اقتصادنا

- المزيد...
886 /
269

و لنأخذ الآن الحرية الاجتماعية بهذا الوصف، لندرس موقف المذهب الرأسمالي منها، بعد أن استعبدنا من نطاق البحث المذهبي الحرية الطبيعية، و تعرفنا على الطابع المميز لكل من الحريتين.

ولدي تحليل هذا المفهوم (مفهوم الحرية الاجتماعية)، نجد للحرية الاجتماعية محتوى حقيقيا، و شكلا ظاهريا. فهي ذات جانبين: أحدهما: المحتوى الحقيقي للحرية أو- كما سنعبر عنه فيما بعد- الحرية الجوهرية. و الآخر: الشكل الظاهري للحرية، و لنطلق عليه اسم: الحرية الشكلية.

فهناك إذن الحرية الاجتماعية الجوهرية، و الحرية الاجتماعية الشكلية.

أما الحرية الاجتماعية الجوهرية: فهي القدرة التي يكسبها الإنسان من المجتمع على القيام بفعل شي‌ء معين، و تعني هذه القدرة: أن المجتمع يوفر للفرد كل الوسائل و الشروط التي يتطلبها القيام بذلك الفعل. فإذا كفل لك المجتمع أن تملك ثمن سلعة معينة، و وفر هذه السلعة في السوق، و لم يسمح لأي شخص آخر بالحصول على حق احتكاري في شراء السلعة، فأنت عندئذ حر في شراء السلعة، لأنك تتمتع اجتماعيا بكل الشروط التي يتوقف عليها شراء تلك السلعة. و أما إذا كان المجتمع لا يوفر لك ملكية الثمن أو عرض السلعة في السوق، أو يمنح لغيرك وحده الحق في شرائها، فليس لديك في الواقع حرية جوهرية، أو قدرة حقيقة على الشراء.

و أما الحرية الشكلية: فهي لا تتطلب كل ذلك، بل قد يكون الفعل مستحيلا بالنسبة إلى الفرد، كشراء السلعة بالنسبة إلى من لا يملك ثمنها، و لكنه بالرغم من ذلك يعتبر حرا اجتماعيا من الناحية الشكلية، و إن لم يكن لهذه الحرية الشكلية أي محتوى حقيقي، لأن الحرية الشكلية في الشراء، لا تعني: القدرة على الشراء فعلا، و إنما تعني بمدلولها الاجتماعي: سماح المجتمع للمرء- ضمن نطاق إمكاناته و فرصة، التي يحددها موقفه في حلبة التنافس مع الآخرين- باتخاذ أي أسلوب يتيح له شراء تلك السلعة. فالإنسان الاعتيادي حر شكليا في شراء قلم، كما هو حر في شراء شركة رأسمالية، يقدر رأسمالها بمئات الملايين، ما دام النظام الاجتماعي يسمح له بالقيام بأي عمل، و اتخاذ أي أسلوب في سبيل شراء تلك الشركة الضخمة، أو ذلك‌

270

القلم المتواضع. و أما قلة الفرص أو الشروط التي تتيح له شراء الشركة، أو انعدام تلك الفرص في حلبة التنافس نهائيا، و عدم توفير المجتمع لها، فلا يتناقض مع الحرية الشكلية في إطارها الظاهري العام.

غير أن الحرية الشكلية ليست خاوية هكذا تماما، بل إنها تعني أحيانا معنى إيجابيا. فرجل الأعمال الذي بدأ وجوده التجاري بشكل ناجح، و إن لم يكن قادرا بالفعل على شراء شركة ضخمة، و لكنه ما دام يتمتع بالحرية الشكلية اجتماعيا، فهو قادر على القيام بمختلف الأعمال، في سبيل الظفر بالقدرة على شراء تلك الشركة، في المدى القريب أو البعيد. و على هذا الأساس تكون الحرية الشكلية في شراء الشركة و امتلاكها، ذات معنى إيجابي، لأنها و إن لم تسلم إليه الشركة فعلا، و لكنها تسمح له بامتحان مواهبه، و القيام بمختلف النشاطات، في سبيل الظفر بملكية تلك الشركة. و الشي‌ء الذي يفقده في ظل هذه الحرية الشكلية، هو ضمان المجتمع له الحصول على الشركة، أو الحصول على ثمنها. فإن هذا الضمان الذي هو معنى الحرية الاجتماعية الجوهرية، لا تكفله الحرية الشكلية للأفراد.

فالحرية الشكلية اجتماعيا ليست إذن خاوية دائما، بل هي أداة لاستثارة القوى و الطاقات في الأفراد، و تعبئتها في سبيل الوصول إلى مستويات أعلى، و إن لم تقدم شيئا من ضمانات الفوز و النجاح.

و في هذا الضوء نعرف: أن الحرية الشكلية، و إن لم تكن تعني القدرة فعلا، و لكنها شرط ضروري لتوفر هذه القدرة. فرجل الأعمال الناجح الذي تحدثنا عنه، لم يكن ليتاح له أن يحلم بامتلاك الشركة الرأسمالية الكبيرة، و بالتالي لم يكن ليمتلكها بالفعل بعد جهد متواصل، لو لم يكن يتمتع بالحرية الشكلية، و لو لم يكن يسمح له المجتمع بتجربة حظه و إمكاناته في حلبة التنافس. و هكذا تكون الحرية الشكلية بالنسبة إليه، أداة فعالة و شرطا ضروريا، لاكتساب الحرية الجوهرية، و القدرة الحقيقية على شراء الشركة، بينما تبقى حرية الأفراد الفاشلين شكليا في تملك الشركة، حرية اسمية فحسب، لا تشع بذرّة من الحقيقة.

271

و المذهب الرأسمالي يتبنى الحرية الاجتماعية الشكلية، مؤمنا: بأن الحرية الشكلية هي التجسيد الكامل لمفهوم الحرية. و أما الحرية الجوهرية- على حد تعبيرنا فيما سبق- فهي تعني في رأيه: القدرة على الاستفادة من الحرية، و ليست هي الحرية نفسها.

و لذلك فهو لا يعنى بتوفير القدرة لدى المرء و منحه الحرية الجوهرية، و إنما يترك ذلك إلى ما تسنح له من فرض و يظفر به من إمكانات، مكتفيا بتوفير الحرية الشكلية، بالسماح له بممارسة مختلف ألوان النشاط الاقتصادي، في سبيل الغايات التي يسعى إلى تحقيقها، و رفض أي سلطة اجتماعية تمارس الضغط و الإكراه، في حقل من حقول الحياة.

فللرأسمالية موقف سلبي تجاه الحرية الجوهرية، و موقف إيجابي تجاه الحرية الشكلية، أي: أنها لا تعنى بتوفير الحرية الأولى، و إنما تكفل للأفراد الحرية الشكلية فقط.

و توجد في رأي الرأسمالية مبررات لذلك الموقف السلبي تجاه الحرية الجوهرية، تتلخص في أمرين:

أحدهما: أن طاقة المذهب الاجتماعي- أي مذهب كان- قاصرة عن توفير الحرية الجوهرية لكل شخص، و ضمان القدرة على تحقيق كل ما يسعى نحوه و يهدف إليه، لأن كثيرا من الأفراد يفقدون المواهب و الكفاءات الخاصة، التي تعتبر ضرورية لتحقيق أهدافهم، و ليس في إمكان المذهب أن يجعل من المغمور نابغا، أو من البليد عبقريا، كما أن كثيرا من الأهداف لا يمكن أن يضمن لكل الأفراد الفوز بها، فليس من المعقول- مثلا- أن يصبح كل فرد رئيسا للدولة، و أن يضمن للأفراد جميعا القدرة على استلام منصب الرئاسة فعلا، و إنما الشي‌ء المعقول: أن يفسح المجال أمام كل فرد ليخوض المعترك السياسي أو الاقتصادي، و يجرب مواهبه، فإما أن ينجح و يصل إلى الذروة، و إما أن يقف في منتصف الطريق، و إما أن يعود من المعركة خاسرا.

و على أي حال، فهو المسؤول الأخير عن مصيره في المعترك، و مدى نجاحه أو فشله.

و الأمر الآخر- الذي تبرر به الرأسمالية تخليها عن الحرية الجوهرية-: هو أن منح الفرد هذه الحرية، بتقديم الضمانات الكافية لنجاحه في أي سبيل يسلكه، يضعف‌

272

إلى مدى بعيد، شعور الفرد بالمسؤولية، و يخمد الجذوة الحرارية فيه، التي تدفعه إلى النشاط، و تفرض عليه مزيدا من اليقظة و الانتباه، لأنه ما دام قد ضمن المذهب له نجاحه، فلا حاجة به إلى الاعتماد على شخصه، و استثمار قدرته و مواهبه، كما كان حريا به أن يفعل، لو لم يوفر المذهب له الحرية الجوهرية، و الضمانات اللازمة.

و كلا هذين المبررين صحيح إلى حد ما، و لكن لا بالشكل الذي تقرره الرأسمالية، و ترفض على أساسه فكره الحرية الجوهرية و الضمان رفضا تاما.

فإن ضمان الحصول على أن شي‌ء، يسعى إليه الفرد في مجال نشاطه الاقتصادي، و إن كان حلما خياليا غير ممكن التحقيق، و من الشطط أن يكلف المذهب الاجتماعي بتحقيقه، غير أن توفير حد أدنى من الحرية الجوهرية في المجال الاقتصادي، و إعطاء ضمانات كافية لمستوي معين من المعيشة، مهما كانت فرض الإنسان و شروطه، ليس شيئا مثاليا متعذر التحقيق، و لا سببا في تجميد المواهب و طاقات النمو و التكامل في الإنسان، ما دامت المستويات الأكثر رقيا قيد التنافس الحر، فهي تتطلب من الأفراد جهدا و نشاطا، و تنمي فيهم الاعتماد على أنفسهم.

فالرأسمالية إذن لا تستطيع أن تستند في موقفها السلبي من الحرية الجوهرية و الضمان، إلى: استحالة إعطاء مثل هذا الضمان، أو القول: بأن هذا الضمان يشل الطاقة الحرارية في النشاط الإنساني، ما دام يمكن للمذهب أن يوفر درجة معقولة من الضمان، و يفتح خارج حدود هذه الدرجة مجالات للتنافس، الذي يذكي القابليات و ينميها.

و الحقيقة أن موقف الرأسمالية السلبي من فكره الضمان و الحرية الجوهرية، كان نتيجة حتمية لموقفها الإيجابي من الحرية الشكلية، لأنها حين تبنّت الحرية الشكلية، و أقامت كيانها المذهبي عليها، كان من الضروري لها، أن ترفض فكره الضمان، و تقف موقفها السلبي من الحرية الجوهرية، لأن الحرية الجوهرية و الحرية الشكلية متعارضتان. فلا يمكن توفير الحرية الجوهرية في مجتمع يؤمن بمبدإ الحرية الشكلية، و يحرص على توفيرها لجميع الأفراد في مختلف المجالات. فإن حرية رجال الأعمال في استخدام العامل و رفضه، و حرية أصحاب الثروات في التصرف في أموالهم طبقا‌

273

لمصالحهم الخاصة، كما يقرره مبدأ الحرية الشكلية، يعني: عدم إمكان وضع مبدأ ضمان العمل للعامل، أو ضمان المعيشة لغير العامل من العاجزين، لأن وضع مثل هذه الضمانات لا يمكن أن يتم بدون تحديد تلك الحريات، التي يتمتع بها أصحاب العمل و أرباب الثروة. فإما أن يسمح لأصحاب العمل أو المال بالتصرف وفقا لإرادتهم، فتوفر بذلك لهم الحرية الشكلية، و يصبح من غير الممكن إعطاء ضمانات للعمل أو المعيشة، و إما أن تعطى هذه الضمانات، فلا يسمح لأصحاب العمل و المال أن يتصرفوا كما يحلو لهم. و في ذلك خروج على مبدء الحرية الشكلية، القائل:

بضرورة السماح لكل أحد بالتصرف في المجال الاقتصادي كما يريد. و لما كانت الرأسمالية تؤمن بهذا المبدأ، فقد وجدت نفسها مضطرة إلى رفض فكره الضمان، فكره الحرية الجوهرية، حفاظا على توفير الحرية الشكلية لجميع الأفراد على السواء.

و بينما أخذ المجتمع الرأسمالي بالحرية الشكلية، و طرح الحرية الجوهرية و فكره الضمان جانبا، وقف المجتمع الاشتراكي موقفا معاكسا، إذ قضت الاشتراكية الماركسية فيه على الحرية الشكلية، بإقامة جهاز دكتاتوري يتولى السلطة المطلقة في البلاد، و زعمت: أنها عوضت عن تلك الحرية الشكلية بحرية جوهرية، أي: بما تقدمه للمواطنين من ضمانات للعمل و الحياة.

و هكذا أخذ كل من المذهبين بجانب من الحرية، و طرح الجانب الآخر. و لم يحل هذا التناقض المستقطب بين الحرية الشكلية و الحرية الجوهرية، أو بين الشكل و الجوهر، إلا في الإسلام، الذي آمن بحاجة المجتمع إلى كلا اللونين من الحرية، فوفر للمجتمع الحرية الجوهرية، بوضع درجة معقولة من الضمان، تسمح لجميع أفراد المجتمع الإسلامي بالحياة الكريمة، و ممارسة متطلباتها الضرورية، و لم يعترف في حدود هذا الضمان بالحرية. و في نفس الوقت، لم يجعل من هذا الضمان مبررا للقضاء على الحرية الشكلية، و هدر قيمتها الذاتية و الموضوعية، بل فتح السبيل أمام كل فرد خارج حدود الضمان، و منحه من الحريات ما ينسجم مع مفاهيمه عن الكون و الحياة.

فالمرء مضمون بدرجة و في حدود خاصة، و حر خارج هذه الحدود.

274

و هكذا امتزحت الحرية الجوهرية و الحرية الشكلية معا، في التصميم الإسلامي، هذا الامتزاج الرائع الذي لم تتجه الإنسانية- في غير ظل الإسلام- إلى التفكير فيه و تحقيقه، إلا في غضون هذا القرن الأخير، إذ بدأت المحاولات إلى إقرار مبدأ الضمان، و التوفيق بينه و بين الحرية، بعد أن فشلت تجربة الحرية الرأسمالية فشلا مريرا.

و على أي حال، فقد ضحت الرأسمالية بفكرة الضمان و الحرية الجوهرية في سبيل الحرية الشكلية.

و هنا نصل إلى النقطة الأساسية في دراستنا، لنتساءل: ما هي تلك القيم التي ترتكز عليها الحرية الشكلية في المذهب الرأسمالي، و التي سمحت للرأسمالية أن تهدر جوهر الحرية و ضماناتها في سبيلها؟

و يجب أن نستبعد هنا كل المحاولات الرامية، إلى تبرير الحرية الشكلية بمبررات موضوعية اجتماعية، كوصفها بأنها أداة لتوفير الإنتاج العام، أو لتحقيق الرفاه الاجتماعي. فقد مرت بنا هذه المبررات و درسناها، و لم تصمد للدرس و الامتحان، و إنما نعني الآن بمحاولة الرأسمالية، لتفسير قيمة الحرية تفسيرا ذاتيا.

فقد يقال بهذا الصدد: إن الحرية جزء من كيان الإنسان، و إذا سلب الإنسان حريته فقد بذلك كرامته، و معناه الإنساني الذي يتميز به عن سائر الكائنات. و هذا التعبير المهلهل لا ينطوي على تحليل علمي للقيمة الذاتية للحرية، و لا يمكن أن يجذب سوى من يستهويه التلاعب بالألفاظ، لأن الإنسان إنما يتميز كيانه الإنساني الخاص عن سائر الكائنات، بالحرية الطبيعية، بوصفه كائنا طبيعيا، لا بالحرية الاجتماعية باعتباره كائنا اجتماعيا. فالحرية التي تعتبر شيئا من كيان الإنسان هي:

الحرية الطبيعية، لا الاجتماعية التي تمنح و تسلب تبعا للمذهب الاجتماعي السائد.

و قد يقال: إن الحرية بمدلولها الاجتماعي، تعبر عن نزعة أصيلة في نفس الإنسان، و حاجة من حاجاته الجوهرية. فالإنسان بوصفه يتمتع بالحرية الطبيعية، يميل ذاتيا إلى أن يكون حرا، من ناحية المجتمع الذي يعيش ضمنه، في سلوكه و علاقاته‌

275

مع الآخرين، كما كان حرا من الناحية الطبيعية. و من وظيفة المذهب الاجتماعي أن يعترف بالنزعات و الميول الأصيلة في الإنسان، و يضمن إشباعها، لكي يصبح مذهبا واقعيا ينسجم مع الطبيعة الإنسانية التي يعالجها و يشرّع لها، فلا يمكن لمذهب إذن أن يكبت في الإنسان نزعته الأصيلة إلى الحرية.

و هذا صحيح إلى حد ما، و لكننا نقول من الناحية الأخرى: إن من وظيفة المذهب الاجتماعي، الذي يريد أن يرسي بنيانه على قواعد مكينة من النفس البشرية، أن يعترف بمختلف النزعات الأصيلة في الإنسان، و بحاجاته الجوهرية المتنوعة، و يسعى إلى التوفيق و الملائمة بينها. و ليس من المستساغ لكي يكون المذهب واقعيا و إنسانيا، أن يعترف بإحدى تلك النزعات الأصيلة، و يضمن إشباعها إلى أقصى حد، على حساب النزعات الأخرى. فالحرية مثلا و إن كانت نزعة أصيلة في الإنسان، لأنه يرفض بطبعه القسر و الضغط و الإكراه، و لكن لهذا الإنسان حاجات جوهرية، و ميولا أصيلة أخرى. فهو بحاجة ماسة- مثلا- إلى شي‌ء من السكينة و الاطمئنان في حياته، لأن القلق يرعبه كما ينغصه الضغط و الإكراه. فإذا فقد كل الضمانات التي يمكن للمجتمع أن يؤديها له في حياته و معيشته، خسر بذلك حاجة من حاجاته الجوهرية، و حرم من إشباع ميلة الأصيل إلى الاستقرار و الثقة، كما أنه إذا خسر حريته تماما، و قام جهاز اجتماعي يملي عليه إرادته بالضغط و الإكراه، كان قد فقد حاجة جوهرية أخرى، و هي: حاجته إلى الحرية، التي تعبر عن نزعة أصيلة في نفسه.

فالتوفيق الدقيق الحكيم بين حاجة الإنسان الأصيلة إلى الحرية، و حاجته الأصيلة إلى شي‌ء من الاستقرار و الثقة، و سائر حاجاته الأصيلة الأخرى، هو العملية التي يجب أن يؤديها المذهب للإنسانية، إذا حاول أن يكون واقعيا، قائماً على أسس راسخة من الواقع الإنساني. و أما أن تطرح الميول و الحاجات الأخرى جانبا، و يضحي بها لحساب حاجة أصيلة واحدة، كي يتوفر إشباعها إلى أبعد الحدود، كما فعل المذهب الرأسمالي، فهذا يتعارض مع أبسط الواجبات المذهبية.

276

و أخيرا، فإن موقف الرأسمالية من الحرية و الضمان، لئن كان خطأ، فهو مع هذا ينسجم مع الإطار العام للتفكير الرأسمالي كل الانسجام، لأن الضمان ينطوي على فكره تحديد حريات الأفراد و الضغط عليها، و لا تستطيع الرأسمالية أن تجد لهذا الضغط و التحديد مسوغا، على أساس مفاهيمها العامة عن الكون و الإنسان.

و ذلك أن الضغط و التحديد، قد يستمد مبرره من الضرورة التأريخية، كما تعتقد الماركسية في ضوء المادية التأريخية، إذ ترى: أن دكتاتورية البروليتاريا، التي تمارس سياسة الضغط و التحديد من الحريات في المجتمع الاشتراكي، تنبع من الضرورة الحتمية لقوانين التأريخ. و لكن الرأسمالية لا تؤمن بالمادية التأريخية، بتسلسلها الماركسي الخاص.

و قد يستمد الضغط و التحديد مبرره من الإيمان بسلطة عليا، تمتلك حق تنظيم الإنسانية و توجيهها في حياتها، و وضع الضمانات المحددة لحريات الأفراد، كما يعتقد الدين، إذ يرى: أن للإنسان خالقا حكيما، من حقه أن يصنع له وجوده الاجتماعي، و يحد طريقته في الحياة.

و هذا ما لا يمكن للرأسمالية أن تقره، في ضوء مفهومها الأساسي القائل: بفصل الدين عن واقع الحياة، و سحبه من كل الحقول الاجتماعية العامة.

و قد يبرر الضغط و التحديد، بوصفه قوة نابعة من داخل الإنسان، و مفروضة عليه من ضميره الذي يفرض عليه قيما خلقية، و حدودا معينة لسلوكه مع الآخرين و موقفه من المجتمع. و لكن الضمير ليس بمفهومه في فلسفة الأخلاق عند الرأسمالية، إلا انعكاسا داخليا للعرف أو العادات، أو أي تحديد آخر يفرض على الفرد من الخارج. فالضمير في نهاية التحليل ضغط خارجي، و ليس نابعا من الأعماق الداخلية.

و هكذا تنتهي الرأسمالي إلى العجز عن تفسير الضغط على الحرية، عن طريق الضرورة التأريخية، أو الدين، أو الضمير.

و هكذا يرتبط موقفها من الحرية بجذورها الفكرية، و مفاهيمها الرئيسية عن‌

277

الكون و الإنسان، عن التأريخ و الدين و الأخلاق.

و على هذا الأساس وضعت الرأسمالي مفهومها السياسي عن الحكومة، و مختلف السلطات الاجتماعية. فهي لا ترى مبررا لتدخل هذه السلطات في حريات الأفراد، إلا بالقدر الذي يتطلبه الحفاظ عليها، و صيانتها عن الفوضى و الاصطدام، لأن هذا هو القدر الذي يسمح به الأفراد أنفسهم. و أما التدخل خارج هذه الحدود، فلا مسوغ له من حتمية تأريخية، أو دين، أو قيم و أخلاق. و من الطبيعي عندئذ أن تنتهي الرأسمالية من تسلسلها الفكري، إلى: التأكيد على الحرية في المجال الاقتصادي، و رفض فكره قيام السلطة بوضع أي ضمانات أو تحديدات.

هذه هي مفاهيم الرأسمالية في ترابطها العام، الذي ينتهي إلى الأسس الفكرية العامة.

و هذه هي وجهة النظر التي يجب تمحيص تلك المفاهيم، و بالتالي تفنيدها، على أساس تلك النظرة‌

278

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

279

اقتصادنا في معالمه الرئيسيّة

1- الهيكل العام للاقتصاد الإسلامي 2- الاقتصاد الإسلامي جزء من كل 3- الإطار العام للاقتصاد الإسلامي 4- الاقتصاد الإسلامي ليس علما 5- علاقات التوزيع منفصلة عن شكل الإنتاج 6- المشكلة الاقتصادية في نظر الإسلام، و حلولها

280

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

281

1- الهيكل العام للاقتصاد الإسلامي

يتألف الهيكل العام للاقتصاد الإسلامي من أركان رئيسية ثلاثة، يتحدد وفقا لها محتواه المذهبي، و يتميز بذلك عن سائر المذاهب الاقتصادية الأخرى في خطوطها العريضة. و هذه الأركان هي كما يلي:

1- مبدأ الملكية المزدوجة.

2- مبدأ الحرية الاقتصادية في نطاق محدود.

3- مبدأ العدالة الاجتماعية.

و سوف نتناول هذه الأركان الرئيسية بالشرح و التفسير، فنكوّن فكره عامة عن الاقتصاد الإسلامي، كي يتاح لنا مجال البحث بصورة أوسع، في تفاصيله و خصائصه المذهبية.

1- مبدأ الملكية المزدوجة:

يختلف الإسلام عن الرأسمالية و الاشتراكية، في نوعية الملكية التي يقررها، اختلافا جوهريا.

فالمجتمع الرأسمالي يؤمن بالشكل الخاص الفردي للملكية، أي: بالملكية الخاصة، كقاعدة عامة. فهو يسمح للأفراد بالملكية الخاصة لمختلف أنواع الثروة في البلاد، تبعا لنشاطاتهم و ظروفهم. و لا يعترف بالملكية العامة إلا حين تفرض الضرورة‌

282

الاجتماعية، و تبرهن التجربة على وجوب تأميم هذا المرفق أو ذاك. فتكون هذه الضرورة حالة استثنائية، يضطر المجتمع الرأسمالي على أساسها، إلى الخروج عن مبدأ الملكية الخاصة، و استثناء مرفق أو ثروة معينة من مجالها.

و المجتمع الاشتراكي على العكس تماما من ذلك. فإن الملكية الاشتراكية فيه هي المبدأ العام، الذي يطبق على كل أنواع الثروة في البلاد. و ليست الملكية الخاصة لبعض الثروات في نظره إلا شذوذا و استثناء، قد يعترف به أحيانا بحكم ضرورة اجتماعية قاهرة.

و على أساس هاتين النظرتين المتعاكستين، للرأسمالية و الاشتراكية، يطلق اسم:

«المجتمع الرأسمالي»، على كل مجتمع يؤمن: بالملكية الخاصة بوصفها المبدأ الوحيد، و بالتأميم باعتباره استثناء و معالجة لضرورة اجتماعية، كما يطلق اسم: «المجتمع الاشتراكي» على كل مجتمع يرى: أن الملكية الاشتراكية هي المبدأ، و لا يعترف بالملكية الخاصة إلا في حالات استثنائية.

و أما المجتمع الإسلامي، فلا تنطبق عليه الصفة الأساسية لكل من المجتمعين، لأن المذهب الإسلامي لا يتفق مع الرأسمالية في القول: بأن الملكية الخاصة هي المبدأ، و لا مع الاشتراكية في اعتبارها للملكية الاشتراكية مبدأ عاما، بل إنه يقرر الإشكال المختلفة للملكية في وقت واحد، فيضع بذلك مبدأ الملكية المزدوجة (الملكية ذات الأشكال المتنوعة)، بدلا عن مبدأ الشكل الواحد للملكية، الذي أخذت به الرأسمالية و الاشتراكية.

فهو يؤمن: بالملكية الخاصة، و الملكية العامة، و ملكية الدولة، و يخصص لكل واحد من هذه الأشكال الثلاثة للملكية حقلا خاصا تعمل فيه، و لا يعتبر شيئا منها شذوذا و استثناء، أو علاجا مؤقتا اقتضته الظروف.

و لهذا كان من الخطأ أن يسمى المجتمع الإسلامي، مجتمعا رأسماليا، و إن سمح بالملكية الخاصة، لعدة من رءوس الأموال و وسائل الإنتاج، لأن الملكية الخاصة عنده ليست هي القاعدة العامة. كما أن من الخطأ أن نطلق على المجتمع الإسلامي، اسم المجتمع الاشتراكي، و إن أخذ بمبدإ الملكية العامة، و ملكية الدولة في بعض الثروات‌

283

و رءوس الأموال، لأن الشكل الاشتراكي للملكية ليس هو القاعدة العامة في رأيه.

و كذلك من الخطأ أيضا أن يعتبر مزاجا مركبا من هذا و ذاك، لأن تنوع الأشكال الرئيسية للملكية في المجتمع الإسلامي، لا يعني: أن الإسلام مزج بين المذهبين:

الرأسمالي و الاشتراكي، و أخذ من كل منهما جانبا، و انما يعبر ذلك التنوع في إشكال الملكية، عن تصميم مذهبي أصيل، قائم على أسس و قواعد فكرية معينة، و موضوع ضمن إطار خاص من القيم و المفاهيم، تناقض الأسس و القواعد و القيم و المفاهيم، التي قامت عليها الرأسمالية الحرة، و الاشتراكية الماركسية.

و ليس هناك أدل على صحة الموقف الإسلامي من الملكية، القائم على أساس مبدأ الملكية المزدوجة، من واقع التجربتين الرأسمالية و الاشتراكية.

فإن كلتا التجربتين اضطرتا إلى الاعتراف بالشكل الآخر للملكية، الذي يتعارض مع القاعدة العامة فيهما، لأن الواقع برهن على خطأ الفكرة القائلة بالشكل الواحد للملكية. فقد بدأ المجتمع الرأسمالي منذ أمد طويل يأخذ بفكرة التأميم، و ينزع عن بعض المرافق إطار الملكية الخاصة. و ليست حركة التأميم هذه إلا اعترافا ضمنيا من المجتمعات الرأسمالية: بعدم جدارة المبدأ الرأسمالي في الملكية، و محاولة لمعالجة ما نجم عن ذلك المبدأ من مضاعفات و تناقضات.

كما أن المجتمع الاشتراكي من الناحية الأخرى، وجد نفسه- بالرغم من حداثته- مضطرا أيضا إلى الاعتراف بالملكية الخاصة، قانونيا حينا، و بشكل غير قانوني أحيانا أخرى. فمن اعترافه القانوني بذلك، ما تضمنته المادة السابعة في الدستور السوفياتي، من النص على: أن لكل عائلة من عوائل المزرعة التعاونية، بالإضافة إلى دخلها الأساسي الذي يأتيها من اقتصاد المزرعة التعاونية المشترك، قطعة من الأرض خاصة بها، و ملحقة بمحل السكن، و لها في الأرض اقتصاد إضافي، و منزل للسكنى، و ماشية منتجة و طيور و أدوات زراعية بسيطة، كملكية خاصة.

و كذلك سمحت المادة التاسعة بتملك الفلاحين الفرديين و الحرفيين، لمشاريع اقتصادية صغيرة، و قيام هذه الملكيات الصغيرة إلى جانب النظام الاشتراكي السائد.

284

2- مبدأ الحرية الاقتصادية في نطاق محدود:

و الثاني من أركان الاقتصاد الإسلامي، السماح للأفراد على الصعيد الاقتصادي بحرية محدودة، بحدود من القيم المعنوية و الخلقية التي يؤمن بها الإسلام.

و في هذا الركن نجد أيضا الاختلاف البارز بين الاقتصاد الإسلامي، و الاقتصادين: الرأسمالي و الاشتراكي. فبينما يمارس الأفراد حريات غير محدودة في ظل الاقتصاد الرأسمالي، و بينما يصادر الاقتصاد الاشتراكي حريات الجميع، يقف الإسلام موقفه الذي يتفق مع طبيعته العامة، فيسمح للأفراد بممارسة حرياتهم ضمن نطاق القيم و المثل، التي تهذب الحرية و تصقلها، و تجعل منها أداة خير للإنسانية كلها.

و التحديد الإسلامي للحرية الاجتماعية في الحقل الاقتصادي على قسمين:

أحدهما: التحديد الذاتي الذي ينبع من أعماق النفس، و يستمد قوته و رصيده من المحتوى الروحي و الفكري للشخصية الإسلامية.

و الآخر: التحديد الموضوعي الذي يعبر عن قوة خارجية، تحدد السلوك الاجتماعي و تضبطه.

أما التحديد الذاتي: فهو يتكون طبيعيا في ظل التربية الخاصة، التي ينشئ الإسلام عليها الفرد في المجتمع الذي يتحكم الإسلام في كل مرافق حياته (المجتمع الإسلامي). فان للإطارات الفكرية و الروحية التي يصوغ الإسلام الشخصية الإسلامية ضمنها، حين يعطى فرصة مباشرة واقع الحياة و صنع التأريخ على أساسه، إن لتلك الإطارات قوتها المعنوية الهائلة، و تأثيرها الكبير في التحديد ذاتيا و طبيعيا من الحرية، الممنوحة لأفراد المجتمع الإسلامي، و توجيهها توجيها مهذبا صالحا، دون أن يشعر الأفراد بسلب شي‌ء من حريتهم، لأن التحديد نبع من واقعهم الروحي و الفكري، فلا يجدون فيه حدا لحرياتهم. و لذلك لم يكن التحديد الذاتي تحديدا للحرية في الحقيقة، و إنما هو عملية إنشاء للمحتوى الداخلي للإنسان الحر، إنشاء معنويا صالحا، حيث تؤدي الحرية في ظله رسالتها الصحيحة.

285

و قد كان لهذا التحديد الذاتي نتائجه الرائعة، و آثاره الكبيرة في تكوين طبيعة المجتمع الإسلامي و مزاجه العام. و بالرغم من أن التجربة الإسلامية الكاملة كانت قصيرة الأمد، فقد آتت ثمارها، و فجّرت في النفس البشرية إمكاناتها المثالية العالية، و منحتها رصيدا روحيا زاخرا بمشاعر العدل و الخير و الإحسان، و لو قدر لتلك التجربة أن تستمر و تمتد في عمر الإنسانية، أكثر مما امتدت في شوطها التاريخي القصير، لاستطاعت أن تبرهن على كفاءة الإنسانية لخلافة الأرض، و لصنعت عالما جديدا زاخرا بمشاعر العدل و الرحمة و اجتثت من النفس البشرية أكثر ما يمكن استئصاله من عناصر الشر، و دوافع الظلم و الفساد.

و ناهيك من نتائج التحديد الذاتي، أنه ظل وحده هو الضامن الأساسي لإعمال البر و الخير في مجتمع المسلمين، منذ خسر الإسلام تجربته للحياة، و فقد قيادته السياسية و إمامته الاجتماعية. و بالرغم من ابتعاد المسلمين عن روح تلك التجربة و القيادة، بعدا زمنيا امتد قرونا عديدة، و بعدا روحيا يقدر بانخفاض مستوياتهم الفكرية و النفسية، و اعتيادهم على ألوان أخرى للحياة الاجتماعية و السياسية، بالرغم من ذلك كله، فقد كان للتحديد الذاتي، الذي وضع الإسلام نواته في تجربته الكاملة للحياة، دوره الإيجابي الفعال، في ضمان أعمال البر و الخير، التي تتمثل في إقدام الملايين من المسلمين بمل‌ء حريتهم، المتبلورة في إطار ذلك التحديد، على دفع الزكاة و غيرها من حقوق اللّه، و المساهمة في تحقيق مفاهيم الإسلام عن العدل الاجتماعي.

فما ذا تقدر من نتائج في ضوء هذا الواقع، لو كان هؤلاء المسلمون يعيشون التجربة الإسلامية الكاملة، و كان مجتمعهم تجسيدا كاملا للإسلام، في أفكاره و قيمه و سياسته، و تعبيرا عمليا عن مفاهيمه و مثله! و أما التحديد الموضوعي للحرية، فنعني به: التحديد الذي يفرض على الفرد في المجتمع الإسلامي من خارج، بقوة الشرع. و يقوم هذا التحديد الموضوعي للحرية في الإسلام، على المبدأ القائل: إنه لا حرية للشخص فيما نصت عليه الشريعة‌

286

المقدسة، من ألوان النشاط التي تتعارض مع المثل و الغايات التي يؤمن الإسلام بضرورتها. (1)

و قد تم تنفيذ هذا المبدأ في الإسلام بالطريقة التالية:

أولا: كفلت الشريعة في مصادرها العامة، النص على المنع عن مجموعة من النشاطات الاقتصادية و الاجتماعية، المعيقة- في نظر الإسلام- عن تحقيق المثل و القيم التي يتبناها الإسلام، كالربا و الاحتكار و غير ذلك. (2)

و ثانيا: وضعت الشريعة مبدأ إشراف ولي الأمر على النشاط العام، و تدخل الدولة لحماية المصالح العامة و حراستها، بالتحديد من حريات الأفراد فيما يمارسون من أعمال (3). و قد كان وضع الإسلام لهذا المبدأ ضروريا، لكي يضمن تحقيق مثله و مفاهيمه في العدالة الاجتماعية على مر الزمن.

فإن متطلبات العدالة الاجتماعية التي يدعو إليها الإسلام، تختلف باختلاف الظروف الاقتصادية للمجتمع، و لأوضاع المادية التي تكتنفه. فقد يكون القيام بعمل مضرا بالمجتمع و كيانه الضروري، في زمان دون زمان، فلا يمكن تفصيل ذلك في صيغ دستورية ثابتة، و إنما السبيل الوحيد هو فسح المجال لولي الأمر، ليمارس وظيفته بصفته سلطة مراقبة و موجهة، و محددة لحريات الأفراد فيما يفعلون أو يتركون، من الأمور المباحة في الشرع، وفقا للمثل الإسلامي في المجتمع.

و الأصل التشريعي لمبدإ الإشراف و التدخل هو القرآن الكريم، في قوله تعالى:

أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (4). فإن هذا النص دل بوضوح على وجوب إطاعة أولي الأمر. و لا خلاف بين المسلمين، في: أن أولي الأمر هم أصحاب السلطة الشرعية في المجتمع الإسلامي، و إن اختلفوا في تعيينهم و تحديد شروطهم و صفاتهم.

____________

(1) لاحظ (علل الشرائع) ج 1، ص 253، و (جواهر الكلام) ج 22، ص 9 و 10، و (الميزان) ج 1، ص 253.

(2) لاحظ (جواهر الكلام) ج 22، ص 9- 195، و (إيصال الطالب) ج 10، ص 395.

(3) لاحظ (علل الشرائع) ج 1، ص 253، و (إيصال الطالب) ج 7، ص 171- 179.

(4) النساء/ 59.

287

فللسلطة الإسلامية العليا إذن حق الطاعة و التدخل، لحماية المجتمع و تحقيق التوازن الإسلامي فيه، على أن يكون هذا التدخل، ضمن دائرة الشريعة المقدسة.

فلا يجوز للدولة أو لولي الأمر أن يحلل الربا، أو يجيز الغش، أو يعطل قانون الإرث، أو يلغي ملكية ثابتة في المجتمع على أساس إسلامي.، و إنما يسمح لولي الأمر في الإسلام، بالنسبة إلى التصرفات و الأعمال المباحة في الشريعة، أن يتدخل فيها، فيمنع عنها أو يأمر بها، وفقا للمثل الإسلامي للمجتمع (1). فإحياء الأرض، و استخراج المعادن، و شق الأنهار، و غير ذلك من ألوان النشاط و الاتجار، أعمال مباحة سمحت بها الشريعة سماحا عاما، و وضعت لكل عمل نتائجه الشرعية التي تترتب عليه، فإذا رأى ولي الأمر أن يمنع عن القيام بشي‌ء من تلك التصرفات أو يأمر به، في حدود صلاحياته، كان له ذلك، وفقا للمبدأ الآنف الذكر.

و قد كان رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- يطبق مبدأ التدخل هذا، حين تقضي الحاجة و يتطلب الموقف شيئا من التدخل و التوجيه. و من أمثلة ذلك ما جاء في الحديث الصحيح عنه- (صلى اللّه عليه و آله)- من: «أنه قضى بين أهل المدينة في مشارب النخل: أنه لا يمنع نفع الشي‌ء، و قضى بين أهل البادية: أنه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلأ، و قال: لا ضرر و لا ضرار» (2). فإن من الواضح لدى الفقهاء: أن منع نفع الشي‌ء أو فضل الماء، ليس محرما بصورة عامة في الشريعة المقدسة. و في هذا الضوء نعرف: أن النبي لم يحرم على أهل المدينة منع نفع الشي‌ء، أو منع فضل الماء بصفته رسولا مبلغا للأحكام الشرعية العامة، و إنما حرم ذلك بوصفه ولي الأمر، المسؤول عن تنظيم الحياة الاقتصادية للمجتمع، و توجيهها توجيها لا يتعارض مع المصلحة العامة التي يقدرها. و قد يكون هذا هو السبب الذي جعل الرواية تعبر عن تحريم النبي (ص): بالقضاء لا بالنهي، نظرا إلى أن القضاء لون من الحكم (3).

____________

(1) لاحظ (تحف العقول) ص 347، و (إيصال الطالب) ج 7، ص 187- 195.

(2) (الوسائل) ج 17، ص 333، الحديث 32241.

(3) و قد اعتقد بعض الفقهاء، في قضاء النبي بأن لا يمنع فضل الماء أو نفع الشي‌ء: أنه نهي كراهة لا نهي تحريم. و إنما اضطروا إلى هذا اللون من التأويل و انتزاع طابع الحتم و الوجوب عن قضاء النبي؛ اعتقادا منهم: بأن الحديث لا يتحمل إلا أحد معنيين: فإما أن يكون نهي النبي تحريما، فيصبح منع فضل الماء و الكلاء محرما في الشريعة، كتحريم الخمر و غيره من المحرمات العامة، و إما أن يكون النهي ترجيحا و استحسانا، لسخاء المالك بفضل ماله. و لما كان المعنى الأول غريبا عن الذهنية الفقهية، فيجب الأخذ بالتفسير الثاني. و لكن هذا في الواقع لا يبرر تأويل قضاء النبي و تفسيره بالترجيح و الاستحسان، ما دام من الممكن أن نحتفظ لقضاء النبي بطابع الحتم و الوجوب، كما يشع به اللفظ، و نفهمه بوصفه حكما صدر من النبي بما هو ولي الأمر، نظرا إلى الظروف الخاصة التي كان المسلمون يعيشونها، و ليس حكما شرعيا عاما كتحريم الخمر أو الميسر. (من المؤلف)

288

و سوف نتناول هذا المبدأ (مبدأ الإشراف و التدخل)، بشكل أوسع و بصورة أكثر وضوحا و تحديدا، في بحث مقبل. (1)

3- مبدأ العدالة الاجتماعية:

و الركن الثالث في الاقتصاد الإسلامي، هو: مبدأ العدالة الاجتماعية التي جسدها الإسلام، فيما زود به نظام توزيع الثروة في المجتمع الإسلامي، من عناصر و ضمانات، تكفل للتوزيع قدرته على تحقيق العدالة الإسلامية، و انسجامه مع القيم التي يرتكز عليها. فإن الإسلام حين أدرج العدالة الاجتماعية ضمن المبادئ الأساسية، التي يتكون منها مذهبه الاقتصادي، لم يتبين العدالة الاجتماعية بمفهومها التجريدي العام، و لم يناد بها بشكل مفتوح لكل تفسير، و لا أوكله إلى المجتمعات الإنسانية التي تختلف في نظرتها للعدالة الاجتماعية، باختلاف أفكارها الحضارية و مفاهيمها عن الحياة، و إنما حدد الإسلام هذا المفهوم و بلوره، في مخطط اجتماعي معين، و استطاع- بعد ذلك- أن يجسد هذا التصميم في واقع اجتماعي حي، تنبض جميع شرايينه و أوردته بالمفهوم الإسلامي للعدالة.

فلا يكفي أن نعرف من الإسلام مناداته بالعدالة الاجتماعية، و إنما يجب أن نعرف أيضا تصوراته التفصيلية للعدالة، و مدلولها الإسلامي الخاص.

____________

(1) راجع «مبدأ تدخل الدولة»، ص 685 من الكتاب.

289

و الصورة الإسلامية للعدالة الاجتماعية تحتوي على مبدئين عامين، لكل منهما خطوطه و تفصيلاته: أحدهما: مبدأ التكافل العام، و الآخر: مبدأ التوازن الاجتماعي.

و في التكافل و التوازن بمفهومهما الإسلامي، تحقق القيم الاجتماعية العادلة، و يوجد المثل الإسلامي للعدالة الاجتماعية، كما سنرى في فصل قادم. (1)

و خطوات الإسلام، التي خطاها في سبيل إيجاد المجتمع الإنساني الأفضل، عبر تجربته التأريخية المشعة، كانت واضحة و صريحة في اهتمامه بهذا الركن الرئيسي من اقتصاده.

و قد انعكس هذا الاهتمام بوضوح، في الخطاب الأول الذي ألقاه النبي (ص)، و في أول عمل سياسي باشره في دولته الجديدة.

فإن الرسول الأعظم دشن بياناته التوجيهية- كما في الرواية- بخطابه هذا:

«أما بعد، أيها الناس، فقدموا لأنفسكم، تعلمن و اللّه، ليصعقن أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن له ربهم: أ لم يأتك رسولي فبلغك، و آتيتك مالا و أفضلت عليك؟! فما قدمت لنفسك؟! فلينظرن يمينا و شمالا فلا يرى شيئا، ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم. فمن استطاع أن يقي وجهه من النار- و لو بشق تمرة- فليفعل، و من لم يجد فبكلمة طيبة، فإنها تجزى الحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته». (2)

و بدأ عمله السياسي بالمؤاخاة بين المهاجرين و الأنصار، و تطبيق مبدأ التكافل بينهم، بغية تحقيق العدالة الاجتماعية التي يتوخاها الإسلام.

فهذه هي الأركان الأساسية في الاقتصاد الإسلامي:

أولا: ملكية ذات أشكال متنوعة، يتحدد التوزيع في ضوئها (3).

____________

(1) راجع «الضمان الاجتماعى» ص 661، و «التوازن الاجتماعى» ص 671 من الكتاب.

(2) (كنز العمال) ج 6، ص 367، الحديث 16101، مع اختلاف.

(3) لاحظ (شرائع الإسلام) ج 3، ص 736 و 756، و (مفتاح الكرامة) ج 7، ص 3 و 9.

290

ثانيا: حرية محدودة بالقيم الإسلامية، في مجالات الإنتاج، و التبادل، و الاستهلاك (1).

ثالثا: عدالة اجتماعية تكفل للمجتمع سعادته، قوامها التكافل و التوازن.

و للمذهب الاقتصادي في الإسلام صفتان أساسيتان، تشعان في مختلف خطوطه و تفاصيله، و هما: الواقعية، و الأخلاقية. فالاقتصاد الإسلامي اقتصاد واقعي و أخلاقي معا، في غاياته التي يرمى إلى تحقيقها، و في الطريقة التي يتخذها لذلك.

فهو اقتصاد واقعي في غايته، لأنه يستهدف في أنظمته و قوانينه الغايات التي تنسجم مع واقع الإنسانية، بطبيعتها و نوازعها و خصائصها العامة، و يحاول دائما أن لا يرهق الإنسانية في حسابه التشريعي، و لا يحلق بها في أجواء خيالية عالية فوق طاقاتها و إمكاناتها، و إنما يقيم مخططه الاقتصادي دائما على أساس النظرة الواقعية للإنسان، و يتوخى الغايات الواقعية التي تتفق مع تلك النظرة. فقد يلذ لاقتصاد خيالي كالشيوعية مثلا، أن يتبنى غاية غير واقعية، و يرمي إلى تحقيق إنسانية جديدة طاهرة من كل نوازع الأنانية، قادرة على توزيع الأعمال و الأموال بينها، دون حاجة إلى أداة حكومية تباشر التوزيع، سليمة من كل ألوان الاختلاف أو الصراع.، غير أن هذا لا يتفق مع طبيعة التشريع الإسلامي، و ما اتصف به من واقعية في غاياته و أهدافه.

و هو- إلى هذا- واقعي في طريقته أيضا. فكما يستهدف غايات واقعية ممكنة التحقيق، كذلك يضمن تحقيق هذه الغايات ضمانا واقعيا ماديا، و لا يكتفي بضمانات النصح و التوجيه، التي يقدمها الوعاظ و المرشدون، لأنه يريد أن يخرج تلك الأهداف إلى حيز التنفيذ، فلا يقنع بإيكالها إلى رحمة الصدف و التقادير. فحين يستهدف مثلا إيجاد التكافل العام في المجتمع، لا يتوسل إليه بأساليب التوجيه‌

____________

(1) لاحظ (تحف العقول) ص 204 و 282، و (جواهر الكلام) ج 22، ص 9، و (الميزان) ج 4، ص 116.

291

و استثارة العواطف فحسب، و إنما يسنده بضمان تشريعي، يجعله ضروري التحقيق على كل حال.

و الصفة الثانية للاقتصاد الإسلامي، و هي الصفة الأخلاقية، تعني- من ناحية الغاية-: أن الإسلام لا يستمد غاياته التي يسعى إلى تحقيقها في حياة المجتمع الاقتصادية، من ظروف مادية و شروط طبيعية مستقلة عن الإنسان نفسه- كما تستوحي الماركسية غاياتها من وضع القوى المنتجة و ظروفها- و إنما ينظر إلى تلك الغايات، بوصفها معبرة عن قيم عملية ضرورية التحقيق من ناحية خلقية. فحين يقرر ضمان حياة العامل مثلا، لا يؤمن: بأن هذا الضمان الاجتماعي الذي وضعه، نابع من الظروف المادية للإنتاج مثلا، و إنما يعتبره ممثلا لقيمة عملية يجب تحقيقها، كما سندرس ذلك بصورة مفصلة خلال بحوث هذا الفصل.

و تعني الصفة الخلقية- من ناحية الطريقة-: أن الإسلام يهتم بالعامل النفسي، خلال الطريقة التي يضعها لتحقيق أهدافه و غاياته. فهو في الطريقة التي يضعها لذلك، لا يهتم بالجانب الموضوعي فحسب- و هو أن تحقق تلك الغايات- و إنما يعني بوجه خاص، بمزج العامل النفسي و الذاتي بالطريقة التي تحقق تلك الغايات. فقد يؤخذ من الغني مال لإشباع الفقير مثلا، و يتأتى بذلك للفقير أن يشبع حاجاته، و توجد بذلك الغاية الموضوعية التي يتوخاها الاقتصاد الإسلامي، من وراء مبدأ التكافل. و لكن هذا ليس هو كل المسألة في حساب الإسلام، بل هناك الطريقة التي تم بها تحقيق التكافل العام، لأن هذه الطريقة قد تعني مجرد استعمال القوة في انتزاع ضريبة من الأغنياء لكفالة الفقراء. و هذا و إن كفى في تحقيق الجانب الموضوعي من المسألة، أي: إشباع الفقير، و لكن الإسلام لا يقر ذلك، ما دامت طريقة تحقيق التكافل مجردة عن الدافع الخلقي، و العامل الخير في نفس الغني. و لأجل ذلك تدخل الإسلام، و جعل من الفرائض المالية- التي استهدف منها إيجاد التكافل- عبادات شرعية، يجب أن تنبع عن دافع نفسي نير، يدفع الإنسان إلى المساهمة في تحقيق غايات الاقتصاد الإسلامي، بشكل واع مقصود، طلبا بذلك رضا اللّه تعالى و القرب منه.

292

و لا غرو أن يكون للإسلام هذا الاهتمام بالعامل النفسي، و هذا الحرص على تكوينه روحيا و فكريا، طبقا لغاياته و مفاهيمه، فإن لطبيعة العوامل الذاتية التي تعتلج في نفس الإنسان، أثرها الكبير في تكوين شخصية الإنسان، و تحديد محتواه الروحي، كما أن للعامل الذاتي أثره الكبير على الحياة الاجتماعية و مشاكلها و حلولها. و قد بات من الواضح لدى الجميع اليوم: أن العامل النفسي يلعب دورا رئيسيا في المجال الاقتصادي. فهو يؤثر في حدوث الأزمات الدورية، التي يضج من ويلاتها الاقتصاد الأوروبي، و يؤثر أيضا على منحني العرض و الطلب، و في الكفاءة الإنتاجية للعامل، إلى غير ذلك من عناصر الاقتصاد.

فالإسلام إذن لا يقتصر في مذهبه و تعاليمه، على تنظيم الوجه الخارجي للمجتمع، و إنما ينفذ إلى أعماقه الروحية و الفكرية، ليوفق بين المحتوى الداخلي، و ما يرسمه من مخطط اقتصادي و اجتماعي. و لا يكتفي في طريقته أن يتخذ أي أسلوب يكفل تحقيق غاياته، و إنما يمزج هذا الأسلوب بالعامل النفسي و الدافع الذاتي، الذي ينسجم مع تلك الغايات و مفاهيمها.

293

2- الاقتصاد الإسلامي جزء من كل

إننا في وعينا للاقتصاد الإسلامي، لا يجوز أن ندرسه مجزءا بعضه عن بعض، نظير أن ندرس حكم الإسلام بحرمة الربا، أو سماحه بالملكية الخاصة، بصورة منفصلة عن سائر أجزاء المخطط العام.

كما لا يجوز أيضا أن ندرس مجموع الاقتصاد الإسلامي، بوصفه شيئا منفصلا و كيانا مذهبيا مستقلا، عن سائر كيانات المذهب (الاجتماعية و السياسية.)

الأخرى، و عن طبيعة العلاقات القائمة بين تلك الكيانات، و انما يجب أن نعي الاقتصاد الإسلامي ضمن الصيغة الإسلامية العامة، التي تنظم شتّى نواحي الحياة في المجتمع. فكما ندرك الشي‌ء المحسوس ضمن صيغة عامة تتألف من مجموعة أشياء، و تختلف النظرة إلى الشي‌ء ضمن الصيغة العامة عن النظرة إليه خارج تلك الصيغة، أو ضمن صيغة أخرى، حتى لقد يبدو الخط قصيرا ضمن تركيب معين من الخطوط، و يبدو أطول من ذلك إذا تغير تركيب الخطوط، كذلك أيضا تلعب الصيغ العامة للمذاهب الاجتماعية، دورا مهما في تقدير مخططاتها الاقتصادية.

فمن الخطأ أن لا نعير الصيغة الإسلامية العامة أهميتها، و أن لا ندخل في الحساب طبيعة العلاقة بين الاقتصاد و سائر أجزاء المذهب، و التأثير المتبادل بينها في كيانه العضوي العام.

294

كما يجب أيضا أن لا نفصل بين المذهب الإسلامي بصيغته العامة، و بين أرضيته الخاصة التي أعدت له، و هيأ فيها كل عناصر البقاء و القوة للمذهب.

فكما ندرك الصيغ المحسوسة على أرضيات مختلفة، و ينسجم كل شكل مع أرضية معينة، فقد لا تصلح أرضية لشكل آخر، و لا يصلح ذلك الشكل لأرضية أخرى، كذلك الصيغة العامة للمذهب- أي مذهب كان- تحتاج إلى أرضية و تربة، تتفق مع طبيعتها، و تمدها بالعقيدة و المفاهيم و العواطف التي تلائمها. فلا بد لدى تقدير الصيغة العامة للمذهب، أن ندرسها على أساس التربة و الأرضية المعدة لها، أي: ضمن إطارها العام.

و هكذا يتضح: أن الاقتصاد الإسلامي مترابط في خطوطه و تفاصيله، و هو بدوره جزء من صيغة عامة للحياة (1)، و هذه الصيغة لها أرضية خاصة بها، و يوجد المجتمع الإسلامي الكامل حين يكتسب الصيغة و الأرضية معا، حين يحصل على النبتة و التربة كليهما. و يستقيم منهج البحث في الاقتصاد الإسلامي، حين يدرس الاقتصاد الإسلامي بما هو مخطط مترابط، و بوصفه جزءا من الصيغة الإسلامية العامة للحياة، التي ترتكز بدورها على التربة و الأرضية، التي أعدها الإسلام للمجتمع الإسلامي الصحيح.

و تتكون التربة أو الأرضية للمجتمع الإسلامي، و مذهبه الاجتماعي، من العناصر التالية:

أولا: العقيدة، و هي القاعدة المركزية في التفكير الإسلامي، التي تحدد نظرة المسلم الرئيسية إلى الكون بصورة عامة.

و ثانيا: المفاهيم التي تعكس وجهة نظر الإسلام في تفسير الأشياء، على ضوء النظرة العامة التي تبلورها العقيدة.

و ثالثا: العواطف و الأحاسيس التي يتبنى الإسلام بثها و تنميتها، إلى صف تلك المفاهيم، لأن المفهوم- بصفته فكره إسلامية عن واقع معين- يفجر في نفس المسلم‌

____________

(1) لاحظ (الميزان) ج 4، ص 109.

295

شعورا خاصا تجاه ذلك الواقع، و يحدد اتجاهه العاطفي نحوه. فالعواطف الإسلامية وليدة المفاهيم الإسلامية، و المفاهيم الإسلامية بدورها موضوعة في ضوء العقيدة الإسلامية الأساسية. و لنأخذ لذلك مثلا من التقوى. ففي ظل عقيدة التوحيد ينشأ المفهوم الإسلامي عن التقوى، القائل: إن التقوى هي ميزان الكرامة و التفاضل بين أفراد الإنسان، و تتولد عن هذا المفهوم عاطفة إسلامية بالنسبة إلى التقوى و المتقين، و هي: عاطفة الإجلال و الاحترام.

فهذه هي العناصر الثلاثة: العقيدة، و المفاهيم، و العواطف، التي تشترك في تكوين التربة الصالحة للمجتمع. (1)

ثم يأتي- بعد التربة- دور الصيغة الإسلامية العامة للحياة، كلا لا يتجزأ، يمتد إلى مختلف شعب الحياة. و عند ما يستكمل المجتمع الإسلامي تربته و صيغته العامة، عندئذ فقط نستطيع أن نترقب من الاقتصاد الإسلامي، أن يقوم برسالته الفذة في الحياة الاقتصادية، و أن يضمن للمجتمع أسباب السعادة و الرفاه، و أن نقطف منه أعظم الثمار. و أما أن ننتظر من الرسالة الإسلامية الكبرى، أن تحقق كل أهدافها من جانب معين من جوانب الحياة، إذا طبقت في ذلك الجانب بصورة منفصلة عن سائر شعب الحياة الأخرى، فهذا خطأ، لأن الارتباط القائم في التصميم الإسلامي الجبار للمجتمع، بين كل جانب منه و جوانبه الأخرى، يجعل شأنه شأن خريطة يضعها أبرع المهندسين لإنشاء عمارة رائعة، فليس في إمكان هذه الخريطة أن تعكس الجمال و الروعة- كما أراد المهندس- إلا إذا طبقت بكاملها، و أما إذا أخذنا بها في بناء جزء من العمارة فقط، فليس من حقنا أن نترقب من هذا الجزء أن يكون كما أراد المهندس، في تصميمه للخريطة كلها.

و كذلك التصميم الإسلامي، فإن الإسلام اشترع نهجه الخاص به، و جعل منه الأداة الكاملة لإسعاد البشرية، على أن يطبق هذا النهج الإسلامي العظيم في بيئة إسلامية، قد صبغت على أساس الإسلام في وجودها و أفكارها و كيانها كله، و أن‌

____________

(1) لاحظ (البحار) ج 68، ص 191، و ج 74، ص 232 و 234، و (الوسائل) ج 8، ص 399.

296

يطبق كاملا غير منقوص يشد بعضه بعضا. فعزل كل جزء من النهج الإسلامي عن بيئته، و عن سائر الأجزاء، معناه عزله عن شروطه التي يتاح له في ظلها تحقيق هدفه الاسمي، و لا يعتبر هذا طعنا في التوجيهات الإسلامية، أو تقليلا من كفاءتها و جدارتها بقيادة المجتمع، فإنها في هذا بمثابة القوانين العلمية، التي تؤتي ثمارها متى توافرت الشروط التي تقتضيها هذه القوانين.

و نحن لا نستطيع في عرضنا هذا، أن نبرز جميع أوجه الارتباط في الاقتصاد الإسلامي، و أوجه الارتباط و التفاعل بينه و بين سائر ما يتصل به، من خصائص و عناصر إسلامية أخرى، و إنما نقتصر على نماذج من ذلك كما يلي:

1- ارتباط الاقتصاد الإسلامي بالعقيدة، التي هي مصدر التموين الروحي للمذهب. فإن العقيدة تدفع المسلم إلى التكيف وفقا للمذهب، بوصفه نابعا من تلك العقيدة، و تضفي على المذهب طابعا إيمانيا و قيمة ذاتية، بقطع النظر عن نوعية النتائج الموضوعية التي يسجلها في مجال التطبيق العملي، و تخلق في نفس المسلم شعورا بالاطمئنان النفسي في ظل المذهب، باعتباره منبثقا عن تلك العقيدة التي يدين بها. فقوة ضمان التنفيذ، و الطابع الإيماني و الروحي، و الاطمئنان النفسي، كل تلك الخصائص يتميز بها الاقتصاد الإسلامي، عن طريق العقيدة الأساسية التي يرتكز عليها، و يتكون ضمن إطارها العام. و هي لذلك لا تظهر لدى البحث، إلا إذا درس الاقتصاد الإسلامي على ضوء العقيدة و مدى تفاعله بها.

2- ارتباط الاقتصاد الإسلامي بمفاهيم الإسلام عن الكون و الحياة، و طريقته الخاصة في تفسير الأشياء، كالمفهوم الإسلامي عن الملكية الخاصة و عن الربح.

فالإسلام يرى: أن الملكية حق رعاية يتضمن المسؤولية، و ليس سلطانا مطلقا.

كما يعطي للربح مفهوما أرحب و أوسع مما يعنيه في الحساب المادي الخالص، فيدخل في نطاق الربح- بمدلوله الإسلامي- كثير من النشاطات التي تعتبر خسارة بمنظار آخر غير إسلامي.

297

و من الطبيعي أن يكون لمفهوم الإسلام ذاك عن الملكية، أثره في كيفية الاستفادة من حق الملكية الخاصة و تحديدها، وفقا لإطارها الإسلامي. كما أن من الطبيعي أيضا، أن يتأثر الحقل الاقتصادي بمفهوم الإسلام عن الربح أيضا، بالدرجة التي يحددها مدى عمق المفهوم و تركزه، و بالتالي يؤثر المفهوم على مجرى الاقتصاد الإسلامي خلال تطبيقه. فلا بد أن يدرس من خلال ذلك، و لا يجوز أن يعزل عن تأثير المفاهيم الإسلامية المختلفة خلال التطبيق.

3- ارتباط الاقتصاد الإسلامي بما يبثه الإسلام في البيئة الإسلامية من عواطف و أحاسيس، قائمة على أساس مفاهيمه الخاصة، كعاطفة الأخوة العامة، التي تفجر في قلب كل مسلم ينبوعا من الحب للآخرين، و المشاركة لهم في آلامهم و أفراحهم.

و يثري هذا الينبوع و يتدفق، تبعا لدرجة الشعور العاطفي بالأخوة، و انصهار الكيان الروحي للإنسان بالعواطف الإسلامية، و التربية المفروضة في المجتمع الإسلامي. و هذه العواطف و المشاعر تلعب دورا خطيرا في تكييف الحياة الاقتصادية، و تساند المذهب فيما يستهدفه من غايات.

4- الارتباط بين المذهب الاقتصادي و السياسة المالية للدولة، إلى درجة تسمح باعتبار السياسة المالية جزءا من برنامج المذهب الاقتصادي للإسلام، لأنها وضعت بصورة تلتقي مع السياسة الاقتصادية العامة، و تعمل لتحقيق أهداف الاقتصاد الإسلامي. فالسياسة المالية في الإسلام لا تكتفي بتموين الدولة بنفقاتها اللازمة، و إنما تستهدف المساهمة في إقرار التوازن الاجتماعي و التكافل العام. و لهذا كان من الضروري اعتبار السياسة المالية جزءا من السياسة الاقتصادية العامة، و إدراج الأحكام المتعلقة بالتنظيم المالي للدولة، ضمن هيكل التشريع العام للحياة الاقتصادية، كما سنرى في البحوث الآتية (1).

5- الارتباط بين الاقتصاد الإسلامي و النظام السياسي في الإسلام، لما تؤدي عملية الفصل بينهما في البحث إلى خطأ في الدراسة. فللسلطة الحاكمة صلاحيات‌

____________

(1) راجع «مسؤولية الدولة في الاقتصاد الإسلامي» ص 659- 692 من الكتاب.

298

اقتصادية واسعة، و ملكيات كبيرة تتصرف فيها طبقا لاجتهادها. و هذه الصلاحيات و الملكيات يجب أن تقرن في الدرس دائما، بواقع السلطة في الإسلام، و الضمانات التي وضعها الإسلام لنزاهة ولي الأمر و استقامته، من العصمة أو الشورى و العدالة، على اختلاف المذاهب الإسلامية. ففي ضوء هذه الضمانات نستطيع أن ندرس مكانة الدولة في المذهب الاقتصادي، و نؤمن بصحة إعطائها الصلاحيات و الحقوق المفروضة لها في الإسلام.

6- الارتباط بين إلغاء رأس المال الربوي، و أحكام الإسلام الأخرى في المضاربة، و التكافل العام، و التوازن الاجتماعي. فإنه إذا درس تحريم الربا بصورة منفردة، كان مثارا لمشاكل خطيرة في الحياة الاقتصادية. و أما إذا أخذناه بوصفه جزءا من عملية واحدة مترابطة، فسوف نجد أن الإسلام وضع لتلك المشاكل حلولها الواضحة، التي تنسجم مع طبيعة التشريع الإسلامي و أهدافه و غاياته، و ذلك خلال أحكام المضاربة و التوازن و التكافل و النقد، كما سنرى في موضع قادم. (1)

7- الارتباط بين بعض أحكام الملكية الخاصة في الاقتصاد الإسلامي، و أحكام الجهاد التي تنظم علاقات المسلمين بغيرهم في حالات الحرب. فقد سمح الإسلام لولي الأمر باسترقاق الأسرى بوصفهم جزءا من الغنيمة، و توزيعهم على المجاهدين كما توزع سائر عناصر الغنيمة (2). و قد اعتاد أعداء الإسلام الصليبيون أن يعرضوا هذا الحكم من الشريعة الإسلامية منفصلا عن شروطه و ملابساته، ليبرهنوا على أن الإسلام شريعة من شرائع الرق و الاستعباد، التي مني بها الإنسان منذ ظلمات التأريخ، و لم ينقذه منها سوى الحضارات الأوروبية الحديثة، التي حررت الإنسانية لأول مرة، و مسحت عنها الوحل و الهوان.

و لكننا في دراسة مخلصة للإسلام و حكمه في الغنيمة، يجب أن نعرف- قبل كل شي‌ء-: متى يعتبر الشي‌ء غنيمة في نظر الإسلام؟ و نعرف بعد ذلك: كيف و في‌

____________

(1) راجع ص 584- 594 من الكتاب.

(2) لاحظ (قواعد الأحكام) ج 1، ص 106.

299

أي حدود سمح الإسلام لولي الأمر باسترقاق الأسير بوصفه غنيمة؟ و من هو هذا الحاكم الذي أبيح له استرقاق الأسير بهذا الوصف؟ فإذا استوعبنا هذه النواحي كلها، استطعنا أن ننظر إلى حكم الإسلام في الغنيمة نظرة صحيحة.

فالشرط الأساسي لمفهوم الغنيمة في نظر الإسلام، الحصول عليها في حرب جهادية مشروعة، و معركة عقائدية. فما لم تكتسب الحرب طابع الجهاد، لا يكون المال غنيمة. و هذا الطابع يتوقف على أمرين:

أحدهما: أن تكون الحرب بإذن من ولي الأمر في سبيل حمل الدعوة الإسلامية.

فليس من الجهاد بشي‌ء حروب السلب و النهب، كالمعارك الجاهلية، أو القتال في سبيل الظفر بثروات البلاد و أسواقها، كالحروب الرأسمالية.

و الأمر الآخر: أن يبدأ الدعاة الإسلاميون قبل كل شي‌ء بالإعلان عن رسالتهم الإسلامية، و إيضاح معالمها الرئيسية معززة بالحجج و البراهين، حتى إذا تمت للإسلام حجته، و لم يبق للآخرين مجال للنقاش المنطقي السليم، و ظلوا بالرغم من ذلك مصرين على رفض النور، عند ذاك لا يوجد أمام الدعوة الإسلامية- بصفتها دعوة فكرية عالمية، تتبّنى المصالح الحقيقية للإنسانية- إلا أن تشق طريقها بالقوى المادية، بالجهاد المسلح (1). و في هذا الظرف فقط تعتبر مكاسب الحرب غنيمة في نظر الإسلام.

و اما حكم الأسير في الغنيمة، فهو تطبيق أحد أمور ثلاثة عليه: فإما أن يعفى عنه، و إما أن يطلق بفدية، و إما أن يسترق. فالاسترقاق هو أحد الأمور الثلاثة التي يجب على ولي الأمر معاملة الأسير على أساسها.

و إذا عرفنا بهذا الصدد: أن ولي الأمر مسؤول عن تطبيق أصلح الحالات الثلاث على الأسير، و أوفقها بالمصلحة العامة، كما صرح بذلك الفاضل و الشهيد الثاني و غيرهما من فقهاء الإسلام (2)، و أضفنا إلى ذلك حقيقة إسلامية أخرى، و هي: أن الحرب في سبيل حمل الدعوة إلى بلاد الكفر، لم يسمح بها الإسلام سماحا عاما،

____________

(1) لاحظ (جواهر الكلام) ج 21، ص 11 و 51.

(2) لاحظ (قواعد الأحكام) ج 1، ص 104، و (التحرير) ج 1، ص 140، و (الروضة في شرح اللمعة) ج 2 ص 401، و (جواهر الكلام) ج 21، ص 126.

300

و إنما سمح بها في ظرف وجود قائد معصوم (1)، يتولى قيادة الغزو و توجيه الزحف الإسلامي في معاركه الجهادية، إذا جمعنا بين هاتين الحقيقتين، نتج عنها: أن الإسلام لم يأذن باسترقاق الأسير، إلا حين يكون أصلح من العفو و الفداء معا، و لم يسمح بذلك إلا لولي الأمر المعصوم، الذي لا يخطئ في معرفة الأصلح و تمييزه عن غيره (2).

و ليس في هذا الحكم شي‌ء يؤاخذ الإسلام عليه، بل هو حكم لا تختلف فيه المذاهب الاجتماعية مهما كانت مفاهيمها. فإن الاسترقاق قد يكون أحيانا أصلح من العفو و الفداء معا، و ذلك فيما إذا كان العدو يتبع مع أسراه طريقة الاسترقاق، ففي مثل هذه الحالة يصبح من الضروري أن يعامل العدو بالمثل، و يتبع معه نفس الطريقة. فإذا كانت توجد حالات يصبح فيها الاسترقاق أصلح من العفو و الفداء، فلما ذا لا يسمح به الإسلام حين يكون أصلح الحالات الثلاث؟! صحيح أن الإسلام لم يبين تلك الحالات التي يكون الاسترقاق فيها أصلح من غيره، و لكنه استغنى عن ذلك بإيكال الأمر إلى الحاكم المعصوم من الخطأ و الهوى، الذي يقود معركة الجهاد سياسيا، فهو المسؤول عن تمييز تلك الحالات و العمل وفقا لرأيه.

و نحن إذا لاحظنا حكم الإسلام بشأن الأسير، خلال التطبيق في الحياة السياسية للدولة الإسلامية، وجدنا أن الاسترقاق لم يحدث إلا في تلك الحالات، التي كان الاسترقاق فيها أصلح الحالات الثلاث، لأن العدو الذي اشتبكت معه الدولة الإسلامية في معاركها، كان يتبع نفس الطريقة مع أسراه.

فلا موضع لنقد أو اعتراض. لا موضع للنقد أو الاعتراض على الحكم العام بجواز الاسترقاق، لأن الإسلام سمح باسترقاق الأسير، حين يكون ذلك أوفق بالمصلحة العامة، في رأي الحاكم المعصوم. و لا موضع للنقد أو الاعتراض على تطبيقه، لأن تطبيقه كان دائما في تلك الحدود، التي يكون الاسترقاق فيها أصلح الإجراءات الثلاثة.

____________

(1) لاحظ (الروضة في شرح اللمعة) ج 2، ص 381.

(2) لاحظ (الروضة في شرح اللمعة) ج 2، ص 400 و 401، و (جواهر الكلام) ج 21، ص 126.

301

8- الارتباط بين الاقتصاد و التشريع الجنائي في الإسلام. فالتكافل العام و الضمان الاجتماعي في الاقتصاد الإسلامي، يلقيان ضوءا على طبيعة العقوبة التي فرضت في بعض الجنايات. فقد تكون عقوبة السارق بقطع يده قاسية إلى حد ما في بيئة رأسمالية، تركت فيها الكثرة الهائلة من أفراد المجتمع لرحمة القدر و زحمة الصراع، و أما حيث تكون البيئة إسلامية، و توجد التربة الصالحة للاقتصاد الإسلامي، و يعيش المجتمع في كنف الإسلام، فليس من القسوة في شي‌ء أن يعامل السارق بصرامة، بعد أن وفّر له الاقتصاد الإسلامي أسباب الحياة الحرة الكريمة، و محا من حياته كل الدوافع التي تضطره إلى السرقة.

302

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

303

3- الإطار العام للاقتصاد الإسلامي

يمتاز المذهب الاقتصادي في الإسلام عن بقية المذاهب الاقتصادية التي درسناها، بإطارة الديني العام. فإن الدين هو الإطار الشامل لكل أنظمة الحياة في الإسلام. فكل شعبة من شعب الحياة حين يعالجها الإسلام يمزج بينها و بين الدين، و يصوغها في إطار من الصلة الدينية للإنسان بخالقه و آخرته.

و هذا الإطار هو الذي يجعل النظام الإسلامي قادرا على النجاح، و ضمان تحقيق المصالح الاجتماعية العامة للإنسان، لأن هذه المصالح الاجتماعية لا يمكن أن يضمن تحقيقها إلا عن طريق الدين.

و لكي يتضح ذلك يجب أن ندرس مصالح الإنسان في حياته المعيشية، و مدى إمكان توفيرها و ضمان تحقيقها، لننتهي من ذلك إلى الحقيقة الآنفة الذكر، و هي: أن المصالح الاجتماعية للإنسان لا يمكن أن توفر و يضمن تحقيقها، إلا عن طريق نظام يتمتع بإطار ديني صحيح.

و حين ندرس مصالح الإنسان في حياته المعيشية، يمكننا تقسيمها إلى فئتين:

إحداهما: مصالح الإنسان التي تقدمها الطبيعة له بوصفه كائنا خاصا، كالعقاقير الطبّية مثلا. فإن من مصلحة الإنسان الظفر بها من الطبيعة، و ليست لهذه المصلحة صلة بعلاقاته الاجتماعية مع الآخرين، بل الإنسان بوصفه كائنا معرضا للجراثيم الضارة، بحاجة إلى تلك العقاقير، سواء كان يعيش منفردا أم ضمن مجتمع مترابط.

304

و الفئة الأخرى: مصالح الإنسان التي يكفلها له النظام الاجتماعي، بوصفه كائنا اجتماعيا يرتبط بعلاقات مع الآخرين، كالمصلحة التي يجنيها الإنسان من النظام الاجتماعي، حين يسمح له بمبادلة منتوجاته بمنتوجات الآخرين، أو حين يوفر له ضمان معيشته في حالات العجز و التعطل عن العمل.

و سوف نطلق على الفئة الأولى اسم: المصالح الطبيعية، و على الفئة الثانية اسم:

المصالح الاجتماعية.

و لكي يتمكن الإنسان من توفير مصالحه الطبيعية و الاجتماعية، يجب أن يجهّز بالقدرة على معرفة تلك المصالح و أساليب إيجادها، و بالدافع الذي يدفعه إلى السعي في سبيلها. فالعقاقير التي تستحضر للعلاج من السل مثلا، توجد لدى الإنسان، حين يعرف أن للسل دواء، و يكتشف كيفية استحضاره، و يملك الدافع الذي يحفزه على الانتفاع باكتشافه و استحضار تلك العقاقير. كما أن ضمان المعيشة في حالات العجز- بوصفه مصلحة اجتماعية- يتوقف على معرفة الإنسان بفائدة هذا الضمان، و كيفية تشريعه، و على الدافع الذي يدفع إلى وضع هذا التشريع و تنفيذه.

فهناك إذن شرطان أساسيان، لا يمكن بدونهما للنوع الإنساني أن يظفر بحياة كاملة، تتوفر فيها مصالحه الطبيعية و الاجتماعية:

أحدهما: أن يعرف تلك المصالح، و كيف تحقق.

و الآخر: أن يملك دافعا يدفعه بعد معرفتها إلى تحقيقها.

و نحن إذا لاحظنا المصالح الطبيعية للإنسان- كاستحضار عقاقير للعلاج من السل- وجدنا: أن الإنسانية قد زودت بإمكانات الحصول على تلك المصالح، فهي تملك قدرة فكرية تستطيع أن تدرك بها ظواهر الطبيعة، و المصالح التي تكمن فيها. و هذه القدرة و إن كانت تنمو على مر الزمن نموا بطيئا، و لكنها تسير- على أي حال- في خط متكامل على ضوء الخبرة و التجارب المستجدة، و كلما نمت هذه القدرة، كان الإنسان أقدر على إدراك مصالحه، و معرفة المنافع التي يمكن أن يجنيها من الطبيعة.

305

و إلى جانب هذه القدرة الفكرية، تملك الإنسانية دافعا ذاتيا، يضمن اندفاعها في سبيل مصالحها الطبيعية، فإن المصالح الطبيعية للإنسان تلتقي بالدافع الذاتي لكل فرد. فليس الحصول على العقاقير الطبية مثلا مصلحة لفرد دون فرد، أو منفعة لجماعة دون آخرين. فالمجتمع الإنساني دائما يندفع في سبيل توفير المصالح الطبيعية، بقوة من الدوافع الذاتية للأفراد، التي تتفق كلها على الاهتمام بتلك المصالح و ضرورتها، بوصفها ذات نفع شخصي للأفراد جميعا.

و هكذا نعرف: أن الإنسان ركّب تركيبا نفسيا و فكريا خاصا، يجعله قادرا على توفير المصالح الطبيعية، و تكميل هذه الناحية من حياته عبر تجربته للحياة و الطبيعة.

و أما المصالح الاجتماعية، فهي بدورها تتوقف أيضا- كما عرفنا- على إدراك الإنسان للتنظيم الاجتماعي الذي يصلحه، و على الدافع النفسي نحو إيجاد ذلك التنظيم و تنفيذه. فما هو نصيب الإنسان من هذين الشرطين، بالنسبة إلى المصالح الاجتماعية؟ و هل جهز الإنسان بالقدرة الفكرية على إدراك مصالحه الاجتماعية، و بالدافع الذي يدفعه إلى تحقيقها، كما جهز بذلك بالنسبة إلى مصالحه الطبيعية؟

و لنأخذ الآن الشرط الأول؛ فمن القول الشائع: أن الإنسان لا يستطيع أن يدرك التنظيم الاجتماعي الذي يكفل له كل مصالحه الاجتماعية، و ينسجم مع طبيعته و تركيبه العام، لأنه أعجز ما يكون عن استيعاب الموقف الاجتماعي بكل خصائصه، و الطبيعة الإنسانية بكل محتواها. و يخلص أصحاب هذا القول إلى نتيجة، هي: أن النظام الاجتماعي يجب أن يوضع للإنسانية، و لا يمكن أن تترك الإنسانية لتضع بنفسها النظام، ما دامت معرفتها محدودة، و شروطها الفكرية عاجزة عن استكناه أسرار المسألة الاجتماعية كلها.

و على هذا الأساس يقدمون الدليل على ضرورة الدين في حياة الإنسان، و حاجة الإنسانية إلى الرسل و الأنبياء، بوصفهم قادرين عن طريق الوحي، على تحديد المصالح الحقيقية للإنسان في حياته الاجتماعية، و كشفها للناس.

306

غير أن المشكلة في رأينا تبدو بصورة أكثر وضوحا، حين ندرس الشرط الثاني.

فإن النقطة الأساسية في المشكلة ليست هي: كيف يدرك الإنسان المصالح الاجتماعية (1)؟ بل المشكلة الأساسية هي: كيف يندفع هذا الإنسان إلى تحقيقها، و تنظيم المجتمع بالشكل الذي يضمنها؟ و مثار المشكلة هو: أن المصلحة الاجتماعية لا تتفق في أكثر الأحايين مع الدافع الذاتي، لتناقضها مع المصالح الخاصة للأفراد.

فإن الدافع الذاتي الذي كان يضمن اندفاع الإنسان نحو المصالح الطبيعية للإنسانية، لا يقف الموقف نفسه من مصالحها الاجتماعية؛ فبينما كان الدافع الذاتي يجعل الإنسان يحاول إيجاد دواء للسل، لأن إيجاد هذا الدواء من مصلحة الأفراد جميعا، نجد أن هذا الدافع الذاتي نفسه يحول دون تحقيق كثير من المصالح الاجتماعية، و يمنع عن إيجاد التنظيم الذي يكفل تلك المصالح أو عن تنفيذه. فضمان معيشة العامل حال التعطل، يتعارض مع مصلحة الأغنياء، الذين سيكلفون بتسديد نفقات هذا الضمان. و تأميم الأرض يتناقض مع مصلحة أولئك الذين يمكنهم احتكار الأرض لأنفسهم. و هكذا كل مصلحة اجتماعية، فإنها تمنى بمعارضة الدوافع الذاتية من الأفراد، الذين تختلف مصلحتهم عن تلك المصلحة الاجتماعية العامة.

و في هذا الضوء نعرف الفارق الأساسي بين المصالح الطبيعية و المصالح الاجتماعية؛ فإن الدوافع الذاتية للأفراد لا تصطدم بالمصالح الطبيعية للإنسانية، بل تدفع الأفراد إلى إيجادها و استثمار الوعي التأملي في هذا السبيل، و بذلك كان النوع الإنساني يملك الإمكانات التي تكفل له مصالحه الطبيعية، بصورة تدريجية، وفقا لدرجة تلك الإمكانات التي تنمو عبر التجربة. و على العكس من ذلك، المصالح الاجتماعية؛ فإن الدوافع الذاتية التي تنبع من حب الإنسان لنفسه، و تدفعه إلى تقديم صالحه على صالح الآخرين، إن تلك الدوافع، تحول دون استثمار الوعي العملي عند‌

____________

(1) قمنا بدراسة واسعة لتقييم إمكانات الإنسان للوصول فكريا إلى التنظيم الاجتماعي الأصلح و إدراك المصالح الاجتماعية الحقيقية في كتابنا (الإنسان المعاصر و المشكلة الاجتماعية) و شرحنا هناك دور التجارب الاجتماعية و العلمية و مدى عطائها في هذا المجال. (من المؤلف)

307

الإنسان استثمارا مخلصا، في سبيل توفير المصالح الاجتماعية، و إيجاد التنظيم الاجتماعي الذي يكفل تلك المصالح و تنفيذ هذا التنظيم.

و هكذا يتضح: أن المشكلة الاجتماعية التي تحول بين الإنسانية و تكاملها الاجتماعي، هي: التناقض القائم بين المصالح الاجتماعية و الدوافع الذاتية. و ما لم تكن الإنسانية مجهزة بإمكانات للتوفيق بين المصالح الاجتماعية و الدوافع الأساسية التي تتحكم في الأفراد، لا يمكن للمجتمع الإنساني أن يظفر بكماله الاجتماعي. فما هي تلك الإمكانات؟

إن الإنسانية بحاجة إلى دافع يتفق مع المصالح الاجتماعية العامة، كما وجدت المصالح الطبيعية، الدافع الذاتي حليفا لها.

هل يمكن للعلم أن يحل المشكلة؟:

و يتردد على بعض الشفاه: أن العلم الذي تطور بشكل هائل، كفيل بحل المشكلة الاجتماعية، لأن الإنسان هذا المارد الجبار الذي استطاع أن يخطو خطوات العمالقة، في ميادين الفكر و الحياة و الطبيعة، و ينفذ إلى أعمق إسرارها، و يحل أروع ألغازها، حتى أتيح له أن يفجّر الذرة و يطلق طاقتها الهائلة، و أن يكشف الأفلاك و يرسل إليها قذائفه، و يركب الطائرة الصاروخية، و يسخر قوى الطبيعة لنقل ما يحدث على بعد مئات الألوف من الأميال، على شكل أصوات تسمع، و صور ترى.، إن هذا الإنسان الذي سجل في تأريخ قصير كل هذه الفتوحات العلمية، و انتصر في جميع معاركه مع الطبيعة، لقادر- بما أوتي من علم و بصيرة- أن يبني المجتمع المتماسك السعيد، و يضع التنظيم الاجتماعي الذي يكفل المصالح الاجتماعية للإنسانية، فلم يعد الإنسان بحاجة إلى مصدر يستوحي منه موقفه الاجتماعي، سوى العلم الذي قاده من نصر إلى نصر في كل الميادين.

و هذا الزعم- في الواقع- لا يعني إلا الجهل بوظيفة العلم في الحياة الإنسانية؛ فإن العلم- مهما نما و تطور- ليس إلا أداه لكشف الحقائق الموضوعية في مختلف الحقول،

308

و تفسير الواقع تفسيرا محايدا يعكسه بأعلى درجة ممكنة من الدقة و العمق. فهو يعلمنا- مثلا- في المجال الاجتماعي: أن الرأسمالية تؤدي إلى تحكم القانون الحديدي بالأجور، و خفضها إلى المستوي الضروري للمعيشة، كما يعلمنا في المجال الطبيعي:

أن استعمال مادة كيمياوية معينة، يؤدي إلى تحكم مرض خطير بحياة الشخص.

و العلم حين يبرز لنا هذه الحقيقة أو تلك، يكون قد قام بوظيفته، و أتحف الإنسانية بمعرفة جديدة، و لكن شبح هذا المرض الخطير أو ذلك القانون الرهيب (قانون الأجور الحديدي)، لا يتلاشى لمجرد أن العلم اكتشف العلاقة بين تلك المادة المعينة و المرض، أو بين الرأسمالية و القانون الحديدي، بل إن الإنسان يتخلص من المرض بالتجنب عما يؤدي إليه، و يتخلص من القانون الحديدي للأجور بمحو الإطار الرأسمالي للمجتمع.

و هنا نتساءل: ما الذي يضمن أن يتخلص الإنسان من ذلك المرض؟ و من هذا الإطار؟ و الجواب فيما يتصل بالمرض واضح كل الوضوح؛ فإن الدافع الذاتي عند الإنسان، يكفي وحده لإبعاده عن تلك المادة الخاصة، التي كشف العلم عن نتائجها الخطيرة، لأنه يناقض المصلحة الخاصة للفرد. و أما فيما يتصل بالقانون الحديدي للأجور و إزالة الإطار الرأسمالي؛ فإن الحقيقة العلمية التي كشفت عن الصلة بين هذا الإطار و ذلك القانون مثلا، ليست قوة دافعة إلى العمل و تغيير الإطار، و إنما يحتاج العمل إلى دافع، و الدوافع الذاتية للأفراد لا تلتقي دائما، بل تختلف تبعا لاختلاف المصالح الخاصة.

و هكذا يجب أن نفرق بين اكتشاف الحقيقة العلمية، و العمل في ضوئها على إسعاد المجتمع. فالعلم إنما يكشف الحقيقة بدرجة ما، و ليس هو الذي يطورها.

المادية التأريخية و المشكلة:

و تقول الماركسية بهذا الصدد- على أساس المادية التأريخية-: دعوا المشكلة نفسها، فإن قوانين التأريخ كفيلة بحلها في يوم من الأيّام. أ فليست المشكلة هي: أن‌

309

الدوافع الذاتية لا تستطيع أن تضمن مصالح المجتمع و سعادته، لأنها تنبع من المصالح الخاصة التي تختلف في أكثر الأحايين مع المصالح الاجتماعية العامة؟ إن هذه ليست مشكلة، و إنما هي حقيقة المجتمعات البشرية منذ فجر التأريخ، فقد كان كل شي‌ء يسير طبقا للدافع الذاتي، الذي ينعكس في المجتمع بشكل طبقي، فيثور الصراع بين الدوافع الذاتية لطبقات المختلفة. و الغلبة دائما تكون من حظ الدافع الذاتي للطبقة التي تسيطر على وسائل الإنتاج. و هكذا يتحكم الدافع الذاتي بشكل محتوم، حتى تضع قوانين التأريخ حلها الجذري للمشكلة بإنشاء المجتمع اللاطبقي، تزول فيه الدوافع الذاتية، و تنشأ بدلا عنها الدوافع الجماعية، وفقا للملكية الجماعية.

و قد عرفنا في دراستنا للمادية التأريخية: أن أمثال هذه النبوءات التي تتنبأ بها المادية التأريخية لا تقوم على أساس علمي، و لا يمكن انتظار حل حاسم للمشكلة من ورائها.

و هكذا تبقى المشكلة كما هي مشكلة مجتمع يتحكم فيه الدافع الذاتي. و ما دامت الكلمة العليا للدافع الذاتي، الذي تمليه على كل فرد مصلحته الخاصة، فسوف تكون السيطرة للمصلحة التي تملك قوة التنفيذ، فمن يكفل لمصلحة المجتمع في زحمة الأنانيات المتناقضة، أن يصاغ قانونه وفقا للمصالح الاجتماعية للإنسانية، ما دام هذا القانون تعبيرا عن القوة السائدة في المجتمع؟! و لا يمكننا أن ننتظر من جهاز اجتماعي- كالجهاز الحكومي- أن يحل المشكلة بالقوة، و يوقف الدوافع الذاتية عند حدها، لأن هذا الجهاز منبثق عن المجتمع نفسه، فالمشكلة فيه هي المشكلة في المجتمع بأسره، لأن الدافع الذاتي هو الذي يتحكم فيه.

و نخلص من ذلك كله إلى: أن الدافع الذاتي هو مثار المشكلة الاجتماعية، و أن هذا الدافع أصيل في الإنسان، لأنه ينبع من حبه لذاته.

فهل كتب على الإنسانية أن تعيش دائما في هذه المشكلة الاجتماعية، النابعة من دوافعها الذاتية و فطرتها، و أن تشقى بهذه الفطرة؟!

310

و هل استثنيت الإنسانية من نظام الكون، الذي زوّد كل كائن فيه بإمكانات التكامل، و أودعت فيه الفطرة التي تسوقه إلى كماله الخاص، كما دلت على ذلك التجارب العلمية إلى جانب البرهان الفلسفي؟!

الدين هو الحل الوحيد للمشكلة:

و هنا يجي‌ء دور الدين بوصفه الحل الوحيد للمشكلة؛ فإن الدين هو الإطار الوحيد الذي يمكن للمسألة الاجتماعية أن تجد ضمنه حلها الصحيح. ذلك أن الحل يتوقف على التوفيق بين الدوافع الذاتية و المصالح الاجتماعية العامة، و هذا التوفيق هو الذي يستطيع أن يقدمه الدين للإنسانية، لأن الدين هو الطاقة الروحية التي تستطيع أن تعوض الإنسان عن لذائذه الموقوتة، التي يتركها في حياته الأرضية أملا في النعيم الدائم، و تستطيع أن تدفعه إلى التضحية بوجوده، عن إيمان: بأن هذا الوجود المحدود الذي يضحي به، ليس إلا تمهيدا لوجود خالد و حياة دائمة، و تستطيع أن تخلق في تفكيره نظرة جديدة تجاه مصالحه، و مفهوما عن الربح و الخسارة أرفع من مفاهيمهما التجارية المادية؛ فالعناء طريق اللذة، و الخسارة لحساب المجتمع سبيل الربح، و حماية مصالح الآخرين تعني ضمنا حماية مصالح الفرد في حياة اسمي و أرفع. و هكذا ترتبط المصالح الاجتماعية العامة بالدوافع الذاتية، بوصفها مصالح للفرد في حسابه الديني.

و في (القرآن الكريم) نجد التأكيدات الرائعة على هذا المعنى، منتشرة في كل مكان، و هي تستهدف جميعا تكوين تلك النظرة الجديدة عند الفرد عن مصالحه و أرباحه؛ ف‍ (القرآن) يقول:

وَ مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىٰ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ، فَأُولٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، يُرْزَقُونَ فِيهٰا بِغَيْرِ حِسٰابٍ (1).

مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً فَلِنَفْسِهِ، وَ مَنْ أَسٰاءَ فَعَلَيْهٰا* (2).

____________

(1) المؤمن/ 40.

(2) فصلت/ 46، و الجاثية/ 15.

311

يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّٰاسُ أَشْتٰاتاً، لِيُرَوْا أَعْمٰالَهُمْ. فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ.

وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (1).

وَ لٰا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ أَمْوٰاتاً، بَلْ أَحْيٰاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (2).

مٰا كٰانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرٰابِ، أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللّٰهِ، وَ لٰا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ، ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لٰا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَ لٰا نَصَبٌ وَ لٰا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ، وَ لٰا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفّٰارَ، وَ لٰا يَنٰالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا، إِلّٰا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صٰالِحٌ. إِنَّ اللّٰهَ لٰا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. وَ لٰا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَ لٰا كَبِيرَةً، وَ لٰا يَقْطَعُونَ وٰادِياً، إِلّٰا كُتِبَ لَهُمْ، لِيَجْزِيَهُمُ اللّٰهُ أَحْسَنَ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ (3).

هذه صور رائعة يقدمها الدين في نصوص (القرآن)، ليربط بين الدوافع الذاتية و سبل الخير في الحياة، و يطور من مصلحة الفرد تطويرا يجعله يؤمن: بأن مصالحه الخاصة و المصالح الحقيقية العامة للإنسانية، التي يحددها الإسلام، مترابطتان.

فالدين إذن هو صاحب الدور الأساسي في حل المشكلة الاجتماعية، عن طريق تجنيد الدافع الذاتي لحساب المصلحة العامة.

و بهذا نعرف: أن الدين حاجة فطرية للإنسانية، لأن الفطرة ما دامت هي أساس الدوافع الذاتية التي نبعت منها المشكلة، فلا بد أن تكون قد جهزت بإمكانات لحل المشكلة أيضا، لئلا يشذ الإنسان عن سائر الكائنات، التي زودت فطرتها جميعا بالإمكانات التي تسوق كل كائن إلى كماله الخاص. و ليست تلك الإمكانات التي تملكها الفطرة الإنسانية لحل المشكلة، إلا غريزة التدين و الاستعداد الطبيعي لربط الحياة بالدين، و صوغها في إطارة العام.

فللفطرة الإنسانية إذن جانبان: فهي من ناحية تملي على الإنسان دوافعه الذاتية، التي تنبع منها المشكلة الاجتماعية الكبرى في حياة الإنسان (مشكلة التناقض بين‌

____________

(1) الزلزلة/ 6.

(2) آل عمران/ 169.

(3) التوبة/ 120 و 121.

312

تلك الدوافع و المصالح الحقيقية العامة للمجتمع الإنساني). و هي من ناحية أخرى تزود الإنسان بإمكانية حل المشكلة عن طريق الميل الطبيعي إلى التدين، و تحكيم الدين في الحياة بالشكل الذي يوفق بين المصالح العامة و الدوافع الذاتية. و بهذا أتمت الفطرة وظيفتها في هداية الإنسان إلى كماله. فلو بقيت تثير المشكلة و لا تمون الطبيعة الإنسانية بحلها، لكان معنى هذا أن الكائن الإنساني يبقى قيد المشكلة، عاجزا عن حلها، مسوقا بحكم فطرته إلى شرورها و مضاعفاتها. و هذا ما قرره الإسلام بكل وضوح في قوله تعالى:

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً، فِطْرَتَ اللّٰهِ الَّتِي فَطَرَ النّٰاسَ عَلَيْهٰا، لٰا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّٰهِ. ذٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، وَ لٰكِنَّ أَكْثَرَ النّٰاسِ لٰا يَعْلَمُونَ (1).

فان هذه الآية الكريمة تقرر:

أولا: أن الدين من شئون الفطرة الإنسانية التي فطر الناس عليها جميعا، و لا تبديل لخلق اللّه.

و ثانيا: أن هذا الدين الذي فطرت الإنسانية عليه، ليس هو إلا الدين الحنيف، أي: دين التوحيد الخالص، لأن دين التوحيد هو وحده الذي يمكن أن يؤدي وظيفة الدين الكبرى، و يوجه البشرية على مقياس عملي و تنظيم اجتماعي، تحفظ فيه المصالح الاجتماعية. و أما أديان الشرك- أو الأرباب المتفرقة، على حد تعبير (القرآن)- فهي في الحقيقة نتيجة للمشكلة، فلا يمكن أن تكون علاجا لها، لأنها كما قال يوسف لصاحبي السجن مٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلّٰا أَسْمٰاءً سَمَّيْتُمُوهٰا أَنْتُمْ وَ آبٰاؤُكُمْ، مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ بِهٰا مِنْ سُلْطٰانٍ (2).

يعني بذلك: أنها وليدة الدوافع الذاتية، التي أملت على الناس أديان الشرك طبقا لمصالحهم الشخصية المختلفة، لتصرّف بذلك ميلهم الطبيعي إلى الدين الحنيف تصريفا غير طبيعي، و تحول بينهم و بين الاستجابة الصحيحة لميلهم الديني الأصيل.

____________

(1) الروم/ 30.

(2) يوسف/ 40.

313

و ثالثا: أن الدين الحنيف الذي فطرت الإنسانية عليه، يتميز بكونه دينا قيما على الحياة (ذلك الدين القيم)، قادرا على التحكم فيها و صياغتها في إطارة العام. و أما الدين الذي لا يتولى إمامة الحياة و توجيهها، فهو لا يستطيع أن يستجيب استجابة كاملة للحاجة الفطرية في الإنسان إلى الدين، و لا يمكنه أن يعالج المشكلة الأساسية في حياة الإنسان.

و نخلص من ذلك إلى عدة مفاهيم للإسلام عن الدين و الحياة:

فالمشكلة الأساسية في حياة الإنسان نابعة من الفطرة، لأنها مشكلة الدوافع الذاتية في اختلافاتها و تناقضاتها مع المصالح العامة.

و الفطرة في نفس الوقت تمون الإنسانية بالعلاج.

و ليس هذا العلاج إلا الدين الحنيف القيّم، لأنه وحده القادر على التوفيق بين الدوافع الذاتية، و توحيد مصالحها و مقاييسها العملية.

فلا بد للحياة الاجتماعية إذن من دين حنيف قيم.

و لا بد للتنظيم الاجتماعي في مختلف شعب الحياة، أن يوضع في إطار ذلك الدين، القادر على التجاوب مع الفطرة و معالجة المشكلة الأساسية في حياة الإنسان.

و في هذا الضوء نعرف: أن الاقتصاد الإسلامي بوصفه جزءا من تنظيم اجتماعي شامل للحياة، يجب أن يندرج ضمن الإطار العام لذلك التنظيم، و هو الدين، فالدين هو الإطار العام لاقتصادنا المذهبي (1).

و وظيفة الدين- بوصفه إطارا للتنظيم الاجتماعي و الاقتصادي في الإسلام- أن يوفق بين الدوافع الذاتية و المصالح الخاصة من ناحية، و المصالح الحقيقية العامة للمجتمع الإنساني- من وجهة رأي الإسلام- من ناحية أخرى.

____________

(1) لاحظ (الوسائل) ج 11، ص 407 و 521 و 599.

314

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

315

4- الاقتصاد الإسلامي ليس علما

يشكل كل واحد من مذاهب الاقتصاد- التي عرضناها- جزءا من مذهب كامل يتناول مختلف شعب الحياة و مناحيها؛ فالاقتصاد الإسلامي جزء من المذهب الإسلامي الشامل لشتى فروع الحياة، و الاقتصاد الرأسمالي جزء من الديمقراطية الرأسمالية التي تستوعب بنظرتها التنظيمية المجتمع كله، كما أن الاقتصاد الماركسي جزء أيضا من المذهب الماركسي الذي يبلور الحياة الاجتماعية كلها في إطارة الخاص.

و تختلف هذه المذاهب في بذورها الفكرية الأساسية، و جذورها الرئيسية التي تستمد منها روحها و كيانها، و تبعا لذلك تختلف في طابعها الخاص.

فالاقتصاد الماركسي يحمل في رأي الماركسية طابعا علميا، لأنه يعتبر في عقيدة أنصاره نتيجة محتومة للقوانين الطبيعية، التي تهيمن على التأريخ و تتصرف فيه، و على العكس من ذلك المذهب الرأسمالي، فإنه لم يضعه أصحابه- كما مر معنا في بحث سابق- كنتيجة ضرورية لطبيعة التأريخ و قوانينه، و إنما عبروا به عن الصورة الاجتماعية، التي تتفق مع القيم العملية و المثل التي يعتنقونها.

و أما المذهب الإسلامي فهو لا يزعم لنفسه الطابع العلمي، كالمذهب الماركسي، كما أنه ليس مجردا عن أساس عقائدي معين و نظرة رئيسية إلى الحياة‌

316

و الكون، كالرأسمالية (1).

و نحن حين نقول عن الاقتصاد الإسلامي: إنه ليس علما، نعني: أن الإسلام دين يتكفل الدعوة إلى تنظيم الحياة الاقتصادية، كما يعالج سائر نواحي الحياة، و ليس علما اقتصاديا على طراز علم الاقتصاد السياسي. و بمعنى آخر: هو ثورة لقلب الواقع الفاسد و تحويله إلى واقع سليم، و ليس تفسيرا موضوعيا للواقع. فهو حينما يضع مبدأ الملكية المزدوجة مثلا، لا يزعم بذلك أنه يفسر الواقع التاريخي لمرحلة معينة من حياة الإنسانية، أو يعكس نتائج القوانين الطبيعية للتأريخ، كما تزعم الماركسية حين تبشر بمبدإ الملكية الاشتراكية، بوصفه الحالة الحتمية لمرحلة معينة من التأريخ و التفسير الوحيد لها.

فالاقتصاد الإسلامي من هذه الناحية يشبه الاقتصاد الرأسمالي المذهبي، في كونه عملية تغيير الواقع لا عملية تفسير له. فالوظيفة المذهبية تجاه الاقتصاد الإسلامي هي:

الكشف عن الصورة الكاملة للحياة الاقتصادية وفقا للتشريع الإسلامي، و درس الأفكار و المفاهيم العامة التي تشع من وراء تلك الصورة، كفكرة انفصال شكل التوزيع عن نوعية الإنتاج، و ما إليها من أفكار.

و أما الوظيفة العلمية تجاه الاقتصاد الإسلامي فيأتي دورها بعد ذلك، لتكشف عن مجرى الحياة الواقعي و قوانينه، ضمن مجتمع إسلامي يطبق فيه مذهب الإسلام تطبيقا كاملا. فالباحث العلمي يأخذ الاقتصاد المذهبي في الإسلام قاعدة ثابتة للمجتمع، الذي يحاول تفسيره و ربط الأحداث فيه بعضها ببعض. فهو في هذا نظير الاقتصاد السياسي لعلماء الاقتصاد الرأسماليين، الذين فرغوا من وضع خطوطهم المذهبية، ثم بدأوا يفسرون الواقع ضمن تلك الخطوط، و يدرسون طبيعة القوانين التي تتحكم في المجتمع الذي تطبق عليه، فنتج عن دراستهم هذه، علم الاقتصاد السياسي.

____________

(1) راجع في درس الفرق بين المذهب الإسلامي و المذهب الرأسمالي من هذه الناحية، كتاب (فلسفتنا): التمهيد. (من المؤلف)

317

و هكذا يمكن أن يتكون للاقتصاد الإسلامي علم- بعد أن يدرس دراسة مذهبية شاملة- من خلال دراسة الواقع في هذا الإطار. و السؤال هو: متى و كيف يمكن وضع علم الاقتصاد الإسلامي، كما وضع الرأسماليون علم الاقتصاد السياسي، أو بتعبير آخر: علم الاقتصاد الذي يفسر أحداث المجتمع الرأسمالي؟

و الجواب على هذا السؤال: أن التفسير العلمي لإحداث الحياة الاقتصادية يرتكز على أحد أمرين:

الأول: جمع الأحداث الاقتصادية من التجربة الواقعية للحياة، و تنظيمها تنظيما علميا يكشف عن القوانين التي تتحكم بها في مجال تلك الحياة، و شروطها الخاصة.

الثاني: البدء في البحث العلمي من مسلّمات معينة تفترض افتراضا، و يستنتج في ضوئها الاتجاه الاقتصادي و مجري الأحداث.

أما التفسير العلمي على الأساس الأول، فهو يتوقف على تجسيد المذهب في كيان واقعي قائم، ليتاح للباحث أن يسجل أحداث هذا الواقع، و يستخلص ظواهرها و قوانينها العامة. و هذا ما ظفر به الاقتصاديون الرأسماليون، حين عاشوا في مجتمع يؤمن بالرأسمالية و يطبقها، فأتيح لهم أن يضعوا نظرياتهم على أساس تجارب الواقع الاجتماعي التي عاشوها.

و لكن شيئا كهذا لا يتاح للاقتصاديين الإسلاميين، ما دام الاقتصاد الإسلامي بعيدا عن مسرح الحياة، فهم لا يملكون من حياتهم اليوم تجارب عن الاقتصاد الإسلامي خلال التطبيق، ليدركوا في ضوئها طبيعة القوانين التي تتحكم في حياة تقوم على أساس الإسلام.

و أما التفسير العلمي على الأساس الثاني، فمن الممكن استخدامه في سبيل توضيح بعض الحقائق التي تتميز بها الحياة الاقتصادية في المجتمع الإسلامي، بالانطلاق من نقاط مذهبية معينة، و استنتاج آثارها في مجال التطبيق المفترض، و وضع نظريات عامة عن الجانب الاقتصادي في المجتمع الإسلامي، على ضوء تلك النقاط المذهبية.

318

فمثلا يمكن للباحث الإسلامي القول: بأن مصالح التجارة متفقة في المجتمع الإسلامي مع مصالح الماليين و أصحاب المصارف، لأن المصرف في المجتمع الإسلامي يقوم على أساس المضاربة، لا على أساس الربا، فهو يتجر بأموال زبائنه، و يوزع الأرباح بينه و بينهم بنسبة مئوية معينة من الربح، و في النهاية يتوقف مصيره المالي على مدى الربح التجاري الذي يجنبه، لا على الفائدة التي يقتطعها من الديون. فهذه الظاهرة (ظاهرة الاتفاق بين مصالح المصارف و مصالح التجارة) هي بطبيعتها ظاهرة موضوعية، ينطلق الباحث إلى استنتاجها من نقطة، هي: إلغاء النظام الربوي للمصارف في المجتمع الإسلامي.

و يمكن للباحث أيضا بالانطلاق من نقطة كهذه، أن يقرر ظاهرة موضوعية أخرى، و هي: نجاة المجتمع الإسلامي من عامل رئيسي للأزمات، التي تمنى بها الحياة الاقتصادية في المجتمع الرأسمالي؛ فإن دورات الإنتاج و الاستهلاك في مجتمع قائم على أساس الربا، يعرقلها هذا الجزء الكبير من الثروة الأهلية، الذي يدخر طمعا بالفائدة الربوية، و يسحب بذلك من مجالات الإنتاج و الاستهلاك، الأمر الذي يؤدى إلى كساد قسم كبير من الإنتاج الاجتماعي، للبضائع الرأسمالية و البضائع الاستهلاكية. فحين يقوم المجتمع على أساس الاقتصاد الإسلامي، و يحرم فيه الربا تحريما تاما، كما يمنع عن الاكتناز بالنهي عنه، أو يفرض ضريبة عليه، فسوف ينتج عن ذلك إقبال الناس جميعا على إنفاق ثرواتهم.

ففي هذه التفسيرات، نفترض واقعا اجتماعيا و اقتصاديا قائماً على أسس معينة، و نأخذ بتفسير هذا الواقع المفترض، و استكشاف خصائصه العامة، في ضوء تلك الأسس.

و لكن هذه التفسيرات، لا تكوّن لنا بدقة المفهوم العلمي الشامل، للحياة الاقتصادية في المجتمع الإسلامي، ما لم تجمع مواد الدراسة العلمية من تجارب الواقع المحسوس. فكثيرا ما تقع مفارقات بين الحياة الواقعية للنظام، و بين التفسيرات التي تقدم لهذه الحياة على أساس الافتراض، كما اتفق للاقتصاديين الرأسماليين، الذين‌