اقتصادنا

- المزيد...
886 /
419

الأرض

طبقت الشريعة على الأراضي التي تضمها دار الإسلام، الأشكال الثلاثة للملكية، فحكمت على قسم منها بالملكية العامة، و على قسم آخر بملكية الدولة، و سمحت للملكية الخاصة بقسم ثالث.

و هي في تشريعاتها هذه، تربط نوع ملكية الأرض بسبب دخولها في حوزة الإسلام، و الحالة التي كانت تسودها حين أصبحت أرضا إسلامية. فملكية الأرض في العراق تختلف عن ملكية الأرض في أندونيسيا، لأن العراق و أندونيسيا يختلفان في طريقة انضمامهما إلى دار الإسلام، كما أن العراق نفسه- مثلا- تختلف بعض أراضيه عن بعض في نوع الملكية، تبعا للحالة التي كانت تسود هذه الأرض و تلك، عند ما دشّن العراق حياته الإسلامية.

و لكي ندخل في التفصيلات، نقسم الأرض الإسلامية إلى أقسام، و نتحدث عن كل قسم منها و نوع الملكية فيه.

1- الأرض التي أصبحت إسلامية بالفتح:

الأرض التي أصبحت إسلامية بالفتح، هي: كل أرض دخلت دار الإسلام نتيجة للجهاد المسلح في سبيل الدعوة، كأراضي العراق و مصر و إيران و سورية، و أجزاء كثيرة من العالم الإسلامي.

420

و هذه الأراضي ليست جميعا سواء في حالتها لحظة الفتح الإسلامي؛ فقد كان فيها العامر الذي تجسدت فيه جهود بشرية سابقة، قد بذلت في سبيل استثمار الأرض للزراعة، أو غيرها من المنافع البشرية. و كان فيها العامر طبيعيا، دون تدخّل مباشر من الإنسان، كالغابات الغنية بأشجارها، التي استمدت غناها من الطبيعة لا من إنسان، يوم الفتح. كما كان فيها أيضا الأرض المهملة، التي لم يمتد إليها الإعمار البشري حتى عصر الفتح، و لا الإعمار الطبيعي، و لهذا تسمى ميتة في العرف الفقهي، لأنها لا تنبض بالحياة و لا تزخر بأي نشاط.

فهذه أنواع ثلاثة للأرض، مختلفة تبعا لحالتها وقت دخولها في تأريخ الإسلام.

و قد حكم الإسلام على بعض هذه الأنواع بالملكية العامة، و على بعضها الآخر بملكية الدولة، كما سنرى.

أ- الأرض العامرة بشريا وقت الفتح:

إذا كانت الأرض عامرة بشريا وقت اندماجها في تأريخ الإسلام، و داخلة في حيازة الإنسان و نطاق استثماره، فهي ملك عام للمسلمين جميعا، من وجد منهم و من يوجد، أي: أن الأمة الإسلامية بامتدادها التاريخي هي التي تملك هذه الأرض، دون أي امتياز لمسلم على آخر في هذه الملكية العامة. و لا يسمح للفرد بتملك رقبة الأرض ملكية خاصة.

و قد نقل المحقق النجفي في (الجواهر)، عن عدة مصادر فقهية ك‍ (الغنية) و (الخلاف) و (التذكرة): أن فقهاء الإمامية مجمعون على هذا الحكم، و متفقون على تطبيق مبدأ الملكية العامة على الأرض المعمورة حال الفتح (1).

كما نقل الماوردي عن الإمام مالك القول: بأن الأرض المفتوحة تكون وقفا على المسلمين منذ فتحها، بدون حاجة إلى إنشاء صيغة الوقف عليها من ولي الأمر.

و لا يجوز تقسيمها بين الغانمين (2). و هو تعبير آخر عن الملكية العامة للأمة.

____________

(1) (جواهر الكلام) ج 21، ص 157.

(2) (الأحكام السلطانية) ج 2، ص 137.

421

أدلة الملكية العامة و ظواهرها:

و نصوص الشريعة و تطبيقاتها واضحة في تقرير مبدأ الملكية العامة لهذا النوع من الأرض، كما يظهر من الروايات التالية:

1- في الحديث عن الحلبي قال: سئل الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) عن السواد: ما منزلته؟ فقال: «هو لجميع المسلمين، لمن هو اليوم، و لمن يدخل في الإسلام بعد اليوم، و لمن لم يخلق بعد». فقلنا: الشراء من الدهاقين؟ فقال: «لا يصلح إلا أن يشتري منهم على أن يصيرها للمسلمين. فإذا شاء ولي الأمر أن يأخذها أخذها».

قلنا: فإن أخذها منه؟ قال: «يرد إليه رأس ماله، و له ما أكل من غلتها بما عمل» (1).

2- و في حديث عن أبي الربيع الشامي، عن الإمام جعفر الصادق (ع)، قال:

«لا تشتروا من أرض السواد شيئا، إلا من كانت له ذمة. فإنما هو في‌ء للمسلمين» (2).

و أرض السواد في العرف السائد يومذاك، هي: الجزء العامر من أراضي العراق التي فتحها المسلمون في حرب جهادية. و إنما أطلق المسلمون هذا الاسم على الأرض العراقية، لأنهم حين خرجوا من أرضهم القاحلة في جزيرة العرب، يحملون الدعوة إلى العالم، ظهرت لهم خضرة الزرع و الأشجار في أراضي العراق، فسموا خضرة العراق سوادا، لأنهم كانوا يجمعون بين الخضرة و السواد في الاسم.

3- و في خبر حماد: أن الإمام موسى بن جعفر (ع) قال: «و ليس لمن قاتل شي‌ء من الأرضين، و لا ما غلبوا عليه، إلا ما احتوى عليه العسكر.، و الأرض التي أخذت عنوة بخيل أو ركاب، فهي موقوفة متروكة في يدي من يعمرها و يحييها، و يقوم عليها على ما يصالحهم الوالي، على قدر طاقتهم من الحق: النصف و الثلث و الثلثين، على قدر ما يكون لهم صالحا و لا يضرهم» (3).

____________

(1) (الاستبصار) ج 3، ص 109، الحديث 384.

(2) (الوسائل) ج 12، ص 274، الحديث 22767.

(3) (الفروع من الكافي) ج 5، ص 44.

422

و يعني بذلك: أن ولي الأمر يدع الأراضي المفتوحة عنوة، إلى القادرين على استثمارها من أفراد المجتمع الإسلامي، و يتقاضى منهم أجرة على الأرض، لأنها ملك مجموع الأمة، فحينما ينتفع الزارعون باستثمارها، يجب عليهم تقديم ثمن انتفاعهم إلى الأمة. و هذا الثمن أو الأجرة، هو الذي أطلق عليه في الخبر اسم:

الخراج.

4- و جاء في الحديث: أن أبا بردة سأل الإمام جعفر (ع)، عن شراء الأرض من أرض الخراج، فقال: «و من يبيع ذلك و هي أرض المسلمين؟!» (1).

و أرض الخراج تعبير فقهي عن الأرض التي نتحدث عنها، لأن الأرض التي تفتح و هي عامرة، يفرض عليها خراج، كما مر في الخبر السابق، و تسمى لأجل ذلك:

أرضا خراجية.

5- و في رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن الإمام علي بن موسى الرضا- (عليه السلام)- و هو يشرح أقسام الأرض و أحكامها: «و ما أخذ بالسيف، فذلك إلى الإمام، يقبله بالذي يرى» (2).

6- و في تأريخ الفتوح الإسلامية: أن الخليفة الثاني طولب بتقسيم الأرض المفتوحة بين المحاربين من الجيش الإسلامي، على أساس مبدأ الملكية الخاصة، فاستشار الصحابة، فأشار عليه على- (عليه السلام)- بعدم التقسيم، و قال له معاذ بن جبل: «إنك إن قسمتها صار الريع العظيم في أيدي القوم، ثم يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد، أو المرأة، ثم يأتي من بعدهم قوم يسدون من الإسلام مسدا، و هم لا يجدون شيئا، فانظر أمرا يسع أولهم و آخرهم». فقضى عمر بتطبيق مبدأ الملكية العامة، و كتب إلى سعد بن أبي وقاص: «أما بعد فقد بلغني كتابك: أن الناس قد سألوا أن تقسم بينهم غنائمهم، و ما أفاء اللّه عليهم، فانظر ما أجلبوا به عليك في العسكر من كراع أو مال، فاقسمه بين من حضر من المسلمين، و اترك الأرضين‌

____________

(1) (الوسائل) ج 11، ص 118، الحديث 20199.

(2) (الوسائل) ج 11، ص 120، الحديث 20206.

423

و الأنهار لعمّالها، ليكون ذلك في أعطيات المسلمين، فإنا لو قسمناها بين من حضر، لم يكن لمن بعدهم شي‌ء» (1).

و قد ذهب جماعة في تفسير إجراءات الخليفة الثاني، إلى القول: بأن السواد ملك لأهله- كما جاء في كتاب (الأموال) لأبي عبيد- لأنه حين رده عليهم عمر صارت لهم رقاب الأرض، و تعين حق المسلمين في الخراج، فالملكية العامة تعلقت بالخراج لا برقبة الأرض (2).

و قد قال بعض المفكرين الإسلاميين المعاصرين، ممن أخذ بهذا التفسير: إن هذا تأميم للخراج و ليس تأميما للأرض.

و لكن الحقيقة: أن قيام إجراءات عمر على أساس الإيمان بمبدإ الملكية العامة، و تطبيقه على رقبة الأرض، كان واضحا كل الوضوح، و لم يكن ترك الأرض لأهلها اعترافا منه بحقهم في ملكيتها الخاصة، و إنما دفعها إليهم مزارعة أو إجارة، ليعملوا في أراضي المسلمين و ينتفعوا بها، نظير خراج يقدمونه إليهم.

و الدليل على ذلك ما جاء في كتاب (الأموال) لأبي عبيد، من: أن عتبة ابن فرقد اشترى أرضا على شاطئ الفرات، ليتخذ فيها قضبا، فذكر ذلك لعمر، فقال:

ممن اشتريتها؟ قال: من أربابها. فلمّا اجتمع المهاجرون و الأنصار عند عمر، قال:

هؤلاء أهلها، فهل اشتريت منهم شيئا؟! قال: لا، قال: فارددها على من اشتريتها منه، و خذ مالك (3).

7- و عن أبي عون الثقفي في كتاب (الأموال)، أنه قال: أسلم دهقان على عهد علي (ع)، فقام الإمام- عليه الصلاة و السلام- و قال: «أما أنت فلا جزية عليك، و أما أرضك فلنا» (4).

____________

(1) لاحظ (الأموال) ص 64 و 65، الأحاديث 150 و 151 و 152.

(2) لاحظ (الأموال) ص 62، الحديث 146.

(3) (الأموال) ص 84، الحديث 196.

(4) (الأموال) ص 87، الحديث 206.

424

8- و في (البخاري) عن عبد اللّه قال: «أعطى النبي خيبر اليهود أن يعملوها و يزرعوها، و لهم شطر ما يخرج منها» (1). و هذا الحديث يشع بتطبيق رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- لمبدإ الملكية العامة على خيبر، بوصفها مفتوحة في الجهاد، بالرغم من وجود روايات معارضة، لأن النبي (ص) لو كان قد قسم الأرض بين المحاربين خاصة، على أساس مبدأ الملكية الخاصة، بدلا عن تطبيق مبدأ الملكية العامة، لما دخل مع اليهود في عقد مزارعة بوصفه حاكما، فإن دخوله بهذا الوصف في العقد، يشير إلى: أن الأرض كان أمرها موكولا إلى الدولة، لا إلى الأفراد الغانمين أنفسهم.

و قد ذكر بعض المفكرين الإسلاميين: أن حادثة معاملة خيبر هذه دليل قطعي، على: أن من حق الدولة أن تمتلك أموال الأفراد، الأمر الذي يقرر جواز التأميم في الإسلام، لأن القاعدة العامة في الفي‌ء تقسيمه على المقاتلين، فالاحتفاظ به للدولة دون تقسيم على مستحقيه، تخويل للدولة في أن تضع يدها على حقوق رعاياها متى رأت في ذلك مصلحة تقتضيها سعادة المجموع، فصح إذن: أن للدولة حق تأميم الملكيات الخاصة.

و لكن الحقيقة: أن احتفاظ الدولة بالأراضي المفتوحة، و عدم تقسيمها بين المقاتلين، كما تقسم سائر الغنائم، ليس تطبيقا لمبدإ التأميم، و إنما هو تطبيق لمبدإ الملكية العامة؛ فإن الأرض المفتوحة لم تشرع فيها الملكية الخاصة. و تقسيم الفي‌ء (الغنيمة) مبدأ وضعه الشارع في الغنائم المنقولة فقط. فالملكية العامة للأرض المفتوحة إذن، طابع أصيل لها في التشريع الإسلامي، و ليست تأميما و تشريعا ثانويا، بعد تقرير مبدأ الملكية الخاصة.

و على أي حال، فإن أكثر النصوص التي قدمناها، تقرر: أن رقبة الأرض- أي:

نفس الأرض- ملك لمجموع الأمة، و يتولى الإمام رعايتها بوصفه ولي الأمر، و يتقاضى من المنتفعين بها خراجا خاصا، يقدمه المزارعون أجرة على انتفاعهم‌

____________

(1) (صحيح البخاري) ج 16، ص 115، الحديث 3963.

425

بالأرض. و الأمة هي التي تملك الخراج، لأنها ما دامت تملك رقبة الأرض، فمن الطبيعي أن تملك منافعها و خراجها أيضا.

مناقشة لأدلة الملكية الخاصة:

و في الباحثين الإسلاميين- معاصرين و غير معاصرين- من يتجه إلى القول:

بخضوع الأرض المفتوحة عنوة لمبدإ التقسيم بين المقاتلين، على أساس الملكية الخاصة، كما تقسم سائر الغنائم بينهم (1).

و يعتمد هؤلاء فقهيا على أمرين: أحدهما: آية الغنيمة. و الآخر: ما هو المأثور من سيرة رسول اللّه (ص) في تقسيم غنائم خيبر.

أمّا آية الغنيمة: فهي قوله تعالى في سورة الأنفال وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ، فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ.

الآية (2).

و هي في رأي هؤلاء تقتضي بظاهرها: أن كل ما غنم يخمّس، و بالتالي يقسم الباقي منه على الغانمين، دون فرق بين الأرض و غيرها من الغنائم. و لكن الحقيقة أن قصارى ما تدل عليه الآية الكريمة، هو: وجوب اقتطاع خمس الغنيمة بوصفها ضريبة تتقاضاها الدولة لصالح: ذي القربى، و المساكين، و الأيتام، و ابن السبيل.

و لنفترض أن هذه الضريبة تقتطع من الأرض أيضا، فإن ذلك لا يشرح بحال من الأحوال مصير الأخماس الأربعة الأخرى، و لا نوع الملكية التي يجب أن تطبق عليها، لأن الخمس- باعتباره ضريبة لصالح فئات معينة من الفقراء و أشباههم- كما يمكن أن يفرض لحساب هذه الفئات، على ما يملكه المحاربون ملكية خاصة من الغنائم المنقولة، كذلك يمكن أن يفرض لحساب تلك الفئات أيضا، على ما تملكه الأمة ملكية عامة من الأرض المفتوحة. فلا توجد إطلاقا صلة بين التخميس‌

____________

(1) لاحظ (جواهر الكلام) ج 21، ص 157، و (الأحكام السلطانية) ج 2، ص 137.

(2) الأنفال/ 41.

426

و التقسيم؛ فقد يخضع مال لمبدإ التخميس، و لكن ليس من الضروري أن يقسم بين المحاربين على أساس الملكية الخاصة.

فآية التخميس لا تدل على التقسيم بين المحاربين إذن. و بكلمة أخرى: أن الغنيمة التي تتحدث عنها آية الغنيمة، إما أن تكون بمعنى: الغنيمة الحربية، أي: ما تم الاستيلاء عليه بالحرب، و إما أن تكون بمعنى: الغنيمة الشرعية، أي: ما تملكه الإنسان بحكم الشارع من أموال. فإذا فسرنا الكلمة بالمعنى الأول، فليس في الآية الكريمة أي دلالة على: أن غير الخمس من الغنيمة يعتبر ملكا للمحاربين في كل الحالات. و إذا فسرنا الكلمة بالمعنى الثاني، كانت الآية بنفسها تفترض ملكية المخاطبين للمال كموضوع لها، فكأنها قالت: إذا ملكتم مالا فالخمس ثابت فيه. و في هذه الحالة لا يمكن أن تعتبر الآية دليلا على ملكية المحاربين للغنيمة، لأنها لا تحقق موضوعها و لا تثبت شرطها.

و أما المأثور من سيرة النبي- (صلى اللّه عليه و آله)- في تقسيم غنائم خيبر: فهو الدليل الثاني الذي استند إليه هؤلاء المؤمنون بتقسيم الأرض بين المحاربين خاصة، اعتقادا منهم: بأن النبي (ص) طبق على أراضي خيبر مبدأ الملكية الخاصة، و قسمها بين المحاربين الذين فتحوها.

و لكنا نشك في صواب هذا الاعتقاد كل الشك، حتى لو افترضنا صحة الروايات التأريخية، التي تحدثت عن تقسيم النبي (ص) خيبر على المقاتلين، لأن التأريخ العام الذي ينقل هذا، يحدثنا عن ظواهر أخرى في سيرته الرائدة، تساهم في فهم القواعد التي طبقها النبي (ص) على غنائم خيبر.

فهناك ظاهرة احتفاظ النبي (ص) بجزء كبير من خيبر لمصالح الدولة و الأمة.

فقد جاء في (سنن أبي داود) «عن سهل بن أبي حشمة: أن رسول اللّه (ص) قسم خيبر نصفين، نصفا لنوائبه و حاجاته، و نصفا بين المسلمين، قسمها بينهم على ثمانية عشر سهما» (1).

____________

(1) (مختصر سنن أبي داود) ج 4، ص 237، الحديث 2890.

427

و «عن بشير بن يسار مولى الأنصار، عن رجال من أصحاب النبي (ص): أن رسول اللّه (ص) لما ظهر على خيبر، قسمها على ستة و ثلاثين سهما، جمع كل سهم مائة سهم، فكان لرسول اللّه (ص) و للمسلمين النصف من ذلك، و عزل النصف الباقي لمن نزل به من الوفود و الأمور و نوائب الناس» (1).

و عن ابن يسار أنه قال: «لما أفاء اللّه على نبيه خيبر، قسمها على ستة و ثلاثين سهما، جمع كل سهم مائة سهم، فعزل نصفها لنوائبه و ما ينزل به: الوطيحة و الكتيبة و ما أحيز معهما. و عزل النصف الآخر فقسمه بين المسلمين: الشق و النطأة و ما أحيز معهما. و كان سهم رسول اللّه فيما أحيز معهما» (2).

و هناك ظاهرة أخرى، و هي: أن رسول اللّه (ص) كان يمارس بنفسه السيطرة على أراضي خيبر، بالرغم من تقسيم جزء منها على الأفراد، إذ باشر الاتفاق مع اليهود على مزارعة الأرض، و نص على: أن له الخيار في إخراجهم متى شاء (3).

فقد جاء في (سنن أبي داود): «أن النبي (ص) أراد أن يجلي اليهود عن خيبر، فقالوا: يا محمد، دعنا نعمل في هذه الأرض، و لنا الشطر ما بدا لك، و لكم الشطر» (4).

و في (سنن أبي داود) أيضا عن عبد اللّه بن عمر: أن عمر قال: «أيها الناس، إن رسول اللّه (ص) كان عامل يهود خيبر، على: أنّا نخرجهم إذا شئنا. فمن كان له مال فليلحق به، فإني مخرج يهود خيبر». فأخرجهم (5).

و عن عبد اللّه بن عمر أيضا: أنه قال: لما افتحت خيبر سألت يهود رسول اللّه (ص): أن يقرهم على أن يعملوا على النصف مما خرج منها، فقال رسول اللّه:

____________

(1) المصدر السابق، ص 238، الحديث 2891.

(2) المصدر السابق، ص 238، الحديث 2893.

(3) لاحظ (الوسائل) ج 13، ص 199، الباب 7، الحديث 1 و 2 و 8، و (السيرة النبوية) ج 3، ص 352.

(4) (مختصر سنن أبي داود) ج 4، ص 236.

(5) المصدر السابق.

428

«أقرّكم فيها على ذلك ما شئنا» فكانوا على ذلك، و كان التمر يقسم على السّهمان في نصف خيبر، و يأخذ رسول اللّه الخمس» (1).

و نقل أبو عبيد في كتاب (الأموال) عن ابن عباس: أنه قال: «دفع رسول اللّه (ص) خيبر- أرضها و نخلها- إلى أهلها، مقاسمة على النصف» (2).

و نحن إذا جمعنا بين هاتين الظاهرتين من سيرة النبي (ص): بين احتفاظه بجزء كبير من خيبر لمصالح المسلمين و شئون الدولة، و بين ممارسته بوصفه ولي الأمر لشؤون الجزء الآخر أيضا، الذي نفترض أنه قد قسمه بين المقاتلين، إذا جمعنا بين ذلك كله، نستطيع أن نضع للسيرة النبوية تفسيرا ينسجم مع النصوص التشريعية السابقة، التي تقرر مبدأ الملكية العامة في الأرض المفتوحة؛ فإن من الممكن أن يكون رسول اللّه (ص) قد طبق على أرض خيبر مبدأ الملكية العامة، الذي يقتضي تملك الأمة لرقبة الأرض، و يحتم لزوم استخدامها في مصالح الأمة و حاجاتها العامة.

و الحاجات العامة للأمة يومئذ كانت من نوعين: أحدهما: تيسير نفقات الحكومة، التي تنفقها خلال ممارستها لواجبها في المجتمع الإسلامي. و الآخر: إيجاد التوازن الاجتماعي و رفع المستوي العام، الذي كان مترديا إلى درجة قالت السيدة عائشة في وصفه: «إنا لم نشبع من التمر حتى فتح اللّه خيبر» (3). فإن هذه الدرجة من التردي التي تقف حائلا دون تقدم المجتمع الفتي، و تحقيق مثله في الحياة، يعتبر علاجها حاجة عامة للأمة.

و قد حققت السيرة النبوية إشباع كلا النوعين من الحاجات العامة للأمة؛ فالنوع الأول: ضمن النبي إشباعه بالنصف الذي حدثتنا الروايات السابقة عن تخصيصه للنوائب و الوفود و نحو ذلك. و النوع الثاني من الحاجات: عولج عن طريق تخصيص ريع النصف الآخر من أرض خيبر لمجموعة كبيرة من المسلمين، ليساعد ذلك على‌

____________

(1) المصدر السابق.

(2) (الأموال) ص 82، الحديث 191.

(3) لاحظ (صحيح البخاري) ج 16، ص 114، الحديث 3960.

429

تجنيد الطاقات العامة في المجتمع الإسلامي، و فسح المجال أمامها لمستوي أرفع. فلم يكن يعني تقسيم نصف خيبر على عدد كبير من المسلمين: منحهم ملكية رقبة الأرض، و إخضاعها لمبدإ الملكية الخاصة، و إنما هو تقسيم للأرض باعتبار ريعها و منافعها مع بقاء رقبتها ملكا عاما.

و هذا هو الذي يفسر لنا مباشرة ولي الأمر للتصرفات التي تتصل بأرض خيبر، بما فيها سهام الأفراد، لأن رقبة الأرض ما دامت ملكا للأمة، فيجب أن يكون وليها هو الذي يتولى شئونها.

كما يفسّر لنا شمول التقسيم لبعض الأفراد، ممن لم يساهم في معركة خيبر- كما نص على ذلك عدد من المحدثين و المؤرخين- فإن هذا يعزز موقفنا في تفسير هذا التقسيم، على أساس محاولة إيجاد التوازن في المجتمع، بدلا عن تفسيره بوصفه تطبيقا لمبدإ توزيع الغنيمة على المقاتلين الذي لا يسمح بمشاركة غيرهم.

و توجد آية أخرى استدل بها بعض القائلين بالملكية الخاصة، و هي قوله تعالى:

وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيٰارَهُمْ وَ أَمْوٰالَهُمْ وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُهٰا (1) على أساس: أن الآية اعتبرت الأرض ميراثا للجماعة التي خاطبتهم، و هم المؤمنون المعاصرون لنزول الآية، و هذا ينفي ملكيتها للأمة على امتدادها، و قد ساوت الآية بين الأرض و الأموال، و ساقتها مساقا واحدا، و هذا يعني: أن الوارث للأموال هو الوارث للأرض، و من الواضح أن الأموال تختص بالمقاتلين فكذلك الأرض. و نلاحظ بهذا الصدد: أن الآية الكريمة قد عطفت على «أرضهم» و «أموالهم»، «أرضا» وصفتها: بأنها لم يطأها المسلمون. و المقصود بهذه الأرض، إما الأرض التي لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب، و فرّ أهلها خوفا من المسلمين، و إما الأرض التي كانت من المقدر أن تفتح بعد ذلك، كأراضي الفرس و الروم، كما قيل في كتب التفسير.

فإذا أخذنا بالفرضية الأولى في تفسير هذه الفقرة- كما هو الظاهر، لأن الآية‌

____________

(1) الأحزاب/ 27.

430

تدل على: أنها قد تم توريثها فعلا للمسلمين- كانت تعبيرا عن نوع من الأنفال الذي ترجع ملكيته إلى اللّه و رسوله، لا إلى المسلمين، و هذا يشكّل قرينة على: أن المقصود بإرث المسلمين لتلك الأشياء، انتقال السيطرة و الاستيلاء إليهم، لا انتقال الملكية بالمعنى الشرعي، فلا تكون في الآية دلالة على نوع الملكية للأرض.

و إذا أخذنا بالفرضية الثانية في تفسير تلك الفقرة، كانت قرينة على: أن الآية ليست متجهة نحو المعاصرين نزولها فحسب، بل نحو الأمة على امتدادها، لأن فتح الأراضي في المعارك المستقبلة، قد لا يشهده المعاصرون بوصفهم أفرادا، و إنما يشهدونه بوصفهم تعبيرا عن الأمة الممتدة تأريخيا، فيتناسب توريث الأرض في الآية الكريمة عندئذ مع الملكية العامة للمسلمين.

و أما الاستناد إلى وحدة السياق لإثبات: أن من ملكوا الأرض هم بعينهم من ملكوا الأموال- أي: المقاتلين خاصة-، فهو غير صحيح، لأنه يؤدي إلى جعل الآية خطابا للمقاتلين خاصة، مع أن ظاهر الآية الكريمة الاتجاه نحو الجماعة المسلمة المعاصرة كلها. فلا بدّ من إعطاء التوريث معنى غير التمليك بالمعنى الحرفي، الذي يختص بالمقاتلين في الأموال المغتنمة، و هو: إما السيطرة، أو دخول ملكية تلك الأشياء في حوزتهم، سواء اتخذت شكل الملكية الخاصة أو العامة. فتكون الآية الكريمة في قوة قولنا: «و مكّنكم من أرضهم و أموالهم»، أو قولنا: «و ضممنا ملكية أرضهم و أموالهم إلى حوزتكم». فلا تكون في الآية دلالة على: أن المالك- بالمعنى الحرفي للكلمة- واحد في الأموال و في الأراضي.

و النتيجة التي نخرج بها من كل ذلك، هي: أن الأرض المفتوحة مملوكة بالملكية العامة للمسلمين، إذا كانت عامرة حال الفتح (1). و هي باعتبارها ملكا عاما للأمة و وقفا على مصالحها العامة، لا تخضع لأحكام الإرث، و لا ينتقل ما يملكه الفرد المسلم منها- بوصفه فردا من الأمة- إلى ورثته، بل لكل مسلم الحق فيها بوصفه‌

____________

(1) راجع الملحق رقم 1.

431

مسلما فحسب. و كما لا تورث الأرض الخراجية، لاتباع أيضا، لأن الوقف لا يجوز بيعه؛ فقد قال الشيخ الطوسي في (المبسوط): أنه «لا يصح التصرف ببيع فيها و شراء، و لا هبة، و لا معاوضة، و لا تمليك، و لا إجارة و لا إرث» (1). و قال مالك: «لا تقسم الأرض، و تكون وقفا يصرف خراجها في مصالح المسلمين: من أرزاق المقاتلة، و بناء القناطر و المساجد، و غير ذلك من سبل الخير» (2).

و حين تسلم الأرض إلى المزارعين لاستثمارها، لا يكتسب المزارع حقا شخصيا ثابتا في رقبة الأرض، و إنما هو مستأجر يزرع الأرض و يدفع الأجرة أو الخراج، وفقا للشروط المتفق عليها في العقد. و إذا انتهت المدة المقررة انقطعت صلته بالأرض، و لم يجز له استثمارها و التصرف فيها إلا بتجديد العقد، و الاتفاق مع ولي الأمر مرة أخرى.

و قد أكد ذلك بكل وضوح، الفقيه الأصفهاني في تعليقه على (المكاسب)، نافيا اكتساب الفرد أي حق شخصي في الأرض الخراجية، زائدا على حدود إذن ولي الأمر في عقد الإجارة، الذي يسمح له بالانتفاع بالأرض و استثمارها، نظير أجرة خلال مدة محددة (3).

و إذا أهملت الأرض الخراجية حتى خربت و زالت عمارتها، لم تفقد بذلك صفة الملكية العامة للأمة. و لذلك لا يسمح لفرد بإحيائها إلا بإذن من ولي الأمر، و لا ينتج عن إحياء الفرد لها حق خاص في رقبة الأرض، لأن الحق الخاص بسبب الإحياء، إنما يوجد في أراضي الدولة- التي سنتحدث عنها فيما يأتي- لا في الأرض الخراجية التي تملكها الأمة ملكية عامة، كما صرح بذلك المحقق صاحب (البلغة) في كتابه (4).

____________

(1) (المبسوط) ج 2، ص 34.

(2) لاحظ (الأحكام السلطانية) ج 2، ص 146 و 147.

(3) (حاشية المكاسب) ج 1، ص 250.

(4) لاحظ (بلغة الفقيه) ج 1، ص 338.

432

فالمساحات التي لحقها الخراب من الأراضي الخراجية، تظل خراجية و ملكا للمسلمين، و لا تصبح ملكا خاصا للفرد، بسبب إحيائه و إعماره لها.

و يمكننا أن نستخلص من هذا العرض: أن كل أرض تضم إلى دار الإسلام بالجهاد، و هي عامرة بجهود بشرية سابقة على الفتح، تطبق عليها الأحكام الشرعية الآتية.

أولا: تكون ملكا عاما للأمة، و لا يباح لأي فرد تملكها و الاختصاص بها (1).

ثانيا: يعتبر لكل مسلم حق في الأرض، بوصفه جزءا من الأمة، و لا يتلقى نصيب أقربائه بالوراثة (2).

ثالثا: لا يجوز للأفراد إجراء عقد على نفس الأرض، من بيع و هبة و نحوها (3).

رابعا: يعتبر ولي الأمر هو المسؤول عن رعاية الأرض و استثمارها، و فرض الخراج عليها عند تسليمها للمزارعين (4).

خامسا: الخراج الذي يدفعه المزارع إلى ولي الأمر، يتبع الأرض في نوع الملكية، فهو ملك للأمة كالأرض نفسها (5).

سادسا: تنقطع صلة المستأجر بالأرض عند انتهاء مدة الإجارة، و لا يجوز له احتكار الأرض بعد ذلك (6).

سابعا: إن الأرض الخراجية إذا زال عنها العمران و أصبحت مواتا، لا تخرج عن وصفها ملكا عاما، و لا يجوز للفرد تملكها عن طريق إحيائها و إعادة عمرانها من جديد (7).

ثامنا: يعتبر عمران الأرض حال الفتح الإسلامي بجهود أصحابها السابقين،

____________

(1) لاحظ (جواهر الكلام) ج 21، ص 157.

(2) لاحظ (جواهر الكلام) ج 38، ص 17.

(3) المصدر السابق.

(4) لاحظ (جواهر الكلام) ج 21، ص 162.

(5) لاحظ (جواهر الكلام)، ج 21، ص 166.

(6) لاحظ (جواهر الكلام) ج 38، ص 18.

(7) المصدر السابق.

433

شرطا أساسيا للملكية العامة، و الأحكام الآنفة الذكر. فما لم تكن معمورة بجهد بشري معين، لا يحكم عليها بهذه الأحكام (1).

و على هذا الأساس، نصبح اليوم في مجال التطبيق، بحاجة إلى معلومات تأريخية واسعة عن الأراضي الإسلامية، و مدى عمرانها، لنستطيع أن نميز في ضوئها المواضع التي كانت عامرة وقت الفتح، عن غيرها من المواضع المغمورة. و نظرا إلى صعوبة توفر المعلومات الحاسمة بهذا الصدد، اكتفى كثير من الفقهاء بالظن، فكل أرض يغلب على الظن: أنها كانت معمورة حال الفتح الإسلامي، تعتبر ملكا للمسلمين (2).

و لنذكر على سبيل المثال، محاولات بعض الفقهاء لتحديد نطاق الأرض الخراجية المملوكة ملكية عامة من أراضي العراق، التي فتحت في العقد الثاني من الهجرة، فقد جاء في كتاب (المنتهى) للعلامة الحلي: «أن أرض السواد هي الأرض المفتوحة من الفرس، التي فتحها عمر بن الخطاب، و هي سواد العراق. و حدّه في العرض: من منقطع الجبال بحلوان إلى طرف القادسية، المتصل بالعذيب من أرض العرب، و من تخوم الموصل طولا إلى ساحل البحر ببلاد عبادان، من شرقي دجلة.

و أما الغربي الذي يليه البصرة فإنما هو إسلامي، مثل شط عمرو بن العاص. و هذه الأرض- أي: الحدود التي حددها- فتحت عنوة، فتحها عمر بن الخطاب، ثم بعث إليها بعد فتحها ثلاثة أنفس: عمار بن ياسر على صلاتهم أميرا، و ابن مسعود قاضيا و واليا على بيت المال، و عثمان بن حنيف على مسامحة الأرض. و فرض لهم في كل يوم شاة، شطرها مع السواقط لعمار، و شطرها للآخرين، و قال: «ما أرى قرية تؤخذ منها كل يوم شاة، إلا سرع خرابها». و مسح عثمان أرض الخراج، و اختلفوا في مبلغها، فقال المسّاح: اثنان و ثلاثون ألف ألف جريب. و قال أبو عبيدة: ستة و ثلاثون ألف ألف جريب» (3).

____________

(1) لاحظ (جواهر الكلام) ج 38، ص 38.

(2) لاحظ (مسالك الإفهام) ج 2، ص 287.

(3) (المنتهى) ج 2، ص 937.

434

و جاء في كتاب (الأحكام السلطانية) لأبي يعلى: «أن حدّ السواد طولا: من حديثة الموصل إلى عبادان. و عرضا من عذيب القادسية إلى حلوان. يكون طوله (160) فرسخا و عرضه (80) فرسخا، إلا قريات- قد سماها أحمد، و ذكرها أبو عبيد: الحيرة، و يانقيا، و أرض بني صلوبا، و قرية أخرى- كانوا صلحا. و روى أبو بكر بإسناده عن عمر أنه كتب: «أن اللّه عز و جل فتح ما بين العذيب إلى حلوان».

و أما العراق فهو في العرض مستوعب لعرض السواد عرفا، و يقصر عن طوله في العرض، لأن أوله في شرقي دجلة: العلث، و عن غربيها: حربي، ثم يمتد إلى آخر أعمال البصرة من جزيرة عبادان، فيكون طوله (125) فرسخا، يقصر عن طول السواد ب‍ (35) فرسخا، و عرضه (80) فرسخا كالسواد. قال قدامة بن جعفر:

«يكون ذلك مكسرا عشرة آلاف فرسخ، و طول الفرسخ: (12) ألف ذراع بالذراع المرسلة. و يكون بذراع المساحة: تسعة آلاف ذراع. فيكون ذلك إذا ضرب في مثله- و هو تكسير فرسخ في فرسخ-: (22) ألف جريب و (500) جريب، فإذا ضرب ذلك في عدد الفراسخ- و هي (10000) فرسخا- بلغ: مائتي ألف ألف و خمسة و عشرين ألف ألف جريب. يسقط منها بالتخمين: مواضع التلال، و الآكام، و السباخ، و الآجام، و مدارس الطرق و المحاج، و مجاري الأنهار، و عراص المدن و القرى، و مواضع الأرحاء و البحيرات، و القناطر، و الشاذروانات، و البيادر، و مطارح القصب، و أتانين الآجر، و غير ذلك، و هو 75 ألف ألف جريب. يصير الباقي من مساحة العراق: مائة ألف ألف جريب و خمسين ألف ألف جريب، يراح منها النصف و يكون النصف مزروعا، مع ما في الجميع من النخل و الكرم و الأشجار». و إذا أضفت إلى ما ذكره قدامة في مساحة العراق: ما زاد عليها من بقية السواد، و هو (35) فرسخا، كانت الزيادة على تلك المساحة قدر ربعها، فيصير ذلك مساحة جميع ما يصلح للزرع و الغرس من أرض السواد. و قد يتعطل منه بالعوارض و الحوادث ما لا ينحصر» (1).

____________

(1) (الأحكام السلطانية) ج 1، ص 173، مع اختلاف في العبارة.

435

ب- الأرض الميتة حال الفتح:

و إذا لم تكن الأرض عامرة حين دخولها في الإسلام، لا بشريا و لا طبيعيا، فهي ملك للإمام- و هذا ما نصطلح عليه باسم: ملكية الدولة- و ليست داخلة ضمن نطاق الملكية الخاصة، و بذلك كانت تتفق مع الأرض الخراجية في عدم الخضوع لمبدإ الملكية الخاصة. و لكنها تختلف عنها مع ذلك في شكل الملكية؛ فالأرض العامرة حال الفتح تعتبر حين ضمها إلى حوزة الإسلام، ملكا عاما للأمة، و الأرض الميتة تعتبر حين دخولها في دار الإسلام، ملكا للدولة.

الدليل على ملكية الدولة للأرض الميتة:

الدليل التشريعي على ملكية الدولة للأرض الميتة حين الفتح، هو: أنها من الأنفال، كما جاء في الحديث. و الأنفال عبارة: عن مجموعة من الثروات التي حكمت الشريعة بملكية الدولة لها، في قوله يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفٰالِ، قُلِ الْأَنْفٰالُ لِلّٰهِ وَ الرَّسُولِ، فَاتَّقُوا اللّٰهَ وَ أَصْلِحُوا ذٰاتَ بَيْنِكُمْ، وَ أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1).

و قد روى الشيخ الطوسي في (التهذيب) بشأن نزول هذه الآية: أن بعض الأفراد سألوا رسول اللّه (ص) أن يعطيهم شيئا من الأنفال، فنزلت الآية تؤكد مبدأ ملكية الدولة، و ترفض تقسيم الأنفال بين الأفراد، على أساس الملكية الخاصة (2).

و تملّك الرسول للأنفال، يعبر عن تملك المنصب الإلهي في الدولة لها، و لهذا تستمر ملكية الدولة للأنفال و تمتد بامتداد الإمامة من بعده، كما ورد في الحديث عن علي (ع): أنه قال: «إن للقائم بأمور المسلمين الأنفال التي كانت لرسول اللّه؛ قال اللّه عز و جل يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفٰالِ قُلِ الْأَنْفٰالُ لِلّٰهِ وَ الرَّسُولِ. فما كان للّه و لرسوله فهو للإمام» (3). فإذا كانت الأنفال ملكا للدولة- كما يقرره (القرآن الكريم)-

____________

(1) الأنفال/ 1.

(2) لاحظ (التهذيب) ج 4، ص 127، الحديث 364.

(3) (الوسائل)، ج 6، ص 370، الحديث 12646.

436

و كانت الأرض غير العامرة حال الفتح من الأنفال، فمن الطبيعي أن تندرج هذه الأرض في نطاق ملكية الدولة. و على هذا الأساس ورد عن الصادق (ع)، بصدد تحديد ملكية الدولة (الإمام): «أن الموات كلها هي له، و هو قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفٰالِ (أن تعطيهم منه) قُلِ الْأَنْفٰالُ لِلّٰهِ وَ الرَّسُولِ» (1).

و مما قد يشير إلى ملكية الدولة للأراضي الموات أيضا، ما ورد في الحديث من: أن النبي (ص) قال: «ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه» (2). و قد استدل أبو حنيفة بهذا الحديث على: أن الموات لا يجوز إحياؤها و الاختصاص بها دون إذن الإمام (3)، و هذا يتفق تماما مع ملكية الإمام للموات، أو ملكية الدولة بتعبير آخر (4). و يدل على ذلك أيضا: ما ورد في كتاب (الأموال) لأبي عبيد عن ابن طاوس، عن أبيه: أن رسول اللّه (ص) قال: «عادي الأرض للّه و لرسوله، ثم هي لكم» (5). فقد حكم هذا النص بملكية الرسول لعادي الأرض، و الجملة الأخيرة (ثم هي لكم) تقرر حق الإحياء الذي سنشير إليه فيما بعد.

و قد جاء في كتاب (الأموال): أن عادي الأرض هي: كل أرض كان لها ساكن في آباد الدهر، فلم يبق منها أنيس، فصار حكمها إلى الإمام. و كذلك كل أرض موات لم يحيها أحد، و لم يملكها مسلم و لا معاهد (6).

و في كتاب (الأموال) أيضا «عن ابن عباس: أن رسول اللّه (ص) لما قدم المدينة جعلوا له كل أرض لا يبلغها الماء، يصنع بها ما يشاء» (7). و هذا النص لا يؤكد مبدأ‌

____________

(1) (الوسائل) ج 6، ص 369، الحديث 12644.

(2) (كنوز الحقائق) ج 2، ص 77 و 78، و (المبسوط) للسرخسي، ج 23، ص 167.

(3) راجع (المحلى) لابن حزم، ج 8، ص 234، و (الأحكام السلطانية) ج 1، ص 209.

(4) راجع الملحق رقم 2.

(5) (الأموال) ص 286، الحديث 676، و لاحظ (المبسوط) للسرخسي، ج 23، ص 167، و (جواهر الكلام) ج 38، ص 8.

(6) (الأموال) ص 291، الحديث 292.

(7) (الأموال) ص 294، الحديث 695.

437

ملكية الدولة للأراضي الموات البعيدة عن الماء فحسب، بل يؤكد أيضاً تطبيق هذا المبدأ في عصر النبوة. و جاء في مصادر أخرى ما يؤكد ممارسة النبي السيطرة الفعلية على الأراضي الموات، الأمر الذي تعتبر تطبيقاً عملياً لمبدإ ملكية الدولة لها؛ فقد ورد في كتاب الإمام الشافعي: أنه لما قدم رسول اللّه (ص) المدينة أقطع الناس الدور، فقال حي من بني زهرة- يقال لهم بنو عبد بن زهرة-: «نكب عنا ابن أم عبد» فقال رسول اللّه (ص):

«فلم ابتعثني اللّه إذا. إن اللّه لا يقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيهم حقه» (1).

و قد علق الشافعي على ذلك، قائلًا: «و في هذا دلالة على: أن ما قارب العامر و كان بين ظهرانيه، و ما لم يقارب من الموات، سواء في أنه لا مالك له، فعلى السلطان إقطاعه ممن سأله من المسلمين» (2).

فالأرضان (العامرة و الموات) من أراضي الفتح، طبق عليهما شكلان تشريعيان من أشكال الملكية، و هما: الملكية العامة للأرض العامرة، و ملكية الدولة للموات.

نتيجة اختلاف شكلي الملكية:

و هاتان الملكيتان (الملكية العامة للأمة، و ملكية الدولة) و إن اتفقتا في المغزى الاجتماعي، إلا أنهما يعتبران شكلين تشريعيين مختلفين، لأن المالك في أحد الشكلين هو: الأمة، و المالك في الشكل الآخر هو: المنصب، الذي يباشر حكم تلك الأمة من قبل اللّه. و ينعكس الفرق بين الشكلين في الأمور التالية:

أولا: طريقة استثمار كل من الملكيتين، و الدور الذي تؤديه للمساهمة في بناء المجتمع الإسلامي؛ فالأراضي و الثروات التي تملك ملكية عامة لمجموع الأمة، يجب على ولي الأمر استثمارها للمساهمة في إشباع حاجات مجموع الأمة، و تحقيق مصالحها العامة التي ترتبط بها ككل (3)، نحو: إنشاء المستشفيات و توفير و تهيئة‌

____________

(1) (الأمّ) ج 4، ص 50.

(2) المصدر السابق.

(3) لاحظ (تفسير القمّي) ج 1، ص 278، و (الروضة في شرح اللمعة) ج 7، ص 136.

438

مستلزمات التعليم، و غير ذلك من المؤسسات الاجتماعية العامة التي تخدم مجموع الأمة. و لا يجوز استخدام الملكية العامة لمصلحة جزء معين من الأمة، ما لم ترتبط مصلحته بمصلحة المجموع، فلا يسمح بإيجاد رءوس أموال- مثلًا- لبعض الفقراء من ثمار تلك الملكية، ما لم يصبح ذلك مصلحة و حاجة لمجموع الأمة، كما إذا توقف حفظ التوازن الاجتماعي على الاستفادة من الملكية العامة في هذا السبيل. و كذلك لا يسمح بالصرف من ريع الملكية العامة للأمة، على النواحي التي يعتبر ولي الأمر مسؤولًا عنها، من حياة المواطنين الذين في المجتمع الإسلامي. و أما أملاك الدولة فهي كما يمكن أن تستثمر في مجال المصالح العامة لمجموع الأمة، كذلك يمكن استثمارها لمصلحة معينة مشروعة (1)، كإيجاد رءوس أموال منها لمن هو بحاجة إلى ذلك من أفراد المجتمع الإسلامي، أو أي مصلحة أخرى من المصالح التي يعتبر ولي الأمر مسؤولا عنها.

ثانيا: إن الملكية العامة لا تسمح بظهور حق خاص للفرد؛ فقد رأينا فيما سبق:

أن الأرض المفتوحة عنوة و التي تعود ملكيتها للأمة، لا يكسب الفرد فيها حقا خاصّاً و لو مارس عليها عملية الإحياء، خلافاً لملك الدولة؛ فإن الفرد قد يكتسب في ممتلكاتها حقا خاصّاً على أساس العمل، بالقدر الذي تأذن به الدولة، فمن يحيي أرضاً ميتة للدولة بإذن من الإمام، يكتسب حقا خاصّاً فيها و إن لم يملك رقبتها، و إنما هو حق يجعله أولى من الآخرين بها، مع بقاء رقبتها ملكاً للدولة على ما يأتي.

ثالثا: إن ما يدخل في نطاق الملكية العامة للأمة، لا يجوز لولي الأمر- بوصفه ولياً للأمر- نقل ملكيته إلى الأفراد ببيع أو هبة و نحو ذلك، خلافاً لما يدخل في نطاق ملكية الدولة، فإنه يجوز فيه ذلك وفقاً لما يقدره الإمام من المصلحة العامة (2).

و هذا الفارق بين الملكيتين يقرب هذين المصطلحين الفقهيين، نحو مصطلحي:

«الأموال الخاصة للدولة» و «الأموال العامة لها» في لغة القانون الحديث؛ فما‌

____________

(1) لاحظ (الوسائل) ج 6، ص 367 و 368.

(2) لاحظ (جواهر الكلام) ج 21، ص 349، و ج 22، ص 162، و ج 38، ص 17.

439

نطلق عليه اسم: «ملكية الدولة» يوازي من هذه الناحية ما يعبر عنه قانونياً ب‍ «الأموال الخاصة للدولة»، بينما يناظر «الملكية العامة للأمة» ما يطلق عليه القانون اسم: «الأموال العامة للدولة». غير أن مصطلح «الملكية العامة للأمة» يتميز عن مصطلح «الأموال العامة للدولة» بأنه يستبطن النص على: أن الأموال العامة التي يشملها، هي ملك الأمة، و دور الدولة فيها دور الحارس الأمين، بينما ينسجم التعبير القانوني بالأموال العامة للدولة مع هذا، كما ينسجم مع كونها ملكاً للدولة نفسها.

دور الإحياء في الأراضي الميتة:

و كما تختلف الأرض الميتة و الأرض العامرة في شكل الملكية، كذلك تختلفان أيضاً من ناحية الحقوق التي يسمح للأفراد باكتسابها في الأرض.

فالشريعة لا تمنح الفرد حقا خاصّاً في رقبة الأرض العامرة حال الفتح، و لو جدد عمرانها بعد خراب، كما مر بنا سابقا.

و أما الأرض الميتة عند الفتح، فقد سمحت الشريعة للأفراد بممارسة إحيائها و أعمارها، و منحتهم حقا خاصّاً فيها، على أساس ما يبذلون من جهد في سبيل إحياء الأرض و عمارتها. و في الروايات ما يقرر هذه الحقيقة إذ جاء عن أهل البيت:

أن «من أحيا أرضاً فهي له، و هو أحق بها» (1). و ورد في (صحيح البخاري) «عن عائشة: أن النبي (ص) قال: «من أعمر أرضاً ليست لأحد فهو أحق» (2).

و على هذا الأساس نعرف: أن الملكية العامة للأرض في الشريعة لا تنسجم مع الحق الخاص للفرد، فلا يحصل الفرد على حق خاص في أرض الملكية العامة، مهما قدم لها من خدمات أو جدد عمرانها بعد الخراب، بينما نجد ملكية الدولة للأرض تنسجم مع اكتساب الأفراد حقا خاصّاً فيها.

____________

(1) (الخلاف) للطوسي، ج 3، ص 527، مع نقص، و (غوالي اللئالي) ج 3، ص 259، مع نقص.

(2) (صحيح البخاري) ج 10، ص 160، الحديث 2185.

440

و المصدر الأساسي للحقوق الخاصة في أراضي الدولة هو: الإحياء و التعمير.

فممارسة هذا العمل أو البدء بالعمليات التمهيدية له يمنح الممارس حقا خاصّاً في الأرض، و بدون ذلك لا تعترف الشريعة بالحق الخاص إطلاقاً (1)، بوصفه عملية مستقلة منفصلة عن الإحياء، [و] لا تكون سبباً لاكتساب حق خاص في الأرض؛ و قد جاء في الرواية عن عمر بن الخطاب: أنه قال: «ليس لأحد أن يتحجر» (2).

و السؤال المهم فقهياً بهذا الشأن، يرتبط بطبيعة الحق الذي يستمده الفرد من عملية الإحياء: فما هو هذا الحق الذي يحصل عليه الفرد، نتيجة لعمله في الأرض الميتة و إحيائها؟

هذا هو السؤال الذي يجب علينا أن نجيب عليه، في ضوء مجموع النصوص التي تناولت عملية الإحياء، و شرحت أحكامها الشرعية.

و جواب الكثير من الفقهاء على هذا السؤال: أن مرد الحق الذي يستمده الفرد من إحياء الأرض، إلى تملكه لها ملكية خاصة (3)، فتخرج الأرض بسبب الإحياء عن نطاق ملكية الدولة إلى نطاق الملكية الخاصة، و يملك الفرد الأرض التي أحياها نتيجة لعمله المنفق عليها، الذي بعث فيها الحياة.

و هناك رأي فقهي آخر يبدو أكثر انسجاماً مع النصوص التشريعية، يقول: إن عملية الإحياء لا تغير من شكل ملكية الأرض، بل تظل الأرض ملكاً للإمام أو لمنصب الإمامة، و لا يسمح للفرد بتملك رقبتها و إن أحياها، و إنما يكتسب بالإحياء حقا في الأرض دون مستوى الملكية، و يخول له بموجب هذا الحق استثمار الأرض و الاستفادة منها، و منع غيره ممن لم يشاركه جهده و عمله، من مزاحمته و انتزاع الأرض منه، ما دام قائماً بواجبها. و هذا القدر من الحق لا يعفيه من واجباته تجاه منصب الإمامة، بوصفه المالك الشرعي لرقبة الأرض، فللإمام أن يفرض عليه الأجرة‌

____________

(1) راجع الملحق رقم 3.

(2) (الأم) ج 4، ص 46.

(3) لاحظ (جواهر الكلام) ج 38، ص 9.

441

أو الطلسق- كما جاء في الحديث- بالقدر الذي يتناسب مع المنافع التي يجنيها الفرد من الأرض التي أحياها.

و قد أخذ بهذا الرأي الفقيه الكبير الشيخ محمد بن الحسن الطوسي في بحوث الجهاد، من كتابه (المبسوط في الفقه)، إذ ذكر: أن الفرد لا يملك رقبة الأرض بالإحياء و إنما يملك التصرف، بشرط أن يؤدي إلى الإمام ما يلزمه عليها. و إليكم نص عبارته:

«فأما الموات فإنها لا تغنم، و هي للإمام خاصة، فإن أحياها أحد من المسلمين كان أولى بالتصرف فيها، و يكون للإمام طسقها» (1).

و نفس الرأي نجده في (بلغة) المحقق الفقيه السيد محمد بحر العلوم، إذ مال إلى:

«منع إفادة الإحياء التملك المجاني، من دون أن يكون فيه حق، فيكون للإمام فيه بحسب ما يقاطع المجبي عليها، في زمان حضوره و بسط يده، و مع عدمه فله أجرة المثل. و لا ينافي ذلك نسبة الملكية إلى المحيي في أخبار الإحياء- أي: في قولهم:

من أحيى أرضاً فهي له- و إن هي إلا جارية مجرى كلام الملاكين للفلاحين، في العرف العام، عند تحريضهم على تعمير الملك: من عمرها أو حفر أنهارها و كرى سواقيها فهي له، الدالة على أحقيته من غيره، و تقدمه على من سواه، لا على نفي الملكية من نفسه، و سلب الملكية عن شخصه. فالحصة الراجعة إلى الملاك المعبر عنها بالملاكة مستحقة له غير منفية عنه، و إن أضاف الملك إليهم عند الترخيص و الإذن العمومي» (2).

و هذا الرأي الفقهي الذي يقرره الشيخ الطوسي و الفقيه بحر العلوم، يستند إلى عدة نصوص ثابتة بطرق صحيحة عن أئمة أهل البيت، عليّ و آله (عليهم السلام). فقد جاء في بعضها: «من أحيى أرضاً من المؤمنين فهي له و عليه طسقها» (3). و جاء في بعضها الآخر «من أحيى من الأرض من المسلمين فليعمرها، و ليؤد خراجها إلى‌

____________

(1) (المبسوط) ج 2، ص 29.

(2) (بلغة الفقيه) ج 1، ص 274.

(3) (الوسائل) ج 6، ص 382، الحديث 12689.

442

الإمام.، و له ما أكل منها» (1).

فالأرض في ضوء هذه النصوص لا تصبح ملكاً خاصّاً لمن أحياها، و إلا لما صح أن يكلف بدفع أجرة عن الأرض للدولة، و إنما تبقى رقبة الأرض ملكاً للإمام، و يتمتع الفرد بحق في رقبة الأرض، يمكنه من الانتفاع بها و منع الآخرين عن انتزاعها منه، و للإمام في مقابل ذلك فرض الطسق عليه (2).

و هذا الرأي الفقهي الذي يعطي لملكية الإمام مدلولها الواقعي، و يسمح له بفرض الطسق على أراضي الدولة، لا نجده لدى فقهاء من شيعة أهل البيت- كالشيخ الطوسي- فحسب، بل إن له بذوراً و صيغاً متنوعة في مختلف المذاهب الفقهية في الإسلام؛ فقد ذهب أحمد بن حنبل إلى: أن الغامر الميت من أرض السواد يعتبر أرضاً خراجية أيضا، و للدولة فرض الخراج عليه بوصفه ملكاً لعامة المسلمين. و استند في ذلك إلى ما صنعه عمر، من مسح العامر و الغامر من أرض السواد، و وضع الخراج عليهما معاً (3). و بعض الفقهاء جعل موات المفتوح عنوة مطلقاً للمسلمين (4).

و ذكر الماوردي عن أبي حنيفة و أبي يوسف: أن الفرد إذا أحيا أرضاً من الموات و ساق إليها ماء الخراج، كانت أرض خراج و كان للدولة فرض الخراج عليها (5).

و يريدان بماء الخراج: الأنهار التي فتحت عنوة كدجلة و الفرات و النيل، فكل أرض ميتة تحيا بماء الخراج تصبح خراجية، و داخلة في نطاق ولاية الدولة على وضع الخراج، و إن لم تكن الأرض نفسها مفتوحة عنوة. و جاء في كتاب (الأموال) لأبي عبيد: أن أبا حنيفة كان يقول: «أرض الخراج هي كل أرض بلغها ماء الخراج» (6).

و أما محمد بن الحسن الشيباني فقد اعترف بدوره أيضا: بمبدإ فرض الخراج على‌

____________

(1) (الفروع من الكافي) ج 5، ص 279، و (التهذيب) ج 7، ص 152.

(2) راجع الملحق رقم 4.

(3) لاحظ (الأحكام السلطانية) ج 1، ص 166.

(4) لاحظ (مستمسك العروة) للإمام الحكيم، ج 9، ص 599.

(5) لاحظ (الأحكام السلطانية) ج 1، ص 211.

(6) (الأموال) ص 79، الحديث 182.

443

ما يحيى من الأرض الموات، و لكنه اختار تفصيلًا آخر غير ما سبق عن أبي حنيفة و أبي يوسف، فقد قال: «إن كانت الأرض المحياة على انهار حفرتها الأعاجم فهي أرض خراج، و إن كانت على انهار أجراها اللّه عز و جل فهي أرض عشر» (1).

و على أي حال، فإن مبدأ فرض الخراج على الأرض المحياة، تجده بصورة أو أخرى في اتجاهات فقهية مختلفة.

و نلاحظ: أن كلمات الفقهاء غير الإماميين هذه، لم تصل إلى الدرجة التي بلغتها فتوى الشيخ الطوسي و عدد آخر من فقهاء الإمامية، لأنها لم تتجاوز بصورة صريحة عن كونها تعبيرات متفاوتة عن حدود الأرض الخراجية، و أنها تشمل قسماً من الأراضي الموات كموات السواد، أو الموات التي تحيي بماء الخراج، غير أنها- على أي حال- تجعلنا نجد مبدأ فرض الخراج على الأرض المحياة بصورة أو أخرى في اتجاهات فقهية مختلفة. و لا يوجد ما يمنع عن اعتباره مبرراً مبدئياً في الشريعة الإسلامية لفرض الخراج من الإمام على الأراضي المحياة.

و من المواقف الفقهية الملتقية إلى درجة كبيرة مع رأي الشيخ الطوسي و غيره من علماء الإمامية، موقف لبعض فقهاء المذهب الحنفي، كأبي القاسم البلخي و غيره، ممن تكلم عن الأرض التي أحياها شخص ثم خربت فاستأنف إحياءها شخص آخر، إذ قالوا:

بأن الثاني أحق بها، لأن الأول ملك استغلالها لا رقبتها، فاذا تركها كان الثاني أحق بها (2). و هذا الكلام و إن كان لا ينص على ملكية الدولة للأرض الميتة و حقها في فرض الخراج على ما يحيى منها، و لكنه يلتقي مع موقف الشيخ الطوسي و غيره من علماء الإمامية، في القول: بأن الأرض الميتة لا تملك ملكية خاصة، و لا تدخل رقبتها في نطاق ملكية المستولي عليها، و لو مارس فيها عملية الإحياء و الاستثمار (3).

____________

(1) لاحظ (الأحكام السلطانية) ج 1، ص 211.

(2) لاحظ (شرح فتح القدير) ج 9، ص 4، و (شرح العناية على الهداية) في هامش (شرح فتح القدير) ص 4، و (النهاية) للشيخ الطوسي، ص 420.

(3) راجع الملحق رقم 5.

444

و نحن حين نقتبس من فقه الشيخ الطوسي مبدأ ملكية الإمام، بهذا المعنى الذي يسمح له بفرض الخراج على ما يحيى من الأراضي الميتة، إنما ندرس الموقف على الصعيد النظري فحسب، إذ توجد من الناحية النظرية- كما عرفنا- مبررات لاستنباط هذا المبدأ من النصوص التشريعية.

و أما على صعيد التطبيق فلم يؤخذ بهذا المبدأ عملياً في الإسلام، بل جمد في المجال التطبيقي، و رفع بصورة استثنائية عن بعض الأشخاص و في بعض الأزمنة، كما تدل عليه أخبار التحليل. و تجميد المبدأ هذا على صعيد التطبيق و في السيرة النبوية المقدسة، لا يمكن أن يعتبر دليلًا على عدم صحته نظريا، فإن من حق النبي (ص) العفو عن الطسق. و ممارسته لهذا الحق لا تعني: عدم السماح لإمام متأخر بالعمل بهذا المبدأ أو تطبيقه، حين تزول الظروف التي كانت تمنع عن ذلك. كما أن النصوص التي ترفع مفعول هذا المبدأ عن بعض الأشخاص بصورة استثنائية، لا تمنع عن اعتباره قاعدة يمكن الأخذ بها في غير مجالات استثنائها، التي شرحتها أخبار التحليل.

و ما دمنا في دراستنا هذه نحاول التعرف على النظرية الاقتصادية في الإسلام، فمن حقنا أن نستوعب في دراستنا هذا المبدأ، ما دام له أساس إسلامي من الناحية النظرية، فهو جزء من الصورة الكاملة التي تعبر عن النظرية الإسلامية، في المجال الذي ندرسه، سواء أخذ نصيبه من التطبيق أو اضطرت ظروف قاهرة أو مصلحية لإهماله.

و على ضوء ما قدمناه، يتبين الفرق بين المزارع الذي يعمل في قطاع الملكية العامة، و المزارع الذي يعمل في قطاع ملكية الدولة. فإنهما و إن كانا معاً لا يملكان رقبة الأرض، و لكنهما يختلفان في مدي علاقتهما بالأرض؛ فالمزارع الأول ليس إلا مستأجراً فحسب- كما أكد الفقيه المحقق الأصفهاني في تعليقه على (المكاسب)- فمن حق الإمام أن ينتزع منه الأرض، و يعطيها لفرد آخر متى انتهت مدة الإجارة، و أما المزارع الثاني، فهو يتمتع بحق في الأرض يخوله الانتفاع بها، و يمنع الآخرين من انتزاعها منه، ما دام قائماً بحقها و عمارتها (1).

____________

(1) لاحظ (حاشية المكاسب) ج 1، ص 242 و 250، و (المهذب) لابن البراج، ج 1، ص 182 و 183.

445

و عملية الإحياء في قطاع الدولة حرة، يجوز لكل فرد ممارستها دون إذن خاص من ولي الأمر، لأن النصوص الآنفة الذكر أذنت لجميع الأفراد بالإحياء، دون تخصيص، فيعتبر هذا الإذن نافذ المفعول ما لم تر الدولة في بعض الأحايين المصلحة في المنع. و هناك في الفقهاء من يرى: أن الإحياء لا يجوز، و لا يمنح حقا، ما لم يكن بإذن خاص من ولي الأمر، و لا يكفي الإذن الصادر من النبي (ص) في قوله: «من أعمر أرضاً فهو أحق بها» (1) لأن هذا الإذن صدر من النبي بوصفه حاكما و رئيساً للدولة الإسلامية، لا باعتباره نبيا، فلا يمتد مفعوله مع الزمن، بل ينتهي بانتهاء حكمه.

و على أي حال: فلا شك أن لولي الأمر أن يمنع عن إحياء بعض أراضي الدولة، و أن يحدد الكمية التي يباح لكل فرد إحياؤها من تلك الأراضي، إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك (2).

و نخلص من أحكام الأراضي الموات إلى النقاط الآتية:

أولا: أنها تعتبر ملكاً للدولة.

و ثانيا: أن إحياءها من قبل الأفراد جائز مبدئيا، ما لم يمنع عنه ولي الأمر.

ثالثا: أن الفرد إذا أحيى أرضاً للدولة و عمرها، كان له فيها الحق الذي يخوله الانتفاع بها، و يمنع الآخرين من مزاحمته فيها، دون أن تصبح الأرض ملكاً خاصّاً له.

رابعا: للإمام أن يتقاضى من الفرد المحيي للأرض خراجا، لأن رقبة الأرض ملكه. و يفرض هذا الخراج وفقاً للمصلحة العامة، و التوازن الاجتماعي. و للإمام أيضاً أن يعفو عن الخراج في ظروف معينة، و لاعتبارات استثنائية نجد ذلك في السيرة النبوية المقدسة (3).

____________

(1) (صحيح البخاري) ج 3، ص 140، مع اختلاف في العبارة، و (الخلاف) ج 3، ص 525، و (السرائر) ج 2، ص 381، و (جواهر الكلام) ج 38، ص 11.

(2) لاحظ (الوسائل) ج 6، ص 373.

(3) لاحظ (المبسوط) ج 2، ص 29، و (الوسائل) ج 6، ص 364، و ص 373، الباب 2.

446

و على ضوء ما تقدم يمكننا أن نميز بوضوح بين الحق الخاص، الذي ذكرنا: أن الفرد يكسبه بالإحياء، و بين الملكية الخاصة لرقبة الأرض، التي نفينا حصولها بالإحياء. و يمكن تلخيص أهم ما يميز هذا الحق عن ملكية رقبة الأرض، فيما يلي:

أولا: إن هذا الحق يسمح للدولة بأخذ الأجرة من الفرد صاحب الحق لقاء انتفاعه بالأرض، لأن رقبتها تظل ملكاً للدولة، بينما لا مبرر لهذه الأجرة في حالة قيام ملكية خاصة لرقبة الأرض.

ثانيا: إن هذا الحق حق الأولوية من الآخرين، بمعنى: أن المحيي أولى بالأرض التي أحياها ممن لم يحيها، و لا يعني ذلك: أنه أولى بها من الإمام نفسه المالك الشرعي للأرض. فهو حق نسبي يتمتع به المحيي أمام الآخرين، لا أمام المالك نفسه، و لهذا كان من حق الإمام أن ينتزعها منه، وفقاً لما يقدره من المصلحة العامة، كما تشير إلى ذلك رواية الكابلي (1).

ثالثا: قد يقال: إن هذا الحق يختلف عن الملكية موضوعا؛ فإن الملكية الخاصة لرقبة الأرض موضوعها: الأرض نفسها. و أما هذا الحق فهو: حق الإحياء (2)، و بهذه المناسبة يكون حقا في حياة الأرض، التي أوجدها المحيي فيها، لا في الأرض نفسها.

و يترتب على ذلك: أن هذه الحياة إذا زالت و عادت الأرض ميتة، سقط هذا الحق بصورة طبيعية، إذ ينتفي موضوعه، و أما الملكية المتعلقة برقبة الأرض، فيحتاج سقوطها إلى دليل، لأن موضوعها لا يزال ثابتا.

ج‍- الأرض العامرة طبيعيا حال الفتح:

يرى كثير من الفقهاء: أن الأراضي العامرة طبيعياً- بما فيها الأراضي العامرة طبيعياً حال الفتح- كالغابات و أمثالها، تشترك مع الأراضي الموات، التي مر الحديث عنها قبل لحظة، في الشكل التشريعي للملكية؛ فهم يرون: أنها ملك للإمام (3)،

____________

(1) المراد برواية الكابلي ما سيأتي، ص 453.

(2) لاحظ (المبسوط) ج 2، ص 29، و (جواهر الكلام) ج 38، ص 10.

(3) لاحظ (جواهر الكلام) ج 38، ص 19.

447

و يستندون في ذلك إلى النص التشريعي المأثور عن الأئمة- (عليهم السلام)- الذي يقرر أن: «كل أرض لا رب لها هي للإمام» (1). فإن هذا النص يعطي للإمام ملكية كل أرض ليس لها صاحب، و الغابات و أمثالها من هذا القبيل، لأن الأرض لا يكون لها صاحب إلا بسبب الإحياء، و الغابات حية طبيعياً دون تدّخل إنسان معين في ذلك، فهي لا صاحب لها في الشريعة، بل تندرج في نطاق الأراضي التي لا رب لها، و تخضع بالتالي لمبدإ ملكية الدولة.

و قد يلاحظ على هذا الرأي: أن تطبيق مبدأ ملكية الدولة (الإمام) على الغابات و نظائرها من الأراضي العامرة بطبيعتها، إنما يصح في الغابات التي دخلت دار الإسلام بدون حرب، لأنها لا رب لها. و أما الغابات و الأراضي العامرة بطبيعتها، التي تفتح عنوة و تنتزع من أيدي الكفار، فهي ملك عام للمسلمين (2)، لأنها تندرج في النصوص التشريعية التي أعطت المسلمين ملكية الأرض المفتوحة عنوة (3). و إذا دخلت الغابات في نطاق الملكية العامة بموجب هذه النصوص، أصبحت أرضاً لها صاحب، و صاحبها هو مجموع الأمة، و لا يوجد مبرر بعد ذلك لإدراجها ضمن الأراضي التي لا رب لها، لكي يستوعبها النص القائل: «كل أرض لا رب لها للإمام». و بتعبير آخر: إن نصوص الأراضي الخراجية بإطلاقها، حاكمة على نصوص الأرض التي لا رب لها. و هذه الحكومة تتوقف على أن يكون موضوع نصوص الأرض الخراجية: ما أخذ بالسيف مما كان تحت استيلاء الكفار، لا خصوص ما أخذ مما كان ملكاً للكفار، إذ على التقدير الثاني لا يكون موضوعها شاملا للغابات، بخلافه على الأول، كما هو واضح. كما تتوقف الحكومة أيضاً على أن يكون عدم المالك المأخوذ في نص مالكية الإمام، ملحوظاً حدوثاً و بقاء. و الظاهر من النصوص‌

____________

(1) لاحظ (الوسائل) ج 6، ص 371، الحديث 12647.

(2) لاحظ (جواهر الكلام) ج 38، ص 19.

(3) و انطلاقاً مع هذا يجب أن يطبق على المفتوح عنوة من الغابات و الأراضي العامرة بطبيعتها، نفس الأحكام التي تطبق على أراضي الفتح التي كانت عامرة بالإحياء و الجهد البشري.

448

التي تجعل الأرض التي لا رب لها ملكاً للإمام، أنها تتناول كل أرض ليس لها مالك بطبيعتها، فيكفي عدم المالك حدوثاً لكي تكون ملكاً للإمام.

فالصحيح: أن الأرض العامرة بطبيعتها ملك للدولة، دون فرق بين ما كان منها مفتوحاً عنوة و ما لم يكن كذلك. و على هذا الأساس، لا يتكون للفرد حق خاص في رقبة الأرض المفتوحة عنوة من الغابات و ما إليها، كما لا يتكون الحق الخاص في رقبة الأرض الخراجية العامرة بالإحياء قبل الفتح (1).

و قد يقال: إن الأرض العامرة بطبيعتها تمتلك علي أساس الحيازة، بمعنى: أن الحيازة تقوم في الأراضي العامرة طبيعيا، بنفس الدور الذي يقوم به الإحياء في الأراضي الميتة بطبيعتها، و يستند هذا القول في إثبات الملكية بسبب الحيازة، إلى الأخبار الدالة على: أن من حاز ملك (2).

و يلاحظ على هذا القول:

أولا: أن بعض هذه الأخبار ضعيف السند، و لهذا لا حجية له. و منها ما لا يدل على هذا القول، لأنه مسوق لبيان أمارية اليد، و جعل الحيازة أمارة ظاهرية على الملكية لا سبباً لها. و منها ما كان وارداً في موارد خاصة، كقوله: «لليد ما أخذت و للعين ما رأت» (3) الوارد في الصيد.

و ثانيا: أن أخبار الحيازة- لو سلمت- مختصة بالمباحات الأولية، مما لا يكون مملوكاً شرعاً لجهة أو فرد، فلا تشمل المقام، إذ المفروض: أن الغابة ملك الأمة أو الإمام.

و انطلاقا من هذا يجب أن يطبق على المفتوح عنوة من الغابات و الأراضي العامرة بطبيعتها، نفس الأحكام التي تطبق على أراضي الفتح التي كانت عامرة بالإحياء و الجهد البشري‌

2- الأرض المسلمة بالدعوة:

الأراضي المسلمة بالدعوة هي: كل أرض دخل أهلها في الإسلام، و استجابوا للدعوة دون أن يخوضوا معركة مسلحة ضدها (4)، كأرض المدينة المنورة،

____________

(1) لاحظ (الروضة في شرح اللمعة) ج 7، ص 136، و (جواهر الكلام) ج 38، ص 17.

(2) لاحظ (إيصال الطالب) ج 7، ص 332.

(3) (الوسائل) ج 16، ص 297، الحديث 29826.

(4) لاحظ (جواهر الكلام) ج 21، ص 175.

449

و أندونيسيا، و عدة نقاط متفرقة في العالم الإسلامي.

و تنقسم الأراضي المسلمة بالدعوة- كما تنقسم الأراضي المسلمة بالفتح- إلى:

أرض عامرة قد أحياها أهلها و أسلموا عليها طوعا، و أرض عامرة طبيعياً كالغابات، و أرض دخلت في الإسلام طوعاً و هي ميتة.

أما الموات من الأرض المسلمة بالدعوة، فهي كالموات من أراضي الفتح، يطبق عليها مبدأ ملكية الدولة، و جميع الأحكام التي مرت بنا في موات الفتح، لأن الأرض الميتة بشكل عام تعتبر من الأنفال، و الأنفال ملك الدولة.

و كذلك الأرض العامرة طبيعياً المنضمة إلى حوزة الإسلام بالاستجابة السلمية، فهي ملك للدولة أيضا، تطبيقاً للمبدأ الفقهي القائل: «كل أرض لا رب لها هي من الأنفال».

و لكن الفرق بين هذين القسمين، الميتة و العامرة طبيعياً- بالرغم من كونهما معا ملكاً للدولة- هو: أن الفرد يمكنه أن يكتسب حقا خاصّاً في الأرض الميتة عن طريق إحيائها، و تثبت له من الأحكام ما مر من تفصيلات تشريعية عن عملية الإحياء، التي يمارسها الفرد في الميت من أراضي الفتح، و أما الأراضي العامرة بطبيعتها، التي دخلت في دار الإسلام طوعا، فلا سبيل إلى اكتساب الفرد حقا فيها بسبب الإحياء، لأنها عامرة و حيّة بطبيعتها، و إنما يباح للأفراد الانتفاع بتلك الأرض، و إذا مارس الفرد انتفاعه، فلا تنتزع الأرض منه لحساب فرد آخر، ما دام يمارس الأول انتفاعه، إذ لا ترجيح لفرد على فرد، و يسمح للآخر بالانتفاع في حدود لا تزاحم انتفاع الأول، أو فيما إذا كف الأول عن انتفاعه بالأرض و استثماره لها (1).

و أما الأرض العامرة التي أسلم عليها أهلها طوعاً فهي لهم (2)، لأن الإسلام يمنح المسلم على أرضه و ماله طوعا، جميع الحقوق التي كان يتمتع بها في الأرض و المال قبل إسلامه. فيتمتع أصحاب الأرض المسلمون طوعاً بالحق في الاحتفاظ بأرضهم، و تملكها ملكية خاصة، و لإخراج عليهم، كما كانوا قبل الدخول في الإسلام تماماً (3).

____________

(1) لاحظ (الروضة في شرح اللمعة) ج 7، ص 136.

(2) لاحظ (جواهر الكلام) ج 1، ص 175.

(3) راجع الملحق رقم 6.

450

3- أرض الصلح:

و هي: الأرض التي هجم عليها المسلمون لفتحتها، فلم يسلم أهلُها، و لا قاوموا الدعوة بشكل مسلح، و إنما ظلوا على دينهم، و رضوا أن يعيشوا في كنف الدولة الإسلامية مسالمين (1). فالأرض تصبح أرض صلح في العرف الفقهي، و يجب تطبيق ما تم عليه الصلح بشأنها؛ فإذا كان عقد الصلح ينص على: أن الأرض لأهلها، فهي على هذا الأساس، تعتبر ملكاً لهم، و ليس لمجموع الأمة حق فيها، و إذا تم الصلح على تملك الأمة للأرض ملكية عامة، وجب التقيد بذلك، و خضعت الأرض لمبدإ الملكية العامة، و فرض عليها الخراج.

و لا يجوز الخروج عن مقررات عقد الصلح. فقد جاء في كتاب (الأموال) عن رسول اللّه (ص): «أنكم لعلكم تقاتلون قوماً فيتقونكم بأموالهم، دون أنفسهم و أبنائهم، و يصالحونكم على صلح، فلا تأخذوا منهم فوق ذلك، فإنه لا يحل لكم» (2). و ورد في (سنن أبي داود) عن النبي (ص): «ألا من ظلم معاهداً أو نقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفسه، فأنا حجيجه يوم القيامة» (3).

و أما موات أرض الصلح، فالقاعدة فيها هي ملكية الدولة، كموات الأراضي المفتوحة، و موات الأراضي المسلمة بالدعوة. و كذلك أيضاً الغابات من أراضي الصلح و ما إليها من الأراضي العامرة طبيعيا، ما لم يكن قد أدرجها النبي- (صلى اللّه عليه و آله)- في عقد الصلح، فتطبق عليها حينئذ مقتضيات العقد (4).

____________

(1) لاحظ (الروضة في شرح اللمعة) ج 7، ص 149.

(2) (الأموال) ص 157، الحديث 388.

(3) (مختصر سنن أبي داود) ج 4، ص 255، الحديث 2929 و 2930.

(4) لاحظ (جواهر الكلام) ج 21، ص 171.

451

4- أراضي أخرى للدولة:

و توجد أنواع أخرى من الأرض تخضع لمبدإ ملكية الدولة، كالأراضي التي سلمها أهلها للدولة الإسلامية، دون هجوم من المسلمين، تسليماً ابتدائيا. فإن هذه الأراضي من الأنفال التي تختص بها الدولة، أو النبي (ص) و الإمام بتعبير آخر (1)، كما قرّره (القرآن الكريم) في قوله تعالى وَ مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ، فَمٰا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لٰا رِكٰابٍ، وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلىٰ مَنْ يَشٰاءُ، وَ اللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ (2). و قد نص الماوردي على: أن هذه الأراضي التي يتم انجلاء الكفار عنها خوفا، تصير بالاستيلاء عليها وقفاً (3). و هذا يعني: دخولها في نطاق الملكية العامة.

و من أراضي الدولة أيضا: الأرض التي باد أهلها و انقرضوا (4)، كما جاء في حديث حماد بن عيسى عن الإمام موسى بن جعفر (ع): «إن للإمام الأنفال، و الأنفال: كل أرض باد أهلها،.» (5).

و كذلك أيضا: الأراضي المستجدة في دار الإسلام، كما إذا ظهرت جزيرة في البحر أو النهر- مثلًا- فإنها تندرج في نطاق ملكية الدولة، تطبيقاً للقاعدة الفقهية القائلة: أن كل أرض لا رب لها هي للإمام (6). و ذكر الخرشي في شرحه على (المختصر الحليل): أن الأرض إذا كانت غير مملوكة لأحد، كالفيافي أو ما انجلى عنها أهلها، فحكمها أنها للإمام اتفاقا. قال البعض- يريد أهل المذهب-: ما انجلى منها أهلها الكفار، و أما المسلمون فلا يسقط ملكهم عن أراضيهم بانجلائهم (7).

____________

(1) لاحظ (جواهر الكلام) ج 16، ص 116.

(2) الحشر/ 6.

(3) لاحظ (الأحكام السلطانية) ج 2، ص 137.

(4) لاحظ (جواهر الكلام) ج 16، ص 116.

(5) (الوسائل) ج 6، ص 365، الحديث 12631.

(6) لاحظ (جواهر الكلام) ج 16، ص 116.

(7) لاحظ (مواهب الجليل) ج 2، ص 334.

452

الحد من السلطة الخاصة على الأرض:

يمكننا أن نستخلص من التفصيلات السابقة: أن اختصاص الفرد بالأرض و الحق الشخصي فيها، ينشأ من أحد أسباب ثلاثة:

1- إحياء الفرد لشي‌ء من أراضي الدولة.

2- إسلام أهل البلاد، و استجابتهم للدعوة طوعا.

3- دخول الأرض في دار الإسلام، بعقد صلح ينص على منح الأرض للمصالحين.

و يختلف السبب الأول عن الأخيرين، في نوع العلاقة الخاصة التي تنجم عنه؛ فالسبب الأول- و هو إحياء الفرد لشي‌ء من أراضي الدولة- لا يدرج الأرض في نطاق الملكية الخاصة، و لا ينزع عنها طابع ملكية الدولة، و لا يمنع الإمام من فرض الخراج و الأجرة على الأرض. و إنما ينتج عن الإحياء حق للفرد الذي يسمح له بالانتفاع من الأرض، و منع الآخرين من مزاحمته، كما مر بنا سابقا. و أما السببان الأخيران، فإنهما يمنحان الفرد المسلم أو المصالح ملكية الأرض، فتصبح بذلك مندرجة في نطاق الملكية الخاصة.

و الاختصاص الشخصي للفرد بالأرض- سواء كان على مستوى حق أو على مستوى ملكية-، ليس اختصاصاً مطلقاً من الناحية الزمنية، بل هو اختصاص و تفويض محدود بقيام الفرد بمسؤوليته تجاه الأرض، فإذا أخلّ بمسؤوليته، بالصورة التي سوف توضحها الروايات الآتية، سقط حقه في الأرض، و لم يجز له احتكارها و تحجيرها، و منع الآخرين من أعمارها و استثمارها. و بذلك اتخذ المفهوم القائل: بأن الملكية وظيفة اجتماعية يمارسها الفرد، أقوى تعبير في مجال الأرض و حقوق الأفراد فيها.

و الدليل على ذلك من الشريعة عدة نصوص تشريعية: فقد جاء في حديث أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن الإمام علي بن موسى الرضا (ع)، قال: «من أسلم طوعاً تركت أرضه في يده و أخذ منه العشر، مما سقت السماء و الأنهار، و نصف العشر مما كان بالرشاء، فيما عمروه منها، و ما لم يعمر منها أخذه الإمام فقبّله من‌

453

يعمره، و كان للمسلمين، و على المتقبلين في حصصهم العشر أو نصف العشر» (1).

و ورد في صحيح معاوية بن وهب: أن الإمام جعفر (ع) قال: «أيما رجل أتى خربة بائرة فاستخرجها، و كرى أنهارها و عمرها، فإن عليه فيها الصدقة (الزكاة).

فإن كانت لرجل قبله، فغاب عنها و تركها فأخربها، ثم جاء بعدُ يطلبها، فإن الأرض للّه و لمن عمرها» (2).

و في صحيح الكابلي، جاء النص عن أمير المؤمنين علي (ع): «بأن من أحيى أرضاً ميتة من المسلمين فليعمرها، و ليؤد خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، و له ما أكل منها. فإن تركها أو أخربها، فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها و أحياها، فهو أحق بها من الذي تركها، فليؤد خراجها إلى الإمام» (3) [1].

ففي ضوء هذه النصوص نعرف: أن حق الفرد في الأرض الذي يخوله منع غيره من استثمارها، يزول بخراب الأرض و إهماله لها، و امتناعه عن عمارتها، فلا يجوز له بعد إهمال الأرض على هذا الشكل، أن يمنع غيره من السيطرة عليها و استثمارها ما دام مهملًا لها.

____________

[1] و لا يمكن أن يعارض صحيحا: الكابلي و معاوية بن وهب، برواية الحلبي عن الإمام الصادق (ع): أنه سأله عن الرجل يأتي الأرض الخربة، فيستخرجها و يجري أنهارها و يعمرها و يزرعها، ما عليه؟ قال: «الصدقة»، قلت: فإن كان يعرف صاحبها؟، قال: «فليؤد إليه حقه». (4)

و ذلك، لأن الجواب في رواية الحلبي، لم يفرض فيه إلا مجرد كون الأرض خربة قد زال عمرانها، هذا العنوان أعم من كون الخراب مستنداً إلى إهمال صاحب الأرض و امتناعه عن القيام بحقها. و حيث إن صحيحة معاوية بن وهب أخذ في موضوعها، أن صاحب الأرض السابق ترك الأرض و أخربها، فهي أخص مطلقاً من رواية الحلبي. و مقتضى التخصيص: أن علاقة صاحب الأرض بأرضه تزول بخراب الأرض و امتناعه عن إحيائها. (من المؤلف)

____________

(1) (الوسائل) ج 11، ص 120، الحديث 20205.

(2) (الوسائل) ج 17، ص 328، الحديث 32229.

(3) المصدر السابق، الحديث 32230، مع اختلاف.

(4) (الوسائل) ج 17، ص 329، الحديث 32231.

454

و لا فرق في ذلك، بين الفرد الذي مارس إحياء الأرض، و غيره ممن حصل على الأرض بأسباب أخرى، فإنه لا يسمح له باحتكار الأرض بعد خرابها و إهمالها، مهما كان السبب في حصوله عليها.

فإذا كانت الأرض من أراضي الدولة (الإمام)، و أهملها الشخص الذي عمرها حتى أخربها، عادت بعد خرابها حرة طليقة، تطبق عليها نفس الأحكام التي تطبق على سائر الأراضي الميتة، التي تملكها الدولة، فيفسح المجال لإحيائها من جديد، و يترتب على إحيائها نفس الأحكام التي تترتب على إحيائها الأول.

و للشهيد الثاني- (رحمه اللّه)- نص يوضح هذا المعنى في (المسالك)، إذ كتب يقول: «إن هذه الأرض- أي: الأرض التي أحياها الفرد ثم خربت- أصلها مباح، فإذا تركها عادت إلى ما كانت عليه، و صارت مباحة، و إن العلة في تملك هذه الأرض، الإحياء و العمارة، فإذا زالت العلة زال المعلول» (1).

و يريد بذلك: أن الحق الذي يحصل عليه الفرد في الأرض، إنما هو نتيجة للإحياء و معلول له، فيبقى حقه ما دامت العلة باقية و الأرض عامرة، فإذا زالت معالم الحياة عن الأرض، سقط حقه لزوال العلة (2).

____________

(1) (المسالك) ج 2، ص 288.

(2) و يلاحظ لدى مقارنة هذا النص الفقهي بالنصوص التشريعية، التي مرت بنا في رواية معاوية بن وهب و رواية الكابلي: أن النص للشهيد واضح كل الوضوح في انقطاع صلة الفرد بالأرض نهائيا، إذا خربت و زال عمرانها، لأن العلة إذا زالت زال المعلول. و أما النصوص التشريعية السابقة، فهي تسمح عند خراب الأرض و إهمال صاحبها لها، بإحيائها من أي فرد آخر، و تمنحه الأرض بدلا عن صاحبها السابق، و لكنها لا تدل على انقطاع صلة صاحب الأرض بأرضه انقطاعاً نهائيا، بسبب خرابها، فمن الممكن في حدود المعطى التشريعي لهذه النصوص، أن يفترض لصاحب الأرض حق فيها، و علاقة بها حتى بعد خرابها، بدرجة يجعل له حق السبق إلى تجديد إحيائها، إذا نافسه غيره على ذلك، و يستمر هذا الحق ما لم يسبقه شخص آخر إلى إحياء الأرض، فإن أحياها فرد آخر فعلا، حال إهمال صاحبها الأول، انقطعت صلة الأرض بصاحبها القديم.

فعلى أساس النص الفقهي للشهيد، يزول حق الفرد في الأرض لدى خرابها بصورة كاملة.

و على أساس النصوص الأخرى، يمكن أن نفترض بقاء علاقة الفرد الأول بأرضه، و حقه فيها بعد الخراب بدرجة ما، و زوال حق الاحتكار فقط، أي: حق منع الآخرين عن استثمار الأرض و الانتفاع بها.

و ينعكس الفرق عملياً بين هاتين الفرضيتين،، فيما إذا أهمل الفرد أرضه و خربت، ثم مات قبل إحياء فرد آخر لها، فإن الانطلاق مع رأي الشهيد، يؤدي إلى القول بعدم انتقال الأرض إلى الورثة، لأن صاحبها انقطعت صلته بها نهائياً بعد خرابها، فلا معنى لاندراجها في تركته التي تورث. و أما على الأساس الثاني، فالأرض تورث بمعنى: أن الورثة يتمتعون بنفس الدرجة من الحق، التي بقيت للميت بعد خراب الأرض.

و سوف تتجه بحوث الكتاب المقبلة إلى تبني رأي الشهيد الثاني. (من المؤلف)

455

و قد ذكر المحقق الثاني في (جامع المقاصد): أن زوال اختصاص المحيي بالأرض بعد خرابها، و جواز أخذ الغير لها، و اختصاصه بها، هو المشهور بين الأصحاب و الرأي الفقهي السائد في كلماتهم (1) (2)، و قال الإمام مالك: «و لو أن رجلا أحيا أرضا مواتا، ثم أهملها بعد، حتى تهدمت آبارها، و هلكت أشجارها، و طال زمانها، حتى عفت بحال ما وصفت لك، و صارت إلى حالها الأول، ثم أحياها آخر بعده، كانت لمن أحياها بمنزلة الذي أحياها أول مرة» (3).

و قال بعض فقهاء الأحناف بهذا أيضا، معللين ذلك: بأن الأول ملك استغلال الأرض لا رقبتها، فإذا تركها كان الثاني أحق بها (4).

و إذا كانت الأرض التي أهملها صاحبها، مندرجة في نطاق الملكية الخاصة، كالأراضي التي أسلم عليها أهلها طوعا، فإن ملكية صاحبها لها، لا تحول دون سقوط حقه فيها، بإهمالها و الامتناع عن القيام بحقها، كما عرفنا، و تعود‌

____________

(1) راجع (جامع المقاصد) ج 7، ص 17.

(2) و لا فرق في سقوط الاختصاص بسبب الخراب و الإهمال، بين أن يكون المهمل نفس المحيي للأرض أو شخصا آخر، انتقلت إليه الأرض من المحيي، لإطلاق الدليل بالنحو الذي تقدم و قد مال إلى ذلك المحققان الفقيهان صاحب (الكفاية) و صاحب (المفاتيح). (من المؤلف)

(3) (المدونة الكبرى) ج 6، ص 195.

(4) راجع (فتح القدير) ج 9، ص 4.

456

- في رأي ابن البراج و ابن حمزة و غيرهما- ملكاً للمسلمين و تدخل في نطاق الملكية العامة (1).

و هكذا نعرف: أن الاختصاص بالأرض- حقا أو ملكاً- محدود بإنجاز الفرد لوظيفته الاجتماعية في الأرض. فإذا أهملها و امتنع عن أعمارها حتى خربت، انقطعت صلته بها، و تحررت الأرض من قيوده، و عادت ملكاً طليقاً للدولة، إن كانت مواتاً بطبيعتها، و أصبحت ملكاً عاماً للمسلمين، إن كان الفرد الذي أهملها و سقط حقه فيها، قد ملكها بسبب شرعي، كما في الأراضي التي أسلم عليها أهلها طوعاً (2).

____________

(1) راجع (المهذّب) لابن البراج، ج 1، ص 182 و (الوسيلة) لابن حمزة، ص 681، و (مسالك الإفهام) ج 2، ص 288.

(2) لاحظ (التحرير) ج 2، ص 130، و (مسالك الإفهام) ج 2، ص 288.

457

نظرة الإسلام العامّة إلى الأرض:

في ضوء الأحكام المتنوعة التي شرعها الإسلام للأرض، و وقفنا على تفصيلاتها، يمكننا أن نستخلص النظرة العامة للإسلام إلى الأرض، و مصيرها في ظل الإسلام، الذي يمارس النبي (ص) تطبيقه أو خليفته الشرعي، و سوف نحدد الآن النظرة العامة للإسلام إلى الأرض. فإذا استعرضنا بعد ذلك أحكام الإسلام، التي تتصل بسائر ثروات الطبيعة. و مصادر الإنتاج الأساسية، عدنا إلى هذه النظرة الإسلامية العامة عن الأرض، لنضعها في موضعها من نظرة أشمل و أوسع، تشكل الأساس و القاعدة المذهبية لتوزيع ما قبل الإنتاج.

و لكي نستطيع تجلية الموقف، و فحص المضمون الاقتصادي للنظرة الإسلامية في الأرض، و عزله عن سائر العوامل و الاعتبارات الأخرى، ذات الصفة السياسية التي سنأتي على ذكرها بعد ذلك، لكي يتأتى لنا ذلك كله، يحسن بنا أن ننطلق في تحديد نظرة الإسلام العامة من فرضية تساعدنا على إبراز المضمون الاقتصادي للنظرية، مستقلا عن الاعتبارات السياسية.

فلنفترض: أن جماعة من المسلمين قررت أن تستوطن منطقة من الأرض، كانت لا تزال غير مستثمرة، فأنشأت في تلك المنطقة مجتمعا إسلاميا، و أقامت علاقاتها على أساس الإسلام، و لنتصور: أن الحاكم الشرعي (النبي (ص) أو الخليفة) يقوم بتنظيم تلك العلاقات، و تجسيد الإسلام في ذلك المجتمع بكل خصائصه و مقوماته الفكرية و الحضارية و التشريعية فما ذا سوف يكون موقف الحاكم و المجتمع من الأرض؟ و كيف تنظم ملكيتها؟

458

و الجواب على هذا السؤال جاهز، في ضوء التفصيلات التي قدمناها. فإن الأرض التي قدّر لها في فرضيتنا أن تصبح وطناً للمجتمع الإسلامي، و تنمو على تربتها حضارة السماء، قد افترضناها أرضاً طبيعية غير مستثمرة لم يتدخل العنصر الإنساني فيها بعد، و معنى هذا: أن هذه الأرض تواجه الإنسان و تدخل في حياته، لأول مرة في الفترة المنظورة من التأريخ.

و من الطبيعي أن تنقسم هذه الأرض في الغالب إلى قسمين: ففيها الأراضي التي و فرت لها الطبيعة شروط الحياة و الإنتاج، من ماء و دف‌ء و مرونة في التربة، و ما إلى ذلك، فهي عامرة طبيعيا. و فيها الأراضي التي لم تظفر بهذه المميزات من الطبيعة، بل هي بحاجة إلى جهد أنساني يوفر لها تلك الشروط، و هي الأرض الميتة في العرف الفقهي. فالأرض التي افترضنا أنها سوف تشهد ولادة المجتمع الإسلامي، هي إذن:

أما أرض عامرة طبيعيا، و إما أرض ميتة. و لا يوجد قسم ثالث.

و العامر طبيعياً من تلك الأرض ملك للدولة، أو بتعبير آخر: ملك المنصب الذي يماسره النبي (ص) و خلفاؤه الشرعيون- كما مر بنا- وفقاً للنصوص التشريعية و الفقهية، حتى جاء في (تذكرة) العلامة الحلي: أن إجماع العلماء قائم على ذلك (1).

و كذلك أيضاً الأرض الميتة، كما عرفنا سابقا، و هو واضح أيضاً في النصوص التشريعية و الفقهية، حتى ذكر الشيخ الإمام المجدد الأنصاري في (المكاسب): أن النصوص بذلك مستفيضة، بل قيل: إنها متواترة (2).

فالأرض كلها إذن، يطبق عليها الإسلام- حين ينظر إليها في وضعها الطبيعي- مبدأ ملكية الإمام، و بالتالي ملكية ذات طابع عام (3).

و علي هذا الضوء نستطيع أن نفهم النصوص التشريعية، المنقولة عن أئمة أهل البيت بأسانيد صحيحة، التي تؤكد: أن الأرض كلها ملك الإمام؛ فإنها حين تقرر‌

____________

(1) (التذكرة) ج 2، ص 402، كتاب إحياء الموات، بحث تقسيم الأراضي، القسم الرابع.

(2) (إيصال الطالب) ج 7، ص 325.

(3) لاحظ (جواهر الكلام) ج 16، ص 4 و 5.

459

ملكية الإمام للأرض، تنظر إلى الأرض بوضعها الطبيعي، كما تقدم (1).

و لننظر الآن إلى ما يأذن به الإسلام لأفراد المجتمع- الذي افترضناه- من ألوان الاختصاص بالأرض. و في هذا المجال يجب أن نستعبد الحيازة و الاستيلاء المجرد، بوصفه مبرراً أصيلًا لاختصاص الفرد بالأرض التي يحوزها و يستولي عليها، لأنا لا نملك نصاً صحيحاً يؤكد ذلك في الشريعة، كما ألمعنا سابقا، و إنما الشي‌ء الوحيد الذي عرفنا أنه يبرر الاختصاص شرعا، هو: الإحياء (2)، أي: إنفاق الفرد جهداً خاصّاً على أرض ميتة، من أجل بعث الحياة فيها.

فإن ممارسة هذا العمل، أو العمليات التمهيدية له، تعتبر في الشريعة سبباً للاختصاص، و لكنه بالرغم من ذلك لا يكون سبباً لتملّك الفرد رقبة الأرض، ملكية خاصة تخرج بها عن مبدأها الأول، و إنما ينتج حقا للفرد، يصبح بموجبه أولى بالانتفاع بالأرض التي أحياها من غيره، بسبب الجهود التي بذلها في الأرض، و يظل للإمام ملكية الرقبة، و حق فرض الضريبة على المحيي، وفقاً للنص الفقهي الذي كتبه الشيخ الفقيه الكبير، محمد بن الحسن الطوسي، حين قال في فصل الجهاد من كتاب (المبسوط): «فأما الموات فإنها لا تغنم، و هي للإمام. فإن أحياها أحد كان أولى بالتصرف فيها، و يكون للإمام طسقها» (3) و قد مر بنا النص سابقا.

____________

(1) و بهذا نعرف: أن في الإمكان تفسير ملكية الإمام للأرض كلها- في هذه النصوص- على أساس كونها حكماً شرعياً و ملكية اعتبارية، ما دامت منصبة على الوضع الطبيعي للأرض من حيث هي، و لا تتعارض مع تملك غير الإمام لشي‌ء من الأرض، بأسباب شرعية طارئة على الوضع الطبيعي للأرض، من إحياء أو غيره، فلا ضرورة لتأويل الملكية في تلك النصوص و اعتبارها أمراً معنوياً لا حكماً شرعياً، مع أن هذا التأويل يعارض سياق تلك النصوص بوضوح. فلاحظ رواية الكابلي، كيف قررت: أن الأرض كلها ملك الإمام، و انتهت من ذلك إلى القول: بأن للإمام حق الطسق، على أن يحيي شيئاً من الأرض، فإن فرض الطسق أو الأجرة للإمام، تفريعاً على ملكيته، يدل بوضوح على: أن الملكية هنا بمعناها التشريعي، الذي تترتب عليه هذه الآثار، لا بمعنى آخر روحي بحت. (من المؤلف)

(2) لاحظ (جواهر الكلام) ج 38، ص 63.

(3) (المبسوط) ج 2، ص 29.

460

و يستمر الحق الذي يمنح للفرد بالإحياء، ما دام عمله مجسداً في الأرض، فإذا استهلك عمله، و احتاجت الأرض إلى جهد جديد للحفاظ على عمرانها، فلا يمكن للفرد أن يحتفظ بحقه، إلا بمواصلة أعمارها و تقديم الجهود اللازمة لذلك، أما إذا أهملها و امتنع عن عمرانها، حتى خربت، سقط حقه فيها.

نستطيع الآن أن نستوعب الصورة كاملة، و أن نحدد النظرة العامة؛ فالأرض بطبيعتها ملك الإمام، و لا يملك الفرد رقبتها، و لا يصلح أي اختصاص فردي بها، إلا على أساس ما ينفقه الشخص على الأرض من عمل لأجل أعدادها و استثمارها.

و هذا الاختصاص أو الحق الذي يكسبه الفرد نتيجة لعمله فيها، لا يمنع الإمام عن فرض الطسق أو الضريبة على الأرض المحياة، لتساهم الإنسانية الصالحة كلها في الاستفادة منها، و لا يتعارض هذا مع العفو عن الطسق أو الضريبة أحيانا، لظروف استثنائية، كما جاء في أخبار التحليل.

هذه هي نظرة الإسلام نحو الأرض، كما تبدو لنا- حتى الآن- قبل إبراز العنصر السياسي منها. و في الواقع أنها جديرة بحل التناقض القائم بين أنصار ملكية الأرض و خصومها؛ فإن ملكية الأرض من القضايا الاجتماعية، التي لعبت دوراً مهماً في التفكير البشري، تبعاً لأهميتها بوصفها ظاهرة عاشت في حياة الإنسان منذ آلاف السنين.

و أكبر الظن أن هذه الظاهرة ولدت في تأريخ الإنسان أو اتسعت، بعد اكتشافه للزراعة و اعتماده في حياته عليها، إذ وجد الإنسان المزارع نفسه بحاجة إلى الاستقرار في أرض خاصة مدة من الزمان، لما يتطلبه هذا الإنتاج من وقت. فكان من الطبيعي أن يرتبط إلى حد ما بمساحة معينة من الأرض، و يمارس فيها عمله، و يقيم له فيها مأوى و مسكناً يسكنه قريباً من زرعه، ليكون قادراً على مراقبته و المحافظة عليه.

و في النهاية، وجد الإنسان المزارع- أيّ مزارع- نفسه مشدوداً إلى مساحة من الأرض، و مرتبطاً بها عدة روابط تنبع كلها أخيراً من عمله الذي أنفقه على الأرض، و جهده الذي اختلط بتربتها و كل ذرة من ذراتها. فكان من أثر ذلك أن نشأت فكره الاختصاص، لأنها كانت تعكس من ناحية، هذا الارتباط الذي يجده المزارع بينه‌

461

و بين عمله المنفصل، الذي جسده في الأرض، و مزجه بوجودها. و من ناحية أخرى، كانت فكره الاختصاص تحقق الاستقرار، و تسفر عن تقسيم الأرض على أساس الكفاءة، إذ يحتفظ كل فرد بالمساحة التي عمل فيها، و أثبت كفاءته إلى درجة ما في استثمارها.

و على هذا الأساس نرجح: أن تكون الحقوق الخاصة في الأرض نشأت تأريخياً في أكبر الظن نتيجة للعمل، و اتخذت هذه الحقوق على مر الزمن شكل الملكية.

مع خصوم ملكية الأرض:

و الشكوك التي تثار عادة من خصوم ملكية الأرض حولها، تتجه تارة إلى اتهام واقعها التاريخي و جذورها الممتدة في أعماق الزمن، و تذهب تارة أخرى إلى أكثر من ذلك، فتدين نفس فكره الملكية و حق الفرد في الأرض، بمجافاتها لمبادئ العدالة الاجتماعية.

أما اتهام واقع ملكية الأرض، و السند التاريخي لهذه الملكية، فينصب في الغالب على أسباب القوة و السيطرة، التي تقول عنها التهمة: أنها لعبت دورها الرئيسي على مرّ التأريخ، في توزيع الأرض توزيعاً غير عادل، و منح الأفراد حقوقاً خاصة فيها، و إذا كانت القوة و الاغتصاب و عوامل العنف، هي المبررات الواقعية و السند التاريخي لملكية الأرض، و الحقوق الخاصة التي شهدها تأريخ الإنسان، فمن الطبيعي أن تشجب هذه الحقوق، و تعتبر ملكية الأرض في التأريخ لوناً من السرقة.

و نحن لا ننكر عوامل القوة و الاغتصاب، و دورها في التأريخ، و لكن هذه العوامل لا تفسر ظهور ملكية الأرض و حقوقها الخاصة في التأريخ، إذ يجب لكي تستولي على الأرض بالعنف و الاغتصاب، أن يكون هناك من تغتصب منه الأرض و تطرده بالقوة لتضمها إلى أراضيك. و هذا يفترض مسبقاً أن تكون تلك الأرض التي تعرضت للاغتصاب و العنف، قد دخلت في حيازة شخص أو أشخاص قبل ذلك، و أصبح لهم حق فيها.

462

و حين نريد أن نفسر هذا الحق السابق على عمليات الاغتصاب، يجب أن ندع جانباً التفسير بالقوة و العنف، لنفتش عن سببه، في نوع العلاقة التي كانت قائمة بين الأرض و أصحاب الحق فيها. و من ناحية أخرى أن هذا الشخص الغاصب، الذي نفترض: أنه كان يستولي على الأرض بالقوة، لم يكن على الأكثر شخصاً طريداً لا مأوى له و لا أرض، بل هو- في أقرب صورة إلى القبول- شخص استطاع أن يعمل في مساحة من الأرض و يستثمرها، و اتسعت إمكاناته بالتدريج، فأخذ يفكر في الاستيلاء بالعنف على مساحات جديدة من الأرض. فهناك إذن قبل العنف و القوة، العمل المثمر و الحق القائم على أساس العمل و الاستثمار.

و أقرب الأشياء إلى القبول، حين نتصور طائفة بدائية تسكن في أرض و تدخل الحياة الزراعية: أن يشغل كل فرد فيها مساحة من تلك الأرض، تبعاً لإمكاناته، و يعمل لاستثمارها. و من خلال هذا التقسيم الذي يبدأ بوصفه تقسيماً للعمل إذ لا يتاح لجميع المزارعين المساهمة في كل شبر- تنشأ الحقوق الخاصة للأفراد، و يصبح لكل فرد حقه في الأرض، التي أجهدته و امتصت عمله و إتعابه. و تظهر بعد ذلك عوامل العنف و القوة، حين يأخذ الأكثر قدرة و قوة، يغزو أراضي الآخرين و يستولي على مزارعهم.

و لسنا نريد بهذا أن نبرر الحقوق و الملكيات الخاصة للأرض، التي مرت في تأريخ الإنسان، و إنما نستهدف القول: بأن الإحياء (العمل في الأرض) هو- في أكبر الظن-: السبب الأول الوحيد، الذي اعترفت به المجتمعات الفطرية، بوصفه مصدراً لحق الفرد في الأرض، التي أحياها و عمل فيها، و الأسباب الأخرى كلها عوامل ثانوية، ولدتها الظروف و التعقيدات، التي كانت تبتعد بالمجتمعات الأولى عن وضعها الفطري و إلهامها الطبيعي.

و قد فقد السبب الأول اعتباره تأريخياً بالتدريج، خلال نمو هذه العوامل الثانوية، و تزايد سيطرة الهوى على الفطرة، حتى امتلأ تأريخ الملكية الخاصة للأرض بألوان من الظلم و الاحتكار، و ضاقت الأرض على جماهير الناس، بقدر ما اتسعت‌

463

للمحظوظين منهم.

و الإسلام- كما رأينا- قد أعاد إلى هذا السبب الفطري اعتباره، إذ جعل الإحياء المصدر الوحيد لاكتساب الحق من الأرض، و شجب الأسباب الأخرى كلها. و بهذا أحيى الإسلام سنة الفطرة، التي كاد الإنسان المصطنع أن يطمس معالمها.

هذا فيما يتصل باتهام السند التاريخي لملكية الأرض. و لكن الاتهام الأوسع و الأخطر من ذلك، هو اتهام نفس فكره الملكية و الحق الخاص بالأرض بالذات، و بشكل مطلق، كما تؤكد عليه بعض الاتجاهات المذهبية الحديثة، أو نصف الحديثة- إن صح هذا التعبير-، كالاشتراكية الزراعية، و غالباً ما نسمع بهذا الصدد: أن الأرض ثروة طبيعية لم يصنعها إنسان، و إنما هي هبة من هبات اللّه، فلا يجوز لأحد أن يستأثر بها دون الآخرين.

و مهما قيل في هذا الصدد، فإن الصورة الإسلامية- التي قدمناها في مستهل هذا الحديث- سوف تبقى فوق كل تهمة منطقية، لأننا رأينا أن الأرض، منظوراً إليها بوضعها الطبيعي الذي هي عليه حين تسلمت الإنسانية هذه الهبة من اللّه تعالى، ليست ملكاً أو حقا لأي فرد من الأفراد، و إنما هي ملك الإمام، باعتبار المنصب لا الشخص، و لا تزول- بموجب النظرية الاقتصادية للإسلام عن الأرض- ملكية الإمام لها، و لا تصبح الأرض ملكاً للفرد بالعنف و الاستيلاء، بل و حتى بالإحياء، و إنما يعتبر الإحياء مصدراً لحق الفرد في الأرض؛ فإذا بادر شخص بصورة مشروعة إلي أحياء مساحة من الأرض، و أنفق فيها جهوده، كان من الظلم أن يساوي في الحقوق بينه و بين سائر الأفراد، الذين لم يمنحوا تلك الأرض شيئاً من جهودهم، بل وجب اعتباره أولى من غيره بالأرض و الانتفاع بها.

فالإسلام يمنح العامل في الأرض حقا يجعله أولى من غيره، و يسمح من الناحية النظرية للإمام بفرض الضريبة أو الطسق عليه، لتساهم الإنسانية الصالحة كلها في الاستفادة من الأرض، عن طريق الانتفاع بهذا الطسق.

464

و لما كان الحق في نظر الإسلام يقوم على أساس العمل، الذي أنفقه الفرد على الأرض، فهو يزول- بطبيعة الحال- إذا استهلكت الأرض ذلك العمل، و تطلبت المزيد من الجهد، لمواصلة نشاطها و إنتاجها، فامتنع صاحب الأرض من عمرانها و أهملها حتى خربت. و الأرض في هذه الحالة، تنقطع صلتها بالفرد الذي كان يمارسها، لزوال المبرر الشرعي الذي كان يستمد منه حقه الخاص فيها، و هو عمله المتجسد في عمران الأرض و حياتها.

العنصر السياسي في ملكية الأرض:

و الآن و قد استوعبنا النظرية الاقتصادية للإسلام نحو الأرض، يتحتم علينا أن نبرز العنصر السياسي، الذي يكمن في نظرة الإسلام العامة إلى الأرض؛ فإن الإسلام قد اعترف إلى جانب الإحياء، الذي هو عمل اقتصادي بطبيعته، بالعمل السياسي.

و العمل السياسي الذي يتجسد في الأرض و يمنح العامل حقا فيها، هو: العمل الذي يتم بموجبه ضم الأرض إلى حوزة الإسلام، و جعلها مساهمة بالفعل في الحياة الإسلامية، و توفير إمكاناتها المادية.

و في الواقع: أن مساهمة الأرض فعلًا في الحياة الإسلامية و توفير إمكاناتها المادية، تنشأ تارة عن سبب اقتصادي، و هو: عملية الإحياء التي ينفقها الفرد على أرض داخلة في حوزة الإسلام، لتدب فيها الحياة و تساهم في الإنتاج، كما تنشأ تارة أخرى عن سبب سياسي، و هو: العمل الذي يتم بموجبه، ضم أرض حية عامرة إلى حوزة الإسلام. و كل من العملين له اعتباره الخاص في الإسلام.

و هذا العمل الذي ينتج ضم أرض حية عامرة إلى حوزة الإسلام على نوعين:

لأن الأرض تارة تفتح فتحاً جهاديا، على يد جيش الدعوة، و أخرى يسلم عليها أهلها طوعاً.

فإن كان ضم الأرض إلى حوزة الإسلام، و مساهمتها في الحياة الإسلامية نتيجة للفتح، فالعمل السياسي هنا يعتبر عمل الأمة، لا عمل فرد من الأفراد، و لذلك تكون‌

465

الأمة هي صاحبة الأرض، و يطبق على الأرض لأجل ذلك، مبدأ الملكية العامة.

و إن كان ضم الأرض العامرة، و إسهامها في الحياة الإسلامية، عن طريق إسلام أهلها عليها، كان العمل السياسي هنا عمل الأفراد، لا عمل الأمة. و لأجل ذلك اعترف الإسلام هنا بحقهم في الأرض العامرة، التي أسلموا عليها، و سمح لهم بالاحتفاظ بها.

و هكذا نعرف: أن العمل السياسي يقوم بدور، في النظرة الإسلامية العامة إلى الأرض، و لكنه لا ينتزع طابع اللافردية في الملكية، إذا كان عملًا جماعيا، تشترك فيه الأمة بمختلف ألوان الاشتراك، كالفتح، بل تصبح الأرض عندئذ ملكاً عاماً للأمة.

و الملكية العامة للأمة تتفق في الجوهر و المغزى الاجتماعي مع ملكية الدولة، و إن كانت ملكية الدولة أرحب منها و أوسع، لأن ملكية الأمة بالرغم من كونها عامة داخل نطاق الأمة، لكنها خاصة بالأمة على أي حال، و لا يجوز استخدامها إلا في مصالحها العامة. و أما ملكية الدولة، فيمكن للإمام استثمارها في نطاق أوسع (1).

فالعمل السياسي الجماعي بالنسبة إلى الأراضي العامرة التي فتحها المسلمون، أنتج وضعها في نطاق إسلامي، بدلًا عن نطاق أنساني أوسع، و لم يخرجها عن طابع اللافردية في الملكية على أي حال، و إنما تخرج الأرض عن هذا الطابع، و تخضع لمبدإ الملكية الخاصة، حين يكون العمل السياسي عملًا فرديا، كإسلام الأفراد على أراضيهم طوعا.

و في هذا الضوء نعرف: أن المجال الأساسي للملكية الخاصة لرقبة الأرض في التشريع الإسلامي، هو ذلك القسم من الأرض، الذي كان ملكاً لأصحابه، وفقاً لأنظمة عاشوها قبل الإسلام، ثم استجابوا للدعوة و دخلوا في الإسلام طوعاً أو صالحوها. فإن الشريعة تحترم ملكياتهم، و تقرهم على أموالهم (2).

و أما في غير هذا المجال، فالأرض تعتبر ملكاً للإمام، و لا تعترف الشريعة بتملك‌

____________

(1) لاحظ (جواهر الكلام) ج 16، ص 4، و ج 21، ص 166، و ج 22، ص 349.

(2) لاحظ (جواهر الكلام) ج 21، ص 174 و 175.

466

الفرد لرقبتها، و إنما يمكن للفرد الحصول على حق خاص فيها، عن طريق الإعمار و الاستثمار، كما مر في رأي الشيخ الطوسي.

و هذا الحق و إن كان لا يختلف عملياً في واقعنا المعاش عن الملكية، و لكنه يختلف عنها نظريا، لأن الفرد ما دام لا يملك رقبة الأرض، و لا ينتزعها من نطاق ملكية الإمام، فللإمام أن يفرض عليه الخراج- كما قرره الشيخ الطوسي- و إن كنا غير مسؤولين فعلا عن هذا الخراج من الناحية العملية، لأجل أخبار التحليل التي رفعته بصور استثنائية، مع اعترافها به نظريا.

فالشريعة على الصعيد النظري إذن لم تعترف بالملكية الخاصة لرقبة الأرض، إلا في حدود احترامها للملكيات الثابتة في الأرض، قبل دخولها في حوزة الإسلام طوعاً و صلحا.

و يمكننا بسهولة أن نجد المبررات السياسية لهذا الاعتراف، إذا ربطناه باعتبارات الدعوة و مصلحتها الرئيسية، بدلًا عن ربطه بالمضمون الاقتصادي للنظرة الإسلامية، لأن أولئك الذين أسلموا على أراضيهم طوعا، أو دخلوا في حوزة الإسلام صلحا، كان من الضروري أن تترك المساحات التي عمروها في أيديهم، و أن لا يطالبوا بتقديمها إلى دولة الدعوة، التي دخلوا فيها أو انضموا إلى سلطانها، و إلا لشكّل ذلك عقبة كبيرة في وجه الدعوة و امتدادها في مختلف مراحلها.

و بالرغم من إعطاء الإسلام لهؤلاء حق الملكية الخاصة، فإنه لم يمنحها بشكل مطلق، و إنما حددها باستمرار هؤلاء الأفراد في استثمار أراضيهم، و العمل لإسهامها في الحياة الإسلامية. و أما إذا أهملوا الأرض حتى خربت فإن عدداً من الفقهاء كابن البراج و ابن حمزة يرى: أنها تعود عندئذ ملكاً للأمة (1).

نظرة الإسلام في ضوء جديد:

و يمكننا أن نتجاوز ما وصلنا إليه، من استنتاجات حتى الآن عن نظرة الإسلام‌

____________

(1) لاحظ (المهذب) لابن البراج، ج 1، ص 182 و (الوسيلة) لابن حمزة، ص 681.

467

التشريعية إلى الأرض، لنضع هذه النظرة في إطار أكثر اتساقا، على ضوء بعض المواقف الفقهية الخاصة من النصوص. و يتمثل ذلك في المحاولة التالية:

إننا لاحظنا قبل لحظات: أن الأرض حينما ينظر إليها ضمن وضعها الطبيعي، و بصورة مستقلة عن الاعتبارات السياسية، تعتبر إسلامياً ملكاً للدولة، لأنها إما ميتة بطبيعتها أو حية، و كلا القسمين ملك للإمام. كما رأينا: أن الفرد بممارسة الإحياء للأرض الميتة، يكتسب حقا خاصّاً يجعله أولى بها من الآخرين ما دامت حية، و بممارسته للانتفاع بالأرض العامرة، يكتسب حقا يجعله أولى بالانتفاع بها ما دام مواصلًا لذلك.

و الآن نريد أن نجد ما إذا كانت هناك تعديلات يجب إدخالها على هذه الصورة التشريعية، و ما هي حدود هذه التعديلات؟ و ذلك ضمن النقاط التالية:

أولًا: الأرض المفتوحة عنوة العامرة حين الفتح.

و قد تقدم: أن هذه الأرض يحكم بأنها ملك عام للمسلمين. و لهذا قلنا: إنها تدخل في نطاق الملكية العامة للأمة، لا في نطاق ملكية الدولة. و لكن يمكن أن نقول بهذا الصدد: إن هذه الأرض إذا نظرنا إليها قبل الفتح نجد: أنها أرض ميتة قد أحياها كافر، فتكون رقبتها على ضوء ما تقدم ملكاً للإمام أو الدولة، و للكافر المحيي لها أو لمن انتقلت إليه من المحيي، حق الإحياء. و الروايات الواردة عن الأئمة- (عليهم السلام)- بشأن الأرض المفتوحة، و أنها للمسلمين، لا يفهم منها سوى: أن ما كان للكافر من حق في الأرض ينتقل بالفتح إلى الأمة، و يصبح حقا عاما، و لا تدل على: أن حق الإمام يسقط بالفتح، لأن المسلمين إنما يغنمون من أعدائهم لا من إمامهم. و على هذا فسوف تظل رقبة الأرض ملكاً للإمام، و يتحول ما فيها من حق خاص إلى حق عام للأمة.

ثانيا: الأرض التي أسلم أهلها عليها طوعا.

و قد تقدم: أن هذه الأرض ملك خاص لأصحابها، غير أن بالإمكان القول: بأن الروايات الواردة لبيان حكم هذه الأرض، كانت متجهة إلى الأمر بتركها في أيدي‌

468

أصحابها، في مقابل ما يصنع بالأرض المفتوحة من تجريد أصحابها من حقوقهم فيها. فما يترك لمن أسلم طوعا، هو نفس ما ينتزع من حق ممن قهر عنوة، و هذا هو:

الحق الخاص دون ملكية رقبة الأرض. و بكلمة أخرى: أن الأرض قبل إسلام أهلها عليها طوعا، كانت ملكاً للدولة بحكم دليل الأنفال، و كان لصاحبها حق خاص فيها هو: حق الإحياء، و الإسلام يحقن ماله من حقوق، لا أنه يمنحه من الحقوق ما لم يكن له و عليه (1). فيظل محتفظا بحق الإحياء مع بقاء الأرض ملكاً للدولة. و لهذا وجدنا: أنه إذا أخل بواجبة و أهمل الأرض و لم يعمرها، كان علي الإمام أن يبادر إلى الاستيلاء عليها و استثمارها، لأن رقبتها لا تزال ضمن نطاق ملكية الدولة.

ثالثا: الأرض التي صولح أهلها على أن تكون لهم.

و هنا في الحقيقة عقد تنقل الدولة بموجبه ملكية هذه الأرض إلى المصالحين، في مقابل امتيازات معينة تكسبها كالجزية مثلا، و قد سبق: أن الأراضي التي تملكها الدولة تعتبر من الأموال الخاصة للدولة، التي يمكن لها أن تتصرف فيها بمعاوضة و نحوها. و لكن عقد الصلح هذا عقد سياسي بطبيعته، و ليس عقد معاوضة، فهو لا يعني حقا: إسقاط ملكية الدولة أو النبي و الإمام لرقبة الأرض و نقلها إليهم، و إنما يعني: رفع اليد عن أرضهم و تركها لهم في مقابل امتيازات معينة. و وجوب الوفاء بهذا العقد يحتم على الإمام إلا يفرض عليهم أجرة في مقابل انتفاعهم بالأرض، و هذا غير نقل ملكية الرقبة (2). فالمصالحة على أن تكون الأرض لهم تعني المدلول العملي لهذه العبارة، لا المدلول التشريعي، لأن المدلول العملي هو كل ما يهم الكفار المصالحين. فهي نظير عقد الذمة، الذي هو عقد سياسي تتنازل فيه الدولة عن جباية الزكاة و الخمس من الذمي، في مقابل إعطاء الجزية، فإن هذا لا يعني سقوط الزكاة عن الكافر من الوجهة التشريعية، و إنما يعني إلزام الدولة بأن لا تمارس جباية هذه الضريبة، و إن كانت ثابتة تشريعا.

____________

(1) لاحظ (جواهر الكلام) ج 16، ص 4.

(2) لاحظ (جواهر الكلام) ج 21، ص 171.