اقتصادنا

- المزيد...
886 /
119

واقعهم السيئ، و ظروفهم الاقتصادية، كما تزعم الماركسية في طريقتها الثانية في التفسير، فكيف يمكن أن نفسر وجود العقيدة الدينية، منفصلة عن الواقع السيئ، و ظروف الاضطهاد الاقتصادي؟! و كيف أمكن لغير المضطهدين، أن يتقبلوا من الطبقة المضطهدة، إيديولوجيتها التي نبعت من واقعها الاقتصادي، و دينها الذي تبشر به؟! إن الماركسية لا يمكنها أن تنكر وجود العقيدة الدينية، عند أشخاص لا يمتون إلى ظروف الاضطهاد الاقتصادي بصلة، و صلابة العقيدة في نفوس بعضهم، إلى درجة تدفعهم إلى التضحية بنفوسهم في سبيلها. و هذا يبرهن- بوضوح- على: أن المفكر لا يستوحي فكره إيديولوجية- دائما- من واقعة الاقتصادي، لأن الفكرة الدينية عند أولئك الأشخاص، لم تكن تعبيرا عن بؤسهم و تنفيسا عن شقائهم، و بالتالي لم تكن انعكاسا لظروفهم الاقتصادية، و إنما كانت عقيدة تجاوبت مع شروطهم النفسية و العقلية، فآمنوا بها على أساس فكري.

و لا تكتفي الماركسية بتفسير الدين تفسيرا طبقيا اقتصاديا، بل تذهب إلى أكثر من هذا، فتحاول أن تفسر تطوره على أساس اقتصادي أيضا. فكل شعب حين تطورت ظروفه الاقتصادية، و أتاحت له إقامة مجتمع قومي مستقل، كانت الآلهة التي يعبدها قومه آلهة قومية، لا تتجاوز سلطتها حدود الأراضي القومية، المدعوة إلى حمايتها، و بعد أن تلاشت قوميات هذه الشعوب، بالاندماج في إمبراطورية عالمية، هي الإمبراطورية الرومانية، ظهرت الحاجة إلى دين عالمي أيضا، و كان هذا الدين العالمي، هو المسيحية، التي أصبحت دينا رسميا للدولة، بعد مرور (250) عاما على نشأتها، و تكيفت المسيحية بعد ذلك بالظروف الإقطاعية، و حين بدأت تتعارض بشكلها الكاثوليكي، مع القوى البورجوازية المتنامية، ظهرت حركة الإصلاح الديني البروتستانتية. (1)

و نلاحظ في هذا المجال: أن المسيحية أو البروتستانتية، لو كانت تعبيرا عن الحاجات الموضوعية المادية، التي تشير إليها الماركسية، لكان من الطبيعي أن تولد‌

____________

(1) راجع (لودفيج فيورباخ) ص 103- 105.

120

المسيحية و تنمو، في قلب الإمبراطورية الرومانية، الآخذة بزمام القيادة العالمية، و أن تنشأ حركة الإصلاح الديني، في أكثر المجتمعات الأوروبية، تطورا و نموا من الناحية البورجوازية، مع أن الواقع التاريخي، يختلف عن ذلك تماما.

فالمسيحية لم تنشأ في نقاط التمركز السياسي، و لم تولد في إحضان الرومان، الذين بنوا الدولة العالمية، و كانوا يعبرون في نشاطاتهم عنها، و إنما نشأت بعيدة عن ذلك كله، في إقليم من الأقاليم الشرقية المستعمرة للرومان، و نمت بين شعب يهودي مضطهد، لم يكن- منذ استعمرته الإمبراطورية، على يد القائد الروماني بمبئي، قبل الميلاد بستة عقود- يحلم إلا بالاستقلال القومي، و تحطيم الأغلال التي تربطه بالمستعمرين، الأمر الذي كلفه كثيرا من الثورات، و عشرات الألوف من الضحايا، خلال تلك العقود الستة. فهل كانت ظروف هذا الشعب، المادية و السياسية و الاقتصادية، جديرة بأن تتمخض عن الدين العالمي، الذي يلبي حاجات الإمبراطورية المستعمرة؟! و حركة الإصلاح الديني، التي نشأت عن طلائع التحرر الفكري في أوروبا، هي الأخرى، لم تكن وليدة القوى البورجوازية، و إن حصلت منها البورجوازية على مكاسب، غير أن هذا لا يعني: أنها بوصفها إيديولوجية معينة، قد نشأت عن مجرد التطور الاقتصادي البورجوازي، و إلا لكانت إنكلترا أجدر بها من البلاد، التي انبثقت عنها حركة الإصلاح، لأن البورجوازية في إنكلترا، كانت أقوى منها في أي بلد أوروبي آخر، و التطور الاقتصادي و السياسي، الذي أحرزته خلال ثورات، منذ عام (1215)، جعلها في موضع لا تصل إلى مستواه البلدان الأخرى. و بالرغم من ذلك، لم يظهر لوثر في إنكلترا، استجابة للوعي البورجوازي فيها، و إنما ظهر بعيدا عنها، و مارس نشاطه و دعوته في آلمانيا، كما ظهر في فرنسا الزعيم الثاني للحركة، في شخص كالفن البروتستانتي العنيد، الذي جرت في فرنسا على عهده، عدة مذابح و اشتباكات مروعة، بين الكاثوليك و البرتستانت، و وقف الأمير الألماني وليم أورانج، يدافع عن الحركة الجديدة بجيش جرار.

121

صحيح أن إنكلترة- بعد ذلك- تبنت البروتستانتية رسميا، و لكنها لم تكن- بحال- من نسيج وعيها البورجوازي، و إنما كانت نتيجة وعي عاش في بلاد إقطاعية.

و إذا أخذنا فكره الماركسية، عن التطور التاريخي للأديان، لنطبقها على الإسلام، الدين العالمي الآخر، لوجدنا مدى التناقض الفاضح، بين الفكرة و الواقع. فلئن كانت أوروبا دولة عالمية، تتطلب دينا عالميا، فلم تكن في جزيرة العرب دولة عالمية كذلك، بل لم تكن توجد دولة قومية، تضم الشعب العربي، و إنما كان العرب موزعين فئات متعددة، و كان لكل قبيلة إلهها الذي تؤمن به، و تتذلل إليه و تصنعه من الحجر، ثم تدين له بالطاعة و العبودية، فهل كانت هذه الظروف المادية و السياسية، تدعو إلى انبثاق دين عالمي واحد، من قلب تلك الجزيرة المبضعة، و هي بعد لم تعرف كيف تدرك وجودها كقوم و شعب، فضلا عن أن تعي وحدة من نمط أرقى، تتمثل في دين يوحد العالم برمته؟! و إذا كانت الآلهة الدينية تتطور، من آلهة قومية إلى إله عالمي، تبعا للحاجات المادية و الأوضاع السياسية، فكيف طفر العرب من آلهة قبليّة يصنعونها بأيديهم، إلى إله عالمي دانوا له بأعلى درجات التجريد؟!

ب- الفلسفة:

و الفلسفة في رأي الماركسية- هي الأخرى أيضا- مظهر عقلي للحياة المادية و الشروط الاقتصادية، التي يعيشها المجتمع، و نتاج حتمي لها. قال كونستانتيوف:

«من القوانين المشتركة بين جميع التكوينات الاجتماعية، و الصالحة- على الخصوص- للمجتمع الاشتراكي، يمكن أن نذكر القانون القائل: إن الوجود الاجتماعي يحدد الإدراك الاجتماعي. إن الأفكار الاجتماعية و السياسية و الحقوقية و الفنية و الفلسفية، هي انعكاس للشروط المادية في الحياة الاجتماعية». (1)

____________

(1) (دور الأفكار التقدمية في تطوير المجتمع) ص 8.

122

و موقفنا تجاه هذا يتلخص في كلمات؛ فنحن لا ننكر بالمرة الصلة بين الفكر و الشروط المادية و الاقتصادية، التي يعيشها المفكرون، كما أننا لا ننكر ما للفكر من نظام و قوانين، لأنه بوصفه ظاهرة من ظواهر الكون، يخضع لما تخضع له تلك الظواهر من قوانين، و يجري وفقا لمبدإ العلية. فلكل عملية إيديولوجية أسبابها و شروطها، التي ترتبط بها، كما ترتبط كل ظاهرة بأسبابها و شروطها. و لكن الأمر الذي تختلف فيه مع الماركسية، هو تحديد هذه الأسباب و الشروط. فالماركسية ترى:

أن السبب الحقيقي، لكل عملية إيديولوجية، إنما يكمن في الشروط الاقتصادية و المادية. فلا يمكن- في رأيها- أن نفسر الفكرة، في ضوء علاقاتها بالأفكار الأخرى و تفاعلاتها معها، و على أساس الشروط السيكولوجية و العقلية، و إنما يمكن تفسيرها- فقط- عن طريق العامل الاقتصادى. فليس للفكر تأريخ مستقل أو تطور خاص به، و إنما هو تأريخ للانعكاسات الحتمية، التي تثيرها في العقل الإنساني، ظروف المجتمع الاقتصادية و المادية. و الطريقة العلمية، التي يمكن أن نختبر بها هذه الحتمية، أن نقارن بين النظرية و مجرى الأحداث، في مجرى الحياة العقلية و الاجتماعية للإنسان.

و للماركسية نصوص عديدة في شرح هذه النظرية، و تطبيقها على الحقل الفلسفي. فهي تارة تفسر الفلسفة بحالة القوى المنتجة، و أخرى تفسرها بمستوي العلوم الطبيعية، و ثالثة تعتبرها ظاهرة طبقية، تحددها ظروف التركيب الطبقي في المجتمع! كما سنرى في النصوص الآتية:

قال الفيلسوف الشيوعي البريطاني موريس كونفورث:

«شي‌ء آخر تجدر بنا ملاحظته، ذلك هو تأثير المخترعات التكنيكية و الاكتشافات العلمية، على ظهور الأفكار الفلسفية». (1)

و يريد بهذا، أن يربط بين التفكير الفلسفي، و تطور وسائل الإنتاج، و يوضح هذه الرابطة، في مجال آخر، بتقديم نموذج لها من مفهوم التطور، الذي ساد العقلية الفلسفية، بسبب التطور الثوري في قوى الإنتاج، فهو يقول:

____________

(1) (المادية الديالكتيكية) ص 40.

123

«إن التقدم نحو المفاهيم التطورية في العلم، و الذي أعرب عن اكتشاف التطور الحقيقي في الطبيعة و المجتمع، كان يطابق تطور الرأسمالية الصناعية، في أواخر القرن الثامن عشر، بيد أن هذا التطابق، لم يكن مجرد تطابق فحسب، بل كان يعبر عن علاقة سببية. لا تعيش البورجوازية، إلا إذا أدخلت تغييرات ثورية مستمرة، على أدوات الإنتاج. كانت هذه هي الشروط، التي أدت إلى ظهور مفهوم التطور العام في الطبيعة و المجتمع، و لذلك فإن مهمة الفلسفة، في تعميم قوانين التغير و التطور، لا تنتج من مكتشفات العلوم فحسب، بل و من الكل المعقد لحركة المجتمع الحديث بكليته». (1)

و هكذا فإن أدوات الإنتاج، كانت تتطور و تتجدد، فتقذف إلى عقل الفلاسفة مفاهيم التطور، التي قضت على النظرة الفلسفية الجامدة إلى الكون، و حولتها إلى نظرة ثورية، تطابق التطورات المتواصلة في أدوات الإنتاج.

و نكتفي هنا بالقول: بأن التطورات الثورية في أدوات الإنتاج، بدأت في أواخر القرن الثامن عشر، كما أشار إلى ذلك كونفورث نفسه، أي: بعد اختراع الآلة البخارية سنة (1764)، التي تعتبر أول ثورة حقيقية في وسائل الإنتاج، و مفهوم التطور- على أساس مادي- سبق هذا التأريخ، على يد إمام من كبار أئمة الفلسفة المادية، الذي تشيد الماركسية بمجدهم و آرائهم، و هو ديدرو (2)، الذي طلع على دنيا الفلسفة في النصف الأول من القرن الثامن عشر، بمادية صبها في إطار من التطور الذاتي، فقال: بأن المادة تتطور بنفسها، و فسر الحياة على أساس التطور. فالإحياء عنده تتطور، ابتداء من خلية تحدثها المادة الحية، بحيث تحدث الأعضاء الحاجات، و تحدث الحاجات الأعضاء.، فهل استقى ديدرو هذا المفهوم الفلسفي للتطور، من الانقلابات الثورية في الأدوات المنتجة، التي لم تكن قد تعاقبت بعد على مسرح الإنتاج؟!

____________

(1) ملخصات عن (المادية الديالكتيكية) ص 8- 9.

(2) ولد سنه 1713، و نشر خواطره الفلسفية سنة 1745، و استمر في التأليف و النشر حتى مات سنة 1784. (من المؤلف)

124

صحيح أن التغييرات الجذرية على الصعيد الإنتاجي، كانت تهيئ الأذهان- إلى حد ما- لقبول فكره التطور الفلسفي، و تطبيقها على كل مرافق الكون، و لكن هذا لا يعني السببية الضرورية، و ربط التطور الفلسفي بتطور الإنتاج، ربطا حتميا لا يأذن له بالتقدم أو التأخر، و إلا فكيف سمحت هذه الحتمية المزعومة لديدرو، أن يسبق تطور الإنتاج؟! بل كيف سمحت لفلاسفة عاشوا قبل ذلك بأكثر من ألفي سنة، أن يجعلوا من التطور قاعدة فلسفية لهم؟! فهذا هو الفيلسوف اليوناني أنكسمندر (1)، عاش في القرن السادس قبل الميلاد، جاء بمفهوم فلسفي عن التطور، لا يختلف في جوهره عن مفاهيم التطور في عصر الإنتاج الرأسمالي. فقد قال: إن الكائنات كانت أول أمرها منحطة، ثم سارت في طريق التطور، درجات أعلى فأعلى، بما فطر فيها من دافع غريزي، يدفعها إلى الملاءمة بين أنفسها و البيئة الخارجية؛ فالإنسان- مثلا- كان حيوانا يعيش في الماء، فلما انحسر الماء، اضطر هذا الحيوان المائي إلى ملاءمة البيئة، فاكتسب على مر الزمن أعضاء صالحة للحركة على الأرض اليابسة، و هكذا حتى أصبح إنسانا.

و فيلسوف آخر، كانت له مساهمة كبيرة في مفاهيم التطور الفلسفي، حتى اعتبرته الماركسية، شارحا رائعا لجوهر الديالكتيك و رأيه في التطور، و هو هرقليطس (2)، الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، و جاء في دنيا الفلسفة بمفهوم للتطور، يقوم على أساس التناقض و الديالكتيك. فهو يؤكد: أن الكون ليس على صورة واحدة، فهو متغير متحول دائما، و هذه الصيرورة و الحركة من صورة إلى صورة، هي حقيقة الكون، فلا تفتأ الأشياء تتقلب من حال لحال إلى آخر الأبد.

و يفسر هذه الحركة بأنها تناقض، لأن الشي‌ء المتحرك يكون موجودا و متغيرا في نفس الوقت، أي: موجودا و غير موجود في آن واحد، و هذا الاتحاد الآني بين الوجود و اللاوجود، هو معنى الحركة، التي هي جوهر الكون و حقيقته.

____________

(1) ولد سنة 611 (ق. م) و توفي سنة 547 (ق. م) تقريبا. (من المؤلف)

(2) ولد سنة 535 (ق. م) و توفي سنة 475 (ق. م). (من المؤلف).

125

إن فلسفة هرقليطس هذه، لئن برهنت على شي‌ء، فإنما تبرهن بوجودها التاريخي، على خطأ الماركسية في تفسيرها للفلسفة، و تأكيدها على مسايرتها حتما لوسائل الإنتاج و المكتشفات التكنيكية، لا سيما إذا عرفنا: أن هرقليطس، كان متأخرا تأخرا فاضحا عن موكب العلم، و مكتشفاته الطبيعية و الفلكية في عصره، فضلا عن مواكبه الحديثة، حتى كان يعتقد: أن قطر الشمس قدم واحد، كما يبدو للبصر، و يفسر غروبها بانطفائها في الماء.

و لماذا نذهب بعيدا، و بين أيدينا الفيلسوف الإسلامي الكبير صدر الدين الشيرازي، الذي أحدث ثورة جبارة في الفلسفة الإسلامية، إذ أتحف الفكر الإسلامي في مطلع القرن السابع عشر، بأعمق فلسفة شهدها تأريخ هذا الفكر، و أثبت في فلسفته هذه، الحركة الجوهرية في الطبيعة، و التطور المستمر في جوهر الكون، على أسس فلسفية تجريدية. و قد أثبت ذلك، يوم كانت وسائل الإنتاج ثابتة، بشكلها التقليدي على مر الزمن، و كان كل شي‌ء في الحياة الاجتماعية ساكنا ثابتا، غير أن الدليل الفلسفي، دفع فيلسوفنا الشيرازي، إلى التأكيد على قانون التطور في الطبيعة، بالرغم من ذلك كله.

فلا علاقة حتمية- إذن- بين المفاهيم الفلسفية، و الوضع الاقتصادي للقوى المنتجة.

و هناك شي‌ء آخر، له مغزاه الخاص بهذا الصدد، و هو: أن الوضع الاقتصادي لقوي الإنتاج و علاقاته، لو كان هو الأساس الحقيقي الوحيد، لتفسير الحياة العقلية للمجتمع، بما فيها الأفكار الفلسفية، لكانت النتيجة الطبيعية لذلك: أن التطورات الفلسفية تواكب في حركتها التقدمية، تطور الوضع الاقتصادي، و تجري وفقا لحركة التكامل في علاقات الإنتاج و قواه، و يصبح من الضروري بموجب ذلك، أن تنبع الاتجاهات التقدمية في الفلسفة، و أن تتولد الثورات الفلسفية الكبرى، في أرقى المجتمعات من الناحية الاقتصادية، فيكون نصيب كل مجتمع من التفكير التقدمي، و الفلسفة الثورية، بمقدار حظه من التطور الاقتصادي، و السبق في ظروف الإنتاج و علاقاته.

فهل تنسجم هذه النتيجة مع الواقع التاريخي للفلسفة؟ هذا ما نريد معرفته الآن.

126

و لنأخذ حالة أوروبا، عند ما لاحت في الأفق الأوروبي، تباشير الثورة الفكرية الجديدة. فقد كانت إنكلترة تتمتع بدرجة عالية نسبيا من التطور الاقتصادي، لم تظفر بنظيرها فرنسا و لا آلمانيا، و كان الشعب الإنكليزي، قد ظفر بمكاسب سياسية خطيرة، لم يكن قد حصل على شي‌ء منها الشعب الفرنسي و الألماني، و كانت القوى الاقتصادية الفنية في إنكلترة (قوى البورجوازية) في نمو مستمر، لا يشبهه وضعها في البلدان الأخرى. و بكلمة مختصرة: إن الوضع الاجتماعي لإنكلترة، بشروطه الاقتصادية و السياسية، كان أعلى درجة- في سلم التطور التاريخي، الذي تؤمن به الماركسية- من فرنسا و آلمانيا، بدليل أن إنكلترة بدأت ثورتها التحررية، سنة (1215)، و خاضت في منتصف القرن السابع عشر (1648)، ثورتها الكبرى بقيادة كرومويل، بينما لم تتهيأ في فرنسا ظروف الثورة الحاسمة إلا سنة (1789)، و لا في آلمانيا إلا عام (1848)، و هذه الثورات، بوصفها ثورات بورجوازية، منبثقة عن درجة التطور الاقتصادي في رأي الماركسية، تبرهن بما تشير إليه من تفاوت زمني بينها، على سبق إنكلترة في المجال الاقتصادي.

و إذا كانت إنكلترة هي الدولة المتطورة اقتصاديا، أكثر من غيرها، فمن الطبيعي- على أساس النظرية الماركسية- أن تسبق غيرها من البلدان في المضمار الفلسفي، و تصبح أكثر تقدمية منها في اتجاهها الفلسفي. و الاتجاه التقدمي في الفلسفة- عند الماركسية- هو الاتجاه المادي، و أكثر ما يكون الاتجاه المادي تقدميا، حين يقوم على أساس التطور و الحركة. و هنا نتساءل: أين ولدت المادية و شبت؟ و في أي مجتمع ظهرت تباشيرها، ثم اندلعت عاصفتها؟ و تبدو لنا الماركسية هنا في موقف حرج، لأن نظريتها في تفسير الفلسفة، على أساس العامل الاقتصادي، تدعوها إلى القول:

بأن تقدم إنكلترة الاقتصادي، كان يفرض عليها أن تظهر على المسرح الفلسفي، بالاتجاه التقدمي، أو الاتجاه المادي بتعبير آخر. و لهذا حاول ماركس القول: بأن المادية ولدت في إنكلترة، على يد فرنسيس بيكون، و على يد الاسميين. (1)

____________

(1) (التفسير الاشتراكي للتأريخ). ص 76.

127

و لكنا نعلم جميعا: أن بيكون لم يكن فيلسوفا ماديا، بل كان غارقا في المثالية، و إنما دعا إلى التجربة فقط، و شجع الطريقة التجريبية في البحث. و أما الاسميون الإنجليز، فلئن كانت الاسمية لونا فكريا من الإعداد للمادية، فقد سبق إلى هذا اللون من التفكير الفلسفي، اثنان من الفلاسفة الفرنسيين، في مطلع القرن الرابع عشر:

أحدهما: دوران دي سان بورسان، و الآخر: بيير أوريول. و إذا أردنا أن نفتش بصورة أعمق عن المقدمات الفكرية، التي مهدت للاتجاه المادي، فسوف نجد قبل الاسمية، الحركة الرشدية اللاتينية في الفلسفة، التي ظهرت في القرن الثالث عشر في فرنسا، و تشيّع لها معظم أساتذة كلية الفنون بباريس، و على يدهم فصلت الفلسفة عن الدين، و بدأت تتجه إلى إنكار المسلّمات الدينية.

و أما الاتجاه المادي في شكله الصريح، فهو و إن كشف عن نفسه، في شخص أو أشخاص معدودين في إنكلترة، نظير هوبز، و لكن هذا الاتجاه، لم يستطع أن يسيطر على الموقف الفلسفي في إنكلترة، أو يستلم الزمام من الفلسفة المثالية، بينما أثار أكبر عاصفة مادية على المسرح الفلسفي في فرنسا، حتى غرقت فرنسا في الاتجاهات المادية. و بينما كانت فرنسا الفكرية، تحتفل بفولتير و ديدرو و أمثالهما من أئمة المادية في القرن الثامن عشر، نجد إنكلترة زاخرة بأعمق و أفظع مثالية فلسفية، على يد جورج باركلي و ديفيدهيوم، المبشرين الأساسيين بالمثالية، في تأريخ الفلسفة الحديثة.

و هكذا تجي‌ء النتائج، على عكس ما ترتقبه الماركسية في التأريخ، إذ تزدهر الفلسفة المثالية، و بتعبير آخر: أشد الفلسفات رجعية عند الماركسية، في أرقى المجتمعات، و أكثرها تطورا من الناحية الاقتصادية و التكنيكية، بينما تختار العاصفة المادية لها مكانا، في مجتمعات متأخرة اقتصاديا و اجتماعيا، كفرنسا، بل إن المادية التطورية و الديالكتيك نفسهما، لم يظهرا إلا في آلمانيا، يوم كانت متأخرة في شروطها المادية عن إنكلترة، بعدة درجات.

و مع هذا تريدنا الماركسية، أن نصدق تفسيرها للتفكير الفلسفي و تطوراته، على أساس الوضع الاقتصادي و نموه.

128

و إذا حاولت الماركسية، أن تجد لها المفارقات مبررا، لتعبيرها استثناء عن القانون، فما ذا يبقى عندها من دليل على صحة القانون نفسه، لتكون هذه المفارقات استثنائية؟! و لماذا لا تكون دليلا على خطأ القانون نفسه، بدلا من أن نلتمس المعاذير لها من هنا و هناك؟!! و هكذا نستنتج- مما سبق-: أن لا علاقة حتمية، بين المفاهيم الفلسفية للمجتمع، و الوضع الاقتصادي للقوى المنتجة فيه.

و أما العلاقة بين الفلسفة و العلوم الطبيعية، فتتوقف دراستها- بصورة مفصلة- على تحديد مفهوم الفلسفة و مفهوم العلم، و الأسس التي يرتكز عليها التفكير الفلسفي و التفكير العلمي، لنستطيع أن نعرف ما يمكن من تفاعل و ارتباط بين الحلقتين. و هذا ما سنتركه إلى (فلسفتنا)، و لكننا لا نترك هذه المناسبة دون أن نشير بإجمال، إلى شكنا في التبعية المفروضة على الفلسفة للعلوم الطبيعية. فإن الفلسفة قد تسبق العلم أحيانا، إلى بعض الاتجاهات في تفسير الكون، ثم يجري العلم بعد ذلك في اتجاهها، بطريقته الخاصة. و أوضح مثل على ذلك، التفسير الذري للكون، الذي قال به الفيلسوف اليوناني ديمقراطيس، و قامت على أساسه عدة مدارس فلسفية، على مر التأريخ، قبل أن تصل العلوم الطبيعية إلى مستوى، تتمكن فيه من التدليل على هذا التفسير، و استمر التفسير يحمل الطابع الفلسفي الخالص، حتى حاول أن يدخل الحقل العلمي- لأول مرة- على يد دالتن عام (1805)، حيث استخدم الفرضية الذرية، لتفسير النسب الثابتة في الكيمياء.

و لم يبق علينا بعد هذا، إلا أن نفحص الطابع الطبقي للفلسفة. فإن الماركسية تؤكد: أن الفلسفة لا يمكن أن تتجرد عن إطارها الطبقي، بل هي دائما تعبير عقلي رفيع، عن مصالح طبقة معينة. قال موريس كونفورث:

«كانت الفلسفة دوما تعبر، و لا تستطيع أن تعبر، عن وجهة نظر طبقية. فكل‌

129

فلسفة عبارة عن وجهة نظر طبقة ما، عن العالم، طريقة تدرك بها الطبقة، مركزها و أهدافها التأريخية. فكانت المدارس الفلسفية، تعبر عن نظرة الطبقة، ذات الامتيازات، إلى العالم، أو عن وجهة نظر الطبقة التي كانت تكافح، لتصبح طبقة ذات امتيازات». (1)

و لا تكتفي الماركسية بمجمل من القول كهذا، بل تضع النقاط على الحروف، فتؤكد: أن الفلسفة المثالية- و تعني بها كل فلسفة ترفض التفسير المادي البحث للعالم- هي فلسفة الطبقات الحاكمة، و الأقليات المستغلة، التي تتبنى المثالية على مر التأريخ، بوصفها فلسفة محافظة، لتستعين بها على إبقاء القديم على قدمه. و أما المادية فهي على نقيض ذلك، لأنها كانت تعبر دائما عن المفهوم الفلسفي للطبقات المضطهدة، و تقف إلى جانبها في كفاحها، و تسند الحكم الديمقراطي و القيم الشعبية. (2)

و تشرح الماركسية هذين الموقفين المتناقضين، من المثالية و المادية، على أساس اختلاف الفلسفتين في نظريتهما عن المعرفة. و في هذا تقع الماركسية في خلط، بين نظرية المعرفة في المجال الكوني، و بينها في المجال الأخلاقي، فتعتبر: أن تأكيد المثالية على حقائق مطلقة الوجود، يتضمن إيمانهم بقيم مطلقة للوضع الاجتماعي أيضا، فما دامت المثالية، أو الميتافيزية، تؤمن: بأن الحقيقة العليا (اللّه) في الوجود مطلقة و ثابتة، فهي تؤمن- أيضا-: بأن الظواهر العليا في المجتمع، من حكومة و أوضاع سياسية و اقتصادية، حقائق ثابتة مطلقة أيضا، لا يجوز تغييرها و استبدالها بغيرها.

و الحقيقة هي: أن وجود حقائق مطلقة، وفقا لنظرية المعرفة الفلسفية عند الميتافيزية، و لمفهومها عن الوجود، لا يعني: الاعتراف بنظير هذا الإطلاق و الشمول، على الصعيد الاجتماعي و السياسي. و لذلك نجد أرسطو، زعيم الميتافيزية الفلسفية، يؤمن: بالنسبية على الصعيد السياسي، و يقرر: أن الحكومة الصالحة تختلف‌

____________

(1) (المادية الديالكتيكية) ص 32.

(2) راجع (دراسات في الاجتماع) ص 81.

130

باختلاف الأحوال و الظروف، و لم يمنعه القول بالصلاح النسبي هذا في المجال الاجتماعي، من الاعتقاد بالحقائق المطلقة في الفلسفة الميتافيزيقية.

و سنترك درس هذه الناحية دراسة دقيقة، إلى (فلسفتنا)، و نقف هنا لحظة لنرى:

هل يصدق التأريخ هذه المزاعم، التي تقررها الماركسية عن الاتجاه التاريخي الطبقي للمثالية و المادية؟! و يمكننا أن نأخذ مثالين من التأريخ- من تأريخ المادية على الخصوص-:

أحدهما: هرقليطس، أكبر فيلسوف للمادية في العالم القديم، و الآخر: هوبز، الذي يعتبر من أقطاب المادية في الفلسفة الحديثة.

أما هرقليطس، فهو أبعد إنسان عن الروح الشعبية، التي تسلكها الماركسية في جوهر الفلسفة المادية. فقد كان سليل أسره أرستقراطية نبيلة، لها المنزلة الأولى بين أهل المدينة، و قد شاء الحظ أن يندرج في مناصبها الكبيرة، حتى أصبح حاكم المدينة المسيطر. و قد كان يعبر دائما، و في كل تصرفاته، عن نزعته الأرستقراطية، و ترفعه على الشعب، و استهانته به، حتى كان يصفه تارة بقوله: «إنعام تؤثر الكلأ على الذهب»، و أخرى بقوله: «كلاب تنبح كل من لا تعرفه».

هكذا تجسدت في العالم القديم، المادية الديالكتيكية في شخص، يمكن أن يوصف بكل شي‌ء، إلا بالروح الديمقراطية و مساندة الحكم الشعبي، بينما كان إمام المثالية في دنيا اليونان (أفلاطون) يدعو إلى فكره ثورية، تتجسد في نظام شيوعي مطلق، و يشجب الملكية الخاصة بكل ألوانها! فأي الفيلسوفين كان أقرب للثورية، و القيم التحررية في رأي الماركسية؟! و هوبز الذي حمل في مطلع عهد النهضة، لواء فلسفة مادية خالصة، معارضا بها ميتافيزيقة ديكارت.، لم يكن أحسن حالا من هرقليطس. فقد كان معلما لأمير من الأسرة المالكة في إنكلترة- هو الذي اعتلى عرش إنجلترا بعد ذلك، باسم: شارل الثاني، عام (1660)- و بحكم علاقته هذه، ناهض الثورة الشعبية الكبرى، التي فجرّها الشعب الإنجليزي، بقيادة كرومويل، حتى إذا دكّت الثورة عرش الملكية،

131

و أقامت مكانها جمهورية يرأسها كرومويل، اضطر فيلسوفنا المادي، إلى الفرار و الالتجاء إلى فرنسا، التي كانت معقلا قويا للملكيين. و هناك استمر في مناصرته الفكرية للملكية المطلقة، و وضع كتابه (التنين)، الذي ضمّنه فلسفته السياسية، و أكد فيه على ضرورة سلب أفراد الشعب حرياتهم، و إقامة الملكية على أساس من الاستبداد المطلق. و في الوقت الذي كانت تؤكد فيه الفلسفة المادية، هذا الاتجاه السياسي، على يد هوبز، كانت الفلسفة الميتافيزيقية تقف موقفا معاكسا، يتمثل في عدة من أبطالها المفكرين، الذين عاصروا هوبز، كالفيلسوف الصوفي الكبير باروخ سبينوزا، الذي آمن بحق الشعب في انتقاد السلطة، بل و في الثورة عليها، و دعا إلى الحكم الديمقراطي، قائلًا: «كلما اتسعت مشاركة الشعب في الحكم، قوي التحابّ و الاتحاد».

فأي الفلسفتين كان تسير في ركاب الأرستقراطية و الاستبداد؟! فلسفة هرقليطس الأرستقراطي، أم فلسفة أفلاطون واضع كتاب (الجمهورية)؟! فلسفة هوبز الاستبدادي، أم فلسفة سبينوزا، القائل بحق الشعب في الحكم؟! بقي علينا أن نلاحظ شيئا آخر، و هو: أن التفكير الفلسفي لمّا كان طبقيا في رأي الماركسية، فهو تفكير حزبي دائما. فلا يمكن لأي باحث فلسفي، أن يدرس مسائل الفكر الإنساني، دراسة موضوعية نزيهة، بل الدراسات الفكرية كلها ذات لون حزبي صارخ. و لأجل هذا لا تتحاشى الماركسية عن إبراز الطابع الحزبي، لفلسفتها و تفكيرها الخاص، و الاعتراف باستحالة النزعة الموضوعية في البحث، بالنسبة إليها و إلى كل المفكرين، و تكرر دائما: إن النزعة الموضوعية و النزاهة التامة في البحث، ليست إلا أسطورة بورجوازية، يجب القضاء عليها. قال الكاتب الماركسي الكبير تشاغين:

«لقد ناضل لينين بثبات و إصرار. ضد النزعة الموضوعية في النظرية، و ضد اللاتحيز و اللّاحزبية البورجوازيين. و منذ عام (1890) سدّد لينين طعنة نجلاء، إلى النزعة الموضوعية البورجوازية، التي كان ينادي بها الماركسيون الشرعيون، أولئك الذين كانوا ينتقدون الموقف الحزبي في النظرية، و يطالبون‌

132

بالحرية في ميدان النظرية. لقد بيّن في نضاله ضد الماركسية الشرعية، و ضد نزعة المراجعين: أن النظرية الماركسية من واجبها أن تعلن بصراحة، و حتى النهاية، مبدأ الروح الحزبية البروليتارية. و لكي نقدر حق قدره هذا الحدث أو ذاك، من أحداث التطور الاجتماعي، فينبغي النظر إليه من زاوية مصالح الطبقة العاملة، و التطور التاريخي لهذه الطبقة. فالروح الحزبية هي التي تمكّن الطبقة العاملة، من أن تبرّر علميا، الضرورة التأريخية لإقامة دكتاتورية البروليتاريا». (1)

و قال لينين نفسه:

«إن المادية تفرض الموقف الحزبي، لأنها في تقدير كل حادث، تجبر على الانحياز صراحة، و دون مواربة، إلى وجهة نظر فئة اجتماعية معنية». (2)

و على هذا الأساس، وجه جدانوف نقدا قاسيا لكتاب الكسندروف، في تأريخ الفلسفة الغربية، إذ دعا فيه مؤلفه إلى التساهل و النزعة الموضوعية في البحث، فنقده جدانوف بحرارة، و كتب يقول:

«إن المهم في نظري، هو: أن المؤلف يستشهد بتشرينشفسكي، لكي يبين: أنه يجب على مؤسّسي الأنظمة الفلسفية المختلفة، و حتى المتناقضة فيما بينها، أن يكونوا أكثر تساهلا، واحدهم تجاه الآخر. و لما كان المؤلف قد استشهد بهذه الفقرة (أي: بفقرة من كلام تشرينشفسكي، في تحبيذ التساهل و الموضوعية) دون تعليق، فمن الواضح أنها تمثل وجهة نظره الخاصة. فإذا كان الأمر كذلك، كان من الجلي، أنه يسير في طريق إنكار مبدأ الموقف الحزبي في الفلسفة، ذلك المبدأ الجوهري في الماركسية اللينينية». (3)

و نحن بدورنا نتساءل، في ضوء هذه النصوص: ماذا تقصد الماركسية من‌

____________

(1) (الروح الحزبية في الفلسفة و العلوم) ص 72- 79.

(2) (حول تأريخ تطور الفلسفة) ص 21.

(3) (حول تأريخ تطور الفلسفة) ص 18.

133

التشديد على الموقف الحزبي في الفلسفة، و التحيز في كل مجال فكري، إلى وجهة نظر الطبقة التي تدافع عن مصالحها؛ فإن كانت تعني بذلك: أن من الضروري للفلاسفة الماركسيين، أن يجعلوا مصلحة الطبقة العاملة، هي المعيار فيما يقبلون و يرفضون من آراء، فلا يسمحون لأنفسهم بتبني أيّ فكره، تتعارض مع تلك المصلحة، و إن توفرت عليها الأدلة و البراهين، فمعنى هذا: أنها تنتزع من نفوسنا الثقة بأقوالها، و تجعلنا نشك في إيمانها بأي رأي تبديه، أو فكره تتحمس لها. و يصبح من الجائز أن يكون ماركس، أعرف الناس بأخطائه، التي كان يكافح في سبيلها، و يعرضها بوصفها معاجز التفكير الحديث.

و أما إذا كانت تعني الماركسية من الموقف الحزبي: أن كل فرد ينتمي إلى طبقة و يدافع عن مصالحها، ينساق- دون قصد- إلى ما يتفق مع مصالح تلك الطبقة من مفاهيم و آراء، و لا يمكن أن يتجرد عن وصفه الطبقي خلال البحث، مهما حاول اصطناع النزعة الموضوعية و تكلفها، إذا كانت الماركسية تعني هذا، فإنه يؤدي بها إلى النسبية الذاتية، التي تحاربها دائما.

و لعل القارئ يتذكر النسبية الذاتية، من بين المذاهب التي استعرضناها في نظرية المعرفة من (فلسفتنا)، و هو المذهب القائل: بأن الحقيقة ليست مطابقة الفكرة للواقع الموضوعي، و إنما هي: مطابقة الفكرة للشروط الخاصة، التي توجد في تركيب الفرد، العضوي و النفسي. فالحقيقة بالنسبة إلى كل شخص، ما تتفق مع تركيبه الخاص، لا [ما] يطابق الواقع الخارجي. و هي لأجل ذلك نسبية ذاتية، بمعنى: أنها تختلف من فرد لآخر. فما هو حقيقة بالنسبة إلى شخص، لا يكون كذلك بالنسبة إلى شخص آخر.

و الماركسية تشن حملة عنيفة ضد هذه النسبية الذاتية، و تعتبر الحقيقة هي مطابقة الفكرة للواقع الموضوعي، غير أن الواقع الموضوعي لمّا كان متطورا، فالحقيقة التي تعكسه متطورة أيضا، فهي حقيقة نسبية، و لكن النسبية هنا موضوعية، تابعة لتطور الواقع الموضوعي، و ليست ذاتية تابعة للتركيب العضوي و النفسي للفرد المفكر. هذا‌

134

ما تقوله الماركسية في نظرية المعرفة، و لكنها بتأكيدها على الطابع الطبقي و الحزبي للتفكير، و على استحالة التجرد من مصالح الطبقة، التي ينتمي إليها المفكر، تسير في طريق النسبية الذاتية من جديد، إذ تصبح الحقيقة هي: مطابقة الفكرة للمصالح الطبقية للمفكر، لأن كل مفكر لا يستطيع أن يدرك الواقع، إلا في حدود هذه المصالح. فلا يمكن للماركسية حين تقدم لنا مفهومها عن الكون و المجتمع، أن تزعم لهذا المفهوم، القدرة على تصوير الواقع، و إنما كل ما تستطيع أن تقرّه هو: أنه يعكس ما يتفق مع مصالح الطبقة العاملة، من جوانب الواقع. فمعيار الحقيقة عند كل مدرسة فكرية، هو: مدى اتفاق الفكرة مع المصالح الطبقية، التي تدافع عنها. و بهذا تصبح الحقيقة نسبية، تختلف من مفكر إلى آخر، و لكن لا بحسب التركيب العضوي و النفسي للأفراد، بل بحسب التركيب الطبقي و المصالح الطبقية، التي ينتمون إليها.

فالحقيقة نسبية طبقية، تختلف باختلاف الطبقات و مصالحها، و ليست نسبية موضوعية. و لا يمكن التأكد من احتواء الحقيقة على جانب موضوعي من الواقع، أو تحديد هذا الجانب فيها، ما دامت الماركسية لا تأذن للتفكير- مهما كان لونه- أن يتجاوز حدود المصالح الطبقية، و ما دامت المصالح الطبقية توحي دائما بما يشايعها من أفكار، بقطع النظر عن خطئها و صوابها، و ينتج من ذلك شك مطلق مرير، في كل الحقائق الفلسفية.

ج‍- العلم:

و لا أريد أن أقف عند الأفكار العلمية طويلا، خوفا من الإسهاب. و لكننا لن نستمع- مهما وقفنا- إلا نفس النغمة، التي كانت ترددها الماركسية في الحقل الفلسفي، و في كل مرفق من مرافق الوجود الإنساني. فالعلوم الطبيعية- في رأيها- تتدرّج و تنمو طبقا للحاجات المادية، التي يتفتح عنها الوضع الاقتصادي، و تستجد شيئا فشيئا، تبعا لتطور الظروف الاقتصادية و تكاملها. و لما كانت هذه الظروف، نتاجا تأريخيا لوضع القوى المنتجة، و أساليب الإنتاج، فلا غرو أن تصل الماركسية‌

135

في تفسيرها للحياة العلمية، إلى الإنتاج أيضا، كما تصل إليه عند نهاية كل شوط، في تحليل حركة التأريخ و عمليته المتعددة الجوانب. فكل مرحلة تأريخية، تتكيف اقتصاديا، وفقا لأساليبها في الإنتاج، و تساهم في الحركة العلمية، في المدى الذي يفرضه واقعها الاقتصادي، و حاجاتها المادية النابعة من هذا الواقع.

فاكتشاف العلم للقوة البخارية المحركة، في أواخر القرن الثامن عشر- مثلا- كان وليد الظروف الاقتصادية، و نتيجة لحاجة الإنتاج الرأسمالي إلى قوة ضخمة، لتحريك الآلات التي يعتمد عليها هذا الإنتاج. و كذلك سائر الكشوف و التطورات، التي يحفل بها تأريخ العلم.

و قد ذكر روجيه غارودي، لإيضاح تبعية العلوم، للوضع الاقتصادي و التكنيكي للقوى المنتجة: أن المستوي التكنيكي، الذي تبلغه القوى المنتجة، هو الذي يضع أمام العلم قضايا، و يحتم عليه بحثها و حلها، فيتقدم و يتكامل، وفقا لما يعالجه من هذه القضايا، النابعة من تطور القوى المنتجة، و وضعها الفني و التكنيكي. و على هذا الأساس يفسر لنا غارودي: كيف أن اكتشافا واحدا، قد يتوصل إليه عدة علماء في آن واحد، كاكتشاف التعادل بين الحرارة و العمل، الذي حققه علماء ثلاثة، في وقت واحد، و هم: كارنو في فرنسا، و جول في إنجلترا، و ماير في آلمانيا. و كما يقدّم تطور القوى المنتجة بين يدي العلم القضايا، التي يجب عليه حلها، كذلك يعبّر لنا غارودي عن وجه آخر، من تبعية العلوم لوضع القوى المنتجة، و هو: أن تطورها يهيئ للعلم أدوات البحث التي يستخدمها، و يؤمّن له مجموعة الأدوات الضرورية للمراقبة و الاختبار. (1)

و فيما يلي نلخص ملاحظاتنا، على هذا الموقف الماركسي، في تفسير العلم:

أ- إذا استثنينا العصر الحديث، نجد أن المجتمعات التي سبقته إلى الوجود، كانت متقاربة إلى حد كبير في وسائل الإنتاج و أساليبه، و لم يكن بينها أيّ فرق جوهري من هذه الناحية. فالزراعة البسيطة، و الصناعة اليدوية، هما الشكلان الرئيسيان‌

____________

(1) راجع (الروح الحزبية في الفلسفة و العلوم) ص 11- 12.

136

للإنتاج، في مختلف تلك المجتمعات. و معنى ذلك في العرف الماركسي: أن القاعدة التي تقوم عليها هذه المجتمعات كلها واحدة. و بالرغم من ذلك، فإنها تختلف اختلافا كبيرا، في مستوياتها العلمية. فلو كانت أشكال الإنتاج و أدواته، هي العامل الأساسي، الذي يحدد لكل مجتمع محتواه العلمي، و يطوّر الحركة العلمية، وفقا لدرجته التأريخية، لما وجدنا تفسيرا لهذا الاختلاف، و لا مبررا لازدهار العلم في مجتمع دون مجتمع، ما دامت القوة الرئيسية التي تصنع التأريخ، واحدة في الجميع.

فلما ذا اختلف المجتمع الأوروبي في القرون الوسطى- مثلا- عن المجتمعات الإسلامية في الأندلس و العراق و مصر، مع اشتراكها في نوعية القاعدة؟! و كيف ازدهرت في المجتمعات الإسلامية، الحركة العلمية في مختلف الحقول، بدرجة عالية- نسبيا- و لم يوجد لها أي تباشير في أوروبا الغربية، التي هالها ما رأته في حروبها الصليبية، من علوم المسلمين و مدنيتهم؟! و لماذا استطاعت الصين القديمة وحدها، أن تخترع الطباعة، و لم تتوصل إليها سائر المجتمعات، إلا عن طريقها؟! فقد أخذ المسلمون هذه الصناعة، عن الصينيين في القرن الثامن الميلادي، ثم أخذتها أوروبا عن المسلمين في القرن الثالث عشر. فهل كانت القاعدة الاقتصادية، التي قامت عليها الصين القديمة، تختلف في جوهرها عن قاعدة المجتمعات الأخرى؟! ب- إن الجهود العلمية، و إن كانت تعبّر في كثير من الأحايين، عن حاجة مادية اجتماعية تتطلب الإبداع، و لكن هذه الحاجة لا يمكن أن تكون هي التفسير الأساسي الوحيد، لتاريخ العلم و تطوراته. فإن كثيرا من الحاجات، بقيت تنتظر آلاف السنين كلمة العلم بشأنها، و لم تستطع بمجرد وجودها في حياة الناس المادية، أن تظفر من العلم بمكسب، حتى آن للعلم أن يصل إلى الدرجة التي تتيح له قضاء هذه الحاجة. و لنأخذ المثال على ذلك من كشف علمي، قد يبدو الآن تافها، و لكنه عبّر في حينه عن تطور علمي جديد، و هو اختراع النظارات. فحاجة الناس‌

137

إلى النظارات- مثلا- قديمة، قدم الإنسان، و لكن هذه الحاجة المادية، بقيت تنتظر دورها، حتى جاء القرن الثالث عشر، فاستطاعت أوروبا أن تأخذ عن المسلمين، معلوماتهم عن انعكاس الضوء و انكساره، و بالتالي تمكّن العلماء على أساس هذه المعلومات، أن يصنعوا النظارات. فهل كان هذا الحدث العلمي وليد حاجة جديدة، نبعت عن الواقع الاقتصادي و المادي للمجتمع؟! أو كان نتيجة لعوامل فكرية، استطاعت أن تؤدي إلى اختراع النظارات، عند وصولها إلى درجة معينة من تطورها و تكاملها؟! و لو كان بإمكان الحاجة المنبثقة من الظروف الاقتصادية، أن تفسر العلم و الكشوف العلمية، فكيف يمكن أن نفهم اكتشاف أوروبا، لقدرة المغنطيس على تعيين الاتجاه، في القرن الثالث عشر، حين استعملت الإبرة المغنطيسية في إرشاد السفن؟! مع أن الطريق البحري، كان هو الطريق الرئيسي للتجارة في قرون خلت، و كان الرومان، يعتمدون في التجارة على طريق البحر، بصورة رئيسية، و لم يتح لهم- بالرغم من ذلك- أن يكتشفوا للمغناطيس، قدرته على توجيه السفن، و لم تشفع لهم حاجاتهم النابعة من واقعهم الاقتصادي بذلك، بينما تؤكد بعض الروايات التأريخية: أن الصين قد ظفرت بهذا الكشف، قبل عشرين قرنا تقريبا.

و قد يتفق للعلم أن يسبق بفتوحه، الحاجة الاجتماعية، إذا استكمل الشروط الفكرية للفتح الجديد. فألقوه المحركة للبخار، هي من حاجات المجتمع الرأسمالي، في رأي الماركسية، و لكن العلم قد اكتشفها- بالرغم من ذلك- في القرن الثالث الميلادي (1)، قبل أن تظهر طلائع الرأسمالية الصناعية، على مسرح التأريخ، بأكثر من عشرة قرون. صحيح أن المجتمعات القديمة، لم تستثمر هذه القوة البخارية، و لكننا لا نتحدث عن مدى قدرة المجتمع، على الاستفادة من العلوم، و إنما نبحث الحركة العلمية نفسها، و ندرس ما إذا كانت تعبيرا عقليا، عن الحاجة الاجتماعية المتجددة بدورها، أو حركة أصيلة، لها شروطها السيكولوجية و تأريخها الخاص.

____________

(1) راجع (الروح الحزبية في الفلسفة و العلوم) ص 12.

138

ج- و الماركسية حين تحاول أن تقصر نطاق العلم، على القضايا و المشاكل التي تضعها وسائل الإنتاج، و أوضاعها التكنيكية أمامها، تقع في خلط بين العلوم الطبيعية النظرية من ناحية، و الفنون العملية من ناحية أخرى. فالفنون العملية الصناعية، التي نبعت من خلال التجارب و الخبرات الاعتيادية، التي حصل عليها رجال الأعمال و توارثوها، كانت تسخر دائما لحساب القوى المنتجة، و تنمو تبعا لما تقدمه هذه القوى، من مسائل و مشاكل، تتطلب منهم الجواب عنها، أو التغلب عليها. و أما العلوم النظرية التجريبية، فلم تكن وقفا على تلك المسائل و المشاكل، بل إننا نجد أن التطور العلمي النظري، و التطور الفني العملي، سار لفترة كبيرة من الزمن، في خطين منفصلين، و ذلك منذ القرن السادس عشر، إلى القرن الثامن عشر؛ فقد مضى على الفنون العملية- بعد ميلاد العلم في القرن السادس عشر- قرنان، قبل أن تتهيأ لها الاستفادة من العلم، و بقي الحال على هذا تقريبا، حتى بدأت صناعة الكهرباء سنة (1870).

و من المفيد بهذا الصدد أن نعلم: أن الثورة العلمية في الكيمياء، التي قام بها لافوازيه، لم يقبلها الناس عامة، إلا في نهاية القرن الثامن عشر. و قد استطاعت الفنون العملية خلال ذلك، إجراء تحسينات في صناعة الحديد، و صناعة الحديد، و صناعة الفولاذ، قبل أن يعرف هؤلاء الفنانون، الفروق الكيمياوية الأصلية، بين الحديد الصلب، و الحديد المطاوع، و الفولاذ، تبعا لاختلاف نسبة الكربون فيها.

و هذا الانفصال بين خط التفكير العلمي، و الخبرة البحتة في الفنون العملية، ردحا من الزمن، يعني: أن للعلم تأريخه الفكري، و ليس نتاجا لحاجات الإنتاج المتجددة، و استجابة لمستلزماتها الفنية فحسب.

و أما ما لاحظه غارودي، من: أن كشفا علميا واحدا، قد يصل إليه عدة علماء في وقت واحد.، فهو لا يبرهن على: أن الكشوف العلمية دائما وليدة الظروف التكنيكية، لوسائل الإنتاج، كما شاءت الماركسية أن تستنجه من هذه الظاهرة، زاعمة: أن الظروف الاقتصادية و المادية، حين تسمح لقوي الإنتاج، بطرح قضية جديدة إلى العلماء، و تدفعهم إلى التفكير في حلها، يصل هؤلاء العلماء إلى الكشف‌

139

المطلوب، في أوقات متقاربة، لأن القوة الدافعة لهم قد وجدت في وقت واحد، من خلال تطور الإنتاج.

و لكن هذا ليس هو التفسير الوحيد الممكن لهذه الظاهرة. بل من الممكن تفسيرها عن طريق تشابه أولئك العلماء، في الخبرة، و الشروط الفكرية و السيكولوجية، و المستوي العلمي العام.

و الدليل على إمكان هذا التفسير، وجود هذه الظاهرة التي ندرسها، في الحقول العلمية النظرية، البعيدة عن مشاكل الإنتاج و تطوراته. فقد توصّل- مثلا- ثلاثة من علماء الاقتصاد السياسي، في وقت واحد، إلى النظرية الحدّية في تفسير القيمة، و هم: جيفونز الإنجليزي سنة (1871)، و فالرأس السويسري سنة (1874)، و كارل‌ماركس منجر النمساوي سنة (1871). و من الواضح أن النظرية الحدّية، ليست إلا تفسيرا نظريا معيّنا، لظاهرة اقتصادية قديمة، في حياة المجتمع الإنساني، و هي القيمة التبادلية.

فلا علاقة للمحتوى العلمي للنظرية، بمشاكل الإنتاج أو تطور القوى الطبيعية المنتجة، و لم تستمد دليلها من هذا التطور.

فما هو تفسير وصول ثلاثة من أقطاب الاقتصاد، في وقت واحد تقريبا، إلى وجهة نظر معينة، في تفسير القيمة، سوى أنهم كانوا متقاربين في شروطهم الفكرية، و قدرتهم التحليلية؟! د- و أما تبعية العلوم الطبيعية لتطور القوى المنتجة، بوصفه المصدر الذي يموّن العلم بأدوات البحث الضرورية له، فهي في الواقع علاقة مقلوبة؛ ذلك أن العلوم الطبيعية، و إن كانت تنمو و تتكامل، طبقا لما تظفر به من أدوات للتجربة و الاختبار، من مراقب و مجاهر و آلات تسجيل و ما إليها، و لكن هذه الأدوات نفسها، ليست إلا نتاجا للعلم، يقدمه العلم بين يدي العلماء، ليتيح لهم استخدامه في الوصول إلى مزيد من النظريات، و استكشاف الأسرار المجهولة. فاختراع المجهر في القرن السابع عشر، كان ثورة في وسائل الإنتاج، لأنه استطاع أن يزيح الستار عن دنيا مجهولة، لم يكن قد اطّلع عليها الإنسان قط، و لكن ما هو المجهر؟ إنه نفسه ليس إلا نتاجا للعلم،

140

و لاكتشاف قوانين الضوء، و كيفية انعكاسه على العدسات.

و يجب أن نعرف بهذا الصدد: أن قصة العلم لا تتمثل كلها في الأدوات. فما أكثر الحقائق التي كانت أدوات اكتشافها جاهزة، و لكنها ظلت مستورة عن عين الإنسان، حتى بلغ التفاعل و التكامل في الفكر العلمي إلى درجة سمحت له باكتشاف الحقيقة، و صوغها في مفهوم علمي خاص! و يمكننا أن نقدّم مثلا بسيطا على ذلك، من فكره الضغط الجوي، هذه الفكرة التي تعتبر من الفتوح الكبرى للعلم، في القرن السابع عشر. فهل تدري كيف سجل العلم هذا الفتح العظيم؟ إنه سجله في فكره طرأت على ذهن تورتشيلي، إذ لاحظ أن المضخة لا تستطيع أن ترفع الماء، إلى أكثر من (34) قدما. و قد سبقه إلى هذه الملاحظة آلاف من رجال الأعمال، خلال قرون، كما سبقه إليها بوجه خاص، العالم الكبير جاليلو، و لكن الشي‌ء العظيم الذي قدّر لتورتشيلي، أن يقدمه إلى العلم، هو تفسير الظاهرة، التي كانت معروفة منذ قرون؛ فقد قال: إن الحد الذي ترفع المضخة إليه الماء، فلا تزيد عنه (34 قدما)، قد يكون هو مقياس ما للجو من ضغط، و إذا كان الضغط الجوي قادرا على حمل عمود من الماء طوله (34) قدما، فهو لا بد حامل عمودا من الزئبق أقصر من العمود المائي، لأن الزئبق أثقل من الماء. و سرعان ما تأكد من صحة هذه النتيجة، و أقام عن طريقها الدليل العلمي على وجود الضغط الجوي، الأمر الذي قام على أساسه عدد عظيم من الكشوف و الاختراعات.

فمن حقنا أن نقف عند هذا الكشف العلمي، بوصفه حادثا تأريخيا، لنتساءل:

لماذا وجد هذا الحدث العلمي في فترة معينة، من القرن السابع عشر، و لم يتحقق قبل ذلك؟! أ فلم تكن هناك حاجة للإنسان قبل هذا، إلى الاستفادة من قوى الضغط و تسخيره، في قضاء مختلف الحاجات؟! أو لم تكن الظاهرة التي وضع تورتشيلي نظريته في ضوئها، معروفة خلال قرون، منذ بدء استعمال المضخات المائية؟! أو لم تكن التجربة التي قام بها لإثبات النظرية علميا، ميسورة لغيره ممن التفت إلى الظاهرة، و لم يحاول أن يفسرها؟!

141

و نحن إذا لم نؤمن للحركة العلمية بأصالتها و تطورها، وفقا لتراكم الأفكار و تفاعلها، و شروطها السيكولوجية و الفكرية الخاصة، فسوف لن يجد هذا الكشف العلمي، و لا العلم بوجه عام، تفسيره الكامل في قوى الإنتاج و الأوضاع الاقتصادية.

و لن نتكلم الآن عن الأفكار الاجتماعية، و علاقتها بالعامل الاقتصادي، لأن لمعالجة هذه النقطة موضعها، في بحث مقبل من هذا الكتاب.

3- الطبقية الماركسية:

و من النقاط الجوهرية في الماركسية، مفهومها الخاص عن الطبقية، الذي كوّنته وفقا لطريقتها العامة، في دمج الدراسة الاجتماعية الاقتصادية، و النظر دائما إلى المدلولات الاجتماعية، ضمن الإطار الاقتصادي، فهي ترى: أن الطبقات بوصفها ظاهرة اجتماعية، ليست إلا تعبيرا ذا طابع اجتماعي، عن القيم الاقتصادية السائدة في المجتمع، من الربح و الفائدة و الأجر و ألوان الاستثمار، و تؤكد لأجل هذا: أن الأساس الواقعي للتركيب الطبقي، و لظهور أي طبقة في المجتمع، هو: العامل الاقتصادي، لأن انقسام الناس، إلى فئة تملك كل وسائل الإنتاج، و فئة لا تملك منها شيئا، هو السبب التاريخي لوجود الطبقات في المجتمع، بأشكالها المتنوعة، تبعا لنوعية الاستغلال، الذي تفرضه الطبقة الحاكمة على الطبقة المحكومة، من عبودية أو قنانة أو استخدام بالأجرة.

و الحقيقة أن الماركسية، حين أعطت الطبقة مفهوما اقتصاديا، يتمثل في ملكية وسائل الإنتاج أو انعدام هذه الملكية، كان من الطبيعي لها، أن تؤمن بقيام التركيب الطبقي في المجتمع، على أساس اقتصادي، ما دامت قد أدرجت ذلك في مفهومها عن الطبقية بالذات.

و لعل هذه النقطة هي أوضح مثال من بين النقاط التحليلية في الماركسية، لما حرصت عليه الماركسية، و أدته ببراعة من تفسير المدلولات الاجتماعية كلها،

142

تفسيرا اقتصاديا، و تطعيمها بقيمها الاقتصادية الخاصة.

غير أن هذه البراعة في التحليل، من الناحية النظرية، كلف الماركسية الابتعاد عن المنطق الواقعي للتأريخ، و عن طبيعة الأشياء- لا كما تبدو و تتعاقب في ذهن العلماء الماركسيين بل كما تبدو في الواقع- لأن التحليل الماركسي يفترض: أن الواقع الاقتصادي (ملكية وسائل الإنتاج، و عدم ملكيتها) هو الأساس الواقعي و التاريخي للتركيب الطبقي، و انقسام المجتمع إلى طبقة حاكمة، لأنها تملك، و طبقة محكومة، لأنها لا تملك، مع أن الواقع التاريخي و منطق الأحداث، يبرهن في أكثر الأحايين على العكس، و يوضح: أن أوضاع الطبقات، هي السبب في الأوضاع الاقتصادية، التي تتميز بها تلك الطبقات. فالوضع الاقتصادي للطبقة، يتحدد وفقا لكيانها الطبقي، و ليس كيانها الطبقي نتيجة لوضعها الاقتصادي.

و أكبر الظن؛ أن الماركسية حين قررت: أن التركيب الطبقي قائم على أساس اقتصادي، و أكدت على: أن الطبقة نتيجة للملكية، لم تدرك النتيجة التي تترتب على ذلك منطقيا، و هي: أن النشاط في ميادين الأعمال، هو الأسلوب الوحيد إلى كسب المقام الاجتماعي، و تكوين طبقة رفيعة في المجتمع، لأن التكوين الطبقي، للطبقة الرفيعة الحاكمة في المجتمع، إذا كان نتاجا للملكية (الوضع الاقتصادي)، فلا بد لها من إيجاد هذه الملكية، لكي تصبح طبقة رفيعة حاكمة، و لا سبيل إلى حصولها على تلك الملكية، إلا النشاط في ميادين العمل. و قد تكون هذه أغرب نتيجة، يتمخض عنها التحليل الماركسي، لبعدها عن الواقع، و إلا فمتى كان النشاط في ميادين العمل، هو الطريق الأساسي لتكوين الطبقة الحاكمة في المجتمع؟! و إن كانت هذه النتيجة- التي تترتب منطقيا على التحليل الماركسي- تنطبق على ظرف تأريخي، فإنما تنطبق فقط على المجتمع الرأسمالي، في ظرف تكوّنه و تكامله، إذ يمكن لأحد أن يقول: إن الطبقة الرأسمالية، قد بنت كيانها الطبقي عن طريق الملكية، التي حصلت عليها بالنشاط الدائب، في ميادين العمل و الإنتاج، و أما في الظروف التأريخية الأخرى، فلم يكن النشاط العملي، هو الأساس لتكوّن الطبقات، و لا الدعامة الرئيسية‌

143

للطبقة الحاكمة، في كل العصور، بل على العكس، كانت حالة الملكية تظهر على الأكثر، بوصفها نتيجة للوضع الطبقي، و ليست أساسا له.

و إلا فكيف نفسر الحدود الفاصلة، التي كانت توضع في المجتمع الروماني، بين طبقة الأشراف و مجموع العامة، بما فيهم طبقة رجال الأعمال، الذين كانوا يدانون الأشراف في ثرواتهم، و يتمتعون بملكيات لا تقل عن ملكيات أولئك الأشراف، بالرغم من التفاوت الكبير بين مقامهما الاجتماعي، و من السلطات السياسية الخاصة، التي كان الأشراف يمتازون بها، على رجال الأعمال و غيرهم من الفئات؟! و كيف نفسر وجود طبقة الساموراي، ذات النفوذ الكبير في المجتمع الياباني القديم، التي كانت تأتي في السلم الاجتماعي بعد أمراء الإقطاع مباشرة، و ترتكز في تكوينها الطبقي على خبرتها الخاصة بحمل السيف، و فنون الفروسية و أساليبها، و ليس على الملكية و قيمها الاقتصادية؟! و كيف نفسر قيام التنظيم الطبقي في المجتمع الهندي، قبل التأريخ الحديث بألفي سنة، على يد الفاتحين من الآريين الفيديين، الذين غزوا الهند و سيطروا عليها، و أقاموا فيها تنظيما طبقيا على أساس اللون و الدم، ثم تطور التكوين الطبقي، فانقسمت الطبقة الفاتحة الحاكمة، إلى طبقة الكشاترية، المتميزة بكفاءتها العسكرية و براعتها في القتال، و طبقة البراهمة، القائمة على أساس ديني، و ظلت الفئات الأخرى كلها محكومة لهاتين الطبقتين، بما فيها التجار و الصناع، الذين كانوا يملكون وسائل الإنتاج، و احتلت القبائل الوطنية، التي ظلت متمسكة بدينها، أدنى الدرجات في السلم الاجتماعي، و تكونت منها طبقة المنبوذين؟! فلم يكن للملكية أثر في هذا التكوين الطبقي، الذي ظل يمارس وظيفته الاجتماعية مئات السنين في القارة الهندية، قائماً على أسس عسكرية و دينية و عنصرية، و لم يشفع للتجار و الصناع، ملكيتهم لوسائل الإنتاج، كي يرتقوا إلى مصاف الطبقات الحاكمة، أو ينافسوها في سلطانها السياسي و الديني.

و أخيرا، كيف نفسر قيام الطبقة الإقطاعية في أوروبا الغربية، نتيجة للفتح‌

144

الجرماني، إذا لم نفسره تفسيرا عسكريا و سياسيا؟! فإننا جميعا نعلم- و حتى أنجلز نفسه فقد كان يعترف أيضا-: بأن القواد الفاتحين الذين تكونت منهم تلك الطبقة، لم يكن مقامهم الاجتماعي ناتجا عن الملكية الإقطاعية، و إنما تكونت ملكيتهم الإقطاعية هذه، تبعا لدرجتهم الاجتماعية، و امتيازاتهم العسكرية و السياسية الخاصة، بوصفهم غزاة فاتحين دخلوا أرضا واسعة، و تقاسموها. فكانت الملكية أثرا، و لم تكن هي العامل المؤثر.

و هكذا نجد عناصر غير ماركسية، و تنتهي إلى نتائج غير ماركسية، لدى تحليل كثير من التركيبات الطبقية في المجتمعات البشرية المختلفة.

و قد تحاول الماركسية بهذا الصدد، الدفاع عن مفهومها في الطبقية، عن طريق القول: بالعلاقة المتبادلة بين العامل الاقتصادي و شتى العوامل الاجتماعية الأخرى، الأمر الذي يجعله يتأثر بها، و يتكيف وفقا لها، كما يؤثر فيها و يساهم في تكوينها.

غير أن هذه المحاولة وحدها، تكفي لنسف المادية التأريخية، و القضاء على مجدها العلمي الشامخ في دنيا الماركسية، لأنها لا تختلف عندئذ عن التفاسير الأخرى للتأريخ، إلا في التأكيد على أهمية العامل الاقتصادي نسبيا، مع الاعتراف بالعوامل الأخرى الأصيلة، التي تساهم في صنع التأريخ.

و إذا كانت الماركسية على خطأ، في تعليل الطبقية بالوضع الاقتصادي وحده، عرفنا من ذلك خطأها- أيضا- في إعطاء الطبقة مفهوما اقتصاديا خالصا، لأن الطبقة إذا لم تكن قائمة دائما على أساس اقتصادي في تركيبها الاجتماعي، فليس من الصحيح- إذن- أن نعتبر الطبقية مجرد تعبير عن قيمة اقتصادية معيّنة، كما زعمت الماركسية ذلك، الأمر الذي جعلها تصل إلى نتائج غريبة، مشابهة لما أدت إليه نظرتها في تعليل الطبقية و تبريرها من نتائج. فقد رأينا أن الماركسية حين آمنت:

بأن الطبقة إنما تتكون وفقا للشروط الاقتصادية و الحالة الملكية، كلفها ذلك، القول بأن النشاط في ميادين العمل، هو الطريق الوحيد إلى السمو الاجتماعي.

و كذلك يمكننا أن نلاحظ الآن، أننا إذا أعطينا الطبقة مفهومها الماركسي،

145

و بالأحرى مفهومها الاقتصادي البحت، القائل: بأن الجماعة التي تعيش على عملها، طبقة واحدة، و الجماعة التي تعيش على استثمار وسائل الإنتاج التي تملكها، طبقة أخرى، و لم ندخل في مفهوم الطبقة أي اعتبار آخر سوى هذه القيم الاقتصادية، كما تصر الماركسية على ذلك، لكان معنى هذا: أننا أدرجنا كبار الأطباء و المهندسين، و مدراء المؤسسات التجارية و الشركات الكبرى في نفس الطبقة التي تضم عمال المناجم و إجراء الزراعة و الصناعة، لأنهم جميعا يعيشون على الأجور، بينما يلزمنا أن نضع حدا طبقيا فاصلا، بين هؤلاء الأجراء و بين مالكي وسائل الإنتاج، مهما كانت أجور أولئك، و مهما كانت نوعية الوسائل المنتجة المتوفرة عند هؤلاء. و حيث إن الصراع بين الطبقات ضريبة ماركسية، لا محيد للطبقات عن القيام بها، فسوف ينتهي بنا ذلك إلى تصور: أن صغار مالكي الوسائل المنتجة، سوف يقفون في صراعهم الطبقي، إلى صف الطبقة المستثمرة من المالكين، بينما يقف كبار الأجراء من المهندسين و الأطباء الأخصائيين، إلى صف الكادحين المستثمرين، و هكذا ينقلب مدير المؤسسة التجارية الكبرى عاملا كادحا، يخوض المعركة ضد المالكين المستثمرين، نتيجة لدمج الحقائق الاجتماعية بالقيم الاقتصادية، و اتخاذ الجهاز الاقتصادي في توزيع الدخل، أساسا للطبقات الاجتماعية.

و نستنتج من دراستنا هذه للتحليل الماركسي للطبقة، نتيجتين خطيرتين:

إحداهما: أن من الممكن قيام الطبقات في المجتمع، حتى و لو انعدمت فيه الملكية الخاصة بصورة قانونية، لأن حالة الملكية- كما عرفنا- ليست هي الأساس الوحيد للتكوين الطبقي. و هذه هي النتيجة التي كانت الماركسية تخشاها، حين أكدت على حالة الملكية، بوصفها السبب الوحيد لوجود الطبقات، كي تبرهن عن هذا الطريق على ضرورة زوال الطبقية، و استحالة وجودها في المجتمع الاشتراكي، الذي تلغى فيه الملكية الخاصة. و ما دمنا قد تبينّا: أن الملكية الخاصة بصيغتها القانونية، ليست هي العامل الوحيد في وجود المجتمع الطبقي، فمن الطبيعي أن ينهار هذا البرهان، و يصبح من الممكن أن توجد الطبقية، بشكل من الإشكال، في المجتمع الاشتراكي بالذات،

146

كما وجدت في غيره من المجتمعات. و هذا ما سندرسه- إن شاء اللّه- باستيعاب أكثر، عند نقد المرحلة الاشتراكية من مراحل المادية التأريخية.

و النتيجة الأخرى هي: أن الصراع في المجتمع- حيث يوجد- لا يجب أن يعكس القيم الاقتصادية، التي يقررها جهاز التوزيع في المجتمع. فليست نوعية الدخل [من] الناحية الاقتصادية- ككون الدخل أجرا أو ربحا- هي التي تفرض الصراع، و لا جبهات الصراع مقسمة على أساس تلك الدخول و القيم الاقتصادية.

4- العوامل الطبيعية و الماركسية:

و من مظاهر النقصان البارزة في الفرضية الماركسية، تناسي العوامل الفيزيولوجية و السيكولوجية و الفيزيائية، و إهمال دورها في التأريخ، مع أنها قد تكون في بعض الأحايين، ذات تأثير كبير في حياة المجتمع و كيانه العام، لأنها هي التي تحدد للفرد اتجاهاته العملية، و عواطفه و كفاءاته الخاصة، تبعا لما تتحفه به من تركيب عضوي خاص، و هذه الاتجاهات و العواطف و الكفاءات، التي تختلف في الأفراد وفقا لتلك العوامل، تساهم في صنع التأريخ، و تقوم بأدوار إيجابية متفاوتة في حياة المجتمع.

فكلنا نعلم بالدور التاريخي، الذي لعبته مواهب نابليون العسكرية، و شجاعته الفريدة، في حياة أوروبا.

و كلنا نعلم بميوعة لويس الخامس عشر، و آثارها التأريخية خلال حرب السنوات السبع، التي خاضتها فرنسا إلى جانب النمسا. فقد استطاعت امرأة واحدة، كمدام بومبادور، أن تملك إرادة الملك، و بالتالي أن تدفع فرنسا للاشتراك مع النمسا في حربها، و تحمّل العواقب الوخيمة التي أسفرت عنها.

و كلنا نعلم بالدور التاريخي، الذي نجم عن حادثة غرام خاصة، في حياة ملك إنجليزي كهنري، إذ أدت تلك الحادثة إلى انفصال العائلة المالكة، و بالتالي إنكلترا كلها، عن المذهب الكاثوليكي.

و كلنا نعلم ما فعلته عاطفة الأبوة، التي دفعت بمعاوية بن أبي سفيان، إلى اتخاذ‌

147

كل الأساليب الممكنة، لأخذ البيعة لابنه يزيد، الأمر الذي عبّر في وقته عن تحوّل حاسم، في المجرى السياسي العام.

فهل كان التأريخ سيتمّ بنفس الصورة التي وجدت فعلا، لو لم يكن نابليون رجلا عسكريا حديديا، و لم يكن لويس ذائبا مستسلما لمحظياته، و لم يعشق هنري، آن بولين، و لم تسيطر عاطفة خاصة على معاوية بن أبي سفيان؟! و ليس أحد يدري: ماذا كان يحدث، لو لم تسمح الشروط الطبيعية للوباء، باكتساح أرجاء الإمبراطورية الرومانية، و امتصاص مئات الآلاف من سكانها، مما ساعد على انهيارها و تغير الوجه التاريخي العام؟

و لا يدري أحد أيضا: أي اتجاه كان يتجه التأريخ القديم، لو أن جنديا مقدونيا لم ينقذ حياة الإسكندر، في اللحظة المناسبة، فيقطع اليد التي أهوت عليه بالسيف من خلفه، و هو في طريقه إلى فتح عسكري، خطير، امتدت آثاره عبر الأجيال و القرون؟

و إذا كانت تلك الصفات من الصلابة، و الميوعة، و الغرام، و العاطفة، ذات تأثير في التأريخ، و مجرى الحوادث الاجتماعية، فهل من الممكن أن نفسر هذه الصفات، على أساس القوى المنتجة و الأوضاع الاقتصادية، لننتهي مرة أخرى إلى العامل الاقتصادي، الذي تؤمن به الماركسية؟

الحقيقة أن أحدا لا يشك، في: أن هذه الصفات لا يمكن تفسيرها على أساس العامل الاقتصادي، و قوى الإنتاج. فإن الوسائل المنتجة و الظروف الاقتصادية، ليست هي التي كوّنت المزاج الخاص، للملك لويس الخامس عشر- مثلا-، بل كان من الممكن- لو ساعدت الشروط الطبيعية و السيكولوجية- أن يكون لويس الخامس عشر، شخصا صلبا قوي الإرادة، نظير لويس الرابع عشر، أو نابليون- مثلا-، و إنما نبع مزاجه الخاص، من الخصائص الفيزيائية و الفيزيولوجية و النفسية، التي يتكون منها وجوده الخاص، و شخصيته المتميزة.

و قد تبتدر الماركسية هنا، قائلة: أ ليست العلاقات الاجتماعية، التي أنشأها العامل الاقتصادي في المجتمع الفرنسي، هي التي سمحت للملك لويس أن يؤثر على‌

148

التأريخ، و يعكس ميوعته على الأحداث العسكرية و السياسية، بما أقرّته تلك العلاقات من النظام الملكي الوراثي؟ فالدور التاريخي الذي أداه هذا الملك، ليس في الحقيقة إلا نتاجا لهذا النظام، الذي هو بدوره وليد الوضع الاقتصادي و قوى الإنتاج، و إلا فمن يستطيع أن يقول: إن لويس كان يمكنه أن يؤثر في التأريخ، لو لم يكن ملكا، و لم تكن فرنسا تعترف بنظام الملكية الوراثية في الحكم؟! (1) و هذا صحيح، فإن لويس لو لم يكن ملكا، لكان كمية مهملة، في حساب التأريخ. و لكنا نقول من ناحية أخرى: إنه لو كان ملكا يتمتع بشخصية صلبة و قوة تصميم، لاختلف دوره التاريخي، و لاختلفت بالتالي أحداث فرنسا السياسية و العسكرية، فما الذي سلب منه صلابة الشخصية، و حرمه من قوة التصميم؟ أ هو النظام الملكي، أو العوامل الطبيعية، التي ساهمت في تركيبه العضوي و تكوينه الخاص؟

و بكلمة أخرى: إن ثلاثة تقادير كان من الممكن أن يوجد أي واحد منها في فرنسا: السلطة السياسية الجمهورية، و السلطة الملكية المتمثلة في شخص مائع، و السلطة الملكية المتمثلة في ملك قوي حديدي.

و لكل من هذه التقادير الثلاثة أثره الخاص، في مجرى الحوادث السياسية و العسكرية، و بالتالي في تكوين فرنسا لفترة من الزمن. فلنتبين فحوى قوانين التأريخ، التي استكشفتها الماركسية، و فسرت على أساسها التأريخ بالعامل الاقتصادي.

إن هذه القوانين تشير، إلى: أن الوضع الاقتصادي لم يكن يسمح بقيام سلطة جمهورية في البلاد، بل كان يفرض النظام الملكي في الحكم. و لنفترض أن هذا صحيح، فليس هو إلا جانبا واحدا من المسألة، لأننا نستطيع بذلك أن نستعبد التقدير الأول، و يبقى التقديران الآخران. فهل هناك قانون علمي يحتم وجود ملك مائع أو قوي، في تلك الفترة من تأريخ فرنسا، سوى القوانين العلمية في الفيزياء و الفيزيولوجيا و السيكولوجيا، التي تفسر شخصية لويس و مزاجه الخاص؟!

____________

(1) راجع (دور الفرد في التأريخ) ص 68.

149

و هكذا نعرف، أن للأفراد أدوارهم في التأريخ، التي تحددها لهم العوامل الطبيعية و النفسية، لاقوى الإنتاج السائدة في المجتمع.

و ليست هذه الأدوار التأريخية، التي يقوم بها الأفراد وفقا لتكوينهم الخاص، أدوارا ثانوية في عملية التأريخ دائما، كما زعم بليخانوف الكاتب الماركسي الكبير، إذ أكد على:

«إن الخصائص الفردية، التي يتصف بها الرجال العظام، تحدد السمة الخاصة للحوادث التأريخية، و تحدد عامل المصادفة. و تلعب دورا جزئيا في مجرى هذه الحوادث، التي تحدد اتجاهها في النهاية، الأسباب الموصوفة بالعامة، أي بتطور القوى المنتجة، و بالعلاقات التي تحددها هذه القوى بين الناس». (1)

و لا نريد أن نعلّق على تأكيد بليخانوف هذا، إلا بمثال واحد، نستطيع أن ندرك في ضوئه: كيف يمكن أن يكون دور الفرد، سببا لتحوّل الاتجاه التاريخي بشكل حاسم؟ فما ذا كان يقدّر لوجهة التأريخ العالمي، لو أن عالما ذريا في آلمانيا النازية، قد سبق إلى اكتشاف سر الذرة بعدة شهور فقط؟ أ لم يكن امتلاك هتلر لهذا السر، كفيلا بتغيير وجهة التأريخ، و تقويض الديمقراطية الرأسمالية، و الاشتراكية الماركسية من أوروبا؟ فلما ذا لم يستطع هتلر أن يملك هذا السر؟ ليس ذلك طبعا بسبب من الوضع الاقتصادي، و نوعية القوى المنتجة، و إنما هو لأن الفكر العلمي، لم يستطع في تلك اللحظة أن يستكشف السر، الذي اكتشفه بعد ذلك بعدة شهور فقط، تبعا لظروف الفسيولوجية و السيكولوجية.

بل ماذا كان يمكن أن يقع، لو أن العلماء الروس لم يصلوا إلى سر الذرة؟ أ لم يكن من الممكن، أن يستغل المعسكر الرأسمالي في تلك اللحظة، قوى الذرة في القضاء على الحكومات الاشتراكية؟! فبم نستطيع أن نفسر اكتشاف العلماء الروس للسر، الأمر الذي أنقذ العالم الاشتراكي من الدمار؟ لا يمكننا أن نقول: إن قوى الإنتاج، هي التي أزاحت الستار عن هذا السر، و إلا فلما ذا لم يدركه [إلا] نفر خاص، من العدد‌

____________

(1) (دور الفرد في التأريخ) ص 93.

150

الكبير من العلماء الذريين، الذين كانوا يمارسون التجارب الذرية؟! فإن هذا يوضح:

أن الاكتشاف مدين- بصورة خاصة- للتركيب العضوي الخاص، و شروطه الذهنية.

و لو لم تتهيأ هذه الشروط، في شخص أو أشخاص معدودين من علماء الروس، و لم يوجد النبوغ العلمي الخاص، المرتهن بذلك التركيب و تلك الشروط، لمنيت الاشتراكية بالدمار و الهزيمة الكبرى، بالرغم من قوانين المادية التأريخية كلها.

و إذا كان من الممكن أن توجد لحظات في حياة الإنسان، تقرر مصير التأريخ أو نوعية الأحداث الاجتماعية، فكيف يمكن أن تكون قوانين الوسائل المنتجة، هي القوانين الحتمية للتأريخ؟!

5- الذوق الفني و الماركسية:

و الذوق الفني في الإنسان- بوصفه ظاهرة اجتماعية، اشتركت فيها كل المجتمعات، على اختلافها في النظم و العلاقات و وسائل الإنتاج- لون آخر من الحقائق الاجتماعية، التي تضيق بها المادية التأريخية كما سنرى.

و الحديث عن الذوق الفني له جوانب عديدة. فالرسام حين يبدع صورة رائعة، لزعيم سياسي، أو لمعركة حربية، قد نسأل مرة عن الطريقة التي اتبعها هذا الفنان، في إبداع الصورة، و نوعية الأدوات التي استعملها؛ و قد نسأل مرة أخرى عن الهدف الذي كان يرمي إليه، من وراء هذه الصورة، و قد نسأل ثالثة: لماذا نعجب بها، و نمتلئ إحساسا بروعتها، و التذاذا بمنظرها؟

و يمكن للماركسية أن تجيب على السؤال الأول، قائله: إن الطريقة التي اتبعها الرسام خلال العملية، هي الطريقة التي تفرضها درجة التطور في الأدوات و قوى الإنتاج. فالوسائل الطبيعية هي التي تقرر طريقة الرسم.

و كذلك يمكن للماركسية أن تجيب على السؤال الثاني، زاعمة: أن الفن استخدم دائما لخدمة الطبقة الحاكمة. فالهدف الذي يدعو الفنان إلى التفنن و الإبداع، هو تعزيز هذه الطبقة و مصلحتها، و لما كانت هذه الطبقة وليدة القوى المنتجة، فوسائل‌

151

الإنتاج هي الجواب الأخير على هذا السؤال.

و لكن ماذا تصنع الماركسية بالسؤال الثالث: لماذا نعجب بالصورة و نستذوقها؟؟

فهل قوى الإنتاج أو المصلحة الطبقية هي التي تخلق في نفوسنا هذا الإعجاب و هذا الذوق الفني، أو هو شعور وجداني، و ذوق ينبع من صميم النفس، و ليس مستوردا من وسائل الإنتاج و ظروفها الطبقية؟

إن المادية التأريخية تفرض على الماركسية، أن تفسر الذوق الفني بقوي الإنتاج، و المصلحة الطبقية، لأن العامل الاقتصادي هو الذي يفسر كل الظواهر الاجتماعية، في المادية التأريخية، و لكنها لا تستطيع ذلك و إن حاولته، إذ لو كانت القوى المنتجة، أو المصلحة الطبقية، هي التي تخلق هذا الذوق الفني، لزال بزوالها، و لتطور الذوق الفني تبعا لتطور وسائل الإنتاج، كما تتطور سائر الظواهر و العلاقات الاجتماعية، مع أن الفن القديم بآياته الرائعة، لا يزال في نظر الإنسانية حتى اليوم، منبعا من منابع اللذة الجمالية، و لا يزال يتحف الإنسان و هو في عصر الذرة، بما كان يتحفه به قبل آلاف السنين، من انشراح و سحر. فكيف ظلت هذه المتعة النفسية، حتى أخذ الإنسان الاشتراكي و الرأسمالي، يتمتع بفن مجتمعات الرق، كما كان الأسياد و العبيد يتمتعون بها؟! و بقدرة أي قادر استطاع الذوق الفني، أن يتحرر من قيود المادية التأريخية، و يخلد في وعي الإنسان؟! أ ليس العنصر الإنساني الأصيل، هو التفسير الوحيد، الذي يجيب على هذه الأسئلة؟! و يقوم ماركس هنا بمحاولة، للتوفيق بين قوانين المادية التأريخية و إعجابنا بالفن الإنساني القديم، زاعما: أن الإنسان الحديث، يلتذ بروعة الفن القديم، بوصفه مثلا لطفولة النوع البشري، كما يلذ لكل إنسان أن يستعرض أحوال طفولته البريئة، الخالية من التعقيد. (1)

و لكن ماركس لا يقول لنا شيئا عن سرور الإنسان بأحوال الطفولة، فهل هو نزعة أصيلة في الإنسان، أو ظاهرة خاضعة للعامل الاقتصادي و متغيرة تبعا له؟!

____________

(1) (كارل‌ماركس ماركس) ص 243.

152

ثم لماذا يجد الإنسان الحديث، المتعة و السحر في روائع اليونان الفنية- مثلا-، و لا يجد هذه المتعة و السحر في استعراض بقية ظواهر حياتهم، من أفكار و عادات و مفاهيم بدائية، مع أنها جميعا تمثل طفولة النوع البشري؟! و ماذا يقول لنا ماركس، عن المناظر الطبيعية الخالصة، التي كانت منذ أبعد آماد التأريخ و لا تزال، قادرة على إرضاء الحس الجمالي في الإنسان، و بعث المتعة إلى نفسه؟! فكيف نجد المتعة في هذه المناظر، كما كان يجدها الأسياد و الرقيق، و الإقطاعيون و الأقنان، مع أنها مظاهر طبيعية، لا تمثّل شيئا من طفولة النوع البشري، التي يفسر ماركس على أساسها إعجابنا بالفن القديم؟! أفلسنا نعرف من هذا: أن المسألة ليست مسألة الإعجاب بصور الطفولة، و إنما هي مسألة الذوق الفني الأصيل العام، الذي يجعل إنسان عصر الرق، و إنسان عصر الحرية، يشعران بشعور واحد؟! و في ختام دراستنا هذه، للنظرية بما هي عامة، إلا نجد من الطبيعي أن يندم أنجلز، المؤسس الثاني للمادية التأريخية، على المبالغة بدور العامل الاقتصادي في التأريخ، و يعترف بأنه مع صديقه ماركس، قد اندفعا بروح مذهبية في مفهومهما المادي عن التأريخ، اندفاعا خاطئا؟! فقد كتب أنجلز إلى يوسف بلوخ عام (1890)، يقول:

«إن توجيه الكتّاب الناشئين، الاهتمام إلى الجانب الاقتصادي، بأكثر مما يستحق، أمر يقع اللوم فيه على عاتقي و عاتق ماركس. لقد كان علينا أن نؤكد هذا المبدأ الرئيسي، لنعارض خصومنا، الذين كانوا ينكرونه، و لم يكن لدينا الوقت أو المكان أو الفرصة، لنضع العنصر الأخرى، التي تتضمنها العلاقة المتداخلة، في مواضعها الحقيقية». (1)

____________

(1) (التفسير الاشتراكي للتأريخ) ص 116.

153

4- النظرية بتفاصيلها

حين نأخذ تفاصيل النظرية بالدرس و التمحيص، يجب أن نبدأ بالمرحلة الأولى من مراحل التأريخ، في رأي الماركسية، و هي: الشيوعية البدائية.

1- الشيوعية البدائية:

فلقد مرت الإنسانية، في عقيدة الماركسيين، بدور الشيوعية البدائية، في مطلع حياتها الاجتماعية، و كان هذا الدور يحمل في طياته نقيضه، وقفا لقوانين الديالكتيك، و بعد صراع طويل، نما النقيض و اشتد، حتى حطم الكيان الشيوعي للمجتمع، و برز النقيض منتصرا في ثوب جديد، و هو: النظام العبودي و مجتمع الرق، بدلا عن نظام الإشاعة و مجتمع المساواة.

أ- هل وجد المجتمع الشيوعي؟:

و قبل أن نستوعب تفاصيل هذه المرحلة، يعترض البحث سؤال أساسي: ما هو الدليل العلمي، على أن البشرية مرت بدور الشيوعية البدائية حقا؟ بل كيف يمكن الحصول على هذا الدليل العلمي، ما دمنا نتكلم عن الإنسانية قبل عصور التأريخ المأثور؟! و قد حاولت الماركسية تذليل هذه الصعوبة، و تقديم الدليل العلمي على صحة فهمها لتلك المرحلة المغمورة، من حياة المجتمع البشري، بالاستناد إلى ملاحظة‌

154

عدة مجتمعات معاصرة، حكمت عليها الماركسية بالبدائية، و اعتبرتها مادة علمية، للبحث عما قبل عصر التأريخ، بوصفها ممثلة للطفولة الاجتماعية، و معبرة عن نفس الحالة البدائية، التي مرت بها المجتمعات البشرية بصورة عامة. و لما كانت معلومات الماركسية عن هذه المجتمعات البدائية المعاصرة، تؤكد: أن الشيوعية البدائية هي الحالة السائدة فيها، فيجب إذن أن تكون هي المرحلة الأولى، لكل المجتمعات البدائية في ظلمات التأريخ! و بذلك خيل للماركسية، أنها وضعت يدها على الدليل المادي المحسوس! و لكن يجب أن نعلم- قبل كل شي‌ء- أن الماركسية، لم تتلق معلوماتها عن تلك المجتمعات البدائية المعاصرة، بصورة مباشرة، و إنما حصلت عليها عن طريق الأفراد، الذين اتفق لهم الذهاب إلى تلك المجتمعات، و التعرف على خصائصها.

و ليس هذا فقط، بل إنها لم تأخذ بعين الاعتبار، إلا المعلومات التي تتفق مع نظريتها العامة، و اتهمت كل المعلومات التي تتعارض معها، بالتحريف و التزوير. و بهذا كانت البحوث الماركسية، تتجه إلى انتفاء المعلومات النافعة للنظرية، و تحكيم النظرية نفسها في تقدير قيمة المعلومات و الأخبار، التي تقدم عن تلك المجتمعات، بدلا عن تحكيم المعلومات في النظرية، و امتحان النظرية في ضوئها. و نستمع بهذه المناسبة إلى كاتب ماركسي كبير، يقول:

«و بالقدر الذي نستطيع أن نتوغل في الماضي، نجد: أن الإنسان كان يعيش في مجتمعات. و مما يسهّل دراسة المجتمعات البدائية القديمة، أنه ما زالت تسود ظروف اجتماعية بدائية، حتى عصرنا هذا، بين كثير من الشعوب، كما هو الحال بالنسبة لبعض السكان الملوّنين، في إفريقيا و بولونيزيا و ماليزيا و أستراليا، و هنود أمريكا قبل اكتشافها، و الأسكيمو و اللاجون.

و أغلب المعلومات الكثيرة التي وصلتنا من هذه المجتمعات البدائية، قدمها رجال البعثات التبشيرية، الذين حرّفوا الحقائق عن قصد أو غير قصد». (1)

____________

(1) (القوانين الأساسية للاقتصاد الرأسمالي) ص 10.

155

و لنسلّم أن المعلومات التي اعتمدت عليها الماركسية، عن تلك المجتمعات المعاصرة، هي وحدها المعلومات الصحيحة. فمن حقنا بعد ذلك، أن نتساءل عن هذه المجتمعات: هل هي مجتمعات بدائية، يمكن الاعتماد عليها في تصوير البدائية الاجتماعية؟ و بالنسبة إلى هذا السؤال الجديد، لا تملك الماركسية دليلا واحدا، على بدائية هذه المجتمعات المعاصرة، بالمعنى العلمي للّفظ. بل إن قوانين التطور الحتمي للتأريخ، التي تؤمن بها الماركسية، تقضي بأن تلك المجتمعات قد شملتها عملية التطور الاجتماعي حتما. فالماركسية حين تزعم: أن الحالة الحاضرة لتلك المجتمعات، هي حالتها البدائية، تبطل قوانين التطور، و تقرر الجمود عبر آلاف السنين.

ب- كيف نفسر الشيوعية البدائية؟:

و لنترك هذا لنرى الماركسية، كيف تفسر هذه المرحلة الشيوعية المزعومة، وفقا لقوانين المادية التأريخية؟

إن الماركسية تفسر علاقات الملكية الشيوعية، في المجتمع البدائي للبشرية، بالدرجة البدائية، التي كانت عليها قوي الإنتاج حينئذ، و ظروف الإنتاج السائدة.

فإن الناس كانوا مضطرين إلى ممارسة الإنتاج، بشكل اجتماعي مشترك، و التكتل في وجه الطبيعة، نظرا إلى ما كان عليه الإنسان من ضعف و قلة حيلة. و الاشتراك في الإنتاج، يحتم قيام علاقات الملكية الاشتراكية، و لا يسمح بفكرة الملكية الخاصة.

فالملكية إنما كانت اشتراكية، لأن الإنتاج اشتراكي. و يقوم التوزيع بين أفراد المجتمع، على أساس المساواة، بسبب من ظروف الإنتاج أيضا، لأن المستوي الشديد الانخفاض للقوى المنتجة، فرض تقسيم الغذاء الضئيل و السلع البسيطة المنتجة، إلى أجزاء متساوية، و كان من المستحيل قيام أي طريقة أخرى للتقسيم، لأن حصول أحد الأفراد على نصيب يزيد على نصيب الآخرين، يعني أن يموت شخص آخر جوعا. (1)

____________

(1) راجع (تطور الملكية الفردية) ص 14.

156

بهذه الطريقة تفسر الماركسية شيوعية المجتمع البدائي، و تشرح أسباب المساواة السائدة فيه، التي تحدّث عنها مورجان، بصدد وصف القبائل البدائية، التي شاهدها تعيش في سهول أمريكا الشمالية، و رآها تقسم لحوم الحيوانات إلى أجزاء متساوية، توزع على أفراد القبيلة كلها.

تقول الماركسية هذا، في نفس الوقت الذي تناقض ذلك، عند ما تتحدث عن أخلاق المجتمع الشيوعي، و تمجّد بفضائله؛ فتنقل عن جيمس آديررز، الذي درس هنود أمريكا في القرن الماضي: أن تلك الجماعات البدائية، كانت تعتبر عدم تقديم المعونة لمن يحتاجها، جريمة كبرى يحتقر مرتكبها، و تنقل عن الباحث كاتلين: أن كل فرد في القرية الهندية، رجلا كان أو امرأة أو طفلا، كان له الحق في أن يدخل إلى أي مسكن من المساكن، و يأكل إن كان جائعا، بل إن أولئك الذين كانوا يعجزون عن العمل، أو يقعد بهم مجرد الكسل عن الصيد، كانوا يستطيعون رغم ذلك، أن يدخلوا إلى أي منزل يشاؤون، و يقتسمون الطعام مع من فيه. و بذلك كان الفرد في تلك المجتمعات، يحصل على الطعام، مهما تهرّب من التزاماته في إنتاج هذا الطعام، و دون أن يترتب على تهرّبه إلا إحساسه بفقدان ملحوظ لهيبته. (1)

و هذه المعلومات التي تتحفنا بها الماركسية، عن أخلاق المجتمعات الشيوعية البدائية، و تقاليدها المتبعة اجتماعيا، توضح: أن مستوى القوى المنتجة، لم يكن منخفضا إلى الدرجة التي تعني: أن زيادة نصيب أحد الأفراد من الإنتاج، يؤدي إلى موت شخص آخر جوعا، بل كانت توجد وفرة، يحصل على شي‌ء منها الضعيف و العاجز و غيرهما. فلما ذا إذن كانت المساواة في التوزيع، هي الطريقة الوحيدة الممكنة؟! و كيف لم يخطر على ذهن أحد، فكره الاستغلال و التلاعب في التوزيع، ما دام في الإنتاج وفرة يمكن استغلالها؟! و إذا كانت قوى الإنتاج، تسمح بقيام الاستغلال في تلك المجتمعات، فيجب أن نجد سبب عدم ظهوره فيها، ماثلا في درجة وعي الإنسان البدائي و فكره العملي. فقد جاءت فكره الاستغلال عنده كظاهرة‌

____________

(1) راجع (تطور الملكية الفردية) ص 18.

157

متأخرة لهذا الوعي و الفكر العملي، و كنتيجة لنموه و زيادة الخبرة الإنسانية بالحياة.

و إذا أمكن للماركسية أن تقول- أو أمكن لنا أن نقول من وجهة نظرنا-: إن طريقة المساواة في التوزيع، أتت في بادئ الأمر تبعا لقلة الإنتاج، ثم تأصلت و أصبحت عادة، فهل نجد في ذلك تفسيرا معقولا، لموقف المجتمع البدائي من الأفراد الكسالى، الذين يتركون العمل عن قصد و اختيار، فيجدون كفايتهم في إنتاج الآخرين، دون أن يتهددهم خطر الجوع و الحرمان؟! فهل الاشتراك الاجتماعي في عمليات الإنتاج، يفرض توزيع الإنتاج على غير المشتركين في الإنتاج أيضا؟! و إذا كان البدائيون، قد حرصوا أول الأمر على طريقة المساواة، لئلا يموت أحدهم جوعا، فيخسرون بذلك عونا في عمليات الإنتاج الجماعي، فلما ذا حرصوا على إعالة الكسالى، الذين لا يخسرون بفقدهم شيئا؟!

ج‍- ما هو نقيض المجتمع الشيوعي؟:

إن المجتمع الشيوعي البدائي، منذ ولد، كان في رأي الماركسية، يخفي في أحشائه تناقضا، أخذ ينمو و يشتد حتى قضى عليه. و ليس هذا التناقض طبقيا، لأن المجتمع الشيوعي طبقة واحدة، و ليس فيه طبقتان متناقضتان، و إنما هو التناقض بين العلاقات الشيوعية في الملكية، و قوى الإنتاج حين تأخذ بالنمو، حتى تصبح العلاقات الشيوعية معيقة لها عن نموها، و يكون الإنتاج عندئذ بحاجة إلى علاقات جديدة، يستطيع أن يواصل نموه ضمنها.

أما كيف، و لماذا تصبح العلاقات الشيوعية، معيقة لقوي الإنتاج عن نموها؟؟

فهذا ما تشرحه الماركسية قائله: أن ارتقاء القوى المنتجة، جعل في إمكان الفرد أن ينال من عمله في تربية الماشية و الزراعة، من وسائل المعيشة ما يزيد عما يلزمه للمحافظة على حياته، و بذلك أصبح الفرد قادرا على الاكتفاء بالعمل، في جزء محدود من الوقت لإعاشة نفسه، دون أن يبذل كل طاقاته العملية. فكان لا بد- لكي تجنّد كل الطاقات العملية لصالح الإنتاج، كما تتطلبه القوى المنتجة في ارتقائها‌

158

و نموها- أن تخلق قوة اجتماعية جديدة، تضطر المنتجين إلى بذل كل طاقاتهم، و حيث إن العلاقات الشيوعية، لا يوجد فيها هذه القوة، أصبح من الضروري استبدال تلك العلاقات بالنظام العبودي، الذي يتيح للأسياد أن يرغموا العبيد، على العمل المتواصل. و هكذا نشأ النظام العبودي.

و قد بدأ النظام العبودي أول ما بدأ، باستعباد الأسرى، الذين كانت القبيلة تربحهم في غاراتها، و قد اعتادت قبلا أن تقضي عليهم، لأنها لم تكن تجد مصلحة في إبقائهم و إعالتهم. و بعد تطور الإنتاج، أصبح من المصلحة الاقتصادية للقبيلة، استبقاؤهم و استرقاقهم، لأنهم ينتجون أكثر مما يأكلون. و هكذا تحول أسرى الحرب إلى عبيد. و نتيجة لإثراء الذين استخدموا العبيد، أخذ هؤلاء الأثرياء، يستعبدون أعضاء قبيلتهم، و انقسم المجتمع إلى سادة و عبيد، و استطاع الإنتاج أن يواصل ارتقاءه، خلال هذا الانقسام، و بفضل النظام العبودي الجديد.

و نحن إذا دقّقنا في هذا، استطعنا أن نتبين من خلال التفسير الماركسي نفسه: أن المسألة هي مسألة الإنسان، قبل أن تكون مسألة وسائل الإنتاج، لأن نمو القوى المنتجة، لم يكن يتطلب إلا مزيدا من العمل البشري، و أما الطابع الاجتماعي للعمل، فليس له علاقة بنموها، فكما أن العمل الكثير العبودي ينمي الإنتاج، كذلك العمل الكثير الحر. فلو أن أفراد المجتمع قرروا جميعا، مضاعفة جهودهم في الإنتاج، و تقسيم النتاج بعد ذلك بالتساوي، لضمنوا بذلك القوي المنتجة نموها، الذي حققه المجتمع العبودي. بل لنما الإنتاج كيفيا و نوعيا، أكثر مما نما بممارسة العبيد، لأن العبد يعمل بيأس، و لا يحاول أن يفكر أو يكسب خبرة، في سبيل تحسين الإنتاج، على العكس من الأحرار، المتضامنين في العمل.

فنمو القوى المنتجة إذن، لم يكن يتوقف على الطابع العبودي للعمل، و إنما كان يتوقف على مضاعفة العمل. فلما ذا- إذن- ضاعف الإنسان الاجتماعي العمل، عن طريق تحويل نصف المجتمع إلى عبيد، و لم يحقق ذلك عن طريق الاتفاق الحر بين الجميع، على مضاعفة العمل؟! إن الجواب على هذا السؤال لا نجده، إلا في‌

159

الإنسان نفسه، و في ميوله الطبيعية، فهو ميال بطبيعته إلى الاقتصاد في العمل، و سلوك أوفر الطرق راحة إلى غايته. فلا يواجه سبيلين أمامه إلى غاية واحدة، إلا اختار أقلّهما جهدا، و ليس هذا الميل الأصيل نتاجا لوسائل الإنتاج، و إنما هو نتاج تركيبه الخاص و لذلك ظل هذا الميل ثابتا، بالرغم من تطور الإنتاج خلال آلاف السنين- كما أنه ليس نتاجا للمجتمع، بل إن تكوّن المجتمع إنما كان بسبب هذا الميل الطبيعي في الإنسان، إذ رأى أن التكتل أقل الأساليب جهدا، لمقاومة الطبيعة و استثمارها.

و هذا الميل الطبيعي، هو الذي أوحى إلى الإنسان بفكرة استعباد الآخرين، بصفته أضمن الطرق لراحته، و أقلها تكليفا له.

و على هذا فليست قوى الإنتاج، هي التي صنعت للإنسان الاجتماعي، النظام العبودي، أو دفعته في هذا السبيل، و إنما هي التي هيأت له الظروف الملائمة، للسير وفقا لميله الطبيعي. فمثلها في ذلك، نظير من يعطي شخصا سيفا، فينفس هذا الشخص عن حقده، و يقتل به عدوه. فلا يمكننا أن نفسر حادثة القتل هذه، على أساس السيف فحسب، و إنما نفسرها- قبل ذلك- في ضوء المشاعر الخاصة، التي كانت تختلج في نفس القاتل، إذ لم يكن تسليم السيف إليه يدفعه إلى ارتكاب الجريمة، لولا تلك المشاعر التي ينطوي عليها.

و نلاحظ في هذا المجال، أن الماركسية تلتزم الصمت إزاء سبب آخر، كان من الطبيعي أن يكون له أثره الكبير، في القضاء على الشيوعية، و تطوير المجتمع إلى سادة و عبيد، و هو: ما أدت إليه الشيوعية، من ركون الكثرة الكاثرة من أفراد المجتمع، إلى الدعة و الكسل و الانصراف عن مواصلة الإنتاج و تنميته، حتى كتب لوسكيل عن بعض القبائل الهندية، يقول:

«إنهم من الكسل بحيث لا يزرعون شيئا بأنفسهم، بل يعتمدون كل الاعتماد، على احتمال أن غيرهم لن يرفض أن يقاسموه في إنتاجه. و لما كان النشيط لا يتمتع من ثمار الأرض، بأكثر مما يتمتع الخامل، فإن إنتاجهم يقل عاما بعد عام».

160

فالماركسية لا تشير إلى هذه المضاعفات للشيوعية البدائية، بصفتها عاملا في فشلها و اختفائها عن مسرح التأريخ، و قيام الأفراد النشيطين باستعباد الكسالى و استخدامهم في مجالات الإنتاج، بالقوة.

و هذا موقف مفهوم من الماركسية تماما، فإنها لا تعترف بما نجم عن الشيوعية من كسل و خمول شامل، لأن ذلك يضع يدنا على الداء الأصيل في الشيوعية، الذي يجعلها لا تصلح للإنسان بتركيبه النفسي و العضوي الخاص، الذي وجد في إطارة منذ فجر الحياة، و يبرهن على: أنها لا تصلح للطبيعة الإنسانية، و يقدّم الدليل على أن ما حصل من مضاعفات مشابهة لذلك، خلال محاولة الثورة الحديثة في روسيا، لتطبيق الشيوعية تطبيقا كاملا، لم يكن نتيجة للأفكار الطبقية، و الذهنية الرأسمالية المسيطرة على المجتمع، كما يدّعي الماركسيون، و إنما كانت تعبيرا عن واقع الإنسان و دوافعه و مشاعره الذاتية، التي خلقت معه قبل أن تولد الطبقية، و تناقضاتها و أفكارها.

2- المجتمع العبودي:

و بتحول المجتمع من الشيوعية البدائية، إلى مجتمع عبودي، تبدأ المرحلة الثانية في المادية التأريخية. و ببدئها تولد الطبقية في المجتمع، و ينشأ التناقض الطبقي بين طبقة السادة و طبقة العبيد، الأمر الذي قذف المجتمع في أتون الصراع الطبقي، لأول مرة في التأريخ، و لم يزل هذا الصراع قائماً حتى اليوم بأشكال مختلفة، تبعا لنوعية القوى المنتجة و متطلباتها.

و من الضروري أن نثير هنا سؤالا- في وجه الماركسية- عن هذه الانقسامة الفاصلة في حياة البشرية، التي قسمت المجتمع إلى طبقتين: سادة و عبيد: كيف أعطيت فيها السيادة لأولئك، و كتب على هؤلاء الرق و العبودية؟ و لماذا لم يقم السادة بدور العبيد، و العبيد بدور السادة؟

و للماركسية جوابها الجاهز على هذا السؤال، فهي تقول: إن كلا من السادة‌

161

و العبيد قد مثّل الدور المحتوم، الذي يفرضه العامل الاقتصادي و منطق الإنتاج، لأن الجماعة التي مثلث دور السيادة في المجتمع، كانت على مستوى عال من الثروة نسبيا، و كانت تملك بسبب ذلك القدرة على ربط الآخرين بها، برباط الرق و العبودية. و لكن اللغز يبقى- بالرغم من هذا الجواب- كما هو، لم يتغير، لأننا نعلم أن هذه الثروات الضخمة نسبيا، لم تهبط على الأسياد من السماء، فكيف حصل عليها هؤلاء دون غيرهم، و استطاعوا أن يفرضوا سيادتهم على الآخرين، مع أن الجميع كانوا يعيشون في مجتمع شيوعي واحد؟! و تجيب الماركسية على هذا السؤال من جديد بأمرين:

أحدهما: أن الأفراد الذين كانوا يزاولون مهام الرؤساء، و القادة الحربيين، و رجال الدين، في المجتمع الشيوعي البدائي، أخذوا يستغلون مركزهم، لكي يحصلوا على الثروة، فامتلكوا جزءا من الملكية الشائعة، و بدأوا ينفصلون شيئا فشيئا عن أعضاء جماعاتهم، ليكوّنوا أرستقراطية، بينما كان أعضاء الجماعة يسقطون شيئا فشيئا تحت تبعيتهم الاقتصادية. (1)

و الآخر: أن مما ساعد على إيجاد التفاوت و التناقض، في مستويات الإنتاج و الثروة بين أفراد المجتمع، أن جماعة حوّلت أسرى الحرب إلى عبيد، و صارت تربح بسبب ذلك، النتاج الفائض عن حاجتهم الضرورية، حتى أثرت، و استطاعت نتيجة لثروتها أن تستعبد أعضاء القبيلة، الذين تجردوا من أموالهم و أصبحوا مدينين. (2)

و كلا هذين الأمرين لا يتفقان مع وجهة نظر المادية التأريخية.

أما الأول: فلأنه يؤدي إلى اعتبار العامل السياسي، عاملا أساسيا، و العامل الاقتصادي عاملا ثانويا منبثقا عنه، لأنه يفترض أن المكانة السياسية، التي كان القواد و رجال الدين و الرؤساء يتمتعون بها في المجتمع الشيوعي اللاطبقي، هي التي شقّت لهم الطريق إلى الإثراء، و إيجاد ملكيات خاصة، فالظاهرة الطبقية- إذن- وليدة الكيان السياسي، و ليس العكس كما تقرر المادية التأريخية.

____________

(1) (تطور الملكية الفردية) ص 32.

(2) المصدر السابق، ص 33.

162

و أما السبب الثاني، الذي فسرت به الماركسية تفاوت الثروات: فهو لا يتقدم في حل المشكلة إلا خطوة واحدة، إذ يعتبر أن استرقاق السادة للعبيد من أبناء القبيلة، قد سبقه تأريخيا استرقاق أولئك السادة، لأسرى الحرب، و إثرائهم على حساب هؤلاء الأسرى. و أما لماذا هيأت الفرص لأولئك السادة بالذات، دون غيرهم من أعضاء القبيلة، استرقاق الأسرى؟ فهذا مالا تحاول الماركسية تفسيره، لأنها لا تجد تفسيره في القوى المنتجة، و إنما يمكن تفسيره تفسيرا إنسانيا، على أساس الفوارق و الكفاءات المتفاوتة: البدنية و الفكرية و العسكرية، التي يولد الناس و هم يختلفون في حظوظهم منها، طبقا لظروفهم و شروطهم النفسية و الفسيولوجية و الطبيعية.

3- المجتمع الإقطاعي:

و نشأ المجتمع الإقطاعي بعد ذلك، نتيجة للتناقضات التي كانت تعمل في المجتمع العبودي. و أساس هذه التناقضات، التناقص بين علاقات النظام العبودي، و نمو القوى المنتجة، إذ أصبحت تلك العلاقات بعد فترة طويلة، من حياة المجتمع العبودي، عائقة عن نمو الإنتاج، و عقبة في سبيله من ناحيتين:

إحداهما: أنها فسحت المجال أمام الأسياد، لاستغلال العبيد- بوصفهم القوة المنتجة- استغلالا وحشيا، فتهاوى آلاف العبيد في ميدان العمل بسبب ذلك، الأمر الذي كلّف الإنتاج نقصا كبيرا في القوة المنتجة، المتمثلة في أولئك العبيد.

و الأخرى: أن تلك العلاقات، حولت بالتدريج أكثر الأحرار من الفلاحين و الحرفيين، إلى عبيد، ففقد المجتمع- بسبب ذلك- جيشه و جنوده الأحرار، الذين كان المجتمع يحصل عن طريق غزواتهم المتلاحقة، على سيل مستمر من العبيد المنتجين. و هكذا أدى النظام العبودي، إلى التبذير بالقوى المنتجة الداخلية، و العجز عن استيراد قوى منتجة جديدة، عن طريق الغزو و الأسر. و قام لأجل هذا، التناقص الشديد بينه و بين قوى الإنتاج، فتقوض المجتمع العبودي، و خلفه النظام الإقطاعي.

163

و تغفل الماركسية في هذا العرض عدة نقاط جوهرية في الموضوع:

فأولا: أن تحوّل المجتمع الروماني- مثلا-، من النظام العبودي إلى الإقطاع، لم يكن تحولا ثوريا، منبثقا عن صراع الطبقة المحكومة، كما يفرضه المنطق الديالكتيكي للمادية التأريخية.

و ثانيا: أن هذا التحول الاجتماعي و الاقتصادي، لم يسبقه أي تطور في القوى المنتجة، كما تتطلبه الفرضية الماركسية القائمة على أساس: أن وسائل الإنتاج، هي القوة العليا المحركة للتأريخ.

و ثالثا: أن الوضع الاقتصادي، الذي هو أساس الأوضاع الاجتماعية في رأي الماركسية، لم يكن في تغيره التاريخي معبّرا، عن مرحلة تكاملية من تأريخه، بل مني بنكسة، خلافا لمفاهيم المادية التأريخية، التي تؤكد: أن التأريخ يزحف في حركته إلى الامام دائما، و أن الوضع الاقتصادي هو طليعة هذا الزحف الدائم.

و نعالج هذه النقاط الثلاث بتفصيل:

أ- لم يكن التحول ثوريا:

إن تحوّل المجتمع الروماني- مثلا- من نظام الرق إلى نظام الإقطاع، لم يكن نتيجة لثورة طبقية، في لحظة فاصلة من لحظات التأريخ، بالرغم من أن الثورة قانون حتمي في المادية التأريخية، لكل التحولات الاجتماعية، وفقا للقانون الديالكتيكي (قانون قفزات التطور) القائل: بأن التغييرات الكمية التدريجية، تتحول إلى تغيّر كيفي دفعي. و هكذا عطل هذا القانون الديالكتيكي عن العمل، و لم يؤثر في تحويل المجتمع العبودي إلى إقطاعي، بشكل ثوري آني، و إنما تحول المجتمع- حسب إيضاحات الماركسية نفسها- عن طريق السادة أنفسهم، إذ أخذوا يعتقون كثيرا من عبيدهم، و يقسمون الأملاك الكثيرة إلى أجزاء صغيرة، و يعطونها إليهم، بعد أن أحسوا بأن نظام الرق لا يضمن لهم مصالحهم. (1)

____________

(1) راجع (تطور الملكية الفردية) ص 53.

164

فالطبقة المالكة- إذن- قد حولت المجتمع بالتدرج إلى النظام الإقطاعي، دون حاجة إلى قانون الثورات الطبقية، أو قفزات التطور. و كان غزو الجرمان من الخارج، عاملا آخر في تكوين الإقطاع- حسب اعتراف الماركسية نفسها- و هو بدوره أيضا بعيد عن تلك القوانين.

و من الظريف، أن الثورات التي كان يجب- وفقا للمادية التأريخية- أن تنفجر في لحظة التحول الفاصلة، نجد أنها قد شبت قبل انهيار المجتمع العبودي بقرون، كحركة الأرقّاء في أسبرطة، قبل الميلاد بأربعة قرون، التي تجمعت فيها الألوف من الأرقاء، قريبا من المدينة، و حاولت اقتحامها، و ألجأت قادة أسبرطة إلى طلب المساعدة العسكرية من جيرانهم، و لم يتمكنوا من صد الأرقاء الثائرين، إلا بعد سنين عديدة.

و كذلك حركة العبيد في الدولة الرومانية، التي تزعمها سبرتاكوس قبل الميلاد بسبعين سنة تقريبا، و احتشد فيها عشرات الألوف من العبيد، و كادت أن تقضي على كيان الإمبراطورية. و قد سبقت هذه الثورة نشوء المجتمع الإقطاعي بعدة قرون، و لم تنتظر إلى أن توجد التناقضات و تشتد بين العلاقات و قوى الإنتاج، و إنما كانت تستمد وقودها من وعي متزايد بالاضطهاد، و قدرة تكتلية و عسكرية و قيادية، تفجّر ذلك الوعي، بالرغم من وسائل الإنتاج، التي كانت حينئذ على وئام مع النظام العبودي فمن الخطأ- إذن- أن نفسر كل ثورة على أساس تطور معين في الإنتاج، أو بوصفها تعبيرا اجتماعيا عن حاجة من حاجات القوى المنتجة.

و لنقارن- بعد هذا- بين تلك الثورات الهائلة، التي شنها العبيد على نظام الإنتاج العبودي، قبل أن يتخلى عن الميدان إلى النظام الإقطاعي بقرون عديدة، و بين ما كتبه أنجلز قائلًا:

«ما دام أسلوب إنتاجي ما، لا يزال يرسم مدرجا متصاعدا في سلم التطور، فإنه لا يفتأ يقابل بحماس و ترحاب، حتى من لدن أولئك الذين ازدادت حالتهم سوءا، جرّاء أسلوب التوزيع المتماثل و إياه». (1)

____________

(1) (ضد دوهرنك) ج 2، ص 9.

165

فكيف نفسر تلك الثورات من العبيد، التي سبقت تطور العبودية إلى الإقطاع بستة قرون، في إطار هذه النظرية الضيقة إلى الثورات؟! و إذا كان تبرم المضطهدين ينشأ دائما، كتعبير عن تعثر أسلوب الإنتاج، لا عن حالتهم النفسية و الواقعية، فلما ذا تبرمت تلك الجماهير من العبيد، و عبّر عن تبرمها تعبيرا ثوريا، كاد أن يعصف بالإمبراطورية، قبل أن يتعثر أسلوب الإنتاج، القائم على النظام العبودي، و قبل أن توجد الضرورة التأريخية لتطويره بعدة قرون؟!

ب- لم يسبق التحوّل الاجتماعي أي تجدد في قوى الإنتاج:

من الواضح عن الماركسية أنها تؤمن: بأن إشكال العلاقات الاجتماعية تابعة لإشكال الإنتاج. فكل شكل من الإنتاج، يتطلب شكلا خاصا من علاقات الملكية الاجتماعية، و لا تتطور هذه العلاقات إلا تبعا لتغير شكل الإنتاج، و تطور القوى المنتجة.

«إن أي تكوين اجتماعي، لا يموت أبدا، قبل أن تتطور القوى المنتجة، التي تستطيع أن يفسح لها المجال. ماركس». (1)

و بينما تؤكد الماركسية هذا، نجد أن شكل الإنتاج كان واحدا في المجتمع العبودي و الإقطاعي معا، و لم تتغير العلاقات العبودية إلى إقطاعية، نتيجة لأي تطور أو تجديد في القوى المنتجة السائدة، التي كانت لا تعدو مجالات الزراعة و الخدمة اليدوية. و معنى ذلك أن التكوين الاجتماعي و العبودي، قد مات قبل أن تتطور القوى المنتجة، خلافا لتأكيد ماركس الآنف الذكر.

و في مقابل ذلك، نجد أن أشكالا متعددة من الإنتاج و درجات مختلفة، تخطّتها القوى المنتجة خلال آلاف السنين، دون أن يحصل أي تحوّل في الكيان الاجتماعي، باعتراف الماركسية نفسها. فالإنسان البدائي كان يستعين في إنتاجه بالأحجار الطبيعية، ثم استعان بأدوات حجرية، و بعد ذلك استطاع أن يكتشف النار، و أن يصنع الفؤوس و الحراب، ثم تطورت قوى الإنتاج، فظهرت الأدوات المعدنية و السهام‌

____________

(1) (فلسفة التأريخ) ص 47.

166

و الأقواس، ثم ظهر الإنتاج الزراعي في حياة الإنسان و بعده الإنتاج الحيواني. و قد تمت هذه التحولات الكبرى في إشكال الإنتاج، و تتابعت تطوراته في المجتمع البدائي، بالتسلسل الذي ذكرناه أو بتسلسل آخر، دون أن تواكبها تحولات اجتماعية و تطورات في العلاقات العامة، باعتراف الماركسية نفسها، إذ أنها تؤمن: بأن النظام السائد في المجتمع البدائي، الذي حدثت خلاله كل تلك التطورات، كان هو الشيوعية البدائية.

فإذا كان من الممكن أن تتطور أشكال الإنتاج، و الشكل الاجتماعي ثابت، كما في المجتمع البدائي مثلا، و كان من الممكن أن تتطور الأشكال الاجتماعية، و شكل الإنتاج ثابت، كما رأينا في المجتمع العبودي و الإقطاعي، فما هي الضرورة التي تدعو إلى التأكيد على: أن كل تكوين اجتماعي يرتبط بشكل معين و درجة خاصة من الإنتاج؟! و لماذا لا تقول الماركسية: إن النظام الاجتماعي إنما هو حصيلة الأفكار العملية، التي يحصل عليها الإنسان خلال تجربته الاجتماعية، للعلاقات التي يشترك فيها مع الآخرين، كما أن أشكال الإنتاج حصيلة الأفكار التأملية و العلمية، التي يحصل عليها الإنسان خلال تجربته الطبيعية، لقوي الإنتاج و سائر قوى الكون؟! و حيث إن التجارب الطبيعية قصيرة الأمد، فمن الممكن أن تتوفر و تتجمع بسرعة نسبيا، فتتطور أشكال الإنتاج بصورة سريعة، على العكس من التجربة الاجتماعية، فإنها تعني تأريخ مجتمع برمّته، فلا تنمو الأفكار العملية خلال هذه التجربة الطبيعية، و من بنفس السرعة التي تنمو بها الأفكار التأملية و العلمية، خلال التجربة الطبيعية، و من الطبيعي عندئذ أن لا تتطور في البدء أشكال النظام، بنفس السرعة التي تتطور بها إشكال الإنتاج.

ج‍- الوضع الاقتصادي لم يتكامل:

سبق أن مر بنا: أن الماركسية تفسر زوال النظام العبودي: بأنه أصبح معيقا للإنتاج عن النمو و مناقضا له، فكان من الضروري أن تزيحه القوى المنتجة عن طريقها،

167

و تصنع وضعا اقتصاديا يواكبها في نموها و لا يناقضها. فهل ينطبق هذا على الواقع التاريخي حقا؟

هل إن ظروف المجتمع و شروطه الإقطاعية، كانت أكثر مواكبة لنمو الإنتاج من شروطه و ظروفه قبل ذلك؟ و هل سار الوضع الاقتصادي- و من خلفه القافلة البشرية كلها- في خط صاعد، تتطلبه طبيعة الحركة التأريخية عند الماركسيين، الذين يفهمونها على أنها عملية تكامل مستمر للمحتوى التاريخي كله، تبعا لتكامل الوضع الاقتصادي و نموه؟

إن شيئا من ذلك لم يحدث، على الوجه الماركسي المفروض. و يكفي لمعرفة ذلك أن نلقي نظرة على الحياة الاقتصادية، التي كانت الإمبراطورية الرومانية تعيشها.

فلقد بلغت- و على الأخص في أجزاء معينة منها- مستوى اقتصاديا رفيعا، و نمت فيها الرأسمالية التجارية نموا كبيرا. و من الواضح أن الرأسمالية التجارية من الأشكال الاقتصادية الراقية، و إذا كانت الإمبراطورية الرومانية قد جرّبت هذا الشكل- كما يدل عليه تأريخها- فقد وصلت إذن إلى درجة عالية نسبيا في تركيبها الاقتصادي، و ابتعدت شوطا كبيرا عن ألوان الاقتصاد البدائي المغلق (اقتصاديات البيت)، و كان من أثر ذلك، أن التجارة راجت في مختلف الدول، التي عاصرتها الإمبراطورية الرومانية، بفضل تعبيد الطرق و تأمينها و حماية الملاحة، فضلا عن التجارة الداخلية، التي ازدهرت داخل أرجاء الإمبراطورية، بين إيطاليا و الولايات، و بين الولايات بعضها مع بعض، حتى أن الأواني الفخارية لإيطاليا، كانت تكتسح السوق العالمية، من بريطانيا شمالا، إلى شواطئ البحر الأسود شرقا، و دبابيس الأمن التي تميزت بها أوكيسا، انتشرت عن طريق التجارة في جميع الولايات، و وصلت إلى شواطئ البحر الأسود، و المصابيح التي كانت المصانع الإيطالية تنتجها بكميات هائلة، عثر عليها في كل جزء من أجزاء الإمبراطورية.

و السؤال الذي يواجهنا على ضوء هذه الحقائق هو: لماذا لم تواصل الأوضاع الاقتصادية و الرأسمالية التجارية نموها و تكاملها، ما دامت الحركة التكاملية‌

168

قانونا حتميا للأوضاع الاقتصادية و الإنتاجية؟! و لماذا لم تتطور الرأسمالية التجارية إلى رأسمالية صناعية، كما حدث في منتصف القرن الثامن عشر، ما دامت رءوس الأموال الكبيرة متوفرة عند التجار، و جماهير الأحرار التي كانت تزداد بؤسا و حاجة، حاضرة لتلبية طلبات الرأسمالية الصناعية، و الاستجابة لمتطلباتها؟! إن هذا يعني: أن الشروط المادية للشكل الاجتماعي الأعلى كانت موجودة، فلو كانت الشروط المادية كافية وحدها لتطوير الواقع الاجتماعي، و كانت قوى الإنتاج في تطورها تخلق دائما الأوضاع، التي تنطلق في ضمنها و تنمو، لوجب أن تنمو الرأسمالية في التأريخ القديم، و أن تستجيب لمتطلبات الإنتاج، و لكان من المنطقي أن تظهر الرأسمالية الصناعية، و نتائجها التي تمخضت عنها، في نهاية عهد الإقطاع، كتقسيم العمل الذي أدى إلى ظهور الآلات في الحياة الصناعية.

و لا يبرهن الواقع التاريخي على عدم ظهورها، و على عدم مواصلة الرأسمالية لنموها فحسب، بل هو يكشف بوضوح: أن قيام النظام الإقطاعي قضى على الرأسمالية التجارية، و خنقها في مهدها نهائيا، إذ جعل لكل إقطاعية حدودها الخاصة، و اقتصادها المغلق، القائم على أساس اكتفائها بحاصلاتها الزراعية و منتوجاتها البسيطة، فكان من الطبيعي أن يتلاشى النشاط التجاري، و تزول الرأسمالية التجارية، و يعود المجتمع إلى اقتصاد شبه بدائي من اقتصاديات البيت.

فهل كان هذا الوضع الاقتصادي، الذي مني به المجتمع الروماني بعد دخول الجرمان إليه، تعبيرا عن نمو تأريخي، و مواكبة لمتطلبات الإنتاج، أو كان نكسة خارجة على قوانين المادية التأريخية، و عقبة في سبيل النمو المادي و ازدهار الحياة الاقتصادية؟!

4- و أخيرا وجد المجتمع الرأسمالي:

و أخيرا بدأ النظام الإقطاعي يحتضر، بعد أن أصبح مشكلة تأريخية و عقبة في وجه الإنتاج، تتطلب حلا حاسما. و كانت الشروط التأريخية قد خلقت هذا الحل‌