التحقيق في كلمات القرآن الكريم - ج9

- حسن المصطفوي المزيد...
351 /
309

و القلّ: القلّة، و ذلك كالذلّ و الذلّة. و في الحديث- إن كثر فانّه الى قلّ. و يقال استقلّ القوم إذا مضوا لمسيرهم، و ذلك من الإقلال أيضا، كأنّهم استخفّوا السير و استقلّوه. و أمّا الأصل الآخر- فيقال: تقلقل الرجل و غيره: إذا لم يثبت في مكان، و تقلقل المسمار: قلق في موضعه.

مصبا- قلّ: و يتعدّى بالهمزة و التضعيف، فيقال أقللته و قلّلته فقلّ، و قد يعبّر بالقلّة عن العدم، فيقال قليل الخير، أى لا يكاد يفعله. و القلّة: إناء كالجرّة الكبيرة شبه الحبّ، كأنّها سمّيت قلّة لأنّ الرجل القوىّ يقلّها، أى يحملها. و أقللته عن الأرض: رفعته.

مفر- قلّ: القلّة و الكثرة يستعملان في الأعداد، كما أنّ العظم و الصغر يستعملان في الأجسام، ثمّ يستعار كلّ واحد منها للآخر.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يقابل الكثير في مادّىّ أو معنوىّ، عددا أو مقدارا أو في الكيف، في موضوع خارجىّ أو في زمان أو مكان.

و التقليل: يلاحظ فيه جهة التعلّق بالمفعول، أى جعل الشي‌ء قليلا.

و الإقلال: يلاحظ فيه جهة القيام بالفاعل، فالنظر الى جهة الصدور، أى كون الشي‌ء قليلا بلحاظ الفاعل و بالنظر اليه.

و أمّا القلّة بمعنى الجرّة: فهو مأخوذ من السريانيّة، كما في فرهنگ تطبيقى- سرياني- قولتا كوزه بزرگ.

مضافا الى أنّ ما في القلّة شي‌ء محدود قليل بالنسبة الى ما في الخارج.

و أمّا مفاهيم الحمل و الرفع: فمعاني مجازيّة بمناسبة الإقلال.

. وَ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيٰاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّٰى إِذٰا أَقَلَّتْ سَحٰاباً ثِقٰالًا سُقْنٰاهُ- 7/ 57 أى الى أن تريه الرياح قليلا في قبال قوّتها و قدرتها بحيث تقدر على‌

310

سوقه.

و أمّا تفسير الكلمة بالحمل أو الرفع: فغير مناسب، فأوّلا- لا يلائم قوله تعالى- سقناه، فإنّ النظر الى اظهار عظمة اللّٰه تعالى و قدرته و نسبة السوق و الإجراء اليه لا الى الرياح. و ثانيا- إنّ هذا التفسير على خلاف حقيقة كلمة الإقلال كما ذكرناه. و ثالثا- إنّ التعبير بالحمل أو الرفع حينئذ يكون أولى من الإقلال، لصراحة المعنى فيهما دونه. و رابعا- في تعلّق كلمة الإقلال بالسحاب الثقال، لطف و اشارة الى تسلّط الرياح المرسلة من جانب اللّٰه تعالى و نفوذها بحيث إنّها أقلّت ثقال السحاب.

و أمّا القلّة المعنويّة: فكما في-. وَ مٰا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلّٰا قَلِيلًا- 17/ 85 و القلّة في الموضوعات الخارجيّة: فكما في-. وَ قَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ- 56/ 14 و في الأعداد: كما في-. وَ اذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ- 7/ 86 و في الزمان: كما في-. قُمِ اللَّيْلَ إِلّٰا قَلِيلًا- 73/ 2 و في المكان: كما في-. فَتِلْكَ مَسٰاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلّٰا قَلِيلًا- 28/ 58 و في المقدار: كما في-. وَ أَعْطىٰ قَلِيلًا وَ أَكْدىٰ- 53/ 34 و في الكيف: كما في-. تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا- 39/ 8 و أمّا الاستقلال: فهو كالإقلال، أى طلب القلّة، و يلازمه الوقوع في قبال الأمر القليل، أى الترفّع و سهولة الحمل و رفع الضعف.

311

القلم

مصبا- قلمته قلما من باب ضرب: قطعته. و قلمت الظفر: أخذت ما طال منه. و القلامة: المقلومة عن طرف الظفر. و قلّمت مبالغة و تكثير. و القلم: الّذى يكتب به، فعل بمعنى مفعول كالحفر و الخبط و لا يسمّى قلما إلّا بعد البرى، و قبله هو قصبة. و يسمّى السهم قلما، لأنّه يقلم أى يبرى. و المقلمة: وعاء الأقلام.

و الإقليم: معروف، و هو قطعة من الأرض.

التهذيب 9/ 180- إذ يلقون أقلامهم- قال الزجّاج: الأقلام هاهنا القداح. و كلّ ما قطعت منه شيئا بعد شي‌ء فقد قلمته. و إنّما سمّى قلما لأنّه قلم مرّة بعد مرّة. و يقال للمقراض المقلام. و قال الليث: قلمت الشي‌ء: بريته. و عن ابن الأعرابىّ: القلمة: العزّاب من الرجال، و الواحد قالم، و نساء مقلّمات. و القلم: طول أيمة المرأة.

مقا- قلم: أصل صحيح يدلّ على تسوية شي‌ء عند بريه و إصلاحه، و من هذا الباب سمّى القلم قلما، لأنّه يقلم منه، ثمّ شبّه القدح به فقيل قلم، سمّى لمّا ذكرناه من تسويته و بريه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو البرى و التهيئة و العمل حتّى يكون وسيلة في ضبط أمر و إحداثه و نظمه. مادّيّا أو معنويّا.

و من مصاديقه: ما يبرى من شجرة أو قصبة للكتابة. و ما يبرى من الأغصان اليابسة للرمح أو للسهم، في محاربة أو قمار أو قرعة.

و تطلق على الرجل العزب: حقيقة أو تجوّزا و استعارة.

فالقلم المادّىّ المحسوس: كما في-

312

. وَ لَوْ أَنَّ مٰا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلٰامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مٰا نَفِدَتْ كَلِمٰاتُ اللّٰهِ- 31/ 27 أى بأن يصنع جميع الأشجار أقلاما، لكتابة كلمات اللّٰه تعالى.

و القلم المادّىّ بمعنى السهم المستعمل في مقام القرعة: فكما في-. وَ مٰا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلٰامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَ مٰا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ- 3/ 44 و كانت القرعة معمولا بها في بنى إسرائيل، بوسائل و أسباب و خصوصيّات مختلفة، غير مكشوفة لنا الآن جزئيّاتها.

و القلم الروحانىّ: كما في-. ن وَ الْقَلَمِ وَ مٰا يَسْطُرُونَ مٰا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ- 68/ 1 سبق في- سطر: أنّ المناسب أن يراد بحرف- ن نور السماوات و الأرض، و بالقلم: الشجرة المباركة في آية النور.

فالقلم في هذه الآية الكريمة: إشارة الى ما به يبسط الفيض و يتجلّى النور، و السطر: هو ظهور تلك الفيوضات و تجلّيها و انتظامها.

و من أتمّ مصاديق ظهور الفيوضات الإلهيّة: هو النبىّ الأكرم، فانّه المظهر التامّ للرحمة و النعمة الروحانيّة:

. مٰا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ.

و النبىّ باعتبار آخر: من مصاديق القلم، إذ به يتجلّى نور العلم و الحكمة و الرحمة و المعرفة و النورانيّة في القلوب، و به يتحقّق الاصطفاف في الضبط و النظم و الاستفاضة للمؤمنين.

و المفهوم الكلّىّ من القلم: يشمل القلم المحسوس أيضا. باعتبار أنّ القلم وسيلة لنشر العلم و إظهار المطلوب و إجراء المقصود، فيكون المراد من السطر أيضا: البسط و الكتابة الظاهريّة.. اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسٰانَ مٰا لَمْ يَعْلَمْ كَلّٰا إِنَّ

313

الْإِنْسٰانَ لَيَطْغىٰ- 96/ 4 هذه الآية الكريمة أيضا تدلّ على خصوص القلم الروحانىّ الواقع وسيلة لتعليم اللّٰه عزّ و جلّ بلا واسطة، و هو كالشجرة المباركة و الروح الإلهىّ المجرّد الفاني و النبىّ المبعوث المرتبط بالوحي و الإلهامات.

فالتعلّم للإنسان إمّا يتحصّل بلا واسطة أو بواسطة، و على أىّ حال فالعلوم و المعارف إنّما تحصّلت بتعليم اللّه تعالى و إفاضته. و ما ازداد قلب في نورانيّته و روحانيّته و تجرّده و ارتباطه، إلا و يزداد علمه يقينا، فانّ العلوم و المعارف الروحانيّة خارجة عن محيط المادّة، و إنّما تدرك بقلوب صافية مهذّبة و بتعليم اللّٰه و إفاضته.

و أمّا ما يدرك بالعقول بالاحتجاجات و الاستدلالات الفلسفيّة و الكلاميّة و العقليّة: فهي في محدودة العقول و الإدراكات و غير مربوطة بالحقائق الواقعيّة و المعارف الالهيّة الّتى هي عمّا وراء عالم المادّة.

قلا

مصبا- قليته قليا و قلوته قلوا من باب ضرب و قتل: الإنضاج في المقلى.

و قلاء فاعل كالنجّار. و قليت الرجل من باب رمى: أبغضته، و من باب تعب لغة.

مقا- قلو: أصل صحيح يدلّ على خفّة و سرعة، من ذلك القلو: الحمار الخفيف، و يقال: قلت الناقة براكبها قلوا: إذا تقدّمت به، و من الباب: القلى، و هو البغض، يقال: قليته أقليه قلى. و قد قالوا قليته أقلاه. و القلى: تجاف عن الشي‌ء و ذهاب عنه.

صحا- قليت اللحم و السويق، فهو مقلىّ، و قلوت فهو مقلوّ، و الرجل قلّاء. و القلى: البغض، فان فتحت القاف مددت.

لسا- القلى: البغض. ابن سيده: قليته قلى و قلاء و مقلية: أبغضته و‌

314

كرهته غاية الكراهة فتركته.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو التضيق و التشديد، و هذا المعنى يختلف باختلاف الموارد و الموضوعات.

و من مصاديقه: إنضاج اللحم و شيّه. و البغض و الكراهة. و تضييق المركب لراكبها في السير و الحمل. و الحمار إذا وقعت في ضيق و شدّة في العمل. و الترك و التجافي للتضييق.

فاللازم اعتبار القيدين، و إلّا فيكون تجوّزا.

. قٰالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يٰا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ قٰالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقٰالِينَ- 26/ 168. وَ الضُّحىٰ وَ اللَّيْلِ إِذٰا سَجىٰ مٰا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ مٰا قَلىٰ- 93/ 3 أى من الّذين قد ضيّقوا و شدّدوا عليكم في جهة هذا العمل، بالنهى الشديد و مخالفة أكيدة و مبارزة مستمرّة، في الاولى.

و إنّ اللّٰه تعالى ما تركك و ما ضيّق عليك و لم يجعلك في شدّة و زحمة من جهة وقوع الفصل في نزول الوحى، في الثانية.

فظهر لطف التعبير بالمادّة في الموردين، ففيها دلالة على كراهة في مقام العمل، و هذا المعنى يناسب مضمون الآيتين الكريمتين.

و أمّا مجرّد البغض و الكراهة: فلا لطف فيه، و لا يناسب الموردين.

و قريب من الأصل: تفسير بعضهم بالبغض الشديد، فانّ شدّة البغض ينتهى الى مقام العمل. هذا كما في المفردات و اللسان.

قمح

مقا- قمح: أصيل يدلّ على صفة تكون عند شرب الماء من الشارب، و‌

315

هو رفعه رأسه، من ذلك القامح، و هو الرافع رأسه من الإبل عند الشرب امتناعا منه.

و يقولون: رويت حتّى انقمحت، أى تركت الشرب ريّا. و ممّا شذّ عن هذا الأصل:

القمح هو البرّ، و القمحة من الماء: ما ملأ فاك منه.

مفر- قال الخليل: القمح: البرّ إذا جرى في السنبل من لدن الإنضاج الى حين الاكتناز، و يسمّى السويق المتّخذ منه قمحة، و القمح: رفع الرأس لسفّ الشي‌ء، ثمّ يقال لرفع الرأس كيفما كان قمح، و أقمحت البعير: شددت رأسه الى خلف.

قع- (قمح) دقيق، طحين.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو رفع الرأس عمّا يوظّف به، كرفع رأس الدابّة عن شرب الماء. فيقال أقمحت رأسه فانقمح. و القمحة كاللقمة: ما يرفع الرأس منه، و هو ما يملأ فوه منه. و يطلق على البرّ باعتبار كونه في السنبل مرتفعا رأسه.

مضافا الى أنّ مفهوم الدقيق و الطحين مأخوذ من العبريّة. و استعمل في البرّ لتناسبه برفع الرأس في السنبل.

. إِنّٰا جَعَلْنٰا فِي أَعْنٰاقِهِمْ أَغْلٰالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقٰانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ- 36/ 9 و في هذا التعبير اشارة الى أمرين: الأوّل- الى أنّ أعناقهم لا تخضع في قبال الحقّ و لا تعطف عليه، و هي دائمة مترفّعة متجبّرة. و الثاني- أنّها في أثر تلك الأغلال لا يستطيعون أن يحرّكوا و يميلوا رءوسهم الى جانب، و هذا ابتلاء شديد و عذاب أليم و محدوديّة كبيرة.

و أمّا التعبير بصيغة الإفعال مجهولا: ليناسب قوله تعالى- إنّا جعلنا، أى و جعلناهم منقمحون لا يميلون الى حقّ، و هذا نتيجة غفلتهم:

. فَهُمْ غٰافِلُونَ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لٰا يُؤْمِنُونَ.

316

قمر

مقا- قمر: أصل صحيح يدلّ على بياض في شي‌ء ثمّ يفرّع منه، من ذلك القمر، قمر السماء، سمّى قمرا لبياضه، و حمار أقمر، أى أبيض، و التصغير قمير، و يقال تقمّرته: أتيته في القمراء، و قمر التّمر و أقمر: إذا ضربه البرد فذهبت حلاوته قبل أن ينضج، و تقمّر الأسد: إذا خرج يطلب الصيد في القمراء. و أمّا قولهم قمر يقمر قمرا، و القمار: من المقامرة، فقال قوم هو شاذّ عن الأصل الّذى ذكرناه، و قال آخرون هو منه.

مصبا- قمر السماء سمّى بذلك لبياضه، و ليلة مقمرة، أى بيضاء، و قامرته قمارا فقمرته قمرا من بابى قتل و ضرب: غلبته في القمار.

لسا- القمرة: لون الى الخضرة، و قيل بياض فيه كدرة. و أقمرت ليلتنا:

أضاءت. و القمر: يكون في الليلة الثالثة من الشهر الى آخر الشهر، يسمّى قمرا لبياضه. و قال الأصمعىّ: تقمّرها، طلب غرّتها و خدعها، و أصله تقمّر الصيّاد الظباء و الطير بالليل: صادها في ضوء القمر، فتقمر أبصارها فتصاد. و كأنّ القمار مأخوذ من الخداع يقال قامره بالخداع فقمره. و القمر: تحيّر البصر من الثلج، و قمر الرجل يقمر: حار بصره في الثلج فلم يبصر.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الكوكب السماوىّ، المستضى‌ء من الشمس و ينعكس نوره الى الأرض ليلا، و يرفع الظلمة في الجملة، ثمّ يشتقّ منه كلمات بالاشتقاق الانتزاعىّ.

فيقال: قمر يقمر: ابيضّ. و أقمر: أضاء. و أقمر القوم: ظهر لهم القمر.

تقمّر: اختار ليلة فيها قمر و نور. و تقمّر الصيد: صاده في ليلة قمراء. و اقمرّ و اقمارّ: ابيضّ. و القمرة: البياض، أو قريبا من الخضرة. وجه أقمر: أبيض كالقمر.

317

و من ذلك المعنى القمار و المقامرة: فانّه إدامة عمل المراهنة و الميسر، و هذا المعنى شبيه بالتقمّر، أى طلب الصيد في الليلة القمراء، فانّ القمار قد كان واقعا في الليالي المضيئة، للتستّر عن الناس.

و هذه الاشتقاقات الانتزاعيّة: جارية في كلمة الشمس أيضا، فيقال شمس و أشمس اليوم: ظهرت الشمس، فهو شامس و مشمس. و شمّس الكافر:

عبد الشمس. تشمّس: قعد في الشمس. و الشمس: ذو الشمس.

و للقمر آثار و لوازم يلاحظ كلّ منها في كلّ من الموارد المستعملة:

البزوغ:

. فَلَمّٰا رَأَى الْقَمَرَ بٰازِغاً- 6/ 77 النور:

. وَ الْقَمَرَ نُوراً- 10/ 5. وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً- 71/ 16 الحسبان:

. وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ حُسْبٰاناً- 6/ 96 التسخّر:

. وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ*- 13/ 2 المنازل:

. وَ الْقَمَرَ قَدَّرْنٰاهُ مَنٰازِلَ- 36/ 39 الانشقاق:

. اقْتَرَبَتِ السّٰاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ- 54/ 1 الخسوف:

. فَإِذٰا بَرِقَ الْبَصَرُ وَ خَسَفَ الْقَمَرُ- 75/ 8 الجمع:

. وَ جُمِعَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ- 75/ 9‌

318

الاتّساق:

. وَ الْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ- 84/ 18 التلو:

. وَ الشَّمْسِ وَ ضُحٰاهٰا وَ الْقَمَرِ إِذٰا تَلٰاهٰا- 91/ 2 و كلّ من هذه الموضوعات مبحوث عنه في مورده.

و ليعلم أنّ النظام في العالم المادّىّ المحسوس: مقدّمة للحياة الروحانيّة، و تحصيل مقام العبوديّة المقصودة من الخلق، و من جملة النظام العالمىّ تحقّق النظام في القمر- مادّة، شكلا، مقدارا، جاذبة و دافعة، نورا، حركة، و في خصوصيّات الحركة، و في نسبته الى الشمس و الأرض، و في خصوصيّات الخسوف، و سائر الأمور المربوطة به.

و هذا النظام يختلّ باختلال العالم المادّىّ:

. اقْتَرَبَتِ السّٰاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ- 54/ 1. فَإِذٰا بَرِقَ الْبَصَرُ وَ خَسَفَ الْقَمَرُ وَ جُمِعَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ- 75/ 8‌

قمص

مقا- قمص: أصلان، أحدهما يدلّ على لبس شي‌ء و الانشيام فيه. و الآخر على نزو شى‌ء و حركة. فالأوّل القميص للإنسان، معروف، يقال: تقمّصه، إذا لبسه، ثمّ يستعار ذلك في كلّ شي‌ء دخل فيه الإنسان، فيقال: تقمّص الإمارة، و تقمّص الولاية. و جمع القميص أقمصة و قمص. و الأصل الآخر- القمص، من قولهم قمص البعير يقمص قمصا و قماصا، و هو أن يرفع يديه ثمّ يطرحهما معا و يعجن برجليه. و من هذا- قمص البحر بالسفينة إذا حرّكها بالموج، فكأنّها بعير يقمص.

مصبا- القميص جمعه قمصان و قمص، و قمّصته قميصا: ألبسته‌

319

فتقمّصه. و قمص البعير و غيره عند الركوب من بابى ضرب و قتل، و هو أن يرفع يديه معا و يضعهما معا.

لسا- القميص: الّذى يلبس، معروف مذكّر، و قد يعنى به الدرع فيؤنّث. و قمّص الثوب: قطع منه قميصا. و القميص: غلاف القلب. و القماص: أن لا يستقرّ في موضع تراه يقمص فيثب من مكانه من غير صبر، و يقال للقلق قد أخذه القماص. و القماص و القماص: الوثب. و قمص البعير: استنّ. و القمص: ذباب صغار فوق الماء.

فرهنگ تطبيقى- سرياني، آرامى- قمصا: حشرات بالاى آب.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو لبس ما يستر الجلد، و يقال له القميص و هو لباس يستر جلد الإنسان.

و يستعمل مجازا فيما يحيط البدن و لو باستيلاء معنوىّ، كالحركة المخصوصة و الوثوب المستولى شكله للبدن، و الاستنان للبعير.

و أمّا الذباب الصغار: فمأخوذ من السريانيّة، مضافا الى أنّها تحيط بالماء كأنّها قميص يستره.

. وَ قَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ .... إِنْ كٰانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ .... وَ إِنْ كٰانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ .... فَلَمّٰا رَأىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ- 12/ 25. وَ جٰاؤُ عَلىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ- 12/ 18. اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هٰذٰا- 12/ 93 انتخاب القميص من الثياب: فانّه يلصق بالبدن و يستره، و هو دائما يلازمه و يلبسه، ففيه دلالة قاطعة على حالات اللابس و خصوصيّاته و أعماله.

320

قمطرير

مقا- القمطرير: الشديد، و هذا ممّا زيدت فيه الراء، و كرّرت تأكيدا للمعنى، و الأصل قمط، و أنّ معناه الجمع، و منه قولهم بعير قمطر، مجتمع الخلق.

صحا- يوم قماطر و يوم قمطرير، أى شديد، و اقمطرّ يومنا: اشتدّ. أبو عبيد:

المقمطر: المجتمع. و اقمطرّت العقرب: إذا عطفت ذنبها و جمعت نفسها. و قمطرت القربة: إذا شددتها بالوكاء.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد فيه: هو الشديد المجتمع المستديم، و إنّ القمط يدلّ على شدّ و جمع، و الزيادة و التكرير في الحرف تدلّ على تأكيد و زيادة في المعنى مع الاستدامة و الامتداد.

. إِنّٰا نَخٰافُ مِنْ رَبِّنٰا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً- 76/ 10 أى شديدا متجمّعا ممتدّا يمتدّ التجمّع و الشدّة فيه. و العبوس: المنقبض مع الحزن.

و هذا باعتبار الحوادث و الوقائع و مجارى الأمور في ذلك اليوم.

قمع

مقا- قمع: أصول ثلاثة صحيحة: أحدها- نزول شي‌ء مائع في أداة تعمل له. و الآخر- إذلال و قهر. و الثالث- جنس من الحيوان. فالأوّل- القمع: معروف، يقال قمع و قمع. و يقولون: اقتمعت ما في السقاء: إذا شربته كلّه. و الأصل الآخر- قمعته: أذللته، و منه قمعته إذا ضربته بالمقمع. و الأصل الآخر- القمع: الذباب.

321

مصبا- قمعته قمعا: أذللته، و قمعته: ضربته بالمقمعة، و هي خشبة يضرب بها الإنسان على رأسه ليذلّ و يهان. و القمع: ما على التمر و نحوها تتعلّق به. و القمع أيضا آلة تجعل في فم السقاء و يصبّ فيها الزيت و نحوه، و الجمع أقماع.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ضرب في إذلال. و يلاحظ فيه قيدان:

الضرب و الإذلال.

و من مصاديقه: الضرب بأعلى رأسه، و الصرف و الردّ، و الإحراق، و القهر، إذا كان كلّ منها بضرب و إذلال.

و يتجوّز بمناسبته و يستعمل في موارد مناسبة بوجه من الوجوه.

و أمّا مفاهيم- صبّ شي‌ء فيه بأداة، و ثنى فم القربة، و الذباب في أطراف التمر و غيره، و الشرب الشديد: فباعتبار حصول المقهوريّة و الانكسار و التذلّل في الظرف و الذباب و الماء.

. يُصْهَرُ بِهِ مٰا فِي بُطُونِهِمْ وَ الْجُلُودُ وَ لَهُمْ مَقٰامِعُ مِنْ حَدِيدٍ- 22/ 23 جمع مِقمع، و هو ما يضرب به للإذلال و القهر و كسر الشخصيّة.

و الضرب بالمقامع إذلال بحيث لا يموت الشخص المقموع و لا يحيى.

و المقمع آلة القمع بأىّ شكل يكون، مادّيّا أو معنويّا، و هكذا الضرب و الحديد، فانّ الحديد من الحدّة، و لا بدّ من التناسب لعالم الآخرة، و أىّ مفهوم يراد منها: تكون متعلّقاتها متناسبة لها و من سنخها.

و على أىّ حال، يكون البدن من جنس مقاوم في قبال هذه المقامع و النيران و سائر الثياب الناريّة المحرقة و الصهر و الاذابة.

322

قمل

مقا- قمل: كلمات تدلّ على حقارة و قماءة. رجل قملىّ، أى حقير. و القمّل: صغار الدبا. و أقمل الرمث، إذا بدا ورقه صغارا، كأنّ ذلك شبّه بالقمّل.

صحا- القمل: معروف، الواحدة قملة، و قد قمل رأسه، و قمل بطنه:

ضخم. و القملىّ: الرجل الحقير. و القمّل: دويبة من جنس القردان، إلّا أنّها أصغر منها يركب البعير عند الهزال. و أمّا قمّلة الزرع فدويبة اخرى تطير كالجراد، و جمعها قمّل.

التهذيب 9/ 186- قال الفرّاء: القمّل: الدبى الّذى لا أجنحة له. و هذا يروى عن ابن عبّاس. و قال ابن الأنبارى عن عكرمة. القمّل: الجنادب، و هي الصغار من الجراد، واحدتها قمّلة. و قال الفرّاء: يجوز أن يكون واحد القمّل قاملا مثل راكع و ركّع. و قال الليث: القمّل: دوابّ صغار من جنس القردان إلّا أنّها أصغر منها.

فرهنگ تطبيقى- آرامى، سرياني- قلمتا، كلمتا شپش.

حيوة الحيوان 2/ 449- القمل المعروف يتولّد من العرق و الوسخ إذا أصاب ثوبا أو بدنا أو ريشا أو شعرا حتّى يصير المكان عفنا. قال الجاحظ: ربّما كان الإنسان قمل الطباع و ان تنظّف و تعطّر و بدّل الثياب، كما عرض لعبد الرحمن بن عوف و الزبير بن عوّام حتّى استأذنا رسول اللّه (ص) في لبس الحرير فأذن لهما فيه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يتولّد من وسخ في بدن انسان أو حيوان، أو ما يشابهه بأىّ مقدّمة يتولّد و يتكوّن.

و المشتقّ منها يدلّ على حقارة و ضخامة، و هذا المعنى في جنس القمّل‌

323

مشهود بالنسبة الى أنفسها.

و القمّل جمع قامل كطلّب جمع طالب، و القامل هو الدبىّ الحقير الضخم بالنسبة الى بدنه و وجوده، فيشمل انواع القمليّات.

. فَأَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمُ الطُّوفٰانَ وَ الْجَرٰادَ وَ الْقُمَّلَ وَ الضَّفٰادِعَ وَ الدَّمَ آيٰاتٍ مُفَصَّلٰاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا- 7/ 133 قال تعالى- إنّما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون- سبق في- قضى: أنّ إرادته لأىّ أمر من الأمور يكون علّة في تحقّقه و تكوّنه، و لا يحتاج الى مقدّمة و مادّة و علّة اخرى، و هذا كما هو مشاهد لأكثر الناس في الطوفان و الجراد المتظاهرة.

قنت

مصبا- القنوت: مصدر من باب قعد: الدعاء، و يطلق على القيام في الصلاة، و منه أفضل الصلاة طول القنوت و دعاء القنوت، أى دعاء القيام، و يسمّى السكوت في الصلاة قنوتا، و منه قوله تعالى- و قوموا للّه قانتين.

مقا- قنت: أصل صحيح يدلّ على طاعة و خير في دين، لا يعد و هذا الباب. و الأصل فيه الطاعة، يقال: قنت يقنت قنوتا، ثمّ سمّى كلّ استقامة في طريق الدين قنوتا. و قيل لطول القيام في الصلاة قنوت، و سمّى السكوت في الصلاة و الإقبال عليها قنوتا.

مفر- القنوت: لزوم الطاعة مع الخضوع، و فسّر بكلّ واحد منهما في قوله- و قوموا للّه قانتين.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو خضوع مع طاعة، و قلنا في الخضوع هو‌

324

مواضع مع تسليم. و في الطاعة هو العمل بالوظيفة مع رغبة و خضوع. ففي القنوت خضوع أشدّ منهما.

فلا بدّ من لحاظ القيدين في المادّة، و أمّا مفاهيم- الطاعة، الخشوع، الصلاة، العبادة، القيام، الذلّ، الانقياد، السكون، الدعاء، الإمساك، الخضوع، الانقياد، طول القيام و الطاعة، التواضع: فلا بدّ من وجود القيدين، و إلّا فيكون تجوّزا.

ثمّ إنّ القنوت تكوينىّ، و تشريعىّ إراديّ:

فالتكوينىّ: كما في-. سُبْحٰانَهُ بَلْ لَهُ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قٰانِتُونَ- 2/ 116. وَ لَهُ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قٰانِتُونَ- 30/ 26 و التعبير في الآية الثانية بكلمة- من: فانّ الآية في مورد العقلاء-. ثُمَّ إِذٰا دَعٰاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذٰا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ وَ لَهُ مَنْ ...

بخلاف الولي- فانّها في مطلق ما في السماوات و الأرض. و أمّا التعبير بصيغة جمع السالم العاقل- قانتون: فبلحاظ مفهوم القنوت الدالّ على الشعور، فكأنّهم شاعرون متوجّهون في عملهم.

و التشريعىّ الإرادىّ: كما في-. وَ قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ- 2/ 238. أَمَّنْ هُوَ قٰانِتٌ آنٰاءَ اللَّيْلِ سٰاجِداً وَ قٰائِماً- 39/ 9. وَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنٰاتِ وَ الْقٰانِتِينَ وَ الْقٰانِتٰاتِ- 33/ 35. يٰا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَ اسْجُدِي وَ ارْكَعِي مَعَ الرّٰاكِعِينَ- 3/ 43 يراد تحصيل حالة الخضوع في طاعة، بصورة قيام و سجود و ركوع، و هذا بعد تحقّق الايمان.

فالقنوت لازم بعد الايمان، و شرط في صلاح العمل و العبادة-. مُسْلِمٰاتٍ مُؤْمِنٰاتٍ قٰانِتٰاتٍ- 66/ 5‌

325

. فَالصّٰالِحٰاتُ قٰانِتٰاتٌ حٰافِظٰاتٌ لِلْغَيْبِ- 4/ 34 فنتيجة الايمان حصول حالة الخضوع في الطاعة، و ما دام لم تحصل هذه الحالة لا ينفع الايمان و لا الطاعة و العبادة.

قنط

مقا- قنط: كلمة صحيحة تدلّ على اليأس من الشي‌ء، يقال قنط يقنط، و قنط يقنط.

مصبا- القنوط: الإياس من رحمة اللّه تعالى، و قنط يقنط من بابى ضرب و تعب، و هو قانط و قنوط، و حكى الجوهري: لغة ثالثة من باب قعد، و يعدّى بالهمزة.

لسا- القنوط: اليأس. و في التهذيب: اليأس من الخير. و قيل أشدّ اليأس من الشي‌ء. و القنوط: المصدر.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو اليأس الشديد، و يدلّ على الشدّة حرفا القاف و الطاء، فانّهما من حروف الجهر و الشدّة و الضغط و الاستعلاء. بخلاف السين و الياء. فالياء من حروف الجهر و الرخاوة و الاستفال و السكون. و السين من الهمس و الرخاوة و الاستفال و السكون.

و يدلّ أيضا على خصوصيّة القنوط: ذكره بعد اليأس في-. وَ إِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ- 41/ 49 و أمّا التقييد بالخير أو الرحمة: فلا وجه له، فانّ اليأس يقابل الطمع، فهو انقطاع الرجاء و الطمع عن أىّ شي‌ء كان، و إن كان الرجاء و الطمع يتعلّق غالبا بما يقصد في الأمور الخيريّة.

326

. لٰا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّٰهِ- 39/ 53. قٰالُوا بَشَّرْنٰاكَ بِالْحَقِّ فَلٰا تَكُنْ مِنَ الْقٰانِطِينَ- 15/ 55. وَ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مٰا قَنَطُوا- 42/ 28. وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضّٰالُّونَ- 15/ 56 و كما أنّ الرجاء توقع لحصول مقصود، فالقنوط انقطاع ذلك الانتظار و التوقّع. و بالقنوط ينقطع الارتباط فيما بين العبد و الخالق، و هذا أعظم ضلال.

قنع

مقا- قنع: أصلان صحيحان، أحدهما يدلّ على الإقبال على الشي‌ء، ثمّ تختلف معانيه مع اتّفاق القياس. و الآخر- يدلّ على استدارة في شي‌ء. فالأوّل- الإقناع: الإقبال بالوجه على الشي‌ء، يقال: أقنع له يقنع إقناعا. و الإقناع:

مدّ اليد عند الدعاء، و سمّى بذلك عند إقباله على الجهة الّتى يمدّ يده اليها. و الإقناع: إمالة الإناء للماء المنحدر. و من الباب: قنع الرجل يقنع قنوعا، إذا سأل، و سمى قانعا لإقباله على من يسأله. و يقولون: قنع قناعة: إذا رضى، و سمّيت قناعة لأنّه يقبل على الشي‌ء الّذى له راضيا. و الاقناع مدّ البعير رأسه الى الماء للشرب. و أمّا الآخر- فالقنع، و هو مستدير من الرمل. و القنع و القناع: شبه طبق تهدى عليه الهديّة. و قناع المرأة: معروف، لأنّها تديره برأسها. و ممّا اشتقّ منه: قنّع رأسه بالسوط ضربا، كأنّه جعله كالقناع له. و ممّا شذّ: الإقناع: ارتفاع شي‌ء ليس فيه تصوّب، و قد يمكن أن يجعل هذا أصلا ثالثا و يحتجّ فيه بقوله تعالى- مهطعين مقنعي رءوسهم.

مصبا- قنع يقنع بفتحتين قنوعا: سأل. و أطعموا القانع و المعترّ- فالقاع: السائل. و المعترّ: الّذى يطيف و لا يسأل. و قنعت به قنعا من باب تعب و قناعة: رضيت، و هو قنع و قنوع، و يتعدّى بالهمزة فيقال أقنعنى. و قناع المرأة‌

327

جمعه قنع مثل كتب، و تقنّعت: لبست القناع. و هو شاهد مقنع مثال جعفر، أى يقنع به.

مفر- القناعة: الاجتراء باليسير من الأراض المحتاج اليها، يقال قنع يقنع قناعة و قنعانا: إذا رضى. و قنع: سأل. قال بعضهم: القانع هو السائل الّذى لا يلحّ في السؤال و يرضى بما يأتيه.

لسا- قنع بنفسه: رضى. و رجل قانع من قوم قنّع و قنع من قوم قنعين. و قنيع من قوم قنيعين و قنعاء، و امرأة قنيع و قنيعة من نسوة قنائع، و المقنع: من الشهود العدل يقنع به و يرضى برأيه و قضائه. و رجال مقانع و قنعان إذا كانوا مرضيّين. و القنوع: السؤال و التذلّل للمسألة، و قنع: ذلّ للسؤال، و قيل: سأل.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو تنازل حتّى يطبّق أمر حياته على ما بين يديه من إمكاناته. و من مصاديقه: الرضا بما يأتيه. و الرضا بشاهد يكتفى به. و من يدعو ربّه في حال الرضا و التسليم.

و أمّا مطلق الرضا، السؤال و حالة الفقر باطنا، و إقبال الوجه الى ما يقصده، و إمالة الرأس الى جانب ماء أو أرض، و لبس ما يجمع الرأس و يحفظه و يضبطه، و حصول انضباط و تجمّع في الرمل، و تقديم طبق و تنزيله و فيه هديّة:

فمن لوازم الأصل و آثاره.

. فَإِذٰا وَجَبَتْ جُنُوبُهٰا فَكُلُوا مِنْهٰا وَ أَطْعِمُوا الْقٰانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ- 22/ 36 أى من تنازل و رضى بما تهيّأ و أتى له من دون اضطراب و تألّم ظاهرىّ و هو عفيف و قور. و المعترّ: هو الضعيف المعتلّ العاجز. و ليس القانع و لا المعترّ بمعنى السائل، فانّ القانع و المعترّ أشدّ فقرا و حاجة الى الإطعام و الإحسان منه. و السائل في الأغلب لا يكون محتاجا، نعم يكره النهر و الزجر للسائل- و أمّا السائل فلا تنهر- كما أنّ الإعانة على سؤاله أيضا مكروه، و قد يكون حراما.

328

. إِنَّمٰا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصٰارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لٰا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ- 14/ 43 أى مسرعين مقبلين، و متمايلى رؤسهم الى الخفض متذلّلا و متحقّرا، و لا يرتدّ طرفهم من الحيرة.

فالإقناع: جعل شي‌ء قانعا. و إقناع الرأس: جعل الرأس متمايلا من الاعتلاء الى سفل تذلّلا بما يرى من أهوال ذلك اليوم.

فهؤلاء تنطبق حالاتهم على ما يرى من الأهوال و الآلام و الشدائد في ذلك اليوم، و يقنعون رؤسهم على الهوان و الذلّة.

قنو

مصبا- القناة: الرمح، و قناة الظهر، و القناة المحفورة، و يجمع الكلّ على قنى و قناء و قنوات و قنوّ. و قنّيت القناة: احتفرتها. و قنوت الشي‌ء أقنوه قنوا من باب قتل و قنوة: جمعته. و اقتنيته: اتّخذته لنفسي قنية لا للتجارة، هكذا قيّدوه، و مال قنوان و قنيان. و أقناه: أعطاه و أرضاه. و القنو وزان حمل: الكباسة، و بالضمّ لغة قيس، و الجمع قنوان و قنوان.

مقا- قنا: أصلان يدلّ أحدهما على ملازمة و مخالطة. و الآخر على ارتفاع في شي‌ء. فالأوّل- قولهم: قاناه إذا خالطه، كاللون يقانى لونا آخر غيره. و من الباب: قنى الشي‌ء و اقتناه إذا كان معدّا له لا للتجارة، و مال قنيان: يتّخذ قنيته، و منه قنيت حياتي لزمته. و القنو: العذق بما عليه، لأنّه ملازم لشجرته. و من الباب المقناة من الظلّ فيمن لا يهمزها، و هو مكان لا تصيبه الشمس، و إنّما سمّى بذلك لأنّ الظلّ ملازمه لا يكاد يفارقه. و الأصل الاخر- القنا: احديداب في الأنف، و الفعل قنى قنى، و يمكن أن تكون القناة من هذا، لأنّها تنصب و ترفع، و ألفها و او، لأنّها تجمع قنا و قنوات. و قناة الماء عندنا مشبّهة بهذه القناة‌

329

إن كانت قناة الماء عربيّة، و التشبيه بها ليس من جهة ارتفاع، و لكن هي كظائم و آبار فكأنّها هذه القناة، لأنّها كعوب و أنابيب.

لسا- القنوة و القنوة و القنية و القنية: الكسبة. قلّبوا الواو ياء للكسرة القريبة منها، و أمّا قنية: فاقرّت الياء بحالها. هذا قول البصريّين، و أمّا الكوفيّون فجعلوا قنيه و قنوة لغتين. و قنوت الشي‌ء: كسبته. و قنوتها: اتّخذتها.

قع- (قاناه) اشترى، أحرز، اكتسب، امتلك، خلق.

(فانه) قصبة، خيزرانة، عصا، ذراع.

فرهنگ تطبيقى- آرامى: قانيا. سرياني: قانيا. عبرى: فانه نيزه، نأى، نى.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو اتّخاذ مع جمع لدى النفس. و من مصاديقه: اكتساب مع جمع. ادّخار لدى النفس. و تجمّع ثمار لدى الشجرة بصورة قنوان و عنقود.

و من آثاره: الخلط، اللزوم، الموافقة، الدوام.

و أمّا معاني الرمح و الخلق و العصا و القصبة: فمأخوذة من السريانيّة و العبريّة.

و هذه المادّة واويّة في الأصل، و اليائيّة متفرّعة مشتقّة منها باشتقاق أكبر، و تدلّ على ثبوت و لزوم و دوام زائدة بالياء. و حينئذ تستعمل من باب ضرب، لاختصاصه بالناقص اليائيّ.

. فَأَخْرَجْنٰا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرٰاكِباً وَ مِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهٰا قِنْوٰانٌ دٰانِيَةٌ- 6/ 100 و قنوان مبتدأ خبره: من النخل، و الجملة حاليّة، و القنوان شبيه بالحبّ المتراكب بعضه فوق بعض، و لهذا ذكر عقيبه. أو معترضة بين الحبّ المتراكب، و‌

330

الجنّات من أعناب، بتناسب الحبّ.

و القنوان جمع قنو، و هو العذق و الكباسة. و هو المتجمّع لدى النخل من أثمارها، كأنّها اتّخذتها لنفسها.

. وَ أَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرىٰ وَ أَنَّهُ هُوَ أَغْنىٰ وَ أَقْنىٰ- 53/ 48 الغنى هو فقدان الحاجة و الفقر، و يقابله القنا و هو اتّخاذ و جمع لنفسه، أى طلب و تحصيل امور و جمعها لديه للحاجة اليها، و مرجع حقيقة القنا الى الفقر الباطني و الاحتياج، و إن كان في الظاهر ذا مال و ثروة. كما أنّ حقيقة الغنا هو الغنى القلبي و إن كان فاقدا للثروة.

ثم إنّ الغنى و القنا: إمّا في جهة مادّيّة أو معنويّة، و المعنويّة إمّا من جهة التكوين و الذات، أو بإعطاء ثانوىّ عرضىّ.

و على أىّ صورة، هو الّذى يجعل غنيّا، أو مقتنيا يجتهد دائما في تحصيل ما يحتاج اليه من الأمور المادّيّة و المعنويّة.

و ذكر النشأة الاخرى (و أنّ عليه النشأة) بعد الخلق المادّىّ و أنّه خلق الزوجين: يدلّ على هذا التعميم للمادّىّ و المعنوىّ.

ثمّ يذكر بعد الآية الكريمة: و أنّه هو ربّ الشعرى، و الشعرى اسم مصدر، و الشعور هو الإدراك الدقيق، و له مراتب، و الحدّ العالي منه ما يبلغ الى مرتبة الغنى الروحانىّ في إدراك المعارف و الحقائق.

فالشعور مبدأ الغنى و القنى و منشؤهما الأصيل، و هو من اللّه المتعال.

فللإنسان أن يخضع و يخشع لربّه، و يستعين من فضله، و يعبده في جميع حالاته، كما يقول تعالى في آخر السورة، و يأمر بالسجود و العبادة.

و قد اشتبهت الحقيقة لغة و تفسيرا في المقام، فتبصّر فيها.

قهر

مصبا- قهره قهرا: غلبه، فهو قاهر، و قهّار مبالغة، و أقهرته: وجدته مقهورا،

331

و أقهر: صار الى حال يقهر فيها.

مقا- قهر: كلمة صحيحة تدلّ على غلبة و علوّ، يقال: قهره يقهره قهرا. و أقهر الرجل: إذا صيّر الى حال يذلّ فيها. و من الباب: قهر اللحم: طبخ حتّى يسيل ماؤه. و ممّا شذّ عن ذلك: القهقرى إذا رجع إلى خلفه.

مفر- القهر: الغلبة و التذليل معا، و يستعمل في كلّ واحد منهما.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو إعمال الغلبة، أى الغلبة في مقام الإجراء و العمل. و سبق أنّ الغلبة هو تفوّق في قدرة.

و لا يستعمل أحدهما في مقام الآخر، فلا يقال- فأمّا اليتيم فلا تغلب، و هم من بعد قهرهم سيقهرون. فانّ الغلبة ثابتة موجودة على اليتيم، دون القهر. كما أنّ المتحقّق في محاربة الروم هو مغلوبيّتهم لا مقهوريّتهم.

و من أسماء اللّه الحسنى: القاهر و القهّار: و هو الّذى تجرى قدرته و علوّه و تفوّقه و غلبته على جميع خلقه، و هو حاكم مهيمن نافذ محيط، و ليس من غيره من يكون قاهرا على الإطلاق بلا حدّ و لا نهاية، فكلّ ماسويه مقهورون محكومون تحت حكمه و سلطانه و قهره.

و القهّار بمناسبة صيغة المبالغة: يدلّ على قهر أكيد و حكومة شديدة.

فلعبد أن يتوجّه الى كونه مقهورا دائما و في جميع الحالات تحت سيطرة الربّ القاهر و تسخيره و حكمه، و لا يطغى بظهور قدرة ظاهرة فيه أو غنى محدود ضعيف، و لا يغفل عن قدرة الربّ المحيط القيّوم الغالب القاهر.

. وَ هُوَ الْقٰاهِرُ فَوْقَ عِبٰادِهِ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ- 6/ 18. أَ أَرْبٰابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّٰهُ الْوٰاحِدُ الْقَهّٰارُ- 12/ 39. لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّٰهِ الْوٰاحِدِ الْقَهّٰارِ- 40/ 16. قُلِ اللّٰهُ خٰالِقُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ وَ هُوَ الْوٰاحِدُ الْقَهّٰارُ- 13/ 16‌

332

و في ذكره بعد اللّٰه الواحد: إشارة الى أنّ القهّار المطلق هو اللّٰه الواحد، فاللّٰه تعالى واحد لا إله غيره و هو القهّار خالق كلّ شي‌ء و له الملك و الحكم.

. فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلٰا تَقْهَرْ- 93/ 9 أى فلا تغلب عليه غلبة بإعمال القدرة و إجراء التفوّق و العلوّ، بأن تفعل في أنفسهم و أموالهم بما تشاء، و هذا هو المراد في قوله تعالى:

. وَ نَسْتَحْيِي نِسٰاءَهُمْ وَ إِنّٰا فَوْقَهُمْ قٰاهِرُونَ- 7/ 127 فظهر أنّ التذلّل في المقهور، و العلوّ في القاهر: من آثار الأصل.

قاب

مصبا- القاب: القدر، و يقال: القاب ما بين مقبض القوس و السية، و لكلّ قوس قابان.

مقا- القاب: القدر، و عندنا أنّ الكلمة فيها معنيان: إبدال و قلب، فأمّا الإبدال: فالباء مبدلة من دال، و الألف منقلبة من ياء، و الأصل القيد. و يقال:

القاب ما بين المقبض و السية.

لسا- القوب: أن تقوب أرضا أو حفرة شية التقوير، و قاب يقوب قوبا: إذا هرب. و قاب الرجل: إذا قرب. و تقول بينهما قاب قوس و قيب قوس، و قاد قوس و قيد قوس، أى قدر قوس. و القاب: ما بين المقبض و السية. و قال بعضهم في قوله عزّ و جلّ فكان قاب قوسين: أراد قابى قوس، فقلبه، و قيل: طول قوسين.

الفرّاء: أى قدر قوسين.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو تأثير عميق ممتدّ. و هذه الكلمة مشتقّة من القوب، و هو التأثير العميق، و منه الحفر، الفلق، و الهرب، و غيرها ممّا يرى فيه أثر من التأثير و العمل على نحو خاصّ.

و القاب بوجود الألف فيه: يدلّ على وجود امتداد في المعمول.

333

و بمناسبة هذا المعنى تستعمل الكلمة في موارد مفاهيم- المقدار، الطول.

و القيد بوجود الياء فيه: يدلّ على تأثير عميق نافذ في المعمول.

. ثُمَّ دَنٰا فَتَدَلّٰى فَكٰانَ قٰابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنىٰ- 53/ 9 قلنا إنّ الدنوّ هو القرب على سبيل التسفّل و الانحطاط مادّيّا أو معنويّا. و التدلّى هو الاسترسال مع انحدار. و القوس هو انعطاف في جريان أمر.

أى إنّ الرسول ص، في الأفق الأعلى من المراتب الروحانيّة العالية، و قد تقرّب متواضعا خاشعا متسفّلا، و انحدر عن تمام تشخّصاته و منيّته، حتّى كان الأفق فيما بينه و بين اللّٰه المتعال قاب قوسين، أو أقرب منه.

و أمّا وجود القوسين الممتدّين: عبارة عن الحدّين حدّ الحدود الذاتيّة الامكانيّة، و حدّ الحدود الخارجيّة الجسمانيّة من الزمان و المكان و غيرهما.

و هذان الحدّان متلازمان للبشر أىّ بشر كان، و لو بلغ الى نهاية بلوغه و كماله، و حصل له أقصى مرتبة الفناء و البقاء و اللقاء:

. قُلْ إِنَّمٰا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحىٰ إِلَيَّ*- 18/ 110 راجع الوحى.

و أمّا التعبير عن الحدّين بالقوسين: فانّ فيهما انحناء عن تجلّى نور الوجود و في جريان الفيض المنبسط، بسبب حصول هذين القيدين.

فظهر لطف التعبير بالكلمات في الآية الكريمة.

و ظهر أيضا أنّ ضمير كان راجع الى الأفق، أى صار قاب قوسين، و في مرحلة يريد رفع القيدين و الحجابين حتّى يلحق بالنور الأتمّ- حتّى تخرق أبصار القلوب حجب النور فتصل الى معدن العظمة و تصير أرواحنا معلّقة بعزّ قدسك.

قوت

مقا- قوت: أصل صحيح يدلّ على إمساك و حفظ و قدرة على الشي‌ء.

334

من ذلك- و كان اللّٰه على كلّ شي‌ء مقيتا، أى حافظا له و شاهدا عليه و قادرا على ما أراد. و من الباب: القوت ما يمسك الرمق، و إنّما سمّى قوتا لأنّه مساك البدن و قوّته. و القوت: العول، يقال قتّه قوتا، و الاسم القوت.

مصبا- القوت: ما يؤكل ليمسك الرمق، و الجمع أقوات. و قاته يقوته قوتا من باب قال: أعطاه قوتا، و اقتات به: أكله، و هو يتقوت بالقليل. و المقيت:

المقتدر و الحافظ و الشاهد.

لسا- القوت: ما يمسك الرمق من الرزق. ابن سيده: القوت و القيت و القيتة و القائت: المسكة من الرزق. و في الصحاح: ما يقوم به بدن الإنسان، و هي البلغة. و القوت: مصدر قات يقوت. و استقاته: سأله القوت. و المقيت: قيل هو الّذى يعطى أقوات الخلائق، و هو من أقاته يقيته، إذا أعطاه قوته.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يتغذّى به حيوان. و هو أخصّ من الرزق، فانّ الرزق هو إنعام به تدوم حياة الحيوان و سائر الموجودات الحيّة، سواء كان بمقدار قوت لازم أو لا. كما في قوله تعالى:

. كُلُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا رَزَقْنٰاكُمْ* ...،. وَ مِمّٰا رَزَقْنٰاهُمْ يُنْفِقُونَ* و القوت هو مقدار يمسك الحاجة و يديم الحياة.

فالقوت بالفتح مصدر، و بالضمّ اسم مصدر، و الاقاتة إفعال بمعنى إيتاء القوت و إعطاؤه، و المقيت اسم فاعل منه.

و أمّا مفاهيم- الحفظ و البلغة و الإمساك و الأكل: فمن آثار الأصل.

. وَ جَعَلَ فِيهٰا رَوٰاسِيَ مِنْ فَوْقِهٰا وَ بٰارَكَ فِيهٰا وَ قَدَّرَ فِيهٰا أَقْوٰاتَهٰا فِي أَرْبَعَةِ أَيّٰامٍ- 41/ 10. مَنْ يَشْفَعْ شَفٰاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهٰا وَ مَنْ يَشْفَعْ شَفٰاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهٰا وَ كٰانَ اللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ مُقِيتاً- 4/ 85‌

335

فالقوت ما يديم الحياة و يحتاج اليه في امتداد البقاء بعد الحدوث، فتأمين القوت بعد التكوين و الإيجاد لازم في تحقّق البقاء.

و القوت يختلف باختلاف أنواع الموجودات بحسب اقتضائها و تناسبها و احتياجها، مادّيّا أو معنويّا، كما قلنا في الرزق.

و المقيت من الأسماء الحسنى: فانّه تعالى يعطى كلّ موجود من أىّ صنف كان، رزقه و قوته الّذى به يحصل بقاؤه و استمرار وجوده، حتّى يتمّ و ينتج نعمة الوجود إحداثا و إبقاء، و لا يكون التكوين عبثا.

و القوت في الموجودات المادّيّة: إنّما هو من الأغذية الجسمانيّة كالهواء و الماء و الجمادات و النباتات و الحيوانات و ما يتركّب منها.

و في الموجودات الروحانيّة من العوالم ممّا وراء عالم المادّة: من الأمور الروحانيّة كالالتذاذات المعنويّة و الإدراكات الروحانيّة و المشاهدات القلبيّة و العقليّة و المؤانسات و التعلّقات بالروحانيّات و الارتباطات بالأنوار الغيبيّة و تجلّيات حقائق الأسماء الإلهيّة و الصفات اللاهوتيّة و الجذبات الجماليّة الحقّة.

فهو سبحانه بمقتضى علمه و حكمته و تدبيره: خلق الأشياء على أنواع و ألوان مختلفة، ثمّ قدّر و عيّن لكلّ منها قوتها على اقتضاء ذواتها.

و قلنا إنّ الشفاعة عبارة عن إلحاق شي‌ء أو قوّة بآخر لتحصيل مقصود، فيتحقّق نوع مشاركة في الأمر، و بهذا يشتركان في تحصيل النتيجة.

قوس

مقا- قوس: أصل واحد يدلّ على تقدير شي‌ء بشي‌ء، ثمّ يصرّف فتقلب واوه ياء، و المعنى في جميعه واحد. فالقوس: الذراع، و سمّيت بذلك لأنّه يقدّر بها المذروع، و بها سمّيت القوس الّتى يرمى عنها- قاب قوسين- قال أهل التفسير:

أراد ذراعين. و الأقوس: المنحنى الظهر. و قد قوّس الشيخ: انحنى، كأنّه قوس. و‌

336

يقال: بيني و بينه قيس رمح، أى قدره، و منه القياس و هو تقدير الشي‌ء بالشي‌ء، و المقدار مقياس. و جمع القوس قسىّ و أقواس. و حكى بعضهم: أنّ القوس:

السبق، و أنّ أصل القياس منه. و أصل ذلك كلّه الواو.

مصبا- القوس: يذكّر و يؤنّث، و إذا صغّرت على التأنيث قيل قويسة، و الجمع قسىّ، و هو على القلب و الأصل على فعول، و على أقواس و قياس.

صحا- قوس، و الجمع قسىّ و قياس، و أصل قسىّ قووس على فعول فصيّروه على فلوع، ثمّ قلّبوا الواو ياء. و ربّما سمّوا الذراع قوسا، و القوس أيضا بقيّة التمر في الجلّة. و قست الشي‌ء بغيره و على غيره أقيس قيسا و قياسا فانقاس: إذا قدّرته على مثاله، و فيه لغة اخرى قسته أقوسه قوسا و قياسا. و قايست فلانا إذا جاريته في القياس، و هو يقتاس أى يقيس، و يقتاس بأبيه، أى يسلك سبيله.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو انحناء في شي‌ء الى جانب. و من مصاديقه: انحناء واقع في قوس السهم، و قوس الدائرة، و قوس قزح، و في ظهر الإنسان، و في الذراع فانّه قوس من دائرة إذا اتّصلت الذراعان، و كذلك مقايسة شي‌ء بشي‌ء.

و القيس بالياء: يدلّ على تحقّق و وقوع و انطباق في الانحناء، كما في تنزيل شي‌ء و تقديره بشي‌ء، و هذا معنى المقايسة و القياس، فانّ حقيقة المقايسة تحقّق انحناء في شي‌ء متمايلا الى شي‌ء آخر.

و بمناسبة هذا المعنى تستعمل في التقدير و الاقتداء و الانعطاف و السبق إذا أوجب انحناء عن النظم و كذلك التبختر و الاشتداد.

فلا بدّ من لحاظ قيود الأصل، و إلّا فيكون تجوّزا.

. وَ هُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلىٰ ثُمَّ دَنٰا فَتَدَلّٰى فَكٰانَ قٰابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنىٰ- 53/ 9 أى دنا فتدلّى حتّى بلغ الأفق الأعلى الى امتداد قاب قوسين فيما بينه و‌

337

بين اللّٰه العزيز المتعال، أى لم يبق إلّا أثر من انحناءين، انحناء جسمانى، و انحناء حدّ ذاتىّ، و الأوّل يرتفع بالرحلة من عالم المادّة و الجسم، و الثاني من لوازم الإمكان، و هو الحجاب الثابت لكلّ ممكن.

و سبق في قاب: أنّ هذين الحدّين انحناء في جريان نور الوجود المطلق.

و في هذا التعبير إشارة الى رفيع مقامه المتعالي، بحيث لم يبق بينه و بين نور الحقّ العزيز الجليل إلّا حجابان ذاتيّان، و ارتفع جميع الحجب عمّا بين يديه.

و في كلمة أدنى: إشارة الى تزلزل الحجابين و اضطرابهما أيضا، و هذا مقام كلّت أفهامنا عن إدراكه، و عجزت أفكارنا عن عرفانه.

و مع هذا فقد قال ص: ما عرفتك حقّ معرفتك و ما عبدتك حقّ عبادتك.

قوع

مقا- قوع: يدلّ على تبسّط في مكان، من ذلك القاع: الأرض الملساء، و الألف في الأصل واو، يقال في التصغير قويع. قال ابن دريد: القوع: المسطح الّذى يبسط فيه التمر و الجمع أقواع. و القوع و هو ضراب الفحل الناقة: فليس من هذا الباب لأنّه من المقلوب، و أصله قعو.

مصبا- القاع: المستوى من الأرض. و زاد ابن فارس: الّذى لا ينبت، و القيعة: مثله، و جمعه أقواع و أقوع و قيعان. و قاعة الدار: ساحتها.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الأرض المتّسعة المستويّة الخاليّة عن العمارة و الزراعة و الأشجار.

و يدلّ على هذا المعنى: حرف الألف للمدّ و اللين، و العين للاستفال و السكون و الصمت و الانفتاح.

338

و أمّا القيعة بالياء: فالياء للمدّ و الليل، و يدلّ على تحقّق و وقوع و انطباق، كما قلنا في القوس و القيس، و القاب و القيب.

. وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبٰالِ .... فَيَذَرُهٰا قٰاعاً صَفْصَفاً- 20/ 106. وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمٰالُهُمْ كَسَرٰابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مٰاءً- 24/ 39 أى و يسألون عن الجبال و عن جريانها يوم القيامة: فقل ينسفها و يفرّقها فيذرها أرضا مستوية متّسعة صافية. و أعمال الكافرين كسراب في أرض مستوية متّسعة.

و لمّا كان المراد في الآية الثانية، قاعا معيّنا خارجيّا: عبّر بكلمة القيعة.

بخلاف الآية الاولى: فيراد منها مفهوم الأصل.

قول

مقا- أصل واحد صحيح يقلّ كلمه، و هو القول من النطق، قال يقول قولا. و المقول: اللسان. و رجل قوله و قوّال: كثير القول.

مصبا- قال يقول قولا و مقالا و مقالة. و القال و القيل: اسمان منه لا مصدران، و يعربان بحسب العوامل. و قال في الانصاف: هما في الأصل فعلان ماضيان جعلا اسمين، و استعملا استعمال الأسماء و أبقى فتحهما ليدلّ على ما كانا عليه، و يدلّ عليه ما في الحديث- نهى رسول اللّٰه (ص) عن قيل و قال، بالفتح.

و القوّال: المغنّى. و قاوله في أمره مقاولة مثل جادله وزنا و معنى. و المقول:

الرئيس.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو إبراز ما في القلب و إنشاؤه بأىّ وسيلة كان. و هذا المعنى يختلف باختلاف الطرفين من جهة التفهيم و التفاهم. فالقول‌

339

غير مخصوص بالإنسان و بالاذن و اللسان. بل يجرى في أىّ مقام و مرحلة من عوالم اللاهوت و العقول و الملائكة و الإنسان و الحيوان و سائر الطبيعيّات:

فالقول من اللّٰه المتعال- كما في:

. إِذْ قٰالَ رَبُّكَ لِلْمَلٰائِكَةِ إِنِّي جٰاعِلٌ- 2/ 30 و من الملائكة- كما في:

. قٰالُوا سُبْحٰانَكَ لٰا عِلْمَ لَنٰا إِلّٰا مٰا عَلَّمْتَنٰا- 2/ 32 و من الأنبياء- كما في:

. وَ قٰالَ مُوسىٰ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جٰاءَ بِالْهُدىٰ- 28/ 37 و من الحيوان- كما في:

. قٰالَتْ نَمْلَةٌ يٰا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا- 27/ 18 و من الطير- كما في:

. فَقٰالَ أَحَطْتُ بِمٰا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ- 27/ 22 و من الجنّ- كما في:

. فَقٰالُوا إِنّٰا سَمِعْنٰا قُرْآناً عَجَباً- 72/ 1 و من إبليس- كما في:

. قٰالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نٰارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ*- 38/ 76 فإبراز ما في الضمير حتّى يحصل التفاهم يختلف باختلاف الطرفين، فقد يحصل منطق أو بإلقاء أو بوحي أو بإلهام أو بإرادة أو بصوت مخصوص أو بحالة مخصوصة أو بحركة معيّنة أو بإيجاد أمر تكوينىّ:

. قُلْنٰا لِلْمَلٰائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ*- 2/ 34. قُلْنٰا يٰا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ- 2/ 35. فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصٰاكَ الْحَجَرَ- 2/ 60. فَقُلْنٰا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً- 2/ 65. قُلْنٰا يٰا نٰارُ كُونِي بَرْداً- 21/ 69‌

340

. يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ- 50/ 30. وَ إِذٰا قَضىٰ أَمْراً فَإِنَّمٰا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ- 2/ 117 فالقول من اللّٰه العزيز يتصوّر بأىّ نوع يناسب حال الطرف في جهة التفهيم، و في عالم المجرّدات و الملائكة: بالإلهام و الإلقاء. و في الإنسان:

بالمنطق أو بإشارات متداولة كما في الأخرس. و في الحيوان: فبصوت أو حركة أو حالة مجبولة في كلّ صنف منه.

. وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنٰا بَعْضَ الْأَقٰاوِيلِ لَأَخَذْنٰا مِنْهُ بِالْيَمِينِ- 69/ 45 التقّول تفعّل و يدل على مطاوعة و اختيار، أى اختار قولا و أظهره تكلّفا، و الأقاويل جمع أقوال، و يشمل كلّ قول لفظىّ أو معنوىّ يرد على اللّٰه تعالى.

و التعبير بصيغة جمع الجمع: إشارة الى شمول أىّ قول جزئىّ أو كلّى.

و في المؤاخذة من الرسول الأكرم: إشارة الى نهاية عظمة الموضوع، فانّ التقّول على اللّٰه العزيز الجليل و الافتراء عليه تعالى: إهانة و تضييع لحقّه و مقامه و شأنه، و هذا ما لا تحتمله السموات و الأرض.

. وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللّٰهُ فَأَنّٰى يُؤْفَكُونَ وَ قِيلِهِ يٰا رَبِّ إِنَّ هٰؤُلٰاءِ قَوْمٌ لٰا يُؤْمِنُونَ- 43/ 88 القال و القيل اسمان كما قلنا في القاع و القوس و القاب. و القيل: قول فيه تحقّق و انطباق، كما في:

. وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّٰهِ قِيلًا- 4/ 122. إِنَّ نٰاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَ أَقْوَمُ قِيلًا- 73/ 6 فالصيغة تدلّ على التحقيق و التدقيق.

و أمّا الواو في- و قيله: عاطفة على الساعة في (و عنده علم الساعة و اليه ترجعون) أى و عنده علم قوله يا ربّ، و الآيتان فيما بينهما ترتبطان بهذه الآية (له ملك السماوات).

341

قوم

مصبا- قام بالأمر يقوم به قياما، فهو قوّام و قائم، و استقام الأمر، و هذا قوامه بالفتح و الكسر، و تقلب الواو ياء جوازا مع الكسرة: أى عمادة الّذى يقوم به و ينتظم، و منهم من يقتصر على الكسر. و القوام: ما يقيم الإنسان من القوت. و القوام: العدل و الاعتدال. و قامت المتاع بكذا: تعدّلت قيمته. و القيمة: الثمن، و الجمع القيم. و قام يقوم: انتصب، و الموضع المقام، و القومة المرّة، و أقمته إقامة، و الموضع المقام، و أقام: اتخذ وطنا، فهو مقيم. و قوّمته تقويما فتقّوم بمعنى عدّلته فتعدّل. و قوّمت المتاع: جعلت له قيمة معلومة. و القوم: جماعة الرجال ليس فيهم امرأة، الواحد رجل من غير لفظه، سمّوا بذلك لقيامهم بالعظائم و المهمّات. و أقام الشرع: أظهره.

مقا- قوم: أصلان صحيحان، يدلّ أحدهما على جماعة ناس، و ربّما استعير في غيرهم. و الآخر- على انتصاب أو عزم. فالأوّل- القوم، يقولون جمع امرئ، و لا يكون ذلك إلّا للرجال- لا يسخر قوم من قوم- و لا نساء من نساء. و يقولون قوم و أقوام، و أقاوم جمع جمع. و أمّا الآخر- قام قياما، إذا انتصب. و يكون قام بمعنى العزيمة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يقابل القعود، أى الانتصاب و فعليّة العمل، مادّيّا أو معنويّا.

و هذا المعنى يختلف باختلاف الموضوعات، في موضوع خارجىّ، أو عمل، أو أمر معنوىّ، فالانتصاب و الفعليّة في كلّ منها بحسبه.

فالقيام في الموضوعات الخارجيّة: كما في-. فَلْتَقُمْ طٰائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ- 4/ 102‌

342

و في العمل: كما في-. وَ أَقٰامُوا الصَّلٰاةَ وَ آتَوُا الزَّكٰاةَ*- 2/ 277 و في المعنوىّ: كما في-. وَ أَنْ تَقُومُوا لِلْيَتٰامىٰ بِالْقِسْطِ- 4/ 127 و في العالم الآخرة: كما في-. وَ يَوْمَ تَقُومُ السّٰاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ- 30/ 14 و في الروحانيّات: كما في-. يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلٰائِكَةُ صَفًّا- 78/ 38 فالإقامة إفعال: يلاحظ فيه جهة القيام بالفعل، كإقامة الصلاة، و إقامة الجدار، و إقامة التوراة، و إقامة الحدود، و إقامة الشهادة.

و التقويم تفعيل: يلاحظ جهة الوقوع فيه، أى يكون النظر الى جهة تعلّق الفعل الى المفعول، كما في:

. لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسٰانَ فِي كَبَدٍ- 90/ 4 و من ذلك التقويم: أى تعيين القيمة للشي‌ء، فانّ الشي‌ء إذا تعيّن قيمة:

فقد قام و انتصب و تشخّص وجوده، و يرتفع إبهامه و ركوده.

فالتقويم بمعنى جعل الشي‌ء قائما و منتصبا، و ليس بمعنى التعديل.

و بهذا ظهر الفرق بين المقام و المقام و المقوّم، للمكان، كما في:

. مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى- 2/ 125. إِنَّهٰا سٰاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَ مُقٰاماً- 25/ 66 فالمقام: مكان للقيام: و المقام: مكان للاقامة. و المقوّم: للتقويم.

و الاستقامة استفعال: و يدلّ على طلب قيام في الأمر إراديّا أو طبيعيّا أو عملا، كما في:

. فَاسْتَقِمْ كَمٰا أُمِرْتَ وَ مَنْ تٰابَ مَعَكَ- 11/ 112. إِنَّ الَّذِينَ قٰالُوا رَبُّنَا اللّٰهُ ثُمَّ اسْتَقٰامُوا*- 41/ 30‌

343

. فَمَا اسْتَقٰامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ- 9/ 7 يراد طلب القيام و ارادة أن يدوم الأمر و فعليّته و ينصب نفسه في ذلك الأمر، أى في العمل بالأمر، و في قول التوحيد، و في العهد.

و الطلب الطبيعىّ: كما في- الصراط المستقيم:

. بِالْقِسْطٰاسِ الْمُسْتَقِيمِ*- 26/ 182 يراد الصراط الّذى فيه اقتضاء الفعليّة و يدوم انتصابه بالطبع.

و انتخاب هذه الصيغة أبلغ في المقصود من صيغة التفعّل و المجرّد: فانّ المطاوعة ليس فيه طلب و استدعاء، و كذلك في المجرّد. كما أنّ الطلب و الاستدعاء الطبيعىّ أتمّ و أبلغ من الإرادىّ.

فظهر أنّ الاستدامة و الاستمرار من لوازم الحقيقة.

و أمّا القيّم و القيّوم: فهما إمّا على وزنى فيعل و فيعول، و أصلهما قيوم و قيووم. و إمّا على وزنى فعيل و فعّول، و أصلهما قويم و قوّوم. و على أىّ صورة:

لحقهما القلب و الاعلال للتخفيف في تلفّظهما.

فالقيّم صفة، و القيّوم للمبالغة، و مأخوذان من القيام.

و القيّوم من أسماء اللّٰه الحسنى: و هو القائم المطلق على كلّ شي‌ء و كلّ أمر و كلّ عمل، و بكلّ امر و تدبير و نظم، لا يغيب عن قيّوميّته شي‌ء، و هو قيّوم غير متناه و غير محدود أزلىّ أبدىّ في قيّوميته.

و هذه الصفة من آثار الاسم الأصيل الذاتىّ- الحىّ- الّذى هو منشأ جميع الصفات الثبوتيّة، كما سبق فيه- فراجعه.

. اللّٰهُ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لٰا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لٰا نَوْمٌ- 2/ 255. وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ- 20/ 111 فذكر القيّوم بعد الحىّ: إشارة الى أنّ القيّوميّة مرتبة ثانويّة من الحياة، و هي مقام تحقّق الفعليّة و الانتصاب و مقام القيام للعمل و التكوين و الإفاضة مستغنيا عمّا سوية، فهو قيّوم مطلق بذاته و في ذاته و لذاته، و قائم بنفسه على كلّ‌

344

شي‌ء و بكلّ أمر- عنت الوجوه له.

و أمّا القيّم: فهو ما يكون في نفسه قائما و منتصبا و غير منحرف و لا مفتقر و لا ناقص، و قد اتّصف به الدين:

. ذٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ*- 9/ 36. فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ- 30/ 43. قُلْ إِنَّنِي هَدٰانِي رَبِّي إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً- 6/ 161 و الدين هو الخضوع و الانقياد تحت برنامج.

فهذا الدين قيّم، و أحسن خضوع و أكمل انقياد و أفضل سلوك للإنسان.

. الرِّجٰالُ قَوّٰامُونَ عَلَى النِّسٰاءِ بِمٰا فَضَّلَ اللّٰهُ بَعْضَهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ وَ بِمٰا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوٰالِهِمْ- 4/ 34 صيغة مبالغة، و لم يقلب الواو ياء كما في قيّوم، فإنّ اجتماع الواوات الثلاث مع الضمّه أوجب القلب في قوّوم، دون القوّام.

فالقوّام من بالغ في كونه قائما في نفسه منتصبا في مقام فعليّته من دون استناد الى غيره، فهو يشرف على المرأة في تدبير أمورها و رفع احتياجاتها.

و الآية الكريمة تدلّ على فضيلة له عليها من هذه الجهة، أى من جهة قابليّة أن يكون متوجّها و مشرفا و مدبّرا بأمورها ذاتا، مضافا الى أنّه ينفق من ماله، و في يده نفقتها، و هذا يقتضى أن يكون الإشراف و التدبير بيده.

و أمّا القوم: فيطلق على جماعة قائمين مشرفين على أنفسهم بالتدبير و العمل، مضافا الى كون الكلمة مأخوذة من السريانيّة كالقيّم و القيّوم، كما في فرهنگ تطبيقى، و الكلمة تشمل على جماعة قائمين من الرجال و النساء. و التفسير بالرجال تغليب لا تخصيص.

. إِنَّمٰا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هٰادٍ- 13/ 7. قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ- 41/ 2. وَجَدْتُهٰا وَ قَوْمَهٰا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ- 27/ 24‌

345

فالانذار و القرآن و السجدة غير مختصّة بالرجال، بل تعمّ الرجال و النساء.

و أمّا القيامة: فباعتبار قيام الخلق فيها لربّ العالمين، كما في-. أَ لٰا يَظُنُّ أُولٰئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النّٰاسُ لِرَبِّ الْعٰالَمِينَ- 83/ 7. يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلٰائِكَةُ صَفًّا- 78/ 39 و يذكر للقيامة آثار:

. وَ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ يُرَدُّونَ إِلىٰ أَشَدِّ الْعَذٰابِ- 2/ 85. فَاللّٰهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ فِيمٰا كٰانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ- 2/ 113. وَ لٰا يُكَلِّمُهُمُ اللّٰهُ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ وَ لٰا يُزَكِّيهِمْ- 2/ 174. وَ جٰاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلىٰ يَوْمِ الْقِيٰامَةِ- 3/ 55. لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلىٰ يَوْمِ الْقِيٰامَةِ لٰا رَيْبَ فِيهِ*- 4/ 87. وَ نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ عَلىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَ بُكْماً وَ صُمًّا- 17/ 97. ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ تُبْعَثُونَ- 23/ 16. وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ كِتٰاباً يَلْقٰاهُ مَنْشُوراً- 17/ 13. يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النّٰارَ- 11/ 98. قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا خٰالِصَةً يَوْمَ الْقِيٰامَةِ- 7/ 32. ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ- 28/ 61. ثُمَّ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَ يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً- 29/ 25. وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ- 39/ 67. يَسْئَلُ أَيّٰانَ يَوْمُ الْقِيٰامَةِ فَإِذٰا بَرِقَ الْبَصَرُ وَ خَسَفَ الْقَمَرُ وَ جُمِعَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ يَقُولُ الْإِنْسٰانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ- 75/ 10. فَإِذٰا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وٰاحِدَةٌ .... فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوٰاقِعَةُ- 69/ 15. إِنْ جَعَلَ اللّٰهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلىٰ يَوْمِ الْقِيٰامَةِ مَنْ إِلٰهٌ غَيْرُ اللّٰهِ- 28/ 71‌

346

فتدلّ هذه الآيات على أنّ القيامة الأصيلة غير الموت، فانّ بالموت الشخصىّ و بالانتقال الفردىّ الى عالم البرزخ، لا يقوم يوم القيامة العامّة، و لا يحكم للناس بأجمعهم بالردّ الى جنّة أو جحيم، و لا يصدق فيه الجمع و الحشر و النشر و البعث و قيام الناس و الملائكة و نفخ الصور و غيرها.

و ظواهر الآيات الكريمة أنّ العالم المادّىّ يختلّ نظمه يومئذ:

. إِذٰا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزٰالَهٰا ...،. إِذَا السَّمٰاءُ انْشَقَّتْ ...،. وَ إِذَا الْكَوٰاكِبُ انْتَثَرَتْ وَ إِذَا الْبِحٰارُ فُجِّرَتْ ...،. إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ...،. وَ سُيِّرَتِ الْجِبٰالُ فَكٰانَتْ سَرٰاباً فبقيام القيامة يتبدّل العالم المادّىّ و أجزاؤها و نظمها، و يتظاهر عالم آخر ألطف متناسبا بالحياة الاخروىّ و لذّاتها و آلامها.

و لا يمكن لنا إدراك خصوصيّاتها، و لا طريق لنا الى معرفتها.

. عَمَّ يَتَسٰاءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ كَلّٰا سَيَعْلَمُونَ

قوى

مصبا- قوى يقوى، فهو قوىّ، و الجمع أقوياء، و الاسم القوّة، و الجمع القوى، و قوى على الأمر و ليس له به قوّة، أى طاقة. و القواء: القفر، و أقوى: صار بالقواء. و أقوت الدار: خلت.

مقا- قوى: أصلان متباينان يدلّ أحدهما على شدّة و خلاف ضعف. و الآخر- على خلاف هذا و على قلّة خير. فالأوّل- القوّة، و القوىّ: خلاف الضعيف. و المقوي: الّذى أصحابه و إبله أقوياء. و رجل شديد القوى، أى شديد أسر الخلق. و الأصل الآخر- القواء الأرض لا أهل بها. و المقوي: الرجل الّذى لا زاد معه.

الفروق 86- الفرق بين القادر و القوىّ: أنّ القوىّ هو الّذى يقدر على الشي‌ء و على ما هو اكثر منه، و إنّما يقال إنّه قوى عليه: إذا كان في قدرته فضل‌

347

لغيره، و لهذا قال بعضهم: القوىّ، القادر العظيم الشأن فيما يقدر عليه. و الفرق بين القوّة و الشدّة: أنّ الشدّة في الأصل هي مبالغة في وصف الشي‌ء في صلابة، و ليس هو من قبيل القدرة، و لهذا لا يقال للّٰه شديد. و القوّة من قبيل القدرة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما به يتمكّن الحيوان من العمل، و هو مبدأ الفعل، و له مراتب في الشدّة و الضعف، فالقوّة تتّصف بهما، و ليس بمعنى الشديد حتّى يقابلها الضعيف.

و من مصاديقها القدرة، فانّها قوّة بها يفعل إن شاء أو يترك، فتفسيرها بالقدرة أيضا مسامحة.

و أمّا مفاهيم الخلوّ و الجوع و احتباس المطر و القفر: فباعتبار حصول القوّة بالخلوّ عن النبات أو السكنة أو عن الفعل و الانفعال الواقعين في حال الشبع أو بتشكّل في تجمّع ماء المطر في السحاب. مضافا الى أنّها مأخوذة أيضا من مادّة القي‌ء بمعنى إلقاء ما فيه، و بينهما اشتقاق اكبر.

ثمّ أنّ القوّة تطلق عند الإطلاق على المرتبة الشديدة منها، فيقابلها الضعيف:

. ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَيْبَةً- 30/ 54 أى ينتهى الى مرتبة من الضعف كأنّها فقدت قوّة بها يتحقّق العمل.

و القوّة أعمّ من المادّىّ المحسوس و من المعنوىّ.

فالمعنوىّ الروحانىّ: كما في-. اللّٰهُ لَطِيفٌ بِعِبٰادِهِ .... وَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ- 42/ 19. مٰا قَدَرُوا اللّٰهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللّٰهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ- 22/ 74. إِنَّ اللّٰهَ هُوَ الرَّزّٰاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ- 51/ 58. إِذْ يَرَوْنَ الْعَذٰابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّٰهِ جَمِيعاً- 2/ 165‌

348

. مٰا شٰاءَ اللّٰهُ لٰا قُوَّةَ إِلّٰا بِاللّٰهِ- 18/ 39 و لا يخفى أنّ القوّة النفسانيّة الروحانيّة: من آثار الحياة، و كلّما وسعت دائرة الحياة و تأصّلت و تحققّت في الذات، تكون القوّة شديدة، و لمّا كانت الحياة في اللّٰه المتعال ذاتيّة بلا نهاية و غير محدود: فهو تعالى قوىّ مطلق متين لا ضعف فيه، و سائر ما يرى من القوى: من آثار إفاضاته و من تجليّات حياة وجوده، و من عطايا رحمته وجوده، يقوم به حدوثا و بقاء، فالقوّة للّٰه جميعا.

و أمّا توصيفه بالعزيز: فانّ العزيز هو المتفوّق المستعلى بالنسبة الى من دونه، و هذا لاسم الكريم بعد اسم القوىّ يشير الى مقام فعليّة التفوّق و الاستعلاء و ظهور مفهوم القوّة، فانّ القوىّ يلاحظ فيه وجود القوّة المطلقة بنفسها و بحقيقتها من حيث هي.

و إذا اطلق على غير اللّٰه عزّ و جلّ: يوصف بصفة الأمين تحصيلا للطمأنينة و لرفع الوحشة و الاضطراب.

. إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ- 28/ 26 و أمّا القوّة في المادّيّات: كما في-. وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً- 47/ 13 و أمّا المطلق: كما في-. وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ- 8/ 60 و أمّا الإقواء: فهو إفعال، و يلاحظ فيه النظر الى جهة الصدور و النسبة الى الفاعل، أى جعل النفس قويّا و ذا قوّة:

. أَ فَرَأَيْتُمُ النّٰارَ الَّتِي تُورُونَ .... نَحْنُ جَعَلْنٰاهٰا تَذْكِرَةً وَ مَتٰاعاً لِلْمُقْوِينَ- 56/ 74 أى الّذين وظيفتهم الإقواء، لأنفسهم أو لعائلتهم. و الإقواء: جعل نفسه أو غيره قويّا و رفع الضعف و الحاجة من جوع أو برد أو غيرهما، فيستعمل النار لطبخ الطعام و إسخان الماء و في حرارة الهواء، حتّى يرتفع الضعف و الحاجة و يتقوّى‌

349

بها.

و ليست الكلمة بمعنى المسافرين أو النازلين في القفر: فانّ النار تذكرة و تبصرة، و متاع لكلّ محتاج الى إسخان أو حرارة، في سفر أو حضر، مضافا الى أنّ هذه المعاني خارجة عن الأصل الواحد في الكلمة.

قيض

مصبا- قيّض اللّٰهُ له كذا، أى قدّره و قايضه، و قايضته به: عاوضته عوضا بعوض.

أسا- قيّض اللّٰه له قرين سوء، و قايضته بكذا: عاوضته، و هما قيضان:

مثلان يصلح كلّ واحد منهما أن يكون عوضا من الآخر. و محّ البيض خير من القيض، و قاض الطائر البيضة فانقاضت، و بيضة مقيضة و منقاضة.

لسا- القيض: قشر البيضة اليابس الأعلى، و قيل: الّتى خرج فرخها أو ماؤها. و تقيّضت البيضة: تكسّرت. و انقاضت: تصدّعت و تشقّقت. و قيّض اللّٰه فلانا لفلان: جاءه به و أتاحه له. و قيّض اللّٰه له قرينا: هيّأه و سبّبه من حيث لا يحتسبه. و قال بعضهم: لا يكون قيّض إلّا في الشرّ. و تقيّض فلان أباه و تقيّله تقيّضا و تقيّلا: إذا نزع اليه في الشبه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو تقدير مع نزع. و من مصاديقه: التعويض مع نزع، و صدع و شقّ مع تقدير، و تسبيب أو تهيئة أو تكسير أو إتاحة إذا لوحظ فيها القيدان.

و لا يخفى ما بين موادّ العوض و القوز و القوس و القيس و القيص: من التناسب لفظا و معنى. و هو اشتقاق اكبر.

350

. وَ قَيَّضْنٰا لَهُمْ قُرَنٰاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مٰا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مٰا خَلْفَهُمْ- 41/ 25. وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطٰاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ- 43/ 36 أى نقدّر و ننزع و نخرج قرناء سوء من شياطين الانس و الجنّ.

فيستفاد من الآيتين الكريمتين أمران:

الأوّل- أنّ من علائم القرين السوء: تزيين امور الدنيا و امور الآخرة لرفيقه، و إخفاء عيوبه و نواقصه، و تحسين ما فيه من سوء الأعمال.

الثاني- أنّ الشيطان في قبال الرحمن، لا يجتمعان في مورد، و إذا أعرض العبد عن جانب الرحمن: استولى عليه حكم الشيطان.

قيل

مقا- قيل: أصل كلمه الواو، و انّما كتب هاهنا للّفظ. و القيل و القال:

قال ابن السكّيت: هما اسمان لا مصدران، و إقتال على فلان: إذا تحكّم. و ممّا شذّ عن هذا الأصل القيل شرب نصف النهار، و القائلة نوم نصف النهار. و قولهم تقيّل فلان أباه: أشبهه، إنّما الأصل تقيّض، و اللام مبدلة من ضاد.

مصبا- قال يقيل قيلا و قيلولة: نام نصف النهار. و القائلة: وقت القيلولة، و قد تطلق على القيلولة. و أقاله اللّٰه عثرته: إذا رفعه من سقوطه. و منه الإقالة في البيع، لأنّها رفع العقد. و قاله قيلا من باب باع لغة. و المقايلة و المبادلة و المعاوضة سواء.

لسا- قيل: القائلة: الظهيرة، و قد تكون بمعنى القيلولة، و هي النوم في الظهيرة. قال أبو منصور: و القيلولة عند العرب و المقيل: الاستراحة نصف النهار إذا اشتدّ الحرّ و إن لم يكن مع ذلك نوم، و الدليل على ذلك أنّ الجنّة لا نوم فيها.

الجوهري: يقال قيّله فتقيّل، أى سقاه نصف النهار فشرب. و يقال أقاله يقيله إقالة، و تقايلا إذا فسخا البيع إذا كان قد ندم أحدهما أو كلاهما، و تكون الإقالة في‌

351

البيعة و العهد. و يقال أقال اللّٰه فلانا عثرته: بمعنى الصفح عنه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو رفع ابتلاء و زوال تضيّق. و من مصاديقه:

الاستراحة بنوم أو غيره حتّى يرتفع حال التعب و الضعف. و الشرب في ساعة حرارة اليوم حتّى يرتفع حرارة القلب. و فسخ العقد إذا ظهر تضيّق و ضرر منه بالإقالة. و الصفح عن عثرة و خطأ واقع. و المعاوضة إذا كان تبديلا الى أحسن.

و بينها و بين القول اشتقاق أكبر، فانّ القول مطلق إبراز ما في الضمير. و القيل إبراز ما فيه تضيّق و ابتلاء بعمل يرفعه. و هذا المعنى يناسب حرف الياء، فانه من حروف الاعتلال و الاستفال.

. وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنٰاهٰا فَجٰاءَهٰا بَأْسُنٰا بَيٰاتاً أَوْ هُمْ قٰائِلُونَ- 7/ 4. أَصْحٰابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَ أَحْسَنُ مَقِيلًا- 25/ 25 أى في حال الاستراحة و الفراغة من التعب و الضعف و المضيقة.

و الحمد للّٰه الّذى من علينا في إتمام هذا المجلّد، و نشكره على نعمه. و كان ذلك في 27/ 12/ 62، ببلدة قم المشرّفة.

و يتلوه المجلّد العاشر في حرفى الكاف و اللام و نسأله التوفيق و التأييد، إنّه خير موفّق.