المعالم المأثورة - ج1

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
396 /
103

المقدمة الثالثة ان المخصص المنفصل إذا كان له شبهة مفهومية يمكن التمسك بالعام فيه و هذا يكون على وجهين:

الأول ان لا يكون العام منكسرا في وقت من الأوقات بالمتيقن مثل ما إذا لم يرتكب مرتكب الصغيرة قبل ارتكاب الصغيرة كبيرة ابدا.

و الثاني ان يكون العام مخصصا بتخصيص قطعي مثل ما كان المشكوك في حصول فسقه بواسطة الصغيرة مرتكبا لكبيرة قبل ذلك و مؤسس هذا الفرق هو الشيخ الأنصاري (قده) و ما نحن فيه يكون من قبيل القسم الثاني فإن عام الانفعال قد خصص بواسطة وجود المادة في وقت من الأوقات فحصل التغيير و شك في وجودها للمنقطع عنها بواسطة التغيير فقيل في الأول بجواز التمسك لان العام لم يصر متزلزلا بتخصيص قطعي و في الثاني قيل بعدم الجواز ففيما نحن فيه هل يرجع الى العام مطلقا أو يفصل أو يرجع الى المخصص و يستصحب حكمه فيه خلاف.

ثم هنا تفصيل آخر و هو القول بانحلال العام و عدم انحلاله فان كانت العمومات الواردة على الموضوعات من قبيل الأول فلا يمكن التمسك به و ان كانت من قبيل الثاني فيجوز ففي مثل المقام إذا كان لكل ماء دليل انفعال على حدة ففي الماء المتغير الذي يكون فرد من افراد الماء يكون حكم فعلى شك في رفعه و اما إذا قيل بعدم انحلال العام ففي هذا الفرد نشك في أصل وجود الحكم لا في رفعه فلا يمكن التمسك بالعام بخلافه إذا قيل بالانحلال.

فإذا تمهد ذلك فنقول في هذه المسألة ان حصل القطع بعدم الاتصال فلا كلام و حكمه واضح و اما في صورة الشك دفعة قيل انه يندرج تحت عموم دليل الانفعال و خصص بماله المادة و هذا العنوان مجمل يؤخذ بالقدر المتيقن منه فلا يرجع الى استصحاب حكم المخصص بل يرجع الى عموم العام.

و فيه أولا انه ليس لنا عام مستقل بان القليل لا ينفعل و روايات الباب منصرفها الماء المحقون و لا يشمل الجاري فليس لنا الا مفهوم الكرّ و الجاري و ذي المادة‌

104

و منطوقه عدم الانفعال و مفهومه انفعال غيره و قد ذكر في المقدمة الثانية ان المنطوق إذا كان مجملا يسري إجماله إلى المفهوم و إجمال المنطوق هنا واضح من حيث انه لا يعلم المادة سعة و ضيقا فبعد التغيير لا يعلم ان هذا الماء متصل أم منفصل فلا يمكن التمسك بعام الانفعال فالمرجع اما قاعدة الطهارة أو العموم في النبوي المشهور في أبواب الماء المطلق (خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء).

و ثانيا لو سلم وجود العام و الاكتفاء بعموم المفهوم و لكن قد مر أن المورد يكون من باب الحاكم و المحكوم أعنى دليل المادة ناظر الى دليل الانفعال فكأنه يصير معناه الماء القليل المنفصل ينفعل و الماء القليل الغير المنفصل عن المادة لا ينفعل و لا ادرى في المورد انه يكون من المنفصل أو المتصل فالمرجع قاعدة الطهارة أو عام النبوي نعم لو سلم عدم الحكومة فالقول بانحلال العام لا اشكال فيه و يمكن التمسك بعام الانفعال الا انه لا يسلم وجود العام و نقول بسراية الاجمال اليه لو كان فالمرجع في المورد هو عام النبوي أو القاعدة.

[فصل:] الكلام في انفعال الماء القليل بالملاقاة

فصل: الراكد بلا مادة ان كان دون الكر ينجس بالملاقاة من غير فرق بين النجاسات حتى برأس إبرة من الدم الذي لا يدركه الطرف سواء كان مجتمعا أو متفرقا مع اتصالها بالسواقى فلو كان هناك حفر متعددة فيها الماء و اتصلت بالسواقى و لم يكن المجموع كرا إذا لاقى النجس واحدة منها تنجس الجميع و ان كان بقدر الكر لا ينجس و ان كان متفرقا على الوجه المذكور فلو كان ما في كل حفرة دون الكر و كان المجموع كرا و لاقى واحد منها النجس لم تنجس لاتصالها بالبقية.

هذا هو المشهور فيها و نقل الإجماع عليه أيضا و خالف في ذلك ابن عقيل و الكاشاني بالحكم بعدم الانفعال و فصل بعض بين النجس و المتنجس مثل المحقق الخراساني (قده): و لتوضيح ذلك يقتضي رسم أمور.

105

الأمر الأول إقامة الدليل للمشهور القائل بالانفعال و هو روايات الباب فنذكرها و أكثرها صحيحة فمنها ما (في باب 9 من أبواب الماء المطلق ح 1) و هو صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و سئل من الماء تبول فيه الدواب و تلغ فيه الكلاب و يغتسل فيه الجنب قال إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شي‌ء، فيستفاد من مفهوم هذا ان الماء إذا لم يبلغ قدر كر ينجسه شي‌ء نعم عن بعضهم انه فيه خفاء من حيث عموم الشي‌ء فيما لم يكن الماء قدر الكر و لكن لا خفاء في المذكورات الثلاثة فإن البول و الولوغ و اغتسال الجنب يصير سببا لانفعال القليل بلا اشكال كما ترى الصراحة فيها بالنسبة الى ذلك و اما بالنسبة الى غير هذه الثلاثة يحكم بالنجاسة بعدم القول بالفصل على انها يكفى لمخالفة من يقول بعدم نجاسة القليل مطلقا هذا دلالته بالنسبة إلى النجس و اما بالنسبة إلى المتنجس فنقول ما هو مرتكز العرف في المنطوق يكون أعم من النجس و المتنجس فكذا في طرف المفهوم اعنى الكر لا ينجسه كلاهما و غير الكرّ ينجسه كلاهما.

و منها صحيحة إسماعيل بن جابر (في باب 10 من أبواب الماء المطلق ح 1) قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) الماء الذي لا ينجسه شي‌ء قال ذراعان عمقه في ذراع و شبر وسعة (سعته) و تقريبها انه لما يكون في مقام التحديد يفهم منها ان الماء إذا لم يبلغ بهذا الحد ينجس.

و منها صحيحة إسماعيل بن جابر (في باب 9 من أبواب الماء المطلق ح 7) قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الماء الذي لا ينجسه شي‌ء قال ذراعان عمقه في ذراع و شبر و سعة (سعته) و تقريبها انه لما يكون في مقام التحديد يفهم منها ان الماء إذا لم يبلغ بهذا الحد ينجس.

و منها صحيحة إسماعيل بن جابر (في باب 9 من أبواب الماء المطلق ح 7) قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الماء الذي لا ينجسه شي‌ء فقال كرّ قلت فما الكرّ قال ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار. و تقريبها انه (عليه السلام) أيضا يكون في مقام التحديد فمفهوم كلامه حجة.

و منها صحيحة ابن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (في باب 1 من أبواب الأسئار ج 3) قال سئلته عن الكلب يشرب من الإناء قال اغسل الإناء.

و تقريبها ان الأمر بالغسل لا يكون لرفع الميكرب فقط لانه لا يكون وظيفة‌

106

المشرع بل الغسل يجب ليصير طاهرا فيعلم انه صار نجسا فلذا أمر بغسله.

و منها صحيحة على بن جعفر عن موسى بن جعفر (عليه السلام) في حديث قال و سئلته عن خنزير شرب من إناء كيف يصنع به؟ قال يغسل سبع مرات (في باب 1- من أبواب الأسئار ح 2) و هذه و لو كانت في مورد الخنزير فقط و لكن يكفى لردّ المخالف مطلقا.

و منها صحيحة محمد بن مسلم (في باب 1 من الأسئار ح 3) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئلته عن الكلب يشرب من الإناء قال اغسل الإناء و هذه أيضا في مورد خاص و لكن يكفى لرد المخالف.

و منها موثقة سماعة (في باب 12- من أبواب الماء المطلق ح 1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل معه انائان وقع في أحدهما قذر لا يدرى أيهما هو قال يهريقهما و يتيمم.

و تقريبها ان الأمر بالإهراق دليل على النجاسة.

و منها صحيحة أحمد بن ابى نصر (في باب 8 من الماء المطلق ح 7) قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يدخل يده في الإناء و هي قذرة قال يكفئ الإناء. قال في القاموس كفاء بمعنى منع كبه و قلبه كأكفأه.

و الأمر الثاني إقامة الدليل على المخالف و هو أيضا روايات و لا يخفى ان بعض شارحي العروة تمسك بروايات صحيحة لا يكون مضمونها صريحة و لكن نحن نذكر ما هي حسنة تامة الدلالة.

فمنها حسنة محمد بن ميسر (في باب 8 من الماء المطلق ح 5) قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق و يريد ان يغتسل و ليس معه إناء يغرف به و يداه قذرتان قال يضع يده (و- خ ل) يتوضأ ثم يغتسل هذا مما قال اللّه عز و جل مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.

و تقريب الاستدلال ان القليل فيه احتمالان: الأول ان يكون في مقابل الكثير و يكون أعم مما هو الكر أو الأقل و الثاني ان يكون مخصوصا في الزمان السابق بما دون‌

107

الكر فان كان المراد الأعم فلا يدل على مطلوبه و ان كان الأخص فيدل و فيه انه ما ثبت كون القليل في الزمان السابق مخصوصا بما دون الكر على انها تكون معارضة لسائر الروايات المطابقة للمشهور و أيضا يمكن حمل لفظ القذر على معنى الكثيف.

و منها ما في قرب الاسناد المطبوع في إيران سنة 1370 ه‍ صفحة 48 و كتاب المسائل لعلي بن جعفر و فيها قال سئلت عن جنب أصابت يده جنابة فمسحها بخرقة ثم ادخل يده في غسله هل يجزؤه ان يغتسل من ذلك الماء؟ قال (عليه السلام) ان وجد ماء غيره فلا يجزؤه ان يغتسل و ان لم يجد غيره أجزأه.

و فيه ان هذه في موردها معارضة برواية شهاب بن عبد اللّه (في باب 8 من الماء المطلق ح 3) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل الجنب يسهو فيغمس يده في الإناء قبل ان يغسلها انه لا بأس إذا لم يكن أصاب يده شي‌ء. هذا مضافا الى إعراض الأصحاب عن التفصيل و بموثقة سماعة (في الباب المتقدم ح 9) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال إذا (أ ن خ) أصاب الرجل جنابة فأدخل يده في الإناء فلا بأس إذا لم يكن أصاب يده شي‌ء من المنى.

و منها رواية أبي مريم الأنصاري (في الباب ح 12) قال كنت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حائط فحضرت الصلاة فنزح دلوا للوضوء من ركي له فخرج عليه قطعة عذرة يابسة فأكفأ رأسه و توضأ بالباقي. أقول حمل هذه الرواية على مورد كون العذرة من مأكول اللحم أو ان الدلو كان من جلد الإبل فكان بقدر الكر و لكن لا وجه له لان لفظ العذرة لا يستعمل في مدفوع مأكول اللحم و الظاهر ان الامام (عليه السلام) نزح منفردا بدون معاونة الغير إياه فلو كان بقدر الكر يحتاج الى أكثر من واحد فمن هذه الجهة لا اشكال فيها و لكن الاشكال يكون في ضعف السند مع اعراض المشهور عنها على انها تكون معارضة بمثلها في موردها و هي مرسلة على بن حديد (في كتاب الطهارة للعلامة الهمداني ص 16) و أيضا نقلها الشيخ الأعظم الأنصاري في مقابل رواية أبي مريم‌

108

و ما وجدتها في ما رأيت من كتب الاخبار قال كنت مع أبي عبد اللّه في طريق مكة فصار إلى بئر فاستقى غلام ابى عبد اللّه دلوا فخرج فيه فأرتان فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام) أرقه فاستقى آخر فخرج فيه فارة فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) ارقه فاستقى الثالث فلم يخرج فيه شي‌ء فقال له صب في الإناء فصبه في الإناء.

و ظاهرها ان النجاسة صارت سببا للاراقة و الا فلا وجه لها فان قلت لعل طبع الامام (عليه السلام) يستقذره لا انه يكون نجسا نقول فكيف لا يستقذر فيما مر و توضأ بماء فيه عذرة هذا مع ان نسبة هذا الى العوام بعيد كيف عن الامام (عليه السلام) فإنه كيف يتوضأ بهذا الماء كما قال الأنصاري (قده) و على فرض عدم القول بهذا فوجود المعارض لها دليل على الضعف.

و منها خبر زرارة (في باب 3 من أبواب الماء المطلق ح 8) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال قلت له راوية من ماء سقطت فيها فأرة أو جرذ (نوع من الفأرة) أو صعوة ميتة قال إذا تفسخ فيها فلا تشرب من مائها فلا تتوضأ و صبها و ان كان غير متفسخ فاشرب منه و توضأ و اطرح الميتة إذا أخرجتها طرية و كذلك الجرة و حب الماء و القربة و أشباه ذلك من أوعية الماء.

و تقريب الاستدلال ان الميتة إذا لم تنفسخ لا تصير سببا للنجاسة و فيه ان هذا تفصيل لا يقول به الموافق و لا المخالف على انه ضعيف سندا (1) و معارض مع روايات صحيحة مرت قال الشيخ قده هل يرضى احد بالعمل بهذا و طرح الصحاح.

فتحصل ان حاصل دليل المشهور الروايات و هي على أربعة طوائف الاولى مفاهيم روايات الكر و هو الماء إذا لم يبلغ قدر كر ينجسه شي‌ء الثانية منطوق الروايات المانعة عن الوضوء بإناء وقع فيه قطرة دم أو بول.

و الثالثة منطوق الروايات الإمرة بغسل الأواني التي شرب منها مثل الكلب و الخنزير اعنى نجس العين و ظاهرها انها وردت لبيان حكم الطهارة لا النظافة و الرابعة‌

____________

(1) و لعله لما في السند على بن حديد و هو ضعفه الشيخ في كتابيه في الحديث.

109

الروايات الدالة على اراقة ماء وقع فيه النجس و هذه دالة با على درجة النصوصية على مطلوبهم و هذا تقسيم من المحقق الكاشاني (قده) لدليل المشهور.

و اما الروايات الدالة على قول المخالف أيضا فقسمها بثلاثة أقسام الأول العمومات الدالة على ان طبع الماء الطهارة مثل عموم النبوي أو العلوي خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء و الثاني الروايات الدالة على انحصار الانفعال بماء تغير بالنجس دون غيره و الثالث الروايات الخاصة التي وردت في موارد خاصة.

أقول يرد دليل المخالف هذا باعراض المشهور عنه و في رواياته و لو كان ما هو صحيح السند و لكن قد ثبت في موضعه ان الرواية المخالفة للمشهور كلما زادت صحة زادت الفساد و السخافة و على فرض المعارضة فنقول ان لنا روايات دالة على العاصمية بعمومها و روايات دالة على عدم العاصمية في خصوص القليل و كفى لضعف دليل المخالف و هو الروايات الخاصة إعراض المشهور عنها و العمومات تكون مبتلى بالمعارض فهي ساقطة.

فتحصل ان الدليل لإسقاط مدعى المخالف هو مخالفة المشهور.

بيان المحدث الكاشاني لعدم الانفعال في القليل ثم هنا للمحقق الكاشاني إشكالات يجب إيرادها و دفعها و قبل الورود فيها نذكر ما حمل عليه رواياتنا فقال ره ان الاقسام الثلاثة الأخيرة تكون اخلاقية و الأمر بغسل الإناء و اراقة الماء و المنع عن الوضوء بماء النجس يحمل على الكراهة و اما مفهوم روايات الكر فلما كان مضامينها مختلفة باعتبار ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار في ثلاثة في بعضها و في بعضها الأخر اعتبار الأكثر من ذلك.

فنقول ان المدار يكون على التغيير و هو قد يحصل بما كان أقل من سبعة و عشرين شبر و قد يحصل بها و بالأكثر.

و الحاصل ان الكاشاني (قده) جمع بين الروايات الناهية عن الوضوء بالماء القليل الملاقي مع النجاسة و ما فيه الأمر بالإراقة و الغسل و الروايات الدالة على الجواز‌

110

بالكراهة و قال روايات عدم الانفعال ناصة بهذا المعنى و معارضها ظاهرة في حصوله فيجمع بين النص و الظاهر بالكراهة و فيه ان بيان صرف النظافة فقط لا يكون من شأن الشارع و حمل روايات الكر على ان المناط على الكثرة يكون اسخف من هذا لأن في بعض رواياته التصريح بان الكر لا ينجس الا ما غيّر و جمعه بان الدال على الانفعال ظاهر في ذلك أيضا غير صحيح لان فيها الأمر بالإراقة مثلا و التيمم فإنه ان كان بصدد بيان الكراهة فلا يحكم بالتيمم فهي أيضا كالنص في مدلولها فجمعه (قده) بينها غير تام.

و اما الإشكالات فالأول منها هو ان التطهير بالماء القليل يصح و قام الإجماع أيضا على وجوب طاهرية ما يكون مطهرا فإنه ان كان القليل ينفعل فيلزمه انفعاله عند ملاقاته مع النجس الذي يقع عليه في مقام التطهير و هذا كما ترى فوجب القول بعدم انفعال القليل و لا فرق بين الوارد على النجس و المورود فيه النجس حتى يقال ينفعل المورود و لكن لا ينفعل الوارد أو يقال ان المتسالم صحة التطهير بالوارد فقط فلا محيص الا عن رفع اليد عن انفعال القليل هذا.

و فيه ان للفقهاء (رضوان اللّه عليهم) أجوبة عليه نعرض عنها لأنها لا تكون فنيّة و لكن نجيب عنه بما يكون مقتضى القواعد و هو ان في المقام أصول ثلاثة يجب علاجها الأول أدلة انفعال القليل و الثاني حصول التطهير بالماء القليل بالضرورة و الثالث الإجماع القطعي بان المطهر يجب ان يكون طاهرا قبل التطهير.

فنقول لا يمكن رفع اليد عن الثاني لأنه يكون من ضروريات الدين ان القليل مطهر و اما الثالث فدليله الإجماع و هو دليل لبى فالقدر المتيقن منه هو شرطية الطهارة قبل الورود على النجس و ينصرف الدليل الى الطاهر من غير جهة الاستعمال فنقول ان القليل مع انفعاله و لو صار نجسا بالاستعمال مطهر و هذا أمر عرفي فإن الأطباء الذين كانوا في صدد رفع الميكربات لا يتحاشون عن استعمال ماء نظيف يكون بعد الاستعمال كثيفا بخلاف ما كان قبله كذلك فلا ندعي امرا كان خلاف مرتكز‌

111

العرف أيضا و لا نقول بتخصيص دليل الانفعال هنا بل مع الانفعال يطهر.

و الثاني منها ان أقوى دليل يدل على الانفعال هو مفهوم أدلة الكر و المفهوم لا يقابل مع ضعفه المنطوق القوى فروايات عدم الانفعال منطوق و لا يقابلها المفهوم و فيه أولا ان دليلنا لا يكون المفهوم فقط بل لنا أربعة طوائف من الأدلة كما مرّ:

ثلاثة منها منطوق و ما دل على الانفعال لا يكون اقصر مما دل على عدمه و لا وقع للحمل على النظافة و الا فإنه يمكن في كل موضع يكون الأمر بالاجتناب مع انه خلاف الظاهر.

و ثانيا ان كبرى ان المفهوم ضعيف ممنوعة لأنه يكون دليل برأسه و انه و ان كان من لوازم وجود المنطوق الا انه لا يكون من لوازمه في الحجية فربما يسقط المنطوق بالمعارضة مع دليل و لا يسقط المفهوم عن الحجية (1) و الحاصل ان المفهوم و لو كان بالدلالة الالتزامية للمنطوق و لكنه تابع له في الوجود لا في الحجية على انا ندعى ان المفهوم لا يكون لنا أصلا بل كل ما يستفاد يكون من المنطوق لكن تارة يكون المفهوم من اللفظ تحت لفافة فكما ان اللفظ في ان جاء زيد فأكرمه يدل على إكرام زيد عند المجي‌ء كذلك يكون من مزاياه عدم الإكرام عند عدمه فافهم و اغتنم.

و الاشكال الثالث إذا كان القليل منفعلا يلزم منه الوسواس في جميع الموضوعات و نجاسة جميع البلاد سيما البلاد العربية مثل المدينة المنورة و العراق و مكة لأنهم لا يبالون في باب التطهيرات من جهة انفعال القليل و من لا يقول بالنجاسة مع عدم المبالاة كذلك لا يسمى فقيها على ان النبي (صلى اللّه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) كانوا محشورين مع هؤلاء الاعراب و يأكلون معهم و يجلسون في مجالسهم التي لازمها الملاقاة‌

____________

(1) أقول ان منع ضعف المفهوم و ان كان حسنا و لكن القول بتبعيته للمنطوق حدوثا فقط ممنوع فإنه تابع له في الحدوث و البقاء من حيث الحجية أيضا و لا كاشف لنا غير المنطوق لإثبات المفهوم.

112

معهم بالرطوبة و ما ردعوهم عما فعلوا و لم يقولوا انهم نجس و هذا ظاهر أيضا لمن رأى حال سودان العبيد و الإماء فنكشف انا ان هذه السيرة تكون دليلا على عدم نجاسة القليل و طهارة الجميع.

و فيه ان هذا الحكم اعنى الحكم بالنجاسة مع القول بانفعال القليل يتم على فرض تسليم أمرين الأول ان يكون المتنجس منجسا أيضا كالنجس و الثاني ان يكون في جميع الدرجات الطولية أيضا متنجسا على فرض التنجيس في أول الملاقاة أي إذا لاقى شي‌ء مع عين النجس ثم هو مع شي‌ء آخر يمكن القول بالنجاسة اما في المرتبة الثالثة و الرابعة فلا يكون النجاسة بالملاقاة مورد الاتفاق و اما من لا يقول بان المتنجس منجس أو على فرضه لا يقول في جميع المراتب الطولية فلا يرد عليه هذا الاشكال و لا يصير البلاد و الاعراب جميع اشيائهم و أبدانهم و ما يتعلق بهم نجسا و هذا الذي ذكرناه نعم الجواب للاقناع و لكن نحن لا نتحاش المقدمتين و نقول بان المتنجس منجس حتى في المراتب الطولية فلا يصير في الواقع جوابا حليا على هذا المسلك.

فنقول ان الجواب الصحيح في المقام هو ان نقول بعد خلو الذهن عن بلاد لا يبالون بالطهارة و النجاسة و لا يبالون بما ورد من الأوامر و النواهي و الرجوع الى بلاد يكون فيهم المتدين و غيره يظهر لنا ان في البين وقع تطهيرات ممن يبالي و وقع تنجيسات ممن يبالي ففي كل شي‌ء لا نعلم تعيينا انه يكون من المتنجسات أم لا فقاعدة الطهارة لا معارض لها.

و بعبارة أخرى بعد العلم الإجمالي بحصول التطهيرات في كل مورد شك في الطهارة و النجاسة لا نتحاش عن جريان القاعدة فلعل ما منع هذا المحقق عن جريان القاعدة كان هو عدم تبحره في علم الأصول فظن ان القاعدة لما يكون أكثر موارد جريانها غير مطابق للواقع فلا وقع لها على انه لا فرق بين الماء و سائر المائعات المضافة فإنه مسلم عنده بأنها ينفعل بملاقاة النجاسة و يمكن هذا الإشكال بأن اللازم‌

113

منه نجاسة الجميع فكما لا يقول بعدم الانفعال فيه هناك يلزمه ان يقول بالانفعال هنا أيضا.

ثم انه (ره) ان كان الإشكال بنظره من جهة كذب أكثر موارد القاعدة فيلزمه الإشكال في أصالة الصحة في صورة أخذ الدرهم عن الصّراف فانا نعلم إجمالا أنه يصل بيده الدراهم المغصوبة و لا فرق في الغصب بين اليد الاصيلة و التعاقبية فإن أكثر موارد جريان هذا الأصل يمكن ان يكون خلاف الواقع فكيف يجري الأصل في هذا دون ما نحن فيه فمن جميع ما ذكرنا نفهم من الشرع انه يكون بصدد جعل الطريق لعدم لزوم العسر و الحرج فإذا دل دليل صحيح على ذلك فليس لنا الاجتهاد بان بعض الموارد يطابق الواقع.

و اما ما ادعى من السيرة بقوله نكشف من عدم مبالاة الناس مخصوصا الاعراب انه متصلة بزمنهم (عليهم السلام) ففساده ظاهر لأن الاعراب ربما لا يبالون بكشف العورة و لا يفرقون بين البول و الغائط في الاستنجاء بالحجر و يبولون إلى جهة القبلة و نظائر هذا فهل يقول بحجية السيرة في جميع هذه الموارد؟! فتحصل ان مرامه (قده) و مرام ابن عقيل يكون خلاف ما هو التحقيق و يساعده الاخبار و العرف فافهم و اغتنم.

في تفصيل المحقق الخراساني بين النجس و المتنجس ثم ان هناك تفصيل عن المحقق الخراساني (قده) بين ملاقاة النجس مع القليل و المتنجس فقال بأنه ينفعل بعين النجس دون المتنجس و لا يخفى ان كلامه لا يكون من فروع البحث في ان المتنجس مطلقا أو في خصوص المرتبة الاولى من الملاقاة منجس أم لا فإنه (ره) يمكنه تسليم ذلك و تخصيص الماء بان يقول بأنه منجس لسائر المائعات دون الماء.

و له أدلة ثلاث لهذا التفصيل: الأول الإجماع و تقريره انه قام على انفعال الماء القليل و هو دليل لبى فنأخذ القدر المتيقن منه و هو الانفعال بالنجس دون المتنجس.

114

الثاني الاخبار الخاصة في الموارد الخاصة فإنها لا تدل على انفعاله بالمتنجس لان موارده الدم و البول و ولوغ الكلب و هذه تكون من أعيان النجس دونه.

فمنها صحيحة على بن جعفر (في باب 8 من الماء المطلق ح 1) عن أخيه أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال سئلته عن رجل رغف فامتخط فصار بعض ذلك الدم قطعا صغارا فأصاب إنائه هل يصلح له الوضوء منه فقال ان لم يكن شي‌ء يستبين في الماء فلا بأس و ان كان شيئا بينا فلا تتوضأ منه قال و سئلته عن رجل رعف و هو يتوضأ فتقطر قطرة في إنائه هل يصلح الوضوء منه قال لا.

و منها صحيحة على بن جعفر (في باب 8 من الماء المطلق ح 16) عن أخيه قال سئلته عن جرة ماء فيه ألف رطل وقع فيه أوقية بول هل يصلح شربه أو الوضوء منه قال: لا يصلح (1).

و منها (ما في باب 9 من الماء المطلق ح 3) عن ابى بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (في حديث قال) لا تشرب من سؤر الكلب الا ان يكون حوضا كبيرا يستسقى منه.

فهي كما ترى وردت في موارد خاصة و هو الدم و البول و الولوغ فليس لنا الا مفهوم روايات الكرّ و هو ان الماء إذا لم يبلغ قدر كرّ ينجسه شي‌ء فنقول ان الشي‌ء في المنطوق يحكى عن مطابقه و هو النجس و هو القدر المتيقن و اما دلالته على المتنجس فيه فلا دليل عليه فهو إذا كان كذلك فمفهومه لا يشمل بالأولوية نعم إذا كان عين النجس مثلا في اليد و أصابت الماء يصدق أنه أصابه نجس هذا أولا.

و ثانيا ان نقيض السالبة الكلية يكون الموجبة الجزئية على ما في علم الميزان (2)

____________

(1) أقول ان هذه الرواية لا ربط لها بالقليل لأن ألف رطل يصير كرّا بالرطل المدني و لعل التعبير بلا يصلح يكون من هذه الجهة.

(2) أقول ان ما يخطر ببالي هو ان قضية أخذ المفهوم لها فارق مع القول بان نقيض السالبة الكلية الموجبة الجزئية فإن من شرط التناقض وحدة الموضوع و الشرط و المحمول و الحاصل الوحدات الثمانية لازمة و نحن إذا قلنا الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شي‌ء لا يكون نقيضه الماء إذا لم يبلغ قدر كر ينجسه شي‌ء لان وحدة الموضوع و ان كانت منحفظة و اما وحدة الشرط فلا و عدم الاتحاد بين قولنا بلغ و لم يبلغ واضح فلعل الخراساني (قده) كان مراده إيراد المعنى الذي ذكر في المتن و ادّاه بهذه العبارة القاصرة و نقلها الشارحون أيضا كذلك.

115

فلو كان الشي‌ء في المنطوق أعم من النجس و المتنجس من حيث كونه نكرة في سياق النفي بقوله لا ينجسه شي‌ء لا يكون في المفهوم كذلك فإنه ينجسه شي‌ء و لكن شي‌ء ما و القدر المتيقن منه عين النجس و أيضا ليس العام عاما انحلاليا حتى يقال ان كل ماء ينجسه شي‌ء لارتباط و هو الكرية ففي صورة وجود الارتباط نحكم بالطهارة و مع عدمه نحكم بعدمها كما قاله الشيخ (قده) و لا أقل من الشك في الطهارة و النجاسة في صورة ملاقاة الماء مع المتنجس فقاعدة الطهارة محكمة فحاصل كلامه (ره) ان الإجماع قاصر عن حمله على العموم و الأدلة الخاصة تكون في صورة الملاقاة مع عين النجس و المفهوم لا يمكنه إثبات العمومية أيضا فلا وجه للحكم بالنجاسة بملاقاة المتنجس.

و فيه ان إنكار الإجماع و ادعاء قصوره ممنوع لان لنا إجماعا مركبا و هو ان كل من قال بانفعال القليل لم يفرق بين النجس و المتنجس فإنكار ذلك يكون إنكار الإجماع و القول بخلافه كما ترى.

و اما ما ادعاه من اختصاص الروايات بالموارد الخاصة فهو أيضا غير وجيه لان لنا روايات أخر دالة على الانفعال بالمتنجس في مقابلها.

فمنها حسنة شهاب بن عبد ربه (في باب 8 من الماء المطلق ح 3) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل الجنب يسهو فيغمس يده في الإناء قبل ان يغسلها؟ انه لا بأس إذا لم يكن أصاب يده شي‌ء.

تقريب الاستدلال هو ان مفهوم لا بأس يصير قولنا به بأس إذا أصاب يده شي‌ء و الإصابة أعم من ان يكون فيها عين النجس أم لا و الشيخ (قده) يحمل هذا على‌

116

التنظيف و يكون أحسن مما ادعاه الخراساني (قده).

و منها موثقة سماعة (في باب 8 من الماء المطلق ح 9) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذا أصاب الرجل يده للإناء فلا بأس إذا لم يكن أصاب يده شي‌ء من المنى.

و مفهوم لا بأس أنه به بأس ان أصاب يده شي‌ء من المنى و الإصابة أيضا تكون أعم من ان يكون فيه عينه أم لا.

و منها موثقة سماعة (في باب 8 من الماء المطلق ح 10) قال سئلته عن رجل يمس الطست أو الركوة ثم يدخل يده في الإناء قبل ان يفرغ على كفيه قال يهريق من الماء ثلاث جفنات و ان لم يفعل فلا بأس و ان كانت أصابته جنابة فأدخل يده في الماء فلا بأس به ان لم يكن أصاب يده شي‌ء من المنى و ان كان أصاب يده فادخل يده في الماء قبل ان يفرغ على كفيه فليهرق الماء كله.

و هذه أيضا ظاهرة الدلالة لأنه قد صرح فيها بأن الإهراق واجب عند الإصابة و الإصابة أعم من ان يكون فيه عين النجس أولا.

و منها رواية أبي بصير (في باب 8 من الماء المطلق ح 11) قال سئلته عن الرجل يحمل الركوة أو التور فيدخل إصبعه فيه قال ان كانت يده قذرة فأهرقه و ان كان لم يصبها قذر فلتغتسل منه هذا مما قال اللّه تعالى مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.

و اما إنكار دلالة المفهوم بقوله ان نقيض السالبة الكلية الموجبة الجزئية و هي تدل على صرف الوجود فممنوع أيضا لأنا إذا لاحظنا روايات باب النجاسة و الطهارة و سائر أدلتها نعلم إجمالا بأن الشرع ما بين لنا جميع قيودها و شرائطها و حوّلها على فهم العرف و هو يرى القذارة في النجس و المتنجس فإنه إذا قال الماء إذا لم يبلغ قدر كر ينجسه شي‌ء لا يفرق العرف بينهما (1).

____________

(1) فيه اشكال و هو ان العرف الساذج إذا رأى الشي‌ء نظيفا لا يحكم بالقذارة الا ان يكون متعبدا بان المتنجس و لو لم يكن فيه عين القذر نجس.

117

و اما قوله ان نقيض السالبة الكلية الموجبة الجزئية فلا يكون سره اناطة العام أو العموم لانه يجب انحلال العام و نحكم بأنه مع فقد كل ارتباط يوجد حكم فانا إذ تفحصنا في الروايات نرى موضوعات متعددة من النجاسات أصابت الماء و في كل منها حكم بالطهارة لأنه كرّ و بالنجاسة لأنه ليس بكر فالانحلال واضح فكأنه قال لا ينجس الماء شي‌ء لارتباط كذا و لارتباط كذا و هكذا فتحصل ان كلامه (قده) يكون أخس من كلام الكاشاني و لا وجه لتفصيله.

بقي من الأدلة التي يمكن ان تكون للمحقق الخراساني سندا فنذكرها تتمة لما قلناه و هي رواية أبي بصير (في باب 8 من الماء المطلق ح 4) عن أبى جعفر عنهم (عليهم السلام) قال إذا أدخلت يدك في الإناء قبل ان تغسلها فلا بأس الا ان يكون أصابها قذر بول أو جنابة فإن أدخلت يدك في الماء و فيها شي‌ء من ذلك فأهرق ذلك الماء.

تقريب الاستدلال ان الجمع بين الروايات المطلقة و ما دل على نجاسة معينة ممكن و صحيح لان ذكر المني أو الدم مثلا يمكن ان يقال انه ليس لأجل التحديد و إثبات شي‌ء لا ينفى ما عداه و اما هذه الرواية فبالنظر الى صدرها أيضا الإصابة مطلقة و اما بالنظر الى الذيل فلا لانه ذكر فيه ان أدخلت يدك في الماء و فيها شي‌ء من ذلك اى من البول أو الجنابة فإذا لم يكن فيه أحدهما لا ينجس الماء.

و اما الجواب فهو ان نقول ان لفظة ذلك لا تكون إشارة إلى القذر المضاف الى البول و الجنابة بل تكون إشارة إلى مطلق القذر و هو أعم من عين النجس و غيره أعني إذا كان منشأ القذارة البول و المنى يجب اهراق الماء و ان أدركه فهو نجس.

قول الشيخ الطوسي بعدم تنجس القليل بدم لا يدركه الطرف ثم انه لا فرق في انفعال القليل بين كثرة النجس و قلته و بين الدم و غيره لإطلاق الأدلة و مساعدة العرف و المخالف هو الشيخ في الاستبصار على ما حكى عنه (قده) فقال ماء القليل بملاقاة الدم بمقدار لا يدركه العين لا ينجس.

و حاصل كلام بعض المعاصرين في توجيه كلامه (قده) هو ان الدم إذا كان‌

118

قليلا بحيث لا يدركه العين يستهلك في الماء و يصير معدوما عرفا و ما هو المعدوم عرفا لا يكون منجسا اما بالاستهلاك أو بالاستحالة.

و فيه انه لا كبرى له في الاستهلاك لانه لا يكون مطهرا بوجه و قد مر منا النقض بفضلة الفار إذا كان في مقدار كثير من الدقيق بحيث يكون معدوما عرفا و اما الاستحالة فكبراها مسلمة الا انه لا صغرى لها هنا.

هذا مقتضى القاعدة و اما الدليل الثاني الذي ذكر للشيخ فرواية على بن جعفر (في باب 8 من الماء المطلق ح 1) عن أخيه أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال سئلته عن رجل رعف فامتخط فصار بعض ذلك قطعا صغارا فأصاب إنائه هل يصلح له الوضوء منه فقال ان لم يكن شيئا يستبين في الماء فلا بأس و ان كان شيئا بينا فلا تتوضأ منه قال و سئلته عن رجل رعف و هو يتوضأ فتقطر قطرة في إنائه هل يصلح الوضوء منه قال لا.

و تقريب الاستدلال هو ان المراد بأصاب إنائه يكون هو الماء من باب تناسب الحكم و الموضوع فان الوضوء يكون بالماء لا بالإناء و بعد فرض ذلك اعنى وقوع النجس في الإناء قال ان كان شيئا بينا فلا يصلح الوضوء منه و الا فلا بأس فحاصله ان النجس ان يدرك بالطرف يكون به بأس و الا فلا.

و أجيب عنها بوجوه: الأول عن الهمداني (قده) قال لا يصح ان يكون المراد بالإناء الماء و لو كان الراوي على بن جعفر و هو جليل القدر و لا يكتفى بالكناية فإنها في باب الطهارات و النجاسات غير ممضاة عند الشرع و غاية ما يستفاد منها هو الظن و هو لا يكفي في بابها بل يجب العلم بان المراد هو الماء.

و الحاصل ان السؤال يكون من اصابة الإناء لا من الماء و اجلية شأن الراوي لا يمنع عن ذلك على انها لو دلت على ذلك لا يفيد الشيخ لانه يكون في مقام بيان التحديد في كل النجاسات و هذا خاص بالدم على انه يمكن ان يقال ان المراد بالاستنابة هو قبل الملاقاة و لو كان بعدها غير مستبين.

و الثاني ما عن الشيخ الأنصاري و هو انه يحتمل ان يكون المراد الإناء فقط‌

119

أو الماء بالكناية أو الترديد بين كون الملاقاة بالإناء أو الماء و على كل حال إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال و يرجع الى قاعدة الطهارة فإنه إذا كانت الشبهة في أنه أصاب الإناء أو الماء و لو كان لنا علم إجمالي بأنه أصاب أحدهما و لكن الإناء يكون خارجا عن محل الابتلاء و ما هو محله يكون فيه شبهة بدوية.

أقول ان الجوابين غير خاليين عن شي‌ء و لكن الصحيح في الجواب ان يقال انها لو دلت لدلت على الدم فقط و يصير الدليل أخص من المدعى على انه اعرض المشهور عنها فلا يتمسك بها.

ثم انه لا يشترط في اعتصام الكر ان يكون مجتمعا في مكان واحد فإذا كان الماء في حفر متصلة بالسواقى و كان الجميع بقدر الكر يكفى للعاصمية لإطلاق الدليل و الوحدة الاتصالية تكون كالوحدة الشخصية و هذا هو الأقوى و المخالف هو صاحب المعالم ره و لا سند له ظاهرا (1).

ثم لا يخفى ان في المقام نزاعا آخر غير هذا و هو ان تساوى السطوح شرط أيضا أم لا و سيجي‌ء بيانه و ما نحن فيه لا يرفع النزاع فيه بفرض التساوي أيضا.

القليل ينجس واردا أو مورودا

[مسألة 1- لا فرق في تنجس القليل بين ان يكون واردا على النجاسة أو مورودا]

مسألة 1- لا فرق في تنجس القليل بين ان يكون واردا على النجاسة أو مورودا.

اعلم ان المشهور عدم الفرق بينهما كما في المتن و اما غيره فيحكم بالنجاسة و الانفعال في خصوص المورود دون الوارد و هذا على وجهين: الأول عدم انفعال الوارد مطلقا و الثاني عدمه في صورة الاستعمال للتطهير و ينسب هذا الى السيد المرتضى و الى الحلي في السرائر و لكن ما حكى المحقق الهمداني (قده) عنهم هو الإطلاق و يحتمل ان يكون مختصا بصورة الاستعمال أو للأعم.

____________

(1) أقول لعل سنده كان العرف و رأى انه لا يرى الاتحاد و فيه منع.

120

و حاصل دليل السيد (قده) هو انه لو حكمنا بنجاسة القليل الوارد يلزم عدم حصول تطهير المتنجسات مثل الثوب و الإناء و غيرهما بالقليل و إلقاء الكر عليه يوجب الحرج و ما جعل في الدين من حرج فيلزم القول بأنه لا ينفعل في صورة الاستعمال مع عدم الفرق بين القليل و الكثير في المطهرية فالظاهر من كلامه (قده) هو ان أدلة الانفعال لا قصور فيها بل تكون مخصصة بأدلة نفى الحرج فإذا كان مراده ذلك فلا يفرق بين الوارد و المورود من حيث الدليل.

و فيه ان نفى الحرج لا يكون طريقه منحصرا بهذا القول بل مقتضى الجمع بين أدلة القول بان القليل و لو كان ينفعل في صورة الورود أيضا الا انه يطهر لان الدليل على التطهير هو الإجماع و القدر المتيقن منه هو صورة طهارة الماء قبل الورود على النجس اما بعده فلا و العرف أيضا يساعد هذا.

هذا ما استدل به هو (قده) و اما استدلال غيره له فمحصله ان أدلة الانفعال رواياتها قاصرة الشمول للمقام لأنها وردت في خصوص ما كان القليل مورودا فيه النجس دون الوارد و فيه يرجع الى العمومات أو القاعدة.

و اما مفهوم دليل الكر فلا يكون له العموم الأفرادي و لا الاحوالى حتى يشمل جميع الحالات حتى هذه الصورة بل يدل على صرف الوجود و المتيقن منه هو صورة كون القليل مورودا و بعبارة واضحة المفهوم له إبهام أفرادي و إبهام أحوالي.

و فيه ان ما ادعى من الروايات و ان كان في خصوص المورود الا انه لنا روايات اخرى دلت على الأعم و كلتا الطائفتين تكونان مثبتتين و لا تعارض بينهما لان ما ذكر تدل على ان الماء الذي ورد فيه النجس نجس و ما نذكر أيضا تدل على ان الماء الوارد فيه النجس أو المورود للنجس أيضا نجس هذا أو لا.

و ثانيا انها وردت في مورد الغالب و هذا لا يكون مخصصا.

و ثالثا قد مر مرارا ان العرف في ما لم يبينه الشارع من القيود محكّم في هذا الباب فإذا راجعنا اليه نرى منه انه لا يفرق بينهما كيف لا و هذا واضح لمن له ادنى‌

121

تدبر فهل ترى أحدا يستقذر من فضلة فار وقعت في الماء و لا يستقذر من فضلات كانت في الإناء و يصب عليها الماء؟! و اما مفهوم أدلة الكر فإنه يمكن ان يكون له إطلاق أحوالي و من هنا يظهر عن الهمداني (قده) بأنه و لو لم يكن له عموم أفرادي و لكن يكون له الإطلاق الاحوالى و الجواب الصحيح هو ان نقول ان له عموما افراديا كما يساعده العرف و لو لم يكن له هذا العموم فان له الإطلاق الاحوالى لأنه إذا كان كرا لا ينجسه شي‌ء اما إذا لم يكن كذلك ينجسه شي‌ء لفقد ارتباط الكرية.

و اما الروايات الدالة على الأعم فمنها رواية عمر بن حنظلة (في باب 18 من أبواب الأشربة المحرمة ح 1) قال قلت لأبي عبد اللّه ما ترى في قدح من مسكر يصب عليه الماء حتى تذهب عاديته و يذهب سكره فقال لا و اللّه و لا قطرة قطرت في حب إلا أهريق ذلك الحب.

فإن السؤال كما ترى يكون عن مسكر ورد عليه الماء. و الجواب يكون في مسكر وقع في الماء فهذا الجواب فيه سر (1) و هو انه نفهم منه ارتكاز العرف بعدم الفرق بين الوارد و المورود و لذا لا يفرق الامام (عليه السلام) بينهما و الا فيكون هذا النحو من الجواب في مقابل هذا النحو من السؤال غير وجيه و هو لا يصدر عن الامام المعصوم (عليه السلام) البليغ في غاية البلاغة.

و منها (2) رواية أبي بصير (في باب 20 من أبواب الأشربة المحرمة) في حديث طويل في ذيله يقول الامام (عليه السلام) ما يبل الميل (اى الخمر) ينجس حبا من الماء يقولها ثلاثا.

____________

(1) أقول ان هذه الرواية و ان دلت عليهما الا ان مراد القائلين بالفرق لعله لا يكون مثل هذه الموارد بل مورد الاستعمال كما يظهر عن السيد (قده) من طرز استدلاله و لا أظن أن المستدل له يريد شيئا أزيد من هذا.

(2) هذه مثل الرواية السابقة و الاشكال هو الاشكال.

122

و تقريب الاستدلال ان ما يبل الميل كيف ينجس حبا من الماء إذا ورد فيه و لا ينجس مقدارا أكثر من ذلك إذا كان في الإناء و صب عليه الماء فظهر عدم الفرق بينهما.

الكلام في مقدار الكر

[مسألة 2- الكر بحسب الوزن ألف و مأتا رطل بالعراقي]

مسألة 2- الكر بحسب الوزن ألف و مأتا رطل بالعراقي و بالمساحة ثلاثة و أربعون شبرا الا ثمن شبر فبالمن الشاهي و هو ألف و مأتان و ثمانون مثقالا يصير أربعة و ستين منا الا عشرين مثقالا.

اعلم ان المشهور في الكر بالوزن هو الذي ذكره المصنف بأنه يكون ألف و مأتا رطل بالعراقي و المخالف في هذا الصدوقان و المرتضى (قدس سرهم) فإنهم قالوا انه يكون ألف و مأتا رطل بالمدني.

و لا يخفى ان الرطل على ثلاثة أقسام عراقي و مدني و مكّي و الأخير أكثر من الثاني و الثاني أكثر من الأول و الجميع متفق على ان الكر لا يكون أقل من ألف و مأتين بالعراقي إنما الكلام في الزيادة فنذكر المستند لكل حتى يظهر المعتمد.

فنقول اما مستند المشهور فمرسلة ابن ابى عمير (في باب 11 من أبواب الماء المطلق ح 1) الكر من الماء الذي لا ينجسه شي‌ء ألف و مأتا رطل.

و حملوا الرطل في هذه على العراقي.

و فيها خمس إشكالات: الأول ان هذه الرواية مجملة لان كلمات الفقهاء و ما هو الدراج بينهم و بين أهل اللغة ان الرطل في ذلك كان يطلق على العراقي و المدني و المكي و رطل كل واحد من البلاد الثلاثة كان دارجا في البلد الأخر ففي المدينة مثلا كان يطلق الرطل على المدني و العراقي و هكذا في المكة و في العراق.

و الثاني ان هذه الرواية مرسلة عن ابن ابى عمير و مراسيله و ان كان كالمسند عند بعض و لكن قال بعض أهل الفحص انا نجد في مسنداته انه ينقل عمن لا ثقة به فمن‌

123

كان دأبه هذا و لو للسهو و الغفلة فلا اعتبار بمراسيله و هذا يكون مع قطع النظر عن الاختلاف في حجية المراسيل من أصلها.

و الثالث ان الرطل في اللغة لا يطلق على الوزن فقط بل يطلق على الكيل و تارة يطلق في الحب و العشق و لو فرض وضعه للوزن أيضا لا يتم المطلوب لأن في تعيين مقداره بلغ الاختلاف بما يشكل الاعتماد عليه و فهم المعنى منه.

و الرابع ان هذه معارضة بروايتين صحيحة و مرسلة إحداهما عن ابن ابى عمير و في طريقها محمد بن مسلم و اخرى عن محمد بن مسلم و هي الصحيحة اما الأولى فمرسلة ابن ابى عمير (في باب 11 من أبواب الماء المطلق حديث 2) قال روى لي عن عبد اللّه بن المغيرة يرفعه الى أبي عبد اللّه (عليه السلام) ان الكر ستمائة رطل و عن محمد بن مسلم مثله (في باب 11 منه ح 3).

و أيضا معارضة بمرسلة على بن جعفر (في باب 8 من الماء المطلق ح 16).

عن أخيه قال سئلته عن جرة ماء فيه ألف رطل وقع فيه أوقية بول هل يصلح شربه أو الوضوء منه قال لا يصلح.

و تقريبها انه ان حمل الرطل على المكي فيصير أكثر من ألف و مأتين بالمدني و ان حمل على العراقي فهو يكون أقل من المقدار المزبور و ما قال (عليه السلام) بأنه لا يصلح شربه فلانه لا يكون بقدر الكر فهو دليل على ان الستمائة العراقية لا تكفى كما انه لا يكفي الألف في الرواية.

و الخامس ان الكيل بالرطل كان مثل سائر المكيال الدارجة بين الماضين و الكر كان في زمن صدور الروايات هو الكر المعروف بالسليمانى و هو يعادل مع ألف و مأتين بالمدني و ما كان دارجا في المدينة ما كان أقل من ذلك كما شهد بذلك مراجعة التاريخ و هذا الاشكال هو الذي ألجأ السيد (قده) ان يحمل الكر على ألف و مأتين بالمدني بزعم ان غيره يكون نادر الوجود لا يصلح حمل كلام الامام (عليه السلام) عليه.

و اما الجواب عن الإشكال الأول و هو الاجمال من جهة دارجية كل رطل في‌

124

كل بلد فنقول هذا صحيح إلا انا ندعى انه يكون العراقي هو الأشيع حتى في المدينة و الذي يدلنا على ذلك رواية الكلبي النسابة (في باب 2 من أبواب المضاف رواية 2) و رواه عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) و الحديث طويل فمن شاء التفصيل فيرجع الى المأخذ و في ذيله بعد السؤال عن مقدار الماء الذي يلقى فيه التمر ليطيب طعمه انه (ما بين الأربعين إلى الثمانين الى ما فوق ذلك فقال بأي الأرطال فقال أرطال مكيال العراق) تقريب الاستدلال هو ان الجواب بعد السؤال عن المكيال بالكيل العراقي لا يصلح لشأن الإمام (عليه السلام) المريد لبيان المطلب و لا يكون من شأنه الإجمال حتى يحتاج إلى سؤال فلا محيص الا ان يقال انه (عليه السلام) اكتفى بالظهور و الشيوع و كان العراقي هو الشائع الدراج و يؤيد ذلك ما قيل بان ابن عمير و مشايخه كانوا عراقيين من أهل الكوفة و الطبع العرفي يقتضي التكلم مع كل أحد بعرفه هذا و لكن إثبات أن مشايخ ابن عمير كانوا من أهل العراق مشكل فلنا أصل الدليل و هو الرواية و الشياع. على ان اتفاقهم على ان الكر لا يكون أقل من هذا القدر بالعراقي مؤيد لما ذكرناه و لو سلم الإجمال في مدلولها المطابقي لا يكون مجملا في مدلولها الالتزامي فان عدد الأرطال يفهم منها انه يجب ان يكون ألف و مأتين بحيث لو دل رواية أخرى على الأقل كانت معارضة لها و سيجي‌ء مزيد بيان لهذا قريبا.

و عن الثاني و هو الاشكال بعدم الاعتماد بمراسيل ابن ابى عمير لوجود من لا يوثق بهم في رواياته المسندة كما عن بعض غير وجيه لأنا لا نعلم ان الموثق عند هذا البعض ما معناه مع ان جمعا كثيرا ذهبوا الى الوثوق بمراسيله على انا ندعى انه لا يرسل الا عن ثقة اعنى مراسيله لا يكون الا عن ثقة و هذا لا يلازم ان يكون مسنده أيضا كذلك بل لعله (قده) في المسندات لما رأى ان الناظر في الرواية يكون بيده السند يفهم الصحة و السقم فما ذهب الى المداقة في ضبط حال ما في سلسلة السند (1)

____________

(1) أقول ان هذا متين الا ان كلية العمل بمراسيله فيما لم يكن عليه عمل المشهور مشكلة فإن غاية الأمر هي كون الخبر ممن هو موثق عنده و هو لا يوجب ان يكون موثقا عندنا لو علمناه باسمه.

125

و عن الثالث و هو الإشكال بأن الرطل مجمل من حيث استعماله في الوزن أو الكيل أيضا بأنه لا وجه له لان الكيل على فرض دلالته عليه كان مرآتا للوزن و هو مقدار معلوم و على المشهور يكون مأة و ثلثين درهما فلا وجه للإشكال بأن الحنطة و الدقيق و الماء فيها فرق بالوزن إذا كان الكيل واحدا فلا يضرنا إطلاقه على الوزن أو الكيل و لا إجمال في الرطل من حيث الوزن على ما مر من ان المشهور العدد المذكور و في المصباح و ان خالف و قال انه يكون مأة و ثمان و عشرين درهما لكنه في مقابل قول الفقهاء و أهل اللغة لا وقع له.

و اما عن الرابع و هو ما ذكر من المعارضة بين الروايات بأنه مما يمكن الجمع بينهما عرفا فهو ان المقنن الواحد إذا صدر عنه عنوانان كانا دارجين في الخارج مثل الرطل المكي و المدني في تحديد مقدار ما من المقادير و كان الأقل من المكي في مثالنا مطابقا للأكثر من العراقي بلا زيادة و لا نقص فلا يبقى شبهة في انه يكون مراده بالأقل و هو الستماة المكي من الكيل و من ألف و مأتين العراقي منه و الجواب كذلك عند السؤال أو بيان أصل الحكم كان بمقتضى حال المخاطب فان ابن ابى عمير لما كان عراقيا بين له بالرطل العراقي و محمد بن مسلم لما كان من أهل الطائف فتكلم الامام (صلى اللّه عليه و آله) معه برطل المكة و على فرض عدم تسليم ذلك فيلزم إشكالات لأنه مع عدم حمل ستمائة على المكي فاما ان يحمل على العراقي أو المدني و على كلا التقديرين كان مخالفا للإجماع و هو ان الكر لا يكون أقل من ألف و مأتين لان ستمائة من العراقي لا يكون بهذا القدر كما هو واضح و من المدني يصير تسعمائة بالعراقي و على هذا يلزم الخلل اما في الدلالة أو في السند و قد نقل عن بعض انه غير وجيه لأنها وردت في مورد التقية على انه ان حمل على العراقي يوافق أهل السنة و هو قولهم بالقلة و القلتين فمن جميع ما ذكر يلزم الاعراض عن الصحيحة و هو كما ترى مع إمكان الجمع العرفي.

و لشيخنا الأستاذ العراقي تعبير فني في المقام و هو ان الستمائة ان حمل على المكي فأصالة السند في كل منها بلا اشكال و ان حمل على العراقي أو المدني يلزم طرح سند‌

126

الصحيحة لأن الإجماع يؤيد المرسلة بأنه لا يمكن ان يكون أقل من هذا العدد (1200) فنقول بصحة السند و الصدور فيهما لانه يكون مطابقا للأصل و شاهده العرف.

فان قلت لا غرو في عدم الجمع بينهما و لا يضر إسقاطهما بنا شيئا و بعده نرجع الى قواعد أخر. قلت ان الموارد لا يكون من موارد الطرد لان التكاذب الذي هو شرط الاسقاط لا يكون هنا مسلما و مستقرا لان الستمائة بعينها هي الألف و مأتين بالعراقي ثم على فرض التعارض يطرد الصحيحة لأنها تكون مخالفة للمشهور.

و اما الجواب عن الاشكال الخامس و هو ان الكر الدارج في زمن صدور الرواية كان هو الكر المعروف بالسليمانى و هو لا يكون أقل من (1200) رطل بالمدني فهو ان نحتمل ان يكون الكر في وقت بروز الرواية (1200) بالعراقي لأنه كان أشيع ثم الترك و عدم وجوده في هذا الزمان لا يدل على عدم وجوده مطلقا و لو أغمض عن ذلك أيضا فنقول لا يجب على الشارع ان يبين حكمه مطابقا لما في الخارج بل هو يجعل مقدارا معينا للماء العاصم و دليله ما في الرواية ان الكر الذي لا ينجسه شي‌ء ألف و مأتين فما لا ينجسه شي‌ء يكون هذا المقدار لا أزيد و لا أقل فهذا القدر الخاص هو المناط للعاصمية لا غير و اما التاريخ فلا يكون عندنا متبعا لان نقله لا يكون رواية عن الامام (عليه السلام) على انه لو قيل باعتبار المدنية يلزم سقوط الصحيحة الدالة على الستمأه لأنها لا يوافق هذا القول سواء حمل على العراقي أو المكي هذا كله مستند المشهور.

و اما مستند المخالف للمشهور أولا بعد الإجماع على ان العدد هو مائتان و ألف رطل (1200) هو ان الامام (عليه السلام) كان مدنيا و تكلمه (عليه السلام) بعرفه و عادة المدينة.

و فيه انا لا نسلم كونه (عليه السلام) في المدينة فإنه من الممكن ان يكون كلامه في وقت حضوره (عليه السلام) في المكة المشرفة أو موضع آخر على انه لا يكون هذا دأب المتكلم الحكيم الذي يريد بيان الحكم للمخاطبين بل دأبه هو التكلم بعرف المخاطب و ما هو أشيع و هو هنا العراقي.

127

و ثانيا هو ان الماء الذي كان مثلا بقدر رطل العراق إذا لاقاه النجس فالاحتياط يقضى ان يحمل على المدني و نقول بنجاسة الماء فيما هو الأقل من ذلك.

و فيه ان الاحتياط لا يكون في الشبهات الحكمية بل هو جار في الموضوعات و هذا يلزم منه عدم الاحتياط لان الماء الذي شك في طهارته و نجاسة من جهة الشك في كمية الكر إذا أردنا الوضوء منه في صورة انحصار الماء و دوران الأمر بينه و بين التيمم فالاحتياط يقتضي ان يحمل على الأقل و الوضوء به فالاحتياط الأول ينافي هذا الاحتياط هذا كله في صورة الإجمال من جهة تعيين الرطل بالعراقي أو بالمدني.

و اما ما ذكر من إجمال معنى الرطل فغير وجيه لان المشهور فيه بين الأصحاب مأة و ثلاثون درهما و قال في المدارك انه مذهب الأكثر منهم السيد و الصدوقان و لكن قال العلامة في كتاب الزكاة انه مائة و ألف و أربعة أسباع دراهم (128 و چهار هفتم) و ما ذكره في زكاة الفطرة يكون موافقا للمشهور فلعل القول بالخلاف صدر منه (قده) غفلة أو رجع في زكاة الفطرة عن قوله الأول أو قاله موافقا لمصباح اللغة و على فرض كون هذا معتقده جزما لا يضر بالمشهور لانه يكون قولا نادرا و ما ذكره المصباح غير وجيه لان أهل اللغة لا يكون لهم خبروية (1) الفن بل يذكرون موارد الاستعمالات فضلا عن هذا القول الذي يوافق أهل اللغة أيضا.

على انه لنا روايتان تدلان على مقدار الرطل و هو مأة و ثلاثون (130) درهما الاولى مكاتبة جعفر بن إبراهيم بن محمد الهمداني (في الوسائل باب 7 من زكاة الفطرة ح 1 و ذكرها العلامة الهمداني في طهارته ص 27) قال كتبت الى ابى الحسن (عليه السلام) على يدي انى جعلك فداك ان أصحابنا اختلفوا في الصاع بعضهم يقول الفطرة‌

____________

(1) أقول ان أهل اللغة خبراء الفن و السيرة على الرجوع إليهم في اللغات إلا في موارد ثبت خلافهم بحسب القرائن الخارجية و هذا حال كل هذا خبرة فإنه يتبع ما لم يعلم خلاف ما يقول به و ذكرهم لموارد الاستعمالات موجب للوثوق من حيث انهم خبرة هذا الفن و إنكار ذلك خلاف ما هو العمل عليه في الخارج.

128

بصاع المدني و بعضهم يقول بصاع العراقي قال فكتب الى الصاع ستة أرطال بالمدني و تسعة أرطال بالعراقي قال و أخبرني انه يكون بالوزن ألفا و مأة و سبعين وزنة.

و الوزنة بالكسر مفسرة بالدرهم فإذا كان الصاع العراقي تسعة أرطال و مجموع هذه الأرطال ألفا و مأة و سبعين درهما فيظهر ان تسعه (يك نهم) يصير مأة و ثلثين درهما (1170 تقسيم بر 9 مساوي 130) و الثانية مكاتبة إبراهيم بن محمد الهمداني (في الوسائل باب 7 من أبواب زكاة الفطرة ح 4 و مثله في المضمون ح 1) ان أبا الحسن صاحب العسكري (عليه السلام) كتب إليه في حديث الفطرة عليك و على الناس كلهم و من تعول الى ان قال تدفعه وزنا بستة أرطال برطل المدينة و الرطل مأة و خمسة و تسعون درهما.

فإذا كان الرطل المدني بهذا القدر إذا قيس بالدرهم فمجموعه يصير ألف و مأة و سبعون درهما (1170) و تسعه (يك نهم) بالعراقي مأة و ثلاثون درهما (130) و أشكل عليهما بان الرطل و الصاع و الكر اكيال و هي مختلفة بحسب الأجناس الذي كيل به فالماء و الدقيق و النفط و لو كان كيله واحدا و لكن أوزانه مختلفة فلا يمكن الاستدلال بهذه الروايات على المطلوب و هذا هو الذي قد مر.

و فيه انه عين فيها الوزن، و الكيل لا يكون الا طريقا لمعرفة الوزن و لم يعين الكيل بأنه مثلا يكون شبرا في شبر حتى يشكل عليه بهذه المقالة فدلالتهما على المطلوب واضحة لا ريب فيها.

بقي في المقام شي‌ء و هو تحرير الأصل في المقام بعد عدم تمامية الدليل و قصوره و سيجي‌ء إنشاء اللّه تعالى توضيحه.

في تعيين الكر بالمساحة اما تعيين الكر بالمساحة فالأقوال مختلفة فيه فقيل بأنه مأة% شبر (100) و قيل اثنان و أربعون و سبعة أثمان أشبار (42 و هفت هشتم) و قيل ستة و ثلثين شبرا (36) و قيل مجموع‌

129

عشرة و نصف شبر (5- 10) و قيل سبعة و عشرين شبر (27) و قيل بأي الروايات أخذ كان صحيحا و المشهور هو ما كان طوله ثلاثة أشبار و نصف في ثلاثة أشبار و نصف عرضه في ثلاثة أشبار و نصف عمقه.

(5- 3 ضربدر 5- 3 ضربدر 5- 3 مساوي 42 و هفت هشتم) و هذا كما ترى هو القول باثنين و أربعين و سبعة أثمان أشبار.

و اما سندهم على ذلك فهو الروايات فمنها رواية (باب 9 من أبواب الماء المطلق ح 8) عن الحسن بن صالح الثوري عن أبي عبد اللّه قال إذا كان في الركي كرا لم ينجسه شي‌ء قلت و كم الكر قال ثلاثة أشبار و نصف عمقها في ثلاثة أشبار و نصف عرضها. هذا هو الذي نقل في الوسائل و الكافي و التهذيب و لم يذكر فيهما الطول و في الاستبصار ذكر فيه الطول أيضا.

و منها رواية أبي بصير (في الوسائل باب 10 من أبواب الماء المطلق ح 6) قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الكر من الماء كم يكون قدره قال إذا كان الماء ثلاثة أشبار و نصف في مثله ثلاثة أشبار و نصف (ن خ تهذيب نصفا) في عمقه في الأرض فذلك الكر.

ثم انا نتكلم أولا في فقه الحديث ثم في معارضته مع سائر الروايات فنقول قد أشكل عليها أولا بأن الرواية الأولى ضعيفة بالحسن بن الصالح الثوري لأنه قيل انه زيدي و قيل انه غير معتمد عند الفقهاء. و ثانيا باضطراب المتن لأن نسخة الكافي و التهذيب غير موافقة للاستبصار و إذا دار الأمر بين الكافي و بين الكتابين فهو أضبط منهما و ثالثا ان هذه الرواية وردت في البئر لأن الركي هو البئر و عنوانها عنوان غير الكر و يكون غالبا مستديرا فلعل المراد بالعرض يكون هو سعة الدائرة اعنى القطر و العمق معلوم.

و الجواب اما عن الإشكال الأول فهو ان قدماء الأصحاب عملوا بهذه الرواية و ينجبر ضعفها بعملهم و لا محيص في الفقه الا عن الرجوع الى أقوالهم في توثيق الراوي‌

130

و عدمه لان قولهم يكون أضبط مما ذكر في الكتب المصنفة في الرجال فإنه لا اعتماد عليها الا ما نقل بالتواتر و كون الراوي زيديا لا يضر فإنه ربما يكون موثقا مأمونا عن الكذب و اما الجواب عن الثاني فيمكن ان يقال ان ما في الاستبصار يكون أصح لأن زيادة شي‌ء في الرواية تحتاج إلى مؤنة أزيد من السهو فالفطرة تقتضي ان يجرى أصالة عدم الزيادة و حمل ما في الاستبصار على ان يكون بيانا للإجمال في الكتابين على ان إطلاق لفظ العرض في العرف يقتضي ان يكون الطول أيضا مثله لانه لا يكون أقل منه.

نعم إذا كان المراد بالعرض السعة فلا يمكن استفادة ما عليه المشهور منها و بعبارة أخرى إذا كان المراد بالعرض السعة و هي القطر هنا لأن الركي يكون تدويريا فلا يصير الأشبار بقدر ما عليه المشهور بل يصير ثلثة و ثلثين شبرا و نصفا و خمس شبر و شي‌ء (1).

و لكن فيه أولا ان الابار التي كانت في ذاك الزمان كانت مربعة فاكتفى بذكر العرض عن الطول لذلك و لظهوره عندهم بعد ذكره و ثانيا لا وجه لحمل العرض على القطر ظاهرا. لا يقال الحمل على القطر غير وجيه لان تحصيل حجم الاستوانة مشكل عندهم بالحساب الهندسى لأنا نقول لا فرق بين حمله على العرض في مقابل الطول أو القطر من هذه الجهة لأن العامي بالنسبة إلى كليهما عامي. و ثالثا استعمال الركيّ في البئر محال لانه عنوان آخر غير الكر و لا يبقى مجال للسؤال على فرض كونه بئرا.

____________

(1) أقول و ذلك لان القاعدة الهندسية تقتضي ذلك بضرب نصف القطر و هو الشعاع في نفسه ثم في عدد 14- 3 (پى) ثم في ارتفاع هذا الحجم الذي يكون 5- 3 بهذا النحو الذي تراه (5- 3 تقسيم بر 2 مساوي 75- 1 نصف القطر) 75- 1 ضربدر 75- 1 مساوي 0625- 3 مجذور الشعاع) (0625- 3 ضربدر 14- 3 مساوي 61625- 9 ضربدر 5- 3 مساوي 6561750- 33).

131

و الحاصل ان استعمال العرض في القطر و الركيّ في البئر غير وجيه عندنا بل المتداول بين المعمارين ان يذكروا العرض دون الطول حتى الان في النجف الأشرف يكون كذلك فحمل الركي على المربع و العرض في مقابل الطول اولى و منها رواية أبي بصير (باب 10 من الماء المطلق ح 6) قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الكرّ من الماء كم يكون قدره قال إذا كان الماء ثلاثة أشبار و نصف في مثله ثلاثة أشبار و نصف في عمقه في الأرض فذلك الكرّ من الماء.

اعلم انه قد يخدش في سندها كما عن العلامة و لكن المتأخرين يجعلون سندها كالصحيحة و حملوا ما ذكره (ره) على الاشتباه و الظاهر من هذه أيضا موافقة المشهور فإنه و ان لم يكن فيها الا البعدان و لكن يفهم منهما الأخر و أشكل عليه بان ثلاثة أشبار و نصف في عمقه اما يكون بدلا أو عطف بيان عما قبله فيصير المعنى إذا كان الماء ثلاثة أشبار و نصف في مثله الذي يكون ثلاثة أشبار و نصف و على اى تقدير يجب تعيين مرجع الضمير فاما يرجع الى الماء و هذا هو الذي قال في حبل المتين انه لا محصل له و اما يرجع الى الثلاثة و هذا يلزم منه إرجاع ضمير المذكر على المؤنث و لكن التحقيق عدم كونه بدلا و لا عطف بيان لانه يكون خلاف دأب العرب و لا جدوى للنزاع في مرجع الضمير و حمل البعدين على القطر و العمق أيضا خلاف الظاهر فينتج ما عليه المشهور.

الجهة الثانية في بيان ما ورد من الروايات المعارضة مع ما استدل بها المشهور فمنها صحيحة إسماعيل بن جابر (باب 9 من الماء المطلق ح 7) و قد مرت في أول هذا الفصل قال سئلته عن الماء الذي لا ينجسه شي‌ء قال: كرّ قلت فما الكر قال ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار.

تقريبها ان سندها يكون في غاية العلو لان فيه إسماعيل بن جابر و ربما يقال في مضمونه انه موافق لمذهب القميين بضرب ثلاثة في ثلاثة في ثلاثة ليصير سبعة و عشرين شبرا (3 ضربدر 3 مساوي 9 ضربدر 3 مساوي 27) إذا حمل على كونه‌

132

مكعبا و قيل هذا يوافق أيضا مع تحديده بالوزن بألف و مائتين من الأرطال و قال المحقق الشريف الانصاف حذف الانصاف و اما إذا حمل على الدائرة حتى يكون الحجم استوانة فيصير حاصله خلاف الإجماع. (1)

و الحاصل هذا الاحتمال لا وجه له و ما نسب في الاحتمال الأول بأنه يكون موافقا للقميين فهو غلط قال الشيخ في الخلاف اجمع القميون على موافقة المشهور و منها ما عن ابن المغيرة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (باب 10 من الماء المطلق ح 8) إذا كان الماء قدر قلّتين لم ينجسه شي‌ء و القلّتان الجرتان.

و تقريبها ان الجرّتين اللتين حكم بكريتهما في الرواية يبعد ان يكون كل واحد منها بقدر ما يبلغ بالمساحة بنصف اثنين و أربعين و سبعة أثمان أشبار- و قيل في اللغة الجرة ما يكون اتساعه من ثلاثة قربة الى ست و لكن لا يصير هذا مرجحا.

و منها (ما في باب 10 ح 7 من الماء المطلق) صحيحة عبد اللّه بن المغيرة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال الكرّ من الماء نحو حبّي هذا و أشار الى حبّ من تلك الحباب التي تكون بالمدينة.

تقريبها ان يقال ان الحب الموجود الخارجي يبعد ان يكون بقدر اثنين و أربعين و سبعة أثمان أشبار (42 و هفت هشتم) فيمكن ان يكون بمقدار سبعة و عشرين شبرا (27) و فيه انه يمكن ان يكون لهم في ذاك الزمان لأجل عسر حفر الحوض و شبهه حبّ كبير يكون بمنزلة الكرّ.

و منها صحيحة إسماعيل بن جابر (في باب 10 من الماء المطلق ح 1) قال قلت لأبي عبد اللّه الماء الذي لا ينجسه شي‌ء قال ذراعان عمقه في ذراع و شبر وسعة (ن خ- سعته) و استدل بهذه الرواية على سبعة و عشرين شبرا و على ستة و ثلثين شبرا‌

____________

(1) فانظر الى ما حاسبناه 3 تقسيم بر 2 مساوي 5- 1 شعاع 5- 1 ضربدر 5- 1 مساوي 25- 2 مجذور الشعاع 25- 2 ضربدر 14- 3 مساوي 0650- 7 مساحته 0650- 7 ضربدر 3 مساوي 1950- 21 الحجم.

133

و على اثنين و أربعين و سبعة أثمان أشبار (42 و هفت هشتم).

اما الأول فبيانه ان الصحيحة تشتمل على بعدين و يعادل الذراع شبرين فذراعان يصيران أربعة أشبار و ذراع و شبر يصير ثلاثة أشبار و على فرض كون المراد بالسعة هو القطر يقرب من سبعة و عشرين شبرا. (1)

و فيه ان الذراع حسب تطبيق الامام (عليه السلام) يكون له سعة مفهومية يطلق تارة على القدم و في باب القصر و الإتمام عبّر بشبرين و حيث ما بين في الرواية ما المراد منه فيصير مجملا على ان في اللغة ان الذراع هو ما يكون أكثر من شبر فان طابق مع القدم يصير واحدا و أربعين شبرا على المستدير لا سبعة و عشرين.

و الحاصل ان هذه الرواية مع الاجمال فيها فيه ما مرّ من ان السعة لا تحمل على القطر بل تحمل على العرض و هذا يطابق المشهور.

و اما الثاني و هو ستة و ثلاثون شبرا فبيانه هو ان يؤخذ الطول أيضا بقدر السعة (2) و فيه ان الذراع لا يكون شبرين بل هو شبران و سدسان فتحصل من جميع ما ذكرناه تأييد المشهور و فساد قول المخالف و سائر المعارضات فساده ظاهر و لكن لا بأس بذكره.

فمنها ما عن المعتبر و المدارك و هو القول بستة و ثلاثون شبرا كما مر في ضمن الأقوال و الدليل عليه هو الصحيحة التي مرت، و فيه ان الذراع فيها مجمل.

و منها ما ذكر عن القميين و هو القول بسبعة و عشرين شبرا و الدليل عليهم هذه الصحيحة و التي قبلها على ان تكون محمولة على المستدير و فيه ما مر من إجمال الذراع و غيره.

____________

(1) 3 تقسيم بر 2 مساوي 5- 1 شعاع 5- 1 ضربدر 5- 1 مساوي 25- 2 مجذور الشعاع 25- 2 ضربدر 14- 3 مساوي 0650- 7 الحجم 0650- 7 ضربدر 4 مساوي 26- 28 حجم.

(2) أقول فيصير هكذا الطول 3 (السعة) ضربدر 3 (الطول) مساوي 9 ضربدر 4 (العمق مساوي 36 (الحجم).

134

و منها ما هو المستحدث بين المتأخرين و هو القول بثلاثة و ثلثين شبرا و نصف و خمس (6- 33) و قال في الجواهر اثنان و ثلاثون شبرا و لا إشكال في كونه مستحدثا لأن الأقوال قد بين بالتدريج و لا يكون القائل به من المتقدمين و الدليل و عليه الروايتان اللتان مرتا للمشهور على فرض حملهما على السطح المستدير.

و فيه انه لا دليل للحمل على السطح المستدير و كون المراد من السعة هو القطر و منها ما عن الراوندي و هو ان مجموع الابعاد يجب ان يكون عشرة و نصف شبر و فيه ان هذا القول يكون خلاف ظاهر الرواية لأن لفظة «في» تدل على الضرب لا الجمع و على فرض صحة هذا القول فتارة يوافق المشهور و تارة لا يوافق.

في تطبيق المساحة مع الوزن الجهة الثالثة في تطبيق القول بالمساحة على الوزن و علاجه (1): اعلم ان المشهور بين الأقوال التي ذكر في الكر بحسب المساحة يكون هو ستة و ثلاثون شبرا (36) و سبعة و عشرون (27) و اثنان و أربعون شبر و سبعة أثمان أشبار (42 و هفت هشتم) و لكن الحق مع المشهور في تقديرهم بالمساحة و بالوزن و هو ألف و مأتان رطل بالعراقي و لكن الإشكال في تطبيق الوزن على المساحة و هنا يكون لنا مؤثران لأثر واحد مثل قولنا إذا خفي الجدران فقصر و إذا خفي الأذان فقصر فخفاء الجدران و الأذان يكونان سببين لقصر الصلاة فإذا كان كذلك ففي كل مورد توافق الحدّ ان فالأمر واضح لا غبار عليه و إذا لم يتوافقا فاما ان تكون النسبة عموما من وجه أو عاما و خاصا مطلقا فان كانت النسبة عاما من وجه فنأخذ مورد الاجتماع و ان كان من قبيل الثاني فالخاص يكون أشمل و معرفا و لا عكس فإذا لاحظنا ما نحن فيه لم ينطبق الوزن مع المساحة بكل واحد من الأقوال لأن الأشبار مختلفة و لو في من هو مستوي الخلقة مع‌

____________

(1) أقول الطريق الدقيق هو الوزن و الطريق العامي هو المساحة و اختلاف الروايات يمكن ان يكون لاختلاف البلاد من حيث وزن الماء بالخفة و الثقل.

135

انه يقال بان القدماء كان اشبارهم أطول من زماننا هذا و لا يمكن لنا الأخذ بحد الوسط و لا يتوهم انه كما يكون يد كل أحد في الوضوء حدا لغسل صورته كذلك هنا لان الميزان و القاعدة يقتضي ان يغسل كل احد وجهه و لا يمكن ان يقال بان يغسل شخص آخر وجه شخص آخر و لكن الكرّ شي‌ء يحتاج إلى قاعدة كلية حتى ينضبط عليها و الا فإن الكرّ بيد شخص يكون كرّا له لا لغيره هذا أولا.

و اما ثانيا فلان الماء بحسب الخفة و الثقل مختلف حجمه فلنا هنا عويصتان الاولى الخفة و الثقل في المياه و هذه أمرها سهل لانه يمكن ان يكون الماء الذي يكون أثقل و لو كان أيضا حجمه أقل عاصما و موجبا لطرد النجاسة و ما هو الطف يمكن ان يكون مقاومته في مقابل النجاسة أضعف فحجمه الأعظم يكون طاردا للنجاسة.

و الثانية تطبيق الوزن مع المساحة و هذه مشكلة جدا و لكل احد فيه كلام فما فما قيل أو يمكن ان يقال نذكره للجمع هنا.

فنقول إذا نظرنا إليهما نرى عدم إمكان رفع اليد عن كليهما فنرفع اليد عن أحدهما فنقول ان الوزن حد حقيقي و المساحة تكون طريقا اليه و ما جعل طريقا يكون هو قول المشهور (42 و هفت هشتم) فعلى هذا فالقادر الحكيم جعل لنا قانونا طريقيا اما مستقلا أو في ضمن زيادة و هذه المساحة تكون حاوية لهذا المقدار بجميع الأشبار و في جميع المياه.

فان قلت ما جعل طريقا يجب ان يوافق ذا الطريق و ما يكون التفاوت بينه و بين غيره مثل سبعة و عشرين و ثلاث و ثلثين شبرا بمقدار تسعة أشبار فكيف يكون طريقا و مثله التفاوت بين ما هو المشهور و بين سبعة و عشرين خمسة عشر شبر و سبعة أثمان أشبار قلت الطريق يكون بالنحو الأول موافقا لذي الطريق في جميع التقادير حتى مع المشهور و الثاني ما يكون بنحو الإرث و مثل ان يقول إشارة إلى الحبّ من الماء هذا كر بمناط وزن الماء.

فان قلت إذا كان المناط الوزن فلما ذا يجعل المساحة طريقا قلت جوابه‌

136

واضح و هو ان الطريق يجب ان يكون أسهل تناولا و ما هو أسهل يكون هو التعيين بالوزن لا بالمساحة لاختلاف الروايات في تعيينه بها.

و الحاصل ان رفع اليد عن أدلة المساحة غير وجيه فلا مناص الا ان نقول ان ما عين يكون طريقا بحسب بعض الأمكنة ففي المدينة المنورة الستة و ثلاثون شبرا تطابق الوزن و في النجف الأشرف السبعة و عشرين تطابقه و هكذا فيجب على كل بلد توزين الماء حتى يعلم أنه بأي مساحة يكون مائه كرّا فيكون الطريق طريقا إجمالا ثم هنا وجه آخر لحل المشكل و هو ان المساحة التي تكون سبعة و عشرين شبرا تكون النسبة بينها و بين الوزن هي العموم و الخصوص من وجه فإنه تارة يطابق الوزن معها و تارة تكون سبعة و عشرين و لا يكون مائه بمقدار ألف و مأتين و تارة يكون بالعكس فصورة الموافقة مع هذه المساحة لا اشكال فيها و كأنه بينها و بين الوزن و لو في صورة واحدة مناسبة و هذا هو المقتضى جعل الطريق و لكن سائر المقادير من المساحة لا يوافق الوزن بوجه من الوجوه فما لم يحصل الموافقة فالوزن هو المناط في جميع البلاد و يكون تعيين المساحة بعهدتهم و أيضا غير سبعة و عشرين لا يكون دليله تاما لا سندا و لا دلالة.

و يرد عليه أولا ان قصور دلالة الروايات على غير سبعة و عشرين ان ثبت كان كلامه صحيحا و يكون بينها و بين الوزن عموم من وجه و اما على مبنى من قال بتمامية السند و الدلالة فلا يصح هذا الجمع بهذا النحو فنقول إذا كان الحكيم بصدد طريق لم يشذ عنه غالبا يقرب ان يكون هو ما عليه المشهور و لكن إذا حاسبناه مع ماء النجف يحصل التفاوت كثيرا و اما بالنسبة إلى سائر المياه فلا فعلى هذا لا يكون الطريق الا هذا.

و ثانيا القول بهذا الجمع خلاف الإجماع و قد مر في ردّ الراوندي عدم تمامية ادعاء الإجماع.

و ثالثا ان المقامات تختلف و لو بالنسبة إلى سبعة و عشرين فالحمل على اى‌

137

وجه يكون تصرفا في الدليل فلا نأخذ بالطريق بتناسب الحكم و الموضوع فما هو أسهل تناولا يكون هو الوزن.

ثم هنا مسلك آخر لصاحب الجواهر (قده) فإنه قال يمكن الجمع بين الوزن و المساحة بأن نقول ان اللّه تعالى جعل حدّين للكرّ مساحى و وزني لأن النسبة بينهما إذا كان من باب العموم المطلق فلا زال يصير اثنين و أربعين شبرا أكثر من وزن ألف و مأتين فيكون هذا الطريق لغوا الأعلى ما نحمل عليه و اما جعل المساحة طريقا على المشهور فيكون المراد منه ما يكون في جميع الأزمنة و الأمكنة طريقا.

و قال أيضا ان الامام (عليه السلام) إذا لم يعلم أن الوزن لا زال يكون أقل فالتعبير يكون بعبارة أعم و أشمل. أقول انه في علم الامام (عليه السلام) مشارب فبعضها ان علمه (عليه السلام) يكون عين ذاته و الفرق بينه و بين اللّه تعالى هو ان اتحاده معه تعالى يكون أصليا و اتحاده مع الامام (عليه السلام) ظليا اى ان وجد في الخارج ما في الذات يكون وحدة علم الامام (عليه السلام) و النبي (صلى اللّه عليه و آله) مع ذاته و يكون من باب الظل و ذي الظل و مع هذا لا يتم ما قيل لان الجهل و السهو لا يكاد يعقل بالنسبة إليهم لأن انقلاب الشي‌ء عن ذاته محال و اما ان قلنا ان علم الامام (عليه السلام) يكون حضوريا زائدا على الذات أو حصوليا فيحتاج الى دليل آخر و هو ان سهو الامام و النبي يرجع الى الإغراء بالجهل من اللّه تعالى و هو محال منه تعالى فهم مأمونون عنه و اما الجهل بالنسبة إلى الموضوعات فكأنه تصوره صاحب الجواهر بالنسبة إليهم (عليهم السلام) و لكن التحقيق عدم سهو الأئمة و النبي (عليهم السلام) لا بالنسبة إلى الموضوعات و لا بالنسبة إلى الأحكام لانه إن جاز يوجب سلب اعتقاد الناس عنهم و لكن كلام صاحب الجواهر لا يكون موجبا للاغراء بالجهل منهم (عليهم السلام) فان الحد الوزني يكون معينا و يكون قوله مثل قوله الصدوق و المجلسي (قدس سرهم)ا) و اللّه العالم.

138

في تحرير الأصل بالنسبة إلى المساحة و الوزن الجهة الرابعة في تحرير الشك، بالنسبة إلى الكر من جهة الوزن أو المساحة مثل الشك في ان الماء الفلاني الذي شك في كرّيته في انه بملاقاة النجس تنجس أم لا بعد عدم معلومية حدّ الكر فهل يكون المرجع عنده عمومات الانفعال أو عمومات عدمه أو الأصل فيه خلاف.

فنقول في المقام كان أربعة طوائف من الاخبار الأول ما دل على ان الماء طبعه الاوّلى هو العاصمية مثل خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء و يساوق هذا ما ورد من صحيحة حريز (في الوسائل باب 3 من أبواب الماء المطلق ح 2) و فيها كلما غلب ريح الماء على ريح الجيفة فتوضأ منه و اشرب تقريبها ان العبارة مطلقة في ان غلبة ريح الماء على ريح الجيفة توجب عدم الانفعال سواء كان كرا أو لم يكن.

و من موثقة سماعة (باب 3 من الماء المطلق ح 6) مفهومها دل على ان الماء إذا غلب ريحه لا ينجس و هذا و أشباهه يسمى عام الفوق للعاصمية.

و الثاني العمومات الدالة على الانفعال و يسمى بالعام الفوق و دلت على ان الماء طبعه الاولى هو الانفعال فمنها (باب 45 من أبواب النجاسات ح 1) عن شهاب ابن عبد ربه قال دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) اسئله عن الجنب (الى ان قال) لا بأس بأن يغرف الجنب من الماء.

تقريبها انه نفى البأس عن اغتراف الماء باليد لانه لا تكون قذرة فلا بأس بملاقاتها مع الماء و منها موثقة عمار (باب 4 من أبواب الأسئار ح 2) عن أبي عبد اللّه قال سئل عن ماء تشرب منه الحمامة (الى ان قال) فإن رأيت في منقاره دما فلا توضأ و لا تشرب و إطلاقها يشمل الكر و دونه.

و منها موثقة أخرى سئل فيها عن ماء شربت منه الدجاجة مثلها مضمونا (في الباب ح 3) و الثالث ما دل على تخصيص عام الانفعال مبيّنا مثل ما دل على ان الماء إذا‌

139

كان له مادة فهو عاصم كصحيحة ابن بزيع (في باب 3 من الماء المطلق ح 12).

و الرابع ما دل على التخصيص كذلك الا انه يكون مجملا مثل اخبار باب الكر الدال على ان الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شي‌ء و الاجمال ناش عن عدم معلومية حد الكر في الشرع مثلا.

فإذا عرفت ذلك فنقول تمسك النائيني (قده) بعد الشك بعمومات الانفعال:

بيانه ان العامين و ان كانا متعارضين في بدو الأمر بنحو التباين الا انه بعد ملاحظة النسبة بينهما و بين ما دل على التخصيص يوجب انقلاب النسبة إلى العام و الخاص المطلق فإنه بعد تخصيص ما دل على العاصمية مطلقا بان ماله المادة مثلا عاصم يضيق دائرة العام فنحاسب مع عام الانفعال نرى النسبة كما قلنا عاما مطلقا ففي صورة وجود المخصص نتمسك به و في صورة الشك نتمسك بالعام.

و فيه ان انقلاب النسبة لا معنى له كما حرر في محله و العامان بعد التعارض يتساقطان فيبقى لنا ما دل على ان ما له المادة أو الكر عاصم فإذا شك في أحدهما لا يكون لنا عام فائق فنرجع إلى قاعدة الطهارة. (1)

تنبيه- قد يتوهم عدم وجود الأصل المؤسس في الشبهات المفهومية إلا إذا كان تدريجي الوجود مثل الماء الذي يصير كرا بالتدريج فإنه يمكن ان يقال انه قبل بلوغه إلى سبعة و عشرين شبرا نعلم قطعا انه لا يكون كرا فلا يكون عاصما فبعد بلوغه الى هذا المقدار أيضا نحكم بأنه غير عاصم.

____________

(1) و أضف اليه ان عام الانفعال و عام العاصمية يكون المخصص لهما ماله المادة أو الكر لكن بالنسبة إلى الأول يكون بين المتنافيين و بالنسبة الى الثاني يكون من المثبتين الذين يحتاج التخصيص إلى إحراز وحدة المطلوب و كأنه يحرز الوحدة و ان ما دل على عاصمية البعض شارح له ففي مقام الشك لا اثر للعام الفوق في العاصمية و لا لعام الانفعال من باب ان المخصص مجمل و حيث ان لسانه الحكومة يوجب إجمال العام أيضا فقاعدة الطهارة محكمة بهذا البيان.

140

و فيه ان الاستصحاب الكذائي لا يجرى لا موضوعا و لا حكما.

اما الأول فلان الشبهات المفهومية يكون كالفرد المردد مثل الشك في وجود الفيل و البق في الدار الا انه يكون بالنسبة إلى أمر عدمي فإن الماء لم يكن كرا و بعد بلوغه إلى سبعة و عشرين شبرا نردد في انه ان كان الكر هذا العدد فهو كر و الا فلا.

و اما الثاني فلان عنوان الكر لا اثر له حتى نستصحب عدمه بان نقول هذا الماء لم يكن في السابق معنونا بهذا العنوان فكذلك الان.

فان قلت ما الفرق بين هذه الصورة أعني مسألة الكر و مسألة الرضاع فإنه قيل فيه في الشبهة المفهومية بجريان الاستصحاب من جهة الحكم إذا شك في ان الرضاع يحصل بعشر رضعات أو خمسة عشر رضعة فنستصحب عدم نشر الحرمة السابقة: قلت إذا كان العنوان في حكم جهة تعليلية يجري بالنسبة إليه الاستصحاب الحكمي مثل الرضاع دون ما كان العنوان جهة تقييدية مثل الكرّ لأن الأول لا يرجع الى الفرد المردد دونه (1) و الحاصل يكون المرجع قاعدة الطهارة خلافا لشيخنا الأستاذ النائيني (قده) الكلام في وجوب تساوى السطوح في الكر الجهة الخامسة في ان الكر هل يجب تساوى سطوحه أم لا: اعلم ان هنا مسئلتين الاولى ان الماء هل يجب ان يكون مجتمعا في مكان واحد أو يكفي إذا كان مثلا بنحو النهر الدقيق و قد مر اعتبار الاجتماع عن صاحب المعالم (ره) و لكن التحقيق عدم اعتباره إذا صدق عليه انه ماء واحد كما مر سابقا.

و الثانية و هي مسئلتنا هذه و هي انه هل يجب بعد تسليم ان الاجتماع لا يلزم تساوى السطوح أم لا و لا يخفى أن العالي و السافل إذا كانا كرين لا نزاع فيه كما لا نزاع فيما إذا كان أحدهما كذلك بل النزاع يكون في صورة كون مجموع العالي و السافل كرّا.

____________

(1) و فيه أيضا الاشكال و الجهات التعليلية و التقييدية لا تكون فارقة و لا تجرى الاستصحاب فيه.

141

فإذا عرفت ذلك نقول في محل النزاع يبلغ الأقوال إلى ثلاثة: الأول القول بأنهما اعنى العالي و السافل يتقويان و يرجع الى ان الماء الواحد لا يكون له إلا حكم واحد. و الثاني نقيض الأول و هو القول بعدم تقوى أحدهما بالاخر. و الثالث التفصيل و هو القول بتقوى السافل من العالي دون العكس.

ثم ان هنا مقدمة و هي ان تعرف ان البحث يكون في صورة كون الدليل الإجماع على ان الماء الواحد لا يكون له الا حكم واحد لا روايات باب الحمام و انه كالماء الجاري لأن في الرواية انه يقوى بعضه بعضا و ان الفرض يكون في صورة كون المادة المتصلة بالحياض الصغار كرا.

و الحاصل ما نفهم منهم (قدس سرهم) هو ان الوحدة تكون المناط في الباب و يدور الحكم مدار صدقها و عدمه فحاصل محل النزاع هو الماء الذي لا يكون كرا احد جانبيه من العالي و السافل و الشك يكون في صدق الوحدة بالنسبة اليه مع ان الجميع يكون كرّا.

فنقول اما مستند القول الأول و هو ما إذا كانا متقويان فوجهان: الأول ان الوحدة الاتصالية بالنظر الدقيق تصدق و هي مساوقة للوحدة الشخصية.

و فيه ان الدليل و لو لم يكن فيه اعتبار صدق الوحدة و أخذ هذا العنوان من لفظ لاقى النجس و اعتبار صدقه و لكنه صحيح و يجب الرجوع لتعيين مصداقه الى العرف فما لم يحكم العرف بالوحدة لا يكفى ما يكون بالنظر الدقيق الفلسفي واحدا.

و الثاني إطلاق الدليل فان ظاهر قوله الماء إذا بلغ قدر كر لم ينجسه شي‌ء هو الإطلاق أي سواء كان متساوي السطوح أم لا.

و فيه ان ملاقاة الكر هي الملاك و مع عدم صدق الوحدة لا يصدق ان النجس لاقى الكر و لا يكون الإطلاق بنحو يشمل ما كان جزء منه فوق المنارة و جزء آخر تحتها فلا أقل من الشك.

و اما مستند القول الثاني و هو القول بعدم تقوى أحدهما بالاخر فهو ان عنوان‌

142

لاقى الكر يجب ان يصدق و لازمه إحراز عنوان الوحدة فما لم يحرز الوحدة بل شك فيها يرجع الى قاعدة الطهارة أو عموم الانفعال على اختلاف القولين.

و أيضا مفهوم روايات باب الحمام يستفاد منه عدم تقوى السافل بالعالي فإذا قيل ان ماء الحمام كماء الجاري اعنى كما انه يجب ان يكون له مادة كذلك الحمام فالتقوى يكون من جهة ان العالي يكون كرا فعاصمية الحياض الصغار مترتبة على كرية المبدء فإذا ثبت ان السافل لا يتقوى بالعالي الا ان يكون له مادة فالعالى لا يتقوى من السافل بالأولوية.

و فيه أولا انه لا يستفاد من دليل ماء الحمام وجوب عاصمية المادة و كريتها نعم ان قيل به لعله يكون من باب عدم الدليل. و ثانيا ان ماء الحمام يفهم من لسان دليله ان يتقوى العالي من السافل فلعل القول بأن المادة يجب ان تكون كرا يكون من باب الإجماع فالتحقيق في المقام التشكيك في كبرى الملاقاة.

و اما مستند الثالث و هو القول بتقوى السافل من العالي دون العكس فوجهان كلاهما بلا وجه.

الأول ان الوحدة و ان كانت هي الملاك الا انه يمكن القول بان صدقها يصير حيثيا واقعا اعنى العرف إذا نظر في المقام الى السافل يرى العالي تبعا له فيرى حكمه له و انه يتقوى به و اما إذا نظر الى العالي لا يرى السافل تبعا له و جزء منه بحيث يكون حكمه له فإذا كان أقل من الكر فلاقاه شي‌ء من النجس ينفعل.

و فيه ان ملاك التنجيس و لو كان بحسب النظر العرفي الا ان ادعاء صدق الوحدة العرفية هنا و صدق عنوان لاقى مشكل.

الثاني التبعيض الحكمي بأن نقول و لو لم يصدق الوحدة الا انه يمكن ان يكون للسافل حكم الكردون العالي كما في ماء الحمام.

و فيه ان هذا و لو كان معقولا ثبوتا الا انه لا دليل عليه إثباتا و دليل ماء الحمام لا ربط له بالمقام لانه يكون عنوانا آخر غير الكر فتحصل من جميع ما ذكرناه ان‌

143

تساوى السطوح أو ما يلحق به لازم في الكر.

ثم انه قد اتضح مما ذكرناه حكم ما لاقى النجس دون الكر إذا كان أحدهما كرا و يأتي فيه الأقوال الثلاثة و مقتضى التحقيق عدم الاتحاد و عدم صدق ملاقاة الكر و الحاصل الماء المتساوي سطوحه و ما يلحق به يصدق الوحدة فيه و اما هذه الصور فلا و هذا لا يكون خلاف الإجماع أيضا.

[مسألة 3- الكر بحقة الاسلامبول]

مسألة 3- الكر بحقة الاسلامبول و هي مأتان و ثمانون مثقالا مأتا حقة و اثنتان و تسعون حقة و نصف حقة.

قد مر البحث في وزن الكر و لا نعيد البحث هنا.

[مسألة- 4 إذا كان الماء أقل من الكر]

مسألة- 4 إذا كان الماء أقل من الكر و لو بنصف مثقال يجرى عليه حكم القليل.

اعلم ان هنا حيثين لجهة الشك: الأول ان الوزن، إذا كان أصله تخمينيا فلم لا يجوز ان يكون فيما نحن فيه أيضا كذلك فانا إذا راجعنا الى الرطل أو سائر الأوزان نرى بالأخرة يصل الى الحمصة و الشعير و الشعر و هذه الأشياء مما تختلف بالصغر و الكبر فالوزن الذي تركب من افرادها يكون بالتخمين فإذا كان أصل الوزن في بدو الأمر كذلك فلم لا يجوز للفقيه التخمين كما كان للمقنن.

و الثاني ان الماء إذا القى فيه تراب و لم يكن بقدر الكر فبلغ بقدره فهل يحكم بان هذا الماء البالغ بالقدر الذي يكون هو الكر مع ان الاجزاء الترابية صارت مخلوطة بأنه ليس بعاصم لان بعض اجزائه تراب و هل يفرق بين ما إذا القى فيه التراب أو يكون من الأول مخلوطا به فكما لا نقول في هذا بأن الأجزاء لا يضر فكذلك في المقام و كلا الوجهين غير وجهين اما الأول فلان تسامح الشارع المقنن غير مربوط بتسامح المكلف فإنه ربما يمكنه إظهار الواقع فيقنن قانونا مع التسامح في عين ما هو لا يتخطى عن الواقع فعلى هذا إذا كان الكر أقل و لو بنصف مثقال لا نحكم بعاصميته (1)

____________

(1) ان ما يجي‌ء في نظري القاصر هو ان أصل دعوى التسامح غير وجيه لان الوزن و ان كان مبدئه ما ذكر الا ان الرطل مثلا الذي هو أحد الأوزان كان معلوما في زمن الشارع عند التشريع بحيث كان محدودا.

144

و اما الثاني فلان الطين إذا كان من اجزائه الأصلية يمكن الالتزام بأنه لا يضر لانه ربما يكون مؤثرا في العاصمية مثل بعض الاملاح فالدليل لا ينصرف عن المواد الأصلية و لكن إذا كان التراب من خارج يمكن الالتزام بالإضرار و الدليل منصرف عنه فلا وجه لما ذكروه في هذا المقام و يجب مراعاة الحد وزنا و مساحة.

[مسألة 5- إذا لم يتساو سطوح القليل ينجس العالي بملاقاة السافل]

مسألة 5- إذا لم يتساو سطوح القليل ينجس العالي بملاقاة السافل كالعكس نعم لو كان جاريا من الأعلى إلى الأسفل أو من الأسفل إلى الأعلى بالشدة مثل الفوارة و نحوها لا ينجس العالي بملاقاة السافل من غير فرق بين العلو التسنيمى و التسريحي.

اعلم انه قد مر الصورة التي كانت المجموع كرا و اما إذا لم يكن كذلك فاما ان يتساوى سطوحه أو يلحق به أو لا بل يكون بنحو العالي و السافل فالأول ينجس بواسطة ملاقاة النجس سواء كان له العلو الحقيقي الذي لا يسميه العرف علوا أولا و السر في ذلك هو ان الماء الواحد لا يكون له الا حكم واحد و قد مر مرارا ان مناط النجاسة و الطهارة يكون هو نظير العرف.

و اما الثاني فقيل ان لاقى النجس السافل لا ينجس العالي دون العكس لامتناع منجسية ملاقاة السافل للعالي و المراد بهذا الامتناع هو الاستبعاد و الا فلا امتناع من جعل الحكم عن الشارع عليه كما انه يحكم بنجاسة الماء الكثير المضاف برأس إبرة من الدم نعم إذا قيل ان العالي إذا نجس يمكن سرايته الى السافل دون العكس للدفع يصير كلاما آخر و له وجه فإن أحرز انه يكون له الدفع لا ينجس و اما إذا شك فيه فيجب الرجوع اما الى دليل الانفعال أو الى قاعدة الطهارة فنقول لا يمكن التمسك بدليل الانفعال لانه يكون من باب الشبهة المصداقية لنفس العام و على فرض كونه من الشبهة المصداقية في المخصص بان نقول قد خصص دليل الانفعال بما يكون للماء‌

145

دفع فشك في شي‌ء هل يكون من الدافع أم لا فلا يمكن التمسك فيه بالعام فلا محالة يكون المرجع قاعدة الطهارة.

[مسألة 6- إذا جمد بعض ماء الحوض و الباقي لا يبلغ كرا]

مسألة 6- إذا جمد بعض ماء الحوض و الباقي لا يبلغ كرا ينجس بالملاقاة و لا يعصمه ما جمد بل إذا ذاب شيئا فشيئا ينجس أيضا و كذا إذا كان هناك ثلج كثير فذاب منه أقل من الكر فإنه ينجس بالملاقاة و لا يعتصم بما بقي من الثلج.

اختلف نظرهم (رضوان اللّه عليهم) في هذه كما في المتن و لعل المؤسس لهذا البحث يكون العلامة (قده) فإنه يقول بان الماء إذا جمد لا يخرج عن كونه ماء بل اشتدّ فيه صفة المائية و هي البرودة فعلى هذا إذا كان بعض الماء الذي لم يكن بقدر الكر جمدا و يكون الجميع بقدره يكون عاصما.

و فيه (1) ان المعيار في الماء هو السيلان و البرد الذي يكون طبع الماء لا يكون هذا النحو منه بحيث يصير جمدا فيمكن ان يكون البرد الشديد مولّدا للصورة النوعية الأخرى و عليهذا إذا لم يكن الجمد ماء لا ينجس باطنه بملاقاة ظاهره النجس.

[مسألة 7- الماء المشكوك كريته مع عدم العلم بحالته السابقة]

مسألة 7- الماء المشكوك كريته مع عدم العلم بحالته السابقة في حكم القليل على الأحوط (2) و ان كان الأقوى عدم تنجسه (3) بالملاقاة نعم

____________

(1) أقول ان من لا يلتزم في صورة صيرورة الماء بخارا بأنه استحال و التزم بمائيته فالأولى ان يقول هنا أيضا بعدم الاستحالة لان الأجزاء المائية كما تصير لطيفة بواسطة الحرارة كذلك تصير شديدة بواسطة البرد و اما من قال هناك بالاستحالة فهنا أيضا يمكن له القول بها و بصيرورته طاهرا و لو كان نجسا قبل الجمود و هو التحقيق و اما ظاهره فيجب تطهيره لانه كان متضمنا لاجزاء ماء النجس و ما فرضه المصنف قده فالحق معه.

(2) بل على الأظهر بمعنى عدم ترتيب آثار الكر عليه

(3) بمعنى عدم ترتيب آثار القليل عليه.

146

لا يجرى عليه حكم الكر فلا يطهر ما يحتاج تطهيره إلى إلقاء الكر عليه و لا يحكم بطهارة متنجس غسل فيه و ان علم حالته السابقة يجرى عليه حكم تلك الحالة.

اعلم انه قد مر حكم الشك في الكر من جهة الشبهة الحكمية الناشئة عن الشبهة المفهومية و عقدت هذه المسألة لبيان حكم الشبهة الموضوعية على فرض العلم بحدّ الكر وزنا أو مساحة و يتصور لها صورا الاولى ان يكون له حالة سابقه و هي الكرية و الثانية ان يكون حالته السابقة القلة و الثالث ان يكون من باب توارد الحالتين الكرية و القلة و لا يعلم تاريخهما أو تاريخ أحدهما و الرابعة ان لا يعلم حالته السابقة فالأولى و الثانية حكمهما واضح فيستصحب ما كان على ما كان قلة أو كرا بالنسبة إلى ترتيب اثر الانفعال و عدمه اما الثالثة و هي الشك في التقدم و التأخر في كل منهما فلا يكون فيه أصل محرز فيرجع الى قاعدة الطهارة هذا جهته الفقهية اما الجهة الأصولية فاما ان يقال يجرى كلا الأصلين و يتعارضان أو لا يجريان أصلا لعدم اتصال زمان الشك باليقين على اختلاف المبنى فيرجع الى ما ذكر من قاعدة الطهارة.

و اما الرابعة فقال المصنف الأقوى الطهارة عند ملاقاة النجاسة و لكنه (قده) حكم بالانفعال في نظير هذه المسألة و هو إذا كان الشك في ان الماء يكون له المادة أم لا (في مسألة 2 من فصل الماء الجاري) (1).

ثم انه ره بعد جريان قاعدة الطهارة حكم بتفكيك اللوازم مثل ان يقال بان الماء الذي جرت بالنسبة إليه بعد الملاقاة قاعدة الطهارة لا يكون مطهرا و يكون الثوب الملاقي له مثلا على نجاسته.

فنقول مستعينا باللّه ان تطبيق قاعدة الطهارة على المورد لا معارض له لانه اما ان يكون دليلا اجتهاد يا أو أصلا محرزا حاكما عليه و كلاهما منفيان أما الأصل فلعدم معلومية حالته السابقة و اما الدليل فلان المورد يكون من باب الشبهة المصداقية للعام أو للمخصص‌

____________

(1) قوله في ذاك المسألة لعله يكون لإحراز القلة بخلاف المقام.

147

و لا يتمسك فيهما بالعام.

اما تقريب كونه من الشبهة في مصداق العام نفسه فهو ان مفهوم قولنا الماء إذا بلغ قدر كر لم ينجسه شي‌ء هو ان الماء إذا لم يبلغ قدر كر ينجسه شي‌ء هذا هو عام الانفعال فإذا خصص بالكر و لم نعلم ان هذا الموضوع يكون كرا أم لا فينتج الشك في ان هذا يكون مصداق العام حتى ينفعل أو لا فلا.

و تقريب الشبهة المصداقية في المخصص أيضا يعلم مما ذكر بان نقول ان العام قد خصص قطعا بالكر و لكن لا نعلم انه يكون من المخصص أولا.

في استصحاب العدم الأزلي في الكر نعم ان قيل بجريان استصحابات الاعلام الأزلية فالمورد يكون منه و يحكم فيه بالانفعال. فنقول في جريان هذا الأصل مسالك ثلاث الأول ما عن المحقق الخراساني (قده) و هو استصحاب العدم المحمولي من غير ان يكون مثبتا الثاني ما عن المحقق العراقي (قده) و هو ان الملكات كما تحتاج الى الموضوع فكذلك إعدام الملكات يحتاج اليه و الثالث و هو التحقيق عدم الاحتياج الى الموضوع و يكون في السالبة سلب الربط لا ربط سلبي.

بيان الثالث ان الوجود اما ان يكون في نفسه أو لا في نفسه و الأول اما ان يكون في نفسه لنفسه و هو وجود الجوهر و اما ان يكون في نفسه لغيره و هو وجود العرض و الثاني يعبر عنه بالوجود الرابط فيكون لنا وجود جوهري و وجود عرضي ناعتى و يسمى بالرابطى و وجود رابط بين العرض و الموضوع و هذا كله صحيح و نعترف بجميع الاقسام و نقول إذا أردنا حمل القيام على زيد نحتاج الى جوهر هو الموضوع و هو زيد مثلا و عرض ناعت و هو القيام و وجود النسبة بينهما بان هذا القيام مربوط بهذا دون ذاك و اما في الأمور العدمية فلا نقدر ان نتصور الاحتياج الى وجود الموضوع فإذا تصورنا زيدا و القيام فرأينا ان القيام لا ربط له بزيد فاما ان يكون في الخارج‌

148

موجودا و نسلب عنه القيام أو عدمه يكون لعدم الموضوع و هو زيد فان العدم لا يحتاج الى الموضوع و في مسئلتنا هذه نقول تارة يكون في الخارج الماء الكر و تارة يكون الماء دون الكرية و تارة لا يكون الماء و لا الكرية ففي الصورتين لا يكون الكر موجودا و اشكال نفى الهذوية بان نقول في السابق لم يكن هذا الماء و في الحال نقول هذا الماء لم يكن كرا مدفوع لأن الان نحتاج إليها دون السابق و الكرية و العاصمية يحتمل ان تكونا محمولتين على الوجود الناعتى الى الماء إذا وجد كرا أو يكون محمولا على الموضوع من استظهار العقل بان الوصف لا قيام له الا بالموصوف أو لا يكون محمولا على شي‌ء من الأشياء.

فالحاصل ان المستصحب لا يكون عدم الكرية بل عدم الانتساب و لا يكون المستصحب عدم الكرية المحمولية و لا الوصفية فنقول ان الوجدان قاض بان هذا الرجل كما يمكن ان يقال انه لم يكن موجودا في السابق بالهيئة البسيطة كذلك يمكن ان يقال لم يكن موجودا كاتبا مثلا بالهيئة المركبة فيسلب عنه الوجود و شئون الوجود فعلى هذا يمكن ان يقال عدم انتساب الكرية لهذا الماء يكون له حالة سابقه فيستصحب.

لا يقال اتحاد القضية المشكوكة و المتيقنة شرط في جريان الاستصحاب و ما ذكر يكون خلاف ذلك لان السابق ما كان قضية أصلا و الان تتشكل لأنا نقول كانت قضية في السابق و لكن ما توجهنا إليها إلى الان فنقول ان زيدا لم يكن في الأزل فالعلم متأخر و المعلوم متقدم فيكون أركان الاستصحاب تامة.

فإن قلت ان الموضوع لا يكون في الأزل و في الحال يكون و العدم بلا موضوع و ما معه يكون له فرق بالوجدان. قلت لا ميز في الاعدام من حيث العدم و الوهم لا واقعية له هذا.

ثم لشيخنا الأستاذ النائيني (قده) تقريب لعدم جريان هذا الأصل في جميع الموارد التي يكون من الأوصاف و النعوت المحتاجة إلى الموضوع و مهّد لمذهبه ثلاث مقدمات الاولى ان العمومات كلما قيد بقيد وجودي خاص تتصف بنقيض هذا‌

149

الخاص مثلا إذا قيل أكرم العلماء الا الفساق منهم يرجع هذا الى ان العالم الغير الفاسق يجب إكرامه أو إذا قيل الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شي‌ء يرجع الى ان الماء الغير البالغ قدر كر ينجسه شي‌ء فكل عنوان من العناوين عاما كان أو مطلقا و قيد بقيد وجود يتصف في الواقع بنقيض هذا القيد و استدل عليه بانا نسأل منكم ان لفظ العلماء بعد الاستثناء بالفساق فهل يكون مهملا و أو مطلقا أو مقيدا فان قلت بالأول نقول انه يكون خلاف مقتضى الحكمة و ان قلت بالثاني يكون خلاف الفرض فلا بد من القول بالثالث و هو التقييد.

المقدمة الثانية ان العرض و الموضوع لا يمكن ان يكونا متفرقين بل يجب وجود العرض مع الجوهر بالنحو النعتي لا المحمولي فالكرية تكون من الأوصاف و لا يتصور ان تكون مقارنة حتى يكون لنا ماء و كرية بجنبه.

المقدمة الثالثة ان نقيض كل شي‌ء رفعه فنقيض كرية الماء عدم كرية الماء اعنى الماء المتصف بعدم الكرية و لا فرق بين السلب و الإيجاب في الاحتياج الى الموضوع (1) إذا عرفت ذلك فنقول بمقتضى ما ذكر من المقدمات لا يمكن استصحاب العدم الأزلي بوجه من الوجوه لان المقامات كلها يكون من باب الجوهر و العرض فاستصحاب عدم كرية الماء في السابق الذي يكون أحد أفراده لا يجرى بوجه من الوجوه فان الموضوع الموجود الناعتى يكون عدمه كذلك هذا ما ذكره (قده).

و فيه إشكال مقدمة و نتيجة: أما المقدمة الاولى و هي ان كل عنوان قيد بأمر وجودي يتصف بنقيض ذلك ممنوعة جدا لان العام مثلا إذا قيد لا يوجب ان يوجد في الافراد الباقية شي‌ء مثلا إذا قيل أكرم العلماء الا الفساق يفهم منه ان المراد من العلماء يكون هذا القدر منهم و يكون دائرة العام ضيقة و هم باقون على ما كانوا عليه قبل التخصيص و مما يقرب لك بطلان ما قال (قده) هو انا إذا قلنا أكرم العلماء ثم‌

____________

(1) تعبير هذه بالمقدمة لا وجه له ظاهرا لان هذه تكون صغرى لما استفيد من المقدمتين و تكون من النتيجة لهما.

150

مات بعضهم هل يعقل ان يقال أكرم العلماء المتصفين بعدم الموت حتى يكون عدم الموت صفة لهم فكل ما كان يوهم ذلك يكون من العناوين الانتزاعية من المقدمات أما المقدمة الثانية فممنوعة أيضا لأن الجوهر و العرض و ان كانا متحدين في الوجود و لكن لا يكونان كذلك بالنسبة إلى العدم أيضا فالعرض في العدم لا يحتاج الى الموضوع الموجود على ان للشارع التفكيك بين الجوهر و العرض (1) و اما المقدمة الثالثة فلان نقيض كرية الماء و ان كان عدم الكرية و لكن لا يكون بنحو التقييد بالنقيض حتى يجب لنا إثبات القيد بان نقول الماء الغير المتصف بالكرية كان في السابق فكذلك الان حتى نحتاج الى ماء و عدم الاتصاف فيمكن ان يقال ان هذا الماء لم يكن في السابق موجودا و لم يكن له شئون الوجود.

ثم لتنقيح المرام نقول ان للشارع ان يقول الماء المقرون بالكرية عاصم فإذا فرض كذلك اعنى الوجود يكون بالنحو المحمولي فيجري استصحاب العدم الأزلي بالنسبة إليه لأن العدم المحمولي له حالة سابقه و يمكن ان يقال لم يكن الكرية في السابق فعند الشك أيضا الأصل عدمها.

و بعبارة واضحة إذا قيل الماء المقرون بالكرية عاصم فيكون موضوع العاصمية الماء و الكرية فإذا انتفى أحد الاجزاء من الموضوع ينتفى الحكم فتارة يوجد الماء و الكرية و هو واضح و تارة يوجد الماء و لا يكون الكرية فما لم يتحقق الموضوع لا يحكم عليه بالعاصمية و عليهذا يجري الأصل على مسلك كل احد.

و اما إذا كان الموضوع مركبا من جوهر و عرض و أخذ بعض اجزائه على نحو الناعتية فمختلف فيه في قسمة الأول لأن هذا على قسمين الأول ان يكون التقييد للماهية و يكون الوجود ظرف التأثير اعنى طبيعي الماء الكر و ماهيته يكون تحت الحكم‌

____________

(1) فيما لم يصل اليه عقولنا و لا يكون من باب اجتماع النقيضين يمكن ما قيل و اما فيما هو ممتنع تكوينا فلا فإنه لا يعقل كرية مستقلة و ان قال الشارع انها تكون مستقلة ألف مرة.

151

و هذا هو الذي وقع النزاع فيه بيننا و بين مخالفينا.

و الثاني ان يكون التقييد بعد الوجود اعنى الماء الموجود إذا كان بقدر الكر فحكمه العاصمية و مفهوم هذا يصير الماء الموجود إذا لم يكن كرا ينفعل و في هذا القسم يحتاج الى الموضوع و بعبارة واضحة يصير القضية معدولة و إذا كان كذلك فالاحتياج الى الموضوع واضح و عليهذا الفرض لا يجري الأصل حتى على مسلكنا.

هذا في مقام الثبوت و لكن لا إثبات له لان الدليل مناد بان الطبيعي يكون موردا للحكم و التقييد مثلا إذا قيل شرط الصلاة هو الوضوء لا يراد الصلاة الموجودة شرطها كذا بل طبيعي الصلاة فيجري الأصل في جميع الموارد و حيث ان هذا البحث مربوط بعلم الأصول فلا نطيل الكلام هنا أكثر من هذا فمن شاء التطويل فليطلب من مظانه هذا هو المقام الأول.

و اما المقام الثاني في هذه المسألة و هو بيان فرق المصنف (قده) في هذه مع الشك في المادة فإنه (قده) فيه حكم بالانفعال.

فنقول ذكر وجهان للفرق كلاهما عليلان:

الأول ان يكون مبناه (قده) التمسك بالعام في الشبهات المصداقية لنفس العام دون ما إذا كان من الشبهة المصداقية للمخصص و جعل المقام من القسم الثاني دون ذاك: بيان ذلك ان العام هنا مفهوم الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شي‌ء و هو الماء إذا لم يبلغ قدر كر ينجسه شي‌ء له مصاديق معلومة و بعد التخصيص بالكر نشك في مصداق المخصص ففيما نحن فيه لا ندري ان هذا الماء يكون كرا حتى يكون داخلا تحت دليل العاصمية أولا فلا يكون الشبهة في مصداق المخصص فلا يتمسك بعام الانفعال و تجري قاعدة الطهارة و اما في مسألة الشك في المادة يكون الشبهة في مصداق العام نفسه و هو ما يستفاد و من صحيحة ابن بزيع بان ماله المادة عاصم فشك في مصداق هذا العام فيمكن التمسك به.

و الجواب ان هذا التوجيه غير وجيه لأنا في المقام أيضا لا نتمسك بمفهوم الكر‌

152

حتى يصير من الشبهة المصداقية في المخصص بل نأخذ المنطوق و نشك في مصداقه فيصير من الشبهة المصداقية في نفس العام.

الثاني انه (قده) لعل نظره التفصيل بين لوازم الوجود و لوازم الماهية فإن كان مثل القرشية و اللون التي تكون من لوازم الوجود يمكن جريان الاستصحاب فيها فنقول لم تكن مرية و لم تكن قرشية و ان كان من قبيل الثاني لا يمكن جريان الاستصحاب لان الوقت الذي لم تكن المرأة موجودة لا يمكن نسبة القرشية إليها فيه فيمكن له جعل المقام مما يكون من لوازم الماهية دون ذاك لأن المادة تكون من لوازمها و لكن الكرية تكون سعة في الطبيعي.

و فيه على فرض وجود اللوازم للماهية لا يفرق بين الكرية و المادة لأن الكر أيضا كم متصل و يكون من لوازم الوجود. و الحقيق بالمقام أن أقول لست ادرى ما المراد من الفرق.

المقام الثالث في الاشكال على تفكيك اللوازم و هو الحكم بطهارة الماء و عدم مطهريته لملاقيه عن المحقق العراقي (قده) فإنه (ره) يقول على فرض جريان القاعدة يلزمها الكرية لا من جهة انه لا يلتزم بتفكيك لوازم الأصول فإن القول بنجاسة الثوب مثلا و طهارة الماء غير عزيز أمثاله في الفقه الا انه (قده) يقول بان كل جزء من اجزاء الملاقي إذا لاقى اجزاء الماء يصير طاهرا لان هذا الماء في حال الملاقاة محكوم بالطهارة فكيف لا يطهر النجس و الدليل دل على ان الماء القليل المورود فيه النجاسة ينجس و لا يطهر (1) و لكن في المقام لما لم يحرز القلة و هذا الماء أيضا محكوم بالطهارة لا يشمله الدليل فلا مناص الا عن القول بالطهارة.

____________

(1) أقول ليس هذا الا بيان الملازمة و على فرض القول بتفكيك اللوازم لا يبعد هنا أيضا القول به لأن قاعدة الطهارة أصل و لا يثبت لازمها و هو الكرية لأنه مثبت.