المعالم المأثورة - ج1

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
396 /
53

أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سئلته عن الرجل يمرّ بالماء و فيه دابّة ميتة قد أنتنت قال إذا كان النتن الغالب على الماء فلا تتوضأ و لا تشرب.

و هي تكون في خصوص الريح الذي تغير بالنتانة لا غير.

و منها (ما في باب 9 من أبواب الماء المطلق حديث 19) صحيحة شهاب ابن عبد ربه قال أتيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) أسأله فابتدأني فقال ان شئت فسل يا شهاب و ان شئت أخبرناك بما جئت له قلت أخبرني قال جئت تسئلنى عن الغدير يكون في جانبه الجيفة أتوضأ منه أو لا؟ قال نعم قال توضأ من الجانب الأخر الا ان يغلب الريح فينتن و جئت تسئل عن الماء الراكد، فما لم يكن فيه تغيير و ريح غالبة قلت فما التغيير قال الصفرة فتوضأ منه و كلما غلب كثرة الماء فهو طاهر.

و ذكر خصوص الصفرة في المقام يكون لخصوصية اللون و التغيير احد مصاديقه اللون و مع هذا فالتغيير باللون يكون سببا للنجاسة.

و منها (ما في الوسائل باب 3 من أبواب الماء المطلق ففي حديث 7) عن العلاء ابن فضيل قال سئلت أبا عبد اللّه عن الحياض يبال فيه قال لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول.

و مفهومه انه إذا غلب لون البول لون الماء ينجس و فيه بأس و هذه أيضا دلالتها واضحة في خصوص اللون.

و في ح 10 عن محمد بن إسماعيل ابن بزيع عن الرضا (عليه السلام) قال ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء الا ان يتغير ريحه أو طعمه. و هذه أيضا تكون واضحة الدلالة في مورد الريح و الطعم دون اللون و في حديث 3 عن ابى بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انه سئل عن الماء النقيع تبول فيه الدواب فقال ان تغير الماء فلا تتوضأ منه و ان لم تغيره أبوالها فتوضأ منه و كذلك الدم إلخ.

و تقريبها ان التغيير ان لم يكن ظاهرا في اللون فلا أقل من شمول إطلاقه له.

و منها ما (في المستدرك باب 3 من أبواب الماء المطلق عن دعائم الإسلام‌

54

حديث 1) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال في الماء الجاري يمر بالجيف و العذرة و الدم يتوضأ منه و يشرب منه ما لم يتغير أوصافه طعمه و لونه و ريحه.

و منها ما (في المستدرك عن فقه الرضا (عليه السلام) باب 3 حديث 7) و فيها الا ان تكون فيه (اى في الغدير) الجيف فتغير لونه أو طعمه أو رائحته ففي اللون يكون لنا خمس روايات ثلاثة منها ضعيفة السند و اثنتان منها صحيحتان معتبرتان.

ثم انه قد يقال بان عدم ذكر اللون في الروايات يكون لأجل ملازمته مع تغيير الوصفين اى الطعم و الريح فلما يكون أسرع وجودا معهما و يلازمها غالبا فلم يذكر في بعضها.

الأمر الثاني ان المشهور هو وجوب كون التغيير بالملاقاة و لتوضيحه نقول ان لنا دليلا بان الانفعال بالملاقاة خصص بالكر و دليل الكر خصص بما دل على التغيير بالأوصاف فقاعدة الطهارة لا تجري في هذه الموارد انما الكلام في مورد الخروج عن القاعدة فيما نحن فيه و انه يكون من باب الشبهة في المصداق فنقول الخروج عن قاعدة الطهارة هل يكون بالملاقاة أو المجاورة فقط تكفى فيه خلاف: و الروايات أكثرها خاصة في كون النجاسة بالملاقاة و لهم روايات استفادوا منها العموم و لكن هذه الاستفادة تكون من باب تناسب الحكم و الموضوع لان مقتضى فهم العرف هو عدم التنجيس الا بالملاقاة و ما دل على اشتراط الملاقاة من الروايات تكون شاهدة لذلك و ما تقدم من النبوي كان أعم من ان يكون بالملاقاة أو ان يكون في مجاورته.

نعم العرف يرى سراية النجاسة بالملاقاة دون المجاورة و اما سائر الروايات فتكون في موارد خاصة و لا يمكن التخصيص بها نعم يمكن فهم الانحصار من رواية فقه الرضا المتقدم على فرض صحة سنده و لكنّها ضعيفة السند.

فمحصل المرام ان الروايات على أقسام ثلاثة الأول الدالة على الموارد الخاصة و الثاني ما يفهم منها العموم و الثالث ما يفهم منها الانحصار و هو ما عن فقه‌

55

الرضا و ما يسهل الخطب وجود تناسب الحكم و الموضوع في المقام و لا نأخذ بما دل على العموم ففتوى المشهور سندها قوىّ و المخالفة ليس لها سند قوى.

الأمر الثالث يشترط ان يكون التغيير بأوصاف النجس دون المتنجس إذا وقع المتنجس في الماء العاصم ثم تغير بلونه لا بلون النجس أو سائر أوصافه فالمشهور بل كاد ان يكون إجماعيا هو الطهارة و ان التغيير لا بد ان يكون بأوصاف النجس ليحصل النجاسة و سند المشهور هو الموارد التي يكون التغير بالمتنجس و قيل فيه بالطهارة مثل الماء الرمّان النجس الملقى في الكر فأخذ منه رائحة الرمان أو لونه و طعمه.

اما إذا تغيّر بلون النجس فقاعدة الطهارة لا تجرى و يكون نجسا مثل ما إذا القى ما فيه رائحة البول لوجوده فيه في الماء فتغير بريح البول و لا دليل على التنجيس بذلك و الروايات بمناسبة الحكم و الموضوع يكون في صورة كون تغيير الماء بصفة النجس و الطبع لا يستقذر ما تغير بصفة المتنجس و قد خالف ذلك بعضهم فقالوا انا لا نفهم الانحصار من الروايات لأنها تكون في موارد خاصة إلا ما عن فقه الرضا و هي ضعيفة كما مر فنتمسك بالعمومات و لا نقبل الانصراف و العمومات الدالة على حصول النجاسة بالتغيير كما مر من النبوي (في باب 1 من الماء المطلق) و غيره فإنها يستفاد منها أصل التغيير سواء كان بوصف النجس أو المتنجس.

و الجواب عنه ان هنا غريزة مخالفة للأخذ بالعمومات لأن الفطرة و صحيحة ابن بزيع المتقدمة تكون شاهدة للطهارة بتناسب الحكم و الموضوع فان المراد بالتغيير هو الذي يكون منه اشمئزاز فهل يمكن القول بنجاسة الماء الذي يكون الملقى فيه الجلاب و صار تغييره بريح الجلاب و صحيحة ابن بزيع يكون فيها التغيير بقوله (عليه السلام) حتى يطيب طعمه و التغيير بالطيب يكون في صورة اشمئزاز الطبع من مخالفه و ما صار ملاكا لهم و إشكالا انهم قالوا إذا قلتم بذلك فيشكل الأمر في الكر إذا كان مدار النجاسة و الطهارة التنفر العرفي و عدمه لان مفهوم قوله (عليه السلام) الماء إذا بلغ قدر كرّ لم ينجسه شي‌ء هو ان الماء إذا لم يبلغ قد كر ينجسه شي‌ء فإذا كان المنطوق بمثابة لا ينجسه‌

56

المتنجس لعدم تنفر العرف فكذلك القليل لا ينجس بملاقاة المتنجس لعدم التنفر في الموارد.

و الجواب ان هذه الغريزة اشتبهت مواردها لان ما يكون من الشرع له دليل لا يحكم بخلافه بواسطة الغريزة فان الدليل قد قامت على ان ما دون الكر ينجس بالملاقاة بالمتنجس أو النجس مع تنفر العرف و عدمه.

فالحاصل يكون منصرف الروايات الى ما يكون التغيير بصفات النجس دون المتنجس ففيما نحن فيه نحكم بعدم النجاسة إذا تغير الماء بأوصاف المتنجس مثل ما إذا غير بلون الرمان المتنجس الملقى فيه.

الأمر الرابع فيما إذا تغير الماء بصفات النجس فيما إذا كان في المتنجس مثل ما إذا كان ماء بجنب الجيفة (1) فتغير ريحه ثم تنجس و القى في كر فغير ريحه بريح الجيفة فهل ينجس أولا وجهان بل قولان و المشهور النجاسة فالملاقاة مع المتنجس و التغيير بصفات النجس موجبة للنجاسة.

أما دليل المشهور فان هنا أمرين الأول ان يكون التغيير بالملاقاة كما مر و استفدنا من الروايات حكمه لا بالمجاورة و الثاني ان أساس التغيير هو الغريزة و هي قاضية بكون التغيير بصفات النجس يكون سببا للنجاسة فهذا الماء المفروض تغير بصفات النجس فهو نجس و فيه ان لنا صحيحة ابن بزيع و النبوي و غيرهما و هي دلت على انه إذا تغير الماء بشي‌ء من الأشياء التي يكون في لياقته التنجيس ينجس أعم من ان يكون بصفته أم لا و ما كان تغير بواسطة المجاورة ثم تنجس بنجس آخر لا يكون هذه الصفة المأخوذة من المجاورة قابلة للتنجيس و يؤيد المشهور ما ذكره العلامة الهمداني و هو ان غالب الموارد يكون النجاسة بواسطة ملاقاة المتنجس مثل ما إذا القى البول في الكر فأوّلا يضاف أطرافه ثم يؤثر في البواقي و يتغير اللون أو‌

____________

(1) الأولى عندي المثال بما إذا تلوث شي‌ء بنجاسة ثم زال العين و لكن بقيت الرائحة فألقي في الكر فحصل التغيير بصفة النجاسة.

57

الطعم أو الريح فالبول بصفة البولية ما لاقى جميع الاجزاء و انما الملاقاة حصلت بما صار متنجسا بالبول فان بنى النجاسة على ما كان بملاقاة النجس فلازمه خروج كثير من النجاسات عن كونه نجسا.

و الحاصل بهذا التقرير يظهر صحة استدلال المشهور للنجاسة.

و بتقرير آخر ان المشهور استدل بان العاصم الملاقي مع المتنجس و حصل له التغيير بصفة النجاسة لا يخلو من احد من ثلاثة أحكام القول بالنجاسة مطلقا و هو المطلوب و القول بالطهارة مطلقا و القول بالتفصيل بينهما بكون ما يلقى في الماء من المتنجس نجسا مع بقاء العاصم على الطهارة مع كونهما ماء واحدا فالأول هو المطلوب و الثاني يكون خلاف ما دل على ان ما غير بواسطة النجاسة لا يطهر الا بزوال التغير و الثالث يستلزم منه ان يكون لموضوع واحد حكمان متباينان فيتعين الأول.

فإذا عرفت ذلك فيثبت نجاسة المورد الذي يكون التغيير بصفات النجس مع كونه ملاقيا للمتنجس بعدم القول بالفصل لأن الوحدة أيضا صادقة.

و فيه ان هذا الدليل منهم صحيح لكن لا في جميع الموارد بل في ما إذا كان التغيير بصفة النجس بالملاقاة مثل ما إذا تنجس شي‌ء بالعذرة ثم زال عينها و بقي رائحتها فوقع في العاصم و تغير بصفتها و اما إذا كان التغيير بالمجاورة مثل الماء المتغير لمجاورته للميتة بريحها فتنجس بدم مثلا و القى في كرّ فتغير بصفة الميتة فلا يصح ذلك فيه لان هذه الصفة لا تكون من عين النجاسة كيف و لا يقولون بالنجاسة فيما كان التغيير بالمجاورة ابتداء ففي هذه الصورة الاتصال بالعاصم يصير سببا للطهارة و كبرى الزوال لا تصدق هنا و لكن في غير هذه الصورة تصدق مع عدم القول بالفصل في المورد و ما تغير بعين النجس دون المتنجس هذا.

و هنا تقرير آخر للإشكال على كلام المشهور و هو ان الصور الثلاثة من الطهارة و النجاسة و الحكم بان كل واحد من الملقى و الملقى فيه باقيا على حكمه‌

58

فإذا تعارضت الطهارة و النجاسة تساقطت فيرجع الى قاعدة الطهارة و بعبارة أخرى الدليل الدال على وجوب زوال التغيير لتحصل الطهارة و دليل العاصم يتعارضان و ببركة ان الماء الواحد لا يكون له الا حكم واحد نحكم بالطهارة بعده.

فان قلت لم جعلت الحجر الاساسى وحدة الحكم حتى تحكم بذلك قلت ان الأمر في ذلك سهل مع عدم جعله حجرا اساسيا لان استصحاب النجاسة و الطهارة كلاهما جاريان في الملقى و الملقى فيه فيتعارضان و بعد التساقط نحكم بالطهارة لجريان قاعدتها.

في ان الملاك على التغيير الفعلي في الأوصاف الأمر الخامس في انه هل المدار في التنجيس التغيير الفعلي أو التقديري أيضا يكفي و فيه قولان الأول هو المشهور و الثاني نسب الخلاف فيه الى العلامة و أيضا فرقوا بين ما كان ذات الماء مانعا عن قبول التغيير مثل ماء الكبريت أو كان المنع بالعرض مثل الماء الأحمر فقيل بأنه يكفي التقدير في الأول دون الثاني فنذكر أولا إجمال دليلهما ثم نفصل الكلام فيه بعده.

اما إجمال دليل المشهور فهو ان العناوين المأخوذة في الأدلة تكون مناطا للحكم وجودا و عدما فإذا أخذ عنوان من العناوين في موضوع من الموضوعات فحيثما وجد ذلك العنوان كان الحكم موجودا فما لم يوجد لم يكن في مورده الحكم منطبقا و ما نحن فيه عنوان التغيير يكون موضوعا للنجاسة فما دام لم يكن التغيير لا يكون العنوان موجودا فلا يحكم بنجاسته و لا فرق في عدم الوجود بين فقد الشرط أو وجود المانع.

و اما إجمال دليل المخالف فهو ان التغير لا يكون له الموضوعية بل يكون طريقا لاراءة السم الذي يكون مضرا و يكون كاشفا عن الواقع فمتى تحقق ان الواقع هنا موجود و لو لم يكن التغير فعليا يجب الاجتناب و الحكم بالنجاسة.

59

و فيه ان هذا إحالة إلى المجهول من طرف الشرع لانه لا يمكنه التحديد في الكم و بعد عدم إمكانه فيه لا نعلم ان هذا الماء بحالته هذه صار مسموما أم لا فيحكم عليه بالطهارة.

و اما توضيح المقام فإنه لا يخفى ان الفقهاء كانوا سراج الفقه و الرجوع الى ما قالوه يكون دليلا للتفقه فنقول في المقام يجب تشقيق الشقوق و تقسيم الاقسام حتى يظهر محل النزاع و يتضح المرام و هو كما في المصابيح ان عدم التغيير في الماء اما ان يكون لفقد المقتضي أو لوجود المانع و المانع تارة من قبل النجس و تارة من قبل الماء اما عدم المقتضى فمثل ان يكون النجس ضعيف اللون بالذات مثل البول أو الدم الأصفر أو بالعرض مثل ما إذا رفع النتن في النجس بواسطة هبوب الريح عليه اما المانع من طرف النجس فهو مثل عذرة القى فيها عطر ثم ألقيت في الماء فريح العطر مانع من تأثير العذرة أثرها و هو الريح النتن.

و اما المانع من طرف الماء فهو يكون على ثلاثة أقسام الأول التماثل مثل ما كان لون الماء و النجس كلاهما أحمر و الثاني التضاد مثل ما يكون النجس أحمر و الماء أخضر أو بالعكس و الثالث التخالف مثل ماء قد أخذ ريح الجيفة بالمجاورة ثم وقع فيه العذرة فريح العذرة لا يؤثر لوجود ريح الجيفة فالأقسام اذن خمسة مع اضافة ما كان لعدم المقتضي تأثير في عدم حصول الوصف فنبين أحكامها تفصيلا اما القسم الأول و هو عدم التغيير بواسطة عدم المقتضي في النجس فحكمه واضح و هو الطهارة لأن التغيير ما حصل لا ظاهرا و لا واقعا فلا وجه للقول بالنجاسة.

و الدليل على النجاسة و الكلام في الحسي و التقديري لا يكون هنا في محله (1) و اما القسم الثاني و هو ما إذا كان المانع من جهة النجس فحكمه أيضا واضح لانه اما ان يغلب ريح الطيب فهو طاهر أو النجس فهو نجس أو يحصل ريح ثالث‌

____________

(1) و فيه انه أيضا داخل في الفرض و هو التقدير بان يقال على تقدير قوة اللون مثلا كان التغيير حاصلا و عدم تماميته كلام آخر.

60

فهو أيضا نجس لانه لا يعتبر ان يكون التغير بريح النجس بل السببية منه يكفى (1) و اما القسم الأول فيما كان المانع من جهة الماء و هو التماثل و يكون هذا هو القسم الثالث بالنسبة إلى مجموع الاقسام فيحكمون فيه بالنجاسة بدليل ان التغيير و ان لم يحصل ظاهرا و لكن في الواقع يكون موجودا و المثلية مانعة عن الحس لا عن الوجود و أشكل عليه الهمداني (قده) بان اجتماع المثلين كاجتماع الضدين محال فان الحمرة في الماء مانعة عن تأثير الحمرة في النجس واقعا فكيف نقول بالتغيير.

و أجاب عنه بعض المتأخرين و لا يكون وجيها بنظرنا و هو ان التلون لا يكون في الخارج شيئا و الامتزاج إذا حصل و تفرقت الاجزاء يرى في الماء لونا و لكن هذا يكون كالظل (2) و لا واقع له لان افتراق العرض عن المعروض محال فلا يكون المقام مقام اجتماع المثلين فاللون في الماء لا يكون مانعا و التغيير حاصل فالقول بالنجاسة صحيح.

و فيه ان هذا الجواب لا أساس له لان ماله اللون ذاتا قابل لان يصير أطرافه ذا لون و لكنا نقول ان تحويل العرض عن الموضوع لا يمكن و لكن الملاقاة تكون سببا لافاضة اللّه اللون على المجاور مثل ما إذا مست اليد بالعطر فبهذا المس استعدت اليد لافاضة الرائحة الطيبة من اللّه فاجتماع المثلين صحيح (3) و لكنه محال على فرض تحفظ حدوده و قيوده و فيما نحن فيه يحصل الاشتداد فينجس لعدم تحفظ الحدود اما القسم الثاني من المانع و هو يكون القسم الرابع بالنسبة إلى الجميع‌

____________

(1) إذا تغير و نتن و الا فلا وجه خصوصا مع تغيره بريح العطر.

(2) الظل على فرضه في الماء موجود و هذا يمنع عن اليقين بتفرق اجزاء النجس لان التغيير العرفي مناط لا الواقعي.

(3) أقول اجتماع المثلين محال مطلقا و ما فرضه مد ظله ليس في الواقع من اجتماعهما لانه مع عدم تحفظ الحدود لا يكون اجتماع في الواقع.

61

و هو ان يكون المانع التضاد فان غلب احد المتضادين فاما ان يكون الضد النجس أو الطاهر فإذا غلب لون النجس فهو نجس و ان غلب لون الطاهر على لونه فقيل فيه أيضا بالنجاسة و دليلهم ان المانع هنا يكون من الحس دون الوجود.

و لكن التحقيق انه يكون من الوجود لا من الرؤية في الحس نعم إذا قيل بمسلك القدماء و من الفشو و النفوذ في الأجسام فلا تضاد و لكن هذا المسلك باطل.

و ان لم يغلب أحدهما و حصل لون ثالث فالحكم هو النجاسة لأن التغيير لا يعتبر ان يكون بلون النجس بل و لو كان سببه النجس يكفى للقول بالنجاسة.

القسم الثالث (و هو يكون الخامس بالنسبة إلى الجميع) و هو ان يكون المانع بواسطة التخالف مثل رائحة الجيفة في الماء المجاور لها مع إلقاء العذرة فيه ففي هذه الصورة أيضا اما ان يغلب احدى الرائحتين على الأخرى أو يحدث رائحة ثالثة فان غلب ريح العذرة فهو نجس لصدق التغيير واقعا و ظاهرا و ان غلب ريح الجيفة و لم يكن ريح العذرة فيه موجودا فقاعدة الطهارة حاكمة لضرورة عدم التغيير.

و اما ان حدث رائحة ثالثة فالحكم أيضا النجاسة لأنه سنبين ان التغيير لا يجب ان يكون بنفس النجس بل ان صار سببا لثالث يكفى للنجاسة أيضا فتحصل من جميع ما ذكر ان الأقوى في غير صورة غلبة لون الطاهر و هو الماء مثلا على النجس هو الحكم بالنجاسة.

فإن قلت ان باب الطهارة و النجاسة في غير ما عينه الشارع يكون بنظر العرف و التغيير مما يجب ان يؤخذ صدقه على شي‌ء من العرف فلا وقع لما قيل من الصور في غير ما هو مصداق التغيير العرفي فيجب إناطته إلى الحس لا من حيث موضوعيته بل لانه يكون مناط حكم العرف.

قلت هنا مسلكان الأول ما ذكره الأستاذ النائيني (قده) و هو ان المفاهيم يؤخذ من العرف و اما تطبيقه على الموضوعات فلا يكون بنظره فمفهوم التغيير يؤخذ منه دون الموارد و الموضوعات فعلى هذا يرتفع الاشكال.

62

و الثاني و هو التحقيق ما ذكره الأستاذ الحائري (قده) و هو ان التطبيق أيضا يكون بنظر العرف و لكن لا عرف الغافل بل الملتفت فإذا كان التغيير محسوسا فهو و اما إذا لم يكن كذلك فمشكل فالإشكال وارد على هذا المسلك لا غيره.

[مسألة 10- لو تغير الماء بما عدا الأوصاف المذكورة]

مسألة 10- لو تغير الماء بما عدا الأوصاف المذكورة من أوصاف النجاسة مثل الحرارة و البرودة و الرقة و الغلظة و الخفة و الثقل لم ينجس ما لم يصر مضافا.

و الدليل على ذلك هو الروايات المتقدمة في صدر المسألة التاسعة مثل النبوي خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء الا ما غير لونه أو ريحه أو طعمه و صحيحة ابن بزيع و فيها ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء الا ما غير طعمه أو ريحه فينزح حتى يذهب الريح و يطيب طعمه و صحيحة شهاب و فيها فما لم تكن فيه تغيير أو ريح غالبة قلت فما التغيير قال الصفرة، ففي هذه الروايات التصريح بان التغيير يكون بالطعم و الريح و اللون و كذلك المطلقات دالة على ذلك مثل ما في بعضها إلا إذا كان النتن الغالب أو مفهوم لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول.

و ما في بعضها الا ما غير ينصرف الى هذه التغييرات و الحاصل انه بعد الدقة في روايات الباب يظهر وضوح ما ذكره (قده) فلا نحتاج الى التطويل.

الكلام في كفاية كون التغيير من النجس و لو لم يكن بعين وصفه

[مسألة 11- لا يعتبر في تنجسه ان يكون التغيير بوصف النجس بعينه]

مسألة 11- لا يعتبر في تنجسه ان يكون التغيير بوصف النجس بعينه فلو حدث فيه لون أو طعم أو ريح غير ما بالنجس كما لو اصفر الماء مثلا بوقوع الدم تنجس و كذا لو حدث فيه بوقوع البول أو العذرة رائحة أخرى غير رائحتهما فالمناط تغير أحد الأوصاف المذكورة بسبب النجاسة و ان كان من غير سنخ وصف النجس.

63

و في هذه المسألة أقوال ثلاثة و القول الرابع منا الأول ان جمعا من الاعلام و منهم صاحب الجواهر (قده) ذهبوا الى ان الأوصاف الفعلية و المطوية يجب ان تكون من النجس.

الثاني ما ذهب اليه بعضهم من ان اللون ان تشكل من النجس بعد الإلقاء يكفي و لو لم يكن قبله كذلك مثل الحناء التي هي قبل إلقائها كانت خضراء و بعده تصير حمراء فان الحمرة أيضا مستندة الى الحناء.

و الثالث لجمع من الاعلام و منهم الهمداني (قده) و هو ان التغيير و لو كان بأجنبي يكفي مع استناده الى النجس.

و الرابع هو هذا القول مع اضافة، و هي قيد تنفر العرف و استقذاره إليه فإن كان بأجنبي و يكون العرف متنفرا منه فيكفي للحكم بالنجاسة و الا فلا.

و الدليل على الثالث إجمالا و أولا هو المطلقات الواردة في الباب بلفظ غيّر و غيره و أشكل عليها بالانصراف و لكن يجاب عنه بأنه بدوي.

و ثانيا الغريزة و ثالثا الروايات الواردة في موارد خاصة من التغييرات.

اما تفصيلا فما يستفاد من المطلقات كالنبوي (في باب 1 من أبواب الماء المطلق ح 9) و فيها خلق اللّه الماء طهورا الا ما غير لونه أو ريحه أو طعمه و تقريب الاستدلال ان التغيير ما قيد بقيد بل هو مطلق و ضعف الرواية ينجبر بعمل الأصحاب و منها صحيحة أبي خالد القماط (في باب 3 من الماء المطلق ح 14) و فيها ان كان الماء قد تغير ريحه أو طعمه فلا تشرب و لا تتوضأ و إطلاقها واضح.

و منها صحيحة ابن بزيع (باب 3 من أبواب الماء المطلق ح 12) و فيها ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء الا ما غير ريحه أو طعمه و هذه أيضا واضحة الدلالة.

و أشكل عليه بإشكالات ثلاثة و الأول هو بالانصراف فإنه بتناسب الحكم و الموضوع يظهر ان التغيير إذا كان بصفة النجس يصير سببا للنجاسة فلا أقل من الالتزام بالقولين الأولين لا بالثالث.

64

و فيه ان الانصراف بدوي لان منشأه الغلبة الوجودية فان التغييرات أكثرها تحصل بواسطة نفس النجس و الانصراف يجب ان يستفاد من حاق اللفظ مثل انصراف قوله تعالى «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ» إلى حرمة نكاحهن و ليس المقام كذلك.

ثم قال العلامة الهمداني (قده) ان ما فيه الانصراف لا يفيد و ما يفيد لا يكون فيه الانصراف و بيانه هو ان التغيير يحصل تارة بواسطة امتزاج النجس و تفرق الاجزاء مثل العذرة الملقاة في الماء و تارة لا يكون كذلك مثل وقوع الجيفة في الماء ففي الأول الغلبة مع التغيير بصفة نفس النجس فيجي‌ء الانصراف و لا يفيد و في الثاني لا تكون الغلبة بصفة نفس النجس فلا يكون الانصراف و الحاصل ان الغلبة على فرض كونها دليلا للانصراف لا تكون في جميع الموارد.

و الاشكال في الثاني انه مخالف للغريزة فإنها قاضية بأن التنفر العرفي في باب النجاسات هو المناط و في ما نحن فيه لا يكون التنفر فيه موجودا فإن الأجنبي عن النجس لا تنفر فيه.

و فيه ان مناطية التنفر في الباب مقبولة إلا انا ندعى وجوده فيما نحن فيه أيضا فإن العرف يتنفر من ريح يستند الى النجس و لو لم يكن من عينه.

و الاشكال الثالث بالروايات الخاصة و الواردة في مورد البول و الدم فإنه يظهر منها التغيير يلزم ان يكون بصفة النجس و فيه ان هذه مختصة بموردها لا يكون للوصف المخصوص خصوصية اعنى لما كان المورد مورد البول مثلا قيل إذا تغير بلون البول أو غلب لون البول على لون الماء و لا اختصاص به.

اما الروايات (ففي الوسائل باب 3 من أبواب النجاسات حديث 3) و فيها ان لم يغيره أبوالها فتوضأ و صحيحة شهاب بن عبد ربه (في باب 9 من الماء المطلق حديث 11) و فيها الا ان يغلب الماء الريح فينتن الى قوله فما التغيير قال الصفرة.

و الحاصل تغيير الأوصاف و لو لم يكن بوصف النجس بعينه يكفى للقول‌

65

بحصول النجاسة كما في المتن لإطلاق الروايات.

[مسألة 12- لا فرق بين زوال الوصف الأصلي للماء أو العارضي]

مسألة 12- لا فرق بين زوال الوصف الأصلي للماء أو العارضي فلو كان الماء أحمر أو أسود لعارض فوقع فيه البول حتى صار أبيض تنجس و كذا إذا زال طعمه العرضي أو ريحه العرضي.

توضيح المقام: اعلم ان الصور التي تتصور في المقام أربعة و هي تستفاد من عموم التغيير من جهة النجس و من جهة الماء.

الأولى إذا تغير بصفة النجس الثانية إذا تغير بصفة غيره غير صفة المتنجس الثالثة إذا تغير وصف عرضي للماء مثل الماء الأحمر إذا القى فيه نجاسة فصار ملونا بلونه الأول و الرابعة ان يكون له صفة عرضية فحصل عرضي آخر بالتغيير.

فهنا اطلاقان: إطلاق التغيير بصفة عين النجس أو بصفة خارجية و إطلاق التغيير من كونه من العرضي الى الذاتي أو منه الى العرضي أو من الذاتي اليه.

و قد تخيل بعض اعلام العصر اشكالا على المصنف بان هذه المسألة مبتنية على المسألة السابقة و لا يكون في المقام اطلاقان بيانه انه إذا جعل التغيير بالأعم لا مورد للبحث هنا فإنه يصدق التغيير لما كان من العرضي الى الذاتي و يكون من مصاديقه و إذا اختص التغيير بالنجس فلا بحث هنا لانه لا يكون بصفته.

و فيه ان إطلاق كل شي‌ء يكون بحسبه فإن إطلاق النجس بالنسبة إلى التغييرات من الذاتي الى العرضي مسلم و لكن يمكن ان يخرج منه مورد البحث و يلاحظ إطلاق الماء (1).

و لتوضيح المقام يجب إيراد كلام و هو ان النزاع في ذلك كان منشأه النزاع و الاختلاف في ان هذا و أمثاله يسمى علاجا أو تغييرا فإنه تارة يصدق العلاج دون التغيير مثل ما إذا القى الزاج في ماء مخلوط بالطين فيصفوا و كذلك إلقاء عذرة‌

____________

(1) إذا صدق التغيير في المورد و لم يكن من مصاديق العلاج فعدم شمول إطلاق التغيير بالنسبة إليه غير واضح.

66

الكلب فيه ففيما نحن فيه من قال بالطهارة رأى الرجوع الى الصفة الذاتية من باب العلاج دون التغيير الوارد في الروايات و الحاصل ان صدق التغيير فالحق مع المصنف القائل بالنجاسة.

الكلام في الطهارة بالاتصال بالعاصم أو المزج

[مسألة 13- لو تغير طرف من الحوض مثلا تنجس]

مسألة 13- لو تغير طرف من الحوض مثلا تنجس فان كان الباقي أقل من الكر تنجس الجميع و ان كان بقدر الكر بقي على الطهارة و إذا زال تغير ذلك البعض طهر الجميع و لو لم يحصل الامتزاج على الأقوى (1)

التوضيح اعلم ان كل ما ذكره في هذه المسألة لا خلاف فيه الا ما إذا لم يحصل الامتزاج و زال التغيير و لا يخفى ان هذا منوط بالبحث عن أن مطهرية المياه العاصمة لغيرها تحتاج الى الامتزاج أو الاتصال فقط يكفى و في هذا ثلاثة أقوال: الأول كفاية الاتصال الثاني لزوم الامتزاج و لكن امتزاجا ما و هذا و ما قبله حكى عن جماعة من الاعلام الثالث الفرق بين ما إذا كان العاصم كرا فيحتاج اليه دون ما إذا كان ذا مادة مثل الجاري و غيره فلا يحتاج اليه اما القول الأول فاستدلوا عليه بأمور الأول الروايات المطلقة و منها صحيحة ابن بزيع عن الرضا و قد مرت (من باب 3 من الماء المطلق) و فيها ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء الا ان يتغيّر ريحه أو طعمه فينزح حتى يذهب الريح و يطيب طعمه لأن له مادة.

و تقريب الاستدلال هو ان وجود المادة يكفى للمطهرية و هذه ذو احتمالات يجب ذكرها حتى يظهر معناها: الأول معنى الواسع و قد احتمل ان يكون هو الكثرة بحسب الموضوع أو الوسعة في الحكم و الأول لا يكون بيانه من شأن المقنن الشرعي لأنه يكون امرا فطريا فتعين الثاني.

هذا بالنسبة إلى لفظ الواسع و لكن بقية الاحتمالات تكون في رجوع‌

____________

(1) بل الأقوى و الأحوط شرطية الامتزاج.

67

العلة الى اى الفقرات من الرواية فإن فيه أقوال أربعة الأول ان ترجع الى النزح و هو من البهائي (قده) في حبل المتين و معناه انه ينزح ماء البئر حتى يطيب لان له المادة و فيه ان هذا مخدوش عند الجميع لان هذا أيضا أمر فطري فإنه بالنزح يحصل الطيب مع كونه ذا مادة و لا يحتاج الى الذكر من المقنن الشرعي.

الثاني ان تكون راجعة إلى الواسع اى ماء البئر عاصم لان له المادة و هذا صحيح الا انه يدل على انه دافع و لا يستفاد منه الرافعية.

الثالث ان ترجع الى ما يفهم من الرواية اصطيادا فإنه يفهم من قوله ينزح حتى يطيب ان المراد بالطيب هو الطهارة فيصير معناه ماء البئر يصير طاهرا لان له المادة.

و الرابع ان ترجع إلى الطهارة و العاصمية معا فيصير معناه ماء البئر عاصم لان له المادة و طاهر لان له المادة لأنه إذا تعقب الكلام بقيد يمكن رجوعه إلى الأخير و الى ما تقدمه فالرجوع إلى الأخير هو المتيقن و لكن مع إمكان الرجوع الى الجميع فهو الظاهر أعم من كونه استثناء أو غيره و الأخير ان يستفاد ان منهما انه إذا كان الماء ذا مادة يكفى لحصول الطهارة و لا يكون فيها اسم من المزج فلا حاجة إليه.

لا يقال ان هذه وردت في مورد يكون المزج مسلما لان ماء البئر مع المادة يتمازج بواسطة النزح فلا تكون دليلا على عدمه.

لأنا نقول النزح له المقدمية للطهارة و لا موضوعية له فان ماء البئر ان زال تغييره بنفسه يطهر فالمورد لا يخصص هذا حاصل ما يمكن ان يقال في تقريب الاستدلال و فيه أو لا ما ذكر من إرجاع العلة الى الواسع أو هو مع الطاهر مع التمسك بان الظاهر الرجوع الى الجميع في القيود المتعقبة لا وجه له و لا يكون حجرا اساسيا بل في كل مورد من الموارد يجب ملاحظة الظهور في الكلام فتارة يكون هذا ظاهرا و تارة أخرى غيره.

على ان الرواية لا يستفاد منها فقرات بل من البدو الى الختم يكون لنا كلام‌

68

واحد و حاصل ما يستفاد منه ان ماء البئر واسع لا ينجسه شي‌ء فيجب النزح حتى يرجع الى أصله و هو الطهارة و لا نفهم منها كبرى اصطيادية و هي المطهرية حتى ترجع العلة إليها و النزح لا شأن له الا المقدمية هذا أولا.

و ثانيا سلمنا استفادة الكبرى الاصطيادية و لكن الإطلاق لا يؤخذ منها لانه يجب ان يكون تحت اللفظ و هو هنا مفقود.

فان قلت من عموم العلة يستفاد ذلك فإنه لما لم يذكر فيها لان له المادة و المزج نأخذ بالإطلاق المقامى قلت هذا غير وجيه لانه لعلّه اتكل على المزج الموجود في الخارج فلم يبين فالإطلاق المقامى في المورد لا يوجد و كذلك الإطلاق اللفظي فلا وجه للاستدلال بها على عدم وجوب الامتزاج للطهارة.

و منها قوله (في باب 1 من أبواب الماء المطلق) الماء يطهر (بكسر الهاء) و لا يطهر (بفتح الهاء) و تقريب الاستدلال ان التطهير لا قيد فيه بالمزج فإنه يطهر مطلقا و في هذه الرواية يؤول قوله لا يطهر بفتح الهاء الى معنى انه لا يطهر بغير الماء من سائر الأشياء و الا فإن الماء بالاتصال أو بالمزج يطهر كما كان الكلام في مورد البحث في ذلك.

و فيه أولا ضعف الرواية بالسكوني و ثانيا الإجمال في كلمة لا يطهر بالفتح و ثالثا انها لا تكون في مقام بيان كيفية التطهير بل يكون في مقام بيان مطهرية الماء في الجملة.

و منها (ما في باب 7 من أبواب الماء المطلق حديث 7) و فيها «ماء الحمام كماء النهر» و تقريب الاستدلال ان ماء النهر يطهر بعضه بعضا بواسطة الاتصال فكذلك الحمام يطهر حياضه الصغيرة بواسطة الاتصال بالعاصم و هو الحوض الكبير فكما انه يطهر لا بالمزج فكذلك هذا.

و فيه أولا ضعف السند كما عن بعض منهم الشيخ الأعظم الأنصاري و ثانيا لا تكون هذه في مقام بيان كيفية التطهير بل المراد منها بيان العاصمية و حاصل المعنى‌

69

انه يكون مثل ماء البئر و أمثاله في كونه عاصما و ثالثا يشمل هذا مورد الرفع دون الدفع (1).

و منها مرسلة الكاهلي و هي عندهم كالمسندة (في باب 6 من أبواب الماء المطلق ح 5) و فيها، كل شي‌ء يراه المطر فقد طهر.

و تقريب الاستدلال واضح لانه لا تكون عبارة أبلغ من هذه لا ثبات كفاية الاتصال لانه يقال فيها كل شي‌ء يراه المطر فقد طهر و معناه ان صرف الرؤية كاف في الطهارة غاية الأمر انه لا يسرى الحكم منه الى الجامدات فإنها و ان يراها المطر و لكنها لا يطهر الأجزاء التي ما أصاب إليها المطر و المائعات لاتصالها و كونها موضوعا واحدا تطهر به و فيه ان الإصابة الحقيقية لا تصدق هنا في غير الجزء المصاب بل الإصابة تصدق بالتسامح و الا فلا يفرق بين المائعات و الجامدات فإنها لا تصدق بمدلولها المطابقي و هذا مسلم عند الخصم و أيضا نحن نقر بأن الوحدة في الموضوع توجب وحدة الحكم الا انها هنا غير مسلمة و الوحدة هنا ظاهرية و لا تكون بالدقة صادقة و أيضا نحن نقلب الكلام عليكم بأن جملة كل شي‌ء يراه المطر و ان كان ظاهرها غير الجملة الشرطية و لكن في الواقع تكون في معنى الشرطية اى ان أصاب المطر بشي‌ء فقد طهر و مفهوم هذا انه ان لم يصبه لم يطهر فإذا لم تصدق الإصابة الواقعية في صورة عدم المزج فنحكم بعدم الطهارة لأنه لم يصبه المطر فإن الإصابة بالبعض لا تكون اصابة بالجميع.

لا يقال ما الفرق بين التطهير و التنجيس فإنه في الثاني يحكم بالنجاسة بمجرد ملاقاة النجاسة بجزء منه إذا كان قليلا أو مضافا فكيف لا يقال بمثله في التطهير.

لأنا نقول قد مر ان العرف يفرق بين التسمم و رفع السم فلم يكن أمره في الثاني مثل أمره في الأول فإنه يحكم بحصول النجاسة بمجرد الإصابة و لا يحكم بالطهارة بمجردها.

____________

(1) أقول ان الدفع أيضا يفهم من كونه كماء النهر.

70

و منها ما (في المستدرك باب 9 من أبواب الماء المطلق) عن أبى جعفر (عليه السلام) مشيرا الى غدير الماء ان هذا لا يصيب شيئا الا و طهره و إطلاقه يدل على ان مطلق الإصابة يكفى للتطهير.

و الجواب هنا هو الجواب في الرواية السابقة هذا تمام روايات الباب.

القواعد لكفاية مجرد الاتصال للتطهير اما القواعد لإثبات كفاية الاتصال فمنها ان هنا صغرى و كبرى و هما معا تفيدان كفاية الاتصال فالصغرى هي وجود الوحدة العرفية في المورد و الكبرى هي ان الماء الواحد لا يكون له إلا حكم واحد ففي المورد نجاسة الملاقي لا تعقل لانه يكون عاصما فيحصل التطهير.

فان قلت لا تقبل الكبرى لانه يمكن ان يكون للماء الواحد حكمان مثل ما إذا كان أحد أطراف الحوض متغيرا بالنجاسة فنحكم بنجاسته دون نجاسة الباقي إذا كان كرا أو أكثر قلت هذا واضح البطلان لانه لا تصدق الوحدة فيما ذكر فالماءان يكون لهما الحكمان لا الماء الواحد فالخدشة في الكبرى غير صحيحة و لكنها في الصغرى صحيحة لأن المورد لا تصدق الوحدة فيها فان العرف يرى الماء النجس و لو كان بلون الطاهر غير الماء الطاهر.

و منها انه لو سلمنا اعتبار المزج نقول بوجوده حتى في هذه الموارد بيانه انه إذا اتصل النجس بالعاصم فلا محالة يصير أول جزء منه ممزوجا بأول جزء من النجس فهنا اما ان نقول بنجاسة العاصم و هو خلاف الفرض و اما ان نقول بطهارة الجزء الممزوج و هو المطلوب ثم ننقل الكلام في الجزء الثاني و نحاسب مع العاصم مخلوطا بالجزء السابق و نقول بما قلناه في كيفية تطهيره الى آخر الحوض مثلا فحصل المزج و الطهارة.

و فيه ان الجزء الأول لأنه حصل له الامتزاج مع العاصم نحكم بطهارته و نقول الماء الواحد لا يكون له الا حكم واحد و اما سائر الاجزاء فلا يحصل له المزج‌

71

وجدانا حتى نقول بطهارتها.

و الحاصل على فرض حصول المزج نقول بالطهارة و لكنه مفقود.

و منها ان المزج الذي كان الكلام فيه لما لم يكن معناه واضحا و لا نفهم المراد منه فلا نقول باعتباره بيان ذلك ان المزج اما ان يكون في الكل مع الكل أو هو مع البعض أو الأكثر مع الأقل أو بالعكس فان كان المراد به الكل مع الكل فيتوجه عليه إشكالات الأول ان نفوذ الأجسام بعضها في بعض لا يتصور اى الذرات لا يتصور استهلاك بعضها في بعض بنحو الدقة العقلية و ان حصل الامتزاج بمعنى ضم بعض الاجزاء الى البعض مع انه على فرض التسليم لا طريق لمعرفته فلا أقل من الشك.

و الثاني ان القائلين بالامتزاج قالوا بطهارة بعض من الموارد التي لا يكون الامتزاج فيها منها قولهم بتطهير الإبريق إذا كان فيه الماء النجس فوضع في العاصم و اتصل ماء الكر بماء الإبريق مع انه لا يحصل المزج و لو بقي فيه مدة كثيرة و منها قولهم بتطهير الماء السافل إذا فتح المجرى من فوق مع كونه من العاصم فإنه و ان لم يحصل المزج فيقولون بطهارة الماء السافل بهذا النحو من الاتصال.

و الثالث ان الامتزاج مع فرضه يكون سببا للطهارة و هو يحصل تدريجا و بذلك لا يبقى العاصم عاصما حتى يطهر النجس بل بواسطة تفرق اجزائه بواسطة جريان الماء النجس فيه تزول عاصميته فكيف يطهر.

و الرابع إذا فرض إلقاء كر دفعة على الأكرار النجسة و استهلك قبل الامتزاج لا يقال بنجاسة الكر لانه عاصم بل يحكمون بطهارة النجس مع انه لا يكون المزج في المورد فان قلت حصل المزج تدريجا نقول بما مر في السابق و انه بواسطة المزج التدريجي يخرج عن العاصمية و اما ان قلتم بسائر احتمالات المزج فلا دليل عليه فلا مناص من القول بكفاية الاتصال هذا تمام ما ذكروه من الدليل على كفاية الاتصال فنقول الاشكال بعدم (1) وضوح معنى المزج لا وجه له.

____________

(1) و فيه ان الرواية لا تكون متعرضة للون سلمنا طريق الاستدلال و لكنه منقوض بالموارد التي يحكم عليها بالطهارة منها صورة إلقاء كرّ على أكرار فإنه و لو كان للماء لون ضعيف لا يذهب بالمزج الكذائي مع قولهم بطهارته.

72

لان الدليل لنا هو الروايات و أهمها هي صحيحة ابن بزيع و فيها ينزح حتى يطيب و يذهب ريحه أو طعمه و النزح مطلق يشمل صورة قوة التغيير و ضعفه اعنى يجب النزح حتى فيما كان التغيير باقيا و لو كان قليلا و من هنا نستفيد ان المزج الذي يكون معتبرا هو الذي لو كان للماء لون و لو كان ضعيفا يذهب به.

و اما الإشكال على المزج بواسطة النقض في بعض الموارد أيضا فلا وجه له لأن الإبريق لا يطهر بعقيدتهم بمجرد الاتصال بالعاصم و ما ذكر من كفاية فتح الانبوب المتصل بالكر لتحصيل الطهارة يكون من جهة حصول الامتزاج به من جهة شدة الدفع و هذا القدر من الامتزاج يكفي للطهارة.

و اما الإشكال بأن المزج يوجب تفرق اجزاء الكر فلا يبقى على العاصمية حتى يطهر: ففيه أولا ان المزج الذي نحتاج اليه يحصل بدون تخلل الاجزاء و لو فرض التخلل فالطهارة و التخلل يحصلان معا و لا غرو فيه.

سلمنا و لكن كل الانفعالات لا يكون بنظر العرف انفعالا فان الفقهاء يفتون بأن الحنطة تطهر بواسطة وضعها في الكرّ مع نفوذ الماء في جوفه مع حيلولة جسمه في البين فمن لا يعتنى بهذا المقدار من الحيلولة فالأولى ان لا يعتنى أيضا في ما نحن فيه بها و لا يلزم ان يكون الماء طاهرا عند الملاقاة مع النجس بل شرطه الطهارة قبله كما في تطهير اليد المتلطخة بالدم بالماء فإنه بعد ملاقاتها ينجس و لكن يطهرها ففيما نحن فيه أيضا ينجس و لكن يطهر ما لاقاه و بضميمة ان الماء الواحد لا يكون له الا حكم واحد يطهر ما كان كثيرا أيضا.

و اما الإشكال في وقوع الكرّ على الأكرار النجسة بالاستهلاك فلا وجه له لأنا لا نحتاج الى امتزاج الكل في الكل بل هذا المقدار من المزج يكفى هذا تمام الدليل اما الأصل فلا يكون في المقام و لا يجري قاعدة الطهارة لأن الاستصحاب‌

73

حاكم بيانه انه لا وجه للقاعدة الا ان يقال ان الموضوع بواسطة تغيير الحال و هو الاتصال قد تغير فلا يكون للاستصحاب مورد و هذا غير وجيه عندهم لان الموضوع في الاستصحاب عرفي و بقاء الذات يكفى و مع الشك في وجود الموضوع يكون مبنى العلامة النائيني و الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سرهم)ا) هو عدم جريان الأصل و على مسلكنا فيجري.

الدليل على وجوب الامتزاج و اما الدليل على اعتبار المزج فهو كل ما ذكر للاتصال و لكن يؤخذ بالقدر المتيقن في البعض و عدم الإطلاق في الأخر و محصل الأدلة له يرجع الى ثلاثة.

الأول الروايات: فصحيحة ابن بزيع و ما ورد في ان ماء الحمام كماء النهر يكون المتيقن منها مورد المزج و دلالتها على المزج يكون كالنص لكن في موردها لانه لا يفهم منه الانحصار و بعد الشك في غير المورد يستصحب النجاسة و اما المرسلتان و ان لم تكونا في مورد المزج و لكن نقول بان المزج القليل الذي يحصل بإصابة المطر و النهر يكون سببا للطهارة بضم قاعدة الوحدة (1) و هي ان الماء الواحد لا يكون له الا حكم واحد و قد مر ان الحق تمامية هذه القاعدة الا انه في بعض الموارد نمنع الصغرى.

و من الأدلة التي دلت على اعتبار المزج ما ورد في تطهير الكرّ الأعيان النجسة بالاستهلاك فلا محالة إذا القى البول في الكر ينجس المياه التي كانت في أطرافه فإذا كان له لون ما فبمزج ما يذهب و يطهر، لا بالاستهلاك.

ثم ان هنا اشكالا و هو ان هذه الروايات التي أخذ منها القدر المتيقن كلها تكون في مورد معية المزج مع الاستهلاك و لا نجد موردا يكون المزج بلا استهلاك.

____________

(1) أقول نحن نفرض آخر الجزء الذي انتهى فيه المزج و اتصل بالباقي فإن كانت قاعدة الوحدة حاكمة فيفيد الاتصالى و الا فلا

74

و بعبارة واضحة أدلة الاتصال اما تمام و يلقى خصوصية المورد و اما ان يؤخذ المورد و هو المزج فلما كان المزج مستتبعا للاستهلاك يجب القول بان كلما كان الاستهلاك و المزج معا نحكم بالطهارة فلا خصوصية للمزج فقط و مفاد صحيحة ابن بزيع هو الاستهلاك بالنزح و مفاد رواية الحمام حصوله بواسطة التموج الحاصل في الماء من النهر فإنه لا محالة يكون له موج يوجب المزج و اما المرسلة فتكون ضعيفة السند و بضم قاعدة الوحدة أيضا لا يفيد المزج لان الممزوج ان صح الإشارة إليه لا يكون الماء واحدا و ان لم يصح الإشارة إليه يكون مصداقا للاستهلاك.

و اما الاستدلال بروايات تطهير الكر الأعيان النجسة و ان أطرافها تنجس و تطهر بالمزج فلا نسلمه لان الأطراف أيضا تطهر بالاستهلاك فلا محيص إلا عن القول بكفاية الاتصال أو المزج مع الاستهلاك و الا فما الفرق بين الماء و المائعات المتنجسة و النجسة التي يقال بوجوب الاستهلاك في الأخيرتين دونه في الأول.

و فيه انه مما ذكرنا من الرواية ظهر معنى المزج الذي نحتاج اليه للتطهير و هو ما لو كان له لون ما لذهب به و عليهذا فان استهلك الطاهر في النجس أيضا نقول بالطهارة لصدق المزج دون الاستهلاك من طرف النجس و نمنع ما ذكر في ماء النهر من الاستهلاك بل هو مزج.

و اما الإشكال في الوحدة فلا وجه له لأن العرفي منها هي المناط و هي تكون أعم من الاستهلاك و إطلاق روايات الكر يشمل حتى غير صورة الاستهلاك فيما كان من الأطراف و اما النقض بأنه ما الفرق بين الماء و المائعات المضافة و النجسة فممنوع لان الماء يجب ان يكون مطلقا حين التطهير به و ما فرضتم لا يكون كذلك بل ما لم يستهلك فكلما أصاب جزء من الماء إياها يصير مضافا غير قابل للتطهير.

و الحاصل الظاهر من الإصابة في الرواية هو ان الماء بوصف الإطلاق إذا أصاب يطهر و اما المضاف فلا فالفرق بين الموردين واضح.

[مسألة 14- إذا وقع النجس في الماء فلم يتغير ثم تغير بعد مدة]

مسألة 14- إذا وقع النجس في الماء فلم يتغير ثم تغير بعد مدة فإن

75

علم استناده الى ذلك النجس تنجس و الا فلا.

اعلم ان هنا صورا ثلاثة الأولى العلم بالاستناد و الثانية العلم بعدمه و الثالثة عدم العلم بأحدهما فأما الأولى فالحكم بالنجاسة فيها واضح لإطلاق الأدلة من جهة كون التغيير حين الملاقاة أو بعدها، تفرق الاجزاء أو لم يتفرق و اما الثانية فمنوط بما مر في السابق من ان اللون و لو لم يكن من النجس يوجب النجاسة أم لا؟ و قد تقدم ان الظاهر فيما كان اللون من المتنجس هو الطهارة و إذا لم يكن بلونه فلا فرق بين كونه لون النجس أو من النجس فالكلام هو الكلام.

و اما الثالثة فلا شبهة في ان هذا الماء طاهر لاستصحاب الطهارة و الاشكال بتغيير الموضوع لا وجه له لان التغيير إذا لم يكن من النجس فالموضوع يكون منحفظا على ان قاعدة الطهارة أيضا حاكمة في المقام على فرض عدم تمامية الاستصحاب.

نعم هنا كلام و هو ان النجس بوقوعه لا محالة صارت أطرافه متغيرا ثم بعد ذلك حصل التغيير المشكوك في استناده فهنا تغيير مقطوع بأنه موجب للنجاسة و آخر مشكوك فبالنسبة إلى الأول يكون لنا استصحاب النجاسة و بالنسبة الى الثاني يكون لنا استصحاب الطهارة فإن أمكن القول بان هذا الماء واحد و هو لا يكون له الا حكم واحد فنحكم بالنجاسة و لكن إثبات ذلك يكون بنظر العرف و نحن شاك في انه يحكم بالوحدة أم لا فيمكن إدخال هذا في صورة ما كان النجس في طرف من الماء فغيّر و كانت بقية الأطراف طاهرة فنقول بنجاسة ما غيّر من النجس دون ما شك فيه.

[مسألة 15- إذا وقعت الميتة خارج الماء]

مسألة 15- إذا وقعت الميتة خارج الماء و وقع جزء منها في الماء و تغير بسبب المجموع من الداخل و الخارج تنجس بخلاف ما إذا كان تمامها خارج الماء.

اعلم ان هنا صور متشابهة توجب تشابها الإشكال في الاستظهار فنذكرها حتى يفهم ما أراد المصنف و ما وقع فيه الإشكال: فالأولى ان يكون نصف الميتة في‌

76

الماء و نصفها الأخر خارج الماء على الأرض: و الثانية ان تكون نصفها الأخر في الجو كما ان الغالب في الميتة خروج جزء من جسدها من الماء لنفخها: و الثالثة ان تكونا اثنتين معا فإحديهما تكون في الماء و الأخرى خارج الماء متصلا بها.

و في جميع هذه التقادير اما ان يعلم ان مرتبة من التأثير تكون حاصلة من الداخلة في الماء أو لا يعلم بل يكون كل واحد منها مؤثرا من باب انه يكون جزء العلة أو لا نعلم كونه تمام العلة أو جزئها.

اما الأول و هو ان نعلم أن مرتبة منه يكون من الداخل فخارج عن الفرض و الحكم بنجاسة الماء فيه واضح لانه تغيير ناش عن النجس بالملاقاة و اما الثاني و هو ان نعلم ان أحدهما يكون جزء العلة فهو يكون ما فرض المصنف و حكم بنجاسته فان العرف يرى في هذه الصورة العلة تامة للنجاسة لأن الداخل يكون مقتضيا و المانع على الفرض و ان كان و لكن يمكن الحكم بان هذا تغيير ناش من النجس بالملاقاة هذا و لكن القول بان التغيير هنا صادق قطعا من جهة ان ما كان خارج الماء و ان لم يلاق شيئا منه الا ان ذراته لاقاه فلا وجه له لان هذا دقة فلسفية لا يلتفت إليها في أمثال المقام.

فان قلت ان ظاهر الإطلاق في الروايات هو ان يكون الاستناد الى نفس النجس مع الملاقاة و هو هنا لم يصدق، لاستناد النجاسة إلى النجس و الى غيره قلت هذا صحيح الا ان العرف ينزل هذا منزلة ذاك و نظره محكم و مقصود الشيخ الأعظم الأنصاري (قده) من صدق التغيير في عبارته يكون في هذه الصورة.

و التحقيق عندنا أيضا الحكم بالنجاسة: بيان ذلك ان الروايات الدالة على وقوع الميتة في الماء مطلقة من جهة كون الداخل تمامها أو بعضها و ما يتوهم من عدم الإطلاق من جهة أنها واردة في موارد خاصة مدفوع هنا لأنه إذا لم يعتبر الإطلاق في كلام من جهة من الجهات لا يوجب عدمه في سائرها.

فإذا عرفت ذلك فلا فرق في نظر العرف بين ما كان نصفه الخارج في الجو‌

77

أو على الأرض الذي قد مر أنه إحدى الصور.

فان قلت قد مر سابقا بان جزء العلة لا يكون مثل تمامها في التأثير بالملاقاة قلت لا يكون في الروايات لفظ الملاقاة بل تؤخذ من العرف و هو قاض بها هنا أيضا.

و اما ما ذكر من كون احد الميتين خارج الماء فالحكم بالنجاسة فيه مشكل و لا يكون هذه الصورة في منطوق الروايات و القول بان تنفر الغريزة منه موجود من العرف مشكل و الوحدة التي يراها العرف في الصورة السابقة لا يراها هنا (1)

[مسألة 16- إذا شك في التغير و عدمه]

مسألة 16- إذا شك في التغير و عدمه أو في كونه للمجاورة أو بالملاقاة أو كونه بالنجاسة أو بطاهر لم يحكم بالنجاسة.

اعلم ان هنا يتصور ثلاثة أقسام من الشك الأول الشك في أصل التغيير الثاني الشك في انه يكون من النجس بالملاقاة أو بالمجاورة مع صدق التغيير على اى نحو كان الثالث صدق التغيير مع الشك في انه يكون من الطاهر أم من النجس اما الأول فحكمه واضح لأن أصالة عدم التغيير جارية و هذا يكون من الأصل الموضوعي في المقام و على فرض عدم الجريان فقاعدة الطهارة و استصحابها لا معارض لهما و اما الثاني فحكمه من جهة الأصل الحكمي فيه واضح لان هنا تغييرا و الشك يكون في انه مؤثر أم لا فيستصحب الطهارة السابقة على التغيير و على فرض عدم الجريان بالشبهة في وحدة الموضوع فقاعدة الطهارة محكمة.

ثم هنا كلام مربوط بالأصول و لكن اجابة لبعض من سئل عنى إيراد كلام فيه من البحث نبحث عنه اشارة و هو انه ما الفائدة في وجود أصلين في مورد واحد فإنه على فرض جريان استصحاب الطهارة لا فائدة للقاعدة و بالعكس و هذا يكون نظير الشبهة في موارد الأصول العقلية الدالة على قبح العقاب بلا بيان و انه ما الفائدة في‌

____________

(1) أقول هذا مثل غيره في الحكم و في نظر العرف من غير فرق بعد ضم البعض الى بعض بالاتصال كالأجزاء المتصلة في ميتة واحدة.

78

جعل الشرع حكما بالبراءة بمثل حديث الرفع مع كون العقل حاكما بمقتضاه.

فنقول قد أجاب النائيني (قده) بأن الطهارة في مورد القاعدة ظاهرية و من آثارها جواز الشرب و في مورد الاستصحاب واقعية و فيه انه إذا كان مفادها الطهارة الظاهرية لا يجوز الدخول في الصلاة مع الوضوء بهذا الماء الذي جرت فيه القاعدة لأن شرط الصلاة يكون الطهارة الواقعية إجماعا.

و الجواب الصحيح هو ان يقال ان الاستصحاب يكون مثل الامارات محرزا للواقع الا انه يكون موضوعه الشك و الامارات موردها الشك و قاعدة الطهارة تكون مثل تنزيل المؤدي في الأمارات على مسلك الشيخ اعنى ترتب آثار الواقع فإذا انكشف عدم الواقع يجب إعادة الصلاة التي صليت مع الوضوء بالماء الثابت طهارته بالقاعدة.

و الحاصل ان الاستصحاب و القاعدة كلاهما يكونان محرزين الا انه يقدم الاستصحاب على القاعدة و يكون حاكما عليها لأن الغاية في دليل القاعدة يكون هو العلم و الاستصحاب علم مثل كل شي‌ء طاهر حتى تعلم انه قذر فغاية القاعدة العلم بالقذارة و غاية الاستصحاب و ان كان علما مثل لا تنقض اليقين بالشك بل أنقضه بيقين آخر الا ان مفاد القاعدة لا يكون علما.

فتحصل من جميع ما ذكر انه إذا كان في مورد من الموارد كلا الأصلين فتعارض مع أصل آخر و سقط به بعض الأصول فالباقي سالم عن المعارض مثل موارد العلم الإجمالي مع العلم بالحالة السابقة في أحد الطرفين فاستصحاب الطهارة في ماله حالة سابقه يعارض مع القاعدة في الأخر و يتساقطان و يبقى القاعدة في ما كان له حالة سابقه بلا معارض.

فان قلت استصحابها يقدم على اى نحو كان قلت ان العلم الإجمالي مانع عن ذلك و تقدم الاستصحاب على القاعدة يكون في موضوع واحد لا في موضوعين هذا بيان الأصل الحكمي و اما الموضوعي في المقام على مسلك من يجرى الاستصحابات‌

79

في الاعدام الأزلية فجار مطلقا. و على مسلك من لا يجريها مطلقا فلا يجرى مطلقا و اما على مسلك التفصيل و هو ان العناوين ان كانت مأخوذة في الذات مثل الإطلاق في الماء فلا يجرى و ان كان من العناوين الطارية في مثل القرشية فيجري فالمقام من أيهما كان فحكمه كان كذلك.

و اما الصورة الثالثة و هي الشك في انه يكون من الملاقاة بالطاهر أو بالنجس فمثل ذلك في جريان الأصول.

[مسألة 17- إذا وقع في الماء دم و شي‌ء طاهر أحمر فاحمر بالمجموع لم يحكم بنجاسة]

مسألة 17- إذا وقع في الماء دم و شي‌ء طاهر أحمر فاحمر بالمجموع لم يحكم بنجاسة (1)

اعلم ان هذه المسألة يكون لهما ربط بالمسألة التاسعة في التغيير بالأوصاف و هذا فرع منها و هو ان التغيير إذا كان له مانع فما ذا حكمه؟ و كلام المصنف هذا مطلق من جهة انه كان الاستناد إلى أحدهما أو الى المجموع.

فنقول ان التغيير و لو مرتبة منه تارة يمكن استناده الى النجس فهذا حكمه النجاسة و تارة يكون الاستناد بالمجموع و هذا على قسمين.

الأول ان يعلم انه لو لم يمكن المانع لحصل التغيير بالنجس فهذا محكوم بالنجاسة خلافا للمصنف لان المانع في هذا يكون من الحس و العرف يرى ذلك من الحس أيضا.

الثاني ان يكون كل واحد منها جزء العلة بحيث لو لم يكن واحد منها ما حصل التغيير و هذا يكون محكوما بالطهارة لأنه لا يصدق التغيير بالنجس.

فان قلت ما الفرق بين هذا و بين ما إذا كان التغيير بجزء من الميتة فإنه قد مر الحكم بالنجاسة و لو كان الداخل في الماء جزء العلة دون ذا.

قلت الفرق في ان التغيير فيها يكون بالنجس أعم من المجاور و الداخل و لكنه هنا لا يصدق لأن أحد الطرفين في هذه المسألة يكون هو الشي‌ء الطاهر و لا يصدق التغيير‌

____________

(1) إذا لم يكن التغيير و لو ببعض المراتب بسبب الدم و الا فهو نجس.

80

بالنجس على اى نحو كان مع ان إطلاقات الأخبار منصرفة عن هذا لانه يمكن استفادة كون التغيير بالملاقاة من النجس مطلقا و لكن لا يمكن استفادة كونه بالملاقاة الأعم من النجس و المتنجس فإنها يكون في مورد الميتة فقط.

الكلام في الماء إذا زال تغيره بنفسه

[مسألة 18- الماء المتغير إذا زال تغيره بنفسه]

مسألة 18- الماء المتغير إذا زال تغيره بنفسه من غير اتصاله بالكر أو الجاري لم يطهر نعم الجاري و النابع إذا زال تغيره بنفسه طهر لاتصاله بالمادة و كذا البعض من الحوض إذا كان الباقي بقدر الكر كما مر.

اعلم ان هذا هو النزاع المشهور بين يحيى بن سعيد و احتمله العلامة أيضا بأن الماء إذا تغير و زال تغييره بنفسه يطهر و بين المشهور القائلين بعدم التطهير الا بالاتصال بمطهر و لا شبهة في ان القليل إذا تغير و زال تغييره لا يكون محل النزاع لان سبب النجاسة فيه هو الملاقاة، كان التغيير فيه بالأوصاف أو لم يكن فنذكر أدلة الطرفين ليرفع النزاع من البين.

اما المشهور فيستندون إلى أمور: الأول صحيحة ابن بزيع التي قد مر ذكرها و نحن نذكرها مجددا و نتمسك بها و هي (في باب 3 من الماء المطلق حديث 12) قوله (عليه السلام) ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء الا ان يتغير ريحه أو طعمه فينزح حتى يطيب و يذهب الريح و يطيب طعمه لأن له مادة. و ان لم يتمسك بها الفقهاء قبل بيان مقتضى الأصل العملي و قد مرت الاحتمالات فيها و فساد احتمال حبل المتين بان القيد يرجع الى جملة ينزح حتى يذهب ريحه أو طعمه فيطيب لانه يكون أمر تكويني و لا يكون من شأن الجاعل الشرعي ذكره فنقول انه واسع أو انه واسع و طاهر لان له المادة لا لشي‌ء آخر يكون منه زوال التغيير بل العلة لكونه كذلك يكون هي وجود المادة بحيث لو لم تكن لم يطهر و لم يكن واسعا.

و توهم انها مخصوصة بالبئر يكون خال عن السداد لانه لا فرق في العواصم من‌

81

هذه الجهة هذا دليل اجتهادي فإن قبلت التقريب فهو و الا فبعد عدم التمامية يرجع الى الأصل العملي و هو هنا استصحاب النجاسة لأنه كان هنا ماء قد تغير و صار نجسا و زال تغييره فنشك في الطهارة و النجاسة فنستصحب النجاسة.

و قد أشكل عليه بأمرين: الأول تغيير الموضوع و اتحاده شرط في جريان الاستصحاب فان الموضوع للنجاسة كان الماء المتغير و هذا لا يكون كذلك و فيه ان هذا مردود لان تعين الموضوع في الاستصحاب كان بنظر العرف و هو لا يرى فرقا بين ذا و ذاك لان الذات باقية اعنى ان هذا الماء كان نجسا فنشك في طهارته على انه قد ذهب الشيخ الأعظم الأنصاري (قده) بان المشتق حقيقة فيما تلبس بالمبدء و انقضى عنه فيصدق على هذا الماء، الماء المتغير و ان زال تغييره بنفسه.

الثاني ان الاستصحاب لا يجري في الشك في المقتضى على ما ذهب إليه الأنصاري (قده) و هذا يكون من الشك فيه لأنا لا نعلم ان اقتضاء النجاسة كان بقدر يبقى حتى بعد زوال التغيير أولا، فيكون مثل الشك في وجود ما في الدار من جهة كونه فيلا أو بقا.

و فيه ان هذا لا يكون من ذاك الباب بل يكون الشك في الرافع لأن النجاسة مسلمة الا انه يشك في رافعها و على فرض التسليم يجرى الاستصحاب في الشك في المقتضى أيضا على ما هو التحقيق لإطلاق دليل الاستصحاب بالنسبة إليه أيضا.

و اما سند المخالف فوجوه: الأول منها روايات الباب فان الظاهر من التغيير فيها هو الفعلي و إذا علّق شي‌ء بأمر وجودي فهو في الحدوث و البقاء دخيل فهنا التغيير صار سببا للنجاسة فإذا ذهب ذهبت النجاسة أيضا فمنها موثقة سماعة (في باب 3 من أبواب المياه حديث 6) و فيها إذا كان النتن الغالب على الماء فلا تتوضأ منه فالمدار يكون على النتانة و منها صحيحة شهاب (في باب 9 من أبواب الماء المطلق حديث 11) و فيها «توضأ من الجانب الأخر» و هذا بعد ما ذكر فيها التغيير في جانب منه فإذا لم يكن في الجانب الأخر يصح الوضوء فالمانع فقط يكون هو التغيير و منها رواية على‌

82

ابن فضيل (في باب 3 من الماء المطلق ح 7) و فيها لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول فالمدار فيها يكون على التغيير باللون.

و فيه ان التغيير الحدوثى يكون سببا للنجاسة و اما الدوران مداره بقاء فلا لانه و ان كان الظاهر بيان الشرطية و لكن لا يكون تصريحا به بل يؤل اليه و على فرض عدم تمامية الدليل على النجاسة بواسطة هذه المقالة فالاستصحاب حاكم و لا مناص منه.

الثاني منها صحيحة ابن بزيع المتقدمة: و حاصل التقريب فيها ان كلمة حتى يكون فيها للتعليل اى ينزح حتى يطيب فالنزح يكون لزوال التغيير و التعليل في جملة لأن له المادة يرجع الى هذا و إذا كان المورد لا يخصص و لو كان هو الاتصال بالمادة فنحكم بالطهارة بواسطة زوال التغيير.

و فيه ما مر من ان رجوع العلة الى ذلك غير صحيح و ان المورد يكون مخصصا كما قلنا في اعتبار المزج و حمل كلمة حتى على التعليل نادر و هو خلاف الظاهر أيضا لأنه يكون للانتهاء (1).

و الثالث منها رواية النبوي في المستدرك باب 9 من أبواب الماء المطلق ح 6 إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا.

و تقريب الاستدلال به على فرض كون معنى البلوغ هو كون الماء قدر كر ثم لاقى النجس هو ان ماء الكرّ بطبعه الأولي الذاتي لا يكون حاملا للخبث و انه عاصم و بعبارة واضحة مقتضى طبعه عدم حمل القذارة فإذا تغير و زال تغيره يرجع الى طبعه الاوّلى و هو الطهارة و على فرض كون معنى البلوغ عدم كونه قدر كرّ و حمل خبثا ثم تمم كرا أيضا يكون التقريب واضحا لأنه إذا لم يحمل خبثا على هذا الفرض فعدم حمله على الفرض السابق اولى.

____________

(1) بل يدور مدار الظهور في الموارد فربما يكون للتعليل و ربما يكون لغيره لوجود قرينة على خلافه و ندرة غير معنى الانتهاء غير ثابتة.

83

و أجيب أولا بأن الرواية ضعيفة السند إلا أنها مرسلة و لا تكون مستندة الى أئمتنا (عليهم السلام) و المرسل و ان كان ابن إدريس و الشيخ و ان السيد المرتضى عمل بها مع انه لا يعمل بالخبر الواحد و لكن لا يوجب هذا جبرها.

و هذا الجواب لا وجه له لانه قد ثبت في موضعه ان الوثوق على قسمين: الأول الوثوق المخبرى و الثاني الوثوق الخبري و هذا الأخير حاصل في المقام لان مفاد هذا الخبر مفاد روايات أخرى صحيحة الدالة على ان الماء إذا بلغ قدر كر لم ينجّسه شي‌ء و أمثاله يعمل بها مع كون المرسل مثلا أدون شأنا من هؤلاء الاعلام الذين مرّ ذكرهم فضلا عن مثلهم.

و ثانيا بان هذا مختص بالدفع لا الرفع و يؤيده ما ورد من ان ماء الكر لا ينجسه شي‌ء و هذا أيضا مردود لان لسان سائر الروايات يكون التصريح بالدفع و لكن لفظة لم يحمل خبثا قابلة للحمل عليه و على الرفع.

و ثالثا بان هذا وارد في مورد المتمم كرا لانه لا معنى للبلوغ إذا كانت الكرية حاصلة. و فيه ان البلوغ لا يحتاج الى السبق بالعدم بل معناه الماء إذا كان قدر كر لم يحمل خبثا و رابعا ان المورد يكون مورد استصحاب حكم المخصص بعد تخصيص العام و هو الماء إذا بلغ قدر كر لم ينجسه شي‌ء لحصول التغيير فيجب هنا استصحاب حكم التغيير لان العام سقط بالتخصيص عن الاعتبار و لا يكون له عموم بعده.

و قد عالج هذا الشيخ الأعظم الأنصاري (قده) بان المقام لا يكون مقام العام و التخصيص بل يكون من باب الإطلاق و التقييد اعنى لا عموم لعبارة الماء إذا بلغ.

إلخ و القدر المتيقن منه هو صورة التغيير و سائر الأحوال يبقى تحت الإطلاق و نحن أيضا نقول بان العام و المطلق إذا انحلا بالنسبة إلى الموارد فباقيه بعد التخصيص و التقييد يكون بلا معارض اى يحصل الانحلال في العام و في المطلق بحسب الافراد و خروج البعض لا ربط له بالبقية.

فنقول ان هذه الأجوبة كلها غير صحيحة بل الصحيح ان يقال ان المعارض‌

84

لها موجود و هو صحيحة ابن بزيع التي مرت مصدرها آنفا و موثقة ابن ابى يعفور (في باب 11 من الماء المضاف ح 4) اما الأول فلأنه يكون فيها التعليل بقوله لان له المادة فينتج عدم كفاية زوال التغيير و اما الثاني ففيها إياك ان تغتسل من غسالة الحمام و فيها يجتمع ماء اليهودي و المجوسي إلخ و هذه مطلقة من جهة كون الغسالة بلغت قدر كر أو لم تبلغ كانت متغيرة أو غيرها فيعلم منها ان صرف البلوغ قدر كر لا يكفى (1) للمطهرية بل يحتاج الى شي‌ء آخر.

____________

(1) و فيه ان هذا غير ظاهر فيما نحن فيه أصلا و غير ناظر إليه ليؤخذ منه الإطلاق

85

[فصل في الماء الجاري]

فصل في الماء الجاري الماء الجاري و هو النابع السائل على وجه الأرض فوقها أو تحتها كالقنوات لا ينجس بملاقاة النجس ما لم يتغير سواء كان كرا أو أقل و سواء كان بالفوران أو بنحو الرشح و مثله كل نابع و ان كان واقفا.

اعلم ان البحث في هذا الفصل يكون في مقامين الأول تعريف الموضوع من جهة نظر الشرع و العرف و الثاني ما يترتب عليه من الحكم.

اما المقام الأول انه قد عرفت ما ذكر من تعريف الجاري عن المصنف (قده) و هو ان الدخيل في صدق الموضوع شيئان السيلان و النبع الا انه يرى من كلماتهم المخالفة بكلا طرفي التعريف فنقضه صاحب المسالك بالمياه التي يكون فيها النبع دون السيلان فإنها يصدق عليها الجاري حقيقة و لو لم تكن سائلة فالمناط عنده و عند أمثاله ان المناط هو إمكان الجري سواء جري أو لم يجر و يرى من بعض آخر منهم ان الماء و لو لم يكن له نبع و مادة مثل المياه التي تجتمع و تجرى من الثلج و ما يجتمع بواسطة السد و مثله يصدق عليه الجاري أيضا حقيقة فلا يكون النبع و السيلان كلاهما دخيلين في صدق الموضوع.

فتقول ما ذكروه لعله يكون من باب مار أو من تناسب الحكم و الموضوع و ان هذه الموارد يكون الماء فيها عاصما و التحقيق ان يقال ما له النبع دون الجريان الفعلي‌

86

و ان كان له الشأني لا يصدق عليه الجاري قطعا و ما لا يكون له النبع اما ان يكون له مادة جعلية كجعل السدّ و جمع الثلج في الجبال فإنه يكون في الواقع مادة و يصدق عليه الجاري و ما لا يكون كذلك و ان صدق عليه الجاري عرفا و لكن لا يفيد ما هو المطلوب في الفقه فان العرف يسمى ما جرى من الإبريق على الأرض أيضا جاريا فما ذكره الشهيد (قده) غير وجيه فلعله قال ذلك من باب تناسب الحكم و الموضوع و الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) قد أطالوا الكلام هنا و لكن المصنف (قده) لما بين جميع المواضع لبيان حكمها فلا نطيل الكلام هنا أزيد من هذا.

و اما المقام الثاني و هو بيان حكم الجاري فلا شبهة بعد إثبات العاصمية من حيث التغيير و عدمه بالنجس أو بلون ثالث أو بلون المتنجس فهنا أيضا حكمة مثل حكم الكر الذي قد مضى البحث فيه طويلا و هذا فيما كان الجاري على السطح بمقدار الكر لا يكون محل الكلام أصلا إنما الكلام فيما إذا كان المادة أقل من الكر فعن العلامة (قده) انه يشترط وجوب كون ما في الخارج بقدر الكر بحيث لو لم يكن كذلك لم يكن عاصما و عن بعض آخر اشتراط كون المادة مع ما في الخارج بقدره و اما وجوب كون المادة كرا فلم نجد قائلا به هذا و لكن المشهور عدم الاعتبار لان عنوانه يكون غير عنوان الكر و العرف يحكم بعدم اناطة أحدهما بالاخر.

و قد استدلوا عليه بالأخبار الأول ما مر من صحيحة ابن بزيع من ان العلة للعاصمية يكون هو وجود المادة (بقوله لان له المادة) و هذا التعليل ان رجع الى الواسع أو الى الطهارة الاصطيادية منه يكون واضحا أعني انه طاهر أو عاصم لان له المادة و اما ان رجع الى قوله يطيب في الرواية بمعنى يطهر اى يطهر لان له المادة فقد يقال انه يفيد الرفع لا الدفع.

و لكن لا وجه له لان الدفع أهون من الرفع لان الماء ما لم يكن دافعا لا يتصور كونه رافعا لا من جهة كون هذا دقة فلسفية بل من جهة ما يفهم العرف من الملازمة بينهما‌

87

كالملازمة بين لا تقل لهما أف و لا تضربهما و من جهة انه لا يمكن المطهرية الا على فرض العصمة و الا فكل جزء خرج من المادة إذا لم يكن رافعا فلا محالة يصير نجسا فبعد النزح أيضا يلزمه عدم طهارة البئر فلا بد من القول بأنه متى طلع الماء عن المادة يطهر و يطهّر و يستأنس لما قلناه ان العناوين من البدو الى الان كان كل واحد منها غير مربوط بالاخر و الجاري عنوان و الكر عنوان آخر.

الثاني صحيحة داود بن سرحان (في باب 7 من أبواب المياه ح 1) قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ما تقول في ماء الحمام قال هو بمنزلة الماء الجاري، و تقريب الاستدلال هو ان الظاهر من السؤال هو السؤال عن حكمه من حيث الطهارة و النجاسة دون سائر العناوين و كان أيضا مركوزا في ذهن السائل حمامات ذاك الزمان التي لها حياض صغار متصلة بالحوض الكبير و كان أيضا في ذهنه أن الجاري يطهّر بعضه بعضا و كان عاصما فلما سئل الإمام (عليه السلام) مع هذه الارتكازات و قال (عليه السلام) في جوابه هو بمنزلة الماء الجاري يرجع معناه إلى انه كما يكون عاصما كذلك ماء الحمام عاصم يطهر بعضه بعضا.

و الاشكال بإهمال التنزيل عليه لا وجه له فنستفيد من ذلك ان الماء الجاري مطلقا عاصم و لذا لم يقيد الامام (عليه السلام) بان ماء الحمام يكون مثل ماء الجاري الكر هذا و قد قلب الشيخ الأنصاري (قده) هذا على المشهور بقوله هذا على خلافهم أدل من وفاقهم و قرره بان ماء الحمام لما يكون مثل الجاري في الحكم يجب ان يكون الجاري مثل الحمام في الموضوع فإن مائه لما يكون كثيرا بمقدار الكر أو أكثر يجب ان يكون الجاري أيضا كذلك.

و فيه أولا لا يلزم في التشبيه ان يكون المشبه مثل المشبه به في الموضوع. (1)

و ثانيا يلزم على هذا ما لا يلتزم القائل به و هو ان ماء الحمام إذا كان الحياض‌

____________

(1) أضف الى ذلك انه إذا قيل زيد كالأسد في الشجاعة لا يلزم ان يكون الأسد مثل زيد في الموضوع بكونه عريض الأظفار الماشي على القدمين.

88

فيه سطوحها واحدة يكفى ان يكون الجميع بقدر الكر لتطهير بعضه بعضا و اما إذا لم يكن كذلك و كان المنبع عاليا يجب ان يكون بقدر الكر أو أزيد فإن كان من لوازم وحدة الحكم وحدة الموضوع يجب القول بأن الجاري أيضا يجب ان يكون مادته إذا كان عاليا بقدر الكر أو أزيد و لا يقول بهذا احد حتى العلامة (قده).

و ثالثا العلم بكرية المنبع لا يمكن عادة إلا بإحضار مهندس عالم باحوالات الأرض.

و الثالث موثقة ابن ابى يعفور (في باب 7 من أبواب المياه ح 7) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال قلت أخبرني عن ماء الحمام قال ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا.

و تقريب الاستدلال بهذا يكون أوضح ممّا مر لان فيه التصريح بوجه الشبه بقوله يطهر بعضه بعضا و هذا يدل على عاصمية الجاري.

و أشكل عليها أولا بأن الماء إذا كان كثيرا له حكم ذلك و اما إذا لم يكن فلا لان المشبه به فيها يكون هو النهر و هو يطلق على المياه الكثيرة فيستفاد منها ان الجاري إذا كان بقدر الكر أو أكثر يطهّر بعضه بعضا.

و فيه أولا منع الانصراف لانه لا غلبة في كون النهر كثيرا و على فرض الغلبة فهو انصراف بدوي و الانصراف البدوي لا يعتمد عليه.

و ثانيا بأنه يطهر بعضه بعضا لا باعتبار ان له المادة بل باعتبار ما في الخارج و ما فيه لا يمكن ان يكون عاصما إلا إذا كان بقدر الكر أو أكثر.

و فيه ان ما فيه المادة أيضا ما يكون مطهرا منه هو الذي يكون في الخارج و هو يطهر بعضه بعضا و لا يشترط ان يكون كرا.

و الرابع موثقة سماعة (باب 5 من أبواب المياه ح 4) قال سئلته عن الماء الجاري يبال فيه قال لا بأس به.

و تقريبه هو ان السؤال عن الماء الجاري يكون عن حكم شربه و طهارته و بعد القول بعدم البأس يفهم انه عاصم لا ينفعل بواسطة البول و أشكل عليها بإجمال‌

89

الرواية من جهة الإجمال في ضمير به فإنه لا يعلم انه يرجع الى البول أو الى الماء.

و فيه ان هذا واضح الفساد لان تقديم الجاري موصوفا بكونه يبال فيه ظاهره السؤال عن حكمه لا عن جواز البول فيه و عدم جوازه و ما سئل فيها من الروايات عن حكم جواز البول في الماء يفهم ذلك منه من قرينة كقوله (عليه السلام) ان للماء أهلا و غير ذلك و من أراد بيان حكم البول فيه يقول سئلت عن البول في الماء الجاري لا بنحو ما ذكر في هذه الرواية.

و الخامس روايات مرسلة أحدها عن الراوندي عن على (عليه السلام) (في المستدرك باب 5 من أبواب المياه المطلقة ح 1) و فيها ماء الجاري لا ينجسه شي‌ء.

و ثانيها عن فقه الرضا (في المستدرك باب 5 من الماء المطلق ح 6) و فيها اعلموا ان كل ماء جار لا ينجسه شي‌ء.

و ثالثها ما عن دعائم الإسلام (في المستدرك باب 5 ح 2) و فيها السؤال عن الماء الجاري يمر بالجيف. فيحكم بعدم جواز الوضوء من جانب تغير و بجوازه من الجانب الأخر و دلالة هذه على المطلوب واضحة لأن الأولين نصان و الثالث كالنص في العاصمية لانه (عليه السلام) جرى عليه حكم العاصم الذي لا ينجس بمجرد الملاقاة و اما كونها مرسلة فلا يكون إشكالا لأن الراوندي و الدعائم ثبت اعتبارهما و الفقه الرضوي مؤيد على فرض عدم تمامية السند هذا تمام الاستدلال للمشهور.

في دليل من اعتبر في الجاري الكرية و اما سند المخالف و هو العلامة و من تبعه فهو الأدلة الدالة على انفعال ماء الكر منها قوله (عليه السلام) إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شي‌ء (في باب 9 من الماء المطلق ح 1) و مفهوم هذا هو ان الماء إذا لم يبلغ قدر الكر ينجسه شي‌ء و لا فرق في إطلاق المفهوم بين الجاري القليل و غيره و الحاصل النسبة بين أدلة عاصمية الكر و الجاري عموم من وجه فان دليل الجاري و هو وجود المادة يشمل القليل و الكثير و مفهوم أدلة الكر يشمل الجاري القليل و غيره و مورد الافتراق الكر الغير الجاري و الجاري الكثير و مورد‌

90

الاجتماع الجاري القليل فمقتضى أدلة الكر عدم العاصمية و مقتضى أدلة الجاري العاصمية فان قلت لا يتصور التصرف في المفهوم الا مع التصرف في المنطوق و هنا لا تصرف فيه قلنا إذا حصل لك معنى ما قلنا لك في نسبة مفهوم أحدهما مع منطوق الأخر فيظهر معنى التصرف في المنطوق فنقول في منطوق دليل الكر يدور الأمر بين اختصاصه بالراكد و بين اختصاص الجاري بالكثير.

فإذا عرفت ذلك ففي مورد التعارض قد يستدل للعلامة و من تبعه بان اختصاص دليل الكر بالراكد لما يلزمه خروج أكثر الأفراد عن الدليل فيبقى عمومه بحاله و يخصص دليل الجاري بالكثير لانه لا يلزم منه ذلك لان القليل منه كان أقل الأفراد هذا حاصل ما استدلوا به.

و فيه أولا انه لا تعارض بين الدليلين بل يكون دليل الجاري حاكما على دليل الكر و الحاكم و لو أضعف ظهورا يقدم على المحكوم فكيف إذا كان أقوى و كان دليل الجاري ناظرا الى دليل الكر و يفهم منه كما ان الكر عاصم كذلك أحد أفراد العاصم الجاري القليل و الكثير و ثانيا نقول بأنه أظهر لتنصيص العلة بان له المادة و ثالثا فهم العرفي يساعد ذلك لان العرف يرى عنوان الجاري غير عنوان الكر و الفرق في حكمهما يكون من جهة الفرق في الموضوع.

و اما ما ذكر من ان تخصيص أدلة الكر بالمحقون يكون من حمل المطلق على الفرد النادر لا غرو فيه أولا بأنهم قد يذكرون اختصاصه بالمحقون و على فرض عدم التمامية كما هو التحقيق فنقول أكثر أفراد الجاري أيضا قليل و يلزمه حمل المطلق على الفرد النادر إذا خصص بالكثير على انه لا معنى لاعتبار الكثرة فإنه على فرضها لا معنى لعنوان الجاري بل لانه كثير عاصم له الأثر لا من جهة انه جار فقط فمقتضى انخفاظ العناوين هو الحمل على القليل و الكثير.

ثم لا يخفى ان القول بأن البئر يجب ان يكون ما في الخارج منها بقدر الكر غير وجيه لان نزح دلو يوجب صيرورة مقدار الدلو أو الأقل منه أو الأكثر قليلا‌

91

و عليهذا يلزم القول بان كل ما خرج ينجس و هذا كما ترى. ثم ان ما ذكرناه يكون على فرض تعارض مفهوم دليل الكر مع منطوق دليل الجاري و لكن المفهوم كما كان لدليل الكر يكون لدليل الجاري أيضا فإن مفهوم ماله المادة هو ان ما ليس له المادة لا يكون عاصما و لو كان كرا لان الوصف في الأول يشعر بالعلية المنحصرة و هو حاصل قوله ماء الكر لا ينجسه شي‌ء اى الماء الذي بلغ قدر كر لا ينجسه شي‌ء لانه كر و كذا العلة في صحيحة ابن بزيع تكون منحصرة فيصير هذان الدليلان من باب إذا خفي الأذان فقصر و إذا خفي الجدران فقصر فما قالوا فيه هناك يقال ببعضه هنا أيضا فمنه الجمع بان كل واحد منهما يمكن ان يكون جزء العلة و منه الحمل على الجامع و الأول لا يمكن فيما نحن فيه فنقول الجامع بين الكرية و وجود المادة يصير سببا للعاصمية بحيث ما إذا وجد أحدهما يوجد الجامع و ينشأ العاصمية و يرتفع التعارض.

سلمنا و لكن بعد هذا فيكون المرجع العام الفوق بيان ذلك انه إذا كان دليل خاص في مقابل عام آخر فعارضه خاص آخر يتساقطان و يرجع الى العام ففيما نحن فيه تعارض دليل الجاري مع دليل الكر الخاصان بالنسبة إلى العام الفوق و هو النبوي خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء إلا ما غير لونه أو ريحه أو طعمه فيتساقطان و يبقى الجاري القليل تحت العام فان لسانه ان كل ماء طهور خرج منه القليل الغير الجاري و لا يكون لنا دليل على خروج الجاري القليل فنحكم بأنه عاصم هذا.

ثم انه على فرض عدم الرجوع الى هذا العام لضعف سنده أو لجهة أخرى فالأصل هنا بلا مانع فيرجع اليه فإذا علم حالته السابقة فيكون مجرى الاستصحاب و اما إذا لم يكن فمجرى القاعدة إذا أصابه نجس و شك في نجاسته من جهة الشك في انه عاصم أم لا و لكن إجراء الأصل لا يثبت العاصمية لأن الأصول التعبدية لا يكون مثبتها حجة فلا يمكن ان يقال انه عاصم فلا ينجس فان قلت فما الفائدة في إجرائه.

92

قلنا من ثمراته جواز التطهير به إذا كان بنحو الورود على النجس و لا يكون المقام من باب الأصل السببي و المسببي فتجري أصالة نجاسة ما لاقاه أيضا و لا يخفى ان جريان قاعدة الطهارة في هذا المورد منوط بجريانها في الشبهة الحكمية أيضا فإن ما نحن فيه يكون منها لأنا نشك في حكم الماء الكذائي من حيث انه طاهر أم نجس بيانه ان دليلها و هو كل شي‌ء طاهر حتى تعلم انه قذر يستفاد منه أو لا قاعدة كلية و هي ان قولنا الحكم الاولى في جميع الأشياء الطهارة حتى تعلم النجاسة يصير دليلا على الاستصحاب و ما ذكر ان كل شي‌ء طاهر ظاهره ان كل موضوع شك في طهارته و نجاسته مع قطع النظر عن الحكم لا بملاحظة حكمه فان استفيد منه أيضا حكم الشبهة الحكمية ففيما نحن فيه أيضا تجري القاعدة و يفهم منه أيضا الطهارة الواقعية فتحصل من جميع ما ذكرناه عدم تمامية كلام العلامة و من تبعه.

ثم انه لا يشترط ان يكون ما في المادة بقدر الكر لان العلم به مشكل عادة و يحتاج الى المهندس العالم بما تحت الأرض ففي صورة العلم بأنها كر أو الشك فيها نتمسك بإطلاق صحيحة بن بزيع و نقول ان له المادة فيكون طاهرا.

و اما إذا علمنا بأن المادة ليست بكر و نعلم أيضا ان المجموع من المادة و الخارج لا يصير بقدره فان كان أيضا متصلا مثلا بالبحر و لو بالترشحات الدقيقة فلا إشكال في العاصمية و اما إذا لم يكن كذلك فان سلمت عدم الاشكال من الرجوع الى العام الفوق كما مر فهو و الا يرجع الى الأصل و هو استصحاب الطهارة و قاعدتها و يترتب عليه ما ذكرنا.

بقي في المقام أمران الأول انه هل يختص المادة بما يكون له الفوران و يعتبر ذلك في صدقه أو يكفي الترشح أيضا قولان و المشهور كفاية الرشح الا انه لا يعلم من حكمهم الإلحاق الموضوعي أعني انه يكون من مصاديق ماله المادة فلذا يحكم بالعاصمية أو الحكمي و معناه انه و لو لم يكن من مصاديقه يكون بحكمه و كيف كان فالثمرة الفقهية واضحة و لا فرق فيها من جهة الإلحاق الحكمي أو الموضوعي و التحقيق ان هذا و لو لم يكن له الجريان الا انه يصدق ان له المادة لصحيحة‌

93

ابن بزيع الثاني إذا كان ماء واقفا لا يكون له الفوران و الرشح فإنه إذا كان بئرا لا شبهة في حكمه و لا يخفى فرض المسألة يكون فيما كان له المادة و لكن قلته يكون بقدر شك في صدقها عليه و اما إذا كان غير البئر فهل يحكم عليه بالعاصمية بالإلحاق الموضوعي أو الحكمي أو لا يحكم خلاف ذهب الشيخ الأنصاري (قده) الى الثاني و اختار بالاحتياط بل على الأقوى انفعاله بملاقاة النجس و قال غيره كالمصنف انه يصدق عليه ان له المادة و يلحق بالجاري.

و التحقيق في المقام التفصيل فنقول يجب الاختبار بأخذ دلو منه مثلا فان خرج عنه ثانيا بالتدريج العرفي و صار عوضا لما أخذ منه فيحكم عليه بالعاصمية و اما إذا لم يخرج فلا يصدق انه له المادة و لعل القائل بان له المادة يريد هذا لا غير‌

[مسألة 1- الجاري على الأرض من غير مادة نابعة أو راشحة إذا لم يكن كرا ينجس بالملاقاة]

مسألة 1- الجاري على الأرض من غير مادة نابعة أو راشحة إذا لم يكن كرا ينجس بالملاقاة نعم إذا كان جاريا من الأعلى إلى الأسفل لا ينجس أعلاه بملاقاة الأسفل للنجاسة و ان كان قليلا.

توضيح المسألة هو ان نقول ان الماء الجاري على الأرض إذا لم يكن له المادة ينجس بملاقاة النجس و دليله عدم وجود المادة ثم ان كانت الملاقاة مع العالي ينجس السافل قطعا و اما إذا لاقاه النجس في السافل فهل ينجس أم لا قولان:

الأول ان الجريان من العالي الى السافل إذا كان بدفع لا ينجس السافل و لا فرق في ذلك بين الجريان من العالي الى السافل أو بالعكس كالفوارة لأن الدفع يوجب تعدد الموضوع و اما إذا لم يكن له دفع فلا وقع لصرف العلو لان العرف لا يرى الموضوع متعددا و لو كان له دفع بالدقة العقلية لجريانه و حاصله ان المناط يكون بالدفع و الحكم دائر مداره.

و الثاني كما عن الهمداني ان العالي لا ينجس بملاقاة السافل النجس و لو لم يكن له دفع بل مجرد كونه في العلو يوجب عدم تأثير النجاسة فيه.

ثم ان الدليل على الأول هو ان الماء الواحد لا يكون له الا حكم واحد و إذا تعدد‌

94

الماء عرفا فيمكن وجود الحكمين المتعددين و قد مر ان الجامدات بملاقاة جزء منها مع النجاسة لا ينجس كلها لأنها لا تسرى إلى سائر الاجزاء و كان الموضوع الملاقي غير ما لم يلاق و اما المائعات ففي بعض الصور منها يصدق السريان و هو صورة تساوى السطحين و مع صدق الواحدية و اما إذا لم تصدق الوحدة فيمكن ان يحكم على كل موضوع بحكمه على حدة و هذا التعدد في الماء الجاري يحصل بواسطة الدفع فان كان له دفع فيرى العرف تعدد العالي و السافل و عدم السراية من السافل اليه و اما مع عدم الدفع فالماء الواحد لا يكون له الا حكم واحد و هو نجاسة الجميع.

و الدليل على الثاني حاصله ما قرره الهمداني (قده) و هو ان كيفية انفعال المياه لا يكون لنا دليل عليها من الشارع فيحال الى العرف في فهمها و إذا راجعنا إليه في المسألة نرى أنه يستحيل بنظره سراية نجاسة السافل الى العالي و الحاصل ان الحاكم اما ان يكون الشرع أو العرف و الشرع لا يكون له حكم في ذلك فالحاكم هو العرف و هو يحكم بعدم السراية و النجاسة و معنى استحالته هو عدم الصدق و هذا يكون كلام الشهيد (قده) و يصرح أيضا بأن قاعدة الوحدة حاكمة في صورة عدم العلم و اتحاد الموضوع و اما فيه فالماء متعدد فلا يكون له حكم واحد.

و فيه ان ما ذكره (قده) و أخذه من الشهيد منوط بفهم العرف التعدد في المورد لأن القاعدة تدور مدار الوحدة في الموضوع و هو لا يفهم التعدد بل يراه واحدا و لا يكون العلو و السفل موجبا لتعدد الموضوع (1)

[مسألة 2- إذا شك في ان له مادة أم لا]

مسألة 2- إذا شك في ان له مادة أم لا و كان قليلا ينجس بالملاقاة

اعلم ان هنا يتصور ثلاثة صور الاولى ان يكون له مادة معلومة و شك في بقائها‌

____________

(1) هذا صحيح و اما إذا كان الماء في سطح واحد و لكن يكون في نهر ضيق طويل فأوله و آخره يكون بنظر العرف متعددا فلو وجد تعدد الموضوع بدون الدفع أيضا يمكن دوران الحكم مداره

95

بواسطة الزلزلة و نحوها و الثانية ان لا يكون له مادة و لكن شك أيضا من جهة الزلزلة في إيجادها ففي هاتين لا إشكال في جريان الأصل في الاولى و الحكم بالعاصمية و لا إشكال أيضا في جريانه في الثانية و عدم الحكم بالعاصمية لعدم إحراز المادة و الثالثة ان لا يكون له حالة سابقه و شك في وجود المادة له و اختلف الكلمات هنا و لكن حكم المصنف (قده) بالنجاسة و لكن لا يعلم ما هو السند له فذكر توجيهات و أدلة لقوله.

فنقول انه متهم في هذه المسألة و أمثالها برجوعه الى العام في الشبهات المصداقية فلنا هنا عام و هو مفهوم دليل الماء إذا بلغ قدر كر لم ينجسه فيرجع الى ان الماء القليل كله ينفعل و نعلم خروج ذي المادة و تخصيصه به فإذا كان المخصص معلوما فهو و اما إذا اشتبه انه يكون من مصاديق المخصص أو من مصاديق العام فهو متهم بأنه يرجع الى العام كما فيما نحن فيه.

و الحاصل ان مبناه في الأصول ينتجه القول بذلك. و فيه انه لا أظن ان يكون معناه في الأصول هكذا و لكن ان كان فهو فاسد قطعا هذا ما توهموه أولا.

التوهم الثاني انه يذهب بعض الى ان سنده (قده) لعله يكون جعل المقام من باب المقتضى و المانع بيان ذلك ان دليل الانفعال و دليل المادة لسانه يقتضي ان يكون القليل مقتضيا للانفعال و المادة مانعة فكأنه يكون مثل أكرم العلماء و لا تكرم الفساق منهم و لا يخفى ان استفادة ذلك اعنى الاقتضاء و المنع من طرف الشارع معتبر دون العرف و عليهذا فيصر ما نحن فيه صغرى لكبرى ما عليه العقلاء و هو انه بعد إحراز المقتضي إذا شك في وجود المانع يبنون على عدمه و لا يعتنون به فلذا حكم (قده) بالنجاسة لأنه يكون من باب الشك في وجود المانع و هو وجود المادة.

و فيه أولا انا لا نفهم الاقتضاء من دليل الانفعال حتى يكون ماله المادة من باب المانع بل المقام بالعكس فان ما فيه تصريح بالعلة أحق بأن يكون مقتضيا فإنه قد مر في صحيحة ابن بزيع ان ماء البئر لا يفسده شي‌ء لأن له المادة و دليل الانفعال لا يكون‌

96

بهذه المثابة بل هو مأخوذ من مفهوم دليل الكر فنقول المقتضى للعاصمية هو كونه ذا مادة ما لم يمنع مانع مثل القلة.

و ثانيا على فرض تسليم كون المفهوم من دليل الانفعال الاقتضاء فدليل المادة أيضا يفهم منه الاقتضاء و بناء العقلاء لا يكون في طرد احد المقتضيين بالاخر.

و ثالثا على فرض كون دليل الانفعال موجبا للاقتضاء فبناؤهم في باب المقتضى و المانع لا يكون مطلقا بل إذا كان له حالة سابقه و شك في المانع يبنون على عدم المانع دون ما كان مخلوق الساعة مثل ما نحن فيه فتحصل عدم تمامية التمسك بباب المقتضى و المانع اما لعدم إحراز أحدهما في القليل أو لعدم البناء في هذا المورد و أمثاله مما يكون له حالة سابقه.

و التوهم الثالث لتوجيه كلامه هو ما عن استاذنا النائيني (قده) فإنه يقول إذا كان لنا حكم إلزامي وضعيا أو تكليفيا و علق على أمر وجودي فما لم يظهر خلافه يتمسك به ففيما نحن فيه علق الانفعال على أمر وجودي و هو القلة و خصص بما له المادة فإن أحرز المادة فهو و الا فإن شك فيها فالمتمسك هو دليل الانفعال هذا حاصل ما ذكره (قده) و في كشف مراده خفاء عندنا و لذا نرد ما قيل في كشفه من التوهمات و نبين ما فهمنا من عبارته (قده).

فنقول لا يكون كلامه هذا من باب تمسكه بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص لانه مناد بأعلى الصوت بعدم جوازه و لا من باب التمسك بالمقتضى و المانع لأنه أيضا لا يتم عنده.

و لكنه (ره) يقول بأنه إذا صدر عام من المولى يكون في صدد بيان حكمين الأول أصل جعل القانون و الثاني كونه حجة عند الشك فإذا كان عام من المولى مثل أكرم جيراني ثم ورد عام آخر لا تكرم أعدائي فإنه يستفاد منه أولا وجوب إكرام الجيران فإذا شك في فرد انه يكون من الأعداء أم لا مع كونه من الجيران فيكون عنوان الجاروية لرفع الشك اعنى ما أراد المولى هو ان الجار لا يكون عدوا فأكرمه‌

97

و لو كنت في حال الشك ففيما نحن فيه كأنه قيل إذا لم يكن ماء قدر كرّ اى كان قليلا ينفعل و عنوان القلة يكون للتمسك في مورد الشك اى الماء الذي لا يكون قدر كر ينجّسه شي‌ء فعنوان عدم كونه كرا يفيدنا حتى في مورد الشك و لا يكون هذا من باب التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

و لا يخفى أيضا انه لا يكون مراده ما يتوهم من ان الإحراز شرط اى الماء إذا أحرز كونه ذا مادة فهو عاصم حتى يكون الإحراز جزء الموضوع لانه لا يفهم الإحراز من الدليل أولا و ثانيا يستلزم هذا القول بنجاسة ثوب غسل بماء لم يحرز كونه ذا مادة فظهر كونه في الواقع ذا المادة و هذا فاسد.

و ما زعم في رد هذا النقض غير وجيه و هو ان ماله المادة يفهم من دليله ان الواقع دخيل في العاصمية و لكن إذا أحرز فنحكم ظاهرا و واقعا بعدم الانفعال و اما إذا لم يحرز فوجب الحكم بالانفعال الظاهري و بعد ظهور الأمر بالعاصمية واقعا فكأنه يستفاد منه الحكم الظاهري و الواقعي فدليل الانفعال ينطبق ظاهرا في مورد النقض لا واقعا و هو كما ترى فإن الأستاذ النائيني (قده) لا يقول بذلك و هذا من أصله أيضا باطل لانه بتناسب الحكم و الموضوع لا يفهم من الدليل الا حكم واحد هذا تمام ما فهموه من عبارته و ما فهمناه منها فتدبر فيها.

و فيه أولا ان المورد لا يكون مما يفيد التعليق على أمر وجودي جعل العنوان للعام فلا يفهم منه ان الماء القليل بعنوان انه ليس بكر يكون له حكم الانفعال بل عند التحقيق يفهم خلاف ذلك لان الطبع الاولى في الماء هو عدمه فإنه ورد في الحديث خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء و لا يكون العنوان للعام في جميع الموارد بل في بعضها يمكن ان يصير العام معنونا بقرائن خارجية.

التوجيه الرابع لكلام المصنف هو القول باستصحاب العدم الأزلي: بيانه ان الماء الذي نشك في وجود المادة له حين لم يكن ما كان كرا فنستصحب عدم المادة في ذاك الزمان و سيجي‌ء الكلام فيه إنشاء اللّه فإن النائيني (قده) قائل بالربط السلبي‌

98

و نحن نذهب الى سلب الربط و أيضا سيجي‌ء منا التفصيل بين أوصاف لوازم الوجود و بين ما كان من لوازم الماهية و المقام يكون من قبيل الأول فيجري الأصل و الحق مع المصنف (قده) لا الثاني و على فرض جريان هذا النحو من الأصل فكلام المصنف لا اشكال فيه و لكن يشكل جريانه في باب الكر.

[مسألة 3- يعتبر في عدم تنجس الجاري اتصاله بالمادة]

مسألة 3- يعتبر في عدم تنجس الجاري اتصاله بالمادة فلو كانت المادة من فوق تترشح و تتقاطر فان كان دون الكر فينجس نعم ان لاقى محل الرشح للنجاسة لا ينجس.

أقول هذا واضح لان المستفاد من الصحيحة لابن بزيع الاتصال فان العاصمية لا تحصل بما إذا كان في مجاورة ماله المادة و اما استثناء موضع الرشح فلانه يكون متصلا.

[مسألة 4- يعتبر في المادة الدوام]

مسألة 4- يعتبر في المادة الدوام فلو اجتمع الماء من المطر أو غيره تحت الأرض و يترشح إذا حفرت لا يلحقه حكم الجاري.

أقول مأخذ هذا الكلام يكون من الشهيد (قده) و لكن عبارته تكون هكذا لا يشترط فيه اى في الجاري الكرية على الأصح نعم يشترط دوام النبع. فلتوضيح المقام يلزم نقل محتملات كلامه حتى يظهر المرام فنقول يمكن ان يكون احترازا عن العيون التي تنبع في ستة أشهر و تقف في ستة أو يكون الوقوف و النبع الأقل من ذلك أو الأكثر و حاصله ما يكون في بعض السنة واقفا و في بعضها جاريا و فيه ان هذا فاسد لان الدوام بهذه المثابة لا دليل عليه فإنه في حال الجريان يصدق انه ماء له المادة و يكون عاصما و لا يكون هذا محتمل كلام المصنف أيضا لأنه يقول الجاري يلحقه حكمه و السائل أيضا عليه حكمه و يمكن ان يكون احترازا عما ينقطع بواسطة السد و الطين فإنه بعد القطع لا يصدق على ما في الخارج انه له المادة لظهور وجوب الاتصال من الصحيحة لابن بزيع و هذا الاحتمال و ان كان صحيحا الا انه لا يليق‌

99

بشأن مثل الشهيد فإنه يكون من الواضحات و من القضايا التي قياسها معها.

و يمكن ان يكون احترازا عما يكون له السيلان الا انه يكون ضعيفا بحيث يقف آنا و يجرى آنا فكأنه لا اعتبار بهذا النحو من النبع و يرجع الى عدم الاتصال بالمادة و فيه ان هذا أيضا فاسد لان ظرف الاتصال ان كان بقدر يعتنى به فيحكم عليه بالعاصمية للاتصال و انصراف الصحيحة عند بعيد على انه إذا كان آنات الانفصال قليلة فلا يحسب بنظر العرف انفصالا فلعله يصدق عليه الاتصال العرفي.

و يمكن ان يكون احترازا عن العيون الواقفة بواسطة جمع الماء فإنه إذا أخذ منه دلو يخرج شي‌ء آخر منه و لكن لا يصدق عليه الجاري.

و فيه ان هذا لا يكون مراد السيد لانه صرح بخلافه و لكن قال الشيخ بأنه يكون أرجح الاحتمالات و بعبارة واضحة أن العيون يكون جريانها على ثلاثة أنحاء الأول ما يجرى بنفسه فلا اشكال فيه.

و الثاني ما يجري بأخذ الماء منها دلوا ثم دلوا و هذا لو لم تكن جارية و لكن يصدق المادة عليها:

و الثالث ما يجرى بعد أخذ الماء منه بواسطة الحفر و هذا لا يصدق المادة فيه لانه يكون بالإيجاد لا الوجود و لكن تأمل فيه صاحب الجواهر و قال انه أيضا يصدق عليه الاتصال بالمادة هذا ما ذكروه و لكن ما يخطر ببالي من كلام المصنف هو انه يكون في مقام الإثبات دون الثبوت اعنى طريق كشف كون المادة للماء هو الاختيار للعلم بالدوام و يفهم ذلك من تفريعه بقوله فلو اجتمع الماء إلخ ثم العين لا تصدق لكل ماء خرج من كل مكان بل ما يكون له الرشحات يصدق عليه العين اعنى يجب ان يكون له المادة فالتفريع يكون بهذا الاعتبار.

[مسألة 5- لو انقطع الاتصال بالمادة]

مسألة 5- لو انقطع الاتصال بالمادة كما لو اجتمع الطين فمنع من النبع كان حكمه حكم الراكد فإن أزيل الطين لحقه حكم الجاري و ان لم يخرج

100

من الماء شي‌ء فاللازم مجرد الاتصال.

و هذه المسألة حكمها واضح لان الحكم يدور مدار وجود المادة و عدمها فإنه لا يصدق مع المنع انه يكون ذا مادة و لا يصدق برفعه عدم وجود المادة و لو كان كلام فيها يكون في صورة كفاية الاتصال بدون خروج الماء و مزجه مع غيره لا في أصل صدق المادة و عدمه.

[مسألة 6- الراكد المتصل بالجاري كالجاري]

مسألة 6- الراكد المتصل بالجاري كالجاري فالحوض المتصل بالنهر بساقية يلحقه حكمه و كذا أطراف النهر و ان كان مائها واقفا.

اعلم انه لتوضيح هذه يجب إيراد كلامين: الأول انه هل يترتب جميع أحكام الجاري على ما له المادة أو يكون مثله في العاصمية فقط: التحقيق عدم إلحاق جميع الاحكام لان الدليل الدال على المادة يكون هو الصحيحة لابن بزيع و لا يستفاد منها أكثر من العاصمية فالاتصال بالجاري يكون كالجاري لا انه الجاري.

الثاني انه يصدق على ما يكون في حوالي النهر و من متعلقاته انه يكون منه و هو جار حقيقة و لكن مثل الحوض المتصل بساقية هل يصدق عليه انه الجاري أو لا بل يصدق عليه انه عاصم لان له المادة و هو الجاري فكما أن الجاري لا يحتاج الى التعدد فهذا أيضا كذلك أولا، فيه خلاف و التحقيق عدم صدق الجاري عليه عرفا.

[مسألة 7- العيون التي تنبع في الشتاء مثلا و تنقطع في الصيف]

مسألة 7- العيون التي تنبع في الشتاء مثلا و تنقطع في الصيف يلحقها الحكم في زمان نبعها.

هذا كلام متين لان الدوام في جميع السنة لا يحتاج إليه في صدق المادة و هذا هو الردّ على احتمال احتراز الشهيد بدوام النبع من هذه الصورة فإنه يرى المصنف حكم كل وقت دائر مدار صدق الموضوع و عدمه في ذلك الوقت كما هو الحق عندنا أيضا.

[مسألة 8- إذا تغير بعض الجاري دون بعضه الأخر]

مسألة 8- إذا تغير بعض الجاري دون بعضه الأخر فالطرف المتصل بالمادة لا ينجس بالملاقاة و ان كان قليلا و الطرف الأخر حكمه حكم الراكد

101

ان تغير تمام قطر ذلك البعض المتغير و الا فالمتنجس هو المقدار المتغير فقط لاتصال ما عداه بالمادة.

اعلم انه قد اتضح لك من المتن ان المتغير نجس و دليله إطلاق النصوص التي قد مر مصدرها في أبواب الماء المطلق من كتاب الوسائل و فيها أمثال لفظ الا ما غير أو غيره انما الكلام في بقية الماء فان التغيير ان كان في الطول و العرض و العمق فالماء المتصل بالمادة عاصم و لو كان قليلا و لا يخفى انه إذا لم يكن التغيير بالجميع عن الطول و العرض و العمق بل يكون الاتصال باقيا فلا كلام في ان الماء في الطرف الأخر يكون عاصما و اما إذا لم يكن كذلك بل حصل التغيير بالجميع فما هو غير متصل بالمادة صار محل كلام و تشاجر بين الاعلام فقالوا انه فيه وجهان:

الأول و هو التحقيق ان الانقطاع حاصل بواسطة المتغير و هو مانع عن الاتصال بالمادة و لا فرق في المانع بين ان يكون طينا أو مائعا آخر أو التراب و الجص فعلى هذا ان كان ما بعده كرّا فحكمه حكمه و ان كان أقل منه فحكمه حكم الماء القليل و الثاني الحكم بعدم الانقطاع و التشبيه بما إذا انقطع بواسطة مائع آخر مثل الشيرج مع عدم فرض الحكم بالانقطاع و لكن التحقيق ما ذكرنا من الحكم بالانقطاع في هذه الصورة و في جميع المائعات حتى مثل الشيرج.

ثم ان هذا واضح إذا كان الحكم بالانقطاع واضحا عند العرف بلا شبهة و لا ريب و اما إذا شك فيه ففي غاية الإشكال فما يظهر من مذهب المصنف (قده) هو جريان أصالة الطهارة و أشكل عليه بان المتعين هو الرجوع الى دليل الانفعال لانه يكون كبرى خصص بماله المادة فيخصص العام بالقدر المتيقن لان المشكوك يكون من جهة إجمال المفهوم في صدق المادة فيجب القول بالانفعال فيما نحن فيه.

أقول و نستعين باللّه قد مر انه ليس لنا دليل دال على الانفعال و قلنا ان المحقون يكون مقتضيا للانفعال دون كل قليل و المرجع عند الشك يكون العام في النبوي و هو خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء و على فرض عدم القبول فأصالة الطهارة حاكمة‌

102

كما قال صاحب الجواهر لأن سعة المفهوم تكون بقدر سعة المنطوق فلا نعلم ان هذا الماء يكون مما له المادة أو مما ليس كذلك على ان ما ذكر من دليل الانفعال لا يكون عاما حتى يكون هو المرجع بل في مورد المعارضة يكون من باب العامين من وجه فان دليل المادة يقتضي عدم الانفعال و دليل الانفعال انفعاله.

و هذا حيث كان مندمجا يجب لتوضيحه رسم مقدمات ثلاثة: الاولى ان المخصص و القرينة و الحاكم تارة يكون متصلا و تارة منفصلا فالأول إذا كان منفصلا و مجملا بإجمال مفهومي لم يسر إجماله إلى العام بل هو قاطع لحجيته في القدر المتيقن مثل ما إذا قيل أكرم العلماء ثم جي‌ء بمخصص منفصل نحو لا تكرم الفساق منهم ففيما يكون فسقه معلوما لا كلام و اما إذا اشتبه في فرد من جهة إجمال المفهوم فيؤخذ بالمتيقن مثل ان نعلم ان ارتكاب الكبائر يوجب الفسق و اما الصغائر فلا نعلم انها توجب الفسق أم لا ففي مرتكب الصغيرة لا يرفع اليد من العام و في مرتكب الكبيرة لا يعمل بالعام.

و اما إذا كان متصلا فاجماله يسرى الى العام و الثاني و هو القرينة فمتصلها و منفصلها سواء في سراية إجمال مفهومه إلى ذي القرينة مثل ما إذا قيل رأيت أسدا يرمى و شك في ان الرمي يكون بالتراب أو بالسهم فهذا مثلا يوجب إجمال لفظ الأسد و الثالث و هو الحاكم حكمه حكم القرينة في سراية إجماله متصلا أو منفصلا الى المحكوم و التحقيق هو سراية الاجمال فقط في قطع حجية المحكوم دون نفسه مثلا يقدم أكرم العلماء في مرتكب الصغيرة إذا كان من باب الحكومة في مورد الشك المقدمة الثانية انه لا شبهة و لا ريب في سراية إجمال المنطوق الى المفهوم لان المنطوق يكون المفهوم أمسّ به من القرينة لأنه يؤخذ من نفسه فإذا كان سراية الاجمال عند القرينة المجملة ففي هذا اولى مثلا إذا شك في ان الكر يكون سبعة و عشرين شبرا أو أكثر فالماء الذي لم يبلغ قدره أيضا مجمل مفهومه من حيث مفهوم الكر.