اقتصادنا

- المزيد...
886 /
369

تلخيص:

تحدثنا حتى الآن عن الفرق بين المذهب الاقتصادي بشكل عام و علم الاقتصاد، و الفرق بين المذهب الاقتصادي و القانون المدني، و عرفنا علي هذا الأساس: أن من الخطأ أن نتحدث عن المذهب الاقتصادي الإسلامي بوصفه علما، أو باعتباره مجموعة من التشريعات في مستوى القانون المدني، الذي ينظم أحكام المعاملات و ما إليها.

و ليس هذا فقط، فقد عرفنا إلى ذلك أيضا طبيعة العلاقة بين المذهب و القانون، و سوف يكون لهذه العلاقة أثرها الكبير في العملية التي نمارسها في هذا الكتاب، كما سنرى إن شاء اللّه تعالى.

و الآن و قد اتفقنا على وجود المذهب الاقتصادي في الإسلام بتمييزه عن علم الاقتصاد، و فرّقنا بين المذهب و القانون مع إدراك نوع العلاقة بينهما، فلنتحدث عن العملية التي نمارسها في هذا الكتاب بشأن الاقتصاد الإسلامي، و نحدد نوعيتها و معالمها الرئيسية، و نشرح منهجنا في ممارستها، على ضوء المعلومات السابقة عن المذهب بشكل عام و تميزه عن العلم و القانون، و على ضوء نوع العلاقة التي تربط القانون المدني بالمذهب.

عملية اكتشاف و عملية تكوين:

إن العملية التي نمارسها في دراستنا للمذهب الاقتصادي الإسلامي، تختلف عن طبيعة العمل الذي مارسه الرواد المذهبيون الآخرون؛ فإن الباحث الإسلامي يحس منذ البدء، بالفارق الأساسي بين موقفه من المهمة التي يحاول إنجازها، و موقف أي باحث مذهبي آخر، ممن مارسوا عملية البحث المذهبي في الاقتصاد، و بشروا بمذاهب اقتصادية معينة، كالرأسمالية و الاشتراكية.

و هذا الفارق الجوهري هو الذي يحدد لكل من البحثين، الإسلامي و غيره،

370

معالم الطريق، و نوع العملية التي يجب أن يمارسها البحث، و طابعها المميز كما سنرى بعد لحظات.

فالمفكر الإسلامي أمام اقتصاد منجز تم وضعه، و هو مدعو إلى تمييزه بوجهه الحقيقي، و تحديده بهيكله العام، و الكشف عن قواعده الفكرية. و إبرازه بملامحه الأصيلة، و نفض غبار التأريخ عنها، و التغلب بقدر الإمكان على كثافة الزمن المتراكم، و المسافات التأريخية الطويلة، و إيحاءات التجارب غير الأمنية، التي مارست- و لو اسميا- عملية تطبيق الإسلام، و التحرر من أطر الثقافات غير الإسلامية، التي تتحكم في فهم الأشياء، وفقا لطبيعتها و اتجاهها في التفكير.

إن محاولة التغلب على كل هذه الصعاب، و اجتيازها للوصول إلى اقتصاد إسلامي مذهبي، هي وظيفة المفكر الإسلامي.

و على هذا الأساس يمكن القول: بأن العملية التي نمارسها هي عملية اكتشاف.

و على العكس من ذلك المفكرون المذهبيون، الذين بشروا بمذاهبهم الرأسمالية و الاشتراكية، فإنهم يمارسون عملية تكوين المذهب و إبداعه.

و لكل من عملية الاكتشاف و عملية التكوين خصائصها و مميزاتها، التي تنعكس في البحث المذهبي، الذي يمارسه المكتشفون الإسلاميون، و المبدعون الرأسماليون و الاشتراكيون.

و أهم تلك الخصائص و المميزات تحديد سير العملية و منطلقها.

ففي عملية تكوين المذهب الاقتصادي، و عند ما يراد تشييد بناء نظري كامل للمجتمع، تأخذ الفكرة اطرادها و سيرها الطبيعي، فتمارس بصورة مباشرة وضع النظريات العامة للمذهب الاقتصادي، و تجعل منها أساسا لبحوث ثانوية، و أبنية علوية من القوانين التي ترتكز على المذهب، و تعتبر طابقا فوقيا بالنسبة إليه، كالقانون المدني الذي عرفنا سابقا تبعيته للمذهب و قيامه على أساسه. فالتدرج في عملية تكوين البناء، تدرّج طبيعي من الأساس إلى التفريعات، و من القاعدة إلى البناء العلوي، و بكلمة أخرى: من الطابق المتقدم في البناء النظري العام للمجتمع، إلى طابق أعلى منه.

371

و أما في عملية الاكتشاف للمذهب الاقتصادي، فقد ينعكس السير و يختلف المنطلق، و ذلك حينما نكون بصدد اكتشاف مذهب اقتصادي، لا نملك له أو لبعض جوانبه صورة واضحة، و لا صيغة محددة من قبل واضعيه، كما إذا كنا لا نعرف:

أن المذهب يؤمن بمبدإ الملكية العامة أو مبدأ الملكية الخاصة، أو لا نعرف الأساس النظري للملكية الخاصة في المذهب، هل هو الحاجة أو العمل أو الحرية؟

ففي هذه الحالة، ما دمنا لا نملك نصا محددا لواضعي المذهب الذي يراد اكتشافه يبدد الغموض الذي يكتنف المذهب، فلا بد من الفحص عن طريقة أخرى لاستخدامها في اكتشاف المذهب، أو النواحي المظلمة منه.

و هذه الطريقة يمكننا تحديدها في ضوء علاقة التبعية، التي شرحناها سابقا بين المذهب و القانون، فما دام القانون المدني طابقا فوقيا بالنسبة إلى المذهب، يرتكز عليه و يستمد منه اتجاهاته، فمن الممكن اكتشاف المذهب عن طريق القانون، إذا كنا على علم بالقانون الذي يرتكز على ذلك المذهب المجهول. و هكذا يصبح من الواجب على عملية الاكتشاف، أن تفتش عن إشعاعات المذهب في المجال الخارجي، أي:

عن أبنيته العلوية و آثاره التي ينعكس ضمنها في مختلف الحقول، لتصل عن طريق هذه الإشعاعات و الآثار إلى تقدير محدد لنوعية الأفكار و النظريات في المذهب الاقتصادي، الذي يختفي وراء تلك المظاهر.

و بهذا يتعين على عملية الاكتشاف، أن تسلك طريقا معاكسا للطريق الذي سلكته عملية التكوين، فتبدأ من البناء العلوي إلى القاعدة، و تنطلق من جمع الآثار و تنسيقها إلى الظفر بصورة محددة للمذهب، بدلا عن الانطلاق من وضع المذهب إلى تفريع الآثار.

و هذا تماما هو موقفنا في عملية الاكتشاف، التي نمارسها من الاقتصاد الإسلامي، أو من جزء كبير منه بتعبير أصح، لأن بعض جوانب المذهب الاقتصادي في الإسلام، و إن كان بالإمكان استنباطها مباشرة من النصوص، و لكن هناك من النظريات و الأفكار الأساسية، التي يتكون منها المذهب الاقتصادي، ليس من الميسور الحصول عليها في النصوص مباشرة، و إنما يتعين الحصول عليها بطريق غير مباشر،

372

أي: على أساس اللبنات الفوقية في الصرح الإسلامي، و على هدى الأحكام التي نظّم بها الإسلام العقود و الحقوق.

فنحن ننطلق من الطابق العلوي و ندرج منه إلى الطابق المتقدم، لأننا نمارس عملية اكتشاف. و أما أولئك الذين يمارسون عملية التكوين و يحاولون تشييد البناء لا اكتشافه، فهم يصعدون من الطابق الأول إلي الثاني، لأنهم يمارسون عملية بناء و تكوين، و الطابق الثاني لا يكون في عملية البناء إلا أخيرا.

هكذا نختلف في موقفنا منذ البدء، عن موقف الرواد المذهبين من الرأسماليين و الاشتراكيين، بل نختلف أيضا حتى عن أولئك الذين يدرسون المذاهب الرأسمالية و الاشتراكية دراسة اكتشاف و تحديد، لأن هؤلاء بإمكانهم دراسة هذه المذاهب عن طريق الاتصال بها مباشرة، وفقا لصيغها العامة التي بشر بها رواد تلك المذاهب، فليس التعرف على المذهب الاقتصادي لآدم سميت- مثلا- متوقفا على أن ندرس أفكاره القانونية في المجال المدني، و الطريقة التي يفضلها في تنظيم التزامات و الحقوق، بل يمكننا الاندماج ابتداء مع فكره المذهبي في المجال الاقتصادي. و على العكس من ذلك حين نريد أن نتعرف على كثير من محتوى المذهب الاقتصادي، الذي يؤمن به الإسلام، فإننا ما دمنا لا نستطيع أن نجد الصيغة المحددة لذلك في مصادر الإسلام- كما نجدها عند آدم سميث-، فسوف نضطر بطبيعة الحال إلى تتبع الآثار، و اكتشاف المذهب بصورة غير مباشرة، عن طريق معالمه المنعكسة في لبنات فوقية من الصرح الإسلامي.

و هذا هو الذي يجعل عملية الاكتشاف، التي يمارسها المفكر الإسلامي، تظهر أحيانا بشكل مقلوب، بل قد يبدو أنها لا تميز بين المذهب و القانون المدني، حين تستعرض أحكاما إسلامية في مستوى القانون المدني، و هي تريد أن تدرس المذهب الاقتصادي في الإسلام، و لكنها في الواقع على حق، ما دامت تستعرض تلك الأحكام بوصفها بناء علويا للمذهب قادرا على الكشف عنه، لا باعتبار أنها هي المذهب الاقتصادي و النظريات الاقتصادية نفسها.

373

النظام المالي كالقانون المدني:

و من الضروري بهذا الصدد، أن نضيف إلى القانون المدني، النظام المالي أيضا، بوصفه أحد الأبنية العلوية للمذهب الاقتصادي، التي تعكس ملامحه و تتكيف بمقتضياته. فكما يمكن الاستفادة في عملية الاكتشاف من إشعاعات المذهب المنعكسة على القانون المدني، كذلك يمكن الاستفادة من إشعاعات مذهبية مماثلة في النظام المالي.

و إذا أردنا أن نضرب مثلا لهذا التأثير من المذهب الاقتصادي، على التنظيم المالي بوصفه بناء علويا للمذهب، فيمكننا أن نجد هذا المثال في صلة المذهب الرأسمالي بالمالية العامة- كما استعنا سابقا بتحديد صلته بالقانون المدني، على فهم العلاقة بين المذهب و القانون- فإن من مظاهر الصلة بين الرأسمالية و المالية العامة:

تأثر فكره الدومين (1) بالناحية المذهبية. و الدومين يعتبر في المالية أحد المصادر الرئيسية لإيرادات الدولة. فقد تضاءلت فكره الدومين، و انكمش نطاق المشروعات التي تملكها الدولة، و كادت أن تختفي من التنظيم المالي، تحت تأثير مبدأ الحرية الاقتصادية، حينما طغى المذهب الرأسمالي و ساد التفكير المذهبي للرأسمالية، الذي كان من مقتضاه عدم تدخل الدولة في النشاط الإنتاجي، حفاظا على الحرية الاقتصادية للأفراد، إلا في الحدود الضئيلة التي يعجز النشاط الفردي عن القيام بها.

و كان من الطبيعي لأجل ذلك، أن تعتمد الدولة الرأسمالية في ماليتها العامة على الضريبة، و نحوها من مصادر الإيرادات الأخرى. ثم استأنف الدومين وجوده بوصفه مصدرا مهما، و اتسع نطاقه، بعد ظهور الاتجاهات الاشتراكية نحو التأميم، و تزلزل مبدأ الحرية الاقتصادية في التفكير الاقتصادي العام.

____________

(1) يراد بالدومين: تلك الأموال التي تكون مملوكة للدولة، كالأراضي و الغابات و المصانع التي تملكها الدولة و تدر عليها إيرادا، كما تدر الأراضي و الغابات و المصانع التي يملكها الأفراد ملكية خاصة، أرباحا مختلفة على مالكيها. (من المؤلف)

374

و من مظاهر الصلة بين المذهب و المالية العامة: أن إيرادات الدولة اختلفت وظيفتها تبعا لنوع الأفكار الاقتصادية المذهبية التي تأثرت بها، ففي الفترة التي ساد فيها المذهب الرأسمالي بأفكاره عن الحرية، كانت الوظيفة الأساسية للإيرادات هي تغطية نفقات الدولة، بوصفها جهازا لحماية الأمن في البلاد و الدفاع عنها. و عند ما بدأت الأفكار الاشتراكية تغزو الصعيد المذهبي، أصبح للإيرادات مهمة أخرى أضخم، و هي علاج سوء التوزيع، و التقريب بين الطبقات، و إقامة العدالة الاجتماعية، وفقا للأفكار المذهبية الجديدة، و لم تعد الدولة تكتفي من الإيرادات أو الضرائب، بالقدر الذي يغطي نفقاتها كجهاز، بل توسعت في ذلك بقدر ما تفرضه المهمة الجديدة.

فهذه المظاهر، تبرهن على تكييف المالية العامة للمجتمع تبعا لقاعدته المذهبية، كما يتكيف القانون المدني، الأمر الذي يجعل منها رصيدا لعملية الاكتشاف، بوصفها طابقا علويا يشرف المكتشف منه على الطابق المتقدم، أي: على المذهب الاقتصادي.

تلخيص و استنتاج:

على أساس ما تقدم، يصبح من الضروري أن ندرج عددا من أحكام الإسلام و تشريعاته، التي تعتبر بناء فوقيا للمذهب، في نطاق عملية اكتشاف المذهب، و إن لم تكن داخلة كلها في صميم المذهب ذاته.

و لأجل هذا سوف يتسع البحث في هذا الكتاب لكثير من أحكام الإسلام في المعاملات و الحقوق، الّتي تنظم العلاقات المالية بين الأفراد، كما يتسع لبعض أحكام الشريعة في تنظيم العلاقات المالية بين الدولة و الأمة، و تحديد موارد الدولة و سياستها العامة في إنفاق تلك الإيرادات، لأن هذا الكتاب ليس كتاب عرض للمذهب الاقتصادي فحسب، و إنما هو كتاب يحاول أن يمارس عملية اكتشاف لهذا المذهب، و يحدد لهذه العملية أسلوبها و سيرها و مضمونها و نتائجها.

375

و لهذا أيضا سوف نقتطف و ننسق من أحكام الإسلام في المعاملات و الحقوق و الضرائب، ما يعد بناء علويا للمذهب، و يلقي ضوءا عليه في عملية الاكتشاف. و أما الأحكام التي لا تساهم في هذا الضوء، فهي خارجة عن مجال البحث.

فعلى سبيل المثال نذكر الربا، و الغش، و ضريبة التوازن، و ضريبة الجهاد؛ فإن الإسلام قد حرم الربا في المعاملة كما حرم الغش أيضا، غير أن تحريم الربا و المنع عن القرض بفائدة، يساهم في عملية الاكتشاف، لأنه جزء من بناء علوي لنظرية توزيع الثروة المنتجة، فهو يكشف عن القاعدة العامة للتوزيع في الإسلام- كما سيأتي في بحث توزيع ما بعد الإنتاج-، و أما حرمة الغش فليس لها إطار مذهبي، و لذلك قد تتفق عليها قوانين جميع البلاد المختلفة في مذاهبها الاقتصادية.

و كذلك الأمر في ضريبتي التوازن و الجهاد، فإن الضريبة التي يشرعها الإسلام لحماية التوازن- كالزكاة مثلا- تدخل في عملية الاكتشاف، دون ضريبة الجهاد التي يأمر بها الإسلام لتمويل جيش المجاهدين، فإنها تتصل بدور الدعوة في الدولة الإسلامية، لا بالمذهب الاقتصادي في الإسلام.

عملية التركيب بين الأحكام:

حين نتناول مجموعة من أحكام الإسلام التي تنظم المعاملات و تحدد الحقوق و الالتزامات، لنجتازها إلى ما هو أعمق، إلى القواعد الأساسية التي تشكل المذهب الاقتصادي في الإسلام، يجب أن لا نكتفي بعرض أو فحص كل واحد من تلك الأحكام، بصورة منعزلة و مستقلة عن الأحكام الأخرى، لأن طريقة العزل أو الانفرادية في بحث كل واحد من تلك الأحكام، إنما تنسجم مع بحث على مستوى القانون المدني في أحكام الشريعة، فإن هذا المستوي يسمح بعرض المفردات مستقلة بعضها عن البعض، لأن دراسة أحكام الشريعة في مستوى القانون المدني، لا تتخطى المجالات التفصيلية لتلك الأحكام، و إنما تتكفل بعرض أحكام الإسلام التي تنظم عقود البيع و الإيجار و القرض و الشركة مثلا، و ليست مكلفة بعد ذلك بعملية تركيب‌

376

بين هذه الأحكام، يؤدي إلى قاعدة عامة. و أما حين يكون درسنا لتلك الأحكام و عرضنا لها جزءا من عملية اكتشاف المذهب الاقتصادي، فلا يجدي عرض المفردات فحسب لاكتشاف المذهب- و إن اكتفت بحوث كثير من الإسلاميين بهذا القدر- بل يتحتّم علينا أن ننجز عملية تركيب بين تلك المفردات، أي: أن ندرس كل واحد منها بوصفه جزءا من كل، و جانبا من صيغة عامة مترابطة، لننتهي من ذلك إلى اكتشاف القاعدة العامة، التي تشع من خلال الكل، أو من خلال المركب، و تصلح لتفسيره و تبريره. و أما في طريقة العزل و النظرة الانفرادية، فلن نصل إلى اكتشاف.

فإلغاء فائدة رأس المال في عقد القرض، و السماح بالكسب الناتج عن إيجار وسيلة الإنتاج في عقد الإجارة، و منع المستأجر عن أن يتملك بسبب عقد الإجارة المادة الطبيعة التي يحوزها أجيره، كل هذه الأحكام لا بد- بعد التأكد من صحتها شرعا- أن تدرس مترابطة، و يركب بينها، ليتاح لنا الخروج منها بالقاعدة الإسلامية لتوزيع الثروة المنتجة، التي تميز موقف الإسلام من التوزيع عن موقف المذهب الاشتراكي، الذي يقيم توزيع الثروة المنتجة على أساس العمل وحده، و موقف المذهب الرأسمالي الذي يقيم توزيعها على أساس العناصر المشتركة في تكوين الثروة المنتجة، المادي منها و البشري.

المفاهيم تساهم في العملية:

و يمكننا أن نضع إلي صف الأحكام في عملية الاكتشاف: المفاهيم التي تشكل جزءا مهما من الثقافة الإسلامية.

و نعني بالمفهوم: كل رأي للإسلام أو تصور إسلامي، يفسر واقعا كونيا أو اجتماعيا أو تشريعيا. فالعقيدة بصلة الكون باللّه تعالى و ارتباطه به، تعبير عن مفهوم معين للإسلام عن الكون (1). و العقيدة بأن المجتمع البشري مرّ بمرحلة فطرة و غريزة،

____________

(1) «وَ لِلّٰهِ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ، وَ كٰانَ اللّٰهُ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ مُحِيطاً» النساء/ 126.

377

قبل أن يصل إلى المرحلة التي يسود فيها العقل و التأمل، تعبير عن مفهوم إسلامي عن المجتمع (1). و العقيدة بأن الملكية ليست حقا ذاتيا، و إنما هي عملية استخلاف، تعكس التصور الإسلامي الخاص لتشريع معين، و هو الملكية للمال، فإن المال في المفهوم الإسلامي كله مال اللّه، و اللّه يستخلف الأفراد أحيانا للقيام بشأن المال، و يعبر عن هذا الاستخلاف تشريعيا: بالملكية.

فالمفاهيم إذن و جهات نظر، و تصورات إسلامية في تفسير الكون و ظواهره، أو المجتمع و علاقاته، أو أي حكم من الأحكام المشترعة، و هي لذلك لا تشتمل على أحكام بصورة مباشرة. و لكن قسما منها بالرغم من ذلك، ينفعنا في محاولتنا للتعرف على المذهب الاقتصادي في الإسلام، و هو ذلك القسم من المفاهيم الإسلامية الذي يتصل بالحياة الاقتصادية و ظواهرها، أو بأحكام الإسلام المشترعة فيها.

و لكي نوضح بشكل عام، الدور الذي يمكن أن يؤديه هذا القسم من المفاهيم، في سبيل تحديد معالم المذهب الاقتصادي في الإسلام، يجب أن نتعجل النتائج التي سوف يسجلها بعض البحوث الآتية، و أن نستعير من تلك البحوث مفهومين إسلاميين، دخلا في عملية اكتشاف المذهب، التي يمارسها هذا الكتاب.

و أحد هذين المفهومين هو: مفهوم الإسلام عن الملكية القائل: بأن اللّه تعالى استخلف الجماعة على المال و الثروة في الطبيعة، و جعل من تشريع الملكية الخاصة أسلوبا يحقق ضمنه الفرد متطلبات الخلافة، من استثمار المال و حمايته، و إنفاقه في مصلحة الإنسان. فالملكية عملية يمارسها الفرد لحساب الجماعة، و لحسابه ضمن الجماعة.

و المفهوم الآخر الذي نستعيره من البحوث المقبلة، هو: رأي الإسلام في التداول بوصفه ظاهرة مهمة من ظواهر الحياة الاقتصادية؛ فإنه يرى: أن التداول بطبيعته‌

____________

(1) «كٰانَ النّٰاسُ أُمَّةً وٰاحِدَةً، فَبَعَثَ اللّٰهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ» البقرة/ 213. «وَ مٰا كٰانَ النّٰاسُ إِلّٰا أُمَّةً وٰاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا» يونس/ 19.

378

الأصيلة يشكّل شعبة من الإنتاج، فالتاجر حين يبيع منتجات غيره يساهم بذلك في الإنتاج، لأن الإنتاج دائما هو إنتاج منفعة و ليس إنتاج مادة، لأن المادة لا تخلق من جديد، و التاجر بجلبه للسلعة المنتجة و إعدادها في متناول أيدي المستهلكين يحقق منفعة جديدة، بل لا منفعة للسلعة بالنسبة إلى المستهلكين بدون ذلك الإعداد. و كل اتجاه في التداول يبعده عن واقعة الأصيل هذا، و يجعله عملية طفيلية مقصودة للإثراء فحسب، و مؤدية إلى تطويل المسافة بين السلعة و المستهلك، فهو اتجاه شاذ يختلف عن الوظيفة الطبيعية للتداول.

و لنؤجل المدرك الإسلامي لهذين المفهومين و توضيحه بشكل أوسع، إلى موضعه من الكتاب (1)، و نقتصر على هذا القدر من العرض، الذي تحتم علينا القيام به لتوضيح دور المفاهيم في العملية، بالرغم من أن ذلك يوقعنا في شي‌ء من التكرار.

ففي ضوء هذين النموذجين لمفاهيم الإسلام، نستطيع أن نستوعب و نحدد الدور الذي يمكن أن تؤديه أمثال هذه المفاهيم على صعيد البحث، و في عملية الاكتشاف.

فهناك من المفاهيم ما يقوم بدور الإشعاع على بعض الأحكام، و تيسير مهمة فهمها من نصوصها الشرعية، و التغلب على العقبات التي تعترض ذلك؛ فالمفهوم الأول- الذي عرضناه قبل لحظات عن الملكية الخاصة- يهيئ الذهنية الإسلامية، و يعدّها لتقبل نصوص شرعية تحد من سلطة المالك، وفقا لمتطلبات المصلحة العامة للجماعة، لأن الملكية بموجب ذلك المفهوم، وظيفة اجتماعية، يسندها الشارع إلى الفرد، ليساهم في حمل أعباء الخلافة التي شرف اللّه بها الإنسان على هذه الأرض، و ليست حقا ذاتيا لا يقبل التخصيص و الاستثناء، فمن الطبيعي أن تخضع الملكية لمتطلبات هذه الخلافة، و من اليسير في هذا الضوء تقبّل نصوص تحد من سلطة المالك، و تسمح بانتزاع المال من يد صاحبه في بعض الأحايين، كالنصوص الإسلامية في الأرض التي تؤكد على: أن الأرض، إذا لم يقم صاحبها باستثمار‌

____________

(1) «التفسير الخلقي للملكيّة في الإسلام» ص 536، و «مفهوم الإسلام عن التداول» ص 646 من الكتاب.

379

و رعايتها، وفقا لمتطلبات الخلافة تنتزع منه، و يسقط حقه فيها، و تعطى لآخر.

و قد تردد كثير في الأخذ بهذه النصوص، لأنها تهدر حرمة الملكية المقدسة! و من الواضح أن هؤلاء المترددين، لو كانوا ينظرون إلى تلك النصوص، بمنظار المفهوم الإسلامي عن الملكية، لما صعب عليهم الأخذ بها، و التجاوب مع فكرتها و روحها.

و بهذا نعرف: أن المفاهيم الإسلامية في الحقل الاقتصادي، قد تشكل إطارا فكريا، يكون من الضروري اتخاذه لتتبلور ضمنه النصوص التشريعية في الإسلام تبلورا كاملا، و يتيسر فهمها دون تردد.

و نحن نجد بعض تلك النصوص التشريعية قد لاحظت هذا المعنى بوضوح، فأعطت المفهوم أو الإطار، تمهيدا لإعطاء الحكم الشرعي، فقد جاء في الحديث بشأن الأرض و ملكية الإنسان لها: «إن الأرض للّه تعالى، جعلها وقفا على عباده، فمن عطل أرضا ثلاث سنين متوالية، لغير ما علة، أخذت من يده، و دفعت إلى غيره» (1).

فنحن نرى: أن الحديث قد استعان بمفهوم معيّن عن ملكية الأرض، و دور الفرد فيها، على توضيح الحكم بانتزاع الأرض من مالكها و تبرير ذلك.

و بعض المفاهيم الإسلامية يقوم بإنشاء قاعدة، يرتكز على أساسها مل‌ء الفراغ الذي أعطي لولي الأمر حق ملية؛ فالمفهوم الإسلامي عن التداول مثلا الذي عرضناه سابقا، يصح أن يكون أساسا لاستعمال الدولة صلاحياتها في مجالات تنظيم التداول، فتمنع- في حدود الصلاحيات- كل محاولة من شأنها الابتعاد بالتداول عن الإنتاج، و جعله عملية لإطالة الطريق بين المستهلك و السلعة المنتجة، بدلا عن أن يكون عملية إعداد للسلعة و إيصال لها إلى يد المستهلك.

فالمفاهيم الإسلامية تقوم إذن بدور الإشعاع على النصوص التشريعة العامة، أو بدور تموين الدولة بنوعية التشريعات الاقتصادية، التي يجب أن تملأ بها منطقة الفراغ.

____________

(1) (الوسائل) ج 17، ص 345، الحديث 32274.

380

منطقة الفراغ في التشريع الاقتصادي:

و حيث جئنا على ذكر منطقة الفراغ في التشريع الاقتصادي، يجب أن نعطي هذا الفراغ أهمية كبيرة خلال عملية اكتشاف المذهب الاقتصادي، لأنه يمثل جانبا من المذهب الاقتصادي في الإسلام، فإن المذهب الاقتصادي في الإسلام يشتمل على جانبين: أحدهما: قد ملئ من قبل الإسلام بصورة منجزة، لا تقبل التغيير و التبديل، و الآخر: يشكل منطقة الفراغ في المذهب، قد ترك الإسلام مهمة ملئها إلى الدولة أو ولي الأمر، يملأها وفقا لمتطلبات الأهداف العامة للاقتصاد الإسلامي، و مقتضياتها في كل زمان.

و نحن حين نقول: «منطقة فراغ»، فإنما نعني ذلك بالنسبة إلى الشريعة الإسلامية و نصوصها التشريعية، لا بالنسبة إلى الواقع التطبيقي للإسلام، الذي عاشته الأمة في عهد النبوة، فإن النبي الأعظم (ص) قد ملأ ذلك الفراغ بما كانت تتطلبه أهداف الشريعة في المجال الاقتصادي، على ضوء الظروف التي كان المجتمع الإسلامي يعيشها، غير أنّه (ص) حين قام بعملية مل‌ء هذا الفراغ، لم يملأه بوصفه نبيا مبلغا للشريعة الإلهية، الثابتة في كل مكان و زمان، ليكون هذا المل‌ء الخاص من سيرة النبي لذلك الفراغ، معبرا عن صيغ تشريعية ثابتة، و إنما ملأه بوصفه ولي الأمر، المكلف من قبل الشريعة بمل‌ء منطقة الفراغ وفقا للظرف.

و نريد أن نخلص من هذا إلى النتائج الآتية:

أولا: إن تقويم المذهب الاقتصادي في الإسلام، لا يمكن أن يتم بدون إدراج منطقة الفراغ ضمن البحث، و تقدير إمكانيات هذا الفراغ، و مدى ما يمكن أن تساهم عملية ملية، مع المنطقة التي ملئت من قبل الشريعة ابتداء، في تحقيق أهداف الاقتصاد الإسلامي (1).

و أما إذا أهملنا منطقة الفراغ و دورها الخطير، فإن معنى ذلك تجزئة إمكانيات‌

____________

(1) لاحظ (الميزان) ج 4، ص 121.

381

الاقتصاد الإسلامي، و النظر إلى العناصر الساكنة فيه، دون العناصر الحركية.

و ثانيا: إن نوعية التشريعات التي ملأ النبي (ص) بها منطقة الفراغ من المذهب، بوصفه ولي الأمر، ليست أحكاما دائمية بطبيعتها، لأنها لم تصدر من النبي بوصفه مبلغا للأحكام العامة الثابتة، بل باعتباره حاكما و وليا للمسلمين (1). فهي إذن لا تعتبر جزءا ثابتا من المذهب الاقتصادي في الإسلام، و لكنها تلقي ضوءا إلى حد كبير على عملية مل‌ء الفراغ، التي يجب أن تمارس في كل حين وفقا للظروف، و تيسر فهم الأهداف الأساسية التي توخاها النبي (ص) في سياسته الاقتصادية، الأمر الذي يساعد على مل‌ء منطقة الفراغ دائما، في ضوء تلك الأهداف.

و ثالثا: إن المذهب الاقتصادي في الإسلام، يرتبط على هذا الأساس، ارتباطا كاملا بنظام الحكم في مجال التطبيق (2)، فما لم يوجد حاكم أو جهاز حاكم، يتمتع بنفس ما كان الرسول الأعظم (ص) يتمتع به من الصلاحيات، بوصفه حاكما لا بوصفه نبيا، لا يتاح مل‌ء منطقة الفراغ في المذهب الاقتصادي، بما تفرضه الأهداف الإسلامية وفقا للظروف، و بالتالي يصبح من المتعذر تطبيق المذهب الاقتصادي كاملا، بنحو نقطف ثماره و نحقق أهدافه.

و من الواضح أن هذا الكتاب، ما دام يبحث في المذهب الاقتصادي، فليس من وظيفته أن يتكلم عن نظام الحكم في الإسلام، و نوعية الشخص أو الجهاز الذي يصح أن يخلف الرسول شرعا، في ولايته و صلاحياته بوصفه حاكما، و لا عن الشروط التي يجب أن تتوفر في ذلك الفرد أو الجهاز، فإن ذلك كله خارج عن الصدد. و لهذا سوف نفترض في بحوث الكتاب حاكما شرعيا، يسمح له الإسلام بمباشرة صلاحيات النبي كحاكم، و نستخدم هذا الافتراض في سبيل تسهيل الحديث عن المذهب الاقتصادي و منطقة الفراغ فيه، و تصوير ما يمكن أن يحققه من أهداف و يقدمه من ثمار.

____________

(1) لاحظ (جواهر الكلام) ج 38، ص 65.

(2) لاحظ (الأصول من الكافي) ج 1، ص 405 و 406، و (علل الشرائع) ج 1، ص 253، و (إيصال الطالب) ج 7، ص 168- 214.

382

و أما لماذا تركت في المذهب الاقتصادي الإسلامي منطقة فراغ، لم تملأ من قبل الشريعة ابتداء بأحكام ثابتة؟ و ما هي الفكرة التي تبرر وجود هذه المنطقة في المذهب، و ترك أمر ملئها إلى الحاكم؟ و بالتالي ما هي حدود منطقة الفراغ، على ضوء الأدلة في الفقه الإسلامي؟ كل ذلك سوف نجيب عليه في البحوث المقبلة (1)، إن شاء اللّه تعالى.

عملية الاجتهاد و الذاتية:

عرفنا حتى الآن: أن الذخيرة التي نملكها في عملية اكتشاف المذهب الاقتصادي في الإسلام، هي: الأحكام و المفاهيم. و قد آن لنا أن نقول كلمة عن الطريقة التي نحصل بها على تلك الأحكام و المفاهيم، و ما يحف هذه الطريقة من مخاطر، لأننا إذا كنا سوف نكتشف المذهب الاقتصادي عن طريق الأحكام و المفاهيم، فمن الطبيعي أن نتساءل: كيف سوف نصل إلى هذه الأحكام و المفاهيم نفسها؟

و الجواب على هذا السؤال هو: أننا نلتقي بتلك الأحكام و المفاهيم، وجها لوجه و بصورة مباشرة، في النصوص الإسلامية، التي تشتمل على التشريع أو على وجهة نظر إسلامية معينة.

فليس علينا إلا أ نستحضر نصوص القرآن الكريم و السنة بهذا الصدد، لنجمع العدد الكافي من الأحكام و المفاهيم، التي نصل بها في نهاية الشوط إلى النظريات المذهبية العامة.

و لكن المسألة بالرغم من ذلك ليست مجرد تجميع نصوص فحسب، لأن النصوص لا تبرز- في الغالب- مضمونها التشريعي أو المفهومي (الحكم أو المفهوم) إبرازا صريحا محددا، لا يقبل الشك في أي جهة من جهاته، بل كثيرا ما ينطمس المضمون، أو تبدو المضامين مختلفة و غير متسقة، و في هذه الحالات يصبح فهم النص و اكتشاف المضمون المحدد، من مجموع النصوص التي تعالج ذلك المضمون،

____________

(1) «مبدأ تدخل الدولة» ص 685- 692 من الكتاب.

383

عملية اجتهاد معقدة لا فهما بسيطا.

و لا نحاول في هذا المجال أن نشير إلى طبيعة هذه العملية و أصولها و قواعدها و مناهجها الفقهية، لأن ذلك كله خارج عن الصدد، و إنما نريد في هذا الضوء: أن نقرر حقيقة عن المذهب الاقتصادي، و نحذر من خطر قد يقع خلال عملية الاكتشاف.

إما الحقيقة فهي: أن الصورة التي نكونها عن المذهب الاقتصادي، لما كانت متوقفة على الأحكام و المفاهيم، فهي انعكاس لاجتهاد معين، لأن تلك الأحكام و المفاهيم التي تتوقف عليها الصورة، نتيجة لاجتهاد خاص في فهم النصوص، و طريقة تنسيقها و الجمع بينها. و ما دامت الصورة التي نكوّنها عن المذهب الاقتصادي اجتهادية، فليس من الحتم أن تكون هي الصورة الواقعية، لأن الخطأ في الاجتهاد ممكن. و لأجل ذلك كان من الممكن لمفكرين إسلاميين مختلفين، أن يقدموا صورا مختلفة للمذهب الاقتصادي في الإسلام، تبعا لاختلاف اجتهاداتهم، و تعتبر كل تلك الصور صورا إسلامية للمذهب الاقتصادي، لأنها تعبر عن ممارسة عملية الاجتهاد التي سمح بها الإسلام و أقرها، و وضع لها مناهجها و قواعدها.

و هكذا تكون الصورة إسلامية ما دامت نتيجة لاجتهاد جائز شرعا، بقطع النظر عن مدى انطباقها على واقع المذهب الاقتصادي في الإسلام.

هذه هي الحقيقة. و أما الخطر الذي يحف بعملية الاكتشاف، القائمة على أساس الاجتهاد في فهم الأحكام و المفاهيم من النصوص، فهو: خطر العنصر الذاتي، و تسرب الذاتية إلي عملية الاجتهاد، لأن عملية الاكتشاف كلما توفرت فيها الموضوعية أكثر، و ابتعدت عن مظان العطاء الذاتي، كانت أدق و أنجح في تحقيق الهدف. و أما إذا أضاف الممارس خلال عملية الاكتشاف، و فهم النصوص شيئا من ذاته و ساهم في العطاء، فإن البحث يفقد بذلك أمانته الموضوعية، و طابعه الاكتشافي الحقيقي.

و يشتد الخطر و يتفاقم، عند ما تفصل بين الشخص الممارس و النصوص التي‌

384

يمارسها، فواصل تأريخية و واقعية كبيرة، و حين تكون تلك النصوص بصدد علاج قضايا، يعيش الممارس واقعا مخالفا كلّ المخالفة، لطريقة النصوص في علاج تلك القضايا، كالنصوص التشريعية و المفهومية المرتبطة بالجوانب الاجتماعية من حياة الإنسان. و لأجل هذا كان خطر الذاتية على عملية اكتشاف الاقتصاد الإسلامي، أشد من خطرها على عملية الاجتهاد في أحكام أخرى فردية، كالحكم بطهارة بول الطائر، أو حرمة البكاء في الصلاة، أو وجوب التوبة على العاصي.

و لأجل تعاظم خطر الذاتية على العملية التي يمارسها، كان لزاما علينا كشف هذه النقطة بوضوح، و تحديد منابع هذا الخطر.

و بهذا الصدد يمكننا أن نذكر الأسباب الأربعة التالية

، بوصفها أهم المنابع لخطر الذاتية:

أ- تبرير الواقع.

ب- دمج النص ضمن إطار خاص.

ج- تجريد الدليل الشرعي من ظروفه و شروطه.

د- اتخاذ موقف معين بصورة مسبقة تجاه النص.

أ- تبرير الواقع:

إن عملية تبرير الواقع هي: المحاولة التي يندفع فيها الممارس- بقصد أو بدون قصد- إلى تطوير النصوص، و فهمها فهما خاصا يبرر الواقع الفاسد الذي يعيشه الممارس، و يعتبره ضرورة واقعة لا مناص عنها، نظير ما قام به بعض المفكرين المسلمين، ممن استسلم للواقع الاجتماعي الذي يعيشه، و حاول أن يخضع النص للواقع، بدلا عن التفكير في تغيير الواقع على أساس النص، فتأول أدلة حرمة الربا و الفائدة، و خرج من ذلك بنتيجة تواكب الواقع الفاسد. و هي: أن الإسلام يسمح بالفائدة إذا لم تكن أضعافا مضاعفة، و إنما ينهى عنها إذا بلغت مبلغا فاحشا، يتعدى الحدود المعقولة، كما في الآية الكريمة يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، لٰا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعٰافاً

385

مُضٰاعَفَةً، وَ اتَّقُوا اللّٰهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (1)! و الحدود المعقولة هي: الحدود التي ألفها هذا المتأول من واقعة في حياته و مجتمعة! و قد منعه واقعة عن إدراك غرض هذه الآية الكريمة، التي لم تكن تستهدف السماح بالفائدة التي لا تضاعف القرض، و إنما كانت تريد لفت نظر المرابين إلى النتائج الفظيعة، التي قد يسفر عنها الربا، إذ يصبح المدين مثقلا بأضعاف ما استقرضه، لتراكم فوائد الربا، و نمو رأس المال الربوي نموا شاذا باستمرار، يواكبه تزايد بؤس المدين و انهياره في النهاية.

و لو أراد هذا المتأول أن يعيش القرآن خالصا، و بعيدا عن إيحاءات الواقع المعاش و إغرائه، لقرء قوله تعالى وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ، لٰا تَظْلِمُونَ وَ لٰا تُظْلَمُونَ (2).

و يفهم: أن المسألة ليست مسألة حرب مع نوع خاص من الربا الجاهلي، الذي يضاعف الدين أضعافا مضاعفة، و إنما هي: مسألة مذهب اقتصادي له نظرته الخاصة إلى رأس المال، التي تحدد له مبررات نموه، و تشجب كل زيادة له منفصلة عن تلك المبررات، مهما كانت ضئيلة، كما يقرره إلزام الدائن بالاكتفاء برأس ماله، لا يظلم و لا يظلم.

ب- دمج النص ضمن إطار خاص.

و أما عملية دمج النص ضمن إطار معين، فهي: دراسة النص في إطار فكري غير إسلامي. و هذا الإطار قد يكون منبثقا عن الواقع المعاش، و قد لا يكون. فيحاول الممارس أن يفهم النص ضمن ذلك الإطار المعين، فإذا وجده لا ينسجم مع إطارة الفكري أهمله، و اجتازه إلى نصوص أخرى تواكب إطارة، أو لا تصطدم به على أقل تقدير.

و قد رأينا سابقا كيف أهملت نصوص تحد من سلطة المالك، و تسمح أحيانا بانتزاع الأرض منه، و فضل عليها غيرها، لمجرد أن تلك النصوص لا تتفق مع الإطار الفكري، الذي يشع بتقديس الملكية الخاصة، بدرجة يجعلها فوق سائر الاعتبارات.

____________

(1) آل عمران/ 130.

(2) البقرة/ 279.

386

و قد كتب فقيه- معلقا على النص القائل:- بأن الأرض إذا لم يعمرها صاحبها أخذها منه وليّ الأمر و استثمرها لحساب الأمة-: «إن الأولى عندي ترك العمل بهذه الرواية، فإنها تخالف الأصول و الأدلة العقلية» (1)! و هو يعني بالأدلة العقلية: الأفكار التي تؤكد قدسية الملكية، بالرغم من أن قدسية الملكية و درجة هذه القدسية يجب أن تؤخذ من الشريعة، و أما حين تقرر بشكل مسبق، و بصورة تتيح لها أن تتحكم في فهم النص التشريعي، فهذا هو معني الاستنباط في إطار فكري مستعار، و إلا فأي دليل عقلي على قدسية الملكية، بدرجة تمنع عن الأخذ بالنص التشريعي الآنف الذكر؟! و هل الملكية الخاصة إلا علاقة اجتماعية بين الفرد و المال؟! و العلاقة الاجتماعية افتراض و اعتبار، يشرعه المجتمع أو أي مشرع آخر لتحقيق غرض معين، فهو لا يدخل في نطاق البحث العقلي المجرد، و لا العقلي التجريبي.

و كثيرا ما نجد بعض الممارسين، يستدل في مثل هذا المجال على حرمة انتزاع المال من المالك: بأن الغصب قبيح عقلا. و هو استدلال عقيم، لأن الغصب هو انتزاع المال بدون حق، و الشريعة هي التي تحدد ما إذا كان هذا الانتزاع بحق أم لا، فيجب أن نأخذ منها ذلك، دون أن نفرض عليها فكره سابقة، فإذا قررت: أن الانتزاع بغير حق، كان غصبا، و إذا فرضت لشخص حقا في الانتزاع، لم يكن الانتزاع غصبا، و بالتالي لم يكن قبيحا.

و كتب فقيه آخر يستدل على تشريع الملكية الخاصة في الأرض: «إن الحاجة تدعو إلى ذلك، و تشتد الضرورة إليه، لأن الإنسان ليس كالبهائم، بل هو مدني بالطبع، لا بد له من مسكن يأوي إليه، و موضع يختص به، فلو لم يشرع لزم الحرج العظيم، بل تكليف ما لا يطاق» (2).

و كلنا نعترف طبعا: بوجود الملكية الخاصة في الإسلام، و في الأرض بوجه خاص أيضا، و لكن الشي‌ء الذي لا نقرّه هو: أن يستمد الحكم في الشريعة الإسلامية من‌

____________

(1) (السرائر) ج 1، ص 477.

(2) (مفتاح الكرامة) ج 7، ص 3.

387

الرسوخ التاريخي لفكرة الملكية، كما اتفق لهذا الفقيه الذي لم تمتد أبعاده الفكرية، و تصوراته عن الماضي و الحاضر و المستقبل، خارج نطاق التأريخ الذي عاشته الملكية الخاصة، فكان يجد وراء كل اختصاص في تأريخ حياة الإنسان، شبح الملكية الخاصة، يبرره و يفسره، حتى لم يعد يستطيع أن يميز بين الواقع و الشبح، فأخذ يعتقد: أن الإنسان ما دام بحاجة إلى الاختصاص بمسكن يأوي إليه- على حد تعبيره-، فهو بحاجة إذن إلى أن يتملكه ملكية خاصة، ليختص به و يأوي إليه.

و لو استطاع هذا الممارس أن يميز بين سكنى الإنسان مسكنا خاصا، و بين تملكه لذلك المسكن ملكية خاصة، لما خدع بالتشابك التاريخي بين الأمرين، و لأمكنه أن يدرك بوضوح: أن تكليف ما لا يطاق إنما هو في منع الإنسان من اتخاذ مسكن خاص، لا في عدم منحه الملكية الخاصة لذلك المسكن. فالطلاب في مدينة جامعية، أو الأفراد في مجتمع اشتراكي، يأوي كل منهم إلى مسكن خاص، دون أن يتملكه ملكية خاصة.

و هكذا نجد أن فقيهنا هذا، اتخذ- بدون قصد- من الجلال التاريخي للملكية الخاصة، و ما يوحي به من أفكار عن ضرورتها للإنسانية، إطارا لتفكيره الفقهي.

و من الإطارات الفكرية التي تلعب دورا فعالا في عملية فهم النص: الإطار اللغوي، كما إذا كانت الكلمة الأساسية في النص لفظا مشحونا بالتأريخ، أي: ممتدا و متطورا عبر الزمن، فمن الطبيعي أن يبادر الممارس بصورة عفوية إلى فهم الكلمة، كما تدل عليه في واقعها، لا في تأريخها البعيد. و قد يكون هذا المدلول حديثا في عمر الكلمة، و نتاجا لغويا لمذهب جديد، أو حضارة ناشئة. و لأجل ذلك يجب عند تحديد معنى النص، الانتباه الشديد إلى عدم الاندماج في إطار لغوي حادث، لم يعش مع النص منذ ولادته.

و قد يتفق أن تساهم عملية الإشراط الاجتماعي للملكية، في تضليل الممارس‌

388

للنص، عن الفهم الصحيح. فالكلمة حتى إذا كانت محتفظة بمعناها الأصيل على مر الزمن، قد تصبح خلال ملابسات اجتماعية معينة، بيّن مدلولها فكر خاص أو سلوك معين، مشروطة بذلك الفكر أو السلوك، حتى ليطغى أحيانا مدلولها السيكولوجي- على أساس عملية الإشراط التي ينتجها وضع اجتماعي معين- على مدلولها اللغوي الأصيل، أو يندمج- على أقل تقدير- المعطى اللغوي للكلمة بالمعطى الشرطي النفسي، الذي هو في الحقيقة نتيجة وضع اجتماعي يعيشه الممارس، أكثر من كونه نتيجة للكلمة ذاتها.

و خذ إليك مثلا كلمة: «الاشتراكية»؛ فقد أشرطت هذه الكلمة خلال مذاهب اجتماعية حديثة، عاشها الإنسان المعاصر، بكتلة من الأفكار و القيم و السلوك، و أصبحت هذه الكتلة تشكل إلى حد ما، جزءا مهما من مدلولها الاجتماعي اليوم، و إن لم تكن على الصعيد اللغوي المجرد تحمل شيئا من هذه الكتلة. و يناظرها كلمة:

«الرعية» التي حمّلها تأريخ الإقطاع تبعة كبيرة، و أشرطها بسلوك الإقطاعي (صاحب الأرض) مع الأقنان الذين يزرعون له أرضه. فإذا جئنا إلى نصوص تشتمل على كلمة الاشتراكية، أو كلمة الرعية كالنص القائل: الناس شركاء في الماء و النار و الكلأ. و النص القائل: إن للوالي على الرعية حقا، نواجه خطر الاستجابة للإشراط الاجتماعي في تلك الكلمات، و إعطائها المعنى الاجتماعي الذي عاشته بعيدا عن جو النص، بدلا عن إعطائها المعنى اللغوي الذي ترمز إليه.

ج- تجريد الدليل الشرعي من ظروفه و شروطه:

تجريد الدليل الشرعي من ظروفه و شروطه، هو عملية تمديد للدليل دون مبرر موضوعي.

و هذه العملية كثيرا ما ترتكب في نوع خاص من الأدلة الشرعية، و هو ما يطلق عليه فقهيا اسم: «التقرير» و نظرا إلى أن هذا النوع من الأدلة، له أثر كبير على عملية الاجتهاد في الأحكام و المفاهيم، التي تتصل بالمذهب الاقتصادي، فمن الضروري أن‌

389

نبرز الخطر الذي يتهدد هذا الدليل، نتيجة لتجريده عن ظروفه و شروطه.

و لنشرح أولا معنى التقرير: إن التقرير مظهر من مظاهر السنّة الشريفة، و نعني به:

سكوت النبي (ص) أو الإمام، عن عمل معين يقع على مرأى منه و مسمع، سكوتا يكشف عن سماحه به و جوازه في الإسلام.

و التقرير على قسمين، لأنه تارة: يكون تقريرا لعمل معين، يقوم به فرد خاص، كما إذا شرب أحد الفقاع أمام النبي (ص)، فسكت عنه، فإن هذا السكوت يكشف عن جواز شربه في الإسلام، و أخرى: يكون تقريرا لعمل عام، يتكرر صدوره من الناس في حياتهم الاعتيادية، كما إذا عرفنا من عادة الناس في عهد التشريع الإسلامي، قيام الأفراد باستخراج الثروات المعدنية، و تملكها بسبب استخراجها، فإن سكوت الشريعة عن هذه العادة و عدم معارضتها، يعتبر تقريرا منها و دليلا على سماح الإسلام للفرد، باستخراج المادة الطبيعية و تملكها. و هذا ما يطلق عليه في البحث الفقهي اسم: «العرف العام» أو «السيرة العقلائية». و مرده في الحقيقة إلى اكتشاف موافقة الشريعة على سلوك عام معاصر لعهد التشريع، عن طريق عدم ورود النهي عنه في الشريعة، إذ لو لم تكن الشريعة موافقة على ذلك السلوك الذي عاصرته، لنهت عنه. فعدم النهي دليل الموافقة.

و يتوقف هذا الاستدلال من الناحية الفقهية على عدة أمور:

فأولا: يجب التأكد من وجود ذلك السلوك تأريخيا في عصر التشريع، إذ لو كان السلوك متأخرا زمينا عن عصر التشريع، لم يكن سكوت الشريعة عنه دليلا على رضاها به، و إنما يستكشف الرضا من السكوت، إذا عاش السلوك عصر التشريع.

و ثانيا: يجب التأكد من عدم صدور النهي من الشريعة عن ذلك السلوك، و لا يكفي عدم العلم بصدوره، فما لم يجزم الباحث بعدم صدور النهي، ليس من حقه أن يستكشف سماح الإسلام بذلك السلوك، ما دام من المحتمل أن تكون الشريعة قد نهت عنه.

و ثالثا: يجب أخذ جميع الصفات و الشروط الموضوعية، المتوفرة في ذلك‌

390

السلوك، بعين الاعتبار، لأن من الممكن أن يكون لبعض تلك الصفات و الشروط، أثر في السماح بذلك السلوك و عدم تحريمه. فإذا ضبطنا جميع الصفات و الشروط، التي كانت تكتنف ذلك السلوك الذي عاصر التشريع، أمكننا أن نستكشف من سكوت الشريعة عنه: سماحها بذلك السلوك، متى ما وجد ضمن تلك الصفات و الشروط التي ضبطناها.

نستطيع الآن في ضوء هذا الشرح أن نفهم: كيف يتسرب العنصر الذاتي إلى هذا الدليل، متمثلا في تجريد السلوك من ظروفه و شروطه.

و عملية التجريد هذه تتخذ شكلين: ففي بعض الأحيان يجد الممارس نفسه يعيش واقعا عامرا بسلوك اقتصادي معين، و يحس بوضوح هذا السلوك و أصالته و عمقه، إلى درجة يتناسى العوامل التي ساعدت على إيجاده، و الظروف الموقتة التي مهدت له، فيخيل له: أن هذا السلوك أصيل، و ممتد في التأريخ إلى عصر التشريع، بينما هو وليد عوامل و ظروف معينة حادثة، أو من الممكن أن يكون كذلك على أقل تقدير. و لنذكر لذلك على سبيل المثال: الإنتاج الرأسمالي في الأعمال و الصناعات الاستخراجية؛ فإن الواقع اليوم يغص بهذا اللون من الإنتاج، الذي يتمثل في عمل أجراء يستخرجون المواد المعدنية من ملح أو نفط، و رأسمالي يدفع إليهم الأجور، و يعتبر نفسه لأجل ذلك مالكا للمادة المستخرجة. و عقد الإجارة هذا، الذي يقوم بين الرأسمالي و العمال، يبدو الآن طبيعيا في مضمونه و نتائجه الآنفة الذكر- أي:

تملك العامل للأجرة، و تملك الرأسمالي للمادة- إلى درجة قد تتيح للكثير، أن يتصوروا هذا النوع من الاتفاق قديما، بقدم اكتشاف الإنسان للمعادن و استفادته منها، و يؤمنون على أساس هذا التصور: بأن هذا النوع من الإجارة كان موجودا في عصر التشريع. و من الطبيعي أن ينتج عن ذلك: التفكير في الاستدلال على جواز هذه الإجارة، و تملك الرأسمالي للمادة المستخرجة، بدليل التقرير، فيقال: إن سكوت الشريعة عن هذه الإجارة و عدم نهيها عنها، دليل على سماح الإسلام بها.

391

و لا نريد هنا أن نقول شيئا عن هذه الإجارة و مقتضياتها من الناحية الفقهية، و لا عن أقوال الفقهاء الذين يشكون فيها أو في مقتضياتها، فإننا سوف ندرس الحكم الشرعي لهذه الإجارة و مقتضياتها بكل تفصيل، في بحث مقبل (1)، و نستعرض جميع الأدلة التي يمكن الاستناد إليها في الموضوع إيجابيا أو سلبيا. و إنما نريد هنا أن ندرس فقط، الاستدلال على تلك الإجارة و مقتضياتها بدليل التقرير، لنبرز شكلا من تجريد السلوك عن شروطه و ظروفه؛ فإن هؤلاء الذين يستدلون بدليل التقرير، على صحة تلك الإجارة و مقتضياتها، لم يعيشوا عصر التشريع، ليتأكدوا من تداول هذا النوع من الإجارة في ذلك العصر، و إنما شاهدوا تداولها في واقعهم المعاش، و أدى رسوخها في النظام الاجتماعي السائد، إلى الإيمان بأنها ظاهرة مطلقة، ممتدة تأريخيا إلى عصر التشريع. و هذا هو الذي نعنيه بتجريد السلوك من ظروفه و شروطه، دون مبرر موضوعي، و إلا فهل نملك دليلا حقا على: أن هذا اللون من الإجارة كان موجودا و شائعا في عصر التشريع الإسلامي؟! و هل يعلم هؤلاء الذين يؤكدون على وجوده في ذلك العصر: أن هذه الإجارة هي المظهر القانوني للإنتاج الرأسمالي، الذي لم يوجد تأريخيا على نطاق واسع- خصوصا في ميادين الصناعة- إلا متأخرا؟! و ليس معنى هذا الكلام: الجزم بنفي وجود الإنتاج الرأسمالي للمواد المعدنية في عصر التشريع، أي: العمل و بأجرة في استخراجها، و لا تقديم دليل على هذا النفي، بل مجرد الشك في ذلك، و إنه كيف تتأصل ظاهرة معينة و تبدو طبيعية، حتى توحي باليقين بعمقها و قدمها، لمجرد أنها راسخة في الواقع المعاش، مع عدم توفر أدلة منطقية كاملة على قدمها تأريخيا، و انفصالها عن ظروف مستجدة.

هذا هو الشكل الأول من عملية التجريد (تجريد السلوك المعاش عن ظروفه الواقعية، و تمديده تأريخيا إلى عصر التشريع).

و أما الشكل الآخر من عملية التجريد في دليل التقرير، فهو ما يتفق عند ما ندرس‌

____________

(1) «الأساس النظري للتوزيع على عناصر الإنتاج» ص 549 من الكتاب.

392

سلوكا معاصرا لعهد التشريع حقا، و نستكشف سماح الإسلام به من سكوت الشريعة عنه؛ فإن الممارس في هذه الحالة قد يقع في خطإ التجريد، عند ما يجرد ذلك السلوك المعاصر لعهد التشريع عن خصائصه، و يعزله عن العوامل التي قد تكون دخيلة في السماح له، و يعمم القول: بأن هذا السلوك جائز و صحيح إسلاميا في كل حال. مع أن من الضروري، لكي يكون الاستدلال بدليل التقرير موضوعيا، أن ندخل في حسابنا كل حالة من المحتمل تأثيرها في موقف الإسلام من ذلك السلوك.

فحين تتغير بعض تلك الحالات و الظروف، يصبح الاستدلال بدليل التقرير عقيما، فإذا قيل لك مثلا: إن شرب الفقاع في الإسلام جائز، بدليل أن فلانا حين مرض على عهد النبي- (صلى اللّه عليه و آله)- شرب الفقاع، و لم ينه النبي (ص) عن ذلك، كان لك أن تقول: إن دليل التقرير هذا وحده لا يكفي دليلا على سماح الإسلام بشرب الفقاع لكل فرد، و لو كان سليما، لأن من الممكن أن تكون بعض الأمراض مجوزة لشربه بصورة استثنائه. فمن الخطأ إذن أن نعزل السلوك المعاصر لعهد التشريع عن ظروفه و خصائصه، و نعمم حكم ذلك السلوك بدون مبرر، لكل سلوك مشابه، و إن اختلف في الخصائص التي قد يختلف الحكم بسببها. بل يجب أن نأخذ بعين الاعتبار جميع الحالات الفردية و الأوضاع الاجتماعية، التي تكتنف السلوك المعاصر لعهد التشريع.

د- اتخاذ موقف معين بصورة مسبقة تجاه النص:

و نقصد باتخاذ موقف معين تجاه النص: الاتجاه النفسي للباحث، فإن للاتجاه أثره الكبير على عملية فهم النصوص. و لكي تتضح فكره الموقف، نفترض شخصين يمارسان دراسة النصوص، يتجه أحدهما نفسيا إلى اكتشاف الجانب الاجتماعي، و ما يتصل بالدولة من أحكام الإسلام و مفاهيمه، بينما ينجذب الآخر لاتجاه نفسي نحو الأحكام التي تتصل بالسلوك الخاص للأفراد. فإن هذين الشخصين بالرغم من أنهما يباشران نصوصا واحدة، سوف يختلفان في المكاسب التي يخرجان بها من دراستهما لتلك النصوص، فيحصل كل منهما على مكاسب أكبر فيما يتصل‌

393

باتجاهه النفسي و موقفه الخاص، و قد تنطمس أمام عينيه معالم الجانب الإسلامي الذي لم يتجه إليه نفسيا.

و هذا الموقف النفسي الذي تفرضه ذاتية الممارس لا موضوعية البحث، لا يقتصر تأثيره على إخفاء بعض معالم التشريع، بل قد يؤدي أحيانا إلى التضليل في فهم النص التشريعي، و الخطأ في استنباط الحكم الشرعي منه؛ و ذلك حينما يريد الممارس أن يفرض على النص موقفه الذاتي، الذي اتخذه بصورة مسبقة، فلا يوفق حينئذ إلى تفسيره بشكل موضوعي صحيح.

و الأمثلة على هذا من الفقه عديدة. و قد يكون نهي النبي عن منع فضل الماء و الكلأ، أوضح مثال من النصوص على مدى تأثر عملية الاستنباط من النص، بالموقف النفسي للممارس. فقد جاء في الرواية: «أن النبي قضى بين أهل المدينة في النخل: لا يمنع نفع بئر. و قضى بين أهل البادية: أنه لا يمنع فضل ماء و لا يباع فضل كلأ» (1). و هذا النهي من النبي عن منع فضل الماء و الكلأ، يمكن أن يكون تعبيرا عن حكم شرعي عام، ثابت في كل زمان و مكان، كالنهي عن الميسر و الخمر، كما يمكن أيضا أن يعبر عن إجراء معين، اتخذه النبي بوصفه ولي الأمر المسؤول عن رعاية مصالح المسلمين، في حدود ولايته و صلاحياته، فلا يكون حكما شرعيا عاما، بل يرتبط بظروفه و مصالحه التي يقدّرها ولي الأمر.

و موضوعية البحث في هذا النص النبوي، تفرض على الباحث استيعاب كلا هذين التقديرين، و تعيين أحدهما على ضوء صيغة النص و ما يناظره من نصوص.

و أما أولئك الذين يتخذون موقفا نفسيا تجاه النص بصورة مسبقة، فهم يفترضون منذ البدء: أن يجدوا في كل نص حكما شرعيا عاما، و ينظرون دائما إلى النبي من خلال النصوص، بوصفه أداة لتبليغ الأحكام العامة، و يهملون دوره الإيجابي بوصفه ولي الأمر، فيفسرون النص الآنف الذكر على أساس: أنه حكم شرعي عام (2).

____________

(1) راجع (الوسائل) ج 17، ص 333، الحديث/ 32241.

(2) و يفرعون على هذا الأساس: أن النهي ليس نهي تحريم، و إنما هو نهي كراهة، لأنهم يستبعدون أن يكون منع المالك لفضل مائه حراما شرعا، في كل زمان و مكان. (من المؤلف)

394

و هذا الموقف الخاص في تفسير النص، لم ينبع من النص نفسه، و إنما نتج من اعتياد ذهني على صورة خاصة عن النبي، و طريقة تفكير معينة فيه، درج عليها الممارس، و اعتاد خلالها أن ينظر إليه دائما باعتباره مبلغا، و انطمست أمام عينيه شخصيته الأخرى بوصفه حاكما، و انطمست بالتالي ما تعبر به هذه الشخصية عن نفسها في النصوص المختلفة.

ضرورة الذاتية أحيانا:

و يجب أن نشير في النهاية إلى المجال الوحيد، الذي يسمح به للجانب الذاتي، لدى محاولة تكوين الفكرة العامة المحددة عن الاقتصاد الإسلامي، و هو: مجال اختيار الضرورة التي يراد أخذها عن الاقتصاد في الإسلام، من بين مجموع الصور التي تمثل مختلف الاجتهادات الفقهية المشروعة، فقد مر بنا: أن اكتشاف المذهب الاقتصادي يتم خلال عملية اجتهاد في فهم النصوص و تنسيقها، و التوفيق بين مدلولاتها في اطراد واحد، و عرفنا: أن الاجتهاد يختلف و يتنوع، تبعا لاختلاف المجتهدين في طريقة فهمهم للنصوص، و علاجهم للتناقضات التي قد تبدو بين بعضها و البعض الآخر، و في القواعد و المناهج العامة للتفكير الفقهي التي يتبنونها. كما عرفنا أيضا: أن الاجتهاد يتمتع بصفة شرعية و طابع إسلامي، ما دام يمارس وظيفته، و يرسم الصورة و يحدد معالمها ضمن إطار الكتاب و السنة، و وفقا للشروط العامة التي لا يجوز اجتيازها.

و ينتج عن ذلك كله ازدياد ذخيرتنا بالنسبة إلى الاقتصاد الإسلامي، و وجود صور عديدة له، كلها شرعي و كلها إسلامي. و من الممكن حينئذ أن نتخير في كل مجال، أقوى العناصر التي نجدها في تلك الصورة، و أقدرها على معالج مشاكل الحياة و تحقيق الأهداف العليا للإسلام. و هذا مجال اختيار ذاتي يملك الباحث فيه حريته و رأيه، و يتحرر عن وصفه مكتشفا فحسب، و إن كانت هذه الذاتية لا تعدو أن‌

395

تكون اختيارا، و ليست إبداعا، فهي تحرر في نطاق الاجتهادات المختلفة، و ليست تحررا كاملا.

و قد مارس هذا الكتاب في بحوث سابقة، و سيمارس في بحوث مقبلة هذا المجال الذاتي، كما ألمعنا إلى ذلك في المقدمة (1). فليس كل ما يعرض من أحكام في هذا الكتاب، و يتبنى و يستدل عليه، نتيجة لاجتهاد المؤلف شخصيا. بل قد يعرض في بعض النقاط لما لا يتفق مع اجتهاده، ما دام يعبر عن وجهة نظر اجتهادية أخرى، تحمل الطابع الإسلامي و الصفة الشرعية.

و أود أن أوكد بهذه المناسبة على: أن ممارسة هذا المجال الذاتي، و منح الممارس حقا في الاختيار ضمن الإطار العام للاجتهاد في الشريعة، قد يكون أحيانا شرطا ضروريا من الناحية الفنية لعملية الاكتشاف التي يحاولها هذا الكتاب، و ليس أمرا جائزا فحسب، أو لونا من الترف و التكاسل عن تحمّل أعباء و مشاق الاجتهاد في أحكام الشريعة. فإن من المستحيل في بعض الحالات اكتشاف النظرية الإسلامية و القواعد المذهبية في الاقتصاد، شاملة كاملة منسجمة مع بنائها العلوي و تفصيلاتها التشريعية و تفريعاتها الفقهية، إلا على أساس المجال الذاتي للاختيار.

و أنا أقول هذا نتيجة لتجربة شخصية عشتها في فترة إعداد هذا الكتاب، و لعل من الضروري أن أجليها هنا لأبرز إحدى المشاكل التي يعانيها البحث في الاقتصاد الإسلامي غالبا، و طريقة تغلّب هذا الكتاب عليها بممارسة المجال الذاتي الآنف الذكر، الذي منح لنفسه حق ممارسته.

فمن المتفق عليه بين المسلمين اليوم: أن القليل من أحكام الشريعة الإسلامية هو الذي لا يزال يحتفظ بوضوحه و ضرورته و صفته القطعية، بالرغم من هذه القرون المتطاولة التي تفصلنا عن عصر التشريع. و قد لا تتجاوز الفئة التي تتمتع بصفة قطعية من أحكام الشريعة، الخمسة في الماءة من مجموع الأحكام التي نجدها في الكتب الفقهية.

____________

(1) «كلمة المؤلف» ص 49.

396

و السبب في ذلك واضح، لأن أحكام الشريعة تؤخذ من الكتاب و السنة، أي:

من النص التشريعي، و نحن بطبيعة الحال نعتمد في صحة كل نص على نقل أحد الرواة و المحدثين باستثناء النصوص القرآنية و مجموعة قليلة من نصوص السنة التي ثبتت بالتواتر و اليقين و مهما حاولنا أن ندقق في الراوي و وثاقته و أمانته في النقل، فإننا لن نتأكد بشكل قاطع من صحة النص، ما دمنا لا نعرف مدى أمانة الرواة إلا تأريخيا، لا بشكل مباشر، و ما دام الراوي الأمين قد يخطئ و يقدم إلينا النص محرّفا، خصوصا في الحالات التي لا يصل إلينا النص فيها إلا بعد أن يطوف بعدة رواة، ينقله كل واحد منهم إلى الآخر، حتى يصل إلينا في نهاية الشوط. و حتى لو تأكدنا أحيانا من صحة النص، و صدوره من النبي أو الإمام، فإننا لن نفهمه إلا كما نعيشه الآن، و لن نستطيع استيعاب جوّه و شروطه، و استبطان بيئته التي كان من الممكن أن تلقي عليه ضوءا. و لدى عرض النص على سائر النصوص التشريعية للتوفيق بينه و بينها، قد نخطئ أيضا في طريقة التوفيق، فنقدم هذا النص على ذاك، مع أن الآخر أصح في الواقع، بل قد يكون للنص استثناء في نص آخر و لم يصل إلينا الاستثناء، أو لم نلتفت إليه خلال ممارستنا للنصوص، فنأخذ بالنص الأول مغفلين استثناءه الذي يفسره و يخصصه.

فالاجتهاد إذن عملية معقدة، تواجه الشكوك من كل جانب، و مهما كانت نتيجته راجحة في رأي المجتهد، فهو لا يجزم بصحتها في الواقع، ما دام يحتمل خطأه في استنتاجها، إما لعدم صحة النص في الواقع و إن بدا له صحيحا، أو لخطإ في فهمه، أو في طريقة التوفيق بينه و بين سائر النصوص، أو لعدم استيعابه نصوصا أخرى ذات دلالة في الموضوع، ذهل عنها الممارس أو عاثت بها القرون.

و هذا لا يعني بطبيعة الحال: إلغاء عملية الاجتهاد أو عدم جوازها، فإن الإسلام بالرغم من الشكوك التي تكتنف هذه العملية قد سمح بها، و حدد للمجتهد المدى الذي يجوز له أن يعتمد فيه على الظن، ضمن قواعد تشرح عادة في علم أصل الفقه، و ليس على المجتهد إثم إذا اعتمد ظنه في الحدود المسموح بها، سواء أخطأ أو أصاب.

397

و على هذا الضوء يصبح من المعقول و من المحتمل: أن توجد لدى كل مجتهد مجموعة من الأخطاء و المخالفات لواقع التشريع الإسلامي، و إن كان معذورا فيها، و يصبح من المعقول أيضا: أن يكون واقع التشريع الإسلامي في مجموعة من المسائل التي يعالجها موزعا هنا و هناك، بنسب متفاوتة في آراء المجتهدين، فيكون هذا المجتهد على خطأ في مسألة و صواب في أخرى، و يكون الآخر على العكس.

و أمام هذا الواقع الذي شرحناه عن عملية الاجتهاد و المجتهدين، لا يملك الممارس لعملية اكتشاف المذهب الاقتصادي، إلا أن ينطلق في اكتشافه من أحكام ثبتت باجتهاد ظني معين، ليجتازها إلى ما هو أعمق و أشمل، إلى نظريات الإسلام في الاقتصاد و مذهبه الاقتصادي.

و لكن علينا أن نتساءل: هل من الضروري أن يعكس لنا اجتهاد كل واحد من المجتهدين- بما يضم من أحكام- مذهبا اقتصاديا كاملا، و أسسا موحدة منسجمة مع بناء تلك الأحكام و طبيعتها؟

و نجيب على هذا السؤال بالنفي، لأن الاجتهاد الذي يقوم على أساسه استنتاج تلك الأحكام، معرض للخطإ، و ما دام كذلك فمن الجائز أن يضم اجتهاد المجتهد عنصرا تشريعيا غريبا على واقع الإسلام، قد أخطأ المجتهد في استنتاجه، أو يفقد عنصرا تشريعيا إسلاميا لم يوفق المجتهد للظفر به في النصوص التي مارسها. و قد تصبح مجموعة الأحكام التي أدى إليها اجتهاده، متناقضة في أسسها بسبب هذا أو ذاك، و يتعذر عندئذ الوصول إلى رصيد نظري كامل يوحد بينها، أو تفسير مذهبي شامل يضعها جميعا في اطراد واحد.

و لهذا يجب أن نفرق بين واقع التشريع الإسلامي كما جاء به النبي (ص)، و بين الصورة الاجتهادية كما يرسمها مجتهد معين خلال ممارسته للنصوص. فنحن نؤمن:

بأن واقع التشريع الإسلامي في المجالات الاقتصادية ليس مرتجلا، و لا وليد نظرات متفاصلة، و منعزلة بعضها عن البعض، بل إن التشريع الإسلامي في تلك المجالات يقوم على أساس موحد، و رصيد مشترك من المفاهيم، و ينبع من نظريات الإسلام‌

398

و عمومياته في شئون الحياة الاقتصادية.

و إيماننا بهذا هو الذي جعلنا نعتبر الأحكام بناء علويا، يجب تجاوزه إلى ما هو أعمق و أشمل، و تخطئة إلى الأسس التي يقوم عليها هذا البناء العلوي و ينسجم معها، و يعبّر عن عمومياتها في كل تفصيلاته و تفريعاته، دون تناقض أو نشاز.

و لولا الإيمان: بأن أحكام الشريعة تقوم على أسس موحدة، لما كان هناك مبرر لممارسة عملية اكتشاف للمذهب، من وراء الأحكام التفصيلية في الشريعة.

كل هذا صحيح بالنسبة إلى واقع التشريع الإسلامي. و أما بالنسبة إلى هذا الاجتهاد أو ذاك من اجتهادات المجتهدين، فليس من الضروري أن تعكس الأحكام التي يضعها ذلك الاجتهاد مذهبا اقتصاديا كاملا، و أساسا نظريا شاملا، ما دام من الممكن فيها أن تضم عنصرا غريبا أو تفقد عنصرا أصيلا، بسبب خطأ المجتهد.

و قد يؤدي خطأ واحد في مجموعة تلك الإحكام، إلى قلب الحقائق في عملية الاكتشاف رأسا على عقب، و بالتالي إلى استحالة الوصول إلى المذهب الاقتصادي عن طريق تلك الأحكام.

و لهذا قد يواجه الممارس لعملية اكتشاف المذهب الاقتصادي محنة، هي: محنة التناقض بين وصفه مكتشفا للمذهب، و وصفه مجتهدا في استنباط الأحكام، و ذلك فيما إذا افترضنا: أن المجموعة من الأحكام التي أدى إليها اجتهاده الخاص، غير قادرة على الكشف عن المذهب الاقتصادي. فالممارس في هذه الحالة بوصفه مجتهدا في استنباط تلك الأحكام، مدفوع بطبيعة اجتهاده إلى اختيار تلك الأحكام، التي أدى إليها اجتهاده، لينطلق منها في اكتشافه للمذهب الاقتصادي. و لكنه بوصفه مكتشفا للمذهب، يجب عليه أن يختار مجموعة متسقة من الأحكام، منسجمة في اتجاهاتها و مدلولاتها النظرية، ليستطيع أن يكتشف على أساسها المذهب. و هو حين لا يجد هذه المجموعة المتسقة في الأحكام، التي أدى إليها اجتهاده الشخصي، يجد نفسه مضطرا إلى اختيار نقطة انطلاق أخرى، مناسبة لعملية الاكتشاف.

و لنجسد المشكلة بصورة أوضح في المثال التالي‌

399

مجتهد رأى: أن النصوص تربط ملكية الثروات الطبيعية الخام بالعمل، و تنفي تملكها بأي طريقة أخرى سوى العمل، و وجد لهذه النصوص استثناء واحدا في نص يقرر في بعض المجالات: التملك بطريقة أخرى غير العمل.

إن هذا المجتهد سوف تبدو له نتائج النصوص و معطياتها- حسب اجتهاده- قلقة غير متسقة. و مصدر هذا القلق و عدم الاتساق: النص الاستثنائي، إذ لولاه لاستطاع أن يكتشف على أساس مجموع النصوص الأخرى: أن الملكية في الإسلام تقوم على أساس العمل. فما ذا يصنع هذا المجتهد، و بم يتغلب على التناقض بين موقفيه الاجتهادي و الاكتشافي؟

إن المجتهد الذي يواجه هذا التناقض، يحتمل عادة تفسيرين لذلك القلق، و عدم الاتساق بين الأحكام التي أدى إليها اجتهاده:

أحدهما: أن بعض النصوص التي مارسها غير صحيحة، كالنص الاستثنائي في الفرضية التي افترضناها مثلا، بالرغم من توفر الشروط التي أمر الإسلام باتباع كل نص تتوفر فيه. و عدم صحة بعض النصوص، أدى إلى دخول عنصر تشريعي غريب في المجموعة التي يضمها اجتهاده من أحكام، و أدى بالتالي إلى تنافر تلك الأحكام على الصعيد النظري و في عملية الاكتشاف.

و التفسير الآخر: أن هذا التنافر المحسوس بين عناصر المجموعة سطحي، و ليس له واقع، و إنما نتج إحساس الممارس به، عن عدم قدرته على الاهتداء إلى سر الوحدة بين تلك العناصر، و تفسيرها النظري المشترك.

و هنا يختلف موقف الممارس بوصفه مجتهدا يستنبط الأحكام، عن موقفه بوصفه مكتشفا للمذهب الاقتصادي؛ فهو باعتباره مجتهدا يستنبط الأحكام، لا يمكنه أن يتخلى في عمله الخاص عن الأحكام التي أدى إليها اجتهاده، و إن بدت له متنافرة على الصعيد النظري، ما دام يحتمل أن يكون مرد هذا التنافر إلى عجزه عن استكناه إسرارها و أسسها المذهبية. و لكن تمسكه بتلك الأحكام لا يعني قطعيتها، بل هي نتائج ظنية، ما دامت تقوم على أساس الاجتهاد الظني الذي يبرر الأخذ بها،

400

بالرغم من احتمال الخطأ.

و أما حين يريد هذا الفقيه أن يتخطى فقه الأحكام إلى فقه النظريات، و يمارس عملية اكتشاف المذهب الاقتصادي في الإسلام، فإن طبيعة العملية تفرض عليه نوع الأحكام التي يجب أن ينطلق منها، و تحتم أن تكون نقطة الانطلاق مجموعة متسقة و منسجمة من الأحكام، فإن استطاع أن يجد هذه المجموعة فيما يضمه اجتهاده الشخصي من أحكام، و ينطلق منها في عملية الاكتشاف لفهم الأسس العامة للاقتصاد الإسلامي، دون أن يمنى بتناقض أو تنافر بين عناصر تلك المجموعة، فهي فرصة ثمينة تتحد فيها شخصية الممارس بوصفه فقيها يستنبط الأحكام، مع شخصيته بوصفه مكتشفا للنظريات.

و أما إذا لم يسعد بهذه الفرصة، و لم يسعفه اجتهاده بنقطة الانطلاق المناسبة، فإن هذا لن يؤثر على تصميمه في العملية، و لا على إيمانه: بأن واقع التشريع الإسلامي يمكن أن يفسر تفسيرا نظريا متسقا شاملا. و السبيل الوحيد الذي يتحتم على الممارس سلوكه في هذه الحالة: أن يستعين بالأحكام التي أدت إليها اجتهادات غيره من المجتهدين، لأن في كل اجتهاد مجموعة من الأحكام، تختلف إلى حد كبير عن المجاميع التي تشتمل عليها الاجتهادات الأخرى.

و ليس من المنطقي، أن نترقب اكتشاف مذهب اقتصادي، وراء كل مجموعة من تلك المجاميع، و إنما نؤمن بمذهب اقتصادي واحد، تقوم على أساسه أحكام الشريعة الموجودة، ضمن تلك المجاميع، ففي حالة التنافر بين عناصر المجموعة الواحدة، التي يتبناها اجتهاد الممارس، يتعين عليه في عملية الاكتشاف: أن يزيل العناصر القلقة، التي تؤدي إلى التناقض على الصعيد النظري، و يستبدلها بنتائج و أحكام في اجتهادات أخرى، أكثر انسجاما و تسهيلا لعملية الاكتشاف، و يكوّن مجموعة ملفقة من اجتهادات عديدة يتوفر فيها الانسجام، لينطلق منها، و يخرج في النهاية باكتشاف الرصيد النظري لتلك المجموعة الملفقة من الأحكام الشرعية.

و أقل ما يقال في تلك المجموعة: أنها صورة، من الممكن أن تكون صادقة كل‌

401

الصدق، في تصوير واقع التشريع الإسلامي. و ليس إمكان صدقها أبعد من إمكان صدق أي صورة أخرى من الصور الكثيرة، التي يزخر بها الصعيد الفقهي الاجتهادي. و هي بعد ذلك تحمل مبرراتها الشرعية، لأنها تعبّر عن اجتهادات إسلامية مشروعة، تدور كلها في فلك الكتاب و السنة. و لأجل ذلك يصبح بالإمكان للمجتمع الإسلامي، أن يختارها في مجال التطبيق، من بين الصور الاجتهادية الكثيرة للشريعة، التي يجب عليه أن يختار واحدة منها.

و هذا كل ما يمكن إنجازه في عملية الاكتشاف للاقتصاد الإسلامي، عند ما يعجز الاجتهاد الشخصي للممارس، عن تكوين النقطة المناسبة للانطلاق. بل إن هذا هو كل ما نحتاج إليه تقريبا بهذا الصدد. و ماذا نحتاج بعد أن نكتشف مذهبا اقتصاديا، يتمتع بإمكان الصدق و الدقة في التصوير، بدرجة لا تقل عن حظ أي صورة اجتهادية أخرى، و تتوفر فيها مبررات النسب الإسلامي، باعتبار انتسابها إلى مجتهدين أكفاء، و تحمل من الإسلام رخصة التطبيق في الحياة الإسلامية؟!

خداع الواقع التطبيقي:

قد دخل المذهب الاقتصادي في الإسلام حياة المجتمع، بوصفه النظام السائد في عصر النبوة، و عاش على صعيد التطبيق مجسدا في واقع العلاقات الاقتصادية، التي كانت قائمة بين أفراد المجتمع الإسلامي يومذاك. و لأجل هذا يصبح من الممكن- خلال عملية- اكتشاف الاقتصاد الإسلامي- أن ندرسه و نبحث عنه على الصعيد التطبيقي، كما ندرسه و نبحث عنه على الصعيد النظري؛ فإن التطبيق يحدد ملامح الاقتصاد الإسلامي و خصائصه، كما تحددها نصوص النظرية في مجالات التشريع.

و لكن النصوص التشريعية للنظرية أقدر على تصوير المذهب من الواقع التطبيقي، لأن التطبيق نص تشريعي في ظرف معين، قد لا يستطيع أن يعكس المضمون الضخم لذلك النص، و لا أن يصور مغزاه الاجتماعي كاملا، فيختلف إلهام التطبيق‌

402

و معطاة التصوري للنظرية، عن المعطى الفكري للنصوص التشريعية نفسها. و مرد هذا الاختلاف إلى خداع التطبيق لحواس الممارس الاكتشافية، نتيجة لارتباط التطبيق بظروف موضوعية خاصة.

و يكفي مثالا على هذا الخداع: أن الممارس الذي يريد أن يتعرف على طبيعة الاقتصاد الإسلامي من خلال التطبيق، قد يوحى إليه التطبيق: بأن الاقتصاد الإسلامي رأسمالي، يؤمن بالحرية الاقتصادية، و يفسح المجال أمام الملكية الخاصة و النشاط الفردي الحر، كما ذهب إلى ذلك- بكل صراحة- بعض المفكرين المسلمين، حين تراءى لهم أفراد المجتمع الذين عاشوا تجربة الاقتصاد الإسلامي، و هم أحرار في تصرفاتهم، لا يحسون بضغط أو تحديد، و يتمتعون بحق ملكية أي ثروة يتاح لهم الاستيلاء عليها من ثروات الطبيعة، و بحق استثمارها و التصرف فيها، و ليست الرأسمالية إلا هذا الانطلاق الحر، الذي كان أفراد المجتمع الإسلامي يمارسونه في حياتهم الاقتصادية! و يضيف البعض إلى ذلك: أن تطعيم الاقتصاد الإسلامي بعناصر لا رأسمالية، و القول: بأن الإسلام اشتراكي في اقتصاده، أو يحمل بذورا اشتراكية، ليس عملا أمينا من الممارس، و إنما هو مواكبة للفكر الجديد الذي بدأ يسخط على الرأسمالية و يرفضها، و يدعو إلى تطوير الإسلام بالشكل الذي يمكن أن يستساغ في مقاييس هذا الفكر الجديد.

و أنا لا أنكر: أن الفرد في مجتمع عصر النبوة كان يمارس نشاطا حرا، و يملك حريته في المجال الاقتصادي إلى مدى مهم، و لا أنكر: أن هذا قد يعكس وجها رأسماليا للاقتصاد الإسلامي.، و لكن هذا الوجه الذي نحسه خلال النظر من بعد إلى بعض جوانب التطبيق، قد لا نحسه مطلقا خلال دراسة النظريات على الصعيد النظري.

صحيح أن الفرد الذي كان يعيش عصر النبوة يبدو لنا الآن، أنه كان يتمتع بنصيب كبير من الحرية، التي قد لا يميز الممارس أحيانا بينها و بين الحريات‌

403

الرأسمالية، و لكن هذا الوهم يتبدد، حين نرد التطبيق إلى النظرية، إلى النصوص التشريعية.

و السبب في هذه المفارقة بين النظرية و التطبيق، بالرغم من أن كلا منهما تعبير عن الآخر بشكل من الأشكال، يكمن في الظروف التي كان إنسان عصر التطبيق يعيشها، و نوع الإمكانات التي كان يملكها؛ فإن المضمون اللارأسمالي للنظرية في الاقتصاد الإسلامي، كان مختفيا في مجال التطبيق إلى حد ما، بقدر ما كانت إمكانات الإنسان و قدرته على الطبيعة ضئيلة، و يبرز المضمون اللارأسمالي باطراد، و يتضح في مجال التطبيق الأمين للإسلام، بقدر ما ترتفع تلك الإمكانات و تتسع تلك القدرة. فكلما امتدت قدرة الإنسان، و تنوعت وسائله في السيطرة على الطبيعة، انفتحت أمامه مجالات أرحب للعمل و التملك و الاستغلال، و اتضح أكثر فأكثر تناقض النظرية في الاقتصاد الإسلامي مع الرأسمالية، و تجلى مضمونها اللارأسمالي من خلال الحلول التي يضعها الإسلام للمشاكل المستجدة، عبر القدرة المتنامية للإنسان على الطبيعة.

فإنسان عصر التطبيق كان يذهب مثلا إلى منجم ملح أو غيره، و يحمل ما يشاء من المواد المعدنية، دون منع من النظرية التي كانت لها السيادة، و لا معارضة منها لملكيته الخاصة لتلك المواد. فما ذا يمكن أن توحي به هذه الظاهرة في مجال التطبيق، إذا فصلت عن دراسة النص التشريعي و لفقهي بشكل عام؟ إنها توحي بسيادة الحرية الاقتصادية في المجتمع، بدرجة تشبه الوضع الرأسمالي للحرية في التملك و الاستثمار.

و أما إذا نظرنا إلى النظرية من خلال النصوص، وجدنا أنها توحي بشعور معاكس للشعور الذي أوحت به تلك الظاهرة في مجال التطبيق، لأن النظرية في نصوصها تمنع أي فرد عن تملك المنابع المعدنية للملح أو النفط، و لا تسمح له باستخراج ما يزيد على حاجته منها. و هذا نقيض صريح للرأسمالية التي تتبنى مبدأ الملكية الخاصة، و تفسح المجال أمام الفرد ليتملك المنابع الطبيعية للثروة المعدنية، و استغلالها استغلالا رأسماليا، بقصد المزيد من الأرباح. فهل يمكن لأحد أن يطلق‌

404

على اقتصاد لا يعترف بحرية تملك منابع الملح و النفط، و لا يأخذ المزيد من تلك المنابع، مما يضيق على الآخرين، و يضيع حقهم في الانتفاع بالمنبع، هل يمكن أن يطلق على هذا الاقتصاد: اسم الاقتصاد الرأسمالي؟! أو أن يبعث في نفوسنا إحساسا باللون الرأسمالي للمذهب، نظير ما بعثه التطبيق من إحساس بذلك في نفوس البعض؟! فيجب أن نعرف إذن: أن إنسان عصر التطبيق كان يستشعر الحرية في مجالات العمل و الاستغلال، و حتى الاستفادة من منابع الملح و البترول مثلا، لأجل أنه لم يكن يستطيع في الغالب- بحكم ظروف الطبيعة، و انخفاض مستوى وسائله و بدائيتها- أن يعمل و يشتغل خارج الحدود المسموح بها من قبل النظرية. فهو لا يتمكن مثلا أن يستخرج من المادة المعدنية كميات هائلة- كالكميات الهائلة التي تستخرج اليوم- لأنه لم يكن مجهزا ضد الطبيعة بما جهز به الإنسان الحديث، فلا يصطدم في واقع حياته بتحديد الكمية التي يباح له استخراجها، لأنه مهما أراد أن يستخرج بوسائله البدائية، فلن يستخرج في الغالب القدر الذي يضر بشركة الآخرين معه في الانتفاع بالمعدن. و إنما يبرز أثر النظرية بشكل صارخ، و ينعكس تناقضها مع التفكير الرأسمالي، حين ترتفع إمكانات الإنسان، و تنمو قدرته على غزو الطبيعة، و يصبح بإمكان أفراد قلائل أن يستغلوا معدنا بكامله، و يجدوا في أسواق العالم المترابطة و المفتوحة كلها، مجالا لأعظم الأرباح.

و كذلك أيضا نرى مثل هذا تماما في النظرية، التي لا تسمح للفرد بأن يملك من الثروات الطبيعية و المواد الخام- كخشب الغابات مثلا- إلا ما يباشر بنفسه حيازته و إنتاجه. فإن هذه النظرية لا يمكن لإنسان عصر التطبيق، أن يحس بها في حياته العملية إحساسا واضحا عميقا، ما دام العمل في ذلك العصر، يقوم بصورة عامة على أساس المباشرة و ما بحكمها، و لكن حين تتضخم الكمية التي يمكن استخراجها و حيازتها تضخما هائلا، بسبب الأدوات و الآلات، مع كمية من النقد يمكن أن تسدد منها أجور العمال، حين يتم كل ذلك، يصبح في مستوى قدرة ذلك الفرد‌

405

الاعتماد على العمل المأجور، في استخراج و حيازة المواد الخام من ثروات الطبيعة.

و هذا ما تم فعلا في الواقع المعاش، إذ أصبح العمل المأجور و الإنتاج الرأسمالي، هو الأساس في استخراج و حيازة تلك المواد. و عند هذا فقط يظهر بشكل بارز، التناقض بين النظرية في الاقتصاد الإسلامي، و بين الرأسمالية، و يبدو لكل ممارس ما لم يكن أعمى-: أن النظرية ليست ذات طبيعة رأسمالية، و إلا فأي اقتصاد رأسمالي يحارب الأسلوب الرأسمالي، في حيازة الثروات الطبيعية؟! و هكذا نجد أن إنسان عصر الإنتاج الرأسمالي، الذي يملك الآلات التي تقطع كميات هائلة من خشب الغابات في ساعة، و توجد في محفظة النقود التي تغري المتعطلين من العمال بالعمل عنده، و استخدام تلك الآلات في اقتطاع الخشب، و تتوفر لديه وسائط النقل، التي تنقل تلك الكميات الضخمة إلى محلات البيع، و توجد بانتظاره الأسواق التي تهضم كل تلك الكميات، إن هذا الفرد هو الذي سيشعر إذا عاش حياة إسلامية، بمدي مناقضة النظرية في الإسلام لمبدإ الحرية الاقتصادية في الرأسمالية، حينما لا تسمح له النظرية بإقامة مشروع رأسمالي لاقتطاع الخشب من الغابة، و بيعه بأغلى الأثمان.

فالنظرية إذن لم تبرز وجهها كله من خلال التطبيق الذي عاشته، و الفرد الذي عاش تطبيقها لم يتجل له وجهها الكامل، خلال المشاكل و العمليات التي مارسها في حياته، و إنما يبدو ذلك الوجه الكامل من خلال النصوص بصيغها العامة المحددة.

و أولئك الذين اعتقدوا: بأن الاقتصاد الإسلامي رأسمالي، يؤمن بالحريات الرأسمالية، قد يكون لهم بعض العذر، إذا كانوا قد استلهموا إحساسهم من خلال دراسة إنسان عصر التطبيق، و القدر الذي كان يشعر به من الحرية، و لكن هذا إحساس خادع، لأن إلهام التطبيق لا يكفي بدلا عن معطيات النصوص التشريعية و الفقهية نفسها، التي تكشف عن مضمون لا رأسمالي.

و في الواقع: أن الاعتقاد بوجود مضمون لا رأسمالي للنظرية الاقتصادية في الإسلام، على ضوء ما قدمناه، ليس نتيجة تطوير أو تطعيم أو عطاء ذاتي جديد‌

406

للنظرية، كما يقول أولئك المؤمنون برأسمالية الاقتصاد الإسلامي، الذين يتهمون الاتجاه إلى تفسير الاقتصاد الإسلامي اتجاها لا رأسماليا، و يقولون عنه: إنه اتجاه منافق، يحاول إدخال عناصر غريبة في الإسلام، تملقا للمد الفكري الحديث، الذي شجب الرأسمالية في الحرية و الملكية.

و نحن نملك الدليل التاريخي علي تفنيد هذا الاتهام، و إثبات أمانة الاتجاه اللارأسمالي في تفسير الاقتصاد الإسلامي، و هذا الدليل هو النصوص التشريعية و الفقهية، التي نجدها في مصادر قديمة، يرجع تأريخها إلى ما قبل مئات السنين، و قبل أن يوجد العالم الحديث و الاشتراكية الحديثة، بكل مذاهبها و أفكارها.

و حين نبرز الوجه اللارأسمالي للاقتصاد الإسلامي، الذي يعرضه هذا الكتاب، و نؤكد على المفارقات بينه و بين المذهب الرأسمالي في الاقتصاد، لا نريد بذلك أن نمنح الاقتصاد الإسلامي طابعا اشتراكيا، و ندرجه في إطار المذاهب الاشتراكية، بوصفها النقيض للرأسمالية، لأن التناقض المستقطب القائم بين الرأسمالية و الاشتراكية، يسمح بافتراض قطب ثالث في هذا التناقض، و يسمح للاقتصاد الإسلامي خاصة، أن يحتل مركز القطب الثالث، إذا أثبت من الخصائص و الملامح و السمات، ما يؤهله لهذا الاستقطاب في معترك التناقض. و إنما يسمح التناقض بدخول قطب ثالث إلى الميدان، لأن الاشتراكية ليست مجرد نفي للرأسمالية، حتى يكفي لكي تكون اشتراكيا أن ترفض الرأسمالية، و إنما هي مذهب إيجابي له أفكاره و مفاهيمه و نظرياته، و ليس من الحتم أن تكون هذه الأفكار و المفاهيم و النظريات صوابا، إذا كانت الرأسمالية على خطأ، و لا أن يكون الإسلام اشتراكيا، إذا لم يكن رأسماليا. فليس من الأصالة، و الاستقلال و الموضوعية في البحث، و نحن نمارس عملية اكتشاف للاقتصاد الإسلامي، أن نحصر هذه العملية ضمن نطاق التناقض الخاص بين الرأسمالي و الاشتراكية، و يندمج الاقتصاد الإسلامي بأحد القطبين المتناقضين، فنسرع إلى وصفه بالاشتراكية إذا لم يكن رأسماليا، أو بالرأسمالية إذا لم يكن اشتراكيا.

407

و سوف تتجلى خلال البحوث المقبلة أصالة الاقتصاد الإسلامي، و مناقضته للاشتراكية في موقفه من الملكية الخاصة و احترامه لها، و اعترافه- في حدود مستمدة من نظريته العامة- بمشروعية الكسب الناتج عن ملكية مصدر من مصادر الإنتاج غير العمل. بينما لا تعترف الاشتراكية بمشروعية الكسب الناتج عن ملكية أي مصدر من مصادر الإنتاج، إلا العمل المباشر. و هذا في الحقيقة هو التناقض بين النظرية الإسلامية و النظرية الاشتراكية في الاقتصاد. و كل مظاهر التناقض بينهما إنما تنبع من هذا المنطلق، الذي سيتضح أكثر فأكثر حين نباشر التفصيلات، و نضع النقاط على الحروف.

408

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

409

نظريّة توزيع ما قبل الإنتاج

1- الأحكام 2- النظريّة 3- الملاحظات

410

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

411

1- الأحكام

[المدخل]

توزيع الثروة على مستويين [1]:

توزيع الثروة يتم على مستويين: أحدهما: توزيع المصادر المادية للإنتاج، و الآخر:

____________

[1] تتردد في هذا الفصل عدة مصطلحات، يجب تحديد معناها منذ البدء:

ألف- مبدأ الملكية المزدوجة: و هو المبدأ الإسلامي في الملكية، الذي يؤمن بأشكال ثلاثة لها، و هي: الملكية الخاصة، و ملكية الدولة، و الملكية العامة.

ب- ملكية الدولة: و تعني تملك المنصب الإلهي في الدولة الإسلامية- الذي يمارسه النبي أو الإمام- للمال، على نحو يخول لولي الأمر التصرف في رقبة المال نفسه، وفقا لما هو مسؤول عنه من المصالح، كتملكه للمعادن مثلا. (1)

ج‍- الملكية العامة: و هي تملك الأمة أو الناس جميعا، لمال من الأموال.

و كذلك تشمل الملكية العامة، الأموال التي تكون رقبتها ملكا للدولة، و لكن لا يسمح لها بالتصرف في رقبة المال نفسه (2)، لورود حق عام للأمة أو الناس جميعا على المال، يفرض الانتفاع به مع الاحتفاظ برقبته. فالمركب من ملكية الدولة و الحق العام للأمة أو للناس جميعا، في الاحتفاظ برقبة المال، نطلق عليه اسم الملكية العامة أيضا. و بهذا يعرف: أن ملكية الدولة و الملكية العامة كمصطلحين لهذا الكتاب، يناظران- تقريبا- مصطلحي: الأموال الخاصة للدولة، و الأموال العامة للدولة، في لغة القانون الحديث.

د- ملكية الأمة: و هي نوع من الملكية العامة، و تعني ملكية الأمة الإسلامية، بمجموعها و امتدادها التاريخي، لمال من الأموال، كملكية الأمة الإسلامية للأرض العامرة المفتوحة بالجهاد (3).

د- ملكية الناس: و هي أيضا نوع من الملكية العامة، و نطلق هذا الاسم على كل مال لا

____________

(1) لاحظ (جواهر الكلام)، ج 16، ص 133، و ج 38، ص 9.

(2) لاحظ (جواهر الكلام) ج 38 ص 17.

(3) المصدر السابق، نفس الصفحة.

412

____________

يسمح لفرد أو جهة خاصة بتملكه، و يسمح للجميع بالانتفاع به (1)، فما كان من هذا القبيل من الأموال، نطلق عليه اسم الملكية العامة للناس. فالملكية العامة للناس في مصطلح هذا الكتاب تعني: أمرا سلبيا و هو: عدم السماح للفرد أو الجهة الخاصة بتملك المال، و أمرا إيجابيا و هو: السماح للجميع بالانتفاع به، و ذلك كما في البحار و الأنهار الطبيعية.

و- الملكية العامة: أيضا: و قد نطلق اسم الملكية العامة على ما يشمل الحقلين معا، حقل ملكية الدولة، و حقل الملكية العامة، للمتقدمين، للتعبير بذلك عما يقابل الملكية الخاصة (2).

ز- الملكية الخاصة: و نعني بها حين نطلقها في هذا الكتاب، اختصاص الفرد- أو أيّ جهة محددة النطاق- بمال معين، اختصاصا يجعل له مبدئيا، الحق في حرمان غيره من الانتفاع به، بأي شكل من الأشكال، ما لم توجد ضرورة و حالة استثنائية، نظير ملكية الإنسان لما يحتطبه من خشب الغابة أو يغترفه من ماء النهر (3).

ح‍- الحق الخاص: و نعني به حين نطلقه في هذا البحث: درجة من اختصاص الفرد بالمال، تختلف عن الدرجة التي تعبر عنها الملكية، في مدلولها التحليلي و التشريعي (4). فالملكية:

اختصاص مباشر بالمال، و الحق: اختصاص ناتج عن اختصاص آخر، و تابع له في استمراره. و من الناحية التشريعية: تؤدي الملكية إلى إعطاء المالك حق حرمان غيره من الاستفادة بملكه؛ بينما لا يؤدي الحق الخاص إلى هذه النتيجة، بل يبقى للغير الاستفادة من المال بشكل تنظمه الشريعة.

ط- الإباحة العامة: و هي حكم شرعي، يسمح بموجبه لأيّ فرد، بالانتفاع بالمال و تملكه ملكية خاصة. و المال الذي تثبت فيه هذه الإباحة، يعتبر من المباحات العامة، كالطير في الجو، و السمك في البحر (5). (من المؤلف)

____________

(1) لاحظ المصدر السابق، ص 116 و 134.

(2) لاحظ المصدر السابق، ج 16، ص 133، و ج 38، ص 17.

(3) لاحظ المصدر السابق، ج 38، ص 134، و ج 36، ص 227.

(4) لاحظ المصدر السابق، ص 78 و 94.

(5) لاحظ المصدر السابق، ج 36، ص 203.

413

توزيع الثروة المنتجة.

فمصادر الإنتاج هي: الأرض، و المواد الأولية، و الأدوات اللازمة لإنتاج السلع المختلفة، لأن هذه الأمور جميعا، تساهم في الإنتاج الزراعي أو الصناعي أو فيهما معا.

و أما الثروة المنتجة فهي: السلع التي تنجز خلال عمل بشري مع الطبيعة، و تنتج عن عملية تركيب بين تلك المصادر المادية للإنتاج.

فهناك إذن ثروة أولية و هي: مصادر الإنتاج، و ثروة ثانوية و هي: ما يظفر به الإنسان عن طريق استخدام تلك المصادر، من متاع و سلع.

و الحديث عن التوزيع، يجب أن يستوعب كلتا الثروتين: الثروة الأم، و الثروة البنت (مصادر الإنتاج، و السلع المنتجة).

و من الواضح: أن توزيع المصادر الأساسية للإنتاج، يسبق عملية الإنتاج نفسها، لأن الأفراد إنما يمارسون نشاطهم الإنتاجي، وفقا للطريقة التي يقسم بها المجتمع مصادر الإنتاج. فتوزيع مصادر الإنتاج قبل الإنتاج. و أما توزيع الثروة المنتجة فهو مرتبط بعملية الإنتاج، و متوقف عليها، لأنه يعالج النتائج التي يسفر عنها الإنتاج.

و الاقتصاديون الرأسماليون، حين يدرسون في اقتصادهم السياسي قضايا التوزيع ضمن الإطار الرأسمالي، لا ينظرون إلى الثروة الكلية للمجتمع، و ما تضمنه من مصادر إنتاج، و إنما يدرسون توزيع الثروة المنتجة فحسب، أي: الدخل الأهلي، لا مجموع الثروة الأهلية. و يقصدون فالدخل الأهلي: مجموع السلع و الخدمات المنتجة، أو بتعبير أصرح: القيمة النقدية لمجموع المنتوج في بحر سنة مثلا. فبحث التوزيع في الاقتصاد السياسي هو: بحث توزيع هذه القيمة النقدية، على العناصر التي ساهمت في الإنتاج، فيحدد لكل من: رأس المال، و الأرض، و المنظم، و العامل، نصيبه على شكل: فائدة، و ريع، و ربح، و أجور.

و لأجل ذلك كان من الطبيعي، أن تسبق بحوث الإنتاج بحث التوزيع، لأن التوزيع ما دام يعني: تقسيم القيمة النقدية للسلع المنتجة، على مصادر الإنتاج و عناصره، فهو عملية تعقب الإنتاج، إذ ما لم تنتج سلعة لا معنى لتوزيعها أو توزيع‌

414

قيمتها. و على هذا الأساس؛ نجد أن الاقتصاد السياسي يعتبر الإنتاج هو الموضوع الأول من مواضيع البحث، فيدرس الإنتاج أولا، ثم يتناول قضايا التوزيع.

و أما الإسلام فهو يعالج قضايا التوزيع على نطاق أرحب، و باستيعاب أشمل، لأنه لا يكتفي بمعالجة توزيع الثروة المنتجة، و لا يتهرب من الجانب الأعمق للتوزيع، أي: توزيع مصادر الإنتاج، كما صنعت الرأسمالية المذهبية، إذ تركت مصادر الإنتاج يسيطر عليها الأقوى دائما، تحت شعار «الحرية الاقتصادية»، التي تخدم الأقوى و تمهد له السبيل إلى احتكار الطبيعة و مرافقها. بل إن الإسلام تدخّل تدخلا إيجابيا في توزيع الطبيعة، و ما تضمه من مصادر إنتاج، و قسمها إلى عدة أقسام، لكل قسم طابعه المميز من: الملكية الخاصة، أو الملكية العامة، أو ملكية الدولة، أو الإباحة العامة، و وضع لهذا التقسيم قواعده، كما وضع إلى صف ذلك أيضا، القواعد التي يقوم على أساسها توزيع الثروة المنتجة، و صمّم التفصيلات في نطاق تلك القواعد.

و لهذا السبب تصبح نقطة الانطلاق، أو المرحلة الأولى في الاقتصاد الإسلامي هي: التوزيع، بدلا من الإنتاج- كما كان في الاقتصاد السياسي التقليدي- لأن توزيع مصادر الإنتاج نفسها يسبق عملية الإنتاج، و كل تنظيم يتصل بنفس عملية الإنتاج أو السلع المنتجة يصبح في الدرجة الثانية.

و سوف نبدأ الآن بتحديد موقف الإسلام، من توزيع المصادر الأساسية (توزيع الطبيعة بما تضمه من ثروات).

المصدر الأصيل للإنتاج:

و قبل أن نبدأ بالتفصيلات التي يتم توزيع المصادر الأساسية وفقا لها، يجب أن نحدد هذه المصادر.

ففي الاقتصاد السياسي يذكر عادة: أن مصادر الإنتاج هي:

1- الطبيعة.

2- رأس المال.

3- العمل، و يضم التنظيم الذي يمارسه المنظم للمشروع.

415

غير أننا إذ نتحدث عن توزيع المصادر في الإسلام و أشكال ملكيتها، لا بد لنا أن نستبعد من مجال البحث المصدرين الأخيرين، و هما: رأس المال، و العمل.

أما رأس المال، فهو في الحقيقة ثروة منتجة، و ليس مصدرا أساسيا للإنتاج، لأنه يعبّر اقتصاديا عن كل ثروة تم إنجازها، و تبلورت خلال عمل بشري، لكي تساهم من جديد في إنتاج ثروة أخرى. فالآلة التي تنتج النسيج ليست ثروة طبيعية خالصة، و إنما هي مادة طبيعية، كيّفها العمل الإنساني خلال عملية إنتاج سابقة. و نحن إنما نبحث الآن في التفصيلات، التي تنظم توزيع ما قبل الإنتاج، أي: توزيع الثروة التي منحها اللّه لمجتمع، قبل أن يمارس نشاطا اقتصاديا و عملا إنتاجيا فيها. و ما دام رأس المال وليد إنتاج سابق، فسوف يندرج توزيعه في بحث توزيع الثروة المنتجة، بما تضمه من سلع استهلاكية و إنتاجية.

و أما العمل، فهو العنصر المعنوي من مصادر الإنتاج، و ليس ثروة مادية تدخل في نطاق الملكية الخاصة أو العامة.

و على هذا الأساس، تكون الطبيعية- وحدها- من بين مصادر الإنتاج، موضوع درسنا الآن، لأنها تمثل العنصر المادي السابق على الإنتاج.

اختلاف المواقف المذهبية من توزيع الطبيعة:

و الإسلام في علاجه لتوزيع الطبيعة، يختلف عن الرأسمالية و الماركسية، في العموميات و في التفاصيل.

فالرأسمالية تربط ملكية مصادر الإنتاج، و مصير توزيعها، بأفراد المجتمع أنفسهم، و ما يبذله كل واحد منهم من طاقات و قوى- داخل نطاق الحرية الاقتصادية الموفرة للجميع- في سبيل الحصول على أكبر نصيب ممكن من تلك المصادر. فتسمح لكل فرد بتملك ما ساعده الحظ، و حالفه التوفيق على الظفر به، من ثروات الطبيعة و مرافقها.

و أما الماركسية، فهي ترى- تبعا لطريقتها العامة في تفسير التأريخ-: أن‌

416

ملكية مصادر الإنتاج، تتصل اتصالا مباشرا بشكل الإنتاج السائد، فكل شكل من أشكال الإنتاج، هو الذي يقرر- في مرحلته التأريخية- طريقة توزيع المصادر المادية للإنتاج، و نوع الأفراد الذين يجب أن يملكوها. و يظل هذا التوزيع قائماً، حتى يدخل التأريخ في مرحلة أخرى، و يتخذ الإنتاج شكلا جديدا، فيضيق هذا الشكل الجديد ذرعا، بنظام التوزيع السابق، و يتعثر به في طريق نموه و تطوره، حتى يتمزق نظام التوزيع القديم، بعد تناقض مرير مع شكل الإنتاج الحديث، و ينشأ توزيع جديد لمصادر الإنتاج، يحقق لشكل الإنتاج الحديث، الشروط الاجتماعية التي تساعده على النمو و التطور. فتوزيع مصادر الإنتاج، يقوم دائما على أساس خدمة الإنتاج نفسه، و يتكيف وفقا لمتطلبات نموه و ارتقائه.

ففي مرحلة الإنتاج الزراعي من التأريخ، كان شكل الإنتاج يحتم إقامة توزيع المصادر على أساس إقطاعي، بينما تفرض المرحلة التأريخية للإنتاج الصناعي الآلي، إعادة التوزيع من جديد، على أساس امتلاك الطبقة الرأسمالية لكل مصادر الإنتاج، و في درجة معينة من نمو الإنتاج الآلي، يصبح من المحتوم تبديل الطبقة الرأسمالية بالطبقة العاملة، و إعادة التوزيع على هذا الأساس.

و الإسلام لا يتفق في مفهومه عن توزيع ما قبل الإنتاج، مع الرأسمالية، و لا مع الماركسية؛ فهو لا يؤمن بمفاهيم الرأسمالية عن الحرية الاقتصادية، كما مر بنا في بحث «مع الرأسمالية» (1). و كذلك لا يقر الصلة الحتمية، التي تضعها الماركسية بين ملكية المصادر و شكل الإنتاج السائد، كما رأينا في بحث «اقتصادنا في معالمه الرئيسية» (2). و هو لذلك يحد من حرية تملك الأفراد لمصادر الإنتاج، و يفصل توزيع تلك المصادر عن شكل الإنتاج، لأن المسألة في نظر الإسلام، ليست مسألة أداة إنتاج، تتطلب نظاما للتوزيع يلائم سيرها‌

____________

(1) راجع ص 259- 277 من الكتاب.

(2) راجع ص 321- 330 من الكتاب.

417

و نموها، لكي يتغير التوزيع كلما استجدت حاجة الإنتاج إلى تغيير، و توقف نموه على توزيع جديد، و إنما هي مسألة إنسان، له حاجات و ميول، يجب إشباعها في إطار يحافظ على إنسانيته و ينميها. و الإنسان هو الإنسان، بحاجاته العامة و ميوله الأصيلة، سواء كان يحرث الأرض بيديه، أو يستخدم قوى البخار و الكهرباء، و لهذا يجب أن يتم توزيع المصادر الطبيعية للإنتاج بشكل، يكفل إشباع تلك الحاجات و الميول، ضمن إطار أنساني يتيح للإنسان، أن ينمي وجوده و إنسانيته، داخل الإطار العام.

فكل فرد- بوصفه إنسانا خاصا- له حاجات لا بد من إشباعها، و قد أتاح الإسلام للأفراد إشباعها عن طريق الملكية الخاصة، التي أقرها و وضع لها أسبابها و شروطها.

و حين تقوم العلاقات بين الأفراد، و يوجد المجتمع، يكون لهذا المجتمع حاجاته العامة أيضا، التي تشمل كل فرد، بوصفه جزءا من المركب الاجتماعي. و قد ضمن الإسلام للمجتمع إشباع هذه الحاجات، عن طريق الملكية العامة لبعض مصادر الإنتاج.

و كثيرا ما لا يتمكن بعض الأفراد، من إشباع حاجاتهم عن طريق الملكية الخاصة، فيمني هؤلاء بالحرمان، و يختل التوازن العام، و هنا يضع الإسلام الشكل الثالث للملكية، ملكية الدولة، ليقوم ولي الأمر بحفظ التوازن العام.

و هكذا يتم توزيع المصادر الطبيعية للإنتاج، بتقسيم هذه المصادر إلى حقول:

الملكية الخاصة، و الملكية العامة، و ملكية الدولة.

مصادر الطبيعة للإنتاج:

و يمكننا تقسيم المصادر الطبيعية للإنتاج، في العالم الإسلامي، إلى عدة أقسام (1):

1- الأرض: و هي أهم ثروات الطبيعية، التي لا يكاد الإنسان يستطيع بدونها، أن‌

____________

(1) لاحظ (جواهر الكلام) ج 16، ص 132.

418

يمارس أيّ لون من ألوان الإنتاج.

2- المواد الأولية: التي تحويها الطبقة اليابسة من الأرض، كالفحم و الكبريت و البترول و الذهب و الحديد، و مختلف أنواع المعادن.

3- المياه الطبيعية: التي تعتبر شرطا من شروط الحياة المادية للإنسان، و تلعب دورا خطيرا في الإنتاج الزراعي و المواصلات.

4- بقية الثروات الطبيعية: و هي محتويات البحار و الأنهار من الثروات، التي تستخرج بالغوص أو غيره، كاللئالئ و المرجان، و الثروات الطبيعية التي تعيش على وجه الأرض من حيوان و نبات، و الثروات الطبيعية المنتشرة في الجو، كالطيور و الأوكسجين، و القوى الطبيعية المنبثة في أرجاء الكون، كقوة انحدار الشلّالات من الماء، التي يمكن تحويلها إلى سيال كهربائي، ينتقل بواسطة الأسلاك إلى أيّ نقطة، و غير ذلك من ذخائر الطبيعة و ثروتها.