اقتصادنا

- المزيد...
886 /
219

مجتمع اشتراكي لا طبقي. أما كيف تعمل قوانين المادية التأريخية الماركسية على أنقاض الرأسمالية؟ فهذا ما يشرحه ماركس- كما مر بنا سابقا- في بحوثه التحليلة للاقتصاد الرأسمالي، التي حاول أن يكشف فيها عن التناقضات الجذرية التي تسوق الرأسمالية- وفقا لقوانين المادية التأريخية- إلى حتفها، و تصل بالركب البشري إلى المرحلة الاشتراكية. و بكلمات قلائل: أن قوانين المادية التأريخية هي القاعدة العامة لكل مراحل التأريخ، في رأي ماركس. و الأسس التحليلية في الاقتصاد الماركسي- كقانون القيمة و نظرية القيمة الفائضة- [تعبير] عن محاولة تطبيق تلك القوانين على المرحلة الرأسمالية. و الاشتراكية المذهبية هي النتيجة الضرورية لهذا التطبيق، و التعبير المذهبي عن المجرى التاريخي المحتوم للرأسمالية، كما تفرضه القوانين العامة للتأريخ.

و نحن في بحثنا الموسع عن المادية التأريخية- بقوانينها و مراحلها- قد انتهينا إلى نتائج غير ماركسية. فقد عرفنا بوضوح: أن الواقع التاريخي للإنسانية لا يسير في موكب المادية التأريخية، و لا يستمد محتواه الاجتماعي من وضع القوى المنتجة و تناقضاتها و قوانينها، كما تبينا من خلال دراستنا لقوانين الاقتصاد الماركسي، خطأ الماركسية في الأسس التحليلية، التي فسرت في ضوئها تناقض الرأسمالية من جهات شتى، و زحفها المستمر نحو نهايتها المحتومة. فإن تلك التناقضات كانت ترتكز كلها على القانون الماركسي للقيمة، و نظرية القيمة الفائضة. فإذا انهارت هاتان الركيزتان، تداعى البناء كله.

و حتى إذا افترضنا: أن الماركسية كانت على صواب في دراستها التحليلية للاقتصاد الرأسمالي، فإن تلك الأسس إنما تكشف عن القوة أو التناقضات، التي تحكم على الرأسمالية بالموت البطي‌ء، حتى تلفظ آخر أنفاسها، و لكنها لا تبرهن على:

أن الاشتراكية الماركسية هي البديل الوحيد الذي يحل محل الرأسمالية، في المجرى التاريخي للتطور، بل هي تفسح المجال لإشكال اقتصادية متعددة، أن تحتل مركز الرأسمالية من المجتمع، سواء الاشتراكية الماركسية، كاشتراكية الدولة بلون من‌

220

ألوانها، أو الاقتصاد المزدوج من أشكال متعددة للملكية، أو إعادة توزيع الثروة من جديد على المواطنين في إطار الملكية الخاصة، و ما إلى ذلك من أشكال تعالج أزمة الرأسمالية، دون الاضطرار إلى الاشتراكية الماركسية.

و بذلك تخسر الماركسية المذهبية برهانها العلمي، و تفقد طابع الضرورة التأريخية، الذي كانت تستمده من قوانين المادية التأريخية، و الأسس الماركسية في التأريخ و الاقتصاد. و بعد أن تنزع الفكرة المذهبية عنها الثوب العلمي تبقى في مستوى سائر الاقتراحات المذهبية.

221

1- الاشتراكية

و لنأخذ الآن بدراسة الأركان و المعالم الرئيسية للاشتراكية، بشي‌ء من التفصيل:

فالركن الأول: هو محو الطبقية، الذي يضع حدا فاصلا لما زخر به تأريخ البشرية على مر الزمن، من ألوان الصراع، لأن مرد تلك الألوان إلى التناقض الطبقي، الذي نتج عن انقسام المجتمع إلى مالكين و معدمين. فإذا قامت الاشتراكية و حولت المجتمع إلى طبقة واحدة، زال التناقض الطبقي، و اختفت كل ألوان الصراع، و ساد الوئام و السلام إلى الأبد.

و تقوم الفكرة في هذا، على أساس رأي المادية التأريخية القائل: إن العامل الاقتصادي هو العامل الأساسي الوحيد في حياة المجتمع. فقد أدى هذا الرأي بالماركسية إلى القول: بأن حالة الملكية الخاصة التي قسمت المجتمع إلى مالكين و معدمين، هي الأساس الواقعي للتركيب الطبقي في المجتمع، و لكل ما يتمخض عنه هذا التركيب من تناقض و صراع. و ما دام المجتمع الاشتراكى يلغي الملكية الخاصة، و يؤمم وسائل الإنتاج، فهو ينسف الأساس التاريخي للطبقية، و يصبح من المستحيل أن يواصل التركيب الطبقي وجوده، بعد زوال الشروط الاقتصادية التي كان يرتكز عليها.

و قد عرفنا في دراستنا للمادية التأريخية: أن العامل الاقتصادي، و وضع الملكية الخاصة، ليس هو الأساس الوحيد لكل التركيبات الطبقية على مسرح التأريخ. فكم من تركيب طبقي كان يقوم على أسس عسكرية أو سياسية أو دينية! كما رأينا فيما‌

222

سبق. فليس من الضروري تأريخيا أن تختفي الطبقية بإزالة الملكية الخاصة، بل من الممكن أن يحدث للمجتمع الاشتراكي تركيب طبقي على أساس آخر.

و نحن إذا حلّلنا المرحلة الاشتراكية، وجدنا أنها تؤدي- بطبيعتها الاقتصادية و السياسية- إلى خلق لون جديد من التناقض الطبقي، بعد القضاء على الأشكال الطبقية السابقة.

أما الطبيعة الاقتصادية للمرحلة الاشتراكية، فتمثل في مبدأ التوزيع القائل: من كل حسب طاقته، و لكل حسب عمله. و سوف نرى عند دراسة هذا المبدأ، كيف أنه يؤدي إلى خلق التفاوت من جديد! فلنأخذ الآن الطبيعة السياسية للمرحلة الاشتراكية بالبحث و التمحيص.

إن الشرط الأساسي للتجربة الثورية الاشتراكية، أن تتحقق على أيدي ثوريين محترفين يتسلمون قيادتها، إذ ليس من المعقول أن تباشر البروليتاريا، بجميع عناصرها، قيادة الثورة و توجيه التجربة، و إنما يجب أن تمارس نشاطها الثوري في ظل القيادة و التوجيه. و لذلك أكد لينين، بعد فشل ثورة (1905) على: أن الثوريين المحترفين، هم وحدهم الذين يستطيعون أن يؤلفوا حزبا جديدا بلشفي الطراز.

و هكذا نجد أن القيادة الثورية للطبقة العاملة، كانت ملكا طبيعيا لمن يدعون أنفسهم بالثوريين المحترفين، كما كانت القيادة الثورية للفلاحين و العمال في ثورات سابقة، ملكا لأشخاص ليسوا من الفلاحين و العمال، مع فارق واحد بين الحالين، و هو: أن الامتياز القيادي للأشخاص في المرحلة الاشتراكية لا يعبّر عن نفوذ اقتصادي، و إنما ينشأ عن خصائص فكرية و ثورية و حزبية خاصة. و قد كان هذا اللون الثوري و الحزبي، ستارا على واقع التجربة الاشتراكية التي مرت بها أوروبا الشرقية، حجب الحقيقة عن الناس، فلم يستطيعوا أن يتبينوا- بادئ الأمر- في تلك القيادة الثورية للتجربة الاشتراكية، بذرة لأفظع ما تصف الماركسية من ألوان الطبقية في التأريخ، لأن هذه القيادة يجب أن تستلم السلطة بشكل مطلق، لطبيعة المرحلة الاشتراكية في رأي الماركسية، القائل: بضرورة قيام دكتاتورية و سلطة مركزية مطلقة، لتصفية‌

223

حسابات الرأسمالية نهائيا. فقد وصف لينين طبيعة السلطة في جهاز الحزب، التي تمتلك السلطة الحقيقة في البلاد خلال الثورة، قائلًا:

«في المرحلة الراهنة من الحرب الأهلية الحادة، لا يمكن لحزب شيوعي أن يقدر على أداء واجبة، إلا إذا كان منظما بأقصى نمط مركزي، و إلا إذا سيطر عليه نظام حديدي يوازي النظام العسكري، و إلا إذا كان جهازه المركزي جهازا قويا متسلطا، يتمتع بصلاحيات واسعة و بثقة أعضاء الحزب الكلية».

و أضاف ستالين إلى ما تقدم:

«هذا هو الوضع فيما يتعلق بالنظام في الحزب، أثناء فترة الكفاح التي تسبق تحقيق الديكتاتورية، و يجب- بل حتى إلى درجة أعظم- أن يقال الشي‌ء ذاته عن النظام في الحزب، بعد أن يكون قد تم تحقيق الدكتاتورية».

فالتجربة الاشتراكية إذن، تتميز بصورة خاصة عن سائر التجارب الثورية، بأنها مضطرة- كما يرى أقطابها- إلى الاستمرار في النهج الثوري، و الأسلوب المطلق في الحكم، داخل نطاق الحزب و خارجه، من أجل خلق الإنسان الاشتراكي الجديد، البري‌ء من أمراض المجتمعات الطبقية، و ميولها الاستغلالية التي عاشتها الإنسانية آلاف السنين.

و هكذا يصبح من الضروري أن يباشر الثوريون القادة، و من يدور في فلكهم الحزبي، السلطة بشكل غير محدود، ليتأتى لهم تحقيق المعجزة و صنع الإنسان الجديد.

و حين نصل إلى هذه المرحلة من تسلسل التجربة الاشتراكية، نجد أن هؤلاء القادة في الجهاز الحزبي و السياسي و أنصارهم، يتمتعون بإمكانات لم تتمتع بها أكثر الطبقات على مر التأريخ، و لا يفقدون من خصائص الطبقة شيئا. فهم قد كسبوا سلطة مطلقة على جميع الممتلكات، و وسائل الإنتاج المؤممة في البلاد، و مركزا سياسيا يتيح لهم الانتفاع بتلك الممتلكات، و التصرف بها طبقا لمصالحهم الخاصة، و إيمانا راسخا: بأن سيطرتهم المطلقة تكفل السعادة و الرخاء لجميع الناس، كما كانت تؤمن بذلك الفئات السابقة، التي مارست الحكم في العهود الإقطاعية و الرأسمالية.

224

و الفرق الوحيد بين طبقة هؤلاء الثوريين الحاكمين، و سائر الطبقات التي حدثتنا الماركسية عنها: أن تلك الطبقات كانت توجد و تنمو- في رأي الماركسيين- تبعا لعلاقات الملكية القائمة بين الناس، و طبيعة هذه العلاقات هي التي كانت تحدد اندراج هذا الشخص، ضمن هذه الطبقة أو تلك. و أما هؤلاء المالكون الجدد في المرحلة الاشتراكية، فليست طبيعة الملكية هي التي تحدد اندراجهم في الطبقة الحاكمة.

فلا يندرج هذا الشخص أو ذاك في الطبقة الحاكمة لأن له ملكية خاصة بدرجة معينة في المجتمع، كما كانت تفترض الماركسية بالنسبة إلى المجتمعات الطبقية السابقة، بل العكس هو الذي يصدق على المجتمع الاشتراكي الماركسي. فإن هذا أو ذلك يتمتع بامتيازات خاصة، أو المحتوى الحقيقي للملكية، لأنه مندرج في الطبقة الحاكمة.

و تفسير هذا الفرق بين الطبقة في المجتمع الاشتراكي، و غيرها من الطبقات واضح، فإن هذه الطبقة لم تولد على الصعيد الاقتصادي، الذي ولدت عليه سائر الطبقات في زعم الماركسية، و إنما نشأت و نمت على الصعيد السياسي، ضمن تنظيم ذي طراز معين، قائم على أسس فلسفية و عقائدية و فكرية خاصة، أي: ضمن الحزب الثوري الذي يتزعم التجربة. فالحزب بنظامه و حدوده الخاصة، هو مصنع هذه الطبقة الحاكمة.

و تنحصر مظاهر هذه الطبقة الحزبية، فيما يتمتع به أفراد هذه الطبقة، من امتيازات الإدارة غير المحدودة، التي تمتد من إدارة الدولة و إدارة المؤسسات الصناعية و مشاريع الإنتاج.، إلى كل مناحي الحياة، كما تنعكس أيضا في التناقضات الشديدة، بين أجور العمال و رواتب موظفي الحزب.

و في ضوء الظروف الطبقية، التي تؤدي إليها المرحلة الاشتراكية الماركسية، يمكن أن نفسر ألوان التناقض و الصراع على الصعيد السياسي، في العالم الاشتراكي، التي تتمثل أحيانا في عمليات تطهير هائلة. فإن الطبقة الممتازة في ظل التجربة الاشتراكية، و إن نشأت في داخل الحزب كما رأينا، إلا أنها من ناحية لا تشمل الحزب كله، و من ناحية أخرى يمكن أن تمتد إلى خارج نطاق الحزب، طبقا للظروف التي تكتنف القيادة و متطلباتها.

225

و لذلك كان من الطبيعي أن تواجه الطبقة المتفردة بالامتياز، معارضة شديدة في داخل الحزب، من الأشخاص الذين لم تستوعبهم تلك الطبقة بالرغم من حزبيتهم، أو طردتهم من حضيرتها، فأخذوا يعتبرون هذا التركيب الطبقي الجديد، خيانة للمبادئ التي ينادون بها.

و كذلك تواجه الطبقة الممتازة معارضة هائلة في خارج الحزب، ممن أتاح الواقع السياسي للفئة الممتازة أن تستثمرهم، على شكل امتيازات خاصة، و حقوق معينة، و احتكارات للأجهزة الإدارية و المرافق الحيوية في البلاد.

و يبدو من المنطقي بعد ذلك، أن تحدث عمليات تطهير واسعة النطاق- كما يسميها الشيوعيون- بوصفها انعكاسا لتلك الظروف و التناقضات الطبقية. و من الطبيعي أيضا، أن تكون تلك العمليات هائلة في صرامتها و شمولها، تبعا لقوة المركز الطبقي الذي تتمتع به الفئة الحاكمة في الحزب و الدولة.

و يكفينا لكي نتبين مدى الصرامة و قوة الشمول، التي تتسم بها تلك العمليات، أن نعلم أنها كانت تجري في الذروة العليا في كيان الحزب، كما تجري في القاعدة، باستمرار و عنف قد يفوق كثيرا، العنف الذي تعرضه الماركسية كطابع عام لإشكال التناقض الطبقي المختلفة في التأريخ. فقد شملت عمليات التطهير في مرة، تسعة وزراء من أعضاء الوزارة الأحد عشر، الذين كانوا يديرون دفة الحكومة السوفياتية عام (1936)، و شملت أيضا خمسة رؤساء من الرؤساء السبعة للجنة السوفيات التنفيذية المركزية، التي وضعت دستور (1936)، و اكتسحت ثلاثة و أربعين أمينا من أمناء سر منظمة الحزب المركزية، الذين كان يبلغ مجموعهم ثلاثة و خمسين أمينا، و كذلك سبعين عضوا من أعضاء مجلس الحزب الثمانين، و ثلاثة من مارشالات الجيش السوفياتي الخمسة، 60% تقريبا من مجموع جنرالات السوفيات، و جميع أعضاء المكتب السياسي الأول، الذي أنشأه لينين بعد الثورة، باستثناء ستالين، كما أدت عمليات التطهير إلى طرد ما يزيد على مليونين من أعضاء الحزب. و ما حل عام (1939) حتى كان عدد أعضاء الحزب الرسمي مليونين و نصف المليون عضو،

226

و عدد المطرودين مليونين عضو، و بذلك كاد الحزب الشيوعي المطرود أن يوازي الحزب الشيوعي نفسه.

و لا نرمي من وراء هذا إلى التشهير بالجهاز الحاكم في المجتمع الاشتراكي- و ليس التشهير من شأن هذا الكتاب- و إنما نرمي إلى تحليل المرحلة الاشتراكية تحليلا علميا، لنجد: كيف تؤدي بطبيعتها المادية الدكتاتورية، إلى ظروف طبقية تتمخض عن ألوان رهيبة من الصراع! و إذا بالتجربة التي جاءت لتمحو الطبقية، قد أنشأتها من جديد!! و السلطة الدكتاتورية- التي هي الركن الثاني في المرحلة الاشتراكية- ليست ضرورية لأجل تصفية حساب الرأسمالية فحسب، كما تزعم الماركسية، إذ تعتبرها ضرورة مؤقتة تستمر حتى تقضي على كل خصائص الرأسمالية الروحية و الفكرية و الاجتماعية، و إنما تعبّر عن ضرورة أعمق في طبيعة الاشتراكية الماركسية، المؤمنة بضرورة التخطيط الاقتصادي الموجه، لكل شعب النشاط الاقتصادي في الحياة. فإن وضع مثل هذا التخطيط و تنفيذه، يتطلب سلطة قوية لا تخضع للمراقبة، و تتمتع بإمكانات هائلة، ليتاح لها أن تقبض بيد حديدية على كل مرافق البلاد، و تقسمها وفقا لمخطط دقيق شامل. فالتخطيط الاقتصادي المركزي، يفرض على السلطة السياسية طبيعة دكتاتورية إلى حد بعيد، و ليست مهمة تصفية الجو من التراث الرأسمالي، هي وحدها التي تفرض هذا اللون السياسي من الحكم.

و نصل بعد هذا إلى التأميم، بوصفه الركن الثالث للمرحلة الاشتراكية. و الفكرة العلمية في التأميم، تقوم على أساس تناقضات القيمة الفائضة، التي تكشف عنها الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، في رأي ماركس. فإن هذه التناقضات تتراكم، حتى يصبح تأميم كل وسائل الإنتاج ضرورة تأريخية لا محيد عنها.

و قد مر بنا الحديث عن هذه التناقضات المزعومة، و كيف أنها تقوم على أسس‌

227

تحليلية خاطئة! و من الطبيعي أن تمنى النتائج بالخطإ، إذا كانت الأسس التي يقوم عليها التحليل مضللة و غير صحيحة.

و أما الفكرة المذهبية في التأميم، فتتلخص في: محو الملكية الخاصة و تتويج المجموع بملكية وسائل الإنتاج في البلاد، ليصبح كل فرد- في نطاق المجموع- مالكا لثروات البلاد كلها كما يملكها الآخرون.

غير أن هذه الفكرة تصطدم بواقع، هو الواقع السياسي للمرحلة الاشتراكية، الذي يتجسم في طبقة تتمتع بحكم دكتاتوري مطلق، في أجهزة الحزب و الدولة.

فلا يكفي في هذه الحال أن تلغى الملكية الخاصة قانونيا، و يتم الإعلان عن ملكية المجموع للثروة، ليتمتع هذا المجموع بملكيتها حقا، و يجد محتواها الحقيقي في حياته التي يعيشها، بل إن طبيعة الموقف السياسي، سوف تجعل حظ المجموع في تملّكه، حظا قانونيا فحسب، و تسمح للطبقة الحاكمة أن تتمتع بالمحتوى الحقيقي للملكية، الذي يتمثل في سيطرتها المطلقة على مقدرات البلاد و ثرواتها. و هكذا تحصل هذه الطبقة على نفس الفرص، التي كان الرأسماليون الاحتكاريون يتمتعون بها في المجتمع الرأسمالي، إذ تقف فوق الأنظمة وراء كل عمل من أعمال الدولة، و تحتكر لنفسها حق تمثيل المجتمع اللاطبقي و التصرف في ممتلكاته، و تصبح- في هذه اللحظة- أقدر من أي رأسمالي آخر على سرقة القيمة الفائضة، فما هي الضمانات العلمية في هذا المجال؟! و إذا أردنا أن نستعير من الماركسية لغتها، أمكننا القول: بأن التأميم في المجتمع الاشتراكي الماركسي، يبرز تناقضا بين الملكية الاشتراكية للمجموع، و الجوهر الحقيقي للملكية الذي تتمتع به الطبقة الحاكمة. فإن الملكية بجوهرها الواقعي، ليست إلا السلطة على الثروة، و القدرة على التمتع بها بمختلف الأساليب. و هذا الجوهر هو الذي تتمتع به القوى السياسية، المهيمنة على كل كيانات المجتمع، و ينعكس على الصعيد القانوني، بشكل امتيازات و حقوق ليست في الحقيقة إلّا ستارا مزيفا، و ترجمة قانونية لجوهر الملكية الحقيقي، غير أن هذا المالك الجديد في المجتمع‌

228

الاشتراكي الماركسي، يختلف عن أي مالك سابق في نقطة، و هي: أنه لا يستطيع أن يعترف بملكيته قانونيا، لأن ذلك يناقض طبيعة موقفه السياسي. فالاشتراكية- بحكم طبيعتها السياسية- تحمل بذرة هذا المالك الجديد و تخلقه عبر تجربتها، و إن كانت تفرض عليه في نفس الوقت، أن ينكر دوره الحقيقي في الحياة الاقتصادية، و تجعله أكثر حياء و خجلا من الرأسمالي، الذي كان يعلن بكل وقاحة عن ملكيته الخاصة.

و ليس التأميم في الاشتراكية الماركسية حدثا فريدا في التأريخ، فقد وقعت تجارب سابقة لفكرة التأميم عبر التأريخ، إذ قامت بعض الدول القديمة بتأميم كل وسائل الإنتاج، و حصلت بسبب ذلك على مكاسب تشابه تماما، المكاسب التي حصلت عليها الاشتراكية الماركسية في تجربتها. ففي بعض الممالك الهيلينستية و في مصر خاصة، اتبعت الدولة مبدأ التأميم، و أخضعت الإنتاج و المبادلة لإشرافها، و تولت بنفسها إدارة معظم فروع الإنتاج، فجلب هذا النظام للدولة فوائد كبيرة، و لكنه حيث كان ينفذ في إطار سلطة فرعونية مطلقة، لم يستطع بعد ذلك أن يخفي جوهره. فإن التأميم في ظل سلطة مطلقة تنشئ الملكية الجماعية لتوسعة الإنتاج، لا يمكن أن يؤدي واقعيا إلا إلى تملك السلطة نفسها، و تحكمها في الممتلكات المؤممة.

و لهذا ظهرت في التجربة القديمة خيانة الموظفين، و استبداد السلطة التي كانت تتجسد في شخص الملك، حتى قفز الملك إلى درجة «إله»، و أصبحت القوى الهائلة تنفق كلها لحساب هذا الإله الحاكم، و تحقيق رغباته من بناء المعابد و القصور و القبور.

و لم يكن من الصدفة أن تقترن تجربة التأميم في أقدم العهود الفرعونية، بنفس الظواهر التي اقترنت بها تجربة التأميم الماركسية في العصر الحديث، من التقدم السريع في حركة الإنتاج، و تمتع السلطة بقوة تشتد و تنمو بشكل هائل، و انحرافها و استبدادها بعد ذلك بالثروة المؤممة. فقد تقدمت حركة الإنتاج في ظل التجربة الحديثة للتأميم، كما تقدمت في ظل التأميم الفرعوني، لأن التسخير غير الحرفي الإنتاج، يثمر دائما التقدم السريع المؤقت في حركة الإنتاج. و نشأ التأميم في كل من التجربتين في ظل سلطة عليا، لا تعترف لنفسها بحدود، لأن التأميم حينما يقصد منه‌

229

تنمية الإنتاج فحسب، يتطلب مثل هذه السلطة الحديدية.

و نتج عن ذلك في كل من التجربتين أيضا، استفحال أمر السلطة و تمتعها بالجوهر الحقيقي للملكية، لأن التأميم لم يقم على أساس روحي، أو قناعة بقيم خلقية للإنسان، و إنما قام على أساس مادي، لتحقيق أكبر نصيب من الإنتاج. فمن الطبيعي أن لا تجد السلطة تعارضا بين هذا الهدف المادي، و بين ما تحيط به نفسها من امتيازات و متعة. و من الطبيعي أيضا أن لا يقر الجهاز الحاكم الملكية العامة عمليا، إلا في حدود الدافع المادي الذي يدفعه إلى مضاعفة الإنتاج و تنميته.

و لا يبدو غريبا بعد ذلك، أن نجد جهاز الدولة في التجربة القديمة، و هو يضج بخيانات الموظفين و إثرائهم على حساب الممتلكات العامة، و نجد ستالين في التجربة الحديثة، و هو يضطر إلى الاعتراف: بأن كبار رجال الدولة و الحزب، قد استغلوا فرصة انشغال دولتهم بالحرب الأخيرة، فجمعوا الأموال و الثروات. حتى أنه أذاع ذلك في منشور عممه على جميع أبناء الشعب.

فالتشابه بين التجربتين الاشتراكيتين واضح كل الوضوح، في الظواهر و النتائج، بالرغم من اختلاف ظروفهما المدنية و إشكال الإنتاج فيهما. و هذا يشير إلى أن الجوهر في كلتا التجربتين واحد، مهما اختلفت الألوان و الإطارات.

و هكذا نعرف أن كل تجربة للتأميم، تمنى بنفس النتائج، إذا كانت في نفس الإطار السياسي للتجربة الماركسية (إطار السلطة المطلقة) و كان المبرر الموضوعي لها في رأي قادة التجربة، هو نفس المبرر الذي يباشر قادة الماركسية تجربتهم على أساسه، و هو تنمية الإنتاج، التي هي القوة الدافعة للتأريخ على مر الزمن، في مفاهيم المادية التأريخية.

و أما الركن الأخير من المرحلة الاشتراكية، فهو- كما سبق- مبدأ التوزيع القائل:

من كل حسب طاقته، و لكل حسب عمله.

و يرتكز هذا المبدأ من الناحية العلمية، على قوانين المادية التأريخية. فإن المجتمع‌

230

بعد أن يصبح طبقة واحدة، بموجب قانون الاشتراكية الحديثة، و لا تبقى طبقة عاملة و أخرى مالكة، يكون من الضروري لكل فرد أن يعمل ليعيش. كما أن القانون الماركسي للقيمة القائل: إن العمل هو أساس القيمة، يجعل لكل عامل نصيبا من الإنتاج، بالقدر الذي يتفق مع كمية عمله. و هكذا يسير التوزيع على: أن من كل حسب طاقته، و لكل حسب عمله.

و هذا المبدأ يأخذ بالتناقض مع الطبيعة اللاطبقية للمرحلة الاشتراكية، منذ أن يوضع موضع التنفيذ. فإن الأفراد يختلفون في أعمالهم تبعا لاختلاف كفاءاتهم، و لنوعية العمل و درجة تعقيده. فهذا عامل لا يطيق من العمل ست ساعات، و ذلك عامل أقوى منه بنية، يستطيع أن يعمل عشر ساعات في كل يوم، و هذا عامل موهوب يملك من القريحة و النباهة ما يجعله يدخل تحسينات على طريقة الإنتاج، و ينتج ضعف ما ينتجه الآخرون، و ذلك عامل لم يؤاته الحظ، قد خلق للتقليد لا للابتكار، و هذا عامل فني مدرب يمارس إنتاج الأجهزة الكهربائية الدقيقة، و ذاك عامل بسيط لا يمكن أن يستخدم إلا في حمل الأثقال، و ثالث يعمل في الحقل السياسي و يتوقف على عمله مصير البلاد كلها.

و اختلاف هذه الأعمال يؤدي إلى تفاوت القيم التي تخلقها تلك الأعمال.

و ليست هذه الألوان الصارخة من التفاوت بين نفس الأعمال، أو القيم الناتجة عنها، مستمدة من واقع اجتماعي معين، بل إن الماركسية نفسها تعترف بذلك، إذ تقسم العمل إلى: بسيط و مركب، و ترى: أن قيمة ساعة عمل مركب شديد التعقيد، قد تفوق بأضعاف قيمة ساعة من العمل البسيط.

و المجتمع الاشتراكي إذ يواجه هذه المشكلة، لا يوجد أمامه إلا سبيلان للحل:

أحدهما: أن يحتفظ بمبدإ التوزيع القائل: لكل حسب عمله، فيوزع الناتج على الأفراد بدرجات مختلفة، و بذلك ينشئ الفروق الطبقية مرة أخرى، فيمني المجتمع الاشتراكي بالتركيب الطبقي بأسلوب جديد.

و الآخر: أن يستعير المجتمع الاشتراكي من الرأسمالي طريقته في اقتطاع القيمة‌

231

الفائضة، على رأي ماركس، فيساوي بين جميع الأفراد في الأجور.

و للنظرية و التطبيق اتجاهان مختلفان في حل هذه المشكلة.

فالتطبيق- أو واقع المجتمع الاشتراكي القائم اليوم- يتجه إلى حل المشكلة بسلوك السبيل الأول، الذي يدفع المجتمع إلى التناقضات التطبقية من جديد. و لذلك نجد أن النسبة بين الدخل المنخفض، و الدخل الراقي في روسيا، تبلغ- على ما قيل- 5% و و 5، 1%، تبعا لاختلاف التقديرات. فقد وجد القادة الاشتراكيون: أن من المستحيل عمليا تنفيذ المساواة المطلقة، و النزول بأعمال العلماء و السياسيين و العسكريين إلى مستوى العمل البسيط، لأن ذلك يجمد النمو الفكري، و يعطل الحياة الفنية و العقلية، و يجعل أكثر الأفراد ينصرفون إلى أتفه الأعمال، ما دام الأجر هو الأجر، مهما اختلف العمل و تعقد. و لهذا السبب نشأت الفوارق و التناقضات في ظل التجربة الاشتراكية، و قامت بعد ذلك السلطة الحاكمة بتعميق هذه الفوارق و التناقضات، وفقا لطبيعتها السياسية، فأنشأت طبقة البوليس السري، و ميزت عملها الجاسوسي بامتيازات ضخمة، و سخرتها لتدعيم كياتها الدكتاتوري، و لم يستيقظ المجتمع بعد أن أسفر الصبح، إلا عن نفس الواقع، الذي كانت تمنيه الاشتراكية بالخلاص منه.

و أما اتجاه النظرية في حل المشكلة: فقد جاءت إشارة إلى تجديد هذا الاتجاه في كتاب (ضد دوهرنك)، إذ عرض أنجلز المشكلة، و كتب في الجواب عليها:

«كيف سنحل إذن مسألة دفع أعلى الأجور عن العمل المركب، و هي مسألة هامة برمتها؟ يدفع الأفراد أو عائلاتهم في مجتمع المنتجين الخاصين، تكاليف تدريب العامل الكفوء، لذا فإن الثمن العالي الذي يدفع عن القوة العاملة الكفوءة، ناجم عن الإفراد أنفسهم. فالرقيق الماهر يباع بثمن عال، و كاسب الأجر الماهر تدفع له أجور عالية. أن المجتمع إذ يكون منظما تنظيما اشتراكيا، فإنه هو الذي يتحمل هذه التكاليف. فإليه إذن تعود ثمراتها، و هي القيم العالية التي ينتجها العمل المركب، و لا تكون زيادة الأجور مطلبا من مطالب العامل». (1)

____________

(1) (ضد دوهرنك) ج 2، ص 96.

232

و هذا الحل النظري للمشكلة، الذي يقدمه أنجلز، يفترض: أن القيم العالية، التي يمتاز بها العمل المركب عن العمل البسيط، تعادل تكاليف تدريب العامل الكفوء على العمل المركب. و نظرا إلى أن الفرد في المجتمع الرأسمالي يتحمل بنفسه تكاليف تدريبه، فيستحق تلك القيم التي نجمت عن تدريبه. و أما في المجتمع الاشتراكي، فالدولة هي التي تنفق على تدريبه، فتكون وحدها صاحبة الحق في القيم العالية للعمل المركب، و ليس للعامل الفني حينئذ، أن يطالب بأجر يزيد على أجر العامل البسيط.

و لكن هذا الافتراض يناقض الواقع، فإن القيم العالية التي يحصل عليها العامل السياسي العسكري، في مجتمع المنتجين الخاصين- في المجتمع الرأسمالي- تزيد كثيرا عن تكاليف دراسته للعلوم السياسية و العسكرية، كما مر سابقا.

أضف إلى ذلك أن أنجلز لم يضع معالجته للمشكلة في صيغة دقيقة، تتفق مع الأسس العلمية المزعومة في الاقتصاد الماركسي، فقد غاب عن ذهن أنجلز: أن السلعة التي ينتجها العامل الفني المدرب، لا يدخل في قيمتها- التي يخلقها العامل- ثمن تدريبه و أجور دراسته، و إنما الذي يحدد قيمتها كمية العمل المنفقة على إنتاجها فعلا، مع كمية العمل التي أنفقها العامل خلال الدراسة و التدريب. فمن الممكن أن ينفق العامل عشر سنوات من العمل في التدريب، و يكلفه ذلك ألف دينار، و يكون ثمن التدريب هذا (هو ألف دينار) معبرا عن كمية من العمل المختزن فيه، تقل عن عمل عشر سنوات. فأجرة التدريب- في هذا الفرض- تصبح أقل من القيمة التي ساهم عمل العامل خلال تدريبه في إيجادها، نظير تكاليف تجديد قوة العمل، التي تقل عن القيمة التي يخلقها العمل نفسه، كما تزعم نظرية القيمة الفائضة.

فما يصنع أنجلز إذا أصبحت كمية العمل، الماثلة في تكاليف تدريب العامل، أقل من كمية العمل التي ينفقها العامل خلال التدريب؟! إن الدولة ليس من حقها في هذه الحال- على أساس الاقتصاد الماركسي- أن تقتطف ثمرات التدريب، و تسلب من العامل القيمة التي خلقها بعمله في السلعة خلال التدريب، بوصفها قد دفعت‌

233

أجرة التدريب، لأن القيمة الزائدة التي يتمتع بها منتوج العامل الفني، لا تعبر عن تكاليف تدريبه و أجرة دراسته، بل عن العمل الذي قضاه العامل خلال الدراسة. فإذا زاد هذا العمل على كمية العمل المتمثلة في نفقات التدريب، كان للعامل الحق في زيادة الأجر على إنتاجه الفني.

و شي‌ء آخر فات أنجلز أيضا، و هو: أن تعقيد العمل لا ينشأ دائما من التدريب، بل قد يحصل بسبب مواهب طبيعية في العامل، تجعله ينتج في ساعة من العمل ما لا ينتج اجتماعيا إلا خلال ساعتين. فهو يخلق في الساعة، القيمة التي يخلقها غيره في ساعتين، بسبب من كفاءته الطبيعية، لا من تدريس سابق. فهل يأخذ هذا العامل ضعف ما يأخذه غيره، فيمني المجتمع الاشتراكي بالفوارق و التناقضات، أو يساوي بينه و بين غيره و لا يعطي إلا نصف ما يخلقه من القيمة، فيرتكب المجتمع الاشتراكي بذلك سرقة القيمة الفائضة؟! و هكذا يتلخص: أن الحكومة في المرحلة الاشتراكية الماركسية، لا محيد لها عن أحد أمرين: فإما أن تطبق النظرية، كما يفرضه القانون الماركسي للقيمة، فتوزع على كل فرد حسب عمله، فتخلق بذرة التناقض الطبقي من جديد. و إما أن تنحرف عن النظرية في مجال التطبيق، و تساوي بين العمل البسيط و المركب، و العامل الاعتيادي و الموهوب، فتكون قد اقتطعت من العامل الموهوب القيمة الفائضة، التي يتفوق بها عن العامل البسيط، كما كان يصنع الرأسمالي تماما في حساب المادية التأريخية.

234

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

235

2- الشيوعية

و ننتهي من دراسة المرحلة الاشتراكية، إلى المرحلة النهائية التي يولد فيها المجتمع الشيوعي، و يحشر البشر إلى الفردوس الأرضي الموعود، في نبوءات المادية التأريخية.

و لشيوعية ركنان رئيسيان:

الأول: محو الملكية الخاصة، لا في مجال الإنتاج الرأسمالي فحسب

، بل في مجال الإنتاج بصورة عامة، و في مجال الاستهلاك أيضا. فتؤمم كل وسائل الإنتاج، و كل البضائع الاستهلاكية.

و الثاني: محو السلطة السياسية و تحرير المجتمع من الحكومة بصورة نهائية.

أما محو الملكية الخاصة في كل المجالات: فهو لا يستمد وجوده في المذهب من قانون علمي للقيمة، كما كان تأميم وسائل الإنتاج الرأسمالي يقوم على أساس نظرية القيمة الفائضة و القانون الماركسي للقيمة، و إنما تقوم الفكرة في تعميم التأميم على افتراض: أن المجتمع يبلغ بفضل النظام الاشتراكي درجة عالية من الثروة، كما تنمو القوى المنتجة نموا هائلا، فلا يبقى موقع للملكية الخاصة لبضائع الاستهلاك، فضلا عن ملكية وسائل الإنتاج، لأن كل فرد سوف يحصل في المجتمع الشيوعي على ما يحتاج إليه، و يتوق إلى استهلاكه في أي وقت شاء. فأي حاجة له في الملكية الخاصة؟! و على هذا الأساس، يقوم مبدأ التوزيع في المجتمع الشيوعي، على قاعدة: أن لكل‌

236

حسب حاجته، لا حسب عمله، أي: أن كل فرد يعطى قدر ما يشبع رغبته و يحقق سائر طلباته، لأن الثروة التي يملكها المجتمع قادرة على إشباع كل الرغبات.

و نحن لا نعرف فرضية أكثر إمعانا في الخيال و تجنيحا في آفاقه البعيدة، من هذه الفرضية التي تعتبر: أن كل إنسان في المجتمع الشيوعي قادر على إشباع جميع رغباته و حاجاته إشباعا كليا، كما يشبع حاجاته من الهواء و الماء، فلا تبقى ندرة و لا تزاحم على السلع، و لا حاجة إلى الاختصاص بشي‌ء!! و يبدو من هذا، أن الشيوعية كما تصنع المعجزات في الشخصية الإنسانية، فتحول الناس إلى عمالقة في الإنتاج، بالرغم من انطفاء الدوافع الذاتية و الأنانية في ظل التأميم، كذلك تصنع المعجزة مع الطبيعة نفسها، فتجردها عن الشح و التقتير، و تمنحها روحا كريمة تسخو دائما بكل ما يتطلبه الإنتاج الهائل، من موارد و معادن و انهار!! و من سوء الحظ أن قادة التجربة الماركسية، حاولوا أن يخلقوا الجنة الموعودة على الأرض ففشلوا، و ظلت التجربة تتأرجح بين الاشتراكية و الشيوعية، حتى أعلنت بصراحة عجزها عن تحقيق الشيوعية بالفعل، كما تعجز كل تجربة تحاول اتجاها خياليا يتناقض مع طبيعة الإنسان. فقد اتجهت الثورة الاشتراكية في بادئ الأمر اتجاها شيوعيا خالصا، إذ حاول لينين أن يكون كل شي‌ء شائعا بين المجموع، فانتزع الأرض من أصحابها، و جرد الفلاحين من وسائل إنتاجهم الفردية، فتمرد الفلاحون و أعلنوا أضرابهم عن العمل و الإنتاج، فنشأت المجاعة الهائلة التي زعزعت كيان البلاد، و أرغمت السلطة على العدول عن تصميمها، فردت للفلاح حق التملك، و استعادت البلاد حالتها الطبيعية، إلى أن جاءت سنة (28- 30)، فحدث انقلاب آخر أريد به تحريم الملكية من جديد، فاستأنف الفلاحون ثورتهم و أضرابهم، و أمعنت الحكومة في الناس قتلا و تشريدا، و غصت السجون بالمعتقلين، و بلغت الضحايا- على ما قيل- مائة ألف قتيل، باعتراف التقارير الشيوعية، و أضعاف هذا العدد في تقدير أعدائها.

و راح ضحية المجاعة الناجمة عن الإضراب و القلق سنة (1932)، ستة ملايين نسمة،

237

باعتراف الحكومة نفسها، فاضطرت السلطة إلى التراجع، و قررت منح الفلاح شيئا من الأرض و كوخا و بعض الحيوانات للاستفادة منها، على أن تبقى الملكية الأساسية للدولة، و ينضم الفلاح إلى جمعية الكلخوز الزراعية الاشتراكية، التي تتعهدها الدولة، و تستطيع أن تطرد أي عضو منها متى شاءت.

و أما الركن الثاني للشيوعية (زوال الحكومة):

فهو أطرف ما في الشيوعية من طرائف. و تقوم الفكرة فيه على أساس رأي المادية التأريخية في تفسير الحكومة، القائل: بأن الحكومة وليدة التناقض الطبقي، لأنها الهيئة التي تخلقها الطبقة المالكة لإخضاع الطبقة العاملة لها. ففي ضوء هذا التفسير لا يبقى للحكومة أي مبرر في مجتمع لا طبقي، بعد أن يتخلص من كل آثار الطبقية و بقاياها، و يصبح من الطبيعي أن تتلاشى الحكومة، تبعا لزوال الأساس التاريخي لها.

و من حقنا أن نتساءل عن هذا التحول، الذي ينقل التأريخ من مجتمع الدولة إلى مجتمع متحرر منها، من المرحلة الاشتراكية إلى المرحلة الشيوعية: كيف يتم هذا التحول الاجتماعي؟ و هل يحصل بطريقة ثورية و انقلابية، فينتقل المجتمع من الاشتراكية إلى الشيوعية في لحظة حاسمة، كما انتقل من الرأسمالية إلى الاشتراكية؟! أو أن التحول يحصل بطريقة تدريجية، فتذبل الدولة و تتقلص حتى تضمحل و تتلاشى؟! فإذا كان التحول ثوريا آنيا، و كان القضاء على حكومة البروليتاريا سيتم عن طريق الثورة، فمن هي الطبقة الثائرة التي سيتمّ على يدها هذا التحول؟! و قد علمتنا الماركسية: أن الثورة الاجتماعية على حكومة، إنما تنبثق دائما من الطبقة التي لا تمثلها تلك الحكومة. فلا بد إذن في هذا الضوء، أن يتم التحول الثوري إلى الشيوعية، على أيدي غير الطبقة التي تمثلها الحكومة الاشتراكية- و هي طبقة البروليتاريا-، فهل تريد الماركسية أن تقول لنا: أن الثورة الشيوعية تحصل على أيدي رأسماليين مثلا؟! و إذا كان التحول من الاشتراكية و زوال الحكومة تدريجيا، فهذا يناقض- قبل‌

238

كل شي‌ء- قوانين الديالكتيك التي ترتكز عليها الماركسية. فإن قانون الكمية و الكيفية في الديالكتيك يؤكد: أن التغيرات الكيفية ليست تدريجية، بل تحصل بصورة فجائية، و تحدث بقفزة من حالة إلى أخرى. و على أساس هذا القانون آمنت الماركسية بضرورة الثورة في مطلع كل مرحلة تأريخية، بوصفها تحولا آنيا. فكيف بطل هذا القانون عند تحول المجتمع من الاشتراكية إلى الشيوعية؟! و التحول التدريجي السلمي من المرحلة الاشتراكية إلى الشيوعية، كما يناقض قوانين الديالكتيك، كذلك يناقض طبيعة الأشياء، إذ كيف يمكن أن نتصور: أن الحكومة في المجتمع الاشتراكي، تتنازل في التدريج عن السلطة و تقلص ظلها، حتى تقضي بنفسها على نفسها، بينما كانت كل حكومة أخرى على وجه الأرض تتمسك بمركزها، و تدافع عن وجودها السياسي إلى آخر لحظة من حياتها؟! فهل هناك أغرب من هذا التقليص التدريجي، الذي تتبرع بتحقيقه الحكومة نفسها، فتسخو بحياتها في سبيل تطوير المجتمع؟! بل هل هناك ما هو أبعد من هذا عن طبيعة المرحلة الاشتراكية، و التجربة الواقعية التي تجسدها اليوم في العالم؟! فقد عرفنا:

أن من ضرورات المرحلة الاشتراكية قيام حكومة دكتاتورية مطلقة السلطان، فكيف تصبح هذه الدكتاتورية المطلقة مقدمة لتلاشي الحكومة و اضمحلالها نهائيا؟! و كيف يمهد استفحال السلطة و استبدادها، إلى زوالها و اختفائها؟!! و أخيرا: فلنجنح مع الماركسية في أخيلتها، و لنقترض: أن المعجزة قد تحققت، و أن المجتمع الشيوعي قد وجد، و أصبح كل شخص يعمل حسب طاقته و يأخذ حسب حاجته، أفلا يحتاج المجتمع إلى سلطة تحدد هذه الحاجة، و توفق بين الحاجات المتناقضة، فيما إذا تزاحمت على سلعة واحدة، و تنظم العمل و توزعه على فروع الإنتاج؟!

239

مع الرأسمالية

1- الرأسمالية المذهبية في خطوطها الرئيسية 2- الرأسمالية المذهبية ليست نتاجا للقوانين العلمية 3 القوانين العلمية في الاقتصاد الرأسمالي ذات إطار مذهبي 4- دراسة الرأسمالية المذهبية في أفكارها و قيمها الأساسية‌

240

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

241

كما يقسم الاقتصاد الماركسي إلى علم و مذهب، كذلك ينقسم الاقتصاد الرأسمالي إلى هذين القسمين. ففيه: الجانب العلمي، الذي تحاول الرأسمالية فيه أن تفسر مجرى الحياة الاقتصادية و أحداثها تفسيرا موضوعيا، قائماً على أساس الاستقراء و التحليل.

و فيه أيضا: الجانب المذهبي، الذي تدعو الرأسمالية إلى تطبيقه و تتبنى الدعوة إليه.

و قد اختلط هذان الجانبان أو الوجهان للاقتصاد الرأسمالي، في كثير من البحوث و الأفكار، مع أنهما و جهان مختلفان، و لكل منهما طبيعته الخاصة و أسسه و مقاييسه.

فإذا حاولنا أن نسبغ على أحد الوجهين الطابع المميز للآخر، فنعتبر القوانين العلمية مذهبا خالصا، أو نضفي الطابع العلمي على المذهب، فسوف نقع في خطإ كبير، كما سنرى.

و الرأسمالية و إن اتفقت مع الماركسية، في تشعبها إلى جانب علمي و جانب مذهبي، و لكن العلاقة بين علم الاقتصاد الرأسمالي، و المذهب الرأسمالي في الاقتصاد، تختلف اختلافا جوهريا عن العلاقة بين الجانب العلمي من الماركسية، و الجانب المذهبي منها، أي: بين المادية التأريخية من ناحية، و الاشتراكية و الشيوعية من ناحية أخرى. و هذا الاختلاف هو الذي سيجعل طريقة بحثنا مع الرأسمالية، تختلف عن طريقة دراستنا للماركسية، كما يتضح خلال هذا الفصل (مع الرأسمالية).

و سوف نستعرض فيما يلي، الاقتصاد الرأسمالي في خطوطه الرئيسية، و نعالج بعد ذلك علاقة المذهب الرأسمالي بالجانب العلمي من الرأسمالية، و ندرس أخيرا الرأسمالية في ضوء أفكارها المذهبيّة التي ترتكز عليها.

242

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

243

1- الرأسماليّة المذهبيّة في خطوطها الرئيسيّة:

يرتكز المذهب الرأسمالي على أركان رئيسية ثلاثة، يتألف منها كيانه العضوي الخاص، الذي يميزه عن الكيانات المذهبية الأخرى. و هذه الأركان هي:

أولا: الأخذ بمبدإ الملكية الخاصة بشكل غير محدود. فبينما كانت القاعدة العامة في المذهب الماركسي، هي: الملكية الاشتراكية التي لا يجوز الخروج عنها إلا بصورة استثنائية، تنعكس المسألة في المذهب الرأسمالي تماما. فالملكية الخاصة في هذا المذهب، هي القاعدة العامة التي تمتد إلى كل المجالات و ميادين الثروة المتنوعة، و لا يمكن الخروج عنها إلا بحكم ظروف استثنائية، تضطر أحيانا إلى تأميم هذا المشروع أو ذاك، و جعله ملكا للدولة. فما لم تبرهن التجربة الاجتماعية على ضرورة تأميم أي مشروع، تبقى الملكية الخاصة هي القاعدة النافذة المفعول.

و على هذا الأساس تؤمن الرأسمالية بحرية التملك، و تسمح للملكية الخاصة بغزو جميع عناصر الإنتاج، من الأرض و الآلات و المباني و المعادن، و غير ذلك من ألوان الثروة، و يتكفل القانون في المجتمع الرأسمالي بحماية الملكية الخاصة، و تمكين المالك من الاحتفاظ بها.

ثانيا: فسح المجال أمام كل فرد، لاستغلال ملكيته و إمكاناته، على الوجه الذي يروق له، و السماح له بتنمية ثروته بمختلف الوسائل و الأساليب التي يتمكن منها. فإن كان يمتلك أرضا زراعية مثلا، فله أن يستغلها بنفسه في أي وجه من وجوه‌

244

الاستغلال، و له أن يؤجرها للغير، و أن يفرض على الغير شروطه التي تهمة، كماله أن يترك الأرض دون استغلال.

و تستهدف هذه الحرية الرأسمالية التي يمنحها المذهب الرأسمالي للمالك: أن تجعل الفرد هو العامل الوحيد في الحركة الاقتصادية، إذ ما من أحد أعرف منه بمنافعه الحقيقية، و لا أقدر منه على اكتسابها. و لا يتأتى للفرد أن يصبح كذلك، ما لم يزود بالحرية في مجال استغلال المال و تهيئته، و يستبعد من طريقه التدخل الخارجي من جانب الدولة و غيرها. فبذلك يصبح لكل فرد الفرصة الكافية، لاختيار نوع الاستغلال الذي يستغل به ماله، و المهنة التي يتخذها، و الأساليب التي يتبعها لتحقيق أكبر مقدار ممكن من الثروة.

و ثالثا: ضمان حرية الاستهلاك، كما تضمن حرية الاستغلال. فلكل شخص الحرية في الإنفاق من ماله كما يشاء، على حاجاته و رغباته، و هو الذي يختار نوع السلع التي يستهلكها، و لا يمنع عن ذلك قيام الدولة أحيانا بتحريم استهلاك بعض السلع، لاعتبارات تتعلق بالمصلحة العامة، كاستهلاك المخدرات.

فهذه هي المعالم الرئيسية في المذهب الرأسمالي التي يمكن تلخيصها في حريات ثلاث: حرية التملك، و الاستغلال، و الاستهلاك.

و يظهر منذ النظرة الأولى: التناقض الصارخ بين المذهب الرأسمالي و المذهب الماركسي، الذي يضع الملكية الاشتراكية مبدءا بدلا عن الملكية الفردية، و يقضي على الحريات الرأسمالية التي ترتكز على أساس الملكية الخاصة، و يستبدلها بسيطرة الدولة على جميع مرافق الحياة الاقتصادية.

و من القول الشائع: أن اختلاف المذهبين الرأسمالي و الماركسي في معالمهما، يعكس اختلافهما في طبيعة نظرتهما إلى الفرد و المجتمع، لأن المذهب الرأسمالي مذهب فردي، يقدس الدوافع الذاتية، و يعبتر الفرد هو المحور الذي يجب على المذهب أن يعمل لحسابه، و يضمن مصالحه الخاصة. و أما المذهب الماركسي فهو مذهب جماعي، يرفض الدوافع الذاتية و الأنانية، و يفني الفرد في المجتمع، و يتخذ المجتمع‌

245

محورا له. و هو لأجل هذا لا يعترف بالحريات الفردية، بل يهدرها في سبيل القضية الأساسية، قضية المجتمع بكامله.

و الواقع: أن كلا المذهبين يرتكز على نظرة فردية، و يعتمد على الدوافع الذاتية و الأنانية. فالرأسمالية تحترم في الفرد السعيد الحظ أنانيته، فتضمن له حرية الاستغلال و النشاط في مختلف الميادين، مستهترة بما سوف يصيب الآخرين من حيف و ظلم، نتيجة لتلك الحرية التي أطلقتها لذلك الفرد، ما دام الآخرون يتمتعون بالحرية مبدئيا، كما يتمتع بها الفرد المستغل. و بينما توفر الرأسمالية للمحظوظين إشباع دوافعهم الذاتية، و تنمي نزعتهم الفردية، تتجه الماركسية إلى غيرهم من الأفراد الذين لم تتهيأ لهم تلك الفرص، فتركز دعوتها المذهبية على أساس إثارة الدوافع الذاتية و الأنانية فيهم، و التأكيد على ضرورة إشباعها، و تسعى بمختلف الأساليب إلى تنمية هذه الدوافع، بوصفها القوة التي يستخدمها التأريخ في تطوير نفسه، حتى تتمكن من تفجيرها تفجيرا ثوريا، و تشرح لأولئك الذين تتصل بهم: أن الآخرين يسرقون جهودهم و ثروتهم، فلا يمكن لهم أن يقروا هذه السرقة بحال، لأنها اعتداء صارخ على كيانهم الخاص.

و هكذا نجد أن الوقود الذي يعتمد عليه المذهب الماركسي، هو نفس الدوافع الذاتية و الفردية التي تتبناها الرأسمالية. فكل من المذهبين يتبنى إشباع الدوافع الذاتية و ينميها، و إنما يختلفان في نوع الأفراد، الذين تتجاوب دوافعهم الذاتية و الأنانية مع هذا المذهب أو ذاك.

و أما المذهب الجدير بصفة المذهب الجماعي، فهو المذهب الذي يعتمد على وقود من نوع آخر، على قوى غير الأنانية و الدوافع الذاتية.

إن المذهب الجماعي هو: المذهب الذي يربي في كل فرد شعورا عميقا بالمسؤولية تجاه المجتمع و مصالحه، و يفرض عليه لذلك أن يتنازل عن شي‌ء من ثمار أعماله و جهوده و أمواله الخاصة، في سبيل المجتمع و في سبيل الآخرين، لا لأنه سرق الآخرين و قد ثاروا عليه لاسترداد حقوقهم الخاصة، بل لأنه يحس بأن ذلك جزء من واجبه،

246

و تعبير عن القيم التي يؤمن بها.

إن المذهب الجماعي هو: المذهب الذي يحفظ حقوق الآخرين و سعادتهم، لا بإثارة دوافعهم الذاتية، بل بإثارة الدوافع الجماعية في الجميع، و تفجير منابع الخير في نفوسهم. و سوف نرى في بحوث مقبلة، ما هو هذا المذهب؟

247

2- الرأسمالية المذهبية ليست نتاجا للقوانين العلمية

في فجر التأريخ العلمي للاقتصاد، حين كان يضع أقطاب الاقتصاد الطبيعي الكلاسيكي بذور هذا العلم و بنياته الأولية، سادت الفكر الاقتصادي يومذاك فكرتان:

إحداهما: أن الحياة الاقتصادية تسير وفقا لقوي طبيعية محددة، تتحكم في كل الكيان الاقتصادي للمجتمع، كما تسير شتى مناحي الكون طبقا لقوي الطبيعة المتنوعة. و الواجب العلمي تجاه تلك القوى التي تسيطر على الحياة الاقتصادية، هو:

استكشاف قوانينها العامة و قواعدها الأساسية، التي تصلح لتفسير مختلف الظواهر و الأحداث الاقتصادية.

و الفكرة الأخرى هي: أن تلك القوانين الطبيعية، التي يجب على علم الاقتصاد استكشافها، كفيلة بضمان السعادة البشرية إذا عملت في جوّ حرّ. و أتيح لجميع أفراد المجتمع التمتع بالحريات الرأسمالية (حريات التملك، و الاستغلال، و الاستهلاك).

و قد وضعت الفكرة الأولى البذرة العلمية للاقتصاد الرأسمالي، و وضعت الفكرة الثانية بذرته المذهبية، غير أن الفكرتين أو البذرتين ارتبطتا في بادئ الأمر ارتباطا وثيقا، حتى خيل للمفكرين الاقتصاديين يومئذ: أن تقييد حرية الأفراد و التدخل في الشؤون الاقتصادية من الدولة، يعني الوقوف في وجه الطبيعة و قوانينها، التي كفلت للإنسانية رخاءها و حل جميع مشاكلها.، فكل محاولة لإهدار شي‌ء من الحريات‌

248

الرأسمالية، تعتبر جريمة في حق القوانين الطبيعية العادلة. و هكذا انتهى بهم هذا، [إلى] القول: بأن تلك القوانين الخيرة تفرض بنفسها المذهب الرأسمالي، و تحتم على المجتمع ضمان الحريات الرأسمالية.

غير أن هذا اللون من التفكير يبدو الآن مضحكا و طفوليا إلى حد كبير، لأن الخروج على قانون طبيعي علمي لا يعني: أن هناك جريمة ارتكبت في حق هذا القانون، و إنما يبرهن على خطأ القانون نفسه، و ينزع عنه وصفه العلمي الموضوعي، لأن القوانين الطبيعية لا تتخلف في ظل الشروط و الظروف اللازمة لها، و إنما قد تتغير الشروط و الظروف، فمن الخطأ أن تعتبر الحريات الرأسمالية، تعبيرا عن قوانين طبيعية، و تعتبر مخالفتها جريمة في حق تلك القوانين. فقوانين الاقتصاد الطبيعية تعمل و لا تكف عن العمل، في جميع الأحوال و مهما اختلفت درجة الحرية، التي يتمتع بها الأفراد في حقول التملك و الاستغلال و الاستهلاك. و إنما قد يحدث أن يختلف مفعول تلك القوانين، تبعا لاختلاف الشروط و الظروف التي تعمل في ظلها، كما تختلف قوانين الفيزياء في آثارها و نتائجها، طبقا لاختلاف شروطها و ظروفها.

فيجب إذن أن تدرس الحريات الرأسمالية، لا بوصفها ضرورات علمية تحتمها القوانين الطبيعية- من وجهة رأي الرأسماليين- حتى تكتسب بذلك الطابع العلمي، و إنما تدرس على أساس مدى ما تتيح للإنسان من سعادة و كرامة، و للمجتمع من قيم و مثل. و هذا هو الأساس الذي اتبعه بعد ذلك علماء الاقتصاد الرأسمالي، في دراسة الرأسمالية المذهبية.

و في ضوء ذلك نستطيع أن نفهم الفرق الجوهري- الذي ألمعنا إليه في مستهل هذا الفصل- بين الماركسية و الرأسمالية، إذ تختلف العلاقة بين الجانب العلم و الجانب المذهبي من الماركسية اختلافا أساسيا، عن العلاقة بين الاقتصاد العلمي و الاقتصاد المذهبي للرأسمالية. فإن الماركسية المذهبية التي تتمثل في الاشتراكية و الشيوعية تعتبر نتيجة حتمية لقوانين المادية التأريخية، التي تعبر عن القوانين الطبيعية للتأريخ من وجهة رأي الماركسية. فإذا كانت المادية التأريخية على صواب في تفسير‌

249

التأريخ، فهي تبرهن على الجانب المذهبي من الماركسية. و لذلك يعتبر درس الجانب العلمي من الماركسية، أساسا لدرس الجانب المذهبي منها، و شرطا ضروريا للحكم في صالح المذهب الماركسي أو ضده. و لا يمكن لباحث مذهبي أن ينقد الاشتراكية و الشيوعية، بصورة مستقلة عن أساسها العلمي، عن المادية التأريخية.

أما الرأسمالية المذهبية، فليست هي نتيجة لعلم الاقتصاد الذي شاده الرأسماليون، و لا يرتبط مصيرها بمدي نجاح الجانب العلمي للرأسمالية في تفسير الواقع الموضوعي، و إنما ترتكز الرأسمالية المذهبية، على قيم و أفكار خلقية و عملية معينة، يجب أن تعتبر هي المقياس للحكم في حق المذهب الرأسمالي.

و هكذا يتضح أن موقفنا- بوصفنا نؤمن بمذهب اقتصادي يتميز عن الرأسمالية و الماركسية- تجاه الماركسية، يختلف عن موقفنا من الرأسمالية. فنحن تجاه الماركسية أمام مذهب اقتصادي، يزعم: أنه يرتكز على قوانين علم التأريخ (المادية التأريخية).

فمن الضروري لنقد هذا المذهب، أن نتناول تلك القوانين العلمية المزعومة، بالدرس و التمحيص. و لأجل ذلك عرضنا المادية التأريخية، بمفاهيمها و مراحلها، تمهيدا إلى إصدار الحكم في حق المذهب الماركسي نفسه. و أما بالنسبة إلى موقفنا تجاه الرأسمالية المذهبية، أي: الحريات الرأسمالية، فنحن نواجه مذهبا لا يستمد كيانه من القوانين العلمية، ليكون المنهج الضروري لدراسته هو بحث تلك القوانين و تدقيقها، و إنما نواجه مذهبا يستمد كيانه من تقديرات خلقية و عملية معينة. و لهذا فسوف لن نتحدث عن الجانب العلمي من الرأسمالية، إلا بالقدر الذي يوضح: أن الجانب المذهبي ليس نتيجة حتمية له، و لا يحمل طابعه العلمي، ثم ندرس المذهب الرأسمالي في ضوء الأفكار العملية و القيم الخلقية التي يرتكز عليها، لأن بحوث هذا الكتاب تحمل كلها الطابع المذهبي، و لا تتسع للجوانب العلمية إلا بمقدار ما يتطلبه الموقف المذهبي.

و دراسة المذهب الرأسمالي على هذا الأساس، و إن كانت تتوقف أيضا على شي‌ء من البحث العلمي، غير أن دور البحث العلمي في هذه الدراسة، يختلف كل‌

250

الاختلاف عن دوره في دراسة المذهب الماركسي. فإن البحث العلمي في قوانين المادية التأريخية، كان وحده هو الذي يستطيع أن يصدر الحكم النهائي في حق الماركسية المذهبية، كما سبق. و أما البحث العلمي في مجال نقد الرأسمالية المذهبية، فليس هو المرجع الأعلى للحكم في حقها، لأنها لا تدّعي لنفسها طابعا علميا.

و إنما يستعان بالبحث العلمي، لتكوين فكره كاملة عن النتائج الواقعية (الموضوعية)، التي تتمخض عنها الرأسمالية على الصعيد الاجتماعي، و نوعية الاتجاهات التي تتجهها قوانين الحركة الاقتصادية في ظل الرأسمالية، لكي تقاس تلك النتائج و الاتجاهات، التي يسفر عنها تطبيق المذهب، بالمقاييس الخلقية و الأفكار العملية التي يؤمن بها الباحث. فوظيفة البحث العلمي في دراسة المذهب الرأسمالي، إعطاء صورة كاملة عن واقع المجتمع الرأسمالي، لنقيس تلك الصورة بالمقاييس العملية الخاصة، و ليست وظيفته تقديم البرهان على حتمية المذهب الرأسمالية أو خطأه.

فكم يخطئ الباحث- على هذا الأساس الذي قدمناه- إذا تلقى المذهب الرأسمالي من العلماء الرأسماليين، بوصفه حقيقة علمية، أو جزءا من علم الاقتصاد السياسي، و لم يميز بين الصفة العلمية و الصفة المذهبية لأولئك الاقتصاديين. فيخيل له مثلا، حين يحكم هؤلاء: بأن توفير الحريات الرأسمالية خير و سعادة للجميع،: أن هذا رأي علمي أو قائم على أساس علمي كالقانون الاقتصادي القائل مثلا: إذا زاد العرض انخفض الثمن. مع أن هذا القانون تفسير علمي لحركة الثمن كما توجد في السوق، و أما الحكم السابق بشأن الحريات الرأسمالية، فهو حكم مذهبي يصدره أنصاره بوصفهم المذهبي، و يستمدونه من القيم و الأفكار الخلقية و العلمية التي يؤمنون بها. فلا تعني صحة ذلك القانون العلمي أو غيره من القوانين العلمية: أن يكون هذا الحكم المذهبي صحيحا. و إنما يتوقف هذا الحكم، على صحة القيم و الأفكار التي أقيم على أساسها.

251

3- القوانين العلميّة في الاقتصاد الرأسمالي ذات إطار مذهبي

عرفنا فيما سبق: أن المذهب الرأسمالي ليس له طابع علمي، و لا يستمد مبرراته و وجوده من القوانين العلمية في الاقتصاد. و نريد هنا أن نصل إلى نقطة أعمق في تحليل العلاقة، بين الجانب المذهبي و الجانب العلمي من الرأسمالية، لنرى: كيف أن المذهب الرأسمالي يحدد إطار القوانين العلمية في الاقتصاد الرأسمالي، و يؤثر عليها في اتجاهها و مجراها؟ و معنى هذا أن القوانين العلمية في الاقتصاد الرأسمالي، قوانين علمية في إطار مذهبي خاص، و ليست قوانين مطلقة تنطبق على كل مجتمع و في كل زمان و مكان، كالقوانين الطبيعية في الفيزياء و الكيمياء. و إنما يعتبر كثير من تلك القوانين حقائق موضوعية، في الظروف الاجتماعية التي تسيطر عليها الرأسمالية، بجوانبها الاقتصادية و أفكارها و مفاهيمها، فلا تنطبق على مجتمع لا تسيطر عليه الرأسمالية و لا تسوده أفكارها.

و لكي يتضح هذا، يجب أن نلقي ضوءا على طبيعة القوانين الاقتصادية التي يدرسها الاقتصاد الرأسمالي، لكي نعرف: كيف و إلى أي درجة يمكن الاعترافات لها بصفة القانون العلمي.

إن القوانين العلمية للاقتصاد تنقسم إلى فئتين:

إحداهما: القوانين الطبيعية التي تنبثق ضرورتها من الطبيعة نفسها- لا من‌

252

الإرادة الإنسانية- كقانون التحديد الكلي القائل: إن كل إنتاج كان يتوقف على الأرض و ما تشتمل عليه من مواد أولية، محدود طبقا للكمية المحدودة للأرض و موادها الأولية، أو قانون الغلة المتزايدة، القائل: إن كل زيادة في الإنتاج تعوض على المنتج تعويضا أكبر نسبيا مما زاده في الإنفاق، حتى تبلغ الزيادة إلى درجة خاصة، فتخضع عندئذ لقانون معاكس، و هو: قانون الغلة المتناقصة، الذي ينص على: أن زيادة الغلة تبدأ بالتناقص النسبي عند درجة معينة.

و هذه القوانين لا تختلف في طبيعتها و جانبها الموضوعي، عن سائر القوانين الكونية التي تكشف عنها العلوم الطبيعية، و لذلك فهي لا تحمل شيئا من الطابع المذهبي، و لا تتوقف على ظروف اجتماعية أو فكرية معينة، بل لا تختلف في شأنها أبعاد الزمان و المكان، ما دامت الطبيعة التي يتعلق بها الإنتاج، هي الطبيعة في كل زمان و مكان.

و الفئة الأخرى من القوانين العلمية للاقتصاد السياسي، تحتوي على: قوانين للحياة الاقتصادية ذات صلة لإرادة الإنسان نفسه، نظرا إلى أن الحياة الاقتصادية ليست إلا مظهرا من مظاهر الحياة الإنسانية العامة، التي تلعب فيها الإرادة دورا إيجابيا فعالا، في مختلف شعبها و مناحيها. فقانون العرض و الطلب مثلا- القائل: إن الطلب على سلعة إذا زاد، و لم يكن في المقدور زيادة الكميات المعروضة استجابة للزيادة في الطلب، فإن ثمن السلعة لا بد و أن يرتفع- ليس قانونا موضوعيا، يعمل بصورة منفصلة عن وعي الإنسان، كما تعمل قوانين الفيزياء و الفلك، و كما تعمل القوانين الطبيعية في الإنتاج التي عرضناها في ألفية الأولى، و إنما يمثل قانون العرض و الطلب، ظواهر الحياة الواعية للإنسان. فهو يوضح: أن المشتري سيقدم- في الحالة التي ينص عليها القانون الآنف الذكر- على شراء السلعة بثمن أكبر من ثمنها في حالة مساواة الطلب للعرض، و أن البائع سيمتنع في تلك الحالة عن البيع إلا بذلك الثمن.

و تدخّل الإرادة الإنسانية في مجرى الحياة الاقتصادية، لا يعني إبعاد الحياة الاقتصادية عن مجال القوانين العلمية، و استحالة البحث العلمي فيها، كما ذهب إلى ذلك و هم بعض المفكرين، في بداية ولادة الاقتصاد السياسي، إذ اعتقدوا: أن طابع الحتمية‌

253

و الضرورة للقوانين العلمية، يتنافى مع طبيعة الحرية التي تعكسها الإرادة الإنسانية. فإذا أخضعت الحياة الإنسانية لقوانين علمية صارمة، كان ذلك مناقضا لما يتمتع به الإنسان في حياته من حرية و انطلاق، إذ يصبح لدى خضوعه لتلك القوانين آلة جامدة تسير و تتكيف ميكانيكيا، طبقا للقوانين الطبيعية التي تتحكم في مجرى حياته الاقتصادية.

و هذا الوهم يرتكز على مفهوم خاطئ عن الحرية الإنسانية، و إدراك معكوس للعلاقة بين الحرية و الإرادة، و بين تلك القوانين. فإن وجود قوانين طبيعية لحياة الإنسان الاقتصادية، لا يعني: أن الإنسان يفقد حريته و إرادته، و إنما هي قوانين للإرادة البشرية، تفسر: كيف يستعمل الإنسان حريته في المجال الاقتصادي؟ فلا يمكن أن تعتبر إلغاء لإرادة الإنسان و حريته.

و لكن هذه القوانين الاقتصادية، تختلف عن القوانين العلمية في مناحي الكون الأخرى في نقطة، و هي: أن هذه القوانين نظرا إلى علاقتها بإرادة الإنسان، تتأثر بكل المؤثرات التي تطرأ على الوعي الإنساني، و بكل العوامل التي تتدخل في إرادة الإنسان و ميوله. و بدهي أن إرادة الإنسان التي تعالجها تلك القوانين، تتحدد و تتكيف وفقا لأفكار الإنسان و مفاهيمه، و لنوعية المذهب السائد في المجتمع، و لون التشريعات التي تقيد سلوك الأفراد. فهذه العوامل هي التي تملي على الإنسان إرادته و موقفه العملي. و حين تتغير تلك العوامل، يختلف اتجاه الإنسان و إرادته، و بالتالي تختلف القوانين العلمية العامة التي تفسر مجرى الحياة الاقتصادية. فلا يمكن في كثير من الأحيان، إعطاء قانون عام للإنسانية في الحياة الاقتصادية، بمختلف إطاراتها الفكرية و المذهبية و الروحية.

و ليس من الصحيح علميا أن نترقب من الإرادة الإنسانية، في مجرى الحياة الاقتصادية، أن تسير و تنشط- دائما و في كل مجتمع- كما تسير و تنشط في المجتمع الرأسمالي، الذي درسه الاقتصاديون الرأسماليون، و وضعوا قوانين الاقتصاد السياسي في ضوئه، ما دامت المجتمعات قد تختلف في إطاراتها الفكرية و المذهبية و الروحية. بل يجب أن تؤخذ هذه الإطارات كمدلولات ثابتة في مجال البحث العلمي. و من الطبيعي أن‌

254

تتكشف نتائج البحث حينئذ، عن القوانين الجارية ضمن تلك الإطارات خاصة.

و على سبيل المثال نذكر القاعدة الرئيسية، التي وضع في ضوئها كثير من قوانين الاقتصاد الكلاسيكي، و هي: القاعدة التي تجرد من الإنسان الاجتماعي المحسوس، إنسانا اقتصاديا، يؤمن بالمصلحة الشخصية كهدف أعلى له، في كل ميادين النشاط الاقتصادي. فقد افترض الاقتصاديون- منذ البدء-: أن كل فرد في المجتمع يستوحي اتجاهه العملي في نشاطه الاقتصادي، من مصلحته المادية الخاصة دائما، و أخذوا يستكشفون القوانين العلمية التي تتحكم في مثل هذا المجتمع. و قد كان افتراضهم هذا على نصيب كبير من الواقع، بالنسبة إلى المجتمع الرأسمالي الأوروبي، و طابعه الفكري و الروحي، و مقاييسه الخلقية و العملية. غير أن من الممكن أن يحدث تحول أساسي في القوانين الاقتصادية لحياة المجتمع، بمجرد تغيير هذا الأساس، و مواجهة مجتمع يختلف عن المجتمع الرأسمالي، في القاعدة العامة لسلوك أفراده، و في الأفكار و القيم التي يؤمنون بها. و ليس هذا افتراضا نفترضه، و إنما هو واقع نتحدث عنه. فإن المجتمعات تختلف في العوامل التي تحدد لها دوافع السلوك، و القيم العملية في الحياة.

و لنأخذ مثلا لذلك، المجتمع الرأسمالي، و المجتمع الذي دعا إليه الإسلام، و تمكن من إخراجه إلى حيز الوجود. فقد عاش في ظل الإسلام مجتمع بشري من لحم و دم، تختلف القاعدة العامة لسلوكه و مقاييسه العملية، و محتوياته الروحية و الفكرية، عن المجتمع الرأسمالي كل الاختلاف. فإن الإسلام- بوصفه دينا و مذهبا خاصا في الحياة- و إن كان لا يعالج أحداث الاقتصاد معالجة علمية، و لكنه يؤثر على هذه الأحداث و مجراها الاجتماعي تأثيرا كبيرا، بوصفه يعالج محور تلك الأحداث، و هو الإنسان في مفاهيمه عن الحياة و دوافعه و غاياته، فيصهره في قالبه الخاص، و يصوغه في إطارة الروحي و الفكري. و بالرغم من أن التجربة التي خاضها الإسلام في سبيل إيجاد هذا المجتمع كانت قصيرة، فقد أسفرت عن أروع النتائج التي شهدتها حياة الإنسان، و برهنت على إمكان التحليق بالإنسان إلى آفاق، لم يستطع أن يتطلع إليها أفراد المجتمع الرأسمالي، الغارقون في ضرورات المادة و مفاهيمها إلى‌

255

رءوسهم. و في النزر اليسير مما يحدثنا به التأريخ عن نتائج التجربة الإسلامية و روائعها، ما يلقي ضوءا على إمكانات الخير المكتنزة في نفس الإنسان، و يكشف عن الطاقة الرسالية في الإسلام، التي استطاع بها أن يجند تلك الإمكانات، و يستثمر لصالح القضية الإنسانية الكبرى. فقد ورد في تأريخ تلك التجربة الذهبية: أن جماعة من غير ذوي اليسار و الثروة، جاءوا إلى رسول اللّه (ص) قائلين: يا رسول اللّه، ذهب الأغنياء بالأجور، يصلون كما نصلي، و يصومون كما نصوم، و يتصدقون بفضول أموالهم. فأجاب النبي قائلًا: «أو ليس قد جعل اللّه لكم ما تصدقون به؟! إن لكم بكل تسبيحة صدقة، و بكل تكبيرة صدقة، و أمر بالمعروف صدقة، و نهي عن المنكر صدقة». فهؤلاء المسلمون الذين احتجوا بين يدي الرسول (ص) على واقعهم، لم يكونوا يريدون الثروة، بوصفها أداة من أدوات المنعة و القوة، أو ضمانا لإشباع الرغبات الشخصية، و إنما عز عليهم أن يسبقهم الأغنياء في المقاييس المعنوية، بألوان البر و الإحسان، و بالمساهمة في المصالح العامة على الصعيد الاجتماعي. و هذا يعكس مفهوم الثروة و طبيعة الإنسان المسلم، في ظل تجربة إسلامية كاملة للحياة.

و جاء في وصف الإجارات و التجارات في المجتمع الإسلامي، ما حدث به الشاطبي، إذ كتب يقول:

«نجدهم في الإجارات و التجارات، لا يأخذون إلا بأقل ما يكون من الربح أو الأجرة، حتى يكون ما حاول أحدهم من ذلك كسبا لغيره لا له. و لذلك بالغوا في النصيحة فوق ما يلزمهم، كأنهم وكلاء للناس لا لأنفسهم. بل كانوا يرون المحاباة لأنفسهم- و إن جازت- كالغش لغيرهم».

و تحدث محمد بن زياد عن شي‌ء من مظاهر التعاون و التكافل في المجتمع الإسلامي، فقال:

«ربما نزل على بعضهم الضيف، و قدر أحدهم على النار، فيأخذ صاحب الضيف لضيفه، فيفقد القدر صاحبها، فيقول: من أخذ القدر؟ فيقول صاحب الضيف: نحن أخذناها لضيفنا. فيقول صاحب القدر: بارك اللّه لكم فيها!»‌

256

و هكذا ندرك الدور الإيجابي الفعال للإسلام، في تغيير مجري الحياة الاقتصادية و قوانينها الطبيعية، بتغيير الإنسان نفسه، و خلق شروط روحية و فكرية جديدة له.

و كذلك نعرف مدى الخطأ في إخضاع مجتمع، يتمتع بهذه الخصائص و المقومات، لنفس القوانين التي يخضع لها مجتمع رأسمالي، زاخر بالأنانية و المفاهيم المادية.

و يمكننا أن نأخذ على سبيل المثال أيضا، قوانين توزيع الدخل و قوانين العرض و الطلب. فقوانين توزيع الدخل في الاقتصاد الرأسمالي، كما يشرحها ريكاردو و غيره من الأقطاب الكلاسيكيين، تقضي: بتخصيص جزء منه أجرا للعامل، يحدد وفقا لقيمة المواد الغذائية، القادرة على إعاشة العامل و الاحتفاظ بقواه، و يقسم الباقي على شكل ربح و فائدة و ريع. و قد استخلص الاقتصاد الرأسمالي من ذلك: أن للأجور قانونا حديديا، لا يمكن بموجبه أن تزيد و تنقص، و إن زادت أو انخفضت كمية النقد، التي يتسلم بها العامل أجره، تبعا لارتفاع قيمة المواد الغذائية و هبوطها.

و يتلخص هذا القانون الحديدي في: أن العمال إذا ازدادت أجورهم لسبب ما، فسوف تتحسن حالتهم المعيشية، و يقدمون بصورة أكثر على الزواج و التناسل، فتكثر الأيدي العاملة، و يتضاعف العرض، و تنخفض الأجور إلى الحد الطبيعي. و إذا حدث العكس، فهبط الأجر عن مستواه الطبيعي، أدى ذلك إلى انتشار البؤس و المرض في صفوف العمال، فيقل عددهم و تنخفض كمية العرض، فترتفع الأجور.

يتقدم إلينا بهذا، الاقتصاديون الكلاسيكيون، بوصفه تفسيرا علميا للواقع، و قانونا طبيعيا للحياة الاقتصادية، و هو في الحقيقة لا ينطبق إلا ضمن حدود خاصة، و في مجتمعات رأسمالية لا يوجد فيها ضمان اجتماعي عام، و يعتمد التسعير فيها على جهاز السوق. و أما في مجتمع يسود فيه مبدأ الضمان العام لمستوي كريم من المعيشة، كالمجتمع الإسلامي، أو في مجتمع يلغى فيه جهاز السوق، و يجرد عن وظيفته في تحديد الأسعار، تبعا لنسبة العرض إلى الطلب، كالمجتمع الاشتراكي، فلا تتحكم فيه تلك القوانين، بالشكل الذي تعمل به في المجتمع الرأسمالي.

و هكذا يتضح: أن الهيكل العلمي العام للاقتصاد الرأسمالي، ذو إطار مذهبي خاص، و ليس له قدسية القوانين العلمية المطلقة.

257

4- دراسة الرأسماليّة المذهبيّة في أفكارها و قيمها الأساسيّة

إن المقومات الأساسية للمذهب الرأسمالي التي استعرضناها سابقا تدل على أن حجر الزاوية في المذهب، هو: حرية الإنسان في الحقل الاقتصادي بمختلف مجالاته، من تملك و استغلال و استهلاك. فالحرية بأشكالها المتنوعة هي الأساس الذي تنبثق منه كل الحقوق و القيم المذهبية، التي تنادي بها الرأسمالية، بل إن القوانين العلمية للاقتصاد الرأسمالي نفسها، ليست إلا تفسيرا للواقع الموضوعي المتجمد في إطار هذه الحرية، كما مر بنا.

و إذا كانت فكره الحرية هي الجوهر و المحتوى الأساسي للرأسمالية المذهبية، فيجب عند دراسة المذهب الرأسمالي، نقد هذه الفكرة و تحليلها، و درس بذورها الفكرية، و ما ترتكز عليه من أفكار و قيم.

أول سؤال يقفز إلى مجال البحث: لماذا يجب أن يقام المجتمع على أساس الحرية الاقتصادية؟ و كيف نشأ حق الإنسان فيها، الأمر الذي تؤكد عليه الرأسمالية المذهبية، و ترفض الاعتراف بأي تحديد أساسي له؟

و يجب أن نعرف في سبيل الإجابة على هذا السؤال: أن الحرية في التفكير الرأسمالي ترتبط عادة بعدة أفكار و قيم، تستمد منها وجودها المركزي في المذهب، و صفتها كضرورة اجتماعية أو إنسانية للكيان البشري.

فهي تارة: ترتبط بالفكرة القائلة: بالتوافق بين مصالح الفرد التي يندفع إلى‌

258

تحقيقها بدوافعه الذاتية، و مصالح المجتمع التي يتوقف عليها كيانه العام. فإن مصالح الفرد و المجتمع إذا كانت متوافقة، فليس على المذهب الاجتماعي الذي يستهدف ضمان الصالح الاجتماعي، إلا أن يطلق الحرية للفرد، و يفسح المجال لدوافعه الذاتية أن تقوده إلى تحقيق مصالحه الخاصة، التي تؤدي بصورة آلية إلى توفير المصالح العامة. فالحرية على أساس هذه الفكرة، ليست إلا أداه لتوفير تلك المصالح العامة، و ضمان ما يتطلبه المجتمع من خير و رفاه، و بصفتها أداة لذلك تكون جديرة بمركزها القاعدي في المذهب.

و هي تارة أخرى: ترتبط بفكرة تنمية الإنتاج، و ترتكز على الرأي القائل: إن الحرية الاقتصادية هي أفضل قوة دافعة للقوى المنتجة، و أكفأ وسيلة لتفجير كل الطاقات و الإمكانات و تجنيدها للإنتاج العام، و بالتالي لمضاعفة الثروة الاجتماعية في البلاد. و مرد هذا في الحقيقة إلى الفكرة الأولى، لأنه يعبر عن جانب من جوانب الصالح العام، و هو توفير الإنتاج الاجتماعي الذي يمكن تحقيقه عن طريق الحرية. و هناك فكره ثالثة: يرتبط بها مفهوم الحرية الرأسمالية، و هي فكره ذات طابع خلقي خالص، يستعمل الرأسماليون عادة في التعبير عنها عبارات غائمة، أو غير واضحة كل الوضوح. فيكررون القول: بأن الحرية بوجه عام حق أنساني أصيل، و تعبير عملي عن الكرامة البشرية، و عن شعور الإنسان بها. فليست هي مجرد أداة للرفاه الاجتماعي أو لتنمية الإنتاج، و إنما هي تحقيق لإنسانية الإنسان، و وجوده الطبيعي الصحيح.

و من الواضح أن القيمة المذهبية للحرية الاقتصادية، على أساس الفكرتين الأوليتين، قيمة موضوعية، مردها إلى النتائج و الآثار التي تؤدي إليها في واقع الحياة.

و أما على أساس الفكرة الثالثة، فللحرية بوجه عام- التي تعتبر الحرية الاقتصادية جانبا منها- قيمة ذاتية يمليها شعور الإنسان بكرامته و إنسانيته.

هذه هي الأفكار التي تبرر الرأسمالية عادة عن طريقها مفهومها عن الحرية، و ضرورة اعتبارها قاعدة في التصميم الاجتماعي الذي يدعو إليه المذهبيون.

259

فهي: وسيلة لتحقيق المصالح العامة.

و هي: سبب لتنمية الإنتاج و الثروة العامة.

و هي: تعبير أصيل عن الكرامة الإنسانية و حق الإنسان في الحياة.

و الآن و بعد أن استعرضنا الأسس الفكرية لفكرة الحرية الاقتصادية، يجب أن نتناولها بالدرس و التمحيص.

أ- الحرية وسيلة لتحقيق المصالح العامة:

ترتكز هذه الفكرة على أساس الإيمان: بأن الدوافع الذاتية تلتقي دائما بالمصالح العامة و الرفاه الاجتماعي، إذا توفرت الحرية في المجال العملي لجميع الأفراد، فإن الإنسان في المجتمع الحر يسعى إلى تحقيق مصالحه الخاصة، و التي تؤدي في النهاية إلى توفير المصالح العامة.

و على هذا الأساس خيل للاقتصاديين الرأسماليين في بادئ الأمر: أن ضمان سعادة المجتمع و مصالحه ليس بحاجة إلى القيم الخلقية و الروحية، و تغذية الناس بها، لأن كل إنسان- و حتى من لا يعرف شيئا من تلك القيم- يسير طبقا لمصلحته الخاصة، إذا كفلت له الحرية في المجال العملي. و هذه المصلحة نفسها تواكب مصلحة المجتمع، و تتفق معها في نتائجها، و إن كان الفرد مدفوعا نحوها بدافع خاص. و هكذا يمكن للمجتمع أن يستغني عن الخدمات التي تقدمها القيم الخلقية و الروحية، و يصل إلى مصالحه بالطريقة الرأسمالية، التي توفر لكل فرد حريته، و تمنحه القدرة على تقدير موقفه في ضوء مصالحه الخاصة، التي تلتقي في آخر الشوط بالمصالح العامة.

و لهذا السبب كانت الحرية التي تنادي بها الرأسمالية، مجردة من كل الإطارات و القيم الخلقية و الروحية، لأنها «حرية» حتى في تقدير هذه القيم. و لا يعني هذا: أن تلك القيم لا وجود لها في مجتمع رأسمالي، و إنما يعني: أن الرأسمالية لا تعترف بضرورة هذه القيم لضمان مصلحة المجتمع، و تزعم إمكان الاستغناء عنها عن طريق‌

260

توفير الحريات للأفراد، و إن كان الناس أحرارا في التقيد بتلك القيم و رفضها.

و يذكر أنصار الرأسمالية في سياق الاستدلال على ذلك: أن الحرية الاقتصادية تفتح مجال التنافس الحر بين مختلف مشاريع الإنتاج. و صاحب المشروع- في ظل هذا التنافس الحر الذي يسود الحياة الاقتصادية- يخاف دائما من تفوق مشروع آخر على مشروعة و اكتساحه له، فيعمل بدافع من مصلحته الخاصة على تحسين مشروعة و الاستزادة من كفاءاته، حتى يستطيع أن يخوض معركة السباق مع المشاريع الأخرى، و يصمد في أتون هذا النضال الأبدي. و من أهم الوسائل التي تتخذ في هذا السبيل، إدخال تحسينات فنية على المشروع. و هذا يعني: أن صاحب المشروع في المجتمع الرأسمالي الحر، يظل دائما يتلقف كل فكره أو تحسين جديد على الإنتاج، أو أي شي‌ء آخر من شأنه أن يمكنه من الإنتاج بنفقة أقل. فإذا أدخل هذه التحسينات، فإنه لا يلبث أن يرى باقي المشروعات قد لحقت به، فيبدأ مرة ثانية في البحث عن فكره أخرى جديدة، حتى يحتفظ بأسبقيته على سائر المشروعات. و جزاء من يتخلف في هذا السباق هو إفلاس مشروعة. فالمنافسة الحرة في نظام الرأسمالي سيف مسلط على رقاب المنظمين، يطيح بالضعيف و المهمل و المتكاسل، و يضمن البقاء للأصلح و واضح أن هذه المنافسة تؤدي إلى مصلحة المجتمع، لأنها تدفع إلى الاستفادة الدائمة بنتاج العقل العلمي و الفني، و إشباع الحاجات الإنسانية بأقل نفقة ممكنة.

فلا ضرورة- بعد هذا- إلى إرهاق صاحب المشروع بتربية خلقية معينة، و ترويضه على القيم الروحية، أو مل‌ء أذنيه بالمواعظ و النصائح، ليجعل إشباع الحاجات الإنسانية بأقل نفقة ممكنة، و يزيد من إتقان السلع و جودتها. فإن مصلحته الخاصة كفيلة بدفعه إلى تحقيق ذلك، ما دام يعيش في مجتمع حر يسوده التنافس.

كما لا حاجة له إلى مواعظ تحثه على المساهمة في أعمال البر و الإحسان، و الاهتمام بمصالح المجتمع، لأنه يندفع إلى ذلك بدافع من مصلحته الخاصة، بوصفه جزءا من المجتمع.

261

و قد أصبح اليوم حديث التوافق بين المصالح العامة و الدوافع الذاتية، في ظل الحرية الرأسمالية، ادعى إلى السخرية منه إلى القبول، بعد أن ضج تأريخ الرأسمالية بفجائع و كوارث يقل نظيرها في التأريخ، و تناقضات صارخة بين المصالح الخاصة و المصالح العامة، و فراغ هائل أحدثه الاستغناء عن الكيان الخلقي و الروحي للمجتمع، فامتلأ بدلا عن القيم الخلقية و الروحية، بألوان من الظلم و الاستهتار و الطمع و الجشع.

و نستطيع بكل سهولة أن نتبين من خلال التأريخ التطبيقي للرأسمالية، جنايات هذه الحرية الرأسمالية، التي رفضت كل التحديدات الخلقية و الروحية، و آثارها الخطيرة في مجرى الحياة الاقتصادية أولا، و في المحتوى الروحي للمجتمع ثانيا، و في علاقات المجتمع الرأسمالي بغيره من المجتمعات ثالثا، حتى عاد الرأسماليون أنفسهم يؤمنون بحاجة الرأسمالية إلى التعديل و التحديد، و يحاولون شيئا من الترقيع و الترميم، للتخلص من تلك الآثار أو إخفائها عن الأبصار، و أصبحت الرأسمالية في صيغتها المذهبية الكاملة مذهبا تأريخيا، أكثر من كونه مذهبا يعيش في واقع الحياة.

أما في مجرى الحياة الاقتصادية للمجتمع الرأسمالي: فليست الحرية الرأسمالية المطلقة إلا سلاحا جاهزا بيد الأقوياء يشق لهم الطريق، و يعبد أمامهم سبيل المجد و الثروة على جماجم الآخرين، لأن الناس ما داموا متفاوتين في حظوظهم من المواهب الفكرية و الجسدية و الفرص الطبيعية.، فمن الضروري أن يختلفوا في أسلوب الاستفادة من الحرية الاقتصادية الكاملة، التي يوفرها المذهب الرأسمالي لهم، و في درجات هذه الاستفادة. و يؤدي هذا الاختلاف المحتوم بين القوي و الضعيف، إلى أن تصبح الحرية التعبير القانوني عن حق القوي في كل شي‌ء، بينما لا تعني بالنسبة إلى غيره شيئا. و لما كانت الحرية الرأسمالية لا تقر بالرقابة- مهما كان لونها- فسوف يفقد الثانويون في معركة الحياة كل ضمان لوجودهم و كرامتهم، و يظلون في رحمة منافسين أقوياء لا يعرفون لحرياتهم حدودا من القيم الروحية و الخلقية، و لا يدخلون في حسابهم إلا مصالحهم الخاصة.

و قد بلغ من هدر الكرامة الإنسانية، نتيجة لهذه الحرية الرأسمالية، أن بات‌

262

الإنسان نفسه سلعة خاضعة لقوانين العرض و الطلب، و أصبحت الحياة الإنسانية رهن هذه القوانين، و بالتالي رهن القانون الحديدي للأجور.

فإذا زادت القوى البشرية العاملة، و زاد المعروض منها على مسرح الإنتاج الرأسمالي، انخفض سعرها، لأن الرأسمالي سوف يعتبر ذلك، فرصة حسنة لامتصاص سعادته من شقاء الآخرين، فيهبط بأجورهم إلى مستوى قد لا يحفظ لهم حياتهم، و لا يمكنهم حتى من إشباع بعض ضروراتهم، كما قد يقذف بعدد هائل منهم إلى الشارع يقاسون آلام الموت جوعا، لا لشي‌ء إلا لأنه يتمتع بحرية غير محدودة. و لا بأس على العمال من الدمار و الموت جوعا، ما دام الاقتصاد الرأسمالي يقدم لهم بصيصا من الأمل، و كوة من نور. و لكن ما هو هذا الأمل الذي يبعثه في نفوسهم؟ إنه هو الأمل في انخفاض عددهم، بسبب تراكم البؤس و المرض! إي و اللّه! إن هذا هو الأمل الذي يقدمه القانون الحديدي للأجور إلى العمال، قائلًا لهم: اصبروا قليلا، حتى يصرع الجوع و البؤس قسما كبيرا منكم، فيقل عددكم و يصبح العرض مساويا للطلب، فترتفع أجوركم و تتحسن حالتكم! هذا هو التوافق الأسطوري المزعوم، بين الدوافع الذاتية في ظل الحرية الرأسمالية و المصالح العامة! هذا التوافق الذي اضطر الرأسماليون أنفسهم إلى التنازل عن الإيمان به، و الاتجاه إلى فكره تحديد الحرية بالقيم و الضمانات.

و إذا كان هذا هو حظ الحياة الاقتصادية في المجتمع الرأسمالي من الحرية الرأسمالية و آثارها، فإن ما يصيب المحتوى الروحي للأمة من شرارة تلك الحرية المجردة، أقسى و أمر، حيث تتلاشى بصورة عامة مشاعر البر و الخير و الإحسان، و تطغى مفاهيم الأنانية و الجشع، و تسود في المجتمع روح الصراع في سبيل البقاء، بدلا عن روح التعاون و التكافل. و ما ظنك بفرد يتجاوب مع المفهوم المطلق للحرية الرأسمالية، إذا تطلبت منه القيم الخلقية و الموقف الاجتماعي، شيئا من المفاداة و التضحية بمصالحه الخاصة؟! و حتى إذا دفعته مصلحته الخاصة- أحيانا- إلى تحقيق المصالح العامة، بوصفها في صالحه أيضا، فإن هذا و إن كان قد يؤدي إلى نفس‌

263

النتيجة، التي تستهدفها القيم الروحية و الخلقية من ناحية موضوعية، و لكنها لا تحقق الجانب الذاتي من تلك القيم، و لا تصنع من الإنسان إنسانا في عواطفه و مشاعره و دوافعه و بواعثه. فإن الأخلاق ليست ذات قيمة موضوعية فحسب، بل هي ذات قيمة ذاتية أيضا، لا تقل عن قيمتها الموضوعية في تكميل الحياة الإنسانية، و إشاعة روح السعادة و الهناء النفسي فيها. و سوف نبحث في الفصل المقبل مسألة الدوافع الذاتية، و علاقتها بالمصالح العامة بصورة أوسع.

و لندع الآن آثار الحرية الرأسمالية في المحتوى الداخلي للمجتمع الرأسمالي، و لنفترض- مع الأسطورة الرأسمالية-: أن الدوافع الذاتية تضمن بنفسها تحقيق المصالح العامة. فهل يمكن لهذا الخيال المجنح، أن يقول مثل ذلك عن مصالح مختلف المجتمعات، و أن يزعم التوافق بين المصالح الخاصة للمجتمع الرأسمالي، و غيره من المجتمعات البشرية؟! و ماذا يمنع المجتمع الرأسمالي- إذا كان يؤمن بالحرية الرأسمالية مجردة عن كل الإطارات الروحية و الخلقية- أن يسخّر سائر الكتل البشرية لحسابه، و يستعبدها لقضاء مآربه؟! و الواقع التاريخي للرأسمالية، هو الذي يجيب على هذا السؤال. فقد قاست الإنسانية أهوالا مروعة، على يد المجتمعات الرأسمالية، نتيجة لخوائها الخلقي و فراغها الروحي، و طريقتها الخاصة في الحياة. و سوف تبقى تلك الأهوال وصمة في تأريخ الحضارة المادية الحديثة، و برهانا على: أن الحرية الاقتصادية التي لا تحدها حدود معنوية، من أفتك أسلحة الإنسان بالإنسان، و أفظعها إمعانا في التدمير و الخراب. فقد كان من نتاج هذه الحرية مثلا، تسابق الدول الأوروبية بشكل جنوني على استعباد البشر الآمنين، و تسخيرهم في خدمة الإنتاج الرأسمالي. و تأريخ إفريقيا وحدها صفحة من صفحات ذلك السباق المحموم، تعرضت فيه القارة الإفريقية لطوفان من الشقاء، إذ قامت دول عديدة كبريطانيا و فرنسا و هولندة و غيرها، باستيراد كميات هائلة من سكان إفريقيا الآمنين، و بيعهم في سوق الرقيق، و تقديمهم قرابين للعملاق الرأسمالي، و كان تجار تلك البلاد يحرقون القرى الإفريقية، ليضطر سكانها إلى الفرار‌

264

مذعورين، فيقوم التجار بكسبهم و سوقهم إلى السفن التجارية، التي تنقلهم إلى بلاد الأسياد. و بقيت هذه الفظائع ترتكب إلى القرن التاسع عشر، حيث قامت بريطانيا خلاله، بحملة واسعة النطاق ضدها، حتى استطاعت إبرام معاهدات دولية تستنكر الانجار في الرقيق، و لكن هذه المحاولة نفسها كانت تحمل الطابع الرأسمالي، و لم تصدر عن إيمان روحي بالقيم الخلقية و المعنوية، بدليل أن بريطانيا التي أقامت الدنيا في سبيل وضع حد لإعمال القرصنة، استبدلتها بأسلوب آخر من الاستعباد المبطن، إذ أرسلت أسطولها الضخم إلى سواحل إفريقية، لمراقبة التجارة المحرمة من أجل القضاء عليها- إي و اللّه! هكذا زعمت: من أجل القضاء عليها!- و لكنها مهدت بذلك إلى احتلال مساحات كبيرة على الشواطئ الغربية، و بدأت عملية الاستعباد تجري في القارة نفسها، تحت شعار الاستعمار، بدلا عن أسواق أوروبا التجارية!! فهل نستطيع القول بعد ذلك كله مع الرأسماليين: بأن الحرية الرأسمالية جهاز سحري، يعمل بشكل تلقائي و دون أي اعتبار روحي و خلقي، على تحويل سعي الناس في سبيل مكاسبهم الخاصة، إلى آلة تضمن المصالح العامة و الرفاه الاجتماعي؟!

ب- الحرية سبب لتنمية الإنتاج:

هذه هي الفكرة الثانية التي ترتكز عليها الحرية الرأسمالية، كما مر بنا سابقا.

و هي تقوم على خطأ في فهم نتائج الحرية الرأسمالية، و خطأ آخر في تقدير قيمة الإنتاج.

فمشاريع الإنتاج في المجتمع الرأسمالي، ليست وحدات ذرية تخوض معترك السباق و التنافس، في درجة واحدة من التكافؤ و الإمكانات.، ليكون كل مشروع كفوءا لمنافسة المشاريع الأخرى، الأمر الذي يحافظ على بقاء التنافس الحر، و يجعله أداة لتنمية الإنتاج و تحسينه. بل إن مشاريع الإنتاج في المجتمع الرأسمالي، تختلف في حجمها و كفاءتها، و قدرتها على الاندماج بعضها مع البعض. و الحرية الرأسمالية في‌

265

هذه الحال تفسح المجال للتنافس، الذي سرعان ما يؤدي إلى صراع عنيف، تحطم فيه المشاريع القوية غيرها، و تبدأ باحتكار الإنتاج تدريجيا، حتى تختفي كل ألوان التنافس و ثمراته في مضمار الإنتاج! فالتنافس الحر بالمعنى الذي ينمي الإنتاج، لا يواكب الحرية الرأسمالية إلا شوطا محدودا، ثم يخلي الميدان بعد ذلك للاحتكار، ما دامت الحرية الرأسمالية هي التي تمتلك الموقف الاقتصادي! أما الخطأ الآخر الأساسي في الفكرة، فهو في تقدير قيمة الإنتاج، كما ذكرنا.

فهب: أن الحرية الرأسمالية تؤدي إلى وفرة الإنتاج، و تنميته نوعيا و كميا، و أن التنافس الحر سيستمر في ظل الرأسمالية، و يحقق إنتاج السلعة بأقل نفقة ممكنة، فإن هذا لا يبرهن على قدرة الرأسمالية على توفير سعادة المجتمع، و إنما يشير إلى قدرة المجتمع في ظلها على تحسين الإنتاج، و تحقيق أكبر كمية ممكنة من السلع و الخدمات. و ليست هذه القدرة هي كل شي‌ء في حساب الرفاه الاجتماعي، الذي يعتبر المذهب مسؤولا عن ضمانه، و إنما هي قدرة أو طاقة قد تنفق بالشكل الذي يكفل الرفاه و السعادة للمجتمع، كما قد تنفق بشكل معاكس. و الشي‌ء الذي يحدد الشكل الذي تنفق به الطاقة الاجتماعية للإنتاج، هو الأسلوب المتبع في توزيع الناتج العام، على أفراد المجتمع. فالرفاه العام إذن لا يتعلق بكمية الناتج العام، بمقدار ما يتعلق بكيفية تقسيم هذا الناتج على الأفراد.

و المذهب الرأسمالي أعجز ما يكون عن امتلاك الكفاءة التوزيعية، التي تضمن رفاه المجتمع و سعادة الجميع، لأن الرأسمالية المذهبية تعتمد في التوزيع على جهاز الثمن، و هو يعني: أن من لا يملك ثمن السلعة ليس له حق في العيش و الحياة.

و بذلك يقضى بالموت أو الحرمان، على من كان عاجزا عن اكتساب هذا الثمن، لعدم قدرته على المساهمة في إنتاج السلع و الخدمات، أو لعدم تهيؤ فرصة للمساهمة، أو لوقوعه فريسة بيد منافسين أقوياء قد سدوا في وجهه كل الفرص. و لهذا كانت بطالة الأيدي العاملة في المجتمعات الرأسمالية، من أفجع الكوارث الإنسانية، لأن العامل حين يستغني الرأسمالي عن خدماته- لأي سبب من الأسباب- لا يجد الثمن‌

266

الذي يحصل به على ضروراته و حاجاته، و يصبح مرغما على حياة البؤس و الجوع، لأن الثمن هو جهاز التوزيع، و ما دام لم يحصل منه على شي‌ء في السوق، فلا نصيب له من الثروة المنتجة، مهما كانت فاحشة.

فليست المبالغة في كفاءة المذهب الرأسمالي، و قدرته على تنمية الإنتاج، إلا تضليلا و سترا للجانب المظلم منه، الذي يحكم في مجال التوزيع بالحرمان و الإعدام- دون مبالاة- على من لم يعرف كلمة السر، و لم يحصل على القطع السحرية، على النقود.

و في هذا الضوء، لا يمكننا أن نعتبر مجرد الإنتاج مبررا من الناحية الخلقية و العملية، لمختلف الوسائل التي تتيح لحركة الإنتاج انطلاقا أوسع، و حقلا أخصب، لأن وفرة الإنتاج كما عرفنا- ليست هي التعبير الكامل عن الرفاه الاجتماعي العام.

ج- الحرية تعبير أصيل عن الكرامة الإنسانية:

و لم يبق بعد هذا إلا الفكرة الثالثة عن الحرية، التي تقدر الحرية بمعيار ذاتي، و تضفي عليها قيمة معنوية و خلقية أصيلة، بوصفها المظهر الجوهري للكرامة و تحقيق الذات، اللذين لا يعود للحياة بدونهما أي معنى.

و يجب أن نشير- قبل كل شي‌ء- إلى: أن هناك لونين من الحرية، و هما: الحرية الطبيعية، و الحرية الاجتماعية. فالحرية الطبيعية هي: الحرية الممنوحة من قبل الطبيعة نفسها. و الحرية الاجتماعية هي: الحرية التي يمنحها النظام الاجتماعي، و يكفلها المجتمع لأفراده. و لكل من هاتين الحريتين طابعها الخاص. فلا بد لنا- و نحن ندرس مفاهيم الرأسمالية عن الحرية- إن نميز إحدى هاتين الحريتين عن الأخرى، لئلا نمنح إحداهما صفات الأخرى و خصائصها.

فالحرية الطبيعية عنصر جوهري في كيان الإنسان، و ظاهرة أساسية تشترك فيها الكائنات الحية بدرجات مختلفة، تبعا لمدى حيويتها. و لذلك كان نصيب الإنسان من هذه الحرية، أوفر من نصيب أي كائن حي آخر. و هكذا كلما ازداد حظ الكائن‌

267

من الحياة، عظم نصيبه من الحرية الطبيعية.

و لكي نعرف جوهر هذه الحرية الطبيعية، نبدأ بملاحظة الكائنات غير الحية في سلوكها. فإن الطبيعة ترسم لهذه الكائنات اتجاهات محددة، و تفرض لكل كائن، السلوك الذي لا يمكن أن يحيد عنه. فالحجر مثلا فرضت عليه الطبيعة سلوكا محددا، وفقا لقوانين كونية عامة، فلا نترقب منه مثلا أن يتحرك ما لم نحركه، و لا نترقب منه إذا حركناه، أن يتحرك في غير الاتجاه الذي نحركه فيه، كما لا نتصور من الحجر أن يتراجع تفاديا للاصطدام بجدار يعترض طريقه. فهو يفقد كل لون من القوة الإيجابية، و القدرة على تكيفات جديدة، و لهذا لم يكن له نصيب من الحرية الطبيعية.

و أما الكائن الحي، فليس موقفه تجاه البيئة و الظروف سلبيا، أو مضغوطا في اتجاه محدد لا محيد عنه، بل يمتلك قدرة و طاقة إيجابية على تكييف نفسه، و ابتداع أسلوب جديد، إذا لم يكن الأسلوب الاعتيادي، ملائما لظروفه. و هذه الطاقة الإيجابية، هي التي توحي إلينا بمفهوم الحرية الطبيعية، نظرا إلى: أن الطبيعة وضعت بين يدي الكائن الحي بدائل متعددة، ليأخذ في كل حال بأكثرها ملاءمة لظروفه الخاصة. فالنبات- الذي يعتبر في الدرجة الدنيا من سلم الكائنات الحية- نجد لديه تلك الطاقة أو الحرية، في مستوى منخفض و بدائي، فإن بعض النباتات تغير من اتجاهها، لمجرد اقترابها من حاجز يصلح لمنعها عن الامتداد في ذلك الاتجاه المعين، و تسارع إلى تكييف نفسها و اتجاهها تكييفا جديدا. و إذا أخذنا الحيوان- بوصفه درجة ثانية في سلم الحياة- وجدنا عنده تلك الحرية و الطاقة، في نطاق أوسع، و على مستوى أعلى، إذ وضعت الطبيعة بين يديه بدائل كثيرة، ينتخب منها في كل حين ما هو أكثر ملاءمة لشهواته و ميوله.

فبينما كنا نجد الحجر لا يحيد عن اتجاهه المعين حين نرمي به، و النبات لا يحيد عن اتجاهه، إلا في حدود معينة، نرى الحيوان قادرا على اتخاذ مختلف الاتجاهات في كل حين. فالحقل الذي سمحت له الطبيعة بممارسة نشاطه الحيوي فيه، أوسع و أغنى بالبدائل، من الحقل الذي ظفر به النبات.

268

و تبلغ الحرية الطبيعية ذروتها في الإنسان، لأن الحقل العملي الذي منحته الطبيعة له، أوسع الحقول جميعا. فبينما كانت الميول و الشهوات الغريزية في الحيوان، حدوداً نهائية للحقل الذي يعمل فيه، فلا يستعمل الحيوان حريته إلا في حدود تلك الميول و الشهوات، لم يعد لها في حقل النشاط الحيوي للإنسان تلك المنزلة، لأن الإنسان ركب تركيباً نفسياً و عضوياً خاصّاً، يمكنه من قهر تلك الشهوات، أو التحديد من مفعولها. فهو حر حتى في الانسياق مع تلك الشهوات أو معاكستها.

و هذه الحرية الطبيعية التي يتمتع بها الإنسان، هي التي تعتبر بحق إحدى المقومات الجوهرية للإنسانية، لأنها تعبير عن الطاقة الحيوية فيها. فالإنسانية بدون هذه الحرية لفظ بدون معنى.

و من الواضح أن الحرية بهذا المعنى خارجة عن نطاق البحث المذهبي، و ليس لها أي طابع مذهبي، لأنها منحة اللّه للإنسان، و ليست منحة مذهب معين دون مذهب، لتدرس على أساس مذهبي.

و أما الحرية التي تحمل الطابع المذهبي، و تميز المذهب الرأسمالي، و تحتل القاعدة الرئيسية في كيانه، فهي: الحرية الاجتماعية، أي: الحرية التي يكسبها الفرد من المجتمع، لا من الطبيعة. فإن هذه الحرية هي التي تتصل بالوجود الاجتماعي للإنسان، و تدخل ضمن نطاق الدراسات المذهبية و الاجتماعية.

و إذا استطعنا أن نميز بوضوح، بين الحرية الطبيعية و الحرية الاجتماعية، أمكننا أن ندرك مدى الخطأ في منح الحرية الاجتماعية، خصائص الحرية الطبيعية، و في القول:

بأن الحرية التي يوفرها المذهب الرأسمالي، مقوم جوهري للإنسانية، و عنصر حيوي في كيانها. فإن هذا القول يرتكز على أساس عدم التمييز بين الحرية الطبيعية، بوصفها مقوماً جوهرياً للوجود الإنساني، و الحرية الاجتماعية، بوصفها مسألة اجتماعية، يجب أن يدرس مدى كفاءتها لبناء مجتمع سعيد، و انسجامها مع القيم الخلقية التي نؤمن بها.