اقتصادنا

- المزيد...
886 /
69

و ليس بالتناقضات المخزونة في أعماقها. و هذا التذبذب ينعكس في تحليلها التاريخي أيضا؛ فهي بينما تصر على وجود تناقضات جذرية، في صميم كل ظاهرة اجتماعية، كفيلة بتطويرها و حركتها، تقرر من ناحية أخرى: أن الصرح الاجتماعي الهائل، يقوم كله على قاعدة واحدة، و هي: قوى الإنتاج و طريقته الخاصة، و أن الأوضاع السياسية، و الاقتصادية، و الفكرية، و غيرها، ليست الّا بنى فوقية في ذلك الصرح، و انعكاسات بشكل آخر لطريقة الإنتاج، التي قام البناء عليها. فالعلاقة- إذن- بين هذه البنى المتنوعة الألوان، و بين طريقة الإنتاج، هي: علاقة معلول بعلة.

و يعني هذا: أن الظاهرات الاجتماعية الفوقية، لم تنشأ بطريقة ديالكتيكية، وفقا للتناقضات الداخلية فيها، و إنما وجدت بأسباب خارجة عن محتواها الداخلي، و بتأثير القاعدة فيها. بل إنا نجد أكثر من هذا؛ فإن التناقض الذي يطور المجتمع- في رأي الماركسية- ليس هو التناقض الطبقي، الذي قد يعتبر بمعنى من المعاني تناقضا داخليا للمجتمع، و إنما هو التناقض بين علاقات الملكية القديمة و قوى الإنتاج الجديد. فهناك- إذن- شيئان مستقلان، يقوم التناقض بينهما، لا شي‌ء واحد يحمل في صميمه نقيضه.

و كأن الماركسية أدركت موقفها هذا، المتأرجح بين التناقضات الداخلية، و قانون العلية، و حاولت أن توفق بين الأمرين. فأعطت العلة و المعلول مفهوما ديالكتيكيا، و رفضت مفهومهما الميكانيكي، و سمحت لنفسها على هذا الأساس، أن تستعمل في تحليلها طريقة العلة و المعلول، في إطارهما الديالكتيكي الخاص. فالماركسية ترفض السببية التي تسير على خط مستقيم، و التي تظل فيها العلة خارجية بالنسبة إلى معلولها، و المعلول سلبيا بالنسبة إلى علته، لأن هذه السببية، تتعارض مع الديالكتيك، مع عملية النمو و التكامل الذاتي في الطبيعة، إذ أن المعلول طبقا لهذه السببية، لا يمكن أن يجي‌ء حينئذ أثرى من علته، و أكثر نموا، لأن هذه الزيادة في الثراء و النمو، تبقي دون تعليل. و أما المعلول الذي يولد من نقيضه، فيتطور و ينمو بحركة داخلية، طبقا لما يحتوي من تناقضات، ليعود إلى النقيض الذي أولده، فيتفاعل معه، و يحقق عن‌

70

طريقة الاندماج به، مركبا جديدا، أكثر اغتناء و ثراء، من العلة و المعلول منفردين.

فهذا هو ما تعنيه الماركسية بالعلة و المعلول، لأنه يتفق مع الديالكتيك، و يعبر عن الثالوث الديالكتيكي: الأطروحة، و الطباق، و التركيب. (1) فالعلة هي الأطروحة، و المعلول هو الطباق، و المجموع المترابط منهما هو التركيب. و العلية هنا عملية نمو و تكامل، عن طريق ولادة المعلول من العلة، أي: الطباق من الأطروحة. و المعلول في هذه العملية لا يولد سلبيا، بل يولد مزودا بتناقضاته الداخلية، التي تنميه و تجعله يحتضن علته إليه، في مركب أرقى و أكمل.

و قد استعملت الماركسية علاقات العلة و المعلول- بمفهومهما الديالكتيكي هذا- في المجال التاريخي. فلم تشذ بصورة عامة، عن الطريقة الديالكتيكية التي تتبناها، و إنما فسرت المجتمع على أساس: أن له قاعدة، تقوم عليها ظواهر فوقية، تنشأ عن تلك القاعدة، و تنمو و تتفاعل مع القاعدة، و تنتج عن التأثير المتبادل، مراحل التطور الاجتماعي، طبقا لقصة الأطروحة و الطباق و التركيب (الإثبات، و النفي، و نفي النفي) و ينطبق هذا الوصف على الماركسية، إذا استثنينا بعض الحالات، التي سجلت فيها الماركسية فشلها في تفسير الحدث التاريخي بالطريقة الديالكتيكية، فاضطرت إلى تفسير التطور الاجتماعي و الأحداث التأريخية في تلك الحالات، تفسيرا ميكانيكيا، و إن لم تسمح لنفسها بالاعتراف بهذا الفشل فلقد كتب أنجلز يقول:

«كان في إمكان المجتمعات البدائية القديمة- التي ذكرناها آنفا- أن تظل باقية في الوجود، لعدة آلاف من السنين- كما هي الحال في الهند و بين السلافيين، إلى يومنا هذا، قبل أن يؤدي تعاملها مع العالم الخارجي- إلى أن تنشأ في أوساطها اللامساواة في الملكية، التي ينجم عنها شروع هذه المجتمعات في التفكك» (2).

____________

(1) لاحظ (فلسفتنا) ص 176 و 177.

(2) (ضد دوهرنك) ج 2، ص 8.

71

ب- تزييف الديالكتيك التاريخي:

و من الضروري أن نشير بهذا الصدد، إلى رأينا في الطريقة الديالكتيكية و السببية بمعناها الديالكتيكي، و هو: أن هذه السببية القائمة على أساس التناقض (الأطروحة، و الطباق، و التركيب)، لا تستند إلى العلم، و لا إلى التحليل الفلسفي، و لا توجد تجربة واحدة في الحقل العلمي، يمكن أن تبرهن على هذا اللون من السببية، كما يرفضها البحث الفلسفي رفضا تاما. و لا نريد التوسع في درس هذه النقطة، لأننا قمنا بدراسة مفصلة لذلك، في نقدنا العام للديالكتيك- راجع (فلسفتنا)-، و إنما يعنينا و نحن في المجال التاريخي، أن نعرض نموذجا للديالكتيك التاريخي، كي يتجلى عجزه في المجال التاريخي، كما تجلى في (فلسفتنا) عجزه في المجال الكوني العام. و لنأخذ هذا النموذج، من كلام ماركس إمام الديالكتيك التاريخي، إذ حاول أن يصطنع الديالكتيك، في تفسير تطور المجتمع إلى رأسمالي، ثم إلى الاشتراكية. فكتب يقول- عن ملكية الصانع الخاصة لوسائل إنتاجه-:

«إن الاستملاك الرأسمالي، المطابق لنمو الإنتاج الرأسمالي، يشكّل: النفي الأول لهذه الملكية الخاصة، التي ليست إلا تابعا للعمل المستقل الفردي، و لكن الإنتاج الرأسمالي ينسل- هو ذاته- نفيه بالحتمية ذاتها، التي تخضع لها تطورات الطبيعة؛ إنه نفي النفي. و هو يعيد ليس ملكية الشغيل الخاصة، بل ملكيته الفردية، المؤسسة على مقتنيات و مكاسب العصر الرأسمالي، و على التعاون و الملكية المشتركة، لجميع وسائل الإنتاج بما فيها الأرض» (1).

هل رأيتم كيف ينمو المعلول، حتى يندمج مع علته في تركيب أغنى و أكمل؟ إن ملكية الصانع أو الحر في الصغير، لوسائل إنتاجه، هي: الأطروحة و العلة؛ و انتزاع الرأسمالي لتلك الوسائل منه، و تملكه لها، هو: الطباق و المعلول. و حيث إن المعلول ينمو و يزدهر، و يؤلف مع العلة تركيبا أكمل، فإن الملكية الرأسمالية تتمخض عن‌

____________

(1) (رأس المال) ج 3، ق 2، ص 138.

72

الملكية الاشتراكية، التي يعود فيها الحرفي مالكا لوسائل إنتاجه، بشكل أكثر كمالا.

و من حسن الحظ، أنه لا يكفي أن يفترض الإنسان، أطروحة و طباقا و تركيبا، في أحداث التأريخ و الكون، لكي يكون التأريخ و الكون ديالكتيكيا، فإن هذا الديالكتيك، الذي افترضه ماركس، لا يعدو أن يكون لونا من الجدل التجريدي في ذهنه، و ليس جدلا أو ديالكتيكا (1) للتأريخ، و إلا فمتى كانت ملكية الحرفي الخاصة لوسائل إنتاجه، هي العلة لتملك الرأسمالي لها؟! ليقال: إن النقيض، ولد من نقيضه، و إن الأطروحة أنشأت طباقا.

إن ملكية الحرفيين الخاصة، لوسائل إنتاجهم، لم تكن هي السبب في وجود الإنتاج الرأسمالي، و إنما وجد الإنتاج الرأسمالي، نتيجة لتحول طبقة التجار- ضمن شروط معينة، و بسبب تراكم ثرواتهم- إلى منتجين رأسماليين، و كانت ملكية الحرفيين لوسائل إنتاجهم، بصورة مبعثرة و متفرقة، عقبة في وجه أولئك التجاريين، الذين أصبحوا يمارسون الإنتاج الرأسمالي، و يطمعون في السيطرة على مزيد من وسائل الإنتاج، فاستطاعوا بنفوذهم، أن يسحقوا تلك العقبة، و ينتزعوا- بشكل أو آخر- وسائل الإنتاج من أيدي الحرفيين، ليثبتوا بذلك أركان الإنتاج الرأسمالي و يوسعوا من مداه. فالإنتاج الرأسمالي و إن احتل مكان الإنتاج الفردي، القائم على أساس ملكية الحرفي لوسائل إنتاجه، و لكنه لم ينشأ عن ملكية الحرفي لأدوات إنتاجه، كما ينشأ الطباق من الأطروحة، و إنما نشأ من ظروف الطبقة التجارية، و تراكم رأس المال عندها، بدرجة جعلها تمارس الإنتاج الرأسمالي، و بالتالي تسيطر على ممتلكات طبقة الحرفيين. و بكلمة واحدة؛ إن الشروط الخارجية- كالتجارة، و استغلال المستعمرات، و اكتشاف المناجم- لو لم تمنح التجاريين ملكية ضخمة، و قدرة على الإنتاج الرأسمالي، و على تجريد الحرفيين في نهاية المطاف من وسائلهم.، لو لم تنتج تلك الشروط لهم هذه الإمكانات، لما برز الإنتاج الرأسمالي إلى الوجود، و لما استطاعت ملكية الحرفيين أن تخلق نقيضها، و توجد الإنتاج الرأسمالي، و تطور‌

____________

(1) الجدل و الديالكتيك بمعنى واحد. (من المؤلف)

73

نفسها بالتالي إلى ملكية اشتراكية.

و هكذا لا نجد في المجال التاريخي- كما سنرى بصورة أكثر وضوحا، لدى دراستنا للمادية التأريخية، في تفاصيلها و مراحلها- كما لم يوجد في المجال الكوني العام، مثال واحد تنطبق عليه قوانين الديالكتيك و مفاهيمه عن السببية.

ج- النتيجة تناقض الطريقة:

و من أقسى ما منيت به الماركسية، في طريقتها الديالكتيكية، أنها استعملت هذه الطريقة، بشكل انتهى بها إلى نتائج غير ديالكتيكية، و لأجل هذا قلنا- منذ البدء-:

إن طريقة الماركسية في التحليل التاريخي ديالكتيكية، و لكن مضمون الطريقة يناقض الديالكتيك؛ لأن الماركسية تقرر من ناحيتها: أن التناقض الطبقي، الذي يعكس تناقضات وسائل الإنتاج و علاقات الملكية، هو الأساس الرئيسي الوحيد، للصراع في داخل المجتمع، و ليست التناقضات الأخرى إلا نابعة منه. و تقرر في نفس الوقت:

أن القافلة البشرية سائرة- حتما- في طريق محو الطبقية، من المجتمع إلى الأبد.

و ذلك حين تدق أجراس النصر للطبقة العاملة، و يولد المجتمع اللاطبقي، و تدخل الإنسانية في الاشتراكية و الشيوعية. فإذا كانت الطبقة و تناقضاتها، ستزول في تلك المرحلة من حياة المجتمع، فسوف ينقطع عنه المد التطوري، و تنطفئ شعلة الحركة الأبدية، و تحصل المعجزة، التي تشل قوانين الديالكتيك عن العمل، و إلا فكيف تفسر الماركسية حركة الديالكتيك في المجتمع اللاطبقي، ما دام التناقض الطبقي قد لاقى مصيره المحتوم، و ما دامت حركة الديالكتيك لا توجد إلا على أساس التناقض؟! و لا يزال في متناول يدنا، كلام ماركس الآنف الذكر، الذي جعل ملكية الحرفي الخاصة: أطروحة، و اعتبر أن الرأسمالية هي: النفي الأول (الطباق)، و الاشتراكية هي:

نفي النفي (التركيب).، فبإمكاننا أن نسأل ماركس: هل سوف تكف قصة الأطروحة، و الطباق، و التركيب، عن العمل بعد ذلك، بالرغم من قوانين الديالكتيك العامة؟ أو أنها ستستأنف ثالوثا جديدا؟ و إذا كانت ستستمر، فسوف‌

74

تكون الملكية الاشتراكية هي الأطروحة؛ فما هو النقيض الذي ستلده و تنمو بالاندماج معه؟ يمكننا أن نفترض: أن الملكية الشيوعية هي النقيض، أو النفي الأول للاشتراكية، و لكن ما هو نفي النفي (التركيب)؟ إن الديالكتيك سوف يبقى حائرا، بإزاء تأكيد الماركسية، على: أن الشيوعية هي المرحلة العليا من التطور البشري.

في ضوء المادية التأريخية:

و لندرس الآن المادية التأريخية في ضوء جديد، في ضوء المادية التأريخية ذاتها.

و قد يبدو غريبا لأول وهلة، أن تكون النظرية، أداة للحكم على نفسها، غير أننا سنجد فيما يلي، أن المادية التأريخية، تكفي بمفردها للحكم على نفسها، في مجال البحث العلمي.

إن المادية التأريخية لما كانت نظرية فلسفية عامة، لتركيب المجتمع و تطوره، فهي تعالج الأفكار و المعارف الإنسانية عامة، بوصفها جزءا من تركيب المجتمع الإنساني؛ فتعطي رأيها في كيفية تكوّن المعرفة الإنسانية و تطورها، كما تعطي رأيها في كيفية نشوء سائر الأوضاع السياسية و الدينية و غيرها، و لما كان الوضع الاقتصادي، في رأي المادية التأريخية، هو الأساس الواقعي للمجتمع بكل نواحيه، فمن الطبيعي لها، أن تفسر الأفكار و المعارف على أساسه؛ و لذلك نجد المادية التأريخية، تؤكد: إن المعرفة الإنسانية ليست وليدة النشاط الوظيفي للدماغ فحسب، و إنما يكمن سببها الأصيل، في الوضع الاقتصادي؛ ففكر الإنسان انعكاس عقلي للأوضاع الاقتصادية، و العلاقات الاجتماعية التي يعيشها، و هو ينمو و يتطور طبقا لتطور تلك الأوضاع و العلاقات.

و على هذا الأساس، شيّدت الماركسية نظريتها في المعرفة، و قالت: بالنسبية التطورية، و أن المعرفة ما دامت وليدة ظروفها الاقتصادية و الاجتماعية، فهي ذات قيمة نسبية، محدودة بتلك الظروف، و متطورة تبعا لها؛ فلا توجد حقيقة مطلقة، و إنما تتكشف الحقائق بشكل نسبي، من خلال العلائق الاجتماعية، و بالمقدار الذي تسمح به هذه العلائق.

75

هذه هي النتيجة التي وصلت إليها المادية التأريخية في تحليل المجتمعات، و هي النتيجة التي كان لا بد لها أن تصل إليها، وفقا لطريقة فهمها للمجتمع و التأريخ.

و بالرغم من وصول الماركسية إلى هذه النتيجة في تحليلها الاجتماعي، أبت أن تطبق هذه النتيجة على نظريتها التأريخية نفسها. فنادت بالمادية التأريخية كحقيقة مطلقة، و أعلنت على قوانينها الصارمة، بوصفها القوانين الأبدية، التي لا تقبل التغيير و التعديل، و لا يصيبها شي‌ء من عطل أو عجز، في المجرى التاريخي الطويل للبشرية.

حتى كان المفهوم الماركسي للتأريخ، نقطة انتهاء للمعرفة البشرية كلها، و لم تكلف الماركسية نفسها، أن تتساءل: من أين نشأ هذا المفهوم الماركسي؟ أو أن تخضعه لنظريتها العامة في المعرفة. و لو كلفت الماركسية نفسها شيئا من ذلك- كما يحتمه عليها الحساب العلمي- لاضطرت إلى القول: بأن المادية التأريخية، بوصفها نظرية معينة، قد انبثقت من خلال العلاقات الاجتماعية و الاقتصادية، فهي ككل نظرية أخرى، نابعة من الظروف الموضوعية التي تعيشها.

و هكذا نجد كيف أن المادية التأريخية تحكم على نفسها، من ناحية أنها تعتبر كل نظرية، انعكاسا محدودا للواقع الموضوعي الذي تعيشه. و لا تعدو هي بدورها أيضا، أن تكون نظرية قد تبلورت في ذهن أنساني، عاش ظروفا اجتماعية و اقتصادية معينة.

فيجب أن تكون انعكاسا محدودا لتلك الظروف، و متطورة تبعا لتطورها، و لا يمكن أن تكون هي الحقيقة الأبدية للتأريخ.

و نحن و إن كنا لا نؤمن: بأن العلاقات الاجتماعية و الاقتصادية، هي السبب الوحيد لولادة النظريات و الأفكار؛ و لكننا لا ننكر تأثيرها في تكوين كثير من الأفكار و النظريات. و لنضرب لذلك مثلا، على مفاهيم المادية التأريخية، و هو مفهوم ماركس الثوري للتأريخ. فقد ظن ماركس: أن إزالة المجتمع الرأسمالي، أو أي مجتمع آخر، لا يتم إلا باتصال ثوري، بين طبقتيه الأساسيتين، و هما طبقة البورجوازية، و طبقة البروليتاريا. و على هذا الأساس، اعتبر الثورة من أعمّ القوانين، التي تسيطر على التأريخ البشري كله، و جاء الماركسيون بعد ذلك، فبدلا عن محاولة استكشاف‌

76

الظروف الاجتماعية، التي أوحت إلى ماركس بحتمية الثورة و ضرورتها التأريخية، آمنوا:

بأن الثورة من القوانين الأبدية للتأريخ. مع أنها لم تكن في الحقيقة إلا فكره استوحاها ماركس، من الظروف التي عاشها، ثم قفز بها إلى مصاف القوانين المطلقة للتأريخ.

فقد عاصر ماركس، رأسمالية القرن التاسع عشر، تلك الرأسمالية المطلقة، المتميزة بظروفها السياسية و الاقتصادية الخاصة. فبدا له أن التلاحم الثوري، أقرب ما يكون إلى الوقوع، و أوضح ما يكون ضرورة، لأن البؤس و النعيم، و الفقر و الغنى، في ظل الرأسمالية المطلقة، كانا يتزايدان باستمرار و دون عائق، و كانت الظروف السياسية مظلمة إلى حد كبير، فتفتق ذهن ماركس، عن فكره النضال الطبقي، الذي يستشري و يزداد تناقضا يوما بعد يوم، حتى ينفر البركان و يحل التناقض بالثورة. فآمن: بأن الانقلاب الثوري من قوانين التأريخ العامة. و مات ماركس و اختلفت الأوضاع الاجتماعية في أوروبا الغربية، و أخذت الظروف السياسية و الاقتصادية تسير سيرا معاكسا، للاتجاه الذي قدره ماركس، فلم يتفاقم التناقض، و لم يتسع البؤس، بل أخذ بالانكماش نسبيا، و أثبتت التجارب السياسية: أن بالإمكان تحقيق مكاسب مهمة للجمهور البائس، بخوض المعترك السياسي، دونما ضرورة لتفجير البركان بالدماء.

و سار الماركسيون الاشتراكيون في اتجاهين مختلفين: أحدهما: الاتجاه الإصلاحي الديمقرطي، و الآخر: الاتجاه الانقلابي الثوري. فالاتجاه الأول، كان هو الاتجاه العام للاشتراكية، في عدة من الأقطار الأوروبية الغربية، التي بدأ للاشتراكيين، في ضوء ما حصل لها من تقدم سياسي و اقتصادي: أن الثورة أصبحت غير ضرورية.

و أما الاتجاه الثاني، فقد سيطر على الحركة الاشتراكية في أوروبا الشرقية، التي لم تشهد ظروفا فكرية و سياسية و اقتصادية، مماثلة لظروف الغرب. و قام الصراع بين الاتجاهين الماركسيين، حول تفسير الماركسية، لحساب هذا الاتجاه أو ذاك. و قدّر أخيرا للاتجاه الثوري، في أوروبا الشرقية أن ينجح. فهلل له الاشتراكيون الثوريون، و اعتبروه الدليل الحاسم على: أن الاتجاه الثوري، هو الذي تتجسد فيه‌

77

الماركسية، بمطلقاتها و أبدياتها النهائية.

وفات هؤلاء جميعا، كما فات ماركس قبلهم: أنهم ليسوا إزاء حقيقة مطلقة أبدية، و إنما هم إزاء فكره استوحاها ماركس من ظروفه، و الأجواء الفكرية و السياسية التي كان يعيشها، ثم وضع عليها المساحيق العلمية، و أعلنها قانونا مطلقا، لا تقبل التخصيص و الاستثناء.

و ليس من شاهد على ذلك، أقوى من تناقض الاشتراكية الماركسية- كما أشرنا سابقا- و اتخاذها في الشرق طابعا ثوريا، و في الغرب طابعا ديمقراطيا إصلاحيا. فإن هذا التناقض، لا يعبر في الحقيقة عن الاختلاف في فهم الماركسية، بمقدار ما يعبر عن مدى محدودية المفهوم الماركسي، لظروفه الاجتماعية الخاصة. حيث نستنتج منه:

أن الثورية الماركسية، لم تكن من حقائق التأريخ المطلقة، التي تكشفت لماركس في لحظة من الزمن، و إنما هي تعبير عن الظروف التي عاشها ماركس، و حين تطورت هذه الظروف في أوروبا الغربية، و تكشفت عن أشياء جديدة، أصبحت تلك الفكرة غير ذات معنى، بالرغم من احتفاظها بقيمتها في أوروبا الشرقية، التي لم تحدث فيها تلك الأشياء.

و لا نريد بهذا أننا نؤمن: بأن كل نظرية، لا بد أن تكون نابعة من الأوضاع الاجتماعية و السياسية، و إنما هدفنا أن نقرر:

أولا: أن بعض الأفكار و النظريات، تتأثر بالظروف الموضوعية للمجتمع، فتبدو و كأنها حقائق مطلقة، مع أنها لا تعبر إلا عن الحقيقة، في حدود تلك الظروف الخاصة. و من تلك الأفكار و النظريات بعض مفاهيم ماركس عن التأريخ.

ثانيا: أن جميع مفاهيم ماركس عن التأريخ، يجب أن تكون- في حكم المادية التأريخية، و وفقا لنظرية المعرفة الماركسية- حقائق نسبية، نابعة عن العلاقات الاجتماعية و الاقتصادية التي عاصرتها، و متطورة تبعا لتطورها. و لا يمكن أن تؤخذ المادية التأريخية، بوصفها حقيقة للتأريخ، ما دامت النظريات نتاجا للظروف النسبية المتطورة، كما تؤكد ذلك الماركسية نفسها.

78

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

79

3- النظريّة بما هي عامّة

بعد أن درسنا المادية التأريخية، في ضوء القواعد الفكرية الماركسية، من المادية الفلسفية، و الديالكتيك، و المادية التأريخة نفسها، أو بتعبير آخر: طريقة المادية التأريخية في تفسير المعرفة، و حددنا صلتها بتلك القواعد- بعد أن درسنا ذلك كله- حان الوقت للانتقال إلى المرحلة الثانية، من دراسة المادية التأريخية، و ذلك أن نتناولها بما هي نظرية عامة، تستوعب بتفسيرها حياة الإنسان، و تأريخه الاجتماعي كله، و ندرسها بصفتها العامة هذه، بقطع النظر عن تفاصيلها، و خصائص كل مرحلة من مراحلها.

و حين نتناولها بهذا الوصف، نجد بين يدي البحث عدة أسئلة، تنتظر الجواب عليها:

فأولا: ما هو نوع الدليل، الذي يمكن تقديمه لإثبات الفكرة الأساسية، في المادية التأريخية- و هي: أن الواقع الموضوعي لقوي الإنتاج، هو القوة الرئيسية للتأريخ، و العامل الأساسي في حياة الإنسان-؟

و ثانيا: هل يوجد مقياس أعلى، توزن به النظريات العلمية؟ و ما هو موقف هذا المقياس من النظرية الماركسية عن التأريخ؟

و ثالثا: هل استطاعت المادية التأريخية حقا، أن تملأ بتفسيرها الافتراضي، كل الشواغر في التأريخ الإنساني، أو بقيت عدة جوانب عامة من الحياة الإنسانية، خارج حدود التفسير المادي للتأريخ؟

80

و سوف ندير البحث، حول الجواب على هذه الأسئلة الثلاثة. حتى إذا انتهينا من ذلك، انتقلنا إلى المرحلة الثالثة، من درس المادية التأريخية، درس تفاصيلها و مراحلها المتعاقبة.

أولا: ما هو نوع الدليل على المادية التأريخية؟:

و لكي تتاح لنا معرفة الأساليب، التي تستعملها الماركسية، للتدليل على مفهومها المادي للتأريخ، يجب استيعاب مجموعة ضخمة، من أفكار المادية التأريخية و كتبها، لأن الأساليب معروضة بشكل متقطع، و موزع في مجموع كتابات الماركسية.

و يمكننا تلخيص الأدلة التي تستند إليها المادية التأريخية، في أمور ثلاثة:

أ الدليل الفلسفي.

ب- الدليل السيكولوجي.

ج‍ الدليل العلمي‌

أ الدليل الفلسفي:

أما الدليل الفلسفي- و نعني به: الدليل الذي يعتمد على التحليل الفلسفي للمشكلة، و ليس على التجارب و الملاحظة المأخوذة عن مختلف عصور التأريخ- فهو: أن خضوع الأحداث التأريخية لمبدإ العلية، الذي يحكم العالم بصورة عامة، يرغمنا على التساؤل عن سبب التطورات التأريخية، التي تعبر عنها أحداث التأريخ المتعاقبة، و تياراته الاجتماعية، و الفكرية و السياسية المختلفة. فمن الملاحظ بكل سهولة:

أن المجتمع الأوروبي الحديث- مثلا- يختلف في محتواه الاجتماعي، و ظواهره المتنوعة، عن المجتمعات الأوروبية قبل عشرة قرون. فيجب أن يكون لهذا الاختلاف الاجتماعي الشامل سببه، و أن نفسر كل تغير في الوجود الاجتماعي، في ضوء الأسباب الأصيلة، التي تصنع هذا الوجود و تغيره، كما يدرس العالم الطبيعي في الحقل الفيزيائي، كل ظاهرة طبيعية في ضوء أسبابها، و يفسرها بعلتها لأن المجالات‌

81

الكونية كلها (الطبيعية و الإنسانية) خاضعة لمبدإ العلية. فما هو السبب- إذن- لكل التغييرات الاجتماعية، التي تبدو على مسرح التأريخ؟ قد يجاب على هذا السؤال:

بأن السبب هو: الفكر أو الرأي السائد في المجتمع. فالمجتمع الأوروبي الحديث، يختلف عن المجتمع الأوروبي القديم، تبعا لنوعية الأفكار و الآراء الاجتماعية العامة، السائدة في كل من المجتمعين.

و لكن هل يمكن أن نقف عند هذا، في تفسير التأريخ و المجتمع؟

إننا إذا تقدمنا خطوة إلى الامام، في تحليلنا التاريخي، نجد أنفسنا مرغمين على التساؤل: عما إذا كانت آراء البشر و أفكارهم، خاضعة لمجرد المصادفة. و من الطبيعي أن يكون الجواب على هذا السؤال- في ضوء مبدأ العلية- سلبيا. فليست آراء البشر و أفكارهم، خاضعة للمصادفة، كما أنها ليست فطرية تولد مع الناس و تموت بموتهم، و إنما هي آراء و أفكار مكتسبة، تحدث و تتغير و تخضع، في نشوئها و تطورها، لأسباب خاصة، فلا يمكن- إذن- اعتبارها السبب النهائي للأحداث التأريخية و الاجتماعية، ما دامت هي بدورها، إحداثا خاضعة لأسباب و قوانين محددة. بل يجب أن نفتش عن العوامل المؤثرة، في نشوء الآراء و الأفكار و تطورها. فلما ذا- مثلا- ظهر القول بالحرية السياسية في العصر الحديث، و لم يوجد في قرون أوروبا الوسطى؟ و كيف شاعت الآراء التي تعارض الملكية الخاصة، في المرحلة التأريخية الحاضرة، دون المراحل السابقة؟

و هنا قد نفسر- بل من الضروري أن نفسر- نشوء الآراء و تطورها، عن طريق الأوضاع الاجتماعية، بصورة عامة، أو بعض تلك الأوضاع- كالوضع الاقتصادي- بوجه خاص. و لكن هذا لا يعني أننا تقدمنا في حل المشكلة الفلسفية شيئا، لأننا لم نصنع أكثر من أننا فسرنا تكون الآراء و تطورها، تبعا لتكون الأوضاع الاجتماعية و تطورها، و بذلك انتهينا إلى النقطة التي ابتدأنا بها، انتهينا إلى الأوضاع الاجتماعية، التي كنا نريد منذ البدء أن نفسرها، و نستكشف أسبابها. فإذا كانت الآراء وليدة الأوضاع الاجتماعية، فما هي الأسباب التي تنشأ عنها الأوضاع الاجتماعية،

82

و تتطور طبقا لها؟ و بكلمة أخرى: ما هو السبب الأصيل للمجتمع و التأريخ؟

و ليس إمامنا- في هذا الحال- لاستكشاف أسباب الوضع الاجتماعي و تفسيره إلا أحد سبيلين:

الأول: أن نرجع إلى الوراء خطوة، فنكرر الرأي السابق، القائل: بتفسير الأوضاع الاجتماعية- بمختلف ألوانها، السياسية و الاقتصادية و غيرها- بالأفكار و الآراء.

و نكون حينئذ قد درنا في حلقة مفرغة؛ لأننا قلنا أولا: إن الآراء و الأفكار وليدة الأوضاع الاجتماعية، فإذا عدنا لنقول: إن هذه الأوضاع نتيجة للأفكار و الآراء، رسمنا بذلك خطا دائريا، و رجعنا من حيث أردنا أن نتقدم.

و هذا السبيل، هو الذي سار فيه المفسرون المثاليون للتأريخ جميعا. قال بليخانوف:

«وجد هيجل نفسه، في ذات الحلقة المفرغة، التي وقع فيها علماء الاجتماع، و المؤرخون الفرنسيون. فهم يفسرون الوضع الاجتماعي، بحالة الأفكار، و حالة الأفكار بالوضع الاجتماعي. و ما دامت هذه المسألة بلا حل، كان العلم لا ينفك عن الدوران في حلقة مفرغة، بإعلانه: أن (ب) سبب (أ)، مع تعيينه (أ) كسبب ل‍- (ب)» (1).

و السبيل الآخر (سبيل الماركسية): أن نواصل تقدمنا في التفسير و التعليل، وفقا لمبدإ العلية، و نتخطى أفكار الإنسان و آرائه، و علاقاته الاجتماعية بمختلف إشكالها، نتخطاها لأنها كلها ظواهر اجتماعية، تحدث و تتطور، فهي بحاجة إلى تعليل و تفسير. و لا يبقى علينا في هذه اللحظة الحاسمة، من تسلسل البحث، إلا أن نفتش عن سر التأريخ، خارج نطاق الطبيعة، التي يمارسها الإنسان منذ أقدم العصور. إن قوى الإنتاج هذه، هي وحدها التي يمكنها أن تجيب على السؤال، الذي كنا نعالجه:

لماذا و كيف حدثت الأحداث التأريخية، و تطورت وفقا للضرورة الفلسفية، القائلة:

بأن الأحداث لا تخضع للمصادفة، و إن لكل حادثة سببها الخاص (مبدأ العلية)؟

____________

(1) (فلسفة التأريخ) ص 44.

83

و هكذا لا يمكن للتفسير التاريخي، أن ينجو من الحركة الدائرية العقيمة في مجال البحث، إلا إذا وضع يده على وسائل الإنتاج، كسبب أعلى للتأريخ و المجتمع.

هذا هو الدليل الفلسفي. و قد حرصنا على عرضه بأفضل صورة ممكنة. و يعد أهم كتاب استهدف بمجموعة بحوثه كلها، التركيز على هذا اللون من الاستدلال:

(فلسفة التأريخ)، للكاتب الماركسي الكبير بليخانوف، و قد لخصنا الدليل الآنف الذكر من مجموعة بحوثه.

و الآن بعد أن أدركنا الدليل الفلسفي للنظرية بشكل جيد، أصبح من الضروري تحليل هذا الدليل و درسه، في حدود الضرورة الفلسفية، القائلة: إن الأحداث لا تنشأ صدفة (مبدأ العلية).

فهل هذا الدليل الفلسفي صحيح؟ هل صحيح: أن التفسير الوحيد، الذي تنحل به المشكلة الفلسفية للتأريخ، هو: تفسيره بوسائل الإنتاج؟

و لكي نمهد للجواب على هذا السؤال، نتناول نقطة واحدة بالتحليل، تتصل بوسائل الإنتاج، التي اعتبرتها الماركسية السبب الأصيل للتأريخ. و هذه النقطة هي:

أن وسائل الإنتاج ليست جامدة ثابتة، بل هي بدورها- أيضا- تتغير و تتطور على مر الزمن، كما تتغير أفكار الإنسان و أوضاعه الاجتماعية؛ فتموت وسيلة إنتاج، و تولد وسيلة أخرى. فمن حقنا أن نتساءل عن السبب الأعمق الذي يطور القوى المنتجة، و يكمن وراء تأريخها الطويل، كما تساءلنا عن الأسباب و العوامل التي تصنع الأفكار، أو تصنع الأوضاع الاجتماعية.

و نحن حين نتقدم بهذا السؤال إلى بليخانوف- صاحب الدليل الفلسفي- و أضرابه من كبار الماركسيين، لا ننتظر منهم الاعتراف بوجود سبب أعمق للتأريخ، وراء القوى المنتجة، لأن ذلك يناقض الفكرة الأساسية، في المادية التأريخية، القائلة:

بأن وسائل الإنتاج، هي المرجع الأعلى في دنيا التأريخ. و لهذا فإن هؤلاء حين يجيبون على سؤالنا، يحاولون أن يفسروا تأريخ القوى المنتجة و تطورها بالقوى المنتجة ذاتها، قائلين: إن قوى الإنتاج، هي التي تطور نفسها، فيتطور تبعا لها المجتمع‌

84

كله. و لكن كيف يتم ذلك؟ و ما هو السبيل الذي تنهجه القوى المنتجة لتطوير نفسها؟ إن جواب الماركسية على هذا السؤال جاهز أيضا، فهي تقول في تفسير ذلك: إن القوى المنتجة خلال ممارسة الإنسان لها، تولّد و تنمي، في ذهنه باستمرار، الأفكار و المعارف التأملية (1). فالأفكار التأملية، و المعارف العلمية، تنتج كلها عن التجربة، خلال ممارسة الإنسان لقوي الطبيعة المنتجة، و حين يكسب الإنسان تلك الأفكار و المعارف، عن طريق ممارسة القوى الطبيعية المنتجة، تصبح هذه الأفكار التأملية و المعارف العلمية، قوى يستعين بها الإنسان على إيجاد وسائل إنتاج، و تجديد القوى المنتجة، و تطويرها باستمرار.

و معنى هذا: أن تأريخ تطور القوى المنتجة، تم وفقا للتطور العلمي و التأملي، و نشأ عنه. و التطور العلمي بدوره، نشأ عن تلك القوى خلال تجربتها. و بهذا استطاعت الماركسية، أن تضمن لوسائل الإنتاج، موقعها الرئيسي من التأريخ، و تفسر تطورها عن طريق الأفكار التأملية، و المعارف العلمية المتزايدة، الناشئة بدورها عن قوى الإنتاج، دون أن تعترف بسبب أعلى من وسائل الإنتاج.

و قد أكد أنجلز على إمكان هذا اللون من التفسير- تفسير كل من قوى الإنتاج‌

____________

(1) فإن أفكار الإنسان تنقسم إلى فئتين: إحداهما: الأفكار التأملية، و نعني بها: معلومات الإنسان عن الكون الذي يعيش فيه، و ما يزخر به من ألوان الوجود، و ما تسيره من قوانين، نظير معرفتنا بكروية الأرض، أو أساليب تدجين الحيوان، أو بأساليب تحويل الحرارة إلى حركة، و المادة إلى طاقة، أو بأن كل حادثة خاضعة لسبب، و ما إلى ذلك، من آراء تدور حول تحديد طبيعة العالم، و نوعية القوانين التي تحكم عليه.

و الفئة الأخرى من أفكار الإنسان: الآراء العملية، و هي: آراء الناس في السلوك، الذي ينبغي أن يتبعه الفرد و المجتمع، في المجالات السياسية، و الاقتصادية، و الشخصية، كرأي المجتمع الرأسمالي، في العلاقة التي ينبغي أن تقوم بين العامل و صاحب المال، و رأي المجتمع الاشتراكي في رفض هذه العلاقة، أو رأي هذا المجتمع أو ذاك، في السلوك الذي ينبغي أن يتبعه الزوجان، أو النهج السياسي الذي يجب على الحكومة اتباعه.

فالأفكار التأملية: هي إدراكات لما هو واقع و كائن، و الأفكار العملية: إدراكات لما ينبغي أن يكون، و ما ينبغي أن لا يكون. (من المؤلف)

85

و الأفكار التأملية في تطورهما بالآخر- و نوّه: بأن الديالكتيك لا يقر تصور العلة و المعلول بوصفهما قطبين متعارضين؛ تعارضا حادا، كما اعتاد غير الديالكتيكيين لإدراكهما كذلك. فهم يرون دائما العلة هنا، و المعلول هناك، و إنما يفهم الديالكتيك العلة و المعلول، على شكل فعل ورد فعل للقوى.

هذه هي النقطة التي أوضحناها، تمهيدا لتحليل الدليل الفلسفي و نقده، كي نقول: إذا كان هذا ممكنا من الناحية الفلسفية، و جاز أن يسير التفسير في حلقة دائرية- كما صنعت الماركسية بالنسبة إلى القوي المنتجة و تطورها- فلما ذا لا يمكن فلسفيا، أن نصطنع نفس الأسلوب، في تفسير الوضع الاجتماعي؟! فنقرر: أن الوضع الاجتماعي- في الحقيقة- عبارة عن التجربة الاجتماعية، التي يخوضها الإنسان خلال علاقاته بالأفراد الآخرين، كما يخوض تجربته الطبيعية مع القوى المنتجة خلال عمليات الإنتاج، فكما أن الأفكار التأملية للإنسان، تنمو و تتكامل في ظل التجربة الطبيعية، ثم تؤثر بدورها في تطوير التجربة و تجديد وسائلها، كذلك الأفكار العملية للمجتمع، تنمو و تتطور في ظل التجربة الاجتماعية، و تؤثر في تطويرها و تجديدها.

فوعي الإنسان العلمي للكون، ينمو باستمرار من خلال التجربة الطبيعية، و تنمو بسببه التجربة الطبيعية و قواها المنتجة نفسها. و كذلك وعي الإنسان العملي للعلاقات الاجتماعية، ينمو باستمرار من خلال التجربة الاجتماعية، و تتطور بسببه التجربة الاجتماعية نفسها، و علاقاتها السائدة.

و على هذا الأساس، لا مانع من ناحية فلسفية، يمنع الماركسية من أن تفسر الوضع الاجتماعي، عن طريق الآراء العملية، ثم تفسر تغير الآراء و تطورها، عن طريق التجربة الاجتماعية، المتمثلة في الأوضاع السياسية و الاقتصادية و غيرها، لأن هذا التفسير المتبادل للوضع الاجتماعي و الوعي العملي، نظير تفسير الماركسية- تماما- لكل من تأريخ القوى المنتجة و الوعي العلمي، بالآخر.

و السؤال بعد هذا كله: لماذا يجب أن ندخل وسائل الإنتاج، في حساب التفسير‌

86

التاريخي و الاجتماعي؟! و لماذا لا يمكن أن نكتفي بهذا التفسير المتبادل، للوضع الاجتماعي و الأفكار، أحدهما بالآخر؟! إن الضرورة الفلسفية، و مفاهيم العلة و المعلول، التي أكد عليها أنجلز، تسمح لنا بمثل هذا التفسير، فإن كانت توجد أسباب تمنع عن الأخذ به، فإنما هي الملاحظات و التجارب التأريخية. و ذلك ما سوف نتناوله في الدليل العلمي.

ب- الدليل السيكولوجي:

نقطة البدء في هذا الدليل، هي: محاولة التدليل على: أن نشوء الفكر في حياة الإنسانية، كان نتاجا لظواهر و أوضاع اجتماعية معينة. و ينتج عن ذلك: أن الكيان الاجتماعي، سبق في وجوده التاريخي، وجود الفكر، فلا يمكن أن نفسر الظواهر الاجتماعية، في تكوينها الأول و نشوئها، بعامل مثالي، كأفكار الإنسان، ما دامت هذه الأفكار لم تظهر في التأريخ، إلا بصورة متأخرة عن حدوث ظواهر اجتماعية معينة، في حياة الناس. و ليس من اتجاه علمي بعد ذلك، لتفسير المجتمع و تعليل ولادته، إلا الاتجاه المادي، الذي يطرح العوامل الفكرية جانبا، و يفسر المجتمع بالعامل المادي، بوسائل الإنتاج.

فالنقطة الرئيسية في هذا الدليل- إذن- أن نبرهن على: أن الأفكار لم تحدث في عالم الإنسانية، إلا كنتيجة ظاهرة اجتماعية سابقة؛ لكي يستنتج من ذلك: أن المجتمع سابق تأريخيا على الفكر، و ناشئ عن العوامل المادية، و ليس ناشئا عن الأفكار و الآراء.

أما كيف عالجت الماركسية هذه النقطة الرئيسية؟ و برهنت عليها؟ فهذا ما يتضح في تأكيد الماركسية، على: أن الأفكار وليدة اللغة، و ليست اللغة إلا ظاهرة اجتماعية. قال ستالين:

«يقال: إن الأفكار تأتي في روح الإنسان، قبل أن تعبر عن نفسها في الحديث، و إنها تولد دون أدوات اللغة، أي: دون إطار اللغة، أو بعبارة أخرى: تولد عارية.

87

إلا أن هذا خطأ تماما، مهما كانت الأفكار، التي تأتي في روح الإنسان فلا يمكن أن تولد و توجد، إلا على أساس أدوات اللغة، أي: على أساس الألفاظ و الجمل اللغوية. فليس هناك أفكار عارية متحررة من أدوات اللغة، أو متحررة من المادة الطبيعية، التي هي اللغة. فاللغة هي الواقع المباشر للفكر، و لا يمكن أن يتحدث عن فكر، بدون لغة، إلا المثاليون وحدهم» (1).

و هكذا ربط ستالين، بين الفكر و اللغة، و اعتبر اللغة أساسا لوجود الفكر. فلا يمكن الحديث عن أفكار عارية، دون أدوات اللغة.

و جاء بعد ذلك الكاتب الماركسي الكبير جورج بولتزير، ليبرهن على هذه الحقيقة المزعومة، في ضوء بعض الاكتشافات السيكولوجية، أو بالأحرى في ضوء الأساس الفسيولوجي لعلم النفس، الذي وضعه العالم الشهير بافلوف، مستخلصا له من تجارب عديدة قام بها.

فقد كتب بولتزير، معلقا على كلام ستالين الآنف الذكر:

«و لقد لاقت مبادئ المادية هذه، تدعيما باهرا في العلوم الطبيعية، بفضل الأبحاث الفسيولوجية، التي قام بها العالم العظيم بافلوف. فقد اكتشف بافلوف: أن العمليات الأساسية في النشاط المخي، هي الأفعال المنعكسة الشرطية، التي تكون في ظروف محدودة، و التي تطلقها الإحساسات، سواء الخارجية أو الداخلية. و أثبت بافلوف: أن هذه الإحساسات، تقوم بدور الإشارات الموجهة، بالنسبة لكل نشاط الكائن العضوي الحي. و قد اكتشف من ناحية أخرى: أن الكلمات- بمضمونها و معناها- يمكن أن تحل محل الإحساسات، التي تحدثها الأشياء التي تدل عليها. و هكذا تكون الكلمات إشارات للإشارات، أي: نظاما ثانيا في العملية الإشارية، يتكون على أساس‌

____________

(1) جورج بولتزير، (المادية و المثالية في الفلسفة) ص 77. و نود أن نشير هذه المناسبة إلى: أن هذا الكتاب ليس من نتاج جورج بولتزير، و إنما قام بتأليفه كاتبان ماركسيان هما: جي‌ميس و موريس كافيج، و منحا كتابهما اسم بولتزير، و لأجل هذا نضيف ما في هذا الكتاب إليه. (من المؤلف)

88

النظام الأول، و يكون خاصا بالإنسان. و هكذا تعتبر اللغة، هي شرط النشاط الراقي في الإنسان، و شرط نشاطه الاجتماعي و ركيزة الفكر المجرد، الذي يتخطى الإحساس الوقتي، و ركيزة النظر العقلي. فهي التي تتيح للإنسان أن يعكس الواقع، بأكبر درجة من الدقة. و بهذه الطريقة أثبت بافلوف: أن ما يحدد- أساسا- شعور الإنسان ليس جهازه العضوي، و ظروفه البيولوجية، بل يحدده- على عكس ذلك- المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان» (1).

و لنأخذ بشي‌ء من التوضيح، محاولة بولتزير هذه، التي استدل فيها على رأي الماركسية، بأبحاث بافلوف.

يرى بولتزير: أن من رأي بافلوف في العمليات الأساسية للمخ: أنها كلها استجابات لمنبهات و إشارات معينة. و هذه المنبهات و الإشارات، هي بالدرجة الأولى الإحساسات. و من الواضح أن الاستجابة التي تحصل عن طريق الإحساسات، ليست فكره عقلية مجردة عن الشي‌ء، لأنها لا تحصل إلا لدى الإحساس بالشي‌ء المعين، فهي لا تتيح للإنسان أن يفكر في شي‌ء غائب عنه. و بالدرجة الثانية يأتي دور اللغة، و الأدوات اللفظية، لتقوم بدور المنبهات و الإشارات الثانوية. فيشرط كل لفظ بإحساس معين من تلك الإحساسات، فيصبح منبها شرطيا بالدرجة الثانية. و يتاح للإنسان أن يفكر، عن طريق الاستجابات، التي تطلقها المنبهات اللغوية إلى ذهنه.

فاللغة- إذن- هي أساس الفكر. و حيث إن اللغة ليست إلا ظاهرة اجتماعية، فالفكر ليس- على هذا- إلا ظاهرة ثانوية للحياة الاجتماعية.

هذه هي الفكرة التي عرضها بولتزير.

و بدورنا نتساءل: هل اللغة هي أساس الفكر حقا، فليس هناك أفكار عارية متحررة من أدوات اللغة- على حد تعبير ستالين-؟ و لأجل التوضيح نطرح المسألة على الوجه التالي: هل أن اللغة هي التي خلقت من الإنسان كائنا مفكرا، بصفتها ظاهرة اجتماعية معينة- كما يقرر بولتزير-؟ أو أنها وجدت في حياة الإنسان‌

____________

(1) (المادية و المثالية في الفلسفة) ص 78.

89

المفكر، نتيجة لأفكار كانت تريد الوسيلة للتعبير عنها، و عرضها على الآخرين؟

و نحن لا نستطيع أن نأخذ بالتقدير الأول، الذي حاول بولتزير التأكيد عليه، حتى حين ننطلق في البحث من تجارب بافلوف، و القاعدة التي وضعها عن المنبهات الطبيعية و الشرطية.

و لكي تكون أكثر وضوحا، يجب إعطاء فكره مبسطة عن آراء بافلوف، و طريقته في تفسير الفكر، تفكيرا فسيولوجيا. فإن هذا العالم الشهير، استطاع أن يدلل بالتجربة، على: أن شيئا معينا إذا ارتبط بمنبه طبيعي، اكتسب نفس فعاليته، و أخذ يقوم بدوره، و يحدث نفس الاستجابة التي يحدثها المنبه الطبيعي. فتقديم الطعام إلى الكلب- مثلا- منبه طبيعي، يحدث فيه استجابة معينة، إذ يسيل لعابه أول ما يرى الإناء الذي يحتوي على الطعام. و قد لاحظ ذلك بافلوف، فأخذ يدق جرسا عند تقديم الطعام إلى الكلب، و كرر هذا عدة مرات. ثم أخذ يدق الجرس من دون تقديم الطعام. فوجد أن لعاب الكلب يسيل. و استنتج من هذه التجربة: أن دق الجرس أصبح يحدث نفس الاستجابة، التي كان المنبه الطبيعي (تقديم الطعام) يحدثها، و يؤدي نفس دوره، بسبب اقترانه و اشتراطه به عدة مرات. و لهذا أطلق على دق الجرس اسم: المنبه الشرطي، و سمي تحلب اللعاب و سيلانه، الذي يحدث بسبب دق الجرس: استجابة شرطية.

و على هذا الأساس حاول جماعة، أن يفسروا الفكر الإنساني كله، تفسيرا فسيولوجيا، كما يفسر تحلب اللعاب عند الكلب تماما. فأفكار الإنسان كلها استجابات لمختلف أنواع المنبهات. و كما أن تقديم الطعام إلى الكلب منبه طبيعي، يستثير استجابة طبيعية و هي سيلان اللعاب، كذلك توجد بالنسبة إلى الإنسان منبهات طبيعية، تطلق استجابات معينة، أعتدنا أن نعتبرها ألوانا من الإدراك. و تلك المنبهات، التي تطلق هذه الاستجابات، هي: الإحساسات الداخلية و الخارجية.

و كما أن دق الجرس اكتسب نفس الاستجابة، التي يحدثها تقديم الطعام إلى‌

90

الكلب، بالاقتران و الاشتراط، كذلك توجد أشياء كثيرة، اقترنت بتلك المنبهات الطبيعية للإنسان، فأصبحت منبهات شرطية له. و من تلك المنبهات الشرطية: كل أدوات اللغة. فلفظة الماء- مثلا- تطلق نفس الاستجابة، التي يطلقها الإحساس بالماء، بسبب اقترانها و اشتراطها به. فالإحساس بالماء، أو الماء المحسوس: منبه طبيعي، و لفظ الماء: منبه شرطي، و كلاهما يطلقان في الذهن، استجابة من نوع خاص.

و قد افترض بافلوف، لأجل ذلك، نظامين إشاريين:

أحدهما: النظام الإشاري، الذي يتكون من مجموعة المنبهات الطبيعية، و المنبهات الشرطية، التي لا تتدخل فيها الألفاظ.

و الآخر: النظام الإشاري المشتمل على الألفاظ و الأدوات اللغوية، بصفتها منبهات شرطية ثانوية. فهي منبهات ثانوية، اشرطت بمنبهات النظام الإشاري الأول، و اكتسبت بسبب ذلك، قدرتها على إثارة استجابات شرطية معينة.

و النتيجة التي تنتهي إليها آراء بافلوف هي: أن الإنسان لا يمكنه أن يفكر بدون منبه، لأن الفكر ليس إلا استجابة من نوع خاص للمنبهات. كما أنه لا يتاح له الفكر العقلي المجرد، إلا إذا وجدت بالنسبة إليه منبهات شرطية، اكتسبت عن طريق اقترانها بالإحساسات، نفس الاستجابات التي تطلقها تلك الأحاسيس. و أما إذا بقي الإنسان رهن إحساساته، فلا يستطيع أن يفكر تفكيرا مجردا، أي: أن يفكر في شي‌ء غائب عن حسه. فلكي يكون الإنسان كائنا مفكرا، لا بد من أن توجد له منبهات، وراء نطاق الإحساسات (نطاق المنبهات الطبيعية).

و لنفترض أن هذا كله صحيح. فهل يعني ذلك: أن اللغة هي أساس وجود الفكر في الحياة الإنسانية؟ كلا، فإن أشراط شي‌ء معين بالمنبه الطبيعي، لكي يكون منبها شرطيا، يحصل تارة بصورة طبيعية؛ كما إذا اتفق أن اقترنت رؤية الماء بصوت معين، أو بحالة نفسية معينة، مرات عديدة، حتى أصبح ذلك الصوت أو هذه الحالة، منبها شرطيا، يطلق نفس الاستجابة التي كان يطلقها الإحساس بالماء.

91

فالإشراط في هذه الحالات أشراط طبيعي. و يحصل هذا الإشراط، تارة أخرى، نتيجة لقصد معين؛ كما في سلوكنا مع الطفل إذ نقدم له شيئا كالحليب، و نكرر له اسمه، حتى يربط بين الكلمة و الشي‌ء، و يصبح الاسم منبها شرطيا للطفل، نتيجة للطريقة التي اتبعناها معه.

و لا شك في أن عدة من الأصوات و الأحداث، قد اقترنت بمنبهات طبيعية، عبر حياة الإنسان، و أشرطت بها إشراطا طبيعيا. و أصبحت بذلك تطلق استجابات معينة، في ذهن الإنسان. و أما أدوات اللغة- على وجه العموم- و ألفاظها، التي تم أشراطها خلال عملية اجتماعية، فهي إنما أشرطت نتيجة لحاجة الإنسان، إلى التعبير عن أفكاره و نقلها إلى الآخرين، أي: أنها وجدت في حياة الإنسان، لأنه كائن مفكر، يريد التعبير عن أفكاره، لا أن الإنسان أصبح كائنا مفكرا، بسبب أن اللغة وجدت في حياته. و إلا فلما ذا وجدت في حياته خاصة، و لم توجد في حياة سائر أنواع الحيوان؟! فاللغة ليست أساس الفكر، و إنما هي أسلوب خاص للتعبير عنه، اتخذه الإنسان منذ أبعد العصور، حين وجد نفسه- و هو يخوض معركة الحياة مع أفراد آخرين- بحاجة ملحة إلى التعبير عن أفكاره، و تفهم أفكار الآخرين، في سبيل تيسير العمليات التي يقومون بها، و تحديد الموقف المشترك أمام الطبيعة، و ضد القوى المعادية.

و إنما تعلم الإنسان أن يتخذ هذا الأسلوب (أسلوب اللغة) بالذات، للتعبير عن أفكاره، في ضوء ما تم بفعل الطبيعة، أو المصادفة، من أشراط بعض الأصوات ببعض المنبهات الطبيعية، عن طريق اقترانها بها مرارا. فقد استطاع الإنسان أن ينتفع بذلك، في نطاق أوسع، فوجدت اللغة في حياته.

و هكذا نعرف: أن اللغة بوصفها ظاهرة اجتماعية، إنما نجمت عن إحساس الإنسان، خلال العمل الاجتماعي المشترك، بالحاجة إلى ترجمة أفكاره، و الإعلان عنها، و ليست هي التي خلقت من الإنسان كائنا مفكرا.

و على هذا الأساس، نستطيع أن نعرف: لماذا ظهرت اللغة في حياة الإنسان، دون غيره من أنواع الحيوان- كما ألمحنا سابقا-؟ بل أن نعرف أكثر من ذلك: لماذا وجد‌

92

المجتمع الإنساني، و لم يوجد مجتمع كهذا، لأي كائن حي آخر؟ فإن الإنسان، لما كان قادرا على التفكير، فقد أتيح له وحده، أن يتخطى حدود الإحساس، فيغير من الواقع الذي يحسه، و بالتالي يغير من إحساساته نفسها، تبعا لتغيير الواقع المحسوس. و لم يتح هذا لأي حيوان آخر، لا يملك قدرة على التفكير، لأنه لا يستطيع أن يدرك و يفكر في شي‌ء، سوى الواقع المحسوس، بأشكاله الخاصة، فلا يمكنه أن يغير الواقع إلى شي‌ء آخر.

و هكذا كان التفكير، هو الذي خص الإنسان بالقدرة، على تغيير الواقع المحسوس، تغييرا حاسما.

و لما كانت عملية تغيير الواقع هذه، تتطلب في كثير من الأحايين، جهودا متنوعة و كثيرة، فهي تتخذ لأجل ذلك طابعا اجتماعيا، إذ يقوم بها أفراد متعددون، وفقا لنوعية العملية و مدى الجهود التي تتطلبها، و بذلك توجد علاقة اجتماعية بينهم، لم يكن من الممكن أن توجد علاقة من لونها، بين أفراد نوع آخر من الحيوان، لأن الحيوانات الأخرى، حيث إنها ليست كائنات مفكرة، فهي عاجزة عن القيام بعمليات تغيير حاسم، للواقع المحسوس، و بالتالي لا توجد فيما بينها علاقة اجتماعية، من ذلك اللون.

و منذ يدخل الناس في عمليات مشتركة، لتغيير الواقع المحسوس، يصبحون بحاجة إلى لغة، لأن الإشارات الحسية، إنما تعبر عن الواقع المحسوس، و لا تستطيع أن تعبر عن فكره تغييره، و عن الروابط الخاصة بين الأشياء المحسوسة، التي يراد تعديلها أو تغييرها. فتوجد اللغة في حياة الإنسان، إشباعا لهذه الحاجة. و إنما وجدت في حياته وحده، لأن الحيوان لم يشعر بمثل هذه الحاجة الإنسانية، التي كانت وليدة العمل الاجتماعي، القائم على أساس التفكير لتغيير الواقع المحسوس، و إيجاد تعديلات حاسمة فيه.

ج‍- الدليل العلمي:

يسير التفسير العلمي لظواهر الكون المتنوعة، في خط متدرج. فهو يبدأ بوصفه فرضية، أي: تفسيرا افتراضيا للواقع، الذي يعالجه العالم، و حاول استكشاف إسراره‌

93

و أسبابه. و لا يصل هذا التفسير الافتراضي، إلى الدرجة العلمية، إلا إذا استطاع الدليل العلمي، أن يبرهن، و ينفي إمكان أي تفسير آخر للظاهرة (موضوعة البحث) عداه.

فما لم يقم الدليل على ذلك، لا يصل التفسير المفترض، إلى درجة اليقين العلمي، و لا يوجد مبرر لقبوله، دون سواه من الافتراضات و التفاسير. فمثلا، قد نجد شخصا معينا، يلتزم في ساعة معينة، بالعبور من شارع خاص. و قد نفترض لتفسير هذه الظاهرة: أن هذا الشخص يسلك هذا الطريق بالذات، في كل يوم، لأن له عملا يوميا في معمل، يقع في منتهى الشارع. و هذا الافتراض و إن كان يصلح لتفسير الواقع، غير أن ذلك لا يعني قبوله، ما دام من الممكن، أن نفسر سلوك هذا الشخص، في ضوء آخر: كما إذا افترضنا: أنه يزور صديقا له، يسكن بيتا في ذلك الشارع، أو يراجع طبيبا يقطن في تلك المنطقة، ليستشيره في حالة مرضية، أو يقصد مدرسة معينة، تلقى فيها المحاضرات بصورة رتيبة.

و هكذا الأمر في التفسير الماركسي للتأريخ (المادية التأريخية)، فإنه لا يمكن- حتى إذا افترضنا كفاءته لتفسير الواقع التاريخي- أن يكتسب الدرجة العلمية أو الوثوق العلمي؛ ما لم يخرج عن كونه افتراضا، و يحصل على دليل علمي، يدحض كل افتراض عداه، في تفسير التأريخ.

و لنأخذ تفسير المادية التأريخية للدولة مثالا لذلك. فهي تفسر نشوء الدولة و وجودها في حياة الإنسان، على أساس العامل الاقتصادي و التناقض الطبقي، فالمجتمع المتناقض طبقيا، يلتهب فيه الصراع، بين الطبقة القوية المالكة لوسائل الإنتاج، و الطبقة الضعيفة التي لا تملك شيئا، فتقوم الطبقة الغالبة، بإنشاء أداة سياسية لحماية مصالحها الاقتصادية، و الحفاظ على مركزها الرئيسي. و هذه الأداة السياسية هي: الحكومة، بمختلف إشكالها التأريخية.

و هذا التفسير الماركسي للدولة أو الحكومة، لا يكتسب قيمة علمية مؤكدة، إلا إذا أفلست كل التفاسير، التي يمكن أن يبرر بها نشوء الدولة في المجتمع البشري، سوى كونها أداة سياسية للاستغلال الطبقي. و أما إذا استطعنا، أن نفسر هذه الظاهرة‌

94

الاجتماعية على أساس آخر، و لم يدحض الدليل العلمي ذلك، فليس التفسير الماركسي عندئذ، إلا افتراضا من عدة افتراضات.

فلن يكون التفسير الماركسي تفسيرا علميا، إذا أمكن- مثلا- أن نفسر نشوء الدولة، على أساس تعقيد الحياة المدنية، و نبرر بذلك قيام الدولة في كثير من المجتمعات البشرية. ففي مصر القديمة- مثلا- لم تكن الحياة الاجتماعية فيها ممكنة، بدون جهود معقدة جسيمة، و عمل واسع شامل، لتنظيم جريان و فيضان الأنهر الكبيرة، و تنظيم شئون الري. فظهرت الدولة لتسيير الحياة الاجتماعية، و الإشراف على العمليات المعقدة، التي تتوقف الحياة العامة عليها. و لأجل هذا نجد: أن طائفة الأكليروس المصريين، كانوا يتمتعون بمكانة عليا، في جهاز الدولة المصرية القديمة، لا على أساس طبقي، و إنما على أساس الدور الخطير، الذي لعبته معارفهم العلمية، في نظام الزراعة المصرية. و كذلك- أيضا- نجد: أن رجال الكنيسة، تمتعوا بمركز كبير في جهاز الدولة الرومانية، عند ما دخل الجرمان في الدولة الرومانية، أفواجا متببرة تلو أفواج. إذ بدت الكنيسة- على إثر ما أدى إليه الغزو الجرماني، من انهيار التعليم و الثقافة- صاحبة الصدارة الفكرية في البلاد، حيث صار الرجل من رجال الدين الكنيسي، هو الوحيد الذي يعرف القراءة و الكتابة، و التكلم باللاتينية، و هو الذي يفهم- دون غيره- حساب الشهور، و يستطيع أن يمارس العمل الرتيب، لتصريف شئون الإدارة الحكومية، بينما انصرف ملوك الجرمان، و القادة العسكريون منهم، إلى صيد الخنازير و الإبل و الغزال، و خوض معارك الغزو و التخريب. فكان من الطبيعي، أن يسيطر رجال الكنيسة على الإدارة الحكومية في البلاد، و يكون لهم أثر كبير في الجهاز السياسي الحاكم؛ الأمر الذي جلب لهم من المغانم و المكاسب، ما جعلهم- في رأي الماركسية- طبقة ذات مصالح اقتصادية معينة. فالنفوذ الاقتصادي أو المصالح الاقتصادية، إنما حصلت عن طريق الوجود السياسي. و أما وجودهم السياسي في جهاز الحكم، فلم يكن قائماً على أساس ذلك النفوذ الاقتصادي، الذي اكتسبوه بعد ذلك، و إنما قام على أساس امتيازاتهم الفكرية و الإدارية.

95

و لن يكون التفسير الماركسي للدولة تفسير علميا، إذا أمكن أن نفترض: أن للعقيدة الدينية، تأثيرا في تكوين كثير من الدول و السلطات السياسية، التي كانت ترتكز على أساس ديني، و تتمثل في جماعات لا تشترك في مصلحة طبقية، و إنما تشترك في طابع ديني واحد.

و كذلك إذا أمكن أن نفترض: أن نشوء الدولة في المجتمع الإنساني، كان إشباعا لنزعة أصيلة في النفس الإنسانية، التي تملك استعدادا كامنا، للميل إلى السيطرة و التفوق على الآخرين. فكانت الحكومة من وحي هذا الميل، و تعبيرا عمليا عنه.

و لا أريد أن أستقصي كل الفرضيات، التي يمكن تفسير الدولة على أساسها، و إنما أرمي من وراء هذا، إلى القول بأن تفسير الماركسية للدولة، لا يمكن أن يكتسب طابعا علميا، ما لم يستطع أن يدحض سائر تلك الافتراضات، و يقدم الدليل من الواقع على زيفها.

و قد سقنا تفسير الماركسية للدولة، كنموذج لسائر مفاهيمها و فرضياتها التأريخية، التي تفسر المجتمع الإنساني على أساسها. فإن جميع تلك الفرضيات تتطلب من الماركسية- لكي تصبح نظريات علمية جديرة بالقبول- أن تقدم الدليل على كذب كل فرضية سواها، و لا يكفي لقبولها أن تكون فرضيات ممكنة، صالحة للانطباق على الواقع و تفسيره.

فلنرى- إذن- ماذا يمكن للماركسية، أن تقدمه من دليل علمي بهذا الصدد؟ إن أول و أهم عقبة تواجه الماركسية في هذا المجال، هي العقبة التي تضعها في طريقها طبيعة البحث التاريخي؛ ذلك أن البحث في المجال التاريخي (نشوء المجتمع، و تطوره، و العوامل الأساسية فيه)، يختلف عن البحوث العلمية في مجالات العلوم الطبيعية، التي يستخلصها العالم الفيزيائي- مثلا- من تجاربه العملية في المختبر.

فالباحث التاريخي و العالم الفيزيائي، و إن كانا يلتقيان عند نقطة واحدة، و هي:

أن كلا منهما يتناول مجموعة من الظواهر (ظواهر المجتمع البشري، كالدولة و الأفكار و الملكية، أو ظواهر الطبيعة، كالحرارة و الصوت و النور) و يحاولان تنظيم تلك الظواهر، بصفتها موادا للبحث، و استكشاف أسبابها، و العوامل الأساسية فيها.،

96

غير أنهما يختلفان في موقفهما العلمي، من تلك الظواهر (موضوعة الدرس). و مرد اختلافهما إلى سببين:

فإن الباحث التاريخي، الذي يريد أن يفسر المجتمع البشري، و نشوءه و تطوره و مراحله، في ضوء الظواهر التأريخية و الاجتماعية، لا يستطيع أن يتبين هذه الظواهر بصورة مباشرة، كما يتبين العالم الفيزيائي ظواهر الطبيعة، التي يدرسها في مختبره الخاص، و إنما هو مضطر إلى تكوين فكره عنها، ترتكز على النقل و الرواية، و شتى المخلوقات العمرانية و غيرها من الآثار، ذات الدلالة الناقصة. فالفرق إذن كبير جدا، بين الظواهر الطبيعية، التي يرتكز عليها البحث العلمي في العلوم الطبيعية، بصفتها المواد الرئيسية له و بين الظواهر التأريخية، التي يقوم على أساسها البحث التاريخي، بصفتها مواد أولية له. فالمواد في العلوم الطبيعية، ظواهر معاصرة للعالم الطبيعي، موجودة في مختبره، يستطيع مشاهدتها، و تسليط الضوء العلمي عليها، و بالتالي وضع تفسير كامل لها.، و على العكس من ذلك تماما، المواد التي يملكها الباحث التاريخي؛ فإنه لدى محاولة استكشاف العوامل الأساسية في المجتمع، و كيفية نشوية و تطوره، مضطر إلى الاعتماد في تكوين مواد البحث، و في الاستنتاج و التفسير، على كثير من الظواهر التأريخية للمجتمع، التي لا يستطيع الباحث مشاهدتها، إلا من خلال النقل و الرواية، أو من خلال بعض الآثار التأريخية الباقية. و نذكر على سبيل المثال أنجلز، بوصفه باحثا تأريخيا، حاول في كتابه (أصل العائلة) تفسير الظواهر الاجتماعية علميا، فاضطر إلى الاعتماد- بصورة رئيسية- في استنتاجاته، على روايات و مزاعم مؤرخ أو رحالة معين، هو مورغان.

و هكذا يختلف البحث التاريخي، عن البحث الطبيعي، من ناحية المادة (الظواهر)، التي يملكها الباحث، و يقيم عليها تفسيره و استنتاجه. و لا يقف اختلافهما عند هذا الحد. فإنهما كما يختلفان من ناحية المادة، كذلك يوجد سبب آخر لاختلافهما، من ناحية الدليل الذي يمكن للباحث استخدامه، في سبيل تدعيم هذا التفسير العلمي أو ذاك.

97

فإن الباحث التاريخي، حين يحصل على مجموعة من الظواهر و الأحداث التأريخية، لا يملك تجاهها تلك الإمكانيات، التي يملكها الفيزيائي مثلا، تجاه الذرة و ظواهرها، و نواتها و كهاربها و إشعاعاتها، لأن الباحث التاريخي، مضطر لأخذ الظواهر و الأحداث التأريخية كما هي، و لا يمكنه أن يطور أو يغير شيئا منها، عن طريق التجربة. و أما العالم الفيزيائي، فهو يستطيع أن يجري تجاربه المختلفة، على المادة التي يعالجها، و يستبعد منها ما يشاء، و يضم إليها ما يشاء. و حتى في المجال الذي لا تخضع المادة المدروسة فيه للتغيير، كعلم الفلك، يمكن للعالم الفلكي أن يغير من علاقاته بتلك المادة، بواسطة التلسكوب، و من موقعه و اتجاهاته.

و عجز الباحث التاريخي، عن القيام بتجارب على الظواهر التأريخية و الاجتماعية، يعني: عدم تمكنه من تقديم دليل تجريبي على نظرياته، التي يفسر بها التأريخ، و يستكشف إسراره.

فلا يستطيع- مثلا لدى محاولة الكشف عن العامل الأساسي لظاهرة تأريخية معينة- أن يستعمل الأساليب العلمية الأساسية، التي يقررها المنطق التجريبي، و يستعملها العلماء الطبيعيون، كطريقتي: الاتفاق و الاختلاف، الطريقتين الرئيسيتين في الاستدلال التجريبي، لأن هاتين الطريقتين تتوقفان كلاهما، على إضافة عامل بأسره، أو حذف عامل بأسره، لنرى مدى ارتباطه مع عامل آخر. فلكي يثبت علميا، أن (ب) هي سبب (أ)، يجمع بينهما في ظروف مختلفة، و هذه هي: طريقة الاتفاق.

ثم يعزل (ب)، ليرى هل يزول (أ) تبعا لذلك؟ و هذه هي: طريقة الاختلاف. و من الواضح أن الباحث التاريخي، لا يتمكن من تغيير الواقع التاريخي للإنسانية، و لا يقدر على شي‌ء من ذلك.

و لنأخذ- مثلا على ذلك- الدولة بوصفها ظاهرة تأريخية، و الحرارة بوصفها ظاهرة طبيعية. فإن العالم الطبيعي إذا حاول أن يفسر الحرارة، تفسيرا علميا، و يستكشف السبب الرئيسي لها، أمكنه أن يفترض: أن الحركة هي سبب الحرارة، إذا أدرك اقترانهما في حالات عديدة. و لكي يتأكد من صحة هذا الافتراض، يستعمل‌

98

طريقة الاتفاق، فيقوم بعدة تجارب، يحاول في كل واحدة منها، إبعاد شي‌ء من الأشياء، التي تقترن بالحركة و الحرارة، ليتأكد من أن الحرارة توجد بدونه، و أنه ليس سببا لها. و يستعمل- أيضا- طريقة الاختلاف، فيحاول أن يقوم بتجربة، يفصل فيها الحركة عن الحرارة، ليتبين ما إذا كان من الممكن أن توجد حرارة بدون حركة، فإذا كشفت التجربة: أن الحرارة توجد متى ما وجدت الحركة، مهما كانت الظروف و الأحداث الأخرى، و أنها تختفي في الحالات التي لا توجد فيها حركة.، ثبت علميا: أن الحركة هي سبب الحرارة.

و أما الباحث التاريخي، حين يتناول الدولة بصفتها ظاهرة تأريخية في حياة الإنسان، فهو قد يفترض: أنها نتاج مصلحة اقتصادية، لفئة معينة من المجتمع، و لكنه لا يستطيع أن يدحض الافتراضات الأخرى بالتجربة. فلا يمكنه- مثلا- أن يبرهن تجريبيا، على: أن الدولة ليست نتاجا لنزعة سياسية في نفس الإنسان، أو لحالة تعقيد معينة في الحياة المدنية و الاجتماعية، لأن غاية ما يتاح للباحث التاريخي، أن يضع إصبعه على عدد من الحالات التأريخية، التي اقترن فيها ظهور الدولة بمصلحة اقتصادية معينة، و يحشد عددا من الأمثلة، التي وجد فيها الدولة و المصلحة الاقتصادية معا (و هذا ما يسمى في المنطق التجريبي أو العلمي، بطريقة التعداد البسيط).

و من الواضح أن طريقة التعداد البسيط هذه، لا تبرهن علميا على: أن المصلحة الاقتصادية الطبقية هي السبب الأساسي الوحيد، لظهور الدولة، إذ من الجائز أن يكون للعوامل الأخرى أثرها الخاص، في تكوين الدولة. و حيث إن الباحث لا يستطيع أن يغير الواقع التاريخي- كما يغير الفيزيائي الظواهر الطبيعية بتجاربه- فهو لا يتمكن من إفراز و عزل سائر العوامل الأخرى، عن واقع المجتمع، ليدرس نتيجة هذا العزل، و يتبين ما إذا كانت الدولة- كظاهرة اجتماعية- ستزول بعزل تلك العوامل، أو لا.

و يستخلص مما سبق: أن البحث التاريخي يختلف عادة، عن البحوث العلمية الطبيعية، من ناحية المادة التي يقوم على أساسها الاستنتاج، أولا، و من ناحية الدليل الذي يدعم ذلك الاستنتاج، ثانيا.

99

و إذا استبعدنا الدليل التجريبي الدقيق، عن نطاق البحث التاريخي، لم يبق لدى مفسري التأريخ، إلا الملاحظة المنظمة، التي تحاول أن تستوعب أكبر مقدار ممكن، من أحداث التأريخ و ظواهره، حيث يأخذها الباحث التاريخي كما هي، و يحاول أن يفسرها، و يضع لها مفاهيمها العامة، على طريقة التعداد البسيط.

و على هذا الأساس نعرف: أن الماركسية لم تكن تملك- حين وضعت مفهومها الخاص عن التأريخ- سندا علميا لها، سوى الملاحظة التي رأتها الماركسية كافية، للتدليل على وجهة نظرها المعينة إلى التأريخ. و أكثر من هذا، أنها زعمت: أن الملاحظة المحدودة في نطاق تأريخي ضيق، تكفي وحدها لاستكشاف قوانين التأريخ كلها، و اليقين العلمي بها. فقد قال أنجلز:

«و لكن فيما كان البحث عن هذه الأسباب المحركة في التأريخ مستحيلا تقريبا، في سائر المراحل السابقة، بسبب تعثر علاقتها و تخفيها، مع ردود الفعل، التي تؤثر بها، فإن عصرنا قد بسط هذه العلائق كثيرا، بحيث أمكن حل اللغز.

فمنذ انتصار الصناعة الكبرى، لم يعد خافيا على أحد في إنكلترا، بأن النضال السياسي كله، يدور فيها حول طموح طبقتين إلى السلطة، ألا و هما:

الأرستقراطية العقارية، البورجوازية». (1)

و معنى هذا: أن ملاحظة الوضع الاجتماعي، في فترة معينة من حياة أوروبا أو إنكلترا خاصة، كانت كافية في رأي المفكر الماركسي الكبير أنجلز، لليقين العلمي:

بأن العامل الاقتصادي، و التناقض الطبقي، هو العامل الأساسي في التأريخ الإنساني كله، بالرغم من أن فترات التأريخ الأخرى، لا تكشف عن ذلك، لأنها غائمة معقدة، كما اعترف بذلك أنجلز نفسه. فمشهد واحد من مشاهد التأريخ، في القرن الثامن عشر أو التاسع عشر، استطاع أن يقنع الماركسية: بأن القوى المحركة للتأريخ، عبر عشرات الآلاف من السنين، هي قوى العامل الاقتصادي، يقنعها بذلك لا لشي‌ء، إلا لأن هذا العامل، هو الذي بدا لها أنه مسيطر على ذلك المشهد التاريخي‌

____________

(1) (لودفيج فيورباخ) ص 95.

100

الخاص، مشهد إنكلترا في تلك الفترة المحدودة من تأريخها، مع أن سيطرة عامل معين، على مجتمع في فترة خاصة، لا تكفي للتدليل على سيطرته الرئيسية، في كل أدوار التأريخ، و في كل المجتمعات، إذ قد يكون لهذه السيطرة نفسها أسبابها و عواملها الخاصة. فيجب قبل إصدار الأحكام النهائية في حق التأريخ، أن يقارن المجتمع الذي بدا العامل الاقتصادي مسيطرا عليه، بالمجتمعات الأخرى، حتى يبحث عما إذا كان لهذه السيطرة، ظروفها و أسبابها الخاصة.

و من الجدير بنا بهذا الصدد، أن نلاحظ كلاما آخر لأنجلز، ساقه في مناسبة أخرى، و هو يعتذر عن أخطاء وقع فيها، من جزاء تطبيق الديالكتيك على غير المجتمع، من مجالات الكون و الحياة، قائلًا:

«و غني عن البيان، بأنني كنت قد عمدت إلى سرد المواضيع في الرياضيات و العلوم الطبيعية، سردا عاجلا و ملخصا، بغية أن أطمئن تفصيلا إلى ما لم أكن في شك منه بصورة عامة، إلى أن نفس القوانين الديالكتيكية للحركة، التي تسيطر على العفوية الظاهرة للحوادث في التأريخ، تشق طريقها في الطبيعة.». (1)

و نحن إذا قارنا هذا الكلام بالكلام السابق لأنجلز، استطعنا أن نعرف: كيف أتيح لمفكر ماركسي مثل أنجلز، أن يكون مفهومه العام عن التأريخ، و بالتالي مفهومه الفلسفي عن الكون و الحياة و كل ظواهرها، من خلال الضوء الذي يلقيه مشهد تأريخي واحد، لمجتمع خاص من المجتمعات البشرية، في فترة محدودة من الزمن، بطريقة سهلة جدا؟! فما دام هذا المشهد التاريخي المعين، يكشف عن صراع بين جماعتين في المجتمع، فيجب أن يكون التأريخ كله صراعا بين المتناقضات! و إذا كان التناقض هو الذي يسود التأريخ، فيكفي هذا ليؤمن أنجلز: بأن نفس قوانين التناقض هذه، تشق طريقها في الطبيعة، على حد تعبيره، و أن الكون كله صراع بين مختلف التناقضات الداخلية!

____________

(1) (ضد دوهرنك) ج 2، ص 193.

101

ثانيا: هل يوجد مقياس أعلى؟:

أن المقياس الأعلى في رأي الماركسية، لاختبار صحة كل نظرية، هو مدى نجاحها في مجال التطبيق. فالنظرية عند الماركسيين لا يمكن أن تنفصل عن التطبيق.

و هذا ما يسمى في الديالكتيك بوحدة النظرية و التطبيق. قال ماوتسي تونغ:

«إن نظرية المعرفة في المادية الديالكتيكية، تضع التطبيق في المقام الأول. فهي ترى: أن اكتساب الناس للمعرفة، يجب أن لا ينفصل- بأية درجة كانت- عن التطبيق، و تشن نضالا ضد كل النظريات الخاطئة، التي تنكر أهمية التطبيق، أو تسمح بانفصال المعرفة عن التطبيق». (1)

و قال جورج بولتزير:

«فمن المهم- إذن- أن نفهم معنى وحدة النظرية و التطبيق، و معنى ذلك: أن من يهمل النظرية يقع في فلسفة الممارسة، فيسلك كما يسلك الأعمى و يتخبط في الظلام، أما ذلك الذي يهمل التطبيق، فيقع في الجمود المذهبي» (2).

على هذا الأساس نريد أن ندرس المادية التأريخية، و بكلمة أخرى: ندرس النظرية الماركسية العامة عن التأريخ، لنتعرف على نصيبها من النجاح، في مجال التطبيق الثوري الذي خاضه الماركسيون.

و من الواضح، أن الماركسيين إنما أتيحت لهم محاولة تطبيق النظرية، بالنسبة إلى جزء خاص منها، و هو الجزء الذي يتصل بتطوير المجتمع الرأسمالي إلى مجتمع اشتراكي، و أما الجوانب الأخرى من النظرية، فهي تتعلق بقوانين لمجتمعات تأريخية، وجدت في حياة الإنسان و انصرمت، و لم تعاصرها الماركسية و لا ساهمت في إيجادها.

فلنأخذ الجزء الخاص من النظرية، الذي يتصل بتطوير المجتمع الرأسمالي و نشوء‌

____________

(1) (حول التطبيق) ص 4.

(2) (المادية و المثالية في الفلسفة) ص 114.

102

الاشتراكية، و الذي مارست الماركسية تطبيقه، لنتبين وحدة النظرية و التطبيق أو تناقضهما، و بالتالي لنحكم على النظرية، وفقا لمقدار نجاحها أو فشلها في مجال التطبيق، ما دام التطبيق في رأي الماركسية، هو المعيار الأساسي لتقويم النظريات، و العنصر الضروري للنظرية العلمية الصحيحة.

و بهذا الصدد، يمكننا أن نقسم البلاد الاشتراكية، التي مارست تطبيق النظرية الماركسية جزئيا أو كليا، إلى قسمين، جاء التطبيق في كل منهما بعيدا عن النظرية و نبوءاتها العلمية، و ما حددته من قوانين لمجرى التأريخ، و تياراته الاجتماعية.

فالقسم الأول هو: البلاد الاشتراكية، التي فرض عليها النظام الاشتراكي فرضا، بقوة الجيش الأحمر، كعدة من أقطار أوروبا الشرقية، مثل: بولونيا و تشيكو سلوفاكيا و المجر، ففي هذه الأقطار و نظائرها، لم يحصل التحول الاشتراكي، بحكم ضرورة من الضرورات التي تحددها النظرية، و لم تنبثق الثورة عن تناقضات المجتمع الداخلية، و إنما فرضت من الخارج و من الأعلى، بواسطة الحرب الأجنبية و الغزو العسكري المسلح، و إلا فأي قانون من قوانين التأريخ، شق آلمانيا نصفين، و أدرج جزءها الشرقي ضمن العالم الاشتراكي، و جزءها الآخر ضمن العالم الرأسمالي؟ أ هو قانون القوى المنتجة أو حكم الجيش الفاتح، الذي فرض على البقعة التي ملكها نظامه و أفكاره؟! و أما القسم الثاني من البلاد الاشتراكية: فقد أقيمت فيها الأنظمة الاشتراكية بقوة الثورات الداخلية، و لكن هذه الثورات الداخلية لم تتجسد فيها قوانين الماركسية، و لم تجي‌ء طبقا للنظرية، التي حل بها الماركسيون كل إلغاز التأريخ! فروسيا- و هي البلد الأول في العالم، الذي سيطر عليه النظام الاشتراكي، بفعل الثورات الداخلية- قد كانت في مؤخره الدول الأوروبية، من الناحية الصناعية، و لم يكن نمو القوى المنتجة فيها، قد بلغ الدرجة التي تحددها النظرية، لإمكانية التحول، و اندلاع الثورة الاشتراكية. فلم يلعب تزايد القوى المنتجة دوره الرئيسي، في تقرير شكل النظام، و تكوين جوهر المجتمع وفقا للنظرية، بل لعب دورا معكوسا، إذ نمت القوى المنتجة في بلاد، كفرنسا و بريطانيا و آلمانيا، نموا هائلا، و دخلت تلك‌

103

البلاد في درجة عالية من التصنيع، و بمقدار ارتقائها في هذا المضمار، كان بعدها عن الثورة، و نجاتها من الانفجار الثوري الشيوعي المحتوم، في مفاهيم المادية التأريخية.

و أما روسيا، فقد كانت الحركة التصنيعية فيها منخفضة جدا، و كان الرأسمال المحلي عاجزا تماما، عن حل مشاكل التصنيع السريع، في ظل ظروفها السياسية و الاجتماعية، و لم يكن هناك موضع للقياس، بين الرأسمالية الصناعية في تلك البلاد المتخلفة، و بين قوى الصناعة و ضخامة الرأسمال الصناعي في الغرب الأوروبي، و مع ذلك أخصب الاتجاه الثوري فيها و تفجر، و جاءت الثورة الصناعية، كنتيجة للثورة السياسية، فكان الجهاز الانقلابي في الدولة، هو الأداة الفعالة لتصنيع البلاد، و تطوير قواها المنتجة، و لم يكن التصنيع و تطور قوى البلاد المنتجة، هو السبب في خلق ذلك الجهاز و إنشاء تلك الأداة.

و إذا كان من الضروري، أن نربط بين الثورة من ناحية، و حركة التصنيع و القوى المنتجة من ناحية أخرى، فالشي‌ء المعقول أن نعكس العلاقة الماركسية المفترضة، بين الثورة و التصنيع، فنعتبر: أن انخفاض المستوي الصناعي و الإنتاج، من العوامل المهمة، التي أدت إلى دق أجراس الثورة في بلد كروسيا، على العكس تماما من افتراض النظرية الماركسية، القائل: إن الثورة الاشتراكية، بموجب القوانين المادية للتأريخ، لا تكون إلا نتاجا لنمو الرأسمالية الصناعية و بلوغها الذروة. فروسيا- مثلا- لم يدفعها نمو قوى الإنتاج إلى الثورة، بمقدار ما دفعها انخفاض تلك القوى و تخلفها الخطر، عن ركب الدول الصناعية، التي قفزت بخطوات العمالقة في مضمار الصناعة و الإنتاج، فكان لا بد لكي تحتفظ روسيا بوجودها الحقيقي في الأسرة الدولية، أن تنشئ الجهاز السياسي و الاجتماعي، الذي يحل مشاكل التصنيع حلا سريعا، و يدفع بها إلى الامام، في حلبات التصنيع و مجالات السباق الدؤلي الهائل، و بدون خلق الجهاز القادر على حل هذه المشاكل، تقع روسيا حتما فريسة الاحتكارات، التي تقيمها الدول السباقة، و ينتهي وجودها كدولة حرة على مسرح التأريخ.

104

و هكذا نجد- إذا نظرنا إلى روسيا من زاوية القوى المنتجة، و الحالة الصناعية كما تنظر الماركسية دائما-: إن المشكلة الرئيسية هي: مشكلة إيجاد التصنيع، لا تناقض نمو التصنيع، مع كيانات المجتمع السياسية و الاقتصادية.

و قد تسلمت الثورة الاشتراكية الحكم، و استطاعت بطبيعة كيانها السياسي، القائم على سلطة مطلقة لا حدود لها، و طبيعة كيانها الاقتصادي- القائم على تركيز كل عمليات الإنتاج، في وجهة واحدة هي الدولة- أن تخطو خطوات جبارة في تصنيع البلاد. فكانت الحكومة الاشتراكية هي التي تخلق أسباب وجودها، و المبررات الماركسية لنشوئها، و تنشئ الطبقة التي تزعم أنها تمثلها، و تنقل القوى المنتجة في البلد، إلى المرحلة التي أعدها ماركس لاشتراكيته العلمية.

و من حقنا بعد هذا، أن نتساءل عما إذا كانت تقوم حكومة ثورية في روسيا، تحمل الطابع السياسي و الاقتصادي للاشتراكية، لو أن روسيا لم تكن متأخرة صناعيا و سياسيا و فكريا، عن مستوى الدول الصناعية الكبرى! و الصين- و هي البلد الآخر الذي ساد فيه النظام الاشتراكي بالثورة- نجد فيها- كما وجدنا في روسيا- التناقض الواضح بين النظرية و التطبيق. فلم تكن الثورة الصناعية هي العامل الأساسي، في تكوين الصين الجديدة، و قلب نظام الحكم فيها، و لم يكن لوسائل الإنتاج، و فائض القيمة، و تناقضات رأس المال، التي تقررها قوانين المادية التأريخية، أي دور رئيسي في المعترك السياسي.

و شي‌ء آخر جدير بالملاحظة هو: أن الثورات الداخلية، التي مارست عملية تطبيق الاشتراكية الماركسية، لم تكن تعتمد في انتصارها على الصراع الطبقي، و انهيار الطبقة الحاكمة أمام الطبقة المحكومة، بسبب شدة التناقضات الطبقية بينهما، بمقدار ما اعتمدت على انهيار الجهاز الحاكم، انهيارا عسكريا، في ظروف حربية قاسية، كانهيار الحكم القيصري في روسيا عسكريا، بسبب ظروف الحرب العالمية الأولى، الأمر الذي مكن للقوى المعارضة- و على رأسها الحزب الشيوعي- من الانتصار السياسي، بشكل ثوري أدى إلى امتلاك الحزب الشيوعي لأزمة الحكم، بصفته أبرع‌

105

القوى المعارضة تنظيما و تكتلا، و أقواها وحدة من الناحية الفكرية القيادية. و كذلك الثورة الشيوعية في الصين، فإنها و إن بدأت قبل الغزو الياباني، و لكنها ظلت لمدة عقد كامل، تنتشر و تتوسع، لتخرج نهائيا منتصرة بانتهاء الحرب. فلم يستطع التطبيق مرة واحدة حتى الآن، أن يحقق النصر عن طريق التناقض الداخلي فحسب، أو أن يحطم جهاز الدولة، ما لم تحطم الجهاز ظروف حربية و خارجية، تدعو إلى زعزعته و انهياره.

فملامح النظرية و سماتها العامة، لم تبد على التطبيق، و إنما كل ما بدا من خلال التطبيق: أن مجتمعا حدثت فيه ثورة قلبت نظامه، و عصفت بالجهاز الحاكم فيه، بعد أن تصدع هذا الجهاز، لظروف عسكرية و خارجية، و اجتاح الناس شعور قوي، بالحاجة إلى لون جديد، من الحياة السياسية و الاجتماعية.

و نفس هذه العوامل، التي أنجحت الثورة في روسيا، أو هيأت لها، كانت موجودة- كليا أو جزئيا- في عدة أقطار أخرى، شهدت نفس ما شاهدته روسيا من ظروف عسكرية، و تمخضت على أثر الحرب العالمية الأولى بثورات مماثلة، لعب فيها تصدع السلطات الحاكمة، و الشعور القوي بعدم كفاءتها، و الإحساس بالحاجة المتزايدة إلى التقدم السريع للالتحاق بالركب الإمامي للعالم، دورا خطيرا، غير أن الثورة الوحيدة، التي اتخذت الطابع الاشتراكي، هي الثورة الروسية. و لا يمكننا أن نجد سبب ذلك في اختلاف قوى الإنتاج، التي كانت متشابهة إلى حد ما في تلك الأقطار، و إنما نجده في الظروف الفكرية، التي كانت تمر بها تلك الأقطار، و التيارات المتناقضة، التي كانت تعمل في الحقل السياسي، و المجال الثوري هنا و هناك.

فإذا كان من الحق ما يزعمه المنطق الديالكتيكي للماركسية، من وحدة النظرية و التطبيق، و أن التطبيق هو الأساس الوحيد لتدعيم النظرية، فمن الحق- أيضا- أن المادية التأريخية، لا تزال تفقد حتى الآن هذا الدليل، لأن التطبيق الذي حققته الماركسية، لم يحمل خصائص النظرية، و لم تنعكس عليه ملامحها. حتى أن لينين- و هو الثوري الروسي الأول، الذي كان يخوض معركة التطبيق و يقودها- لم يستطع‌

106

أن يتنبأ بموعد و بشكل اندلاع الثورة، إلا بعد أن أصبحت الثورة على قاب قوسين أو أدنى. و ليس ذلك إلا لأن دلائل المجتمع و أحداثه، لم تكن لتنطبق على الدلائل و الأحداث، التي تحدد النظرية على أساسها، سمات المجتمع، المشرف على العمل الثوري الاشتراكي. فقد خطب لينين في اجتماع للشباب الاشتراكي السويسريّ، قبل شهر واحد من ثورة شباط، و قبل عشرة أشهر من ثورة أكتوبر الشيوعية، فقال في خطابه:

«لعلنا نحن أبناء الجيل الذي يكبركم، لن نعيش لنرى المعارك الحاسمة للثورة الاشتراكية، الموشكة على الاندلاع، و لكن يبدو لي، أنني أستطيع أن أعرب بأقصى ثقة، عن الأمل بأن يتاح للشبان، العاملين في الحركة الاشتراكية الرائعة في سويسرا، و بقية أنحاء العالم، الحظ الطيب، ليس فحسب بالمساهمة في القتال أثناء الثورة البروليتارية الوشيكة، بل كذلك في الخروج ظافرين منها».

قال لينين هذا، و بعد عشرة أشهر فقط، تزعم الثورة الاشتراكية التي انفجرت في روسيا، و جاءت به إلى الحكم! و أما الشبان العاملون في الحركة الاشتراكية الرائعة في سويسرا- على حد تعبيره- فلا يزالون حتى اليوم، لم يتح لهم الحظ الطيب، الذي تمناه لهم بالمساهمة في الثورة البروليتارية، و الخروج منها ظافرين!

ثالثا: هل استطاعت الماركسية استيعاب التأريخ؟:

المادية التأريخية الماركسية- كما سبق- مجموعة من الافتراضات العلمية، يختص كل واحد منها بمرحلة محدودة من مراحل التأريخ، و تتكون من مجموعها، الفرضية العامة في تفسير التأريخ، القائلة: بأن المجتمع دائما وليد الوضع الاقتصادي، الذي تحدده و تفرضه قوى الإنتاج.

و الواقع أن أروع ما في الماركسية، و أكثر قواها التحليلية إغراء و استهواء، إنما هو قوة هذا الشمول و الاستيعاب، الذي تتميز به على أكثر التفاسير الأخرى، للعمليات الاجتماعية أو الاقتصادية، و تعبر من خلاله عن ترابط وثيق محدد، بين مختلف تلك‌

107

العمليات، في كل الميادين الإنسانية. فليست الماركسية فكره نظرية محدودة، أو تحليلا اجتماعيا أو اقتصاديا فحسب، و إنما هي تعبير تحليلي شامل، عن كل العمليات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية، كما تجري منذ آلاف السنين في مجراها التاريخي الطويل، لتتكون منها في كل لحظة تأريخية حاسمة، حالة معينة، تحدد بنفسها و بطريقة جدلية، ما يعقبها من حالات متلاحقة على مدار الزمن، تتابع في لحظات تأريخية فاصلة.

و من الطبيعي أن تستأثر مثل هذه النظرية بتقدير الناس، و توحي إليهم بالإعجاب أكثر من أي نظرية أخرى، ما دامت قد زعمت لهم: أنها وضعت في أيديهم كل أسرار الإنسانية، و إلغاز التأريخ، و ما دامت قد تفوقت على كل النظريات العلمية، عن الاجتماع و الاقتصاد، في نقطة ذات وزن جماهيري كبير، و هي: أنها استطاعت أن تمزج آمال الناس بالتحليل العلمي، و أن تقدم إليهم أمانيهم التقليدية في إطار تحليلي، قائم على أسس مادية و منطقية، بالمقدار الذي أتيح لماركس أن يصل إليه، بينما لم تكن النظريات العلمية الأخرى في الاجتماع و الاقتصاد، تظفر- على أفضل تقدير- إلا بعناية حفنة من العلماء و الأخصائيين.

و المادية التأريخية، بوصفها فرضية عامة، تقرر- كما عرفنا سابقا-: أن جميع الأوضاع و الظواهر الاجتماعية، نابغة من الوضع الاقتصادي، و هو بدوره يتكون نتيجة لوضع القوى المنتجة. فالوضع الاقتصادي هو همزة الوصل، بين قوة الإنتاج الرئيسية، و جميع الظواهر و الأوضاع الاجتماعية، كما قال بليخانوف:

«إن الوضع الاقتصادي لشعب ما، هو الذي يحدد وضعه الاجتماعي، و الوضع الاجتماعي لهذا الشعب، يحدد بدوره وضعه السياسي و الديني، و هكذا دواليك. و لكنكم ستتساءلون عما إذا لم يكن للوضع الاقتصادي من سبب أيضا. لا ريب أن لهذا الوضع سببه الخاص به، ككل شي‌ء في هذه الدنيا، و هذا السبب. هو الصراع الذي يخوضه الإنسان مع الطبيعة» (1).

____________

(1) (المفهوم المادي للتأريخ) ص 46.

108

«إن علاقات الإنتاج، تحدد جميع العلاقات الأخرى، التي توجد بين الناس في حياتهم الاجتماعية. و أما علاقات الإنتاج، فيحددها وضع القوى المنتجة» (1).

فالقوى المنتجة هي التي تخلق الوضع الاقتصادي، و تطوره تبعا لتطورها، و الوضع الاقتصادي هو الأساس العام لهيكل البناء الاجتماعي، و ما فيه من ظواهر و أوضاع. هذه هي الوجهة العامة للمادية التأريخية.

و تترد في أوساط الكتاب المناهضين للأفكار الماركسية، مناقشتان للماركسية التأريخية، بوصفها نظرة عامة عن التأريخ:

الأولى: أن التأريخ إذا كان محكوما للعامل الاقتصادي، و للقوى المنتجة، وفقا لقوانين طبيعية، تسير به من الإقطاع إلى الرأسمالية- مثلا-، و منها إلى الاشتراكية، فلما ذا تبذل هذه الجهود الجبارة من الماركسيين، في سبيل تكتيل أكبر عدد ممكن، لئن ثورة فاصلة على الرأسمالية؟! و لم لا يدع الماركسيون قوانين التأريخ تعمل، فتكفيهم هذه المهمة الشاقة؟! الثانية: أن كل إنسان يحس- بالضرورة- أن له دوافع أخرى، لا تمت إلى الطابع الاقتصادي بصلة، بل قد يضحي في سبيلها بمصالحه الاقتصادية، و بحياته كلها في بعض الأحايين، فكيف يعتبر العامل الاقتصادي هو المحرك للتأريخ؟! و من حق البحث العلمي الموضوعي، أن نسجل رأينا في هاتين المناقشتين بوضوح. فهما تعبران عن عدم استيعاب المفهوم الماركسي للتأريخ، أكثر مما تعبران عن خطأ المفهوم نفسه.

ففيما يتصل بالمناقشة الأولى، يجب أن نعرف موقف الماركسية من الثورة. فإنها لا تعتبر الثورة و الجهود التمهيدية، التي تبذل في سبيلها، شيئا منفصلا عن قوانين التأريخ، بل هي جزء من تلك القوانين، التي يجب- علميا- أن توجد، كي ينتقل التأريخ من مرحلة إلى مرحلة أخرى. فالثوريون حين يتجمعون في سبيل الثورة، إنما‌

____________

(1) نفس المصدر، ص 48.

109

يعبرون بذلك عن الحتمية التأريخية.

و نحن حين نقرر هذا، نعلم أن الماركسية- نفسها- لم تستطع أحيانا، أن تتفهم- بوضوح- متطلبات مفهومها العلمي عن التأريخ و مستلزماته، حتى لقد كتب ستالين يقول:

«إن المجتمع غير عاجز أمام القوانين، و أن في وسعه عن طريق معرفة القوانين الاقتصادية، و بالاستناد إليها، أن يحد من دائرة فعلها، و أن يستخدمها في مصلحة المجتمع، و أن يروضها، مثل ما يجري حيال قوى الطبيعة و قوانينها». (1)

و كتب بولتزير نظير هذا، قائلًا:

«إن المادية الجدلية، في تأكيدها للطابع الموضوعي لقوانين المجتمع، تؤكد- في نفس الوقت- الدور الموضوعي الذي تلعبه الأفكار، يعني: النشاطات العلمية الواعية، مما يتيح للناس أن يؤخروا أو يقدموا، و أن يشجعوا أو يعرقلوا، تأثير قوانين المجتمع». (2)

و من الواضح، أن هذا الاعتراف الماركسي: بسيطرة الإنسان عن طريق أفكاره و نشاطاته الواعية، على تأثير قوانين المجتمع، و على تقديمه و تأخيره، لا يتفق مع الفكرة العلمية عن التأريخ، لأن التأريخ إذا كان مسيرا وفق قوانين طبيعية عامة، فوعي الإنسان و علمه بقوانين التأريخ، إنما يعبر عن جزء من الحقل الذي تحكمه تلك القوانين. فكل ما يقوم به هذا الوعي و النشاط الإنساني من أدوار، فهو تعبير حتمي عن تلك القوانين، و عن تأثيرها المحتوم، و ليس تقديما لهذا التأثير أو تأخيرا له.

فالماركسيون حينما يمعنون- مثلا- في خلق الفتن، لتعميق التناقضات و مضاعفاتها، ينفذون قوانين التأريخ، لأن نشاطهم الواعي جزء من الكل التاريخي، لا أنهم يستعجلون تلك القوانين. و ليس موقف الفئات التي تعمل بوعي سياسي، من قوانين التأريخ، كموقف العالم الطبيعي من قوانين الطبيعة، التي يجرب عليها في مختبر،

____________

(1) (دور الأفكار التقدمية في تطوير المجتمع) ص 22.

(2) (المادية المثالية في الفلسفة) ص 152.

110

فإن العالم الطبيعي، يستطيع أن يقدم أو يؤخر من تأثير قوانين الطبيعة، بما يحدث من تغيرات في وضع الطبيعة التي يجربها، لأن قوانين الطبيعة التي يجربها، لا تتحكم في عمله، فهو يستطيع أن يسيطر على تأثيرها، بما يهيئ للتجربة من شروط. و أما العاملون في الحقل السياسي، فلا يمكنهم أن يتحرروا من قوانين التأريخ، و أن يسيطروا على تأثيرها، لأنهم دائما يعبرون عن جزء من العملية التأريخية، التي تتحكم فيها تلك القوانين.

فمن الخطأ- إذن- أن تقول الماركسية شيئا، عن السيطرة على قوانين المجتمع، كما أن من الخطأ- أيضا- أن توجه إليها المناقشة السابقة، التي ترمي إلى اعتبار النشاط العملي لغوا لا مبرر له، ما دمنا عرفنا: أن النشاط العملي- بما فيه الثورة- جزء من قوانين التأريخ.

و لنأخذ الآن المناقشة الثانية. إن هذه المناقشة تسرد- عادة- قائمة من الدوافع، التي لا تمت إلى الاقتصاد بصلة، لتنفيذ القول بالعامل الاقتصادي كعامل رئيسي. و ليست هذه المناقشة بأدنى إلى التوفيق من المناقشة الأولى. فإن الماركسية لا تعني: أن العامل الاقتصادي هو الدافع الشعوري، لكل أعمال الإنسان على مر التأريخ، و إنما ترتكز على القول: بأنه هو القوة التي تعبر عن نفسها، في وعي الناس، بمختلف التعبيرات. فالسلوك الواعي للإنسان، يصدر عن غايات و دوافع إيديولوجية مختلفة، قد لا تمت إلى الاقتصاد بصلة، إلا أنها في الحقيقة تعبيرات سطحية عن قوة أعمق، لأنها ليست إلا أدوات يستخدمها العامل الاقتصادي، و يحرك بها الناس، في الاتجاه التاريخي المحتوم.

و يجب أن نتجاوز بهذا الصدد عن بعض النصوص الماركسية، التي لم تقتصر على هذا القول، بل جنحت إلى التأكيد على اعتبار الاقتصاد غاية عامة للنشاط الاجتماعي، و ليس قوة محركة من الخلف فحسب. فقد كتب أنجلز يقول:

«إن القوة ليست سوى وسيلة، و إن الغاية هي المنفعة الاقتصادية. و لما كانت الغاية أكثر جوهرية من الوسيلة التي تستخدم لضمانها، فإن الجانب‌

111

الاقتصادي من المسألة، هو أكثر جوهرية في التأريخ، من الجانب السياسي. في جميع قضايا السيطرة و الإخضاع، حتى يومنا الحاضر، كان الإخضاع دوما وكالة لإملاء المعدة، بأوسع ما في إملاء المعدة من مدلول» (1).

و لا شك عندنا في أن هذا النص، قد كتبه أنجلز على عجل و بقلة أناة، فجاء يسابق الماركسية- نفسها- في غلوها بالعامل الاقتصادي، و يناقض الواقع الذي يمكننا أن نلمسه في كل حين. فكثيرا ما نجد أن المعدة قد تمتلئ بأوسع ما في إملاء المعدة من مدلول- على حد تعبير أنجلز- و لا يمنع ذلك هؤلاء الممتلئين، عن القيام بنشاطات مهمة في الحقل الاجتماعي، لأجل تحقيق مثل أعلى، أو إشباع نزعة نفسية.

و لنترك هذا، إلى درس المشاكل الحقيقية، التي تثيرها المادية التأريخية

، و تعترض سبيلها، و لا يمكن للماركسية أن توفق في حلها. فهي لا تستطيع أن تفسر- في ضوء المادية التأريخية- عدة نقاط جوهرية في التأريخ، لا بد من دراستها بشي‌ء من التفصيل:

1- تطور القوى المنتجة و الماركسية:

فهناك- أولا- السؤال عن القوى المنتجة، التي يتطور التأريخ تبعا لتطورها:

كيف تتطور هذه القوى؟ و ما هي العوامل التي تسيطر على تطورها و تكاملها؟

و لماذا لا تكون هذه العوامل هي القوة العليا، التي تتحكم في التأريخ، بدلا عن القوى المنتجة، الخاضعة لتلك العوامل، في نموها و تكاملها؟

و قد اعتاد الماركسيون أن يجيبوا على هذا السؤال: بأن الأفكار التي يستفيدها الإنسان، خلال ممارسة قوى الطبيعة، و تنشأ عنها، هي التي تطور بدورها هذه القوى، و تعمل في تنميتها. فالأسباب التي تطور قوى الإنتاج نابعة منها، و ليست قوى تعمل بصورة مستقلة عنها، أو في درجة أعلى منها. و تعتقد الماركسية: أنها تقدم في هذا التأثير المتبادل، بين قوى الإنتاج، و الأفكار المنبثقة‌

____________

(1) (ضد دوهرنك) ج 2، ص 37.

112

عنها خلال ممارستها، صورة ديالكتيكية لتطور الإنتاج، تعبر عن حركة تكامل ديالكتيكية للقوى المنتجة، بوصفها تولد دائما الأفكار الجديدة، ثم تعود لتنمو ضمنها و تتكامل.

و هذا الوصف الديالكتيكي لتطور القوى المنتجة، يقوم على أساس مفهوم خاص للتجربة، يجعل منها المموّن الأساسي الوحيد للإنسان، بالأفكار و الآراء، فتصبح العلاقة بين قوى الطبيعة المنتجة، التي يجربها الإنسان، و بين أفكاره و آرائه عن الكون و حقائقه، علاقة علة بمعلول، ينشأ عن علته، ثم يتفاعل معها، فيزيدها ثراء و اغتناء.

و لكننا يجب أن لا ننسى النتائج التي استخلصناها، من دراستنا لنظرية المعرفة في (فلسفتنا)، فقد برهنت تلك النتائج، على: أن التجارب الطبيعية، لا تقدم إلى الإنسان إلا المواد الخام، و لا تتحفه إلا بالتصورات الحسية لمضمون التجربة. و هذه المواد و التصورات تبقى غير ذات معنى، لو لم تصادف في ذهن معين، الشروط الطبيعية و السيكولوجية الخاصة، و هو ذهن الإنسان، الذي يملك- دون سائر الحيوانات التي تشترك معه في التصور و الإحساس- قدرة عقلية على الاستنتاج و التحليل، و معارف ضرورية لا تخضع للتجربة، يأخذ الإنسان بتطبيقها على المواد الخام، التي يستوردها عن طريق التجربة، فينتهي إلى نتائج جديدة. و كلما تكررت عمليات الاستنتاج، و تكامل رصيدها، ازدادت خصبا و ثراء. فلم تكن قوى الطبيعة المنتجة، هي التي تشق- بمفردها- طريق تكاملها و نموها، أو تولد عوامل تطورها و اغتنائها، و إنما تولد الإحساسات و التصورات فحسب. فليس تطورها- إذن- ديالكتيكيا ذاتيا، و ليست القوة الإيجابية التي تطورها، منبثقة عنها. و هكذا تصبح قوى الإنتاج محكومة لعامل أعلى منها درجة في تسلسل التأريخ.

و قد كنا حتى الآن نتساءل، عن العوامل التي تطور الإنتاج و قواه، على مر الزمن، الأمر الذي انتهينا فيه إلى نتيجة لا تسر الماركسية، غير أن من الممكن- بل يجب- أن نتخطى هذا السؤال إلى نقطة أعمق، و أكثر إحراجا للمادية التأريخية، فنطرح السؤال على الوجه التالي: كيف مارس الإنسان عملية الإنتاج، و نشأت في‌

113

حياته، و لم تنشأ في حياة أي كائن حي آخر؟

نحن نعلم من عقيدة الماركسية: أنها تؤمن بالإنتاج قاعدة رئيسية للمجتمع، يقوم على أساسها الوضع الاقتصادي، و تبتني على الوضع الاقتصادي كل الأوضاع الأخرى. و لكنها لم تكلف نفسها، أن تقف قليلا عند الإنتاج نفسه، لتفسر: كيف وجد الإنتاج في حياة الإنسان؟ فإذا كان الإنتاج يصلح لتفسير نشوء المجتمع، و كل علاقاته و ظواهره، أ فليس للإنتاج نفسه، شروط تصلح لتفسير وجوده و نشوية؟

إن بالإمكان الجواب على ذلك، إذا عرفنا: ما هو الإنتاج؟ إن الإنتاج- كما تعرفه لنا الماركسية- عملية كفاح ضد الطبيعة، يشترك فيها مجموعة من الناس، لإنتاج حاجاتهم المادية، و تقوم على أساسها كل العلاقات. فهي- إذن- عملية يقوم بها عدد من الناس، لتغيير الطبيعة، و جعلها بالشكل الذي يوافق حاجاتهم، و يشبع رغباتهم.

و عملية تغيير كهذه، يقوم بها عدد من الناس، لا يمكن أن توجد تأريخيا، ما لم تسبقها شروط معينة، يمكن تلخيصها في أمرين جوهريين:

أحدهما: الفكر؛ فإن الكائن الحي، لا يستطيع أن يغير من شكل الطبيعة بقصد إشباع حاجاته، فيجعل الحنطة دقيقا، أو الدقيق خبزا.، ما لم يكن يملك فكرا، عن الشكل الذي سوف يمنحه للطبيعة، فعملية التغيير لا يمكن أن تنفصل بحال، عن التفكير فيما ستتمخض عنه العملية، من أشكال و أوضاع للطبيعة، لا تزال في ابتداء العمل غيبية. و لأجل هذا لم يكن من الممكن للحيوان، أن يقوم بعملية إنتاج، عملية تغيير حاسم للطبيعة.

و الأمر الآخر: هو اللغة، بوصفها المظهر المادي للفكر، الذي يتيح للمشتركين في عملية الإنتاج أن يتفاهموا، و يتخذوا موقفا موحدا خلال العملية. فما لم يملك كل منتج أداة التعبير عن فكره، و تفهم أفكار شركائه في العمل، لا يستطيع أن ينتج.

114

و هكذا نجد بوضوح: أن الفكر- بأي درجة كان- يجب أن يسبق عملية الإنتاج، و أن اللغة ليست نابعة من عملية الإنتاج- كما تنبع كل العلاقات و الظواهر الاجتماعية، في زعم الماركسية- و إنما تنبع من الحاجة إلى تبادل الأفكار، بوصفها المظهر المادي للفكر. فلم تنشأ اللغة- إذن- من القاعدة الرئيسية المزعومة، من عملية الإنتاج، بالرغم من أنها أهم ظاهرة اجتماعية على الإطلاق، و إنما كانت هي الشرط الضروري تأريخيا، في وجود هذه القاعدة المزعومة.

و أكبر دليل يمكننا أن نقدمه على ذلك، هو استقلال اللغة في تطورها عن الإنتاج و قواه. فلو كانت اللغة وليدة الإنتاج (وليدة القاعدة المزعومة) لتطورت و تغيرت، تبعا لتطور أشكال الإنتاج و تغيرها، كما تتغير تبعا لذلك جميع الظواهر و العلاقات الاجتماعية، في رأي الماركسية. و لا يوجد ماركسي واحد- و حتى ستالين- يجرأ على القول: بأن اللغة الروسية- مثلا- تغيرت بعد الثورة الاشتراكية، و تبدلت إلى لغة جديدة، أو أن الآلة البخارية، التي غيرت القاعدة الأساسية للمجتمع، و أحدثت ثورة كبرى في أسلوب الإنتاج، قد جاءت بلغة جديدة لإنكليز، غير اللغة التي كانوا يتكلمون بها قبل ذلك. فالتأريخ يؤكد- إذن-: أن اللغة مستقلة عن الإنتاج، في استمراريتها و تطورها. و ليس ذلك، إلا لأنها لم تنبع من هذا الشكل أو ذاك من أشكال الإنتاج، و إنما نبعت عن فكر و حاجة، هما أعمق و أسبق، من كل ممارسة للإنتاج الاجتماعي، مهما كان شكلها.

2- الفكر و الماركسية:

و يمكن أن نعتبر أخطر و أهم النقاط الجوهرية، في المفهوم المادي للتأريخ عند الماركسية، هذه العلاقة، التي تؤكد عليها بين الحياة الفكرية للإنسان، بشتى ألوانها و مناحيها، و بين الوضع الاقتصادي، و بالتالي وضع القوى المنتجة، الذي يحدد كل المضمون التاريخي لكيان الإنسان. فالفكر، مهما اتخذ من أشكال عليا، و مهما ابتعد في مجاله الاجتماعي عن القوة الأساسية، و اتخذ سبيله في منعطفات تأريخية‌

115

معقدة، فلا يعدو عند التحليل، أن يكون- بشكل أو آخر- نتاجا للعامل الاقتصادي.

و على هذا الأساس تفسر الماركسية تأريخ الفكر، و ما يزخر به من ثورات و تطورات، عن طريق الظروف المادية، و التكوين الاقتصادي للمجتمع و القوى المنتجة.

و هذا الإطار الاقتصادي، الذي تضع الماركسية ضمنه كل أفكار الإنسان، جدير بالبحث العلمي و الفلسفي، أكثر من سائر الجوانب الأخرى، في البناء الماركسي للتأريخ، لما يؤدي إليه من نتائج خطيرة، في نظرية المعرفة و تحديد قيمتها و مقاييسها المنطقية. و لهذا كان من الضروري دراسة هذا الرأي، خلال البحث الفلسفي في نظرية المعرفة، و قد عرضنا في (فلسفتنا) لهذا الرأي في نظرة عابرة، و نحن الآن نتوفر على تطوير تلك النظرة، إلى دراسة مفصلة لهذا الرأي، في الطبعة الثانية من كتاب (فلسفتنا). و لأجل هذا، فسوف نترك إليه مهمة البحث المستوعب، لرأي الماركسية في الفكر، غير أن هذا لا يمنعنا عن دراسته و نقده، في الحدود التي يتسع لها البحث في هذا الكتاب.

و لكي نشرح رأي الماركسية بشكل واضح، نركز الحديث على المظاهر الرئيسية في الحياة العقلية، و هي: الأفكار الدينية، و الفلسفية، و العلمية، و الاجتماعية.

و قبل أن نتناول التفاصيل، نود أن نسجل نصا لأنجلز، كتبه بصدد عرض رأي الماركسية الذي ندرسه. فقد قال في رسالته إلى فرانز مهرنج:

«إن الإيديولوجيا عملية يقوم بها المفكر، عن وعي و شعور من جانبه، و لكنه شعور باطل حقا. فالبواعث الحقيقية التي تدفعه، تظل غير معروفة له، و إلا لما كانت عملية إيديولوجية مطلقا. و من هنا تراه يتخيل دوافع باطلة أو ظاهرية. دون تمحيص أو بحث عن عملية أخرى أبعد، مستقلة عن الفكر». (1)

و يريد أنجلز بهذا، أن يبرر جهل المفكرين جميعا، بالأسباب الحقيقة، التي خلقت لهم أفكارهم، و لم يتح اكتشافها إلا للمادية التأريخية. فلم يكن يعني جهلهم بالأسباب، التي تحددها المادية التأريخية لمجرى التفكير الإنساني، إنها لم تكن أسبابا حقا، و إن‌

____________

(1) (التفسير الاشتراكي للتأريخ) ص 122.

116

المادية التأريخية على خطأ في نظرتها، و إنما كان من الضروري أن لا تتكشف حقيقة تلك الأسباب، أمام أبصارهم، و إلا لما كانت هناك عملية إيديولوجية.

و من حقنا أن نقول- بدورنا- لأنجلز: إذا كان من الضروري حقا، أن تظل الدوافع الحقيقية لكل إيديولوجية مجهولة عند أصحابها، لئلا تخرج عن صفتها عملية إيديولوجية.، فكيف جاز لأنجلز نفسه، أن يحطم هذه الضرورة، و يصنع المعجزة، و يتقدم إلى البشرية بإيديولوجية جديدة، ظلت تتمتع بصفتها الفكرية و الإيديولوجية، بالرغم من علمه بأسبابها و بواعثها الحقيقية؟! و لنبدأ الآن بالتفاصيل:

أ: الدين:

فالدين يحتل جزءا بارزا على الصعيد الفكري، و قد لعب لأجل هذا أدوارا فعالة، في تكوين العقلية الإنسانية أو بلورتها، و اتخذ على مر الزمن أشكالا مختلفة و مظاهر متنوعة. فلا بد للماركسية- و قد استبعدت عن تصميمها المذهبي، كل حقائق الدين الموضوعية، من الوحي و النبوة و الصانع- أن تصطنع للدين و تطوراته تفسيرا ماديا. و كان من الشائع في أوساط المادية: أن الدين نشأ نتيجة لعجز الإنسان القديم، و إحساسه بالضعف، بين يدي الطبيعة و قواها المرعبة، و جهله بأسرارها و قوانينها.، و لكن الماركسية لا ترتضي هذا التفسير، لأنه يشذ عن قاعدتها المركزية، فلا يربط الدين بالوضع الاقتصادي، القائم على أساس الإنتاج، الذي يجب أن يكون هو المفسر و السبب الوحيد، لكل ما يحتاج إلى تفسير و سبب. قال كونستانتيوف:

«و لكن الماركسية اللينينية، قد حاربت دائما مثل هذا المسخ للمادية التأريخية، و أثبتت: أنه ينبغي البحث عن منبع الأفكار، الاجتماعية و السياسية و الحقوقية و الدينية، في الاقتصاد قبل كل شي‌ء». (1)

____________

(1) (دور الأفكار التقدمية في تطوير المجتمع) ص 4.

117

و لهذا أخذت الماركسية تفتش عن السبب الأصيل لنشوء الدين، من خلال الوضع الاقتصادي للمجتمع، حتى وجدت هذا السبب المزعوم في التركيب الطبقي للمجتمع. فالواقع السيئ الذي تعيشه الطبقة المضطهدة في المجتمع الطبقي، تفجّر في ذهنيتها البائسة الأفكار الدينية، لتستمد منها السلوة و العزاء.

قال ماركس:

«أن البؤس الديني، لهو التعبير عن البؤس الواقعي، و الاحتجاج على هذا البؤس الواقعي في وقت معا. الدين زفرة الكائن المثقل بالألم، و روح عالم لم تبق فيه روح، و فكر عالم لم يبق فيه فكر، إنه أفيون الشعب. إذن فنقد الدين هو الخطوة الأولى، لنقد هذا الوادي الغارق في الدموع». (1)

و تتفق محاولات الماركسية بهذا الصدد، على نقطة واحدة، هي: أن الدين حصيلة التناقض الطبقي في المجتمع، و لكنها تختلف في الطريقة التي نشأ بها الدين عن هذا التناقض. فتجنح الماركسية أحيانا إلى القول: بأن الدين هو الأفيون الذي تسقيه الطبقة الحاكمة المستغلة، للطبقة المحكومة المضطهدة، كي تنسى مطالبها و دورها السياسي، و تستسلم إلى واقعها السيئ. فهو على هذا أحبولة تنسجها الطبقة الحاكمة للصيد، و إغراء الكادحين و البائسين.

تقول الماركسية هذا، و هي تتغافل عن الواقع التاريخي الصارخ، الذي يدلل- بكل وضوح- على: أن الدين كان ينشأ دائما في إحضان الفقراء و البائسين، و يشع في نفوسهم، قبل أن يغمر بنوره المجتمع كله. فهذه هي المسيحية، لم يحمل لواءها في أرجاء العالم، و في الإمبراطورية الرومانية على وجه خاص، إلا أولئك الرسل الفقراء، الذين لم يكونوا يملكون شيئا سوى الجذوة الروحية، التي تشتعل في نفوسهم. و كذلك لم يكن التكتل الأول، الذي احتضن الدعوة الإسلامية، و كان النواة للأمة الإسلامية، ليضم- على الأكثر- إلا الفقراء و أشباه الفقراء، من المجتمع المكي. فكيف يمكن أن يفسر الدين على: أنه نتاج للطبقة الحاكمة، خلقته لتخدير‌

____________

(1) (كارل‌ماركس ماركس) ص 16- 17.

118

المضطهدين و حماية مصالحها؟! و إذا كان يحلو للماركسية، أن تؤمن: بأن الطبقة المالكة المسيطرة، هي التي تصنع الدين لحماية مصالحها، فمن حقنا أن نتساءل: هل كان من مصلحة هذه الطبقة، أن تجعل من هذا الدين أداة فعالة، في القضاء على الرأسمال الربوي، الذي كان يدر عليها أرباحا طائلة في المجتمع المكي، قبل أن يحرّمه الإسلام تحريما باتا؟! أو هل كان من مصلحتها، أن تتنازل عن كل مزاعمها الأرستقراطية، فتسخّر الدين للدعوة إلى المساواة بين الناس، في الكرامة الإنسانية، بل إلى الاستهانة بالأغنياء، و التنديد بتعاظمهم دون حق، حتى قال المسيح: «من أراد أن يكون فيكم عظيما، فليكن لكم خادما، و أنه أيسر أن يدخل الجمل في ثقب إبرة، من أن يدخل غني إلى ملكوت اللّه»؟! و نجد الماركسية أحيانا أخرى، تشرح تفسيرها الطبقي للدين بطريقة أخرى، فتزعم: أن الدين نابع من أعماق اليأس و البؤس، اللذين يملآن نفوس الطبقة المضطهدة. فالمضطهدون هم الذين ينسجون لأنفسهم الدين، الذي يجدون فيه السلوة، و يستشعرون في ظله الأمل. فالدين إيديولوجية البائسين و المضطهدين، و ليس من صنع الحاكمين.

و من حسن الحظ، أن نعلم من تأريخ المجتمعات البدائية: أن الدين ليس من الظواهر الفكرية للمجتمعات الطبقية فحسب، بل إن المجتمعات البدائية، التي تحسبها الماركسية تعيش في حالة شيوعية لا طبقية، قد مارست هذا اللون من التفكير، و ظهرت فيها العقيدة الدينية بأشكال شتّى. فلا يمكن أن يفسر الدين تفسيرا طبقيا، أو أن يعتبر انعكاسا عقليا لظروف الاضطهاد، التي تحيط بالطبقة المستغلة، ما دام قد وجد في حياة الإنسان العقلية، قبل أن يوجد التركيب الطبقي، و قبل أن يغرق الوادي بدموع البائسين و المستغلين. فكيف تستطيع الماركسية بعد هذا، أن تجعل من الوضع الاقتصادي أساسا لتفسير الدين؟! و هناك شي‌ء آخر؛ فالدين إذا كان إيديولوجية المضطهدين، النابعة من‌