المعالم المأثورة - ج1

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
396 /
153

في حكم الكر المسبوق بالقلة مع عدم العلم بتاريخهما

[مسألة 8- الكر المسبوق بالقلة إذا علم ملاقاته للنجاسة]

مسألة 8- الكر المسبوق بالقلة إذا علم ملاقاته للنجاسة و لم يعلم السابق من الملاقاة و الكرية إن جهل تاريخهما أو تاريخ الكرية حكم بطهارته و ان كان الأحوط التجنب و ان علم تاريخ الملاقاة حكم بنجاسته (1) اما القليل المسبوق بالكرية الملاقي لها فان جهل التاريخان أو علم تاريخ الملاقاة حكم فيه بالطهارة مع الاحتياط المذكور و ان علم تاريخ القلة حكم (2) بنجاسته.

اعلم ان في هذه المسألة يبحث عن فرعين الأول الكر المسبوق بالقلّة و الثاني القلة المسبوقة بالكرية و في كل منهما ثلاثة أقسام. الأول الكر المسبوق بالقلة الملاقي مع النجس مع الجهل بتاريخ القلة و الكرية الذي يصير منشأ للشك في الطهارة و النجاسة و لا يخفى ان البحث هنا غير البحث في متمم الكر فإنه ان قيل بالطهارة يرتفع النزاع عن المقام.

الثاني العلم بزمان الملاقاة و الشك في زمان الكرية و الثالث بالعكس هذه أقسام الفرع الأول فلنشرع في بيان حكم كل من الأقسام اما الأول و هو الجهل بتاريخهما فلا مجرى لجريان الاستصحاب فيهما أصلا أو يجري و يتعارضان فإذا قيل الأصل تقدم الكرية يكون في مقابلة أصل عدم الملاقاة و عدم تقدمها على الكرية.

و وجه عدم جريان الاستصحاب أصلا هو عدم اتصال زمان اليقين بالشك و الأزلي منه أيضا لا يجري لأنا نعلم نقض حالته السابقة و لا على مسلك من يجرى الاستصحاب في الشبهة المصداقية للمخصص فعلى هذا يبقى الحكم لقاعدة الطهارة كما فعله المصنف (قده) و احتاط بالاجتناب. خلافا للاستاذين العراقي و النائيني: فإنهما حكما بأن استصحاب عدم الكرية لا يجرى لا من جهة وجود مسلك آخر لهما بل‌

____________

(1) بل حكم بطهارته لشمول القاعدة لهذه الصورة أيضا.

(2) بل حكم بالطهارة لما مرّ.

154

استظهرا من دليل الكر لزوم وجود الكر قبل الملاقاة.

بيانه ان دليل الكر هو ان الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شي‌ء و ظاهره ان الماء الموجود البالغ قدر الكر بعد الفراغ عن هذه الجهة و إحرازها لا ينجسه شي‌ء و ما نحن فيه ما أحرزنا ذلك فيه قبل الملاقاة فاستصحاب عدم الملاقاة إلى حين الكرية لا مجرى له مع الاستظهار عن الدليل لانه لا أصل له.

و فيه (1) انه قد مرّ أن الطبائع يكون مورد الحكم لا المصداق في الخارج و لا يستظهر ما قالاه من الدليل و الترتيب المتقدم بين الموضوع و الحكم يكون رتبيا، لا خارجيا زمانيا.

ثم ان المصنف احتاط هنا و لا وجه له لانه لا يكون المقام مقامه بل يجب ان يقول الأقوى إذا كان من مجهولي التاريخ.

و أما الثاني و هو العلم بالملاقاة و الشك في زمان الكرية فكل أحد لا يجرى (2) استصحاب عدم الملاقاة لأنها موجودة بالوجدان فيستصحب عدم الكرية إلى زمان الملاقاة و نحكم بالنجاسة.

فإن قيل انه يجرى في الملاقاة أيضا استصحاب عدم تقدمها على الكرية فيكون مثل مجهولي التاريخ فهو محكوم بالطهارة بحكم القاعدة.

قلنا لا وجه لجريانه لانه يصير مثبتا فإنه بعد جريانه يكون الكرية من آثاره‌

____________

(1) ما قالاه على فرض تسليم كون الظاهر من الدليل إحراز العنوان قبل الملاقاة كما انه ظاهر على التحقيق يثبت باستصحابها و لكن يعارضه استصحاب عدم الكرية إلى حين الملاقاة و الظاهر من هذا الكلام المنقول عنهما هو ذا و اما شرطية الوجود الخارجي بمعنى عدم وجود الحكم على الطبائع حتى يشكل عليها بهذا الاشكال ففيه تأمل و بعبارة أخرى إحراز العنوان اما يكون بالأصل أو بالوجدان.

(2) أقول و لكن استصحاب عدم تأخر الكرية عند الملاقاة يعارض مع استصحاب عدم تقدم الكرية عليها لو جريا و لم يكونا مثبتين.

155

العقلية ثم بعد ترتب هذا الأثر يفيد ان الملاقاة وقعت مع الكر فهو طاهر و هذا كما ترى و حقق في محله باطل (1).

الثالث و هو العلم بزمان الكرية دون الملاقاة (2).

و الفرع الثاني أيضا له أقسام ثلاثة كما مر الأول الماء القليل المسبوق بالكرية الملاقي مع النجس مع الجهل بتاريخ الملاقاة و القلة و حكمه الطهارة لجريان القاعدة بعد عدم جريان أصل عدم القلة إلى زمان الملاقاة و أصل عدم الملاقاة إلى زمان القلة أو جريانه أو تعارضهما و تساقطهما ثم الرجوع الى الأصل الأخر.

خلافا لشيخنا الأستاذ النائيني (قده) فإنه يستظهر من الدليل النجاسة و الانفعال بناء على أن الموضوع يجب أن يكون مفروغا عنه فما دام لم يحرز الكرية حين الملاقاة لا يحكم بالطهارة.

و فيه انه كما مرّ يكون الحكم على الطبيعي لا الفرد الخارجي و لا يجرى استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان القلة (3).

الثاني ان يكون الملاقاة معلومة التاريخ و الشك في تاريخ القلّة فحكم المصنف (قده) بالطهارة باستصحاب الكرية إلى زمان الملاقاة و لا يجرى استصحاب‌

____________

(1) أقول ان استصحاب عدم تقدم الكرية على الملاقاة أيضا مثبت لان لازمه العقلي ان الملاقاة حصلت مع القليل فهو نجس فكلاهما مثبتان فلا مجرى لهما و لو جريا يتساقطان بالتعارض.

(2) أقول انه لم يتعرض مد ظله لبيان هذه الصورة لوضوح حكمها و هو الطهارة باستصحاب عدم الملاقاة إلى زمان الكرية و هي موجودة بالوجدان و لا يكون الشك فيها و هنا أيضا يقال الأصل عدم تأخر الملاقاة عن الكرية و الكلام فيه الكلام في سابقه.

(3) قد مر ان الاشكال لو كان هذا يكون الجواب بأنه لا فرق في الإحراز بالأصل أو بالوجدان لو جرى الأصل و لم يتعارض و لكن لا يجرى.

156

عدم الملاقاة إلى زمان القلة لأنها معلومة بالوجدان (1).

الثالث أن يكون القلة معلومة التاريخ دون الملاقاة فحكم المصنف (قده) بالنجاسة باستصحاب عدم الملاقاة إلى زمان القلة. و فيه انه مشكل لان هذا الأصل لا يحرز الانفعال الا على وجه كونه مثبتا: بيان ذلك ان استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان القلة يكون من آثاره العقلية هو الملاقاة مع القليل ثم يترتب عليه حكم شرعي و هو الطهارة و فساده قد بيّن في الأصول (2).

[مسألة (9) إذا وجد نجاسة في الكر و لم يعلم انها وقعت فيه قبل الكرية أو بعدها]

مسألة (9) إذا وجد نجاسة في الكر و لم يعلم انها وقعت فيه قبل الكرية أو بعدها يحكم بطهارته إلا إذا علم تاريخ الوقوع (3).

بيانها ان هذه المسألة. تكون من فروع المسألة السابقة و لا فرق بينهما فالبيان هو البيان فلا نعيده.

[مسألة (10) إذا حدثت الكرية و الملاقاة في آن واحد]

مسألة (10) إذا حدثت الكرية و الملاقاة في آن واحد حكم بطهارته و ان كان الأحوط الاجتناب.

اعلم ان هذا الفرع يكون له صورتان الاولى ان يكون من باب متمم الكر و هذا سيجي‌ء. و الثانية حصول الكرية و الملاقاة في آن واحد مع قطع النظر عن دليل متمم الكر و في هذه الصورة حكم المصنف (قده) بالعاصمية.

و الدليل عليه هو إطلاق دليل الكر (4) فإنه إذا قيل الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه‌

____________

(1) أقول ان هذه الصورة أيضا مثل صورة الجهل بهما لا يجري الأصل اما لانه مثبت كما مرّ أو لتعارض أصالة عدم التأخر مع أصالة عدم التقدم و تساقطهما فالمرجع فيها و فيما قبلها قاعدة الطهارة.

(2) قد ظهر الكلام فيه أيضا مما مر من عدم اثر للعلم بتاريخ أحدهما.

(3) لا فرق بين العلم بتاريخه و عدمه لما مر في المسألة السابقة.

(4) في إطلاقه خفاء لو لم يكن منصرفا عن هذه الصورة فالمرجع هنا قاعدة الطهارة لأن دليل الانفعال أيضا فيه هذا الخفاء

157

شي‌ء يكون مطلقا من جهة ان يكون البلوغ حين الملاقاة أو قبلها و هذا دليل اجتهادي و قد ذهب بعض الى ان الدليل الاجتهادي ان لم يكن تاما يكون المقام مقام دليل الفقاهتى كما سنبيّن بعيد هذا.

قال العلمان العراقي و النائيني (قدس سرهم)ا) بان سبق الكرية على الملاقاة شرط على ما مرّ من من مبناهما بان الكر الموجود ان لاقاه النجس لا ينفعل و المقام لا يكون الوجود مفروغا عنه فلا يحكم بالطهارة. و فيه ما مرّ من الجواب بان الحكم يكون على الطبيعي لا الوجود الخارجي (1).

ثم ان لم نستفد من الدليل الاجتهادي الطهارة فربما يقال بجريان قاعدة الطهارة بيانه إذا كان المستفاد من الدليل كما قال العلمان ان الماء الموجود إذا كان قدر كر لا ينجسه شي‌ء فمفهومه ان الماء الذي كان موجودا و قليلا ينجسه شي‌ء فإحراز القلة للانفعال لازم مثل إحراز وجود الكرية قبل الملاقاة فعلى هذا لا يكون الدليل متعرضا لصورة المقارنة فلا مناص الا عن الرجوع الى قاعدة الطهارة.

و قد أشكل على هذا التقريب بان نقيض المقيد يكون له جهتان فإذا كان منطوق الدليل مقيدا بقيد الوجود و إحراز الكرية قبل الملاقاة فيكون لمفهومه فردان و هو تقدم القلة على الملاقاة أو معيّتهما.

و فيه ان نقيض الشي‌ء المقيد و ان كان له فردان في مقام الثبوت الا ان المؤثر إذا كان القيد الموجود في الكلام يجب ان يلاحظ في ناحية النقيض أيضا فنقيض الماء الموجود كرا هو الماء الموجود غير كرّ فلحاظ القيد في طرف المنطوق و المفهوم لازم فافهم و اغتنم.

[مسألة 11- إذا كان هناك ماءان أحدهما كر و الأخر قليل]

مسألة 11- إذا كان هناك ماءان أحدهما كر و الأخر قليل و لم يعلم أيهما كر فوقعت نجاسة في أحدهما معينا أو غير معين لم يحكم بالنجاسة و ان

____________

(1) و نحن نقول الحكم يكون على الطبيعي بلحاظ الوجود في الخارج و هنا فرض ان الماء البالغ قدر كر الموجود في الخارج لاقاه النجس مقارنا له و هذا لا يدل على لزوم سبق الكرية على الملاقاة.

158

كان الأحوط في صورة التعيين الاجتناب (1).

اعلم ان في هذه المسألة يكون ست صور.

الصورة الاولى عدم العلم بحالتهما السابقة مع القطع بكرية أحدهما.

الثانية كونهما في السابق كرا و نعلم بخروج أحدهما عن الكرية.

و الثالثة كونهما في السابق قليلا و نعلم عروض الكرية لأحدهما و هذه الثلاثة مع فرض العلم بعين ما وقعت فيه نجاسة و مع عدم العلم بعينه تصير ستة صور.

أما الصورة الاولى و هي عدم العلم بحالتهما السابقة مع ملاقاة أحدهما لا بعينه فحكم المصنف (قده) بطهارتهما مع الملاقاة. دليله ان العلم الإجمالي لا يكون منجزا في المقام فان ما هو المنجز يكون الذي إذا لاحظنا كل واحدة من الأطراف نحتمل ان يكون لنا أمر بالاجتناب مثل ما إذا كان الماء ان قليلين و يكون أحدهما لا بعينه نجسا، و اما المقام فلا يكون كذلك لانه على تقدير الكرية لا يمكن القول بالنجاسة فعلى كل تقدير لا يكون نجسا بل على تقدير عدم الكرية و وقوع النجاسة في القليل يكون نجسا.

ثم لا يحتاط المصنف في هذه الصورة لعدم جريان استصحاب العدم الأزلي هنا بخلاف مشكوك الكرية فإنه لما كان جريانه من الممكن عند بعض فلذا يحكم بالاحتياط و هذا واضح انما الكلام في جريان استصحاب العدم الأزلي فيما هو الواقع.

بيانه انا نشك في ما لاقاه النجاسة واقعا انه كان كرا أو لم يكن فنجري استصحاب عدم الكرية واقعا فينتج ان الاجتناب عن كليهما واجب.

لا يقال هذا معارض باستصحاب آخر أزلي و هو استصحاب عدم القلة فيما لاقاه واقعا لأنا نقول لا اثر لهذا الاستصحاب لأنا إذا فرضنا الملاقاة واقعا فإنه لا يكون الا‌

____________

(1) يجي‌ء الاحتياط في كل الصور أي صورة التعيين و عدمه و صورة كون الحالة السابقة فيهما القلة أو الكرية أو لا حالة سابقه لهما من باب ان الاحتياط في كل حال حسن و لا خصيصة لهذه الصورة.

159

بأحدهما فإذا جرى الأصل بالنسبة إليه يبقى الأخر بلا أثر لأنه ما لاقاه شي‌ء حتى يبحث في حكمه من الطهارة و النجاسة (1) و فيه ان أدلة التعبديات منصرفة (2) عن أمثال المقام فإن قاعدة الفراغ في الصلاة منصرفة عما إذا صلى أحد إلى أربع جهات ليقع صلوته إلى القبلة ثم علم بعد ذلك ببطلان احدى صلواته من جهة الستر أو غيره مثلا فإنه لا يمكن ان يشمله قاعدة الفراغ من حيث انه يكون مستقبلا للقبلة مع عدم الستر واقعا مثلا فعنوان المطابقية لا اثر له كما فيما نحن فيه فان استصحاب عنوان لا يكون له خارج لا يشمله دليل الاستصحاب بل ينصرف عنه الى ما له خارج يمكن ان يترتب عليه الأثر و هذا هو التحقيق و لذا لا تجرى استصحاب عدم نشر الحرمة في الرضاع إذا كان الشك في حصوله بعشر رضعات أو خمسة عشر رضعة فإنه في الخارج اما حصل بهذا العدد أو لم يحصل به.

و على فرض الجريان يكون معارضا باستصحاب آخر و هو أصالة عدم ملاقاة القليل في الواقع فان الواقع لا يكون معينا في عدم ملاقاة النجاسة الكر مثلا حتى يقال لا اثر لطرفه الأخر فعلى هذا بعد التعارض و التساقط يرجع الى قاعدة الطهارة و يكون المصنف في راحة من هذه الجهة أيضا فإن شيخنا الأستاذ النائيني أيضا يوافق المصنف لانه لا يجرى هذا الأصل.

و اما قاعدته التي أسسها في العام بان كل عام إذا كان له مخصصات معلومة فهو مثل ان يقول أكرم جيراني إلا زيدا مثلا و اما إذا لم يكن له مخصص معلوم مثل ان يقول أكرم جيراني و لا تكرم أعدائي ثم شك في ان الجار الفلاني هل يكون من‌

____________

(1) المفروض جريان الأصل فيما لاقاه النجس فمورد الأصلين واحد فيتعارضان و يتساقطان فلا يكون الجواب في محله و كأنه يكون هذا الجواب نقلا عن الغير و الا فهو يعترف فيما سيأتي في ذيل البحث بما ذكرناه.

(2) الانصراف ممنوع و عدم جريان قاعدة الفراغ في المثال من جهة العلم الإجمالي بالبطلان فلو كان الشك في الصحة في إحدى الصلوات تجري القاعدة.

160

الاعداء حتى يكون خارجا عن حكم العام أو الأصدقاء حتى يكون داخلا فيتمسك بالعام و بعبارة واضحة عنوان الجيرانية الذي أخذ فيه كأنه يفهم منه ان الجار لا يكون عدوا.

فممنوع في المقام و أمثاله لأنه في مقام الثبوت يكون كلاما حسنا الا انه لا إثبات له فلا يمكن ان يقال لنا عام الانفعال فإذا خصص بأفراد معلومة فهو و في صورة الشك أيضا يتمسك به.

الصورة الثانية ان يعلم كرية أحدهما مع عدم العلم بحالته السابقة و لاقى أحدهما المعين النجس حكم المصنف بالطهارة و احتاط بالاجتناب و قال شيخنا الأستاذ النائيني بالنجاسة كما هو التحقيق لكنه يستدل عليه بما إذا كان نهى و ترخيص و كان العام حجة في مقام الشك أيضا كما مر آنفا و قلنا انه غير وجيه و نحن نستدل عليه باستصحاب العدم الأزلي فنقول هذا الماء الملاقي للنجس المشكوك كريته لم يكن كرا في الأزل فكذلك في هذا الزمان (1) الصورة الثالثة ان يكون الماء ان مسبوقين بالقلة ثم حدثت الكرية لأحدهما الغير المعين و لا قي أحدهما المعين النجس. و المصنف (قده) ان شمل إطلاق عبارته حتى هذه الصورة فلا بد ان يقول بالطهارة لعدم منجزية العلم الإجمالي.

و لكن التحقيق و الأقوى (2) النجاسة وفاقا للعلمين النائيني و العراقي (قدس سرهم)ا)

____________

(1) أقول مع ان أصل جريانه فيه تأمل لا يجري في المقام لأنا نعلم إجمالا بنقض الحالة السابقة في أحد المائين.

(2) في جريان استصحاب القلة مع العلم بنقض الحالة السابقة منع و استصحاب القلة في الطرف الأخر أيضا له اثر و هو ترتيب آثار القليل و لو لم يثبت كرية الطرف الأخر الا انه معارض فهنا أيضا يحكم بالطهارة للقاعدة و بعبارة أخرى يحدث في النفس شك آخر في الأخر بأنه هل يكون له أثر الكر أو القليل و بعبارة ثالثة عدم قصد ارتكاب أحد أطراف العلم الإجمالي لا يوجب جواز التمسك بالأصل في الطرف الأخر.

161

فإن أصالة عدم حدوث الكرية تجرى بالنسبة إلى الملاقي و بعد كونه قليلا في السابق و جريان استصحابه يكون نجسا بالملاقاة و استصحاب القلة في ما لا يلاقيه نجس لا يجري لأنه غير مؤثر و لا يكون مورد الشك حتى نحتاج الى الأصل و ان جرى لكون أثره كرية هذا الماء فيكون مثبتا أيضا و من لا يجري الأصل في أطراف العلم الإجمالي و لو لم يلزم مخالفة عملية مثل شيخنا النائيني فلا مناص له الا القاعدة التي أسسها و قد مرّت و يمكن أن يقال أن المصنف (قده) لم يرد هذا الفرع لان استصحابه لا اشكال فيه.

الصورة الرابعة أن يكون الماءان مسبوقين بالقلة و حدث الكرية لأحدهما الغير المعين و لاقى أحدهما الغير المعين النجس.

فحكم المصنف في هذه الصورة بالطهارة أيضا لعدم منجزية العلم الإجمالي و يظهر من جملة من الاعلام النجاسة باستصحاب قلة ما هو الملاقي واقعا فنعلم أن الملاقي واقعا نجس فلما يكون مرددا بين الأطراف يجب الاجتناب عن كليهما و لا يعارض هذا استصحاب القلة في الغير لانه غير مؤثر لعدم ملاقاته و لكن التحقيق عدم جريانه هنا لانه معارض (1) باستصحاب عدم الملاقاة مع القليل واقعا فلا مناص الا عن قاعدة الطهارة.

الصورة الخامسة أن يكون الماء ان مسبوقين بالكرية و حدثت القلة لأحدهما الغير المعين ثم لا قي أحدهما المعين النجس. و حكمها الطهارة باستصحاب (2) الكرية في الملاقي و استصحاب الكرية في الغير لا اثر له لعدم كونه ملاقيا.

و أشكل عليه بأن العلم الإجمالي لا يقاوم في مقابله الأصل النافي كما في المقام‌

____________

(1) بل له أن يمنع عن جريانه لإجمال العنوان كما مرّ منه في الصورة الاولى و ان كان خلاف التحقيق.

(2) هنا أيضا لا يكون الحكم بالطهارة من باب إحراز الكرّية بل من باب قاعدة الطهارة للعلم الإجمالي بنقض الحالة السابقة.

162

فإن الأصل ينفي النجاسة و العلم يثبتها.

و فيه ان العلم الإجمالي المنجز يكون كذلك أما المقام فلا يكون العلم منجزا فلا محذور في جريانه (1).

الصورة السادسة هذه الصورة مع ملاقاة أحدهما الغير المعين النجس فحكم المصنف أيضا بالطهارة و هو الأقوى عندنا.

و الدليل عليه اما استصحاب كرية ما هو الملاقي واقعا على مسلك القائل به و عدم معارضته مع الأصل الأخر لعدم الأثر و اما جريان الاستصحابين تفصيلا كما نقول به بأن نقول في كل منهما يحكم بحكم حالته السابقة أعني الكرية و القلة بما هو القلة فلا أثر لها و على فرض عدم الجريان فالمرجع قاعدة الطهارة.

[مسألة 12 إذا كان ماءان أحدهما المعين نجس]

مسألة 12 إذا كان ماءان أحدهما المعين نجس فوقعت نجاسة لم يعلم وقوعها في النجس أو الطاهر لم يحكم بنجاسة الطاهر.

اعلم ان هذه المسألة تكون فرعا من فروع العلم الإجمالي: بيانها هو أن يكون لنا مائان مثلا في كأسين الأحمر و الأبيض و نعلم أن الأبيض يكون نجسا حتما بالعلم التفصيلي ثم وقعت قطرة دم لا ندري وقوعها في الأبيض حتى لا يوجب امرا آخر بالاجتناب أو في الأحمر حتى يكون لنا أمر آخر بالاجتناب عن الكأس الأحمر أيضا هذا بيان أصل المتن.

اما توضيحه فان نقول للعلم الإجمالي تسع صور ثلاثة منها معلومة الانحلال و ثلاثة منها معلومة عدم انحلالها و ثلاثة مشكوكة في ذلك و لا نتعرض للثلاثة الأخيرة و اما الاولى و الثانية فنذكر لهما ما هو ضابطة للانحلال و عدمه.

فنقول ضابطة (2) عدم تأثير العلم الإجمالي هي ان يكون المعلوم بالتفصيل‌

____________

(1) يكفى أثرا للتنجيز عدم ترتيب اثر القليل و الكر و هو الانفعال و العاصمية.

(2) الضابطة في انحلال العلم صيرورة الشبهة بالنسبة إلى الطرف الأخر بدويّة سواء كان العلم التفصيلي مقدما أو العلم الإجمالي و فيها تصير بدوية فينحل العلم.

163

مقدما زمانا على المعلوم بالإجمال و هذا ينشأ منه ثلاث صور فاما أن يكون العلم و المعلوم بالتفصيل مقدما زمانا مع الفاصلة مثل ان نعلم بأن احد الكأسين معينا يكون نجسا في الصبح ثم علمنا في الظهر وقوع قطرة دم في أحدهما لا على التعيين أو يكون مقارنا زمانا مثل ان نعلم في الظهر نجاسة أحد الكأسين معينا ثم علمنا بعده بلا فاصلة وقوع قطرة دم في أحدهما و اما ان يكون المعلوم بالتفصيل مقدما و يكون العلم مؤخرا مثل ان نعلم في الظهر نجاسة أحد الكأسين معينا في الصبح و كان لنا في الحال علم إجمالي بوقوع النجاسة فالمعلوم بالتفصيل و ان كان العلم به مؤخرا و لكنه لا ضير فيه من هذه الجهة و لا شك ان هذه الصور الثلاثة ينحل العلم بالنسبة إليها لاحتمال التطبيق.

و ضابطة تأثير العلم الإجمالي هي ان يكون الإجمالي مقدما زمانا على العلم التفصيلي و هذه أيضا يكون لها ثلاث صور تقدمه زمانا على التفصيلي مع الفاصلة و المقارنة و ان يكون المعلوم بالإجمال مقدما و العلم مؤخرا مقارنا مع العلم التفصيلي أو غير مقارن.

و المشهور في هذه الصورة عدم منجزية العلم (1) بيانه انهم قالوا العلم و لو كان ينحل بواسطة احتمال التطبيق و لكن لما تنجّز الأمر التعبدي بالاجتناب لا نحكم بالانحلال.

و لكن التحقيق (2) ان يقال ان العلم ينحل و لكن لما كان في عرضه علوما‌

____________

(1) لا شبهة في انحلال العلم إذا قامت البينة على ان المعلوم بالإجمال هو ذا فإنها حجة و معناها الانحلال و هكذا ان حصل العلم من طريق آخر و المناط صيرورة الشبهة بدوية بالنسبة إلى الأخر فلو قال هذا نجس أيضا يوجب الانحلال لاحتمال التطبيق.

(2) هذا البيان في المقام هو ما يكون مشهورا بالعلم الإجمالي المورّب عنده و عند أستاذه الآغا ضياء الدين العراقي (قده) و لكن ما فهمنا وجها صحيحا له و ما صرنا قانعا حين الدرس و بعده إلى الان من بيانات الأستاذ (مد ظله) فان العلم إذا انحل يسرى انحلاله الى جميع ازمانه فان الان البعدي يكون مثل العصر بالنسبة إلى الظهر و لا يسعنا ان نقول به أولا ثم بلا فاصلة نقول انه غير منحل و الا لم يكن الانحلال فعليا و هو في موارد من الفقه تمسك بالانحلال و لم يفرق بين العلم التفصيلي في القبل و البعد

164

إجمالية أخر فبانحلال قسم منه لا ينحلّ الجميع: توضيح ذلك انا إذا علمنا ان احد الكأسين لا على التعيين صار في الصبح نجسا نفرض أيضا اما ان احد الكأسين في الان نجس أو أحدهما في العصر ثم إذا علمنا بان احد الكأسين نجس معينا و ان كان ينحل العلم الإجمالي في الصبح و لكن لا ينحل ما فرضناه طرفا منه في العصر لان الانحلال في وقت قبل العصر لا يوجب الانحلال في العصر فافهم و تأمل فإنه دقيق جدّا‌

[مسألة 13- إذا كان كر لم يعلم انه مطلق أو مضاف]

مسألة 13- إذا كان كر لم يعلم انه مطلق أو مضاف فوقعت فيه نجاسة لم يحكم بنجاسته (1) و إذا كان كران أحدهما مطلق و الأخر مضاف و علم وقوع النجاسة في أحدهما و لم يعلم التعيين يحكم بطهارتهما (2)

اعلم انه لا فرق بين هذه المسألة و المسألة الحادية عشر الا قليلا و كل من قال في مشكوك الكرية بالطهارة فكذا يلزمه القول بالطهارة في هذه المسألة لان العلم الإجمالي حسب المبنى لا اثر له و التمسك بالعام في الشبهة المصداقية و التمسك باستصحاب العدم الأزلي لا يصح أيضا حسب مبنى القائل بالطهارة في المسألة السابقة و اما نحن كما قلنا (3) بأصل العدم الأزلي في مشكوك الكرية كذلك نقول‌

____________

(1) إلا إذا كانت الحالة السابقة الإضافة و الا فهو طاهر لكن لا يترتب عليه آثار المطلق لأن إحراز الإطلاق شرط في ترتيب آثاره.

(2) لاحتمال وقوعها في المطلق.

(3) انه و ان كان يقول بجريانه و لكن عرفت في الفرع السابق انه لم يحكم مطلقا بالنجاسة على ان المقام يكون من الشبهة المصداقية لأن ما ينفعل هو القليل أو المائع المضاف و في المقام نشك في انه مطلق أو مضاف و لعله تسامح هنا في البيان لما مرّ. على ان الأصل الأزلي في مقابله أصل أزلي آخر و هو عدم كون هذا المائع في الأزل مضافا، مضافا بأن أصل جريانه فيه تأمل.

165

في هذا، بيانه ان لنا مطلق اصطيادى من الاخبار بان كل رطب مائعا كان أو غيره ينجس بملاقاة النجاسة إلا الماء الكرّ ففي المقام يكون لنا الكرّ من المائع و لا ندري انه ماء أم لا فيستصحب العدم الأزلي بأن نقول هذا المائع لم يكن في الأزل ماء فشك في وجوده ماء و الأصل عدمه.

في حكم متمم الكر

[مسألة 14- القليل النجس المتمم كرا بطاهر أو نجس نجس]

مسألة 14- القليل النجس المتمم كرا بطاهر أو نجس نجس على الأقوى

اعلم ان في هذه المسألة يتصور ثلاثة فروع الأول الماء القليل النجس الذي يتم كريته بالطاهر و الثاني النجس أو المتنجس المتمم كريته بالطاهر و الثالث النجس المتمم كريته بالنجس مثل البول و لم يتعرضوا (رضوان اللّه عليهم) للصورة الأخيرة فنقول مقدما له على الأولين ان هذا الماء يكون فيه وجهان الأول النجاسة بناء على مسلك النائيني (قده) و من تبعه و هو ان إحراز وجود الموضوع شرط للعاصمية قبل الملاقاة و عليهذا فمن المعلوم ان هذا الماء لم يكن كرّا فلاقى بل لاقى فصار كرّا و الثاني الطهارة و وجهها القول بكفاية المقارنة و على فرض عدم دلالة الدليل فالمرجع عند الشك قاعدة الطهارة نعم لا يثبت بالملاقاة الاندكاك الذي به يمكن القول بالعاصمية و عدمها فعلى هذا يستصحب نجاسة الماء الوارد. و لا يخفى على المتأمل الفرق بين هذه المسألة و ما مر من توارد الحالتين بان يصير الماء كرّا من جهة غير الملاقي و لاقى نجسا فهي لا ربط لها بهذه هذا.

و اما الفرع الأول الذي يكون مورد البحث و هو في المتن هو ان يكون النجس متمما بطاهر ففيه قولان الطهارة و النجاسة أعني الانفعال و عدمه.

اما مستند القائلين بالأول فأمور: الأول الإجماع على الطهارة في مورد يكون لازمه القول بها في هذا أيضا: بيانه انهم حكموا فيما إذا وقعت الملاقاة و نرى الان ان الماء كرّ و لكن لا ندرى بأنها وقعت قبل الكرية أو بعدها بالطهارة استنادا الى‌

166

قاعدتها و معنى القول بها هو انهم لم يبالوا (1) بما إذا وقع النجاسة فيه و لو قبل الكرية فمجرد انه كان كرّا و لو صار بعد الملاقاة كذلك يكفى لرفع القذارة و ما نحن فيه أيضا كذلك لان الماء حين الملاقاة و ان كان قليلا و لكن يصير بعده كثيرا عاصما فهو طاهر.

و فيه أولا ان هذا الإجماع معلوم السند و سنده القاعدة فنرجع إليها فإن طابقت المقام فهو و الا فلا. و ثانيا على فرض الإجماع لا يمكن ان ينطبق ما هو لازم القول بالطهارة على المقام لانه كان حكما ظاهريا بواسطة القاعدة فلا يتعدى الى غيره و هذا الجواب أصح الأجوبة التي قيل في ردّ الإجماع.

الدليل الثاني لهم قاعدة الطهارة بعد إسقاط دليل الانفعال و الاستصحاب بالتعارض: بيان ذلك ان دليل الانفعال المستفاد من مفهوم الكر يدل على ان الماء القليل ان لاقاه النجس ينفعل فالقلة تكون موضوع الانفعال و لم يحرز لان هذا الماء بمجرد الملاقاة خرج عن القلة يقينا فعلى هذا يسقط دليل الانفعال لعدم الموضوع و اما استصحاب النجاسة في المورود و الطهارة في الوارد بعد مزج المائين فيتعارضان لان الماء الواحد لا يكون له الا حكم واحد فيتساقطان و يرجع الى القاعدة أو لا يجري أصلا لتعدد الموضوع بعد المزج.

و أشكل عليه بأنه على فرض إسقاط دليل الانفعال فاستصحاب النجاسة حاكمة لأن الشك يكون سببيّا و هو مقدم على الشك المسببي لأن الشك في طهارة الماء الوارد من جهة الكرية مسبب عن الشك في انه هل صار الماء المورود بالتيمم طاهرا أم لا فإذا ثبت نجاسته لا يبقى الموضوع للآخر.

و بتقريب آخر لهذا الدليل و تتميم له انه قد مر سقوط عمومات الانفعال‌

____________

(1) أقول الفرق بين المقامين واضح و هو ان الكرية في آن الملاقاة لو جرت فيها القاعدة لا ربط له بما إذا حصلت الملاقاة مع القليل و الكرية الطارية لا ترفع النجاسة الحاصلة.

167

و الاستصحاب بواسطة ان الماء الواحد لا يكون له إلا حكم واحد و لان موضوع الانفعال هو القليل و هذا بالملاقاة يصير كثيرا و بعد عدم الشمول فالمرجع القاعدة و الجواب عنه أولا ان دليل الكر الذي يكون مفهومه عمومات الانفعال كان فيه مسلكان الأول ما مر عن شيخنا الأستاذ النائيني و هو ان إحراز الموضوع شرط فهنا ما أحرزت الكرية قبل الملاقاة و عليهذا يمكن شمول القاعدة للمقام مع قطع النظر عن سائر الإشكالات.

و الثاني هو ما نحن عليه من كفاية المقارنة أيضا كما مر في مسألة حصول الكرية و الملاقاة في آن واحد و لكن لا ربط له بالمقام فإنه على فرضه اى فرض كفاية المقارنة نقول: ظاهر رواية الكر البلوغ بحده لا من قبل النجس.

و بعبارة واضحة يجب حساب شأن المطهرية و هو لا يكون إذا كان التيمم بماء لا يكون له هذا الشأن و ينصرف عنه الدليل فالكرية إذا كانت قبلا يكون من أعلى افراد العاصم و مثله ما إذا اتصل بانبوبة و اما ما نحن فيه فلا يكون داخلا تحت دليل العاصمية.

و يمكن تقرير هذا على نحو برهاني و هو ان نقول الملاقاة كانت لها اقتضائان التنجيس و الكرية و رتبة التطهير تكون متأخرة عنهما و لا يمكن ان يصير شي‌ء علة لمانع معلوله فالملاقاة تكون علة للنجاسة و في رتبة الكرية لا مانع منها لأنا لا نحكم بالطهارة إلا بعدها و ان كان عليك شبهة في هذا الدليل فعليك بما قلناه من الانصراف العرفي و به يندفع توهم المحقق الهمداني (قده) و غيره بان الملاقاة في حينها حصلت الكرية فما دام انه كان قليلا لم يلاق و حين لاقى لم يكن قليلا فدليل الانفعال يشمل المقام و اما الاستصحابان فلا نسلم تعارضهما لان الماء الواحد و لو لم يكن له إلا حكم واحد و لكن لا يكون لنا إجماع على ان حكمين ظاهريين أيضا لا يمكن ان يكون له فلا يكون المرجع القاعدة.

و أيضا على فرض إسقاط الدليل الاجتهادي فقيل انتصارا للمشهور بحكومة استصحاب النجاسة على الطهارة كما قال الهمداني (قده) و حاصل كلامه بتحرير‌

168

منا ان المقام يكون من باب الشبهة في الحكم أعني الملاقاة التي كانت توأمة مع الكثرة نشك في حكم الشارع بالنسبة إليها بأنه هل كان الطهارة أو النجاسة فعلى مسلك من يجرى الاستصحاب في الشبهات الحكمية فمقتضاه هنا الحكم بالنجاسة حتى بعد الملاقاة.

و لكن فيه اشكال و هو انه يكون مثبتا لان لازمه العقلي أو لا عدم تأثير الكرية الكذائية ثم الحكم بالنجاسة و هو كما ترى و بعبارة أخرى يكون الاشكال عرضيا لا طوليا الدليل الثالث الرواية التي نقلها الشيخ مرسلا (في المستدرك باب 9 من من الماء المطلق ح 6) و هي إذا بلغ الماء كرّا لم يحمل خبثا و بعبارة أخرى وجدت في كتب العامة أيضا مرسلا فقيل فيه تارة لم يحمل قذرا و اخرى لم يحمل نجسا و عمل بها صاحب السرائر (في ص 8 منه) و افتى بمضمونه و ادعى الإجماع عند المخالف و المؤالف و لكن المقصود من نقله الإجماع غير مبيّن من جهة احتمال ان يكون نقل الرواية إجماعيا (1) أو أصل المسألة يكون كذلك و لكن المحقق (قده) قال ان الرواية لا يكون نقلها إلا إجماعيا لانه لا يكون في كتبنا و ما وجد في كتب العامة أيضا مرسل بالعبارتين اللتين مرتا و يؤيده صاحب المدارك ردّا على المحقق في المعتبر بان نقل السرائر الإجماع صحيح لعلو شأنه و الجواهر أيضا يؤيده للاعتماد على نقله و لا يمكن القول باعراض الفقهاء عنها لأنهم يخدشون في دلالتها.

أقول ان التحقيق في المقام اعتبارها من جهة السند لان الوثوق عندنا يكفى و هو حاصل من نقل جملة من الاعلام و دلالتها تامة فإن المراد بقوله لم يحمل خبثا هو الدفع و الرفع و دعوى اختصاصه بالدفع مدفوع و كذا ما قال الهمداني (قده) بان معنى لم يحمل هو لم يتجدد و هو يكون بعد البلوغ فيكون و زانها و زان سائر الروايات لان الفرق بين قولنا لم ينجسه و لم يحمل واضح.

____________

(1) الإجماع على نقلها معلوم العدم و لا معنى للإجماع عليها مع عدم نقلها في كتبنا كما أشار إليه الأستاذ عن المحقق.

169

و أشكل عليها أيضا بدليل برهاني و هو انه إذا كان المراد بهذه العبارة الدفع و الرفع يلزم تشريع حكمين بجعل واحد بيانه انهما مترتبان اعنى الدفع يكون مقدما على الرفع فان الماء ما لم يكن دافعا لا يمكن ان يكون رافعا للنجاسة التي كانت فيه فكيف يمكن ان يكون لفظ واحد كاشفا و مرأة لحكمين طوليين فإن الألفاظ فانية في المعاني.

ثم في الكلام قرينة على حمله على الدفع و هو ان الشارع يكون بصدد بيان مزيل النجاسة و هو الكرية.

أقول ما ذكروه من البرهان في غاية المتانة و لكن الجملات الإنشائية إذا كانت بنحو الخبرية لا تكون من استعمال الخبر في الإنشاء فإن الشارع إذا قال يعيد الصلاة و أراد: أعد الصلاة ما استعمل لفظ يعيد مكان: أعد بل يكون بمعنى الخبر و كاشفا عن التشريع بنحو آكد من الأمر ففيما نحن فيه يمكن (1) ان يخبر الشارع بواسطة جملة خبرية عن جعل حكمين قبل الاخبار و هو الدفع و الرفع بهذه العبارة العامة كما يستفاد من رواية مسعدة بن صدقة قاعدة الطهارة و استصحابها في الشبهة الحكمية و الموضوعية بقوله (عليه السلام) كل شي‌ء طاهر حتى تعلم انه قذر الا ان الانصاف في المقام ان نقول تناسب الحكم و الموضوع و هو كون، المعصوم (عليه السلام) بصدد بيان عدم انفعال الكر بواسطة ارتكاز الناس من الروايات بان القليل ينجس يقتضي ان يكون المراد الدفع و ان يكون الماء من شأنه المطهرية مع قطع النظر عن النجاسة و على فرض التسليم فروايات الانفعال تعارض مع هذه بالعموم من وجه في‌

____________

(1) كما ان الإنشاء لا يمكن لفناء الألفاظ في المعاني و عدم صحة استعمال اللفظ في الأكثر من معنى فكذلك الاخبار لا يصح لأن الإشكال فيه أيضا بحاله و ان سلمنا استعمال الخبر في مقام الإنشاء يكون آكد لانه لا يصح ان يكون جوابا لهذا الاشكال بل هو أمر آخر و استفادة أحكام متعددة من الرواية أيضا لا ربط له بالمقام لانه يكون باب تعدد الدال و المدلول هذا ما ادّى اليه نظري القاصر و لكن الانصاف عن الأستاذ هو الإنصاف في المقام.

170

مورد الاجتماع و هو ما إذا كان ماء متمم للكرّ و اما صورة الافتراق فهو ان يكون الماء قليلا غير متمم فهو يشمله اخبار الانفعال دون الكرّ و ان يكون الماء كرّا فيشمله الرواية فإذا كان كذلك فيقدم روايات الانفعال لصحتها سندا و وضوحها دلالة.

ثم انه ربما يقاس المقام بالعناوين الأولية و الثانوية مثل وجوب الوضوء و قاعدة لا ضرر لمن يكون الوضوء مضرا بحاله فإن الاقتضاء في الوضوء تام و لكن لا يكون بالنسبة الى هذا الفرد من المكلفين فعليا لمانعية القاعدة فما نحن فيه أيضا كذلك فإن الكرية تكون عنوانا ثانويا بعد اقتضاء الماء القليل بطبعه الانفعال أولا أعني الماء في حد ذاته يقتضيه لو لم يكن مانع مثل الكرية فلا يكون ح فعلية له بل الحكم الفعلي في الماء الكر هو العاصمية فينتج إسقاط دليل الانفعال في حيّزها و فيه ان هذا ممنوع لو سلمنا وصول النوبة إلى التعارض لانه لا ربط له بالعناوين الأولية و الثانوية بل في المقام كلاهما من الثانوية فإن الكر يقتضي العاصمية و للقليل الانفعال الفعلي بعد ما كان طبع الماء عدم الاقتضاء لأحدهما فهما عنوانان متضادان.

مضافا الى ان الشبهة تكون حكمية في المقام اعنى لا نعلم أن الكرية الكذائية تكون من العناوين الثانوية التي تقتضي العاصمية فعلا أم لا فهو غير مربوط بما إذا علمنا الكر و حكمه فعلى هذا لا وجه لترجيح هذا على الانفعال بهذا الوجه من التقرير الذي ذكروه فتستقر المعارضة.

أقول بعد التعارض نقدم دليل الانفعال لانه أصح سندا من المرسلة على انه لا تصل النوبة إلى التعارض. ثم انه قد طولنا الكلام تبعا للقوم و الا فالمطلب واضح لا يحتاج اليه هذا دليل المخالف.

و اما دليل المشهور على النجاسة فهو ما في الفرع الثالث الذي يكون تتميم النجس بالنجس: بيانه ان إطلاق دليلهم يشمل هذا المقام أيضا مع ان الطبع و العرف يستقذر فإنه لا يرى فرق بين ان يكون القذر قليلا أو كثيرا بقدر الأكرار‌

171

فكما ان هذا الفرع غير وجيه كما ترى فكذلك سائر الفروع و دليلنا ما مر من انصراف الدليل عن الصورة السابقة فضلا عن هذه الصورة التي واضحة لكل احد و لكن مع ذلك لا يخلو هذا الفرع عن فرق مع غيره لوجوه الأول ان تطبيق دليل الانفعال أوضح من تطبيقه على غيره لان المائين كليهما نجسان و الماء الكرّ لم يحمل خبثا الا على فرض كونه في رتبة المطهرية.

و الثاني معارضة روايات باب غسالة الحمام التي تكون غالبا بقدر الأكرار على فرض القول بالطهارة فإن الغسالة أصلها و متممها نجسة كما يستفاد من رواياتها فكذا المقام لا بد ان يكون كذلك.

اما الروايات فمنها ما (في الوسائل باب 11 من أبواب المضاف ح 4) عن ابن ابى يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال لا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها غسالة الحمام فان فيها غسالة ولد الزنا و هو لا يطهر إلى سبعة آباء و فيها غسالة الناصب و هو شرهما ان اللّٰه لم يخلق خلقا شرا من الكلب و ان الناصب أهون على اللّه من الكلب و منها (في هذا الباب ح 5) قوله (عليه السلام) إياك ان تغتسل من غسالة الحمام ففيها متجمع غسالة اليهودي و النصراني و المجوسي و الناصب لنا أهل البيت فهو شرهم فان اللّه تبارك و تعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب و ان الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه.

ثم قد ردّ بعض الفقهاء المعارضة بأن المقام لا تكون مثلها بل غسالة الحمام لا تصل الى حد الكرّ و الكلام يكون في صورة الوصول اليه و بان الروايات في بابها لها معارض.

و فيه ان القول بعدم وصول الغسالة بقدر الكرّ منشأ من عدم الالتفات الى ما في الخارج غالبا الذي يكون بقدر الكرّ و الأكرار و ان الروايات و ان كان لها معارض الا ان لها وجه الجمع.

و الثالث انه في الفرض السابق يتصور الاستصحاب و التعارض لأن أحدهما يكون طاهرا فاما يسقط بالتعارض أو يقال بحكومة استصحاب النجاسة على الاختلاف‌

172

الذي مرّ و لكن المقام لا مجال لتوهمه.

أقول المائز الأول هو المائز الجوهري العرفي و لو أغمض يكون له معارض فتحصل ان المتمم لا يطهر.

[فصل] في ماء المطر

فصل ماء المطر حال تقاطره من السماء كالجاري فلا ينجس ما لم يتغير و ان كان قليلا سواء جرى من الميزاب (1) أو على وجه الأرض أم لا بل و ان كان قطرات بشرط صدق المطر عليه و إذا اجتمع في مكان و غسل فيه النجس طهر و ان كان قليلا لكن ما دام يتقاطر عليه من السماء.

اعلم ان في هذا الفصل أمور و جهات الأول كيفية التطهير بالمطر و هو من المفصلات و سيجي‌ء و الثاني انه طاهر مطهر للغير كيفما كان ما لم يتغير و الثالث ان الجريان هل يكون شرط المطهرية أم لا:

ذهب المشهور إلى انه طاهر و مطهر للغير بجميع اقسامه و لا يشترط الجريان و لكن يجب صدق عنوان المطر عليه و الدليل عليه هو الروايات.

فمنها مرسلة الكاهلي (باب 6 من أبواب الماء المطلق ح 5) عن على بن الحكم عن الكاهلي عن رجل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (في حديث) قال قلت يسيل علىّ من ماء المطر ارى فيه التغيير و ارى فيه آثار القذر فيقطر القطرات علىّ و ينتضح عليه منه و البيت يتوضأ على سطحه فيكف (2) على ثيابنا قال ما بذا بأس لا تغسله كل شي‌ء يراه ماء المطر فقد طهر.

تقريب الاستدلال بأن ذيلها صريح في ان كل شي‌ء أصابها ماء المطر فقد‌

____________

(1) نعم يلزم جريان مّا ليصدق ان المطر غسل النجس و هو حاصل غالبا إذا صدق المطر عرفا لا دقة فإن القطرة أيضا بالدقة مطر

(2) و كف يكف من باب ضرب يضرب

173

طهر و يفهم منه العموم من جهة المصاب اى شي‌ء كان و من جهة عدم اشتراط الجريان فان الرؤية لا تكون في مفهومها الجريان (1) فكلما يصدق عليها المطر يطهّر غيره الا ان يقال ان الجريان يكون مقوم معناه و هذا واضح الفساد.

و أشكل عليه أولا بالإرسال و ثانيا إنها متعرضة لما هو خلاف إجماعهم و هو ان المتغير لا يطهر بوجه فان فيها كلمة ارى فيه التغيير و فيه (2) ان الإرسال في المقام غير مضر بأصل الدعوى لان لنا روايات صحيحة و لو قلنا بان عمل الأصحاب ينجبر ضعف المراسيل فلا يكون كذلك في المقام لانه يمكن ان يكون مستنده الصحاح من الروايات و اما التغيير فيمكن (3) ان يكون بواسطة المرور على السطح أو غيره و حصل من المتنجس دون النجس.

و منها صحيحة هشام بن سالم (باب 6 من الماء المطلق ح 1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سئلته عن السطح يبال عليه فتصيبه السماء فيكف (4) فيصيب الثوب فقال لا بأس به ما اصابه من الماء أكثر منه.

و هذه مطلقة من جهة الجريان و عدمه.

____________

(1) أقول انه لا يكون الجريان مقوم معنى المطر و لكن يكون مقوم معنى الغسل و لكن جريانا ما يكفى و المطر العرفي يكون لازمه هذا الجريان و الحاصل كما ان الكر إذا أصاب النجس يطهّره كذلك المطر فإنه أيضا من العواصم و حيث ان الغسل فيه لا يصدق الا بجريان مّا كذلك هنا و لا يخفى ان ما ذكرنا يشمل صورة كون الأرض رملية و ذات تراب كالصحاري فإن نفوذ الماء بعض النفوذ فيها يوجب صدق الجريان و الغسل فلو كان نجسا يطهر

(2) لا يكون هذا في الواقع ردا للإشكال بل نحو تأييد له كما هو واضح فإذا لم نعتمد على هذه فننظر في سائر الروايات و دلالتها.

(3) هذا الاحتمال ضعيف لأن في الرواية تصريح بأنه يرى فيه التغيير و آثار القذر و القذر ظاهر في عين النجس و سياق الرواية يأبى عن الحمل على مطلق الكثافة فدلالتها أيضا غير تامة.

(4) أقول ان هذا من باب ضرب يضرب وكف يكف وكوفا الدمع سأل

174

فإن قلت ان الإصابة بهذا النحو في الحديث تلازم الجريان بوقوعه على السطح ثم على الثوب و لا نعني بالجريان الا هذا.

قلنا ان المفروض و ان كان كذلك الا ان مناطه الغلبة و هو من الأصول الاساسية في باب التطهيرات و هذا يصدق و لو مع عدم الجريان.

و منها مرسلة محمد بن إسماعيل (باب 6 من الماء المطلق ح 6) عن بعض أصحابنا عن ابى الحسن (عليه السلام) في طين المطر انه لا بأس به ان يصيب الثوب ثلاثة أيام الا ان يعلم ان نجسه شي‌ء الحديث.

تقريبها كما هو الظاهر ان هذه مطلقة من جهة الجريان و عدمه و من جهة كون المكان نجسا أم لا و تقييد عدم البأس بثلاثة أيام لا خصيصة له بل باعتبار العادة فلا ينجس المكان بعد المطر عادة إلا بعد ثلاثة أيام أو أربعة.

و منها ما عن ابى بصير (باب 6 من الماء المطلق ح 8) قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الكنيف يكون خارجا فتمطر السماء فتقطر علىّ القطرة قال ليس به بأس.

تقريبها أن إطلاقها واضح من جهة الجريان و عدمه فمطلق الإصابة مع الغلبة و الأكثرية المعتبرة في باب التطهيرات يكفى بعد صدق المطر عرفا هذا حاصل أدلة المشهور.

اما القائلين بخلاف المشهور و هو اشتراط الجريان فعليا أو ما في قوته أيضا استدلوا بروايات.

منها صحيحة هشام بن حكم عن أبي عبد اللّه (باب 6 من الماء المطلق ح 4) في ميزابين سالا أحدهما بول و الأخر ماء المطر فاختلطا فأصاب ثوب رجل لم يضره ذلك تقريب الاستدلال ان المقام يكون مقام الجريان لما فيها من لفظ السيلان فنفهم ان الجريان يكون مناط المطهرية و لكن لا يكون لهذا عموم العلة فربما يقال ان المورد لا يخصص فلو كان لنا إطلاق يمكنه المعارضة معها و لما عرفت الإطلاقات لا يمكن ان تكون هذه مقيدة لها.

175

و منها صحيحة على بن جعفر عن أخيه موسى (باب 6 من الماء المطلق ح 2) قال سئلته عن البيت يبال على ظهره و يغتسل من الجنابة ثم يصيبه المطر أ يؤخذ من مائه فيتوضأ به فقال إذا جرى فلا بأس به قال و سئلته عن الرجل يمرّ في ماء المطر و قد صب فيه خمر فأصاب ثوبه هل يصلّى فيه قبل ان يغسله قال لا يغسل ثوبه و لا رجله و يصلى فيه و لا بأس به.

تقريب الاستدلال واضح لأنك ترى قوله (عليه السلام) إذا جرى فلا بأس به صريحا في اشتراط الجريان.

و منها صحيحة على بن جعفر (باب 6 من الماء المطلق ح 9) في كتابه عن أخيه موسى (عليه السلام) قال سئلته عن المطر يجري في المكان فيه العذرة فيصيب الثوب أ يصلى فيه قبل ان يغسل قال إذا جرى به (فيه) المطر فلا بأس.

و تقريبها أيضا واضح لما في ذيلها من قيد الجريان.

ثم انه قد وجّه المشهور هذه الروايات أو لا بان الرواية الاولى يكون الجريان فيها محقق الموضوع فإنه ما لم يجر لا يمكن ان يكون مطرا و بعبارة أخرى قالوا في هذه و سائر الروايات ان المراد بالجريان هو التقاطر من السماء لا سيلانه على الأرض و فيه ان هذا النحو من المراد الجواب لا يكون مربوطا بالسؤال ان فرض كذلك ففي بعضها يسئل السائل عن ماء اجتمع من المطر و يريد التوضي به.

و ثانيا بان العمومات مع ضميمة الانس يفهم منها عدم اشتراط الجريان.

و ثالثا بأن النسبة بين الصنفين من الروايات لا تكون عموما مطلقا بل عموم من وجه.

بيانه ان الجريان في هذه و الغلبة في تلك شرط للمطهرية فإذا كان الجريان و الغلبة فلا تعارض بينهما و مورد الافتراق هو ما إذا كان الجريان دون الغلبة فيشمله روايات الجريان دون المطلقات و ما إذا كانت الغلبة دون الجريان فبالعكس فعلى هذا ففي مورد التعارض نقول بالتخيير بين تقدم أيهما شئت هذا ما قالوه.

176

و فيه ان التحقيق في المقام هو العموم المطلق لأنا ليس لنا مورد يكون الجريان دون الغلبة و إلقاء خصوصية الموارد في الروايات و حمل الجريان على التقاطر أيضا خلاف الظاهر فمن تناسب الحكم و الموضوع و عدم صدق الغسل العرفي في صورة الإصابة فقط و تحقيق ان النسبة عموم مطلق نفهم ان الجريان شرط و يحمل المطلق على المقيد مما ذكره الأردبيلي (قده) من الجريان و لو بمعاونة اليد صحيح هذا.

ثم انه ربما يجمع بين الروايات أولا بأن الكبريات مثل كلما يراه ماء المطر فقد طهر لا تكون في صدد بيان العاصمية بل بصدد عدم الانفعال و يكون المطر مطهرا و لو لم يجر و المقيدات تحمل على ان العاصمية شرطها الجريان فماء المطر و لو لم يكن جاريا يطهّر و لكن شرط العاصمية هو الجريان.

و فيه انه كيف يعقل ان يكون غير منفعل مع انه لا يكون عاصما و الحكم بعدم البأس لا يصح الا على فرضها فيصح التعارض.

و ثانيا بان العاصم له مراتب فالمطلقات تدل على ان اصابة المطر لا تكون مثل اصابة القليل حتى يحتاج الى خروج الغسالة و كونها نجسة و لكن لا يكفى هذا فيما إذا كان مورودا عليه النجاسة و المقيدات تدل على العاصمية التامة بحيث لا يبقى الفرق بين الوارد و المورود مثل سائر العواصم.

و فيه ان هذا ممنوع بشاهدين: الأول: إطلاق الكثرة و الغلبة و عدم تقييدها بما قيل و الثاني: رواية على بن جعفر تكون في صورة كونه مورودا بقوله و قد صبّ فيه خمر (1) فتحصل من جميع ما ذكرناه ان ماء المطرحين نزوله من السماء يكون عاصما سواء قلنا بالجريان أو لم نقل.

____________

(1) هذا ما فهمته من كلامه مد ظله و لكن هذه الرواية تكون من المقيدات التي يكون الفرض فيها وجود الجريان و في صورة الجريان لا خلاف في ان المورود أيضا عاصم و لعل المراد ان مصدرها يكون قيد الجريان فيه في مورد الإصابة و ذيلها لا قيد فيه في مورد ورود النجس فيه.

177

بقي الكلام في الماء المجتمع من المطر إذا لم يكن السماء متقاطرا و هذا له صور نذكر ثلاثة منها.

الاولى ان يصدق المطر على المجتمع اعنى يكون بحيث يتقاطر عليه السماء فعلا. الثانية ان يكون المجتمع في مكان و تقطر عليه قطرات ضعاف لا ندري انه هل يصدق المطر عليه أم لا حتى يكون هذا مطرا باعتبار أمطار السماء. و الثالثة ما يستحق ان يكون مورودا للمطر مثل ما لا يكون تحت السقف بل خارجا عنه و السماء يمطر و لو في غير هذا المكان و مال اليه صاحب الجواهر (قده).

مختارنا الوجه الأول و دليله ان المطر ما دام يتصل مع ما يكون راكدا يصدق عليه ماء المطر و الشاهد عليهذا ان المطر الذي يكون في السماء بمسافة بعيدة يحكم عليه بحكم واحد واحد مع ما يكون قريبا منّا و الإضافة تكون بيانية (1) لا نشوية أي هذا الماء مطر لا انه ماء و نشأ من مطر و الا فجميع المياه في الأرض يكون مطرا.

ثم انه قد وافق بعض الاعلام مع ما نحن عليه حكما لا استدلالا فإنه يقول ان هذا الماء عاصم و لكن باعتبار كونه متصلا بالمادة لا باعتبار انه مطر فيندرج تحت كبرى ماله المادة و لا يشمله دليل المطر لانه لا يكون نازلا.

و فيه أولا انهم قد حكموا بان السطوح المتعددة يطهر بواسطة نزول المطر على واحد منه ثم على آخر من دون ان يكون من السماء أيضا نزول المطر عليه فلا وجه للاتصال بل يطهر لانه ماء مطر (2) و ثانيا ان الاتصال لا يصدق هنا لان المناط فيه العرف و هو لا يسمى القطرات المنفصلة متصلة و لا يكفى الرشح في المادة كما مرّ (3).

____________

(1) إطلاق الإضافة على ما أراد من البيانية مسامحة في الاصطلاح فان ما سموه نشوية يكون مثل خاتم فضة أي من فضة فهو بيانية في الاصطلاح و ما سموه بيانية لا يكون اضافة في الاصطلاح بل تسميته بعطف البيان أولى.

(2) أقول ان هذا البعض يقول في صورة الاتصال بذلك لا في غيرها.

(3) يصدق الاتصال العرفي و يرى القطرات المتتالية متصلة و لا يعتنى بهذا الانفصال بخلاف ما كان من الرشح فان فيه يمكن ان يتوقف في صدقه.

178

و ثالثا على مسلك من يشترط في المادة الكرية لا يكفى هذا الاتصال لأنا لا نعلم كون المادة كرا في السماء.

و اما مستند الوجه الثاني فروايات الباب فإن الإصابة تصدق حتى في صورة ما كانت القطرات ضعيفة و يصدق على المجتمع ماء المطر.

و فيه انه و ان صدقت الإصابة و لنا الإجماع بعدم كفاية القطرات المنفصلة كما قبله المستدل و لكن الكلام في صدق العنوان اعنى المطر على هذا و المبنى فاسد (1) و اما مستند القول الثالث و هو قول صاحب الجواهر ان الماء إذا كان من شأنه نزول المطر عليه بان لا يكون تحت السقف و السماء يمطر يشمله روايات الباب بان كل ما اصابه ماء المطر فقد طهر و إذا سئل من كل احد هل هذا ماء المطر أم لا يصدّق المطرية هذا حاصل استدلاله و لكنه ره لم يبين وجه الشرطين أمطار السماء و قابلية النزول عليه و فيه ان السماء و ان كان يمطر لكن لا وجه لطهارة هذا مع عدم الأمطار عليه و لا يمكن ان يقال هذا ماء نشاء من المطر لعدم الاتصال و عدم وجود مناط الوحدة و الا فكل المياه نشاء من المطر فيجب ان يكون قليله مطهرا.

على ان الشرط لا معنى له فان المطر إذا صدق على المجتمع فامطار السماء لا ربط له به نعم لو كان لنا دليل تعبدي نسلم مثل رمى الجمرة الذي يكون دليله التعبد و لا يصل الى مصلحة عقلنا و لكن لا يوجد.

مضافا الى ان لنا روايات دلت على انفعال الماء القليل المجتمع في مكان مثل الصحاري فإنه قد مر بعضها فإنه إذا سئل عن الغدير يجاب بأنه ان كان قدر كر لا ينجسه شي‌ء و معلوم ان هذه المياه لا تكون غالبا الا من المطر هذا حكم الدليل الاجتهادي.

____________

(1) إذا كان المطر بنحو الانقطاع بحيث تقع فيه قطرة ثم بعد برهة من الزمان تقع قطرة اخرى لا يصدق العنوان و لكن إذا كان متصلا و لكن القطرات كانت ضعيفة فيصدق العنوان.

179

و اما ان شك في المقامين أي في الجريان و في الماء المجتمع فيكون من باب الشبهة في المفهوم فانا نعلم ان دليل الانفعال قد خصص بدليل المطر و لكن لا نعلم انه يشمل مفهوم المطر لهذه الصور أم لا و معلوم انه لا يكون هذه الشبهة الا من قبل الشك في مفهوم المطر.

فعلى هذا فان قلنا بان دليل المطر ناظر الى دليل الانفعال و حاكم عليه يسري إجماله إلى إجمال العام فاما ان يستصحب العاصمية أو يرجع الى قاعدة الطهارة و يحكم بطهارته دون ملاقيه إذا كان نجسا و اما إذا كان من قبيل التخصيص فلما كان المخصص منفصلا فلا يسري إجماله إلى العام فلا محالة يكون المرجع دليل الانفعال و لكن لا إجمال في المفهوم في الماء المجتمع فإنه يمكن ان يكون ما ورد فيه في مورد مياه الصحاري و اشتراط الكرية شارح لمفهوم المطر.

[مسألة 1- الثوب أو الفراش النجس إذا تقاطر عليه المطر و نفذ في جميعه طهر]

مسألة 1- الثوب أو الفراش النجس إذا تقاطر عليه المطر و نفذ في جميعه طهر و لا يحتاج الى العصر (1) أو التعدد و إذا وصل بعضه دون بعض طهر ما وصل اليه هذا إذا لم يكن فيه عين النجاسة و الا فلا يطهر إلا إذا تقاطر عليه بعد زوال عينها.

اعلم ان المصنف قد تعرض في هذه المسألة لفرعين: الأول ان العصر و التعدد هل يلزم في مثل الفراش إذا أصابه المطر أم لا. و الثاني ان الغسلة المزيلة هي المطهرة أم لا و سيجي‌ء بيانه.

اما الأول فلا فرق فيه بين ان نقول في سائر العواصم بوجوب العصر و التعدد أم لا أو كان فيه تفصيل بوجوبه في الكر دون الجاري.

أقول ان ما هو التحقيق في جميع المقامات عدم الاحتياج الى العصر و الدليل عليه في القليل لا يكون الا لخروج الغسالة المنفعلة و العرف يفعل ذلك فيه لا في العواصم‌

____________

(1) فيه تأمل و لا يبعد عدم الاحتياج إليه في صورة كثرة المطر بحيث خرجت غسالة النجس طبعا و اما في صورة النفوذ فقط فلا.

180

لرفع القذارة فعلى هذا لا يكون (1) لنا دليل سمعي بوجوب العصر في جميع الموارد فما نحن فيه أيضا لا يحتاج الى العصر بهذا المناط هذا أولا.

و ثانيا لنا إطلاق الدليل في المورد و هو قوله (عليه السلام) «كلما يراه ماء المطر فقد طهر» و لا فرق في الفراش و الظروف و الأعضاء في الإنسان فهو مطلق من جهة كون المغسول قابلا للعصر و عدمه.

و لكن قيل بمعارضة الإطلاق مع الأدلة الدالة على الانفعال في القليل و وجوب الغسل و النسبة بينهما عموم من وجه.

بيان ذلك ان عمومات الغسل يفهم منها ان حقيقته لا تصدق الا مع خروج الغسالة و لا فرق فيه بين الجاري و المطر و غيرهما ففيها إطلاق من جهة كون الغسل بالمطر و غيره و دليل المطر أيضا فيه إطلاق من جهة كون المغسول مما يحتاج الى العصر أم لا فمورد الافتراق في دليل الغسل ما إذا كان الغسل بالقليل فإنه يحتاج الى العصر و لا مصادمة له مع دليل المطر و مورد افتراق دليل المطر هو ما إذا كان المغسول مما لا يحتاج الى العصر و لا مصادمة لدليل الغسل معه و مورد الاجتماع هو ما إذا كان مما يحتاج الى العصر و كان المطهر مطرا فدليل العصر يحكم بالعصر و دليل المطر يحكم بعدم وجوبه بواسطة الإطلاق.

ثم انه قيل في مقام الجمع يقدم دليل المطر لان مقتضى ما حرر في باب التعادل و التراجيح هو ان الدليل المعارض إذا كان سببا لذهاب عنوان معارضه من رأس على فرض الترجيح لا يقدم عليه إذا كان له مورد غير مورد المعارضة فعلى هذا نقول عنوان مطرية المطر و فرقه مع القليل هو ان لا يحتاج الى العصر و الا فما الفرق بينه و بين‌

____________

(1) أقول ان الذي يجي‌ء في ذهني القاصر هو ان العرف الذي قد تمسك به لوجوب العصر في القليل يفعل كذلك في المياه العاصمة فإن شئت الوضوح فمر خادمتك بغسل مندليك في الحوض بقدر الكر أو الأكرار فانظر إليه انه كيف يفعل و نحن نرى ان العرف لا يرضى بعدم العصر في الموارد.

181

القليل (1) فيقدم بخلاف القليل فإنه يبقى له موارد إذا لم نقدمه هنا و هو المورد الذي يكون المطهر غير المطر فلا يوجب تقديم دليل المطر إلقاء عنوان دليل العصر برأسه فإنه في موارد كون القليل مطهرا يبقى له المورد كما أشرنا اليه.

و فيه أولا انه ليس لنا دليل على العصر نعم يكون الدليل على التعدد بقوله (عليه السلام) في البول اغسله مرتين (في باب 1 من النجاسات ح 1) فما يقوله هذا القائل من ان لنا دليل على الغسل و هو لا يتحقق الا بخروج الغسالة و ادعاء الإطلاق بالنسبة إلى البول و غيره و الفراش و غيره مدفوع لعدم كون خروج الغسالة محقق الغسل (2) و ثانيا ينصرف (3) هذا الدليل على فرض وجوده عن مثل المطر لانه يكون في صورة كون الماء باختيارنا دون ما كان خارجا عنه فان المطر نفسه يغسل إذا نزل من السماء و لا يحتاج الى الغسل العرفي و كذا الجاري ندعى فيه هذا الانصراف.

و ثالثا لو سلمنا التعارض لا نسلم تقديم دليل المطر و لا نسلم ان في عدم تقديمه إلقاء العنوان لانه يمكن ان يكون فارقه الواردية و المورودية ففيه كلاهما يكون سببا للتطهير دون القليل فإنه منحصر مطهريته في صورة كونه واردا و هذا خصيصة بالنسبة إلى القليل‌

____________

(1) أقول انه يكفى ان يكون الفارق عدم الاحتياج الى التعدد.

(2) قد مر انه محقق للغسل عند العرف.

(3) في الانصراف تأمل نعم يمكن ان يدعى من الروايات التي جعلت الغلبة فيها دليلا على الطهارة و عدم الاحتياج الى خروج الغسالة في مثل الأرض بتناسب الحكم و الموضوع عدم الاحتياج الى العصر و لكنه أيضا في مثل الثوب محل تأمل لأن سائر العواصم أيضا إذا غلب على الأرض النجسة التي لا عين فيها يطهر بدون خروج الغسالة و إطلاق كلما اصابه ماء المطر فقد طهر و كلما يراه ماء المطر فقد طهر بالنسبة إلى العصر غير مرضى لأنه في صدد بيان العاصمية و كيفية الغسل بنظر العرف و يمكن ان يكون التعبير بالإصابة من باب ان المطر لا يكون باختيارنا و الروايات أيضا لا يكون في الثوب و أمثاله.

182

فالصحيح في الجواب ان يقال لا دليل لنا على العصر بل يمكن ان يكون لنا دليل اصطيادى من صبّ الماء على بول الرضيع فان فيه يحكم بالصب من دون اعتبار التعدد و العصر: بيان ذلك انّ لفظ «صبّ و أصاب» و ان كانا من مادتين الا انه يرجع معناهما الى واحد ففي دليل المطر أيضا يقال كلما اصابه ماء المطر و لا يقال كلما غسله ماء المطر فلعل في هذا التعبير نكتة و لكن هذا لا وجه له (1) و الحاصل نقول انه لا نحتاج الى العصر من جهة غير هذا الدليل.

اما التعدد فلا نحتاج إليه أيضا لإطلاق دليل المطر و قيل هنا أيضا يعارض دليل المطر مع ما يدل على وجوب التعدد في مثل البول و القاعدة بالتقرير السابق تقتضي رجحان دليل المطر لحفظ عنوانه و فيه ما مر من ان حفظ العنوان يمكن ان يكون بالفرق بين الوارد و المورود (2) و الصحيح في الجواب ان يقال لا إطلاق لروايات البول حتى يشمل صورة كون المطهر مطرا لان رواياته يكون في موارد خاصة هذا أولا و ثانيا ان روايات المطر عام في مورده ففي بعضها يسئل عن البول و لا قيد فيها بالتعدد فهي في موردها ناصة لا يعتريها شك و لا ريب فتقدم. هذا في البول و التفصيل بينه و بين سائر النجاسات بعد عدم الاحتياج الى التعدد أيضا سخيف.

ثم من الروايات الدالة على التعدد قوله (باب 1 من أبواب النجاسات ح 1) سئلته عن البول قال اغسله مرتين و هو كما ذكر لا يأتي في المقام.

اما الفرع الثاني (3) و هو ان الملاقاة المزيلة تكفى لرفع القذارة أم لا ففيه‌

____________

(1) أقول ان ما ذكر يكون وجه عدم الموجهية و لكن يمكن ان يقال ان قيد الجريان في بعض الروايات يفهم منه الغسل و عدم كفاية الإصابة فقط.

(2) أقول ان هذا لا يكون فارقا لان ماء المطر يكون في جلّ الأحوال لولا كله واردا و لا يبقى نتيجة حتى يقال في صورة كونه مورودا لا ينجس.

(3) أقول انه لا شبهة في ان ازالة العين لازمة و لكن لا يكتفى بها في القليل و في العواصم أيضا كذلك فإن كيفية الغسل منوطة بنظر العرف و هو يرفع القذارة العينية أولا ثم يطهر و اما إذا لم يكن للنجاسة عين فيكفي مطلق ملاقاته اى غسله مع العاصم

183

خلاف فقيل بأن الإصابة الثانية لازمة بعد الاولى و اختاره المصنف أيضا و قيل بأن المزيلة تكفي و الدليل عليهذا الأخير هو إطلاق ذيل المرسلة (كلما اصابه ماء المطر فقد طهر) و لا فرق بين ان تكون أصابه ثانية أم لا و يؤيده ما في الرواية من قوله (عليه السلام) ما اصابه من المطر أكثر منه فلا محالة تكفى الأكثرية بعد وجود البول لا ما جفّ منه و الا فلا يصدق الأكثرية فمع وجود البول يحكم بالطهارة إذا مزجه المطر هذا حاصل استدلالهم و فيه ان الفروض يكون في صورة كون المطر بقدر يجرى و المورد و ان لم يكن مخصصا الا انه يوجب ضعف الإطلاق و يؤيده أن الإصابة في المطر عادة لا تكون اصابة واحدة بل إصابات متكثرة و مع هذا يشكل القول بعدم اعتبار التعدد اى تعدد المزيلة و المطهرة ثم إذا شك في الرفع و عدمه فاستصحاب النجاسة حاكم.

[مسألة 2- الإناء المتروس بماء نجس]

مسألة 2- الإناء المتروس بماء نجس كالحب و الشربة (1) و نحوهما إذا تقاطر عليه طهر مائه و إنائه بالمقدار الذي فيه ماء و كذا ظهره و أطرافه ان وصل اليه المطر حال التقاطر و لا يعتبر فيه الامتزاج (2) بل و لا وصوله (3) الى تمام سطحه الظاهر و ان كان الأحوط ذلك.

اعلم انه قد تعرض المصنف في هذه المسألة لأمور: الأول ان المطر يطهر جميع المياه لإطلاق المرسلة و طريق التطهير هنا يكون مثل التطهير في سائر المقامات.

فقيل كما ان الجامدات في سائر المقامات احتاجت إلى ملاقاة جميعها للتطهير و التنجيس و المائعات يكفى ملاقاة جزء منها في ذلك فكذلك المقام فماء المطر يطهّر إذا لاقى طرفا من الماء و أجيب بأن عموم المرسلة بحيث تشمل بإطلاقها المقام و لو‌

____________

(1) الشربة إناء من خزف يشرب منه الماء.

(2) بل اعتباره لا يخلو من قوة.

(3) إذا تقاطر عليه المطر بقدر معتد به

184

مع عدم المزج و عدم ملاقاة تمام سطح الماء مشكل و على فرض شموله لما يلاقي تمام السطح فالماء إذا لاقاه المطر بتمام سطحه لا تصدق الملاقاة في عمقه.

و الفرق بين المورد و الفراش و هو ان الثاني ينفذ الماء فيه دونه و على فرض المزج أيضا لا نسلم الطهارة لأنه يوجب انفصال قطرات المطر و نجاسته به.

لا يقال فكيف يحكم بالطهارة في الجاري و الكر. لأنا نقول المسألة في ذاك الباب إجماعي.

و الحاصل يلزم نجاسة المطر لا من جهة انه ذو مادة بل من حيث نفسه هذا حاصل الاشكال.

و أجيب عن الجواب بأن الإصابة مفهومها بالنسبة الى جميع الأشياء لا فرق فيه كما قلنا في معنى لاقى فما قيل من التفصيل في الملاقاة و التنجيس نقول به هنا أيضا فكما قلنا بان صرف الملاقاة في المائعات يوجب سراية النجاسة كذلك صرف الإصابة يوجب الطهارة حصل المزج أم لا.

و بتقريب آخر لا يخلو المقام من أحد ثلاثة أحكام نجاسة المطر بالملاقاة و الإصابة مع النجس و طهارة الماء بملاقاة المطر أو بقاء الطهارة للمطر و النجاسة للماء فان اخترت الأخير نقول ماء الواحد لا يكون له إلا حكم واحد و ان قيل بنجاسة المطر ينافي عاصميته فلا محيص الا عن القول بالطهارة.

أقول ان ما قيل و ان كان صحيحا و مفهوم الإصابة يكون مشككا و لكن نظر العرف فيما لم يبيّن من الشرع بحدوده و قيوده دخيل و هو يفرق بين رفع السمّ و إيجاده فإنه بمجرد الملاقاة يحكم بالقذارة و التنفر و لكن بمجرد الإصابة لا يحكم بالطهارة.

و ما قيل من ان نجاسة المطر يكون خلاف الحكم بالعاصمية ممنوع أيضا لأنا نلتزم بالنجاسة لانفصاله و مزجه مع النجس و لا يكون الروايات في الماء بل في السطح و غيره و لا يكون تأثير المطر في الطهارة مثل قوة البرق و أمثاله هذا.

185

ثم هنا تقريب آخر للتطهير بالمطر و هو ان رواية هشام بن الحكم (باب 6 من أبواب الماء المطلق ح 4) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) كان فيها حكم ميزابين سالا فاختلطا و من ذلك يفهم أن الإصابة سبب للطهارة.

بيان ذلك ان الماء عند الإصابة يكون له ثلاثة أحوال في آنات ثلاثة آن الإصابة و آن الغلبة و آن الاستهلاك و هو (عليه السلام) حكم في الآن الثالث و هو المزج بالطهارة فيعلم ان المطر بواسطة اتصاله بالمادة يطهر المائعات أيضا فكأن هذا يكون أحد مصاديق الكبرى المستفادة من صحيحة بن بزيع بان ماله المادة مطهر.

و فيه انه لا إطلاق لهذه الرواية و لا يفهم الملاقاة التدريجية بأن تكون الآنات متتالية على انه لا يكون الطاهر مستهلكا في النجس بل الأمر بالعكس فإن المائع في ميزاب البول قليل غالبا دون ميزاب المطر و ما نحن فيه بالعكس فان القطرات تستهلك في الماء النجس و القول بالطهارة و لو مع استهلاكه في النجس يحتاج الى دليل فضلا عن القول بكفاية الاتصال.

ثم انهم بعد قطع أيديهم عن النصوص في المقام بهذه الإشكالات تمسكوا بالإجماع منهم (رضوان اللّه عليهم) على ان الماء يطهر بالمطر و على فرض عدم التمامية بالإجماع على ان المطر عاصم.

و فيه ان هذا الإجماع سندي و سنده الرواية كما ترى فلا اعتماد به و لكن التحقيق في المقام هو ان نقول المطر مطهر.

بيانه انه استفدنا من الروايات ان المطر عاصم في الجملة و إذا حصل بعد الإصابة مزجا مّا تصدق الوحدة و لا يكون للواحد الا حكم واحد و لا يخفى انى لا أقول بأن المطر فيه إطلاق و يشمل المورد بل منشأ الحكم هو الوحدة صدق عليه ان هذا مطر أم لا و الاستهلاك يكون في التنجيس دون النجس مثل البول فإن النكتة في الحاجة الى الاستهلاك في النجس تكون لحصول الاستحالة اما غيره لانه لا يحتاج إليها للطهارة فيمكن القول بطهارته و لو مع عدم الاستهلاك.

186

ثم انه نقل الرواية عن الكافي بما يستفاد منه صريحا حكم الماء و هو انه ورودها فيه بهذه العبارة «قلت و يسيل على الماء المطر» دون ما نقلناه من عبارة «و يسيل علىّ المطر» فان كان هذا النقل من الكافي صحيحا يرفع الاشكال بحذافيره.

ثم على القول بالطهارة فهل يحتاج الى المزج أم لا خلاف فربما يقال انه و ان قلنا بان التطهير في سائر المقامات يحتاج الى المزج الا ان المقام لا يحتاج إليه لإطلاق الرواية و هي كلما يراه أو اصابه ماء المطر فقد طهر.

و اما ان كان السند الإجماع فالمتيقن منه صورة المزج و ان قيل انه كماء الجاري فكما لا نحتاج اليه هناك كذلك هنا و على مسلك التحقيق و هو الحكم بالطهارة من باب الوحدة (1) فأيضا نحتاج الى مزج مّا.

الأمر الثاني هو الحكم بطهارة الإناء بالمقدار الذي يكون فيه الماء و دليله ان المطر إذا لاقى الماء فالماء لاقى الظرف فالظرف لاقى العاصم فيطهر الا على مسلك من يقول انه يحتاج الى التعدد حتى في العواصم.

الأمر الثالث هو الحكم بطهارة أطراف الإناء و دليله انه يكون مما اصابه ماء المطر الا على فرض الاحتياج الى التعدد في تطهيره ففيه يشكل الأمر.

الأمر الرابع (2) هو الحكم بان التطهير لا يحتاج الى ملاقاة تمام السطح و ان كان أحوط و هذا يختلف حسب اختلاف المعاني في تطهير الماء النجس فمن قال ان مطلق الملاقاة مع العاصم يكفى فكذلك هنا مطلق الإصابة يكفي و من قال بان المزج لازم كما هو التحقيق يقول به هنا أيضا و ان كان الدليل على التطهير هنا الإجماع فلا بد من القدر المتيقن و هو يكون في صورة ملاقاة الجميع.

____________

(1) أقول ان المزج مقوم الغسل عند العرف و قوله كلما أصاب لا يكون إلا في مقام بيان مطهرية المطر لا كيفية التطهير و الماء له غسل مّا.

(2) أقول المناط صدق نزول المطر عليه بقدر معتد به فإذا حصلت الإصابة لبعض سطح الماء و حصل المزج يكفى للقول بالطهارة.

187

[مسألة 3- الأرض النجسة تطهر بوصول المطر إليها]

مسألة 3- الأرض النجسة تطهر بوصول المطر إليها بشرط ان يكون من السماء و لو بإعانة الريح و اما لو وصل إليها بعد الوقوع على مكان فوصل مكانا آخر لا يطهر نعم لو جرى على وجه الأرض فوصل الى مكان مسقف بالجريان اليه طهر.

اعلم ان حكم هذه المسألة فهم مما سبق لان السطح أيضا يصدق على الأرض و لا دخل للعلو و السفل غاية الأمر الإضافة هنا هي أنه بإعانة الريح أيضا يطهر و هذا يكون لدفع توهم من تخيل انه بالريح ينقطع عن أصل المطر و هذا مدفوع بان موج المطر بواسطة الريح ينحرف كما شهدتم في الخارج.

و اما إذا كانت الإصابة بجهة ملاقاته مع شي‌ء آخر مثل ورق الشجر ثم صب على الأرض حكم المصنف بعدم التطهير للانقطاع و عدم صدق المطر عليه و ربما يقال في المقام بأنه بعد الشك يكون المرجع استصحاب العاصمية و هذا مدفوع لأن الشبهة تكون في صدق مفهوم المطر على هذا و قد علمت عدم جريان الاستصحاب في الشبهات المفهومية لأنه يصير كالفرد المردد.

و اما التمسك بدليل الانفعال فهو منوط على كون دليل المطر من المخصصات المنفصلة التي لا يسري إجمالها إلى العام و اما إذا قيل انه حاكم فيسري إجماله و يكون المرجع قاعدة الطهارة و الحكم بطهارة الماء و التوقف في مطهريته أو القول بأنه طاهر مطهر كما عن النائيني (قده).

أقول إذا كان الترشح من مكان الى آخر بنحو قطرة أو قطرتين لا يصدق عليه المطر و لا يطهر و اما إذا كان متصلا فالعرف يحكم بان هذا مطر فيطهر.

ثم انه بيّن انه لو جرى على وجه الأرض فوصل الى مكان مسقّف طهر و هذا يكون لدفع توهم ان المطر فقط يطهر موضع الإصابة فينفيه بأنه يطهّر تحت السقف أيضا و قيد التسقيف يكون لدفع توهم التهيأ لنزول المطر و اما الدليل على هذا فيكون بأساسين اما صدق المطر على هذا حقيقة أو لاتصاله بالعاصم لانه عاصم.

188

[مسألة 4- الحوض النجس تحت السماء يطهر بالمطر]

مسألة 4- الحوض النجس تحت السماء يطهر بالمطر و كذا إذا كان تحت السقف و كان ثقبة ينزل منها على الحوض بل و كذا لو أطارته الريح حال تقاطره فوقع في الحوض و كذا إذا جرى من ميزاب فوقع فيه.

اعلم انه قد تقدم في المسألة الثانية ما يظهر منه حكم هذه فإن الإناء لا فرق فيه بين ان يكون حوضا كبيرا أو صغيرا فإنه داخل تحت عنوان تطهير الماء بالمطر و الإشارة الى ما تحت السقف يكون لشموله للفرد الأخف و إذا كان بمدد الريح أيضا يكون حكمه هو الحكم السابق (في مسألة 5) و اما إذا تقاطر من السقف على الحوض فلا يطهر لقطع الاتصال و كذا حكم المطر الذي يقع من ورق الشجر على الأرض جنبه و اما إذا لاقى في الهواء ورق الشجر ثم صب منه على الأرض فلا اشكال فيه على مذهب المصنف.

أقول الالتزام بهذا منه (قده) مشكل لانه لا فرق بين ما إذا لاقى الشجر في الهواء أو على الأرض. و حكم المسألة الخامسة إلى آخر هذا الفصل يعلم مما سبق فلا نطيل الكلام فيها.

[مسألة 5- إذا تقاطر من السقف لا يكون مطهرا]

مسألة 5- إذا تقاطر من السقف لا يكون مطهرا بل و كذا إذا وقع على ورق الشجر ثم وقع على الأرض نعم لو لاقى في الهواء شيئا كورق الشجر و نحوه حال نزوله لا يضر إذا لم يقع عليه ثم منه على الأرض فمجرد المرور على الشي‌ء لا يضر

[مسألة 6- إذا تقاطر على عين النجس فترشح منها على شي‌ء آخر لم ينجس]

مسألة 6- إذا تقاطر على عين النجس فترشح منها على شي‌ء آخر لم ينجس إذا لم يكن معه عين النجاسة و لم يكن متغيرا

[مسألة 7- إذا كان السطح نجسا فوقع عليه المطر]

مسألة 7- إذا كان السطح نجسا فوقع عليه المطر و نفذ و تقاطر من السقف لا تكون تلك القطرات نجسة و إن كان عين النجاسة موجودة على السطح و وقع عليها لكن بشرط ان يكون ذلك حال تقاطره من السماء و اما إذا انقطع ثم تقاطر من السقف مع فرض مروره على عين النجس فيكون نجسا و كذا الحال إذا جرى من الميزاب

189

بعد وقوعه على السطح النجس

[مسألة 8- إذا تقاطر من السقف النجس يكون طاهرا]

مسألة 8- إذا تقاطر من السقف النجس (1) يكون طاهرا إذا كان التقاطر حال نزوله من السماء سواء كان السطح أيضا نجسا أم طاهرا

[مسألة 9- التراب النجس يطهر بنزول المطر عليه]

مسألة 9- التراب النجس يطهر بنزول المطر عليه إذا وصل الى أعماقه حتى صار طينا

[مسألة 10- الحصير النجس يطهر بالمطر]

مسألة 10- الحصير النجس يطهر بالمطر و كذا الفراش المفروش على الأرض و إذا كانت الأرض التي تحتها أيضا نجسة تطهر إذا وصل إليها نعم إذا كان الحصير منفصلا عن الأرض يشكل طهارتها بنزول الشجر و تقاطر منه عليها نظير ما مر من الاشكال فيها وقع على ورق الشجر و تقاطر منه على الأرض

[مسألة 11- الإناء الجنس يطهر إذا أصاب المطر جميع مواضع النجس منه]

مسألة 11- الإناء الجنس يطهر إذا أصاب المطر جميع مواضع النجس منه نعم إذا كان نجسا بولوغ الكلب يشكل طهارته بدون التعفير لكن بعده إذا نزل عليه يطهر من غير حاجة الى التعدد.

[فصل في ماء الحمام]

فصل ماء الحمام بمنزلة الماء الجاري بشرط اتصاله بالخزانة فالحياض الصغار فيه إذا اتصلت بالخزانة لا تنجس بالملاقاة إذا كان ما في الخزانة وحده أو مع (2) ما في الحياض بقدر الكر من غير فرق بين تساوى سطحها مع الخزانة أو عدمه و إذا تنجس ما فيها يطهر بالاتصال بالخزانة بشرط كونها كرا و ان

____________

(1) في صورة الاتصال اى اتصال مّا عرفا بالمطر النازل.

(2) يشترط كرية الخزانة إلا إذا كان السطوح في الحمام أو مثله متساويا بحيث يحسب المجموع كرا واحدا عرفا و الدليل عليه هو ان هذا هو المتيقن من الدليل و نستفيد الإطلاق حسب الارتكاز العرفي هنا و لو استفدنا عدم اشتراط الكرية في المادة في الجاري و أمثاله مثل البئر.

190

كانت أعلى و كان الاتصال بمثل الزملة و يجرى هذا الحكم في غير الحمام أيضا فإذا كان في المنبع الا على مقدار الكر أو أزيد و كان تحته حوض صغير نجس و اتصل بالمنبع بمثل المزملة يطهر و كذا لو غسل فيه شي‌ء نجس فإنه يطهر مع الاتصال المذكور.

اعلم ان تنقيح البحث في هذا الفصل يكون في ضمن أمور. الأول: ان الحمام هل يكون له عنوان خاص غير الكر و الجاري أولا بل يكون من مصاديق الكر و انه هل يحتاج للعاصمية الى الاتصال بالمادة العاصمة أم لا أو كرية المجموع مما في المادة و المجاري و الحياض الصغار يكفى؟ وجوه و أقوال.

الأمر الثاني لا يخفى ان المراد من الحمام هو الحياض الصغار المتصلة لأنه كان متداولا بين السابقين بهذا المنوال و من المعلوم حسب تناسب الحكم و الموضوع انه كان تحت السقف كما هو خصيصة الحمامات.

ثم ان الحمام الذي يكون موضوعا في الاخبار هو الحياض التي دون الكر مع اتصاله بالمادة لا لأن الاخبار في ماء الحمام وردت في قضايا خارجية و كيفية بيان الحكم للحمّام في تلك الأعصار بل من جهة انها أيضا تكون قضايا حقيقية و لكن المركوز في ذهن السائل هو هذا القسم.

و يؤيده أن الحياض لو كان بقدر الكر لا يكون للسؤال عن حكمه وجه و ان الحياض لو لم تكن متصلة بمادة فهي قليل لا خصوصية لها في الحمام.

ثم انه ربّما يقال ان القول بالاتصال هو مقتضى الجمع بين الاخبار.

فمنها (ما في الوسائل باب 7 من الماء المطلق ح 1) عن داود بن سرحان قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ما تقول في ماء الحمام قال هو بمنزلة الماء الجاري.

و دلالة هذه على العاصمية واضحة و لكن لا تصريح فيها بوجود المادة و ان كان قد يفهم ذلك من التشبيه بالجاري.

و منها ما عن بكر بن حبيب (باب 7 من الماء المطلق ح 4) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال‌

191

ماء الحمام لا بأس به إذا كانت له مادّة.

و قد ترى فيها التصريح بلزوم وجود المادة لعدم البأس.

و منها ما (في الوسائل عن قرب الاسناد باب 7 من الماء المطلق ح 8) عن إسماعيل بن جابر عن أيوب بن نوح عن ابى الحسن الأول (عليه السلام) قال ابتدأني فقال ماء الحمام لا ينجسه شي‌ء.

ثم انه قيل بضعف رواية بكر بن حبيب لانه مجهول و بعد عدم الاعتماد بنقله فالقول بالمادة لا وجه له.

و الجواب عنه ان اعتماد الفقهاء عليها و ما نقل عن حبل المتين من الأصحاب بها يوجب جبر الضعف على ان في الطريق صفوان و هو من أصحاب الإجماع و هو لا يروى إلا عن ثقة و ما عن بعض أهل الرجال كالعلامة المامقاني و اضرابه من انه أيضا قد ينقل عن غير الثقة لا يضر بالوثوق النوعي (1) مضافا الى النبوي الذي سيجي‌ء و الى ان التشبيه بالجاري في غيرها يكون النكتة فيه انه كما كان له المادة كذلك الحمام و الا فإن كان التشبيه في مجرد العاصمية فلم لا يشبّهه بالكر.

ثم هنا كلام عن الشيخ الأعظم العلامة الأنصاري في مقام الجواب غير وجيه و هو انه (قده) قال ان البكر فيه لا يكون هو ابن حبيب بل هذا يكون بكر بن محمد بن حبيب الذي هو من الأعاظم و المشايخ الذي حكم بوثاقته النجاشي و الخلاصة و الكشي و فيه ان هذا البكر يكون من أصحاب الإمام الجواد (عليه السلام) الذي توفي سنة 228 من الهجرة النبوية و الرواية منقولة عن الباقر (عليه السلام) و طول عمر الراوي من زمان الامام الجواد (عليه السلام) الى زمانه (عليه السلام) بعيد.

الأمر الثالث لا إشكال في عاصمية ماء الحمام في الجملة إنما الكلام في اشتراط‌

____________

(1) أقول ان في أصل الإجماع على تصحيح ما يصح عن أصحابه منع كما حرره العلامة الخويي (في معجم الرجال ج 1) و الوثوق النوعي أيضا غير حاصل لأن غاية ما يمكن ان يقال هو نقلهم عن الثقة عندهم لا عن الثقة عندنا و مع عدم الوثوق منا فان حصل الوثوق الخبري بمثل الشهرة فهو و الا فالضعف بحاله.

192

الكرية في المادة في الدفع و الرفع أو التفصيل بين الدفع عن نفسه و الرفع عن الغير و بين الرفع عن نفسه بان نقول بعدم اشتراطها في الأول و اشتراطها في الثاني فهنا أقوال:

الأول ما عن الحدائق و هو عدم اشتراط الكرية لا في المبدء و لا في المجموع و دليله ان للحمام عنوانا برأسه غير الكر و لكن فصل بين الدفع و الرفع فقال في الثاني بالاشتراط و لا يخفى ان مرادنا من الرفع هو ان يكون احد الحياض مائه نجسا فنريد ان نطهره بالاتصال بالبقية.

و القول الثاني اعتبار الكرية في الدفع و الرفع الا انه يكفى ان يكون المجموع بقدر الكر:

و القول الثالث اعتبار الكرية في المجموع مع التفصيل بين الدفع و الرفع ففي الثاني يكفي بل يجب ان يكون له مادة تكون هي الكر.

و القول الرابع اعتبار الكرية في المادة مطلقا و هو المشهور المنصور.

اما الدليل على الأول فهو إطلاق روايات الباب فان التشبيه في بعضها بان ماء الحمام بمنزلة الماء الجاري يستفاد منه ان الجاري كما لا يحتاج في العاصمية الى ان يكون مادته كرا كذلك الحمام و ما في بعضها ماء الحمام لا بأس به إذا كانت له مادة مطلق من جهة كونها كرا و عدمه.

و الحاصل يفهم من الإطلاق ان ماء الحمام عاصم من غير اشتراط بالكرية و له خصوصية مثل خصوصية سائر العنوانات مثل الكر و الجاري و المطر.

ثم ان النسبة بين دليل الحمام و دليل الانفعال اما ان تكون عموما و خصوصا مطلقا فيحمل المطلق على المقيد فان دليل الانفعال يحكم بان غير الكر ينجس مطلقا سواء كان من الحمام أو غيره و الحياض يكون الغالب فيه القلة فمع هذا الفرض إذا حكم بالطهارة يكون مخصصا لدليل الانفعال.

و اما ان تكون عموما و خصوصا من وجه ففي هذه الصورة أيضا يقدم دليل‌

193

الحمام في صورة المعارضة.

بيان ذلك ان دليل الانفعال يدل على ان غير الكر ينفعل سواء كان الحمام أو غيره و دليل الحمام يدل على انه لا ينفعل سواء كان بقدر الكرام لا فمورد الافتراق في دليل الانفعال هو ان يكون قليلا غير الحمام و في دليل الحمام ما إذا كان كرا و مورد الاجتماع هو ما إذا كان في الحمام و ان يكون قليلا فيقدم دليل المطر لأنه أظهر لأن السؤال يجب ان يفرض في ما إذا لم يكن كرّا و الا فلا وجه له لان الكر عاصم لا يحتاج إلى السؤال عن حكمه هذا حاصل الاستدلال.

و فيه أولا ان دليل الحمام يكون في مقام بيان الواقع و لا يكون من القضايا الخارجية و لكن مغروس الأذهان كان هو الحياض الصغار و بعد فرض وجود المادة يجب ان يكون كرّا لانه القدر المتيقن.

و ثانيا ان التشبيه بالجاري لا يستفاد منه عدم اشتراط كرية المبدء لأنا نحكم في الجاري أيضا بأن المادة يجب ان تكون كرّا و لكن نكشفها من اتصال الجريان و على فرض الإهمال في التشبيه فيؤخذ بالقدر المتيقن و لا إطلاق لروايات الباب حتى يشمل صورة عدم الكرية.

لا يقال اشتراط الكرية في حصول المادة يرجع الى لغوية دليل الحمام و يكون من مصاديق الكرّ و لا يشترط فيه ان يكون المبدء كرّا بل إذا كان المجموع بقدره يكفى ان يكون من مصاديقه.

لأنا نقول نحن و ان لم نشترط تساوى السطوح في الكرّ الا انه لا نتحاشى من وجوب صدق الاتحاد بحيث يصدق انه لاقى الكرّ و ملاقاة بعض الحياض الصغار مع تفرقها لا يصدق عليه انه لاقى الكرّ فلا يشمله دليل الكر له و دليل الحمام يحكم بأن الوحدة لا تعتبر و هذا هو الخصيصة في الحمام.

و من هنا ظهر الاستدلال للقول الثاني و هو اعتبار الكرّية في الدفع و الرفع في المجموع و حاصل التقريب هو ان روايات الباب مطلقة و لكن لا يكون لها إطلاق بحيث يشمل حتى صورة عدم كون المجموع كرا بل وردت لدفع احتمال عدم‌

194

كفاية كونه كرّا مع التفرق فيستفاد العاصمية من دليل الكر مع ضمه الى دليل الحمام.

و فيه ان المتيقن منه هو ما كانت المادة كرّا هذا أولا و ثانيا لو تمّ ذلك يكون في صورة الدفع لا الرفع لانه منوط بان نقول متمم الكر أيضا عاصم و قد عرفت فساده.

و اما مستند القول الثالث الذي هو مختار المصنف و هو التفصيل بين الدفع و الرفع إذا كان المجموع كرّا (و هذا مسلك جملة من المحققين أيضا) فهو ان دليل الكر مع ضميمة دليل الحمام يستفاد منه عاصمية الماء الذي يكون مجموعه بقدر الكرّ عدم صدق الوحدة و لكن في الدفع لا الرفع لان الماء إذا صار نجسا يحتاج في تطهيره إلى إلقاء الكر عليه و لا يكفيه الإتمام كرا فحيث لا يكون متمم الكر مطهرا فلا يمكن القول بالعاصمية حتى في صورة الرفع و غاية ما يستفاد من دليلنا أن الوحدة الدقّية في الحمام تكفى.

و فيه ما تقدم من عدم إطلاق دليل الكر في صورة عدم انحفاظ الوحدة العرفية و لا يستفاد منه أزيد من صورة كون المادة بوحدتها كرا.

فمن جميع ما ذكرناه ظهر الاستدلال أيضا للقول الرابع و هو مختارنا بان كرية المادة شرط في التطهير.

الأمر الرابع ربما يتوهم ان عاصمية الحياض الصغار لو كانت من باب الاتحاد مع المادة ينطبق دليل الكر فكما انه عاصم من جهة الدفع كذلك يرتفع نجاسة الحوض بالوحدة مع الكر و اما لو لم يكن من ذلك الباب بل من جهة استمداد السافل من العالي فالاستفادة للطهارة من دليل الحمام مشكل إذ قد عرفت ان أدلة الحمام منصرفة إلى الحمامات الموجودة سابقا فيحمل على ان الاتصال كان دائميا فإذا فرض قطع الاتصال فيمكن تطهير الحياض و يشكل تطهير المياه بواسطة الاتصال ثانيا فحينئذ يشكل أخذ الإطلاق من أدلة الباب بحيث تشمل حتى إذا كان الماء نجسا فإن شئنا أن نقول بالتطهير يجب ان يكون المورد صغرى للكبرى المستفادة من صحيحة ابن بزيع بان كل ماله المادة يكون مطهرا، كرا كان أو جاريا فلا نستفيد من روايات الحمام هذا المعنى.

195

و فيه ان قضيّة الحمام تكون من القضايا الواقعية دون الخارجية و قد مر ان الحياض كانت مرتكزة للعرف و الا فلا فرق و لا خصوصية لما سمى حماما و ما لم يسم بذلك. و رواياته في رفع النجاسة من سائر النجاسات غير المياه ناصّة و فيها ظاهرة لان السؤال يكون عن الجنب يغتسل فيه فهو بالنسبة إليه دافع و رافع و إذا قيل في بعضها ماء الحمام كماء الجاري يطهّر بعضه بعضا فيكون سببا لظهوره بالنسبة إلى الماء و مقتضى التشبيه بالجاري هو ان يحمل عليه أظهر آثاره و هو الدفع و الرفع ثم على فرض كونها خارجية لا وجه لاحتمال الاتصال دائما بالمبدء و ان يكون الانقطاع مثلا لتطهير الحياض فقط و الحاصل هذا التوهم في غاية السقوط لإطلاق الروايات.

الأمر الخامس اختلف كلامهم في انه على فرض تطهير المياه بالاتصال هل يحتاج الى المزج أم لا سواء نقول بلزومه في سائر العواصم أم لا اعنى على فرض لزومه فيها اختلفوا هنا.

فربما يقال بأنه لا يحتاج إليه لإطلاق الدليل فان ماء الحمام كماء الجاري سواء مزج أولا.

و فيه ما لا يخفى من انه إذا أخذنا القضية فيه حقيقية لا يمكن أخذ الإطلاق و القدر المتيقن منه هو ما إذا حصل مزجا ما و التشبيه بالنهر أيضا لا يخلو عن هذه النكتة لأن النهر بالطبع يمتزج بعضه مع بعض.

فتحصل من جميع ما ذكرناه ان ماء الحمام عاصم في الدفع و الرفع إذا كان متصلا بالمادة.

[فصل في ماء البئر]

فصل ماء البئر النابع بمنزلة الجاري لا ينجس الا بالتغيير سواء كان بقدر الكر أو أقل و إذا تغير ثم زال تغيره من قبل نفسه طهر لان له مادة و نزح المقدرات في صورة عدم التغير مستحب و اما إذا لم يكن له مادة نابعة

196

فيعتبر في عدم تنجسه الكرية و ان سمى بئرا كالآبار التي يجتمع فيها ماء المطر و لا نبع لها.

اعلم ان هذا الفصل يتضح في ضمن أمور الأول: ان نبحث في معنى البئر فنقول كل من كان بصدد تعريفه فبالأخرة يوكله الى العرف حتى الشهيد (قدس سره) و بالنسبة الى بعض المصاديق ينتهي الأمر إلى الشك و اما الشك في ان الآبار في زمن صدور الروايات لعله كان بغير هذا النحو فيدفعه أصالة تطابق الأزمنة.

و الحاصل ان الماء المجتمع الذي يكون نبعه من سفل هو البئر بحيث إذا أخذ منه دلو ينبع عن مادته و اما إذا أخذ منه و لا ينبع الا بالحفر فهو مشكوك في انه بئر أم لا (1) نعم إذا لم يكن في وسعه النبع مع الحفر أيضا لا يسمى بئرا قطعا كما ان القنوات غير آبارها لا يسمى بئرا كما نشاهد من العرف و أيضا إذا كان البئر بحيث ينبع الماء منه و يخرج من فمه و يجرى كما في بعض الآبار أيضا فهو مشكوك في انه داخل تحت عنوان الجاري أو البئر و الحاصل بالرجوع الى العرف يتضح جميع ذلك.

و اما حكمه ففيه أقوال الأول ان يكون الاتصال بالمادة منحفظا سواء كان المياه الموجودة بقدر الكرّ أو ما دونه و هذا قول المتأخرين فإذا كان كذلك لا ينجس بوقوع النجاسة فيه الا بالتغيير.

و الثاني القول بالنجاسة بالملاقاة سواء كان بقدر الكرّ أو لم يكن و يلزمه إلغاء دليل الكرّ بالنسبة الى هذا المورد.

الثالث التفصيل بين ما كان بقدر الكر فلا ينجس الا بالتغيير و ما كان أقل‌

____________

(1) أقول انه لا شك انه ليس البئر في العرف إلا حفرة جمع فيه الماء و صدق البئر بمعنى أنها حفرة كذائية عليها واضح و لو لم يكن فيها ماء أصلا و نعلم قطعا انه لا يكون الروايات بصدد ان الماء إذا كان في حفرة و لم يكن كرا يوجد له خصيصة موجبة للعاصمية.

197

فينجس و لو مع عدم التغيير.

ثم المشهور من زمن العلامة (ره) هو القول الأول و يحمل روايات وجوب النزح على الاستحباب كما فعل العلامة (قده) و لكن المتقدمين ذهبوا الى القول الثاني اما مستند المتأخرين فأمور: أجودها الروايات الدالة على الطهارة بحيث يلزم تأويل المعارض في مقابلها.

فمنها (1) (باب 14 من الماء المطلق ح 6) عن احمد بن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السلام) ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء الا ان يتغير ريحه أو طعمه فينزح حتى يذهب الريح و يطيب طعمه لانه له مادة.

و أيضا بهذا الطريق و فيه الكليني (قده) ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء الا ان يتغير به (باب 14 من الماء المطلق ح 1).

و بطريق المفيد (باب 14 منه ح 7) قال كتبت الى رجل اسئله ان يسئل أبا الحسن الرضا (ع) فقال ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء الا ان يتغير ريحه أو طعمه فينزح منه حتى يذهب الريح و يطيب الطعم لان له مادة.

ثم ان كل هذه الروايات صحاح و دلالتها على المدعى كالنص سيما مع ذكر العلة في الاولى و الأخيرة بقوله (عليه السلام) لان له مادة الا ان يوجه بتوجيهات ضعيفة كما سيأتي بعيد هذا.

تقريب الاستدلال هو ان المراد بالواسع لا يكون وسعة الموضوع بأنه كثير لأنه‌

____________

(1) أقول بالنظر الى الروايات يظهر ان الحق مع المتأخرين و ان البئر لا تنجس بواسطة النجس إلا إذا تغيرت انظر الى رواياتها في الوسائل و لا وجه للتفصيل بين ما كان بقدر الكر أو أقل إذا كان له مادة نابعة فإن القول بهذا لازمه إسقاط عنوان المادة عن الاعتبار فمورد الكر غير مورد البئر و غير مورد ماله المادة و بالارتكاز نفهم أيضا انه لا فرق بين الماء النابع على ظهر الأرض كالجاري و العيون أو ما يكون تحت الأرض بذراعات و تفصيل الأدلة في المتن عن الأستاذ يغنيك عن مزيد بيان هنا

198

لا يكون من شأن المشرّع بيانه بل المراد هو ان البئر واسع الحكم فهو عاصم كما مر هذا تفصيلا في الماء الجاري.

و لكن قد وجه الشيخ بان المراد بعدم الفساد هو انه لا يفسده شي‌ء بحيث يحتاج الى نزح الجميع اما الفساد بحيث يرفع بنزح الدلاء فلا ينفيه الرواية و هذا ضعيف جدّا كما تراه.

و منها صحيحة على بن جعفر (باب 4 من الماء المطلق ح 8) (و في طريقها ابن محبوب فتكون رواية ذهبية) عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال سئلته عن البئر وقع فيه زنبيل من عذرة رطبة أو يابسة أو زنبيل (ن خ ل زبّيل) من سرقين أ يصلح الوضوء منها قال لا بأس.

تقريبها هو ان الحكم بعدم البأس مطلق و لم يقيد بما إذا كان بعد النزح.

و قد يوجه بأن العذرة و ان وقعت في البئر و لكن من اين يثبت وصولها الى الماء و على فرض وصوله من اين يثبت كونها عذرة الإنسان بل يحتمل ان تكون غيرها و ضعفه كما ترى لا يحتاج الى البيان.

و منها (باب 14 من الماء المطلق ح 10) صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه قال سمعته يقول لا يغسل الثوب و لا تعاد الصلاة مما وقع في البئر الا ان ينتن فإن أنتن غسل الثوب و أعاد الصلاة و نزحت البئر.

تقريبها أيضا واضح بان البئر لا يفسد إلا إذا تغير و صار نتنا ثم أمثال هذه الروايات كثيرة و ما ذكر يكون صحاحها.

ثم من الأدلة للمتأخرين النبوي المشهور خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء الا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه (في باب 1 من الماء المطلق ح 9) و الاستدلال بها يكون بعد إسقاط الأدلة الخاصة للتعارض.

و فيه ان هذه الرواية صدرت في مورد بئر يسمى ببئر بضاعة فإذا كان مورده كذلك بالعموم تصير معارضة مع الروايات الدالة على النجاسة و نقل عن المنتهى‌

199

ان هذا البئر كان أمّ الآبار فيخرج عن فرض المسألة لأنه في حكم الجاري.

أما مستند القول الثاني و هو القول بالنجاسة فعمدته روايات الباب: منها صحيحة محمد بن إسماعيل (باب 14 من أبواب المياه ح 21) قال كتبت الى رجل ان يسئل أبا الحسن الرضا (ع) عن البئر يكون في المنزل (1) للوضوء فيقطر فيها قطرات من بول أو دم أو يسقط فيها شي‌ء من عذرة كالبعرة و نحوها ما الذي يطهرها حتى يحل الوضوء منها للصلاة فوقّع بخطه في كتابي ينزح دلاء منها.

تقريب الاستدلال- ان الحكم بنزح الدلاء بعد السؤال عن المطهر يفهم منه بتناسب الحكم و الموضوع ان ماء البئر صار نجسا و مغروس ذهن السائل أيضا كان ذلك و نزح الدلاء يكون له وجوب شرطي مقدمة للطهارة و القول بأنه واجب تعبدي نفسي غير وجيه لما مرّ من تناسب الحكم و الموضوع و المنجس هنا معلوم افراده و هو قطرة دم أو عذرة.

و فيه ان التحقيق ان في الرواية نكتة تمنع عن حملها على الوجوب فضلا عن كونه شرطيا أو نفسيا و هي ان الجواب مجمل مع كونه (عليه السلام) في مقام البيان و الكتابة يهتم بها أكثر مما يهتم بالجواب الشفاهي كما هو المعلوم من العرف لانه (عليه السلام) قال ينزح دلاء و نزح الدلاء مع عدم بيان العدد إجماله غير محتاج الى البيان و إيكال التفصيل إلى سائر الروايات خلاف الظاهر و كون المتكلم بصدد البيان و ينظر العرف أيضا خلاف الإجماع و الروايات الواردة الدالة على التحديد فيظهر من جميع ما ذكر ان المورد كان مورد الاستحباب و عدم تصريحه (عليه السلام) به يكون لأجل التقية لأن العامة يطبّقون على النجاسة هذا.

و اما الإشكال بأن السائل سئل بقوله بما ذا يطهر فهذا لا يكون الا لمغروسية النجاسة‌

____________

(1) أقول يمكن الإشكال في الدلالة بان البئر للوضوء يمكن ان تكون غير البئر النابعة كما انى رأيت ان بعض الناس في سابق الزمان عمل شبه البئر مقام الحوض في البيت و الا فلا وجه للقيد و هو قوله للوضوء.

200

في الأذهان و الامام (عليه السلام) قررها بان النزح لازم للتطهير و الأصل عدم كونه (عليه السلام) في مقام التقية فإنه يسئل بما ذا يطهر و يجيب (عليه السلام) بالنزح و تفصيله موكول إلى سائر الروايات فمدفوع أولا بأنه بعد تسليم كون المغروس في الأذهان النجاسة لا يكون قوله (عليه السلام) ينزح إمضاء للإجمال في الجواب فيمكن ان يكون هذا ردعا بعنوان إجمالي على انه على احتمال كون صحيحة ابن بزيع و هذه رواية واحدة يندفع الإشكال بأن نقول ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء و لكن ينزح دلاء تنظيفا لرفع القذارة العرفية و اما إذا كانتا روايتين فتصير الصحيحة شاهدة لعدم وجوب النزح.

ان قيل يلزم من عدم كونه للتقرير نقض الغرض فلا محالة يكون له. قلنا مع كونه (عليه السلام) في ضيق الخناق لا نقض و أصالة عدم التقية ان سلمنا جريانها لا نسلم ان المغروس في الأذهان كانت النجاسة بل هو لنفرة العرف عن ماء وقع فيه نجاسة و لو أغمض عن ذلك لا يمكن التقرير بواسطة وجود الروايات المتعددة المحدّدة فتحصل من جميع ما ذكر عدم دلالة هذا الحديث الشريف على وجوب النزح.

ثم هنا شي‌ء و هو انهم يفتون بان البئر ينجس و لو كان بقدر الكر و هذا يناقض قولهم بان الكر عاصم فلا وجه لحكمهم بالنجاسة الا ان يكون وجود المادة في البئر مانعا عن العاصمية و هذا في السخافة كما ترى.

و منها صحيحة على بن يقطين (باب 17 من الماء المطلق ح 2) عن ابى الحسن موسى (عليه السلام) قال سئلته عن البئر يقع فيها الحمامة و الدجاجة و الفارة و الكلب و الهرّة فقال يجزيك ان تنزح منها دلاء فان ذلك يطهّرها إنشاء اللّه.

و الشيخ قده رأى هذه الرواية أحسن للدلالة على النجاسة من سابقتها لان لفظ يطهرها يكون في كلام الامام (عليه السلام) و هو دال على النجاسة.

و فيه ان الإجمال في جوابه (عليه السلام) يمنع عن حمله على النجاسة كما مرّ على انه (عليه السلام) قال بعده يجزيك إنشاء اللّه و هذا ظاهر في ان المراد بالتطهير هو رفع القذارة العرفية المركوزة في الأذهان.

201

و منها صحيحة ابن ابى يعفور (باب 14 من الماء المطلق ح 22) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذا أتيت البئر و أنت جنب و لم تجد دلوا و لا شيئا تغرف به فتيمّم بالصعيد فان رب الماء رب الصعيد و لا تقع في البئر و لا تفسد على القوم مائهم.

و تقريب الاستدلال هو ان نقول حكمه (عليه السلام) بالتيمم يكون للمصلحة في رفع اليد عن المصلحة الإلزامية في الطهارة المائية و هذا كاشف عن انه لو اغتسل في البئر تنجس و الا فلا وجه للأمر بالتيمم.

و فيه ان كان المراد من النهي عن الدخول هو الاشعار بالنجاسة فيلزم ان يقول (عليه السلام) لا تفسد عليك الماء لان الغسل بالماء النجس باطل لا ان يقول لا تفسد على القوم مائهم فالتعبير بهذه العبارة و هو انه لا ينبغي إفساد الماء على القوم يكشف منه انه (عليه السلام) كان في مقام بيان نكتة اخلاقية.

و منقصة مصلحة الطهارة المائية تنجبر برعاية هذا الأمر الاخلاقى هذا حاصل أدلة القائلين بالنجاسة و قد عرفت بطلانها و من القرائن الشديدة في المقام لعدم النجاسة و حملها على القذارة و النفرة العرفية ما في بعض الروايات بالأمر بالنزح و يحكم بأنه لو توضأ قبل النزح بمائه لا بأس به فالحكم بالنزح و عدم البأس بالوضوء بما لم ينزح دليل واضح على عدم النجاسة.

الدليل الثاني للقدماء هو الروايات المستفيضة التي تكون في مقام بيان تحديد النزح في مورد الأعيان النجسة و قرّرها بان الأمر بالنزح لا يكون للوجوب التعبّدي لأنه بعيد جدّا فلا محالة له وجوب شرطي للتطهير.

و الحاصل بعد نفى احتمال التعبد في هذه الروايات فتدل على نجاسة البئر مع ضميمة ما مرت من الروايات السابقة.

و فيه ان الدلالة على التنجيس ضعيفة لولا فتاوى القدماء و لا نفهم منها النجاسة لأنها في موار خاصة و مملوّة من الاختلاف و أيضا حكم في بعضها بعدم البأس بالوضوء به قبل النزح و ملاقاته الثوب كما مرّ و قابلة أيضا لحملها على القذرات العرفية و تنفراتهم‌

202

على انها في موارد غير الأعيان النجسة. فتحصل عدم الاطمئنان بهذه الروايات لو سلم الظهور في النجاسة.

لا يقال كيفما كان اعراض القدماء عن الروايات الدالة على الطهارة موجب لضعف السند لأنهم كانوا أقرب بزمان الأئمة (عليهم السلام) و آنس بالصحة و السقم في الروايات و لا تكون هذه الروايات مثل ما يحتمل الوجهان نحو لا صلاة لجار المسجد فإنه يمكن ان يفهم منه النهي التحريمي أو الكراهة فلا محالة يجب التمسك بما دل على النجاسة لأنهم تمسكوا بها.

لأنا نقول نحن أيضا نقبل ان اعراضهم يصير سببا لخدشة في الرواية من جهة السند و لكن الكبرى لا تنطبق في المقام لأنهم لم يعرضوا عنها و الشاهد عليه انهم صاروا بصدد التوجيه و الا فلا وجه له بعد ضعف السند بل يجب ضربها على الجدار و طرحها لا التوجيه بالنسبة إليها و قد عرفت ان علاجهم لا يكون عندنا صحيحا تبعا للعلامة (قده) مع احتمال كونهم في التقية و لكن دعوى الاتفاق منهم يبعد هذا الاحتمال.

و من المؤيدات لما ذكرنا و هو عدم التنجيس قولهم بان ماء البئر ينجس و لو كان كرا و هذا كما ترى و مرّ الإشارة إليه هذا.

ثم على فرض التعارض بين الروايات يجب الرجوع الى المرجح فان كانت الشهرة الفتوائية مثل الروائية مرجحة فهو و الا فكما هو الحق من عدم حجية الشهرة الفتوائية فلا مرجح لمذهب القدماء و ادعى ان الشهرة الروائية تكون في روايات الطهارة و على فرض التعارض يكون لهما جمع عرفي.

القول الثالث في البئر و هو التفصيل كما عن ابى الحسن محمد بن محمد البصروي بين ما إذا كان البئر بقدر الكر فلا تنجس و ما كان أقل فينجس و استدل عليه بالروايات.

منها رواية عمار (باب 14 من الماء المطلق ح 15) قال سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن البئر يقع فيها زنبيل عذرة يابسة أو رطبة قال لا بأس إذا كان فيها ماء كثير.