، أى المكان الّذى يتطهرّ به من الذنوب. و الأرض المقدّسة: الشام. و النسبة مقدسىّ و مقدّسي. و يقال للراهب: مقدّس.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو القداسة و المباركة، أى الطهارة المعنويّة، و الطهر أعمّ من الظاهرىّ و المعنوىّ.

و قد سبق الفرق فيما بين مترادفاتها في السبح فراجع.

و القدس و القدس: مصدران، يقال: قدس يقدس قدسا و قدسا: تبارك و طهر طهارة معنويّة.

. وَ آتَيْنٰا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنٰاتِ وَ أَيَّدْنٰاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ*- 2/ 87. إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النّٰاسَ فِي الْمَهْدِ- 5/ 110. قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ- 16/ 102 قلنا إنّ الروح مصدرا بمعنى الجريان اللطيف و ظهور التجلّى، و الرّوح اسم مصدر و هو مظهر التجلّى و ظهور الإفاضة الجارية. و إضافة الروح الى القدس:

يدلّ على تجلّى الروح و ظهوره في القلب بعنوان القداسة و التبارك بعد أنّ ازيل الضعف و الخلاف عنه.

فيتحصّل في القلب حالة الطمأنينة و الانكشاف و الحضور، بزوال أىّ‌

211

كدورة و ظلمة و اضطراب و ترديد.

و التقديس: جعل شي‌ء ذا قدس، يقال: قدّسه فتقدّس، و هو مقدّس و مقدّس.

. فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوٰادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً- 20/ 12. يٰا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ- 5/ 21 يراد المحيط الّذى جعل ذا قدس، بعوارض و عناوين ثانويّة.

. وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ- 2/ 30 يراد التسبيح و تقديس النفوس للّٰه، و هذا في قبال-. أَ تَجْعَلُ فِيهٰا مَنْ يُفْسِدُ فِيهٰا.

و إذا أريد التسبيح و تقديس اللّٰه عزّ و جلّ: يقال: سبّحه و قدّسه، كما في- كى نسبّحك كثيرا- بحذف اللام.

و أمّا القدّوس: فهو من الأسماء الحسنى، بمعنى صاحب القدس و المتّصف به و بالطهارة المعنويّة الحقّة و المنزّه عمّا يخالف القدس و عن كلّ ضعف و نقص و عيب و محدوديّة و فقر، فهو قدّوس مطلق من جميع الجهات بذاته و في ذاته.

. هُوَ اللّٰهُ الَّذِي لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ- 59/ 23. يُسَبِّحُ لِلّٰهِ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ- 62/ 1 و قد ذكر هذا الاسم بعد اسم الملك، فانّ المالكيّة المطلقة مظنّة التعدّى و الجور و الظلم و التحميل، و منشأ هذه الأمور إنّما هو الفقر الذاتي و الضعف و المقابلة بما يخالف جريان ملكه و سلطته، و ظهور ما في سريرته من رذائل الصفات من التجبّر و التكبّر و الطمع.

و اللّٰه المتعال منزّه عن أىّ نقص و ضعف و فقر بذاته و لذاته، و جميع ما سواه مخلوقون محتاجون- و اللّٰه هو الغنىّ.

فهو تعالى مالك مطلق في طهارته و قداسته الذاتيّة، لا يعتريه أىّ كدورة و‌

212

ضعف- و هو العزيز بذاته و الحكيم في أموره.

فاللّٰه تعالى له قداسته في ذاته بالتنزّه عن الحدّ و التناهى و الضعف، و في صفاته باتّصافه بصفات الجمال و الجلال، و في أفعاله و أموره بالعدل و الإحسان و الفضل و التنزّه عن الطغيان و الظلم.

و أمّا حظّ العبد من هذا الاسم و اتّصافه بهذه الصفة: أن يكون له قداسة و طهارة في أفكاره و عقائده، و في صفاته و أخلاقه، و في أعماله و آدابه، بحيث لا يشوبه خلل و انكدار في هذه المراتب الثلث، و يكون منزّها عن كلّ عيب و انحراف في ظاهره و باطنه.

و أمّا من يظهر القدس في أعماله الظاهرة و يرائى و يتقدّس: فهو من المراءين المنحرفين، نعوذ باللّٰه من شرورهم و مكائدهم.

فانّ شرّهم للإسلام و المسلمين أشدّ من شرور الكفّار و المشركين، فانّهم من مصاديق المشركين و المنافقين المعاندين في الحقيقة، و يدّعون ما ليس في باطنهم منه أثر، و يراءون ما ليس في قلوبهم منه خبر، و يقولون ما لا يعلمون، و هم عن الحقّ لمبعدون.

قدم

مصبا- قدم الشي‌ء بالضمّ قدما: خلاف حدث، فهو قديم، و عيب قديم أى سابق زمانه. و القدم من الإنسان معروفة، و هي أنثى، و الجمع أقدام، و وضع قدمه في الحرب: إذا أقبل عليها و أخذ فيها. و أصل القدم: ما قدّمته قدّامك. و أقدم على العيب إقداما: كناية عن الرضا به. و قدم يقدم من باب تعب: مثله. و تقدّمت القوم: سبقتهم، و منه مقدّمة الجيش و مقدّمة الكتاب، و قدمت القوم قدما من باب قتل: مثل تقدّمتهم.

مقا- قدم: أصل صحيح يدلّ على سبق و رعف، ثمّ يفرّع منه ما يقاربه.

213

يقولون: القدم خلاف الحدوث. و يقال شي‌ء قديم، إذا كان زمانه سالفا، و أصله قولهم- مضى فلانا قدما: لم يعرّج و لم ينثن. و ربّما صغّروا القدّام قديديما. و قادمة الرحل: خلاف آخرته. و لفلان قدم صدق، أى شي‌ء متقدّم من أثر حسن. و قيدوم الجبل: أنف يتقدّم منه. و القدّام: الملك، و هذا قياس صحيح، لأنّ الملك، هو المقدّم. و القدّام: القادمون من سفر، و قدم الإنسان: معروفة، و لعلّها سمّيت بذلك لأنّها آلة للتقدّم و السبق. و ممّا شذّ عن هذا الأصل: القدوم: الحديدة ينحت بها.

مفر- و يثبّت به الأقدام- و به اعتبر التقدّم و التأخّر. و التقدّم على أربعة أوجه. و يقال حديث و قديم: و ذلك إمّا باعتبار الزمانين، و إمّا بالشرف، و إمّا لما لا يصحّ وجود غيره إلّا بوجوده- كقولك الواحد متقدّم على العدد. و قد ورد- يا قديم الإحسان، و لم يرد في شي‌ء من القرآن و الآثار الصحيحة القديم في وصف اللّٰه تعالى. و أكثر ما يستعمل القديم باعتبار الزمان.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يقابل التأخّر، أى التقدّم. و التقدّم يتصوّر على أنواع:

تقدّم في الزمان: كما في-. فَإِذٰا جٰاءَ أَجَلُهُمْ لٰا يَسْتَأْخِرُونَ سٰاعَةً وَ لٰا يَسْتَقْدِمُونَ*- 7/ 34 و تقدّم في المرتبة: كما في-. نَذِيراً لِلْبَشَرِ لِمَنْ شٰاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ- 74/ 37 و تقدّم نسبىّ بينهما: كما في-. لِيَغْفِرَ لَكَ اللّٰهُ مٰا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مٰا تَأَخَّرَ- 48/ 2. يُنَبَّؤُا الْإِنْسٰانُ يَوْمَئِذٍ بِمٰا قَدَّمَ وَ أَخَّرَ- 75/ 13 فلا يبقى وجه خاصّ للمتقدّم منه و لا للمتأخّر، و إن كان المتأخّر، من الذنب‌

214

له مسئوليّة زائدة، بسبب التكرّر و العود اليه.

و لا يصحّ تفسير المتأخّر من العمل أو الذنب بما بعد الموت: فانّ العمل يحتاج الى عامل مباشر. و الذنب ما يتبع الآثم من دون انفصال عنه.

فالتقدّم و التأخّر في هذا المورد: عبارة عن النسبة بين الطرفين، و مثل الآيتين قوله تعالى:

. وَ إِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ مٰا قَدَّمَتْ وَ أَخَّرَتْ- 82/ 5 يراد امتداد الأعمال متقدّمة و متأخّرة.

و سبق في- أخر: توجيه للمغفرة في الآية الاولى- فراجعه.

و تقدّم في الجريان: فالسابق منه مقدّم، و اللاحق متأخّر، و بهذه المناسبة يطلق القدّام على جهة يواجهها الإنسان، و الخلف على الجانب المقابل المتعقّب، فانّ الإنسان في الحركة دائما الى الزمان المستقبل بعده، فيكون جانب الخلف متأخّرا.

. وَ قَدِمْنٰا إِلىٰ مٰا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ- 25/ 23. وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ مٰا قَدَّمَتْ لِغَدٍ- 59/ 18. يٰا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيٰاتِي- 89/ 24 فالقدوم و التقديم باعتبار حركة الإنسان و سيره الى جانب عملهم أو الى الغد أو الى جانب عالم الآخرة و الحياة الأبديّة.

فالآخرة بالنسبة الى سيرنا و حركتنا اليها: تكون قدّاما لنا و في الجانب المتقدّم منّا. و بالنسبة الى حركتها إلينا: تكون الدنيا متقدّمة و الآخرة متأخّرة. و هكذا إذا لوحظت بالنسبة الى الحياة الدنيا الحاضرة المشهودة: فتكون الحياة فيما ورائها آخرة.

و أمّا القديم: فيطلق على ما في الزمان السابق الماضي: و هذا باعتبار جريان الزمان من الماضي الى الاستقبال، فيكون ما مضى و سبق منه متقدّما و قديما. و هذه الكلمة لا تدلّ بأزيد من هذا. و أمّا القديم في قبال الحادث: فهو من‌

215

مصطلحات المتكلمين و الفلاسفة. إلّا أن يراد مطلق مفهوم القديم في قبال مطلق الحادث، أى المتقدّم المطلق عن قاطبة ما يكون حادثا.

و أمّا القدم: فهو اسم أو صفة في الأصل، بلحاظ أنّها قادمة و متقدّمة و متحرّكة الى جانب القدّام، فهي من شأنها السبق.

و بهذا الاعتبار توصف بالتثبّت و الصدق، أو بالمزلّة و المأخوذيّة، فانّها من شأنها الحركة و السبق-. وَ ثَبِّتْ أَقْدٰامَنٰا* ...،. قَدَمَ صِدْقٍ ...،. فَتَزِلَّ قَدَمٌ ...،. فَيُؤْخَذُ بِالنَّوٰاصِي وَ الْأَقْدٰامِ.

فظهر أنّ الأصل في جميع موارد المادّة: هو التقدّم، و مفاهيم اخر: راجعة اليه- فتدبّر فيها.

قدو

مصبا- القدوة اسم من اقتدى به إذا فعل مثل فعله تأسّيا، و فلان قدوة أى يقتدى به، و الضمّ أكثر من الكسر، و يقال إنّ القدوة الأصل الّذى يتشعّب منه الفروع.

مقا- قدو: أصل صحيح يدلّ على اقتياس بالشي‌ء و اهتداء، و مقادرة في الشي‌ء حتّى يأتى به مساويا لغيره. من ذلك قولهم هذا قدى رمح، أى قيسه. و فلان قدوة يقتدى به. و من الباب فلان يقدو به فرسه إذا لزم سنن السيرة، و إنّما سمّى ذلك قدوا، لأنّه تقدير في السير. و تقدّى فلان على دابّته، إذا سار سيرة على استقامة. و يقال أتتنا قادية من الناس، و هم أوّل من يطرأ عليك.

التهذيب 9/ 244- قال الليث: القدو: أصل البناء الّذى ينشعب منه تصريف الاقتداء. و يقال: قدوة و قدوة: لما يقتدى به. عن الكسائي: يقال: لي بك قدوة و قدوة و قدة، مثل دارى حذوة دارك و حذوته و حذته. ابن الأعرابىّ:

القدو: القدوم من السفر، و القدو بالقرب. الليث: مرّ بى يتقدّى به فرسه، أى يلزم به‌

216

سنن السيرة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو التبعيّة و التسنّن بما في غيره من قول أو عمل أو سيرة.

و من ذلك: القدوم من السفر، و القرب، إذا كان الملحوظ هو التسنّن و الاتّباع عن أمر.

و قد اختلطت معاني المادّتين- قدو، قدى- و استعمل كلّ واحد منهما في معاني مخصوصة بالآخر.

و في مادّة- قدى- بمناسبة الياء: انكسار و تثبّت و انخفاض و استكانة زائدة، كما في- بلوغ الطعام الى الإدراك و الطيب. و إسراع في السير الى أن يصلوا الى محلّ استقرار. و التثبّت على سيرة و برنامج معيّن. و تحقّق التناسب و النيابة و الكفاية.

و بين كلمات- قدو، قدى، قود، قد اسما بمعنى حسب: اشتقاق أكبر.

. إِنّٰا وَجَدْنٰا آبٰاءَنٰا عَلىٰ أُمَّةٍ وَ إِنّٰا عَلىٰ آثٰارِهِمْ مُقْتَدُونَ- 43/ 24. أُولٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّٰهُ فَبِهُدٰاهُمُ اقْتَدِهْ- 6/ 90 الاقتداء افتعال و يدلّ على إختيار الإتّباع بالطوع و الرغبة، فإذا اختاروا و انتخبوا لأنفسهم برنامجا ضعيفا باطلا كالاقتداء على آثار آبائهم الّذين ليسوا بمعتمدين في أفكارهم و أعمالهم: فكيف إنّهم يغفلون عن النور و الحقّ و لا يختارون الاقتداء و الاتّباع عن الّذين هديهم اللّٰه و هم أنبياء اللّٰه المعصومون و حجج اللّٰه على الخلق و رسله المبلّغون رسالات ربّهم.

و قد امر رسول اللّٰه (ص) بالاقتداء عنهم في كلّيّات وظائف الرسالة و كيفيّة السلوك و الإبلاغ و الدعوة: فكيف بغيره من الناس.

و التحقيق و الدقّة في انتخاب القدوة من أهمّ المسائل اللازمة، و به‌

217

يحصل الاطمينان عن الانحراف و الضلال في طريق الهداية و السعادة، و هذا أوّل مرحلة من مراحل السلوك الى الحقّ:

. وَ لٰا تَتَّبِعُوا أَهْوٰاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَ أَضَلُّوا كَثِيراً- 5/ 77‌

قذف

مصبا- قذف بالحجارة قذفا من باب ضرب: رمى بها. و قذف المحصنة:

رماها بالفاحشة، و القذيفة: القبيحة، و هي الشتم، و قذف بقوله: تكلّم من غير تدبّر و لا تأمّل، و قذف بالقي‌ء: تقيّأ، و تقاذف الفرس في عدوه: أسرع. و الاسم القذاف مثل كتاب، و هو سرعة السير. و تقاذف الماء: جرى بسرعة.

مقا- قذف: أصل يدلّ على الرمي و الطرح، يقال: قذف الشي‌ء يقذفه قذفا: إذا رمى به، و بلدة قذوف أى طروح لبعدها تترامى بالسفر. و منزل قذف و قذيف، أى بعيد. و ناقة مقذوفة باللحم، كأنّها رميت به. و القذاف: سرعة السير. و من الباب: أقذاف الجبل: نواحيه، الواحد القذف. و القذيفة: الشي‌ء يرمى.

صحا- نيّة قذف و فلاة قذف و قذف أيضا: أى بعيدة تقاذف بمن يسلكها. و القذفة واحدة القذف و القذفات: و هي الشرف، و كذلك ما أشرف من رؤوس الجبال. و رجل مقذف: أى كثير اللحم، كأنّه قذف باللحم. و القذف بالحجارة: الرمي بها.

مفر- القذف: الرمي البعيد، و لإعتبار البعد فيه قيل منزل قذف و قذيف، و بلدة قذوف: بعيدة. و استعير للشتم و العيب.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو رمى في مورد طعن و تحقير. و من مصاديقه: قذف بالحجارة. و قذف المحصنة. و قذف بالكلام القبيح. و قذف‌

218

الخوف و الرعب في قلب العدوّ. و قذف الحقّ على الباطل. و قذف شي‌ء على البحر. و قذف القي‌ء.

و من المجاز: البلدة البعيدة، و رؤوس الجبال البعيدة، و التقاذف في جريان الماء و في سير الفرس و عدوه فكأنّ الماء و الفرس يقذفان في حركتهما كما في الأمواج حيث يقذف بعضها الى بعض. و رجل مقذوف و ناقة مقذوفة:

تشبيها بمن يقذف بالحجارة فيتورّم بدنه.

. وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ*- 33/ 26. بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبٰاطِلِ فَيَدْمَغُهُ- 21/ 18. فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ- 20/ 39. وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جٰانِبٍ- 37/ 8 يراد الرمي في مورد الطعن و التحقير.

و التعبير في إلقاء موسى (ع) في التابوت و اليمّ: فانّها في مورد التحقير و الإعراض و لو بالاضطرار. و إشارة الى أنّ من كان في حالة العجز و الضعف و الانكسار بحيث تقذفه امّه في اليمّ، كيف يختاره اللّٰه عزّ و جلّ و يربّيه و يحفظه و يبعثه رسولا و خليفة في الأرض و حجّة على الخلق:

. أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوىٰ وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدىٰ وَ وَجَدَكَ عٰائِلًا فَأَغْنىٰ- 93/ 6‌

قرء

مصبا- قرى: و القرء فيه لغتان: الفتح و جمعه قروء، و الضمّ و يجمع على أقراء، و يطلق على الطهر و الحيض، و يقال إنّه للطهر، و ذلك أنّ المرأة الطاهر كأنّ الدم اجتمع في بدنها و امتسك، و يقال إنّه للحيض. و أقرأت إذا حاضت، و أقرأت إذا طهرت، فهي مقرئ، و قرأت امّ الكتاب و بامّ الكتاب، يتعدّى بنفسه و‌

219

بالباء، قراءة و قرءانا، ثمّ استعمل القرآن اسما، و الفاعل قارئ، و قرأة و قرّاء و قارئون. و قرأت على زيد السلام أقرؤه عليه قراءة.

مقا- قرى: أصل صحيح يدلّ على جمع و اجتماع. و إذا همز يقولون: ما قرأت هذه الناقة سلى، كأنّه يراد أنّها ما حملت قطّ. قالوا و منه القرآن، كأنّه سمّى بذلك لجمعه ما فيه من الأحكام و القصص و غير ذلك. فأمّا أقرأت المرأة: كأنّها قد جمعت دمها في جوفها، و يقولون إنّما إقراؤها خروجها من طهر الى حيض، أو حيض الى طهر.

مفر- قرأت المرأة: رأت الدم، و أقرأت: صارت ذات قرء. و قرأت الجارية: استبرأتها بالقرء. و القرء في الحقيقة اسم للدخول في الحيض عن طهر، و لمّا كان اسما جامعا للأمرين: اطلق على كلّ واحد منهما، و ليس القرء اسماء للطهر مجرّدا و لا للحيض مجرّدا، بدلالة أنّ الطاهر إذا لم تر أثر الدم لا يقال لها ذات قرء، و كذا الحائض الّتى استمرّ بها الدم و النفساء لا يقال لها ذلك. و القراء ضمّ الحروف و الكلمات بعضها الى بعض في الترتيل، و ليس يقال لكلّ جمع، و لا يقال قرأت القوم إذا جمعتهم، و القرآن في الأصل مصدر.

التهذيب 9/ 274- اللحياني، يقال: قرأت القرآن و أنا اقرؤه قرءا و قراءة و قرءانا، و أنا قارئ من قوم قرّاء و قرأة و قارئين، و أقرأت غيرى اقرءه إقراء، و منه قيل فلان المقرئ. و يقال أقرأت من سفري، أى انصرفت. و أقرأت من أهلى، أى دنوت. و أقرأت حاجتك و أقرأ أمرك: دنا، و قال بعضهم استأخر. و أقرأه، أى حبسه. و قرأت و تقرّأت: صرت ناسكا. و تقرّأت: تفقّهت.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو تفهم و ضبط معاني مكتوبة بالبصر. مادّيّا أو معنويّا.

و المعاني عبارة عن مفاهيم و مطالب مقصودة. و الكتابة عبارة عن ثبتها‌

220

بألفاظ و حروف أو نقوش و صور مناسبة في صفحات خارجيّة أو أنفسيّة أو في اللوح المحفوظ عند اللّٰه تعالى. و البصر أعمّ من أن يكون قوّة محسوسة أو بصيرة باطنيّة أو روحانيّة صرفة.

ففي القراءة لازم أن تتحقّق هذه الخصوصيّات: و أمّا التوجّه الى المفاهيم بالقلب أو ضبطها بالسمع أو بحاسّة اخرى: فليس من مصاديق مفهوم القراءة.

و بهذه المناسبة تطلق المادّة على القرب و التفقّه و الجمع مجازا.

و أمّا القرء بمعنى الحيض: فانّ القرء كالغسل اسم مصدر، بمعنى ما يتحصّل من القراءة، و حالة الحيض و زمانها إنّما تتحصّل في نتيجة قراءة المرأة حالاتها و جريان أمورها و تحوّلات أيّامها، إذ بها تتعيّن ما لها من الوظائف الشرعيّة و العرفيّة و تتغير تكاليفها اللازمة و تتبدّل مجارى أمورها الطبيعيّة، و بها تتميّز أوقاتها و أيّامها، كما في خصوصيّات الأعمال و برنامج الطهارة و النظافة و إقامة العبادات و في حساب العدّة في النكاح و الطلاق و الاجتناب عن امور معيّنة و غيرها.

و أمّا إطلاق القرء على الطهر فليس بصحيح إلّا تجوّزا بالمجاورة.

. وَ الْمُطَلَّقٰاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلٰاثَةَ قُرُوءٍ وَ لٰا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مٰا خَلَقَ اللّٰهُ فِي أَرْحٰامِهِنَّ- 2/ 228 فلازم لهنّ مطالعة أحوالهنّ و الدقّة في جريان أيامهنّ و حساب قروئهنّ و التربّص حتّى تنتهي ثلاثة قروء.

و كما أنّ الكتابة تحدث و تكتب في صفحات صافية نقيّة ثمّ تقرأ هذه الكتابة كذلك الحيض تحدث في صفحات أيّام الطهارة الطبيعيّة الأصيلة الجارية، فلا بدّ أن يكون الضبط و القراءة و الحساب عليها.

ثمّ إنّ الكتابة إمّا في الألواح الخارجيّة كما في- كتبت في القرطاس.

و إمّا في الألواح الطبيعيّة بحدوث جريانات و حوادث خارجيّة، سواء كانت في موضوع شخصىّ أو في عالم، كما في تثبّت حالات الحيض في متن‌

221

الطهر.

و إمّا في ألواح الأنفس، بما تنتقش فيها من الصفات و الأفكار.

و إمّا في اللوح المحفوظ عند اللّٰه تعالى، يضبط فيه ما يقضى و يقدّر.

فالقراءة أيضا تتعلّق بهذه المكتوبات الأربعة:

فالأوّل- كما في-. حَتّٰى تُنَزِّلَ عَلَيْنٰا كِتٰاباً نَقْرَؤُهُ- 17/ 93 و الثاني- كما في-. يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلٰاثَةَ قُرُوءٍ- 2/ 228 و الثالث- كما في-. اقْرَأْ كِتٰابَكَ كَفىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً- 17/ 14 و الرابع- كما في-. إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ- 56/ 77 و القرآن مصدر جعل اسما للكتاب المنزل للنبىّ ص، و هذه التسمية بلحاظ أنّه يقرأه اللّٰهُ و يقرأه الرسول و يقرأه الناس: و ليس شي‌ء غيره تكون له هذه الخصوصيّات الثلاثة:

أمّا قراءة اللّٰه عزّ و جلّ: فيقول تعالى-. فَإِذٰا قَرَأْنٰاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ- 75/ 18. بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ- 85/ 21 فالقرآن في هذه المرتبة في لوح محفوظ عند اللّٰه تعالى، و هو اللوح الظاهر فيه ما يقضى و يقدّر من الأحكام و الحقايق، و هو لوحة من علم اللّٰه المحيط يفسّرها القرآن و تتجلّى فيه، و القارئ لها هو اللّٰه عزّ و جلّ، و هو ينزل على لوح قلب النبىّ الأكرم، و يأخذه بقلبه و يراه رؤية شهود و حضور.

و أمّا قراءةُ النبىّ الأكرم: فيقول تعالى-. وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ- 6/ 19‌

222

. تِلْكَ آيٰاتُ الْقُرْآنِ وَ كِتٰابٍ مُبِينٍ- 27/ 1. وَ قُرْآناً فَرَقْنٰاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّٰاسِ عَلىٰ مُكْثٍ- 17/ 106 فهذا القرآن المجيد قد اوحى و نزل على قلب النبىّ الأكرم و شاهده مشاهدة حضور ثمّ يؤمر بتلاوته و قراءته على الناس، ليتوجّهوا الى وظائفهم الّتى تقدّر و تقضى من جانب اللّٰه تعالى، فالقرآن من اللّٰه تعالى نازل على النبىّ (ص) ليقرأه على الناس.

و أمّا قراءة الناس: فيقول تعالى-. فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ- 73/ 20 فانّ القرآن قد نزل لهداية الناس الى السعادة و الكمال و البرّ و الخير في الحياة الدنيا و الآخرة، فواجب لهم أن يقرءوه و يتعلّموا منه ما يرشدهم الى فلاحهم و صلاحهم.

فيتحصّل هنا مطالب لازم أن نشير اليها.

1- إنّ كلمة القرآن مأخوذةُ من مادّة القراءة، لا من القرى، و لا شي‌ء غيره يتّصف بالقراءة بمراتبها الّتى ذكرناها، بألفاظها و معانيها، و لا خصوصيّة فيه لمفهوم القرى و التجمّع.

2- إنّ القرآن بهذه الخصوصيّات نازل من جانب اللّٰه عزّ و جلّ إلينا، فانّه يقضى و يقدّر من جانب اللّٰه، و يثبت في اللوح الروحانىّ الإلهىّ، ثمّ ينزل منه بالوحي الى قلب النبىّ (ص) فيشاهده في قلبه بالعلم الحضورىّ، ثمّ يقرأه الرسول (ص) على الناس، فيضبطونه في الألواح.

3- إنّ اللوح المحفوظ هو مرتبة ظهور العلم و الحكمة بالقضاء و التقدير، و فيها تتبيّن خصوصيّات الأمور، فانّ العلم الإلهىّ هو ما يظهر من الحياة في نور الذات بما لا يتناهى، فيحيط بكلّ شي‌ء و لا يعزب عن علمه شي‌ء، و ذلك العلم إذا اقترن به الإرادة و الحكمة و القضاء و التقدير: يتبيّن امور و تتحصّل خصوصيّات الأحكام و الموضوعات، و هذه مرتبة فيها يضبط و يحفظ التقديرات الإلهيّة و تتعيّن‌

223

فيها، ثمّ تظهر منها محدودة في الخارج ما شاء و قدّر و أراد.

4- القرآن بجميع خصوصيّاته لفظا و معنى و حكما و بجزئيّات مفاهيمه نازل من اللّٰه عزّ و جلّ في هذا اللوح المحفوظ على طبق حكمته و تقديره، و يضبط و يكتب فيه، ثمّ ينزّل منه على قلب النبىّ الأكرم بمقدار اتّصاله باللوح و حضوره و شهوده و على ما شاء و يريد.

و إن كانت كليّاته و إجمال مفاهيمه نازلة عليه قبل نزول جزئيّاته، و الى هذا المعنى يشير قوله تعالى:

. إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ- 97/ 1. شَهْرُ رَمَضٰانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ- 2/ 185. وَ لٰا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ- 20/ 114. إِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ- 27/ 6. وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ- 36/ 2. إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ- 56/ 77. إِنّٰا نَحْنُ نَزَّلْنٰا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا- 76/ 23. بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ- 85/ 21. وَ قُرْآناً فَرَقْنٰاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّٰاسِ عَلىٰ مُكْثٍ- 17/ 106. كِتٰابٌ فُصِّلَتْ آيٰاتُهُ- 41/ 3 5- لمّا كان القرآن بألفاظه و بمعانيه نازلا من جانب اللّه تعالى: فللمسلم المعتقد المقتدى به أن يجتهد في تحقيق تلك الألفاظ حقّ التحقيق كما يجب له التحقيق في معانيه، و كما أنّ تحصيل حقائق المعاني و المعارف و الأحكام في القرآن لازم لنا: كذلك تحصيل المعاني الحقيقيّة للألفاظ القرآنيّة، فانّ القرآن الكريم نزل معجزا من جانب اللّه تعالى، و انتخب في مقام التعبير عن الحقائق و المعارف و الحكم أحسن كلمة و أدقّ لفظ و أحقّه و أبينه و أخصّه دلالة على تلك المعاني المطلوبة، فانّ الكلمات قوالب و مرائى للمعاني، و أىّ خصوصيّة كانت‌

224

في المعاني لا بدّ أن يدلّ عليها الألفاظ و تستكشف من إراءة الكلمات.

و قد قلنا في مقدّمات الكتاب إنّ الكلمات القرآنيّة ما استعملت إلّا في معانيها الحقيقيّة، و ليس في القرآن تجوّز، فانّ التجوّز يوجب و هنا و اضطرابا و ترديدا في تعيين المراد، بل و قد يوجب انحرافا و ضلالا عن تبيّن الحقّ، و يفسّر كلّ أحد كلام اللّه على طبق رأيه، و يؤوّل كلّ شخص مشكله و متشابهه على ما يوافق فهمه.

نعم حينئذ يفسّر القرآن الكريم على ما يوافق الأفهام، و يتنزل سطح معارفه و حقائقه على ما يطابق أفكار الناس، فالقرآن ينطبق على آرائهم و اعتقاداتهم، مع أنّ اللازم تطبيق الآراء عليه.

فالقرآن المجيد هو ميزان الحقّ و الحقيقة بألفاظه و معانيه، و هو مظهر الحقّ و مبينه-. تِلْكَ آيٰاتُ الْقُرْآنِ وَ كِتٰابٍ مُبِينٍ- 27/ 1 6- قلنا إنّ القرآن الكريم معجز للبشر لفظا و معنى-. قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هٰذَا الْقُرْآنِ لٰا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ- 17/ 88 أمّا لفظا: فانّ كلّ كلمة فيه، قد انتخب من بين مترادفاته و أشباهه بمعناه الحقيقىّ على المطلوب مع خصوصيّات فيه، و لا يصحّ وضع كلمة اخرى مكانه، فانه يفوت لطف خصوصيّة منظورة فيه، لأنّ كلّ كلمة من المترادفات له خصوصيّة و امتياز مخصوص ليس في غيره، و قد أشرنا في الكتاب الى خصوصيّة كلّ كلمة و الى لطف التعبير به في مورده.

و هكذا انتخاب كلّ صيغة مخصوصة من بين الصيغ المختلفة، و تقديم كلّ كلمة و تأخيره و سائر الخصوصيّات المذكورة في علوم البلاغة.

و أمّا معنى: فانّ كلّ ما يذكر فيه في كلّ موضوع و في أىّ جهة: حقّ مقطوع مسلّم يوافق الواقع و يكشف عن الحقّ بحيث لا يعتريه و هن و لا ريب.

225

و هذه الأمور و الخصوصيّات لا يمكن لأحد أن يراعيها حقّ الرعاية، فانّه يحتاج الى حضور جميع هذه الخصوصيّات و الامتيازات اللفظيّة و المعنويّة في ذهن المتكلّم بحيث يراها في آن واحد يتكلّم فيه بكلمة، و هذا غير ممكن للبشر.

و هذا حقيقة قوله تعالى:

. لٰا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كٰانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً.

و هذا المعنى لا يعرفه حقّ المعرفة إلّا الأوحدىّ الجامع في العلوم الأدبيّة و الأخلاقيّة و الاجتماعيّة و العرفانيّة الحقّة.

7- قلنا إنّ القرآن مصدر كالغفران، و يطلق على ما ينزل من جانب اللّه المتعال بلفظه و معناه على رسول اللّه ص، مبالغة، فانّه يقرأه اللّه و يقرأه الرسول و يقرأه الناس، فكأنّه قراءة، كما في زيد عدل، و هذا الإطلاق في قبال مطلق القرآن كلّا أو جزءا.

فيصدق على كلّ آية نزلت، أو سورة: أنّها قرآن، و هكذا على مجموع السور و الآيات المدوّنة-. فَقٰالُوا إِنّٰا سَمِعْنٰا قُرْآناً عَجَباً- 72/ 1. وَ لٰا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ- 20/ 114. تِلْكَ آيٰاتُ الْكِتٰابِ وَ قُرْآنٍ مُبِينٍ- 15/ 1. نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمٰا أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ هٰذَا الْقُرْآنَ- 12/ 3 8- قلنا إنّ القرآن مصدر بمعنى تفهّم و ضبط ما يكتب بالبصر، و الكتابة هو ثبت شي‌ء بألفاظ أو غيرها، و بهذا الأصل يظهر حقيقة قوله تعالى:

. أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كٰانَ مَشْهُوداً- 17/ 78 فالمراد ضبط ما يثبت من أثر الفجر و نقش انشقاق في الأفق، و تفهّم هذه الكتابة.

226

قرب

مصبا- قرب الشي‌ء منّا قربا و قرابة و قربة و قربى، و يقال القرب في المكان و القربة في المنزلة و القربى و القرابة في الرحم، و قيل لما يتقرّب به الى اللّٰه تعالى قربة بسكون الراء، و الضمّ للاتباع، و الجمع قرب و قربان، و يتعدّى بالتضعيف فيقال قرّبته، و اقترب: دنا، و تقاربوا: قرب بعضهم من بعض، و هو يستقرب البعيد. و القربان مثل القربة، و الجمع القرابين، و قربت الى اللّه قربانا، و القريب يستوي فيه المذكّر و المؤنّث و الجمع.

مقا- قرب: أصل صحيح يدلّ على خلاف البعد، يقال قرب يقرب قربا، و فلان ذو قرابتي: و هو من يقرب منك رحما، و فلان قريبي و ذو قرابتي. و القربة و القربى: القرابة. و القراب: مقاربة الأمر، و تقول ما قربت هذا الأمر و لا أقربه:

إذا لم تشامّه و لم تلتبس به. و من الباب القرب و هي ليلة ورود الإبل الماء. و القارب: الطالب الماء ليلا. و القربان: ما قرّب الى اللّه تعالى من نسيكة أو غيرها.

و قربان الملك و قرابينه: وزراؤه و جلساؤه.

أسا- قرب منه و اليه، و قرّبته فتقرّب، و قاربه، و تقاربوا، و اقتربوا، و هو يستقرب البعيد، و تناوله من قرب و من قريب، و نزل قريبا، و بينهم قربة و قربى و قرابة، و هو قريبي و قرابتي، و هم أقربائى و أقاربى و قرابتي، و بيننا نسب قريب و قراب.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يقابل البعد، و هو أعمّ من مادّىّ أو معنوىّ، فالقرب يستعمل على أنواع:

قرب مكانىّ: كما في-. فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ بَعْدَ عٰامِهِمْ- 9/ 28‌

227

و قرب في مكان اخروىّ: كما في-. يَوْمَ يُنٰادِ الْمُنٰادِ مِنْ مَكٰانٍ قَرِيبٍ- 50/ 41. وَ أُخِذُوا مِنْ مَكٰانٍ قَرِيبٍ- 34/ 51 و قرب زمانىّ: كما في-. أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ- 11/ 81. إِلىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ*- 4/ 77 و قرب في زمان اخروىّ: كما في قولنا- الحشر قريب من النشر.

و قرب روحانىّ: كما في-. فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّٰاعِ- 2/ 186. وَ السّٰابِقُونَ السّٰابِقُونَ أُولٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ- 56/ 11 و قرب في النسب: كما في-. وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ- 26/ 214. وَ إِذٰا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ- 4/ 8 و قرب في الصفات: كما في-. هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمٰانِ- 3/ 167. أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هٰذٰا رَشَداً- 18/ 24 و التقريب تفعيل: للتعدية بمعنى جعل شي‌ء ذا قرب-. وَ قَرَّبْنٰاهُ نَجِيًّا- 19/ 52. وَ إِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ- 7/ 114 و الاقتراب افتعال: للمطاوعة و الاختيار-. اقْتَرَبَ لِلنّٰاسِ حِسٰابُهُمْ- 21/ 1. اقْتَرَبَتِ السّٰاعَةُ- 54/ 1 كأنّ الحساب و الساعة تقربان بالطوع و الاختيار و بالتدريج و بالجريان الطبيعىّ من دون أن يتوجّه اليه الناس.

228

فظهر أنّ القرب خلاف البعد، و يصحّ تفسير النهى عن القرب بالبعد، كما في-. تِلْكَ حُدُودُ اللّٰهِ فَلٰا تَقْرَبُوهٰا- 2/ 187. وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ- 2/ 222. وَ لٰا تَقْرَبُوا مٰالَ الْيَتِيمِ إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ*- 17/ 34 يراد البعد عنها. و مفهوم القرب في كلّ منها بمناسبة الموضوع.

و أمّا قرب العبد من اللّه عزّ و جلّ: فهو قرب معنوي، و يتوقّف على نفى الصفات الرذيلة المخالفة و نفى الأنانيّة و حصول التسليم الصرف و الفناء الكامل و العبوديّة التامّة، كما هو مقرّر في كتب السير و السلوك و بحثنا عنه في رسالة لقاء اللّه-. فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صٰالِحاً وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً- 18/ 110. كَلّٰا لٰا تُطِعْهُ وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ- 96/ 19 فبأىّ مقدار يتحصّل مقام السجود و الخشوع و العبوديّة في العبد: يتحقّق القرب من اللّه تعالى.

و أمّا قرب اللّه عزّ و جلّ: فانّه تعالى نور مطلق غير متناه و لا حدّ له بوجه، و هو محيط بكلّ شي‌ء و قيّوم على كلّ موجود و لا يخلو عن نور وجوده و نفوذ أمره و سلطته شي‌ء و لا يحجبه حاجب و لا يحدّه حدّ.

و كلّ ما يرى من مانع و حدّ و حجاب و ستر فهو من جانب العبد و من جهة خلاف و عصيان و انحراف في باطنه و ظاهره-. وَ إِذٰا سَأَلَكَ عِبٰادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ- 2/ 186. وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ- 50/ 16. وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لٰكِنْ لٰا تُبْصِرُونَ- 56/ 85 فاحاطة نوره القاهر على جميع الموجودات إحاطة و علم حضورىّ، كما‌

229

في إحاطة الروح الانسانىّ على جميع أعضائه و جوارحه و أعصابه و عروقه و عضلاته و عظامه و جلده.

فاحاطة حبل الوريد على بدن الإنسان ظاهريّة مادّيّة، و فوقها إحاطة الروح باحاطة معنويّة حضوريّة لا بالوسائل و الوسائط، و فوقها إحاطة نور الحقّ على جميع الطبقات الموجودات.

فالعلم و الإحاطة الحضوريّة عبارة عن حضور العالم و إحاطته التامّ على المعلوم المحاط، و قلنا إنّ نور وجوده محيط و نافذ و قاهر على جميع عوالم الوجود ظاهرا و باطنا.

و هذا أتمّ مراتب القرب بين المحيط و المحاط.

قرح

مقا- قرح: ثلاثة اصول صحيحة، أحدها يدلّ على ألم بجراح أو ما أشبهها، و الآخر يدلّ على شي‌ء من شوب، و الآخر على استنباط شي‌ء. فالأوّل- القرح: قرح الجلد بجرح. و القرح: ما يخرج من قروح تؤلمه، يقال قرحه: إذا جرحه، و القريح: الجريح، و القرح: الّذى خرجت به القروح. و الأصل الثاني- الماء القراح الّذى لا يشوبه غيره. و الأرض القراح: الطيّبة التربة الّتى لا يخلط ترابها شي‌ء. و من الباب: رجل قرحان و قوم قرحانون: إذا لم يصبهم جدرىّ و لا مرض. و القرواح مثل القراح. و الثالث- القريحة، و هو أوّل ما يستنبط من البئر، و لذلك يقال فلان جيّد القريحة، يراد به استنباط العلم.

مصبا- قرح الرجل قرحا فهو قرح من باب تعب: خرجت به قروح. و قرحته قرحا من باب نفع: جرحته، و الاسم القرح بالضمّ و المفتوح لغة الحجاز، و هو قريح و مقروح، و قرّحته مبالغة و تكثير. و القراح: المزرعة الّتى ليس فيها بناء و لا شجر، و الجمع أقرحة. و اقترحته: ابتدعته من غير سبق مثال. و قرح ذو الحافر‌

230

يقرح بفتحتين قروحا: انتهت أسنانه، فهو قارح.

مفر- القرح: الأثر من الجراحة من شي‌ء يصيبه من خارج. و القرح: أثره من داخل، كالبثرة و نحوها. يقال قرحته نحو جرحته. و قرح: خرج به قرح. و قد يقال القرح للجراحة، و القرح للألم. و فرس قارح: إذا ظهر به أثر من طلوع نابه، و الأنثى قارحة. و اقترحت الجمل: ابتدعت ركوبه.

صحا- قرح جلده يقرح فهو قرح: إذا خرجت به القروح. و القرحة في وجه الفرس: ما دون الغرّة. و روضة قرحاء: فيها نوّارة بيضاء. و القراح: المزرعة الّتى ليس عليها بناء و لا فيها شجر.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يوجد في أثر جراحة في متن بدن. فهو متأخّر عن الجرح و متحصّل منه، و قد يكون في أثر عوامل اخر غير الجراحة، كالبثور الظاهرة.

فالقرح مصدر كالجرح، و القرح اسم مصدر كالجرح، و الغسل، و هو المتحصّل من القرح، فيصدق على الألم، و بهذه المناسبة يطلق على البثور المتكوّنة المتحصّلة في نفسها من دون عمل و جرح.

و أمّا مفاهيم الماء الّذى ليس فيه شوب، و الأرض الّتى ليس فيها بناء و لا شجر، و الغرّه في وجه الفرس، و ظهور الناب، و الاستنباط و الابتداع من دون سابقة: فهي معاني مجازيّة، بمناسبة ظهورها في متن شي‌ء مخالفة لها، كالماء غير المخلوط في مورد يقتضى الخلط بشي‌ء كالسدر و الكافور و غيرهما، و قطعة من الأرض في محلّ يقتضى البناء أو الزراعة، و بياض في جلد متلوّن، و ظهور ناب، و استخراج شي‌ء من البئر على خلاف الانتظار، و الركوب البديع. فكأنّ هذه الأمور قروح حدثت في متن على خلاف اقتضاء المحلّ.

فهذه القيود لازم رعايتها في موارد استعمال المادّة، فمعنى الاقتراح إختيار‌

231

قرح أو أمر على خلاف اقتضاء و انتظار في المحلّ.

. وَ لٰا تَهِنُوا وَ لٰا تَحْزَنُوا .... إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ- 3/ 140. الَّذِينَ اسْتَجٰابُوا لِلّٰهِ وَ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مٰا أَصٰابَهُمُ الْقَرْحُ- 3/ 172 يشير الى أنّ المؤمن لا يحزن و لا يتهاون في العمل بوظائفه اللازمة بحدوث حادثة غير ملائمة و جريان مولم.

قرد

مصبا- القرد حيوان خبيث، و الأنثى قردة، و يجمع الذكر على قرود و أقراد و على قردة أيضا، و جمع الأنثى قرد. و القراد: ما يتعلّق بالبعير و نحوه، و هو كالقمّل للإنسان.

مقا- قرد: أصل صحيح يدلّ على تجمّع في شي‌ء مع تقطّع، من ذلك السحاب القرد: المنقطع في أقطار السماء يركب بعضه بعضا. و ممكن أن يكون القراد من هذا، لتجمّع خلقه. و أقرد الرجل: لصق بالأرض من فزع أو ذلّ. و قرد:

سكت.

التهذيب 9/ 26- قال الليث: القرد: معروف، و الأنثى قردة، و أقرد الرجل إذا ذلّ. و القرد من السحاب الّذى تراه في وجهه شبه انعقاد في الوهم يشبّه بالوبر القرد. و الشعر القرد: الّذى انعقدت أطرافه. و فلان يقرّد فلانا: إذا خادعه متلطّفا، و أصله: يجي‌ء الرجل الى الإبل ليركب فينزع منه القراد حتّى يستأنس.

حياة الحيوان- قرد: حيوان معروف، قبيح مليح ذكىّ سريع الفهم يتعلّم الصنعة. و القردة تلد في البطن الواحدة العشرة و الاثني عشر، و الذكر ذو غبرة شديدة على الإناث، و هذا الحيوان شبيه بالإنسان في غالب حالاته فانّه يضحك و يطرب و يقعى و يحكى و يتناول الشي‌ء بيده، و له أصابع مفصّلة الى أنامل و‌

232

أظافر، و يقبل التلقين و التعليم و يأنس بالناس، و يمشى على رجليه حينا يسيرا.

فرهنگ تطبيقى- سرياني- قردا- بوزينه مادة.

فرهنگ تطبيقى- سرياني- قاردا- گنه شترى.

فرهنگ تطبيقى- سرياني- قارد- پراكنده شدن.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الحيوان المعروف (بوزينه و ميمون) و الحيوان (گنه شتر) و اللغة مأخوذة من السريانيّة، و الجامع بينهما شدّة التعلّق و النزع من الإنسان ممّا له و الاحتيال و الإغفال و الإضرار بأىّ حيلة، و كأنّ القراد مأخوذ من القرد، و الألف يدلّ على استمرار في الأخذ و الإضرار و التعلّق.

و الظاهر أن تكون مفاهيم التجمّع و التفرّق و اللصوق و السكوت و الذلّ و الخدعة مأخوذة من صفات الحيوان تجوّزا. فهي من الاشتقاق الانتزاعىّ.

و لا يبعد كون الأصل في المادّة العربيّة: بمعنى التجمّع الخاصّ بنيّة. و هذا المعنى موجود في موارد استعمال المادّة.

و هذا المعنى منظور في الحيوان أيضا، فانّه يتجمّع ثمّ يحيل و يأخذ شيئا.

. الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنٰا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خٰاسِئِينَ- 2/ 166. مَنْ لَعَنَهُ اللّٰهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ وَ جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَ الْخَنٰازِيرَ وَ عَبَدَ الطّٰاغُوتَ أُولٰئِكَ شَرٌّ مَكٰاناً- 5/ 60. فَلَمّٰا عَتَوْا عَنْ مٰا نُهُوا عَنْهُ قُلْنٰا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خٰاسِئِينَ- 7/ 166 تحوّل صورة النفس بالصفات النفسانيّة محمودة أو مذمومة، و كذلك ببعض الأعمال المؤثّرة في النفس: أمر طبيعىّ لا ريب فيها، كما أنّ كلّ شي‌ء طبيعىّ خارجىّ يتحوّل و يتغيّر بتحوّل صفاته الدخيلة المؤثّرة في ذاته.

و كلّما كان الشي‌ء ظريفا لطيفا يكون التحوّل فيه سريعا و التأثّر شديدا، فالمايعات تقبل التأثّر و التغيّر أشدّ و أسرع من الجمادات.

233

و لا يتحصّل تغيّر و لا تحوّل إلّا بعلل خارجيّة و عوارض حادثة مؤثّرة في الشي‌ء، كما أنّ الماء تتحوّل صفاته الذاتيّة بالحرارة و البرودة و سائر العوارض الخارجيّة المؤثّرة في لونه و طعمه و صفائه و موادّه.

و نفس الإنسان ممّا وراء عالم الطبيعة، و هو الطاهر الصافي اللطيف الظريف النقىّ في ذاته، و من عالم المجرّدات، فيؤثّر فيه كلّ حالة عارضة، و كلّ إقبال و إدبار. فكلّ نيّة و عمل ينتهى الى حدوث حالة.

و النفس حاكم و نافذ و سلطان في مملكة البدن، و البدن بتمام أعضائه واقع تحت نفوذه التامّ و سلطته الكامل و إحاطته، بحيث لا يغرب عنه شي‌ء في حركاته و سكناته، و نفوذ النفس في البدن و حكومته و تأثيره فيه على مرتبة تجعل البدن فانيا و متأثّرا صرفا و تابعا من جميع الجهات.

فالأعمال و الحالات تؤثّر في خصوصيّات النفس و تحوّلها، كما أنّ النفس و تحوّله يوجب تحوّل صورة البدن و تبدّلها الى صورة نورانيّة جالبة أو الى صورة منكدرة ظلمانيّة، على مقتضى الصفات الراسخة.

و هذه المعاني امور مشهودة و مطالب مسلّمة محسوسة لذوي البصيرة.

فالمسخ: عبارة عن ظهور تامّ و تحوّل كامل في صورة البدن على وفق صورة النفس من جهة رسوخ صفات حيوانيّة فيه.

و تحقّق هذا المعنى من التحوّل الظاهرىّ الكامل (المسخ) إنّما يتحقّق بارادة تكوينيّة و أمر الهىّ- كونوا قردة.

و هذا الأمر إنّما يصدر بعد وجود الاقتضاء الباطنىّ و الاستحقاق، و سنزيد التوضيح في هذا الموضوع في- مسخ.

و لا يخفى أنّ هذا الموضوع لا ربط له بمبحث تبدّل الفعليّة الى القوّة، بوجه من الوجوه، مع انّه ضابطة محدودة مخصوصة، و لازم أن يلاحظ الموضوع فيها من جهة ذات الموضوع من حيث هو.

234

قرّ

مقا- قرّ: أصلان صحيحان يدلّ أحدهما على برد، و الآخر على تمكّن.

فالأوّل- القرّ، و هو البرد، و يوم قارّ و قرّ، و ليلة قارّة و قرّة، و قد قرّ يومنا يقر. و القرّة: قرّة الحمّى حين يجد لها فترة و تكسيرا. و قولهم أقرّ اللّه عينه: زعم قوم إنّه من هذا الباب، و أنّ للسرور دمعة باردة، و للغمّ دمعة حارّة، و لذلك يقال لمن يدعى عليه أسخن اللّه عينه. و القرور: الماء البارد يغتسل به. و الأصل الآخر- التمكّن، يقال قرّ و استقرّ، و القرّ: مركب من مراكب النساء. و من الباب القرّ: صبّ الماء في الشي‌ء. و القرّ: صبّ الكلام في الأذن. و القرارة: ما يلتزق بأسفل القدر، كأنّه شي‌ء استقرّ في القدر. و من الباب الإقرار ضدّ الجحود، و ذلك أنّه إذا أقرّ بحقّ فقد أقرّه قراره. و قال قوم في الدعاء: أقرّ اللّه عينه، أى أعطاه حتّى تقرّ عينه فلا تطمح الى من فوقه. و يوم القرّ: يوم يستقرّ الناس بمنى، و ذلك غداة يوم النحر.

مصبا- قرّ الشي‌ء قرّا من باب ضرب: استقرّ بالمكان، و الاسم القرار، وقاع قرقر: مستو. و قرّ اليوم قرّا: برد. و الاسم القرّ، فهو قرّ تسمية بالمصدر، و قارّ على الأصل أى بارد. و قرّت العين قرّة بالضمّ و قرورا: بردت سرورا. و في الكلّ لغة اخرى من باب تعب. و أقرّ اللّه العين بالولد و غيره إقرارا في التعدية. و أقرّ بالشي‌ء: اعترف به. و أقررت العامل على عمله: تركته قارّا.

مفر- قرّ في مكانه: إذا ثبت ثبوتا جامدا، و أصله من القرّ و هو البرد و هو يقتضى السكون، و الحرّ يقتضى الحركة. و قرئ- و قرن في بيوتكنّ، و قيل أصله اقررن فحذف إحدى الراءين تخفيفا، نحو فظلتم.

قع- (قرّ) برودة.

- (قار) بارد.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو تمكّن مع استمرار و تثبّت. و الإقرار:

235

يلاحظ فيه جهة قيام الفعل بالفاعل. و في التقرير جهة الوقوع و التثبيت في المفعول. و في الاستقرار جهة الطلب.

و أمّا معنى السرور في أقرّ اللّه عينه: فمن جهة رفع الاضطراب و الانتظار و التشوّش، و تثبّت حالة الاطمينان و سكون النفس و الاستقرار الموجب لسكون العين و النظر الدقيق المطمئنّ.

و هذا المعنى يصحّ إذا أسند الفعل الى العين، فانّ الطمأنينة و القرار في العين و نظرها: هي الموجبة لرفع حالة التحيّر و الاضطراب، بخلاف الاستقرار في البدن و سكونه: فانّه لا يدلّ على رفع التحيّر.

. فَرَجَعْنٰاكَ إِلىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهٰا وَ لٰا تَحْزَنَ- 20/ 40. ذٰلِكَ أَدْنىٰ أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَ لٰا يَحْزَنَّ- 33/ 51 فانّ الحزن يوجب حالة تحيّر و اضطراب في العين، و لا يرى فيها سكون و طمأنينة.

و القرّة فعلة كاللقمة: بمعنى ما تقرّبه العين-. وَ قٰالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَ لَكَ- 28/ 9. فَلٰا تَعْلَمُ نَفْسٌ مٰا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ- 32/ 17 يراد ما تقرّ العين به برفع التحيّر و الاضطراب عنه.

فظهر أنّ هذا المعنى إنّما يتحقّق بعد حالة الاضطراب و الانتظار و التحيّر، حتّى يصدق الاستقرار و التثبّت و الطمأنينة في العين.

و أمّا مفهوم البرودة: فهو مأخوذ من اللغة العبريّة كما نقلناه عن القاموس العبرىّ، مضافا الى ارتباط و تناسب بينه و بين الأصل، فانّ البرودة تلازم التجمّع و التمكّن و الاستقرار، فاليوم البارد يلازم السكون و يمنع عن الحركة و العمل في الخارج.

و أمّا القارورة: فهو فاعولة من صيغ المبالغة كالفاروق و الجاسوس، بمعنى ما يقرّ فيه، فيطلق على كلّ آنية يستقرّ فيه شي‌ء مبالغة، فكأنّ الظرف و المظروف‌

236

شي‌ء واحد، و هو قارّ مستقرّ.

. وَ يُطٰافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ أَكْوٰابٍ كٰانَتْ قَوٰارِيرَا- 76/ 15. قَوٰارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهٰا تَقْدِيراً- 76/ 16 تدلّ على أنّ القوارير أعمّ من أىّ نوع من الأوانى، و أعمّ من أن تكون من زجاج أو فضّة أو غيرها، و هي قارّة مستقرّة ثابتة ظرفا و مظروفا، و هي مقدّرة على أقدار معيّنة.

. قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ .... قٰالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوٰارِيرَ- 27/ 44 الصرح: البناء المتبيّن المرتفع. و التمريد: التجريد و التسوية و التطويل.

و في الصرح قوارير كثيرة كبيره، و يقال إنّه قد بنى في القصر مخازن للماء من الزجاج و القى فيها من حيوانات البحر، و هكذا في صحن الصرح أو بيت جلوس سليمان و محلّ سريره.

و لا يخفى أنّ القارورة من الزجاجة من أبين مصاديق الكلمة، فانّ الزجاجة تفنى في المحتوى القارّ و لا يشاهد الناظر إلّا ما فيها.

. وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لٰا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجٰاهِلِيَّةِ الْأُولىٰ- 33/ 33 من قرّ يقرّ كعلم يعلم، و الأصل اقررن، تحذف إحدى الرائين و يتحوّل فتحة الراء الى القاف و تسقط همزة الوصل، كما في ظللن.

يراد لزوم استقرارهنّ في بيوتهنّ و لا يخترن التظاهر و الإجلاء و الاستعلاء و جلب النفوس.

قرش

مصبا- قريش: هو النضر بن كنانة، و من لم يلده فليس بقرشىّ. و قيل قريش هو فهر بن مالك و من لم يلده فليس من قريش. و أصل القرش الجمع، و تقرّشوا إذا تجمّعوا، و بذلك سمّيت قريش، و قيل قريش دابّة تسكن البحر، و به سمّى‌

237

الرجل، و ينسب الى قريش بحذف الياء فيقال قرشىّ.

مقا- قرش: أصل صحيح يدلّ على الجمع و التجمّع، يقال تقرّشوا إذا تجمّعوا، و يقولون إنّ قريشا سمّيت بذلك. و المقرّشة: السنة المحل، لأنّ الناس يضمون مواشيهم. و يقال تقارشت الرماح في الحرب، إذا تداخل بعضها في بعض.

السيرة لابن هشام 1/ 1- محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطّلب بن هاشم بن قصىّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان بن أدد بن مقوّم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن بن قارح بن ناحور.

و يقول في ص 96- النضر: قريش، فمن كان من ولده فهو قرشىّ، و يقال: فهر بن مالك: قريش، فمن كان من ولده فهو قرشىّ، و من لم يكن من ولده فليس بقرشىّ، و إنّما سمّيت قريشا من التقرّش، و التقرّش التجارة و الاكتساب ... و يقال: انّما سمّيت قريشا لتجمّعها بعد تفرّقها، و يقال للتجمّع التقرّش.

المعارف 117- نسب رسول اللّه- كما في السيرة ... الى أدد، و في ص 63 يقول: نسب عدنان: اختلف الناس في نسب عدنان فقال بعضهم: هو عدنان بن أدد بن يحثوم بن مقوّم ... الخ.

نهاية الأرب 364- بنو قريش: قبيلة من كنانة غلب عليهم اسم أبيهم فقيل لهم قريش على ما ذهب اليه جمهور النسّابين، و هو الأصحّ. و ذهب آخرون.

الى أنّ قريشا هو فهر بن مالك بن النظر، فلا يقال إلّا لمن كان من ولده، بل قد قيل إنّ قريشا اسم لفهر، و إن فهر لقب عليه. و زعم المبرّد: أنّ هذه التسمية إنّما وقعت لقصىّ بن كلاب. ثمّ اختلف في سبب تسمية قريش فروى عن ابن عبّاس:

إنّ النظر كان في سفينة فطلعت عليهم دابّة من دواب البحر يقال لها قريش، فخافها أهل السفينة فرماها بسهم فقتلها. و قيل لغلبة قريش و قهرهم سائر القبائل.

238

و قيل: أخذا من التقريش و هو التجمّع، لاجتماعهم بعد تفرّقهم. و قيل لقرشهم عن حاجة المحتاج و سدّ خلّته. و قيل من التقاريش و هو التجارة و قد صار من قريش في زمن الإسلام عدّة قبائل.

و التحقيق

أنّ قبيلة قريش تنتسب الى جدّهم نضر بن كنانة، و هو الجدّ الثاني عشر من أجداد النبىّ الأكرم، و قد تجمّع و تظاهر و تشكّل جمعهم في زمان فهر بن مالك بن النضر، و هو الجدّ العاشر، ثمّ بعده حصل تفرّق القبائل فيما بينهم.

و رواية الترمذي- و اختار من بنى إسماعيل بنى كنانة، ثم اختار من بنى كنانة قريشا- يؤيّد ما ذكرناه.

و على أىّ حال فالقريش تنتسب الى نضر بن كنانة الجدّ الثاني عشر من رسول اللّه (ص)، و اختار منهم بنى هاشم.

. لِإِيلٰافِ قُرَيْشٍ إِيلٰافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتٰاءِ وَ الصَّيْفِ- 106/ 1 هذه الأمور الواردة لأصحاب الفيل و جعلهم كعصف مأكول: لإيلاف قريش أى لإيجاد تألف و التئام في أمورهم و لتحقّق أمن و فراغ في اجتماعهم حتّى يديموا رحلاتهم لتأمين معاشهم، و يعبدوا ربّ البيت الّذى جعلهم في أمن و عافية و رفع عنهم كيد أعدائهم.

و قريش بطوائفه المتنوّعة هم الّذين شكّلوا جمعيّة بلدة مكّة المشرّفة.

قرض

مصبا- قرضت الشي‌ء قرضا من باب ضرب قطعته بالمقراضين و المقراض أيضا، و الجمع مقراض، و لا يقال إذا جمعت بينهما مقراض، كما تقول العامّة. و قرض الفار الثوب قرضا: أكله. و قرضت المكان: عدلت عنه- تقرضهم‌

239

ذات الشمال. و قرضت الوادىّ: جزته. و قرض فلان: مات. و قرضت الشعر:

نظمته، فهو قريض، لأنّه اقتطاع من الكلام. و القرض: ما تعطيه غيرك من المال لتقضاه، و الجمع قروض، و هو اسم من أقرضته المال إقراضا. و استقرض: طلب القرض. و اقترض: أخذه. و قارضه من المال قراضا، و هو المضاربة.

مقا- قرض: أصل صحيح يدلّ على القطع. و القرض ما تعطيه الإنسان من مالك لتقضاه، و كأنّه شي‌ء قد قطعته من مالك، و القراض في التجارة، و كأنّ صاحب المال قد قطع من ماله طائفة و أعطاها مقارضه ليتّجر فيها. و يقال إنّ فلانا و فلانا يتقارضان الثناء، إذا أثنى كلّ واحد منهما على صاحبه.

لسا- قرضه يقرضه قرضا، و قرّضه: قطعه. و القراضة: ما سقط بالقرض، و منه قراضة الذهب، و ما يقرض الفأر، و كذلك قراضات الثوب الّتى يقطعها الخيّاط. و القرض و القرض: ما يتجازى به الناس بينهم و يتقاضونه. و من اقترض عرض مسلم، أى قطعه بالغيبة و الطعن عليه. و قرض رباطه: مات، و انقرض القوم:

درجوا و لم يبق منهم أحد. و القريض: الشعر. و قرض في سيره يقرض قرضا: عدل يمنة و سيرة- تقرضهم ذات الشمال- أى تخلّفهم شمالا و تجاوزهم و تقطعهم و تتركهم عن شمالها، و يقول الرجل لصاحبه هل مررت بمكان كذا؟ فيقول المسئول: قرضته ذات اليمين ليلا، و قرض المكان: عدل عنه و تنكّبه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو قطع على قطعة و إبانة قطعة قطعة. و من مصاديقه قرض الكلام بقطعة شعر. و قرش الذهب بإبانة أجزاء منه. و قرض الثوب في الخياطة و إسقاط الزوائد منه. و قرض الفأر من الشي‌ء. و إقراض مقدار معيّن من المال و إبانته لغيره، و قرش رباط الفؤاد بالموت. و قرض العرض.

و أمّا قرض المكان و القرض في السير: بمعنى قطع قطعة من المكان و المسير و السير بالعدول عنها، فيكون المعدول عنه كالقطعة المبانة.

240

. وَ تَرَى الشَّمْسَ إِذٰا طَلَعَتْ تَتَزٰاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذٰاتَ الْيَمِينِ وَ إِذٰا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذٰاتَ الشِّمٰالِ وَ هُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذٰلِكَ مِنْ آيٰاتِ اللّٰهِ- 18/ 17 هذا الكهف كان في جبال الروم القديم ظاهرا، في الجهة المشرفة الى الجنوب الغربىّ. و المراد من ذات اليمين و الشمال: جانب يمين الشمس المشرقة و شمالها، فان النظر الى اشراق الشمس الى الكهف، فيلاحظ جانب يمين الكهف و شماله بالنسبة الى من يواجه اليه من خطّ الإشراق.

فشعاع الشمس يتوجّه و يشرق الى جانب الكهف ذات يمينه الى أن تمضى من نصف النهار ساعات، ثمّ يعدل الى جانب ذات يساره الى الغروب.

و في وسط الإشراقين تقابل باب الكهف، و تشرق الى داخله، و يصل نورها الى الفجوة المتّسعة منه، و فيها أبدانهم، و بذلك يستفيدون من حرارة الشمس و نورها في زمان اعتداله.

و هذا لطف التعبير بكلمات- تزاور، تقرضهم، و هم في فجوة: فانّ النور يتماميل و ينحرف بارتفاع الشمس الى جهة اليمين، ثمّ بعد الزوال يصل الى ما يقابل الفجوة، ثم ينحرف عن أبدانهم (تفرضهم) الى جانب اليسار من الكهف، و هو جانب الغرب.

و التعبير بمادة القرض دون الميل و الانحراف: يدلّ على تحقّق الاشراق على الأبدان في الفجوة، حتّى يصدق قطعها في امتداد جريان الحركة.

. مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّٰهَ قَرْضاً حَسَناً*- 2/ 215. وَ أَقْرَضْتُمُ اللّٰهَ قَرْضاً حَسَناً- 5/ 12. وَ أَقْرِضُوا اللّٰهَ قَرْضاً حَسَناً- 73/ 20 يراد إبانة قطعة من ماله في سبيله و في الإنفاق له.

فالقرض يدلّ على قطع قطعة من المال و إبانتها عن جملة أمواله. و أمّا التمليك أو الاباحة أو الّذى يعطى له: فلا تدلّ عليها المادّة، و إنّما تفهم من القرائن الخارجيّة.

241

و أمّا الفرق بين القرض و الدين: فانّ القرض قطع قطعة و إبانتها و هذا يلاحظ من جانب المعطى المقرض. و أمّا الدين: و هو انقياد قبال برنامج و مقرّرات معيّنة: فيلاحظ من جانب المستقرض.

ففي الدين حالة خضوع و انقياد، دون الاستقراض. فانّ القرض و الإقراض عمل صالح يثاب صاحبه و يضاعف له:

. قَرْضاً حَسَناً يُضٰاعِفْهُ لَكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ- 64/ 17 و هذا لطف التعبير بالمادّة في المورد دون الدين.

قرطس

مصبا- القيراط: يقال أصله قرّاط، أبدل أحد المضعّفين ياء للتخفيف كما في دينار، و الجمع قراريط. قال بعض الحسّاب: القيراط في لغة اليونان حبّة خرنوب و هو نصف دانق، و الدرهم عندهم اثنتا عشرة حبّة، و الحسّاب يقسّمون الأشياء أربعة و عشرين قيراطا، لأنّه أوّل عدد له ثمن و ربع و نصف و ثلث صحيحات من غير كسر. و القرط: ما يعلّق في شحمة الأذن، و الجمع أقرطة و قرطة. و القرطاس: ما يكتب فيه، و كسر القاف أشهر من ضمّها. و القرطس وزان جعفر لغة فيه. و القرطاس: قطعة من أديم تنصب للنضال فإذا أصابه الرامي قيل قرطس قرطسة، و الفاعل مقرطس.

لسا- القرطاس: معروف يتّخذ من بردىّ يكون بمصر. و القرطاس ضرب من برود مصر. و القرطاس: أديم ينصب للنضال. و القرطاس و القرطاس و القرطس و القرطاس، كلّه: الصحيفة الثابتة يكتب فيها، و يقال للجارية البيضاء المديدة القامة: قرطاس.

فرهنگ تطبيقى- سرياني- قرطيسا: كاغذ، مدرك.

فرهنگ تطبيقى- يوناني- گرتيس: كاغذ، مدرك.

242

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في الكلمة: هو الصحيفة الرقيقة تصنع للكتابة و الكلمة مأخوذة من السريانيّة، و أصلها يونانىّ.

و يستعمل على وزان باب دحرج اشتقاقا انتزاعيّا، فيقال قرطس يقرطس قرطسة.

و هذا الوزن متأخّرا بالسين كثير في اللغة اليونانيّة- راجع- الياس.

و القرطاس يصنع من القطن و من أنواع من القصب و من بعض النباتات و الأشجار و من الحرير و من المنسوجات البالية و التبن، بعد تدقيقها و تطحينها و تخميرها، ثمّ تسويتها و بسطها و ترقيقها.

و يقال إنّ هذه الصنعة كانت معمولة بالصين، ثمّ شاعت في سائر الممالك، و بهذا اللحاظ قد اشتهر قرطاس خان بالق، و هو البلدة في شمال الصين يسمّى اليوم ببلدة- پكن- عاصمة الصين.

. وَ لَوْ نَزَّلْنٰا عَلَيْكَ كِتٰاباً فِي قِرْطٰاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ- 6/ 7. قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتٰابَ الَّذِي جٰاءَ بِهِ مُوسىٰ نُوراً وَ هُدىً لِلنّٰاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرٰاطِيسَ تُبْدُونَهٰا وَ تُخْفُونَ كَثِيراً- 6/ 91 أى تضبطونه في قراطيس متشتّة تخفون بعضا منها و تبدون بعض هذه القراطيس على ما تشتهونه.

و الآيات الكريمة تدلّ على أنّ القرطاس كان متداولا و معمولا به في الحجاز يومئذ، مصريّا أو صينيّا أو غيرهما، و إن كانت الكتابة على الجلود و العظام و الأحجار أيضا متداولة.

قرع

مصبا- قرع: المأكول، بسكون الراء و فتحها لغتان، و السكون هو‌

243

المشهور. و في الكتب و هو الدباء، و يقال ليس القرع بعربىّ. قال ابن دريد: و أحسبه مشبها بالرأس الأقرع، و القرع بفتحتين: الصلع، و هو مصدر قرع الرأس من باب تعب: إذا لم يبق عليه شعر، و اسم ذلك الموضع القرعة بالتحريك، و هو عيب بحدث عن فساد في العضو. و قرع المنزل قرعا من باب تعب أيضا: إذا خلا من النعم. و قرع الفحل الناقة من باب نفع، و منه: قرع السهم القرطاس: إذا أصابه. و القرع: الخطر. و قرعت الباب قرعا بمعنى طرقته. و قرعته بالمقرعة:

ضربته بها. و أقرعت بينهم إقراعا: هيّأتهم للقرعة على شي‌ء.

مقا- قرع: معظم الباب ضرب الشي‌ء، قرعت الشي‌ء: ضربته، و مقارعة الأبطال: قرع بعضهم بعضا. و الإقراع و المقارعة: هي المساهمة، لأنّها شي‌ء كأنّه يضرب. و قارعت فلانا فقرعته، و أى أصابتنى القرعة دونه. و القارعة: الشديدة من شدائد الدهر، لأنّها تقرع الناس. و القارعة: القيامة، لأنّها تضرب و تصيب الناس بإقراعها. و رجل قرع: إذا كان يقبل مشورة المشير، و معنى ذلك انّه قرع بكلام في ذلك فقبله، فان كان لا يقبلها قيل: فلان لا يقرع. و القريع: السيّد، لأنّه يعوّل عليه في الأمور فكأنّه يقرع بكثرة ما يسأل و يستعان به فيه. و أقرع فلان فلانا: أعطاه خير ماله، و خيار المال قرعته، يعوّل عليه في النوائب.

الاشتقاق 239- و لقّب الأقرع: لقرع كان في رأسه. و القرع انحسار الشعر. و القرعاء: أرض معروفة بنجد، و كلّ أرض لا نبت فيها. و المقرعة: معروفة، يقال قرعه بالعصا. و قرع فلان فلانا بكذا: إذا وبّخه به.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ضرب شي‌ء على شي‌ء بشدة حتّى يؤثّر فيه، و يعبّر عنه بالفارسيّة بقولهم- كوبيدن.

و هذا المعنى مرتبته الضعيفة: الضرب و هو طرق على برنامج مقصود.

ثمّ القرع: و هو ضرب بشدّة.

244

ثمّ الطرق: و هو ضرب و تثبيت على حالة و كيفيّة مخصوصة.

ثمّ الكسر: و فيه يحصل انكسار.

ثمّ التخريب: و فيه مطلق إخلال عمران بأىّ صورة كانت.

ثمّ الحطم: و هو كسر الهيئة و إزالة النظم و إفناء الحالة المتوقّعة.

ثمّ الهدم: و هو مطلق إسقاط، و هو آكد من التخريب و الحطم.

ثمّ الدكّ: و هو قرع يزيل صورة وجوده و تشخّصه و يجعلها مستويا، اضرب بعصاك الحجر، القارعة ما القارعة، و السماء و الطارق و هذه المفاهيم كما في- و كسر العود فانكسر، و سعى في خرابها، لا يحطمنّكم سليمان، لهدّمت صوامع و بيع، فدكّتا دكّة واحدة.

و القارعة أعمّ من أن تكون مادّيّة أو معنويّة، و من مصاديقها: الأرض المقروعة من تضيّق من ماء أو هواء. و الرأس الأقرع بأىّ علّة كانت ظاهريّة أو باطنيّة. و القرع بالتوبيخ و الذمّ حتّى يذهب بهاؤه. و قرع الفحل حتّى يجعل الناقة مقهورة تحت اشتهائه. و قرع الباب و ضربه بشدّة و حدّة. و القارعة الّتى تقرع بشدّة نزولها. و القريع الّذى يقرع من كثرة مزاحمة الناس و مسائلتهم.

و أمّا مفهوم المأكول و الدباء: فهو مأخوذ من اللغة السريانيّة، كما في- فرهنگ تطبيقى. و أصل المادّة أيضا موجود في العبريّة، كما في القاموس العبرىّ- قع.

و أمّا القرعة و المقارعة: فانّ بالقرعة يقرع كلّ تمايل و اشتهاء و توقّع و انتظار و إختلاف، و هو كالحكم القاطع النافذ.

. الْقٰارِعَةُ مَا الْقٰارِعَةُ وَ مٰا أَدْرٰاكَ مَا الْقٰارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النّٰاسُ كَالْفَرٰاشِ الْمَبْثُوثِ وَ تَكُونُ الْجِبٰالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ- 101 هذا أثر تأثير القارعة فتقرع الناس و يكونوا كالفراش المبثوث، و تكون الجبال كالعهن المنفوش، من شدّة الأفزاع و الأهوال المواجهة.

. كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَ عٰادٌ بِالْقٰارِعَةِ فَأَمّٰا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّٰاغِيَةِ وَ أَمّٰا عٰادٌ فَأُهْلِكُوا

245

بِرِيحٍ .... فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهٰا صَرْعىٰ- 69/ 4 قلنا إنّ القارعة أعمّ من أن تكون ماديّة و في الحياة الدنيا، أو معنويّة.

و الإنسان إذا اغترّ و حجب بالدنيا و لذائذها يرى نفسه حاكما قادرا باقيا نافذا، لا يرى عروض قارعة في امتداد حياته الدنيا، و لا في حياته الآخرة، و هذا معنى التكذيب بالقارعة، أى باليد الغيبيّة النافذة فوق محيط حياته المادّيّة الحيوانيّة.

. وَ لٰا يَزٰالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمٰا صَنَعُوا قٰارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دٰارِهِمْ حَتّٰى يَأْتِيَ وَعْدُ اللّٰهِ- 13/ 31 يراد إصابة قارعة في امتداد حياتهم الدنيويّة.

و الآية الكريمة تدلّ على أنّ الكفّار تصيبهم عقوبات لا محالة بما عملوا في الدنيا، قبل مجازاتهم في الآخرة.

و لا يخفى أنّ القارعة لا تصيب إلّا في قوم استكبروا و تظاهروا بعظمة كالجبل أو تشخّص كثمود و عاد، حتّى تقرعهم.

قرف

مصبا- قرفت الشي‌ء قرفا من باب ضرب: قشرته، و قارفته مقارفة و قرافا من باب قاتل: قاربته. و قارفت المرأة و اقترفتها: كناية عن الجماع. و اقتراف الذنب: فعله. و قرف لأهله: اكتسب، و اقترف اقترافا أيضا.

مقا- قرف: أصل صحيح يدلّ على مخالطة الشي‌ء و الالتباس به و ادّراعه، و أصل ذلك القرف، و هو كلّ قشر، و من الباب القرف: شي‌ء يعمل من جلود يعمل فيه الخلع، و الخلع أن يؤخذ اللحم فيطبخ و يجعل فيه توابل ثمّ يفرّغ في هذا الخلع. و من الباب اقترفت الشي‌ء: اكتسبته، و كأنّه لابسه و ادّرعه. و كذلك قولهم: فلان يقرف بكذا، أى يرمى به. و يقال للّذى يتّهم بالأمر: القرفة. يقول‌

246

الرجل إذا ضاع له شي‌ء: فلان قرفتى، أى الّذى أتّهمه، كأنّه قد ألبسه الظنّة. و قارف فلان الخطيئة: خالطها.

التهذيب 9/ 102- القرف مصدر قرفت القرحة أقرفها قرفا: إذا نكأتها.

أبو عبيد: يقال للجرح إذا تقشّر قد تقرّف، و اسم الجلدة القرفة. ابن السكّيت: قرفت الرجل بالذنب: إذا رميته به. و الأصمعى: قرف عليه: إذا بغى عليه. و قرف فلان فلانا: إذا وقع فيه. و أصل القرف: القشر، و القرف: القشر، و قرف كلّ شجرة قشرها، و القروف و الظروف بمعنى واحد. و يقال: اقترف أى اكتسب، و ما أقرفت يدي شيئا ممّا تكره أى ما دانت و ما قاربت. و قرف فلان فلانا: إذا اتّهمه بسرقة أو غيرها. و فلان يقرف بسوء، أى يرقى به. و اقترف ذنبا: أتاه و فعله. و القراف: الجماع و الخلاط.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو القرب و الإحاطة. و من مصاديقه:

التقشّر. و إحاطة الذنب. و الخلاط باحاطة عليها. و إحاطة الأموال و تقريبها. و إحاطة التهمة و الظنّة. و الظرف المحيط. و إحاطة البغي. و هكذا.

و أمّا مفاهيم- الاكتساب، و المقاربة، و الرمي بشي‌ء، و المخالطة، و البغي، و الوقوع: فلا بدّ من لحاظ القيدين: القرب و الاحاطة.

و الفرق بينها و بين الابتغاء و الاقتناء و الاكتساب و الاقتناص:

أنّ الاقتراف: يلاحظ فيه جهة القرب و الاحاطة.

و الابتغاء: يلاحظ فيه جهة الطلب الشديد.

و الاقتناء: يلاحظ فيه جهة الجمع و الجلب.

و الاكتساب: يلاحظ فيه جهة الطلب و الأخذ.

و الاقتناص: يلاحظ فيه جهة الاصطياد.

. وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهٰا حُسْناً- 42/ 23‌

247

أى من اختار قرب الحسنة و إحاطتها.

. إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمٰا كٰانُوا يَقْتَرِفُونَ- 6/ 120. وَ لِتَصْغىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَ لِيَرْضَوْهُ وَ لِيَقْتَرِفُوا مٰا هُمْ مُقْتَرِفُونَ- 6/ 113. وَ أَمْوٰالٌ اقْتَرَفْتُمُوهٰا وَ تِجٰارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسٰادَهٰا- 9/ 24 أى يختارون القرب و الاحاطة بما كسبوا، فالاقتراف إنّما يحصل بعد الاكتساب، و هو في مرتبة متأخّرة و كاملة من الاكتساب.

و قوله تعالى- و لتصغى: عطف على غرورا (يوحى بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا) اى لغرورهم و حصول حالة الغفلة فيهم بتأثير امور خارجيّة، و لأنّ تميل افئدة الّذين لا يؤمنون، بعدهم في الأزمنة الآتية، الى هذه الزخارف من قولهم، و ليرضوها و يقترفوا ما هم مقترفون، أى يختاروا باختيارهم قرب ما يشاءون و الاحاطة به.

و هذا المعنى يوجب تثبّت أهل الحقّ و انكشاف الحقائق برفع الشكوك و الوساوس و الاعتراضات السخيفة، و هذا أمر طبيعىّ في كلّ موضوع علمىّ و مبحث دقيق نظرىّ:

. لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ إِنَّ اللّٰهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ- 8/ 42 و التعبير في الآيتين و في قوله تعالى- و أموال اقترفتموها، بالمادّة دون غيرها: إشارة الى التعلّق الشديد و الاكتساب التامّ بحيث يتعلّق قلبه بالأموال محيطا بها.

و التعبير بصيغة الافتعال: يدلّ على المطاوعة و الاختيار، أىّ إنّهم يختارون القرف بالطوع و الرغبة.

248

قرن

مصبا- قرن بين الحجّ و العمرة من باب قتل: و في لغة من باب ضرب:

جمع بينهما في الإحرام، و الاسم القران، كأنّه مأخوذ من قرن الشخص للسائل إذا جمع له بعيرين في قرآن، و هو الحبل، و القرن بفتحتين لغة. و قرن الشاة و البقرة، جمعه قرون. و القرن أيضا: الجيل من الناس، قيل ثمانون سنة، و قيل سبعون، و قال الزجّاج: إنّ القرن أهل كلّ مدّة كان فيها نبىّ أو طبقة من أهل العلم، سواء قلّت السنون أو كثرت. و القرن مثل فلس: العفلة، و هو لحم ينبت في الفرج كالغدّة الغليظة، و قد يكون عظما. و قرن أيضا: ميقات أهل نجد.

مقا- قرن: أصلان صحيحان: يدلّ أحدهما على جمع شي‌ء الى شي‌ء. و الآخر- شي‌ء ينشأ بقوّة و شدّة. فالأوّل- قارنت بين الشيئين، و القران: الحبل يقرن به شيئان. و القرن في الحاجبين: إذا التقيا. و القرن: قرنك في الشجاعة. و القرن: مثلك في السنّ. و القران: أن تقرن بين تمرتين تأكلهما. و فلان مقرن لكذا، أى مطبق له، لأنّ معناه أنّه يجوز أن يكون قرنا له. و القرينة: نفس الإنسان، كأنّهما قد تقارنا. و قرينة الرجل: امرأته. و الأصل الآخر- القرن للشاة و غيرها، و هو ناتئ قوىّ، و به يسمّى على معنى التشبيه الذوائب قرونا. و ممّا شذّ عن هذين البابين القرن: الامّة من الناس.

التهذيب 9/ 87- ابن السكّيت: القرن: الجبيل الصغير، و القرن: قرن الشاة و البقر و غيرهما. و القرن من الناس. و انّما اشتقاق القرن من الاقتران، فتأويله أنّ القرن الّذين كانوا مقترنين في ذلك الوقت و الّذين يأتون من بعدهم ذوو اقتران آخر. و القرن: الخصلة من الشعر. و القرناء من النساء: الّتى في فرجها مانع، و هو القرن. و قارون: كان رجلا من قوم موسى فبغى على قومه. و القيروان: معرّب كاروان.

مقر- الاقتران كالازدواج في كونه اجتماع شيئين أو أشياء في معنى من‌

249

المعاني. و قرّنته على التكثير. و فلان قرن فلان في الولادة و قرينه و قرنه في الجلادة، و جمعه قرناء. و القرن: القوم المقترنون في زمن واحد، و جمعه قرون.

قع، و فرهنگ تطبيقى- قرن، عبريّا: بمعنى قرن الشاة و البقر.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو وقوع شي‌ء جنب شي‌ء آخر مع استقلال كلّ منهما في نفسه. و بهذا المعنى تفترق عن موادّ الجمع و القرب و الزواج: فانّ الأوّلين عامّان يشملان على أىّ مرتبة من الجمع و القرب. و الزواج يدلّ على التيام و تمايل و انعطاف و ركون بينهما.

و من مصاديقه: التقارن بين الحجّ و العمرة. و بين البعيرين. و بين قرني الشاة و البقر. و بين الجيلين في الزمانين المعيّنين. و بين الذوابتين في المرأة. و في الحاجبين. و بين العفلة و المدخل. و بين الرجلين الشجاعين. و هكذا القرين من جهة السنّ أو في الزواج او غيرهما.

. وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطٰاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ .... قٰالَ يٰا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ- 43/ 37. وَ مَنْ يَكُنِ الشَّيْطٰانُ لَهُ قَرِيناً فَسٰاءَ قَرِيناً- 4/ 37. وَ قٰالَ قَرِينُهُ هٰذٰا مٰا لَدَيَّ عَتِيدٌ .... قٰالَ قَرِينُهُ رَبَّنٰا مٰا أَطْغَيْتُهُ وَ لٰكِنْ كٰانَ فِي ضَلٰالٍ بَعِيدٍ- 5/ 24 القرين من يكون في جنب شخص من دون أن يكون علّة في ضلال أو اهتداء، فانّ لكلّ منهما استقلالا و اختيارا تامّا.

نعم للقرين أثر طبيعىّ فيمن يقارنه و يصاحبه، كما هو محرز في الرفيق المصاحب خيرا أو شرّا، إلّا أنّ اختيار القرين و الرفيق إنّما هو بمقتضى حسن النيّة أو سوئها، فهو مختار فيه حدوثا و بقاء.

و سبق أنّ الشيطان هو المائل الى العوج و الالتواء و المنحرف عن الحقّ،

250

سواء كان في حيوان أو إنسان أو جنّ، و يقابله الرحمن، فانّ الرحمن من يتجلّى فيه الرأفة و الشفقّة و لا يظهر منه إلّا خير و صلاح.

و كما أنّ للقرين أثر طبيعىّ، كذلك وجود القرين و انتخابه أيضا أمر طبيعىّ بحسب اقتضاء الحالات و الصفات و الأعمال، فانّ كلّ فرد يميل الى ما يقتضيه حاله و يناسبه مقامه و يوافقه عمله، فهو شيطان في مورد الانحراف و العوج.

و رحمن في مورد الرحمة.

. وَ كَمْ أَهْلَكْنٰا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً- 50/ 36. وَ لَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمّٰا ظَلَمُوا- 10/ 13. وَ كَمْ أَهْلَكْنٰا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ- 17/ 17 يراد جمعيّات متطاولة في جنب جمعيّات آخرين في طولهم أو في عرضهم، كالجمعيّة من عاد، و في جنبهم قوم ثمود.

و أمّا اطلاق القرن على الزمان الممتدّ بامتداد قوم أو جمعيّة خاصّة فهو معنى مجازىّ، كاطلاقه على الحبل المشدود فيه حيوانان.

نعم إذا لوحظ زمان ممتدّ مخصوص في جنب زمان ممتدّ آخر: فيكون من مصاديق مفهوم الأصل.

و أمّا ذو القرنين: فيطلق على اعتبارات، بلحاظ كون الرجل صاحب زمانين ممتدّين، أو ملك طائفتين مختلفتين كالعرب و العجم، او ملكا في مكانين مقابلتين كالشرق و الغرب.

و قد اطلق هذا للقلب على رجال من السلاطين:

1- الإسكندر بن فيليپ، ملك بعد أبيه بالمقدونيّة من يونان، سنة 323- قبل الميلاد، و فتح سوريّة و مصر و ايران و هند.

2- ذو القرنين الصعب بن الحارث من ملوك التابعة باليمن، أو غيره من التابعة- قبل الميلاد، و هم من العرب العاربة.

3- كورش من الهخامنشيّين بايران، المتوفّى سنة 529- قبل الميلاد.

251

و يقال في تعيينه ما يقرب من خمسة عشر احتمالا.

و أمّا ما صرّح القرآن الكريم في توصيفه: فأوّلا- إنّه بلغ مغرب الشمس، و هو أواخر أراضى افريقيا و اوروبا غربا. و ثانيا- إنّه بلغ مشرق الشمس. و ثالثا- إنه بلغ جهة الشمال من الصين و جعل فيها سدّا. و رابعا- إنّه كان مؤيّدا من جانب اللّٰه و متوجّها اليه.

و هذه الأوصاف الأربعة: يشكل تطبيقها على فرد في الأزمنة القديمة الّتى لا يحقّقها التاريخ، و ليس لنا سند قاطع يطمئنّ به فيها.

فالبحث فيه لا ينتج فائدة يقينيّة مفيدة.

و يستفاد من الآيات الكريمة: أنّ ذا القرنين كان من أهالى الممالك المتوسّطة بين الشرق و الغرب، حتّى يصدق:

. فَأَتْبَعَ سَبَباً حَتّٰى إِذٰا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ .... مَطْلِعَ الشَّمْسِ.

و هذا كاليمن و ايران و اليونان و ما يقارنها، راجع- 18/ 84 و الظاهر أنّ المراد من مفهوم القرنين: جمعيّة الشرق و الغرب، بقرينة البلوغ الى المغرب و المشرق، و لا يصحّ التفسير بقرني الرأس، فانّه بعيد عن ميزان الطبيعة و الضوابط الحقّة. و لا بالزمانين من جهة السنّ، فانّ هذا المعنى يصدق على كثيرين و لا سيّما في الأزمنة القديمة.

و أمّا قارون: فهو من أقارب موسى ع، و يقال إنّه كان ابن عمّ له، و هو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب، و كان وزيرا لفرعون يعاونه في أعماله و مظالمه، و كان له من الأموال كنوز يثقل حمل مفاتيحها على الرجال الشداد.

. إِنَّ قٰارُونَ كٰانَ مِنْ قَوْمِ مُوسىٰ فَبَغىٰ عَلَيْهِمْ وَ آتَيْنٰاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مٰا إِنَّ مَفٰاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ- 28/ 76. وَ لَقَدْ أَرْسَلْنٰا مُوسىٰ بِآيٰاتِنٰا وَ سُلْطٰانٍ مُبِينٍ إِلىٰ فِرْعَوْنَ وَ هٰامٰانَ وَ قٰارُونَ فَقٰالُوا سٰاحِرٌ كَذّٰابٌ- 40/ 24 و يمكن أن يكون وجه التسمية باعتبار كونه قرين فرعون.

252

قرى

مصبا- قريت الضيف أقريه من باب رمى قرى، و الاسم القراء. و القرية: هي الضيعة، و الجمع قرى، على غير قياس، لأنّ فعلة من المعتلّ يجمع على فعال كظبية و ظباء، و النسبة اليها قروىّ على غير قياس.

مقا- قرى: أصل صحيح يدلّ على جمع و اجتماع، من ذلك القرية لاجتماع الناس فيها، و يقال قريت الماء في المقراة: جمعته، و ذلك الماء المجموع قرىّ، و جمع القرية قرى جاءت على كسوة و كسى. و المقراة: الجفنة لاجتماع الضيف عليها، أو لما جمع فيها من طعام. و القرو: حوض معروف ممدود عند الحوض العظيم ترده الإبل. و من الباب القرو: و هو كلّ شي‌ء على طريقة واحدة.

التهذيب 9/ 267- قرا: من ذوات الياء و الواو. قال الليث: القرو مصدر قولك- قروت اليهم أقرو قروا، و هو القصد نحو الشي‌ء، و القرو: القدح. و قروت الأرض، إذا تتبّعت ناسا بعد ناس، فأنا أقروها قروا. و فلان يقترى فلانا بقوله و يقترى سبيلا و يقروه، أى يتّبعه. و الإنسان يقترى أرضا و يستقريها و يقروها: إذا سار فيها ينظر حالها و أمرها.

مفر- القرية اسم للموضع الذي يجتمع فيه الناس و للناس جميعا، و يستعمل في كلّ واحد منهما.

و التحقيق

أنّ المادّة إمّا بالواو أو بالهمزة أو بالياء:

فالواوىّ: يدلّ على قصد مع إقدام و عمل، يقال قروت اليه بالرمح، و استقرى و اقترى الأمر: تتبّعه.

253

و بالهمزة: سبق إنّها تفهّم و ضبط معان مكتوبة بالبصر أو بالبصيرة.

و اليائىّ: يدلّ على جمع مع تشكّل و انتظام. يقال قرى الضيف إذا أداره و تكفّل أموره، و القرى: جمع افراد أو عمارات مع إيجاد تشكّل و انتظام. و القرية: تطلق على تلك الجمعيّة أو أرض عامرّة.

و هذا المعنى بمقتضى الياء الدالّ على تثبّت و انخفاض. فالقرى مرتبته بعد مفهوم القرو. كما أنّ القرء مفهومه قبل القرو.

و قد اختلطت معاني هذه الموادّ في كتب اللغة و التفسير، و قد تشتبه الموادّ في بعض الصيغ، و لا بدّ من التشخيص بالقرائن.

فالاستقراء من المهموز: يدلّ على طلب التفهّم و الضبط. و بالواو: يدلّ على طلب القصد في إقدام. و بالياء: يدلّ على طلب جمع و تنظيم. مع أنّ اللغويّين يذكرون الكلمة في ذيل كلّ من الموادّ الثلث، و يفسّرونها بالتتبّع، و المناسب هو اليائىّ.

و أيضا يذكرون مفهوم الجمع في ذيل كلّ منها، مع أنّ الجمع و التجمّع من معاني اليائىّ.

و أمّا القرية: فعلى وزان فعلة للمرّة، بمعنى هيئة واحدة من التجمّع، أى مجتمعة واحدة متشكّلة، و قد استعملت في القرآن الكريم في مورد الأبنية و العمارات، و في مورد الأفراد و الجماعات، و في موردهما معا:

فالأوّل- كما في:

. وَ إِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهٰا حَيْثُ شِئْتُمْ- 2/ 58. أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلىٰ قَرْيَةٍ وَ هِيَ خٰاوِيَةٌ عَلىٰ عُرُوشِهٰا- 2/ 259. إِنّٰا مُهْلِكُوا أَهْلِ هٰذِهِ الْقَرْيَةِ- 29/ 31 و الثاني- كما في:

. وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنٰاهٰا فَجٰاءَهٰا بَأْسُنٰا بَيٰاتاً أَوْ هُمْ قٰائِلُونَ- 7/ 4. وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهٰا وَ هِيَ ظٰالِمَةٌ- 22/ 48‌

254

و الثالث- كما في:

. وَ لَقَدْ أَهْلَكْنٰا مٰا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرىٰ وَ صَرَّفْنَا الْآيٰاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ- 46/ 27. وَ مٰا كٰانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرىٰ حَتّٰى يَبْعَثَ فِي أُمِّهٰا رَسُولًا- 28/ 59 و الفرق بين البلد و القرية و المدينة: أنّ البلد كما سبق: هو القطعة المحدودة من الأرض عامرة أو غير عامرة مطلقا.

و القرية: يلاحظ فيها التجمّع سوا كان في عمارة أو في أفراد من الناس، و بينهما عموم و خصوص من وجه.

و المدينة: يلاحظ فيها مفهوم الاقامة و النظم و التدبير.

و على هذا يطلق الإهلاك و الأخذ و الإنذار و إرسال النبىّ (ص) في قبال القرية الدالّة على تجمّع من أفراد الناس أو من العمارات، و لا يناسب تقابل هذه المعاني بالبلد، فلا يقال: أرسلنا الرسول الى البلد، أو أهلكنا البلد. و هكذا لا تناسب هذه المعاني بالمدينة من حيث إنّها مدينة و فيها نظم و تدبير.

. سُقْنٰاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ .... وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنٰاهٰا.

. وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحٰابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جٰاءَهَا الْمُرْسَلُونَ .... وَ جٰاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعىٰ قٰالَ يٰا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ- 36/ 20 فينسب إرسال المرسلين الى القرية و أصحابها، ثمّ يعبّر عنها في الاية و في مقام مجي‌ء الرجل المؤمن لتأييد الرسل: بالمدينة.

فإطلاق القرية في مورد يلاحظ فيه مطلق التجمّع من دون نظر الى نظم أو تدبير، و لا يلاحظ فيها أيضا كون المحلّ محدودا أو متّسعا، كما هو المتفاهم في عرف الناس، فيطلقون القرية على بليدة صغيرة محدودة، مع أنّ القرية قد أطلقت في القرآن الكريم على مدينة متّسعة كبيرة إذا خلت عن النظم الصحيح و المدنيّة.

. وَ مٰا أَرْسَلْنٰا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلّٰا قٰالَ مُتْرَفُوهٰا- 34/ 34‌

255

قسور

مقا- قسر: يدلّ على قهر و غلبة بشدّة: من ذلك القسر: الغلبة و القهر، يقال قسرته قسرا و اقتسرته اقتسارا، و بعير قيسرىّ: صلب. و القسورة: الأسد، لقوّته و غلبته.

لسا- القسر: القهر على الكره. قسره يقسره و اقتسره: غلبه و قهره، و قسره على الأمر قسرا: أكرهه عليه. و القسورة العزيز يقتسر غيره، أى يقهره، و الجمع قساور. و القسور: الرامي، و قيل الصائد. ابن الأعرابىّ: القسورة: الرماة، و القسورة: الأسد، و القسورة: الشجاع. و القسورة: أوّل الليل. و القسورة: ضرب من الشجر. الفرّاء- في قوله تعالى- فرّت من قسورة: الرماة. و كان ابن عبّاس يقول:

القسورة نكر الناس، يريد حسّهم و أصواتهم. و قيل: كلّ شديد. و القياسر: الإبل العظام.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو جعل شي‌ء مقهورا حتّى يكون في جريان عمله محدودا بإظهار القدرة و النفوذ فيه.

و من مصاديقه: الرامي المصيب. و الصائد العامل. و الرجل القوىّ الشجاع. و الإبل القوىّ الجسيم.

و الأسد من أتمّ مصاديق اللفظ، لكونه غالبا قاهرا مسلّطا على جميع الحيوانات، و على هذا ينصرف اللفظ اليه.

يقال قسره أى قهره بحيث جعله محدودا في عمله. و اقتسره أى اختار أن يقسره.

و القسورة كالجهورة من الجهر بمعنى جهير الصوت، و هو فعولة، زيد الواو ليدلّ على مبالغة في الفعل.

256

. مٰا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ .... فَمٰا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ- 74/ 50 الحمر و الحمير جمعا حمار، و هو مشهور بالبلادة و الجهل و عدم التدبير و الدفاع، فينفر و يفرّ في مورد الخوف و الوحشة من دون فكر و تدبير.

فالرجل الجاهل الأحمق الّذى لا يتدبّر في عواقب أموره و لا يتفكّر في مصالح نفسه و سعادته و كماله: يحسب كلّ نداء و دعوة و تذكرة له، هو على ضرره، فيتوحّش منه و يفرّ و ينفر عنه، كفراره من الأسد.

فظهر أنّ التعبير بالقسورة: إشارة الى كونه غالبا قاهرا مسلّطا، و هذا المعنى يدركه الحمار بفطرته و وجدانه. و لا يصحّ التفسير بالرامي أو الصائد أو الرجل الشجاع أو غيرها: فانّها لا يدركها الحمار.

قسّ

مصبا- القسّيس بالكسر: عالم النصارى و يجمع بالواو و النون تغليبا لجانب الاسميّة، و القسّ لغة فيه، و جمعه قسوس كفلوس.

مقا- قسّ: معظم بابه تتبّع الشي‌ء. القسّ: تتبّع الشي‌ء و طلبه. و قولهم إنّ القسّ النميمة، هو من هذا، لأنّه يتتبّع الكلام ثمّ ينمّه. قسّ يقسّ و تقسّست أصوات القوم بالليل إذا تتبّعتها. و قسست القوم: آذيتهم بالكلام.

فرهنگ تطبيقى- آرامى- قسّا، قسّيسا كشيش.

فرهنگ تطبيقى- سرياني- قسّيسا كشيش.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو التتبّع و التحقيق عن شي‌ء بأىّ نيّة كان خيرا أو شرّا.

257

و أمّا كلمة القسّيس و القسّ: فمأخوذة من الآرامىّ و السريانىّ، فانّ كتب الأناجيل قد دوّنت باللسان اليونانىّ، ثمّ ترجمت الى الآرامىّ و السريانىّ، ثمّ الى العبرىّ و غيره.

و هذا بخلاف كتب التوراة فانّها قد دوّنت بالعبريّة.

فأكثر الاصطلاحات في العهد الجديد: مأخوذ من اليونانيّة أو الآراميّة أو السريانيّة، و هي من اللغات الساميّة المتقاربة لغة و تلفّظا و حملا، و كان لسان أهالى السوريّة و الفلسطين بها.

فكلمة القسّيسا في لسان السريانيّين و الآراميّين من المسيحيّين في القرون الاولى: كانت مستعملة بمعنى العالم الروحانىّ، و تؤخذ عنها كلمة القسّيس بالعربيّة، و كلمة كشيش بالفارسيّة.

و لا يخفى التناسب بين مفهوم الكلمة و الأصل الواحد في المادّة، فانّ العالم من شأنه التحقيق و التتبّع.

. ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَ رُهْبٰاناً وَ أَنَّهُمْ لٰا يَسْتَكْبِرُونَ- 5/ 82 الرّهبة: خوف مستمرّ مستديم، و الرهبان جمع راهب، و من آثار الرهبة:

العبادة و الدقّة و التوجّه و العمل الصالح.

و القسّيس: هو العالم المحقّق في مسائل الدين و المعرفة.

و تقديم القسّيس و جمعه جمع الصحّة: يدلّ على رفعة مقام العلم و المعرفة على الخوف و العبادة. و يشتركان في حصول حالة الخضوع و الخشوع و عدم الاستكبار.

قسط

مصبا- قسط قسطا من باب ضرب و قسوطا جار، و عدل أيضا، فهو من الأضداد. و أقسط: عدل، و الاسم القسط. و القسط: النصيب، و الجمع أقساط. و‌

258

قسّط الخراج تقسيطا: إذا جعله أجزاء معلومة. و القسط: بخور معروف. و القسطاس: الميزان، قيل عربىّ مأخوذ من القسط، و هو العدل و قيل رومىّ معرّب، بضمّ القاف و كسرها.

مقا- قسط: أصل صحيح يدلّ على معنيين متضادين، و البناء واحد.

فالقسط: العدل، و يقال منه أقسط يقسط. و القسط: الجور. و القسوط: العدول عن الحقّ، يقال قسط إذا جار، يقسط قسطا. و القسط: اعوجاج في الرجلين. و من الباب الأوّل- القسط: النصيب، و تقسّطنا الشي‌ء بيننا.

لسا- قسط: في أسماء اللّٰه تعالى الحسنى: المقسط، و هو العادل. و في الحديث- إنّ اللّٰه لا ينام و لا ينبغي له أن ينام يخفض القسط و يرفعه. و هو تمثيل لما يقدّره اللّٰه و ينزله. و القسط: الحصّة و النصيب، يقال أخذ كلّ واحد من الشركاء قسطه. و تقسّطوا الشي‌ء بينهم: تقسّموه على العدل و السواء. و هو من المصادر الموصوف بها كعدل، يقال ميزان قسط، و ميزانان قسط، و موازين قسط. فقد جاء قسط في معنى عدل، ففي العدل لغتان: قسط و أقسط. و في الجور لغة واحدة قسط. و في حديث علىّ (رض): أمرت بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين- و القاسطون أهل صفّين لأنّهم جاروا و بغوا. و قسّط النفقة على عياله تقسيطا قتّرها.

و قسّط الشي‌ء: فرّقه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو إيصال شي‌ء الى مورده و إيفاء الحقّ الى محلّه. و هذا المعنى إنّما يتحقّق في مقام إجراء العدل و إعماله في الخارج.

و من مصاديقه: إيصال النفقة و تفريقها على العيال. و تقسيم الحصص. و تقسيم المال بين الشركاء. و تجزئة الخراج:

و هذه الموارد إذا كانت عدلا و حقّا يعبّر عنها بالعدل. و إلّا: فيعبّر عنها بالجور و الانحراف عن الحقّ و العدول عنه.